مجموع الفتاوىسُورَةُ الْأَحْزَابِ

سُورَةُ الْأَحْزَابِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ دَلِيلٌ عَلَى مِثْلِ مَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَعَلَيَّ﴾ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ جَعَلَ الْأَقَارِبَ بَعْضَهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أُولِي أَرْحَامِهِمْ؛ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي مِلْكَ مَالِهِمْ أَحْيَاءٌ فَكَذَلِكَ أَمْوَاتًا وَإِنَّمَا يَقْتَضِي حَمْلَ الْكَلِّ وَالضِّيَاعِ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ الْخُمُسُ أَوْ خُمُسُهُ أَوْ مَالُ الْفَيْءِ كُلِّهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلْمِيرَاثِ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ﴾ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِيمَانِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْمُقَيَّدَةُ تَقْضِي عَلَى تِلْكَ الْمُطْلَقَةِ فِي الْأَنْفَالِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
" أَحَدُهَا " أَنَّ هَذِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَتِلْكَ فِي الْأَنْفَالِ عَقِبَ بَدْرٍ.
" الثَّانِي " أَنَّ هَذَا مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَسَبَبٍ وَاحِدٍ وَالْحُكْمُ هُنَا مُتَضَمِّنٌ لِلْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَى الْغَيْرِ وَإِيجَابِ الْإِعْطَاءِ.
" الثَّالِثُ " أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ ذَكَرَ فِيهَا الْأَوْلَوِيَّةَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ أَيْضًا فَهِيَ دَلِيلٌ ثَانٍ وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تُفَسِّرَانِ الْمُطْلَقَ فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ وَيَكُونُ هَذَا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ﴾ مُوَافِقًا لَهُ؛ فَأَمَّا مِيرَاثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَفِيهِ الْخِلَافُ الشَّاذُّ فَنَسْتَفِيدُ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَيْضًا مَعَ الْحَدِيثِ وَيَدْخُلُ فِي الْآيَتَيْنِ سَائِرُ الْوِلَايَاتِ مِنْ الْمُنَاكَحِ وَالْأَمْوَالِ وَالْعَقْلِ وَالْمَوْتِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ دَلِيلٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَآيَاتِ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أُبِيحَ لَهُ كَانَ مُبَاحًا لِأُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ التَّزْوِيجَ كَانَ لِمَنْعِ الْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ التَّزْوِيجِ فَلَوْلَا أَنْ فِعْلَهُ الْمُبَاحَ لَهُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ لِأُمَّتِهِ لَمْ يُحْسِنْ التَّعْلِيلَ وَهَذَا ظَاهِرٌ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي تَزْوِيجِهِ امْرَأَةَ الدَّعِيِّ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ تَزَوُّجَهَا حَرَامٌ فَفِي مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا إذَا كَانَ هَذَا فِي النِّكَاحِ الَّذِي خَصَّ فِيهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ بِمَا لَمْ تُشْرِكْهُ أُمَّتُهُ كَالنِّكَاحِ بِلَا عَدَدٍ وَتَزَوَّجَ الْمَوْهُوبَةَ بِلَا مَهْرٍ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ إبَاحَةَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ فَفِيمَا لَمْ يَظْهَرْ خُصُوصِيَّةٌ فِيهِ كَالنِّكَاحِ أَوْلَى.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ مَا أُبِيحَ لَهُ مُبَاحٌ لِأُمَّتِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُهُ: فِي سِيَاقٍ مَا أَحِلُّهُ لَهُ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ مِنْ وَجْهَيْنِ.
" أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ لَمَّا أَحَلَّ لَهُ الْوَاهِبَةَ قَالَ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِيُبَيِّنَ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ.
فَعَلِمَ أَنَّهُ حَيْثُ سَكَتَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ كَانَ الِاشْتِرَاكُ ثَابِتًا وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِبَيَانِ الِاخْتِصَاصِ.
" الثَّانِي " أَنَّهُ مَا أَحَلَّهُ مِنْ الْأَزْوَاجِ وَمِنْ الْمَمْلُوكَاتِ وَمِنْ الْأَقَارِبِ

أَطْلَقَ وَفِي الْمَوْهُوبَةِ قَيَّدَهَا بِالْخُلُوصِ لَهُ؛ فَعُلِمَ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ التَّقْيِيدِ فِي أُولَئِكَ دَلِيلُ الِاشْتِرَاكِ.
فَإِنْ قِيلَ: السُّكُوتُ لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالتَّقْيِيدُ بِالْخُلُوصِ يَنْفِي الِاشْتِرَاكَ فَتَكُونُ فَائِدَتُهُ أَنْ لَا يَظُنَّ الِاشْتِرَاكَ بِدَلِيلِ مُنْفَصِلٍ فَإِنَّ التَّحْلِيلَ لَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ قَطْعًا لَكِنْ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ أَمْ لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ هَذَا مَوْضِعُ التَّرَدُّدِ.
فَإِذَا قُيِّدَ بِالْخُلُوصِ دَلَّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ.
قِيلَ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ كَمَا أَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ.
وَهُنَا إمَّا أَنْ يُقَالَ: كَانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ عَلَى الْأَصْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفُرُوجَ مَحْظُورَةٌ إلَّا بِالتَّحْلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَكَانَ يَكُونُ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إخْلَاصِهِ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْخِطَابُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ وَالْعُمُومَ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ فِي الْحُكْمِ.
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّفْظَ فِي اللُّغَةِ قَدْ يَصِيرُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ أَخَصَّ أَوْ أَعَمَّ؛ فَالْخِطَابُ لَهُ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فِي اللَّفْظِ لُغَةً فَهُوَ عَامٌّ عُرْفًا وَهُوَ مِمَّا نُقِلَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ كَمَا يُنْقَلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مُخَاطَبَاتِ الْمُلُوكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ.
كَمَا أَنَّ

الْعَامَّ قَدْ يَصِيرُ بِالْعُرْفِ خَاصًّا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ مَعَ الْعَامِّ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالْحُكْمِ فَلَمَّا خَصَّ خِطَابَ الْمَوْهُوبَةِ بِذِكْرِ الْخُلُوصِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْخُلُوصِ عَنْ الْبَاقِي.
وَإِنَّمَا انْتِفَاءُ الْخُلُوصِ عَنْ الْبَاقِي بِعَدَمِ ذِكْرِ الْخُلُوصِ مَعَ إثْبَاتِ التَّحْلِيلِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُلِمَ أَنَّ إثْبَاتَ التَّحْلِيلِ لَهُ مَعَ عَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِهِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ.
وَعَلَى هَذَا فَالْخِطَابُ الَّذِي مَخْرَجُهُ فِي اللُّغَةِ خَاصٌّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا فِي الْعَامِّ عُرْفًا مِثْلَ خِطَابِ الرَّسُولِ وَالْوَاحِدِ مِنْ الْأُمَّةِ وَمِثْلَ تَنْبِيهِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ: لَا أَشْرَبُ لَك الْمَاءَ مِنْ عَطَشٍ وَمِثْقَالُ حَبَّةٍ وَقِنْطَارٌ وَدِينَارٌ.
وَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَذْكُورِ بِالْحُكْمِ وَنَفْيِهِ عَمَّا سِوَاهُ كَمَا فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ قَائِمًا وَخُصَّ أَحَدُ الْأَقْسَامِ بِالذِّكْرِ.
وَإِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَفْظًا ثُمَّ يُوجَدُ الْعُمُومُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إمَّا مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ الْأَوْلَى وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ،

وَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ تَنْبِيهِ الْخِطَابِ وَبَيْنَ قِيَاسِ الْأَوْلَى فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي ذَاكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّفْظِ عَمَّهُمَا عُرْفًا وخَطًّاباً وَهُنَا مُسْتَفَادٌ مِنْ الْحُكْمِ بِحَيْثُ لَوْ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ فِعْلٌ أَوْ إقْرَارٌ أَوْ خِطَابٌ يَقْطَعُ مَعَهُ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يُرَدَّ إلَّا الصُّورَةَ لَكَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِنَوْعِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ لِمَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ؛ فَالْعُمُومُ هُنَا مَعْنَوِيٌّ مَحْضٌ وَهُنَاكَ لَفْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي التَّنْبِيهِ هَلْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّفْظِ أَوْ هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ؟ لِتَعْلَمَ أَنَّهُ قِسْمَانِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ اللَّفْظِ يُرِيدُ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ الْعُمُومُ.
وَيُمَثِّلُ بِوَاحِدِ تَنْبِيهًا كَقَوْلِ النَّحْوِيِّ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا؛ بِخِلَافِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْمَعْنَى.
وَالْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا﴾ تَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ لِأُمَّتِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي نَفْسِهِ لَا يَعُمُّ لَفْظًا وَوَضْعًا وَإِنَّمَا يَعُمُّ بِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الِاشْتِرَاكُ والايتساء.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي السُّورَةِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الْآيَةَ.
فَإِنَّ فِيهَا التَّأَسِّي فِيمَا أَصَابَهُ.
وَمَتَى ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الايتساء بِهِ فِي حُكْمِهِ عِنْدَمَا أَصَابَهُ: كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا فَعَلَهُ؛ إذْ الْمُصَابُ عَلَيْهِ فِيهِ وَاجِبَاتٌ وَمُحَرَّمَاتٌ؛ فَدَلَّتْ هَذِهِ

الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُشَارَكَتُهُ فِي الْإِيجَابِ وَالْحَظْرِ كَمَا دَلَّتْ تِلْكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُشَارَكَتُهُ فِي الْإِحْلَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الْآيَةَ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجَابَ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ الْحَرَائِرَ دُونَ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ أَزْوَاجَهُ وَبَنَاتَهُ وَلَمْ يَقُلْ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك وَإِمَائِك وَإِمَاءِ أَزْوَاجِك وَبَنَاتِك ثُمَّ قَالَ: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَالْإِمَاءِ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَهُنَّ حَتَّى عَطَفَ عَلَيْهِ فِي آيَتَيْ النُّورِ وَالْأَحْزَابِ: وَهَذَا قَدْ يُقَالُ إنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يَخُصُّ مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ بِالْإِنَاثِ وَإِلَّا فَمَنْ قَالَ: هِيَ فِيهِمَا أَوْ فِي الذُّكُورِ فَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَمْهُورَاتِ دُونَ الْمَمْلُوكَاتِ فَكَذَلِكَ هَذَا فَآيَةُ الْجَلَابِيبِ فِي الْأَرْدِيَةِ عِنْدَ الْبُرُوزِ مِنْ الْمَسَاكِنِ وَآيَةُ الْحِجَابِ عِنْدَ الْمُخَاطَبَةِ فِي الْمَسَاكِنِ؛ فَهَذَا مَعَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّهُ ﴿لَمَّا اصْطَفَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حيي وَقَالُوا: إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلَّا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحِجَابَ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْحَرَائِرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أُمُومَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَزْوَاجِهِ دُونَ سَرَارِيهِ

وَالْقُرْآنُ مَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ وَهَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ ثَالِثٌ مِنْ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ عَائِدٌ إلَى أَزْوَاجِهِ فَلَيْسَ لِلْمَمْلُوكَاتِ ذِكْرٌ فِي الْخِطَابِ؛ لَكِنَّ إبَاحَةَ سَرَارِيِّهِ مِنْ بَعْدِهِ فِيهِ نَظَرٌ.
فَصْلٌ: مَنْ قَالَ مِنْ أَنَّ السَّرَاحَ وَالْفِرَاقَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ بِذَلِكَ وَجَعَلَ الصَّرِيحَ مَا اسْتَعْمَلَهُ الْقُرْآنُ فِيهِ كَمَا يَقُولُهُ: الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ: فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ.
" أَحَدُهُمَا " أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ النَّاسَ يَنْطِقُونَ بِلُغَاتِهِمْ الَّتِي تُوَافِقُ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوْ تُخَالِفُهَا مِنْ عَرَبِيَّةٍ أُخْرَى عَرَبًا مُقَرَّرَةً أَوْ مُغَيَّرَةً لَفْظًا أَوْ مَعْنًى أَوْ مِنْ عَرَبِيَّةٍ مُوَلَّدَةٍ أَوْ عَرَبِيَّةٍ مُعَرَّبَةٍ تُلُقِّيَتْ عَنْ الْعَجَمِ أَوْ عَنْ عَجَمِيَّةٍ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ وَنَحْوَهُ يُثْبِتُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنْ اللُّغَاتِ: إذْ الْمَدَارُ عَلَى الْمَعْنَى وَلَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَلْتَزِمُوهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ وُقُوعَ مَا لَمْ يُوقِعُوهُ.
وَأَيْضًا فَاسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ لَفْظًا فِي مَعْنًى

لَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
" الْوَجْهُ الثَّانِي " وَهُوَ الْقَاصِمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَكْثَرُ مَا جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ فَهَذَا بَعْدَ التَّطْلِيقِ الْبَائِنِ الَّذِي لَا عِدَّةَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَسْرِيحِهِنَّ مَعَ التَّمْتِيعِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إيقَاعَ طَلَاقٍ ثَانٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ وِفَاقًا وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّخْلِيَةَ بِالْفِعْلِ وَهُوَ رَفْعُ الْحَبْسِ عَنْهَا حَيْثُ كَانَ النِّكَاحُ فِيهِ الْجَمْعَ مِلْكًا وَحُكْمًا وَالْجَمْعُ حِسًّا وَفِعْلًا بِالْحَبْسِ وَكِلَاهُمَا مُوجِبُهُ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَإِذَا زَالَ الْمِلْكُ أُمِرَ بِإِزَالَةِ الْيَدِ: كَمَا يُقَالُ فِي الْأَمْوَالِ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ فَالْقَبْضُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَابِعٌ لِلْعَقْدِ فَإِذَا رُفِعَ الْعَقْدُ إمَّا بِإِزَالَةِ الْيَدِ الَّتِي هِيَ الْقَبْضُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّسْرِيحَ هُوَ التَّطْلِيقُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِهِ التَّخْلِيَةَ الْفِعْلِيَّةَ: حَيْثُ قَرَنَهُ بِالْمَتَاعِ؛ لَكِنَّ التَّخْلِيَةَ الْفِعْلِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّطْلِيقِ أَوْ يُرِيدُ بِهِ الْأَمْرَيْنِ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَحْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُهُنَّ بَلْ يَضُرُّهُنَّ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ كَذَلِكَ.
فَإِنَّ الرَّجْعِيَّةَ إذَا قَارَبَتْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لَا يُؤْمَرُ فِيهَا بِتَطْلِيقِ ثَانٍ: إذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ

بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهَا وَهُوَ التَّسْرِيحُ وَالْفِرَاقُ بِالْأَبْدَانِ؛ بِحَيْثُ لَا يَحْبِسُهُنَّ وَلَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِنَّ كَرَفْعِ الْيَدِ عَنْ الْأَمْوَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِيمَا أَخْطَأَ بِهِ مِنْ دُعَاءِ الرَّجُلِ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ إلَى غَيْرِ مَوْلَاهُ.
ثُمَّ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى رَفْعِ الْجَنَاحِ فِي جَمِيعِ مَا أَخْطَأَ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ: إمَّا بِالْعُمُومِ لَفْظًا وَيُقَالُ: وُرُودُ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ مُقَارَنٍ لَهُ فِي الْخِطَابِ لَا يُوجِبُ قَصْرَهُ عَلَيْهِ وَإِمَّا بِالْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ أَنَّ الْأَخْطَاءَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْقَلْبِ؛ فَيَكُونُ عَمَلُ جَارِحَةٍ بِلَا عَمْدِ قَلْبٍ وَالْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ كَمَا قَالَ: ﴿إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ﴾ وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لَمْ يَضُرَّ عَمَلُ الْفُرُوعِ دُونَهُ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لَا فَسَادَ فِيهِ فَيَكُونُ الْجَسَدُ كُلُّهُ صَالِحًا فَلَا يَكُونُ فَاسِدًا: فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إثْمٌ إذْ الْإِثْمُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ فَسَادٍ فِي الْجَسَدِ وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ رِدْفًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْت.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْإِيمَانِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ فَإِنَّهُ

إذَا كَانَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ - وَفِيهَا مَا فِيهَا - لَا يُؤَاخِذُ فِيهَا إلَّا بِمَا كَسَبَ الْقَلْبُ فَغَيْرُهَا مِنْ الْأَقْوَالِ كَذَلِكَ وَأَوْلَى وَإِذَا كَانَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ الْيَمِينِ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ هُوَ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ اللَّغْوُ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَكْسِبْ مُخَالَفَةً كَمَا لَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمُ الْكَاذِبِ كَمَا لَوْ دَعَا الرَّجُلُ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَمَوْلَاهُ خَطَأً وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِلَا يَمِينٍ عَلَيْهِ إثْمُ الْكَاذِبِ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْيَمِينِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَالِفِ الْمُخَالِفِ؛ إذْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي حِينَ يُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ فَكَذَلِكَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَفِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَوْ مُخْطِئًا جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَكْسِبْ قَلْبَهُ مُخَالَفَةً وَلَا حِنْثًا كَمَا أَنَّهُ لَوْ وَعَدَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا وَلَوْ أَمَرَ بِهِ فَتَرَكَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا.
وَهَذَا دَلِيلٌ يَتَنَاوَلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ وَاللَّفْظِيِّ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُقَارِنَ اللَّغْوُ عَقْدَ الْيَمِينِ أَوْ يُقَارِنَ الْحِنْثُ فِيهَا وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أَيْ هَذَا سَبَبُ الْمُؤَاخَذَةِ؛ لَا أَنَّهُ مُوجِبٌ لَهَا بِالِاتِّفَاقِ فَيُوجَدُ الْخَطَأُ فِي سَبَبِهَا وَشَرْطِهَا وَمَنْ قَالَ: لَا لَغْوَ فِي الطَّلَاقِ فَلَا حُجَّةَ مَعَهُ؛ بَلْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ سَبَقَ لِسَانَهُ بِذِكْرِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ عَمْدِ الْقَلْبِ لَمْ يَقَعْ بِهِ وِفَاقًا وَأَمَّا إذَا قَصَدَ اللَّفْظَ بِهِ هَازِلًا فَقَدْ عَمَدَ قَلْبُهُ ذِكْرَهُ كَمَا لَوْ عَمَدَ ذِكْرَ الْيَمِينِ بِهِ.
آخِرُهُ الْمُجَلِّدِ الْخَامِسِ عَشْرَ

الْجُزْءُ الْسَادِسِ عَشَرَ كِتَابُ الْتَفْسِيرِ الْجُزْءُ الْثَالِثُ من سُورَةِ الزُّمَرِ إِلَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

جارٍ التحميل