مجموع الفتاوىصفحات 472-511

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 472-511
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَصَارَ يُفْهَمُ مِنْهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهَا خُصُوصُ مَعْنَاهَا الْأَوَّلِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَقَلَهَا أَهْلُ الْعُرْفِ إلَى أَعَمَّ مِنْ مَعْنَاهَا مِثْلَ لَفْظِ الرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ اللُّزُومِ فَإِنَّ تَحْرِيرَ الْعُنُقِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيرَ سَائِر الْبَدَنِ؛ وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ إذَا قَالَ: يَدُك حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ؛ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ: هَلْ يُعْتَقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ السِّرَايَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَمَعْنَاهُ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ فَعَلْت كَذَا وَالْحَقِيقَةُ الْحَرْفِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ مَعْلُومَةٌ فِي اللُّغَةِ.
قَالَ: إلَى مَا لَا يُحْصَى ذِكْرُهُ مِنْ الْمَجَازَاتِ؟ وَقَالُوا: مَا يُذْكَرُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إمَّا أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ فِي مَعْنَاهُ أَوْ الْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنِّزَاعُ فِي تَسْمِيَتِهِ مَجَازًا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا حُجَّةَ لَك فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ قِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمَاءِ الْمَطَرَ أَيْ: يَا مَطَرُ انْقَطِعْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْإِقْلَاعُ الْإِمْسَاكُ أَيْ: يَا سَمَاءُ امْسِكِي عَنْ الْإِمْطَارِ.
وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي الْمُدَّعِي إلَى أَلْفَاظٍ لَهَا مَعَانٍ مَعْرُوفَةٍ فَيَدَّعِي اسْتِعْمَالَهَا

فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَعَانِي بِلَا حُجَّةٍ وَيَقُولُ: هَذَا مَجَازٌ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ وَمَنْ قَسَّمَ الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَهَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ إذَا عُرِفَ مَعْنَى اللَّفْظِ وَقِيلَ: هَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَجَازٌ قِيلَ: بَلْ الْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ لِلَّفْظِ مَدْلُولَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ فَالْأَصْلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ؛ فَيَسْتَدِلُّ تَارَةً بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عَلَى دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَتَارَةً بِاللَّفْظِ الْمَعْرُوفِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ.
فَإِذَا قِيلَ فِي

قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾

إنَّ أَصْلَ الذَّوْقِ بِالْفَمِ.
قِيلَ: ذَلِكَ ذَوْقُ الطَّعَامِ؛ فَالذَّوْقُ يَكُونُ لِلطَّعَامِ وَيَكُونُ لِجِنْسِ الْعَذَابِ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ صَرِيحٌ فِي ذَوْقِ مَسِّ الْعَذَابِ لَا يَحْتَمِلُ ذَوْقَ الطَّعَامِ.
ثُمَّ الْجُوعُ وَالْخَوْفُ إذَا لَبِسَ الْبَدَنَ كَانَ أَعْظَمَ فِي الْأَلَمِ؛ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ مِنْهُ فَإِذَا قَالَ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدُلُّ عَلَى لَبْسِهِ لِصَاحِبِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِهِ فَهَذِهِ الْمَعَانِي تَدُلُّ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأَلْفَاظُ دُونَ مَا إذَا قِيلَ جَاعَتْ وَخَافَتْ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ لَا عَلَى عِظَمِ كَيْفِيَّتِهِ وَكَمِّيَّتِهِ فَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْبَيَانِ وَالْجَمِيعُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ذَوْقُ لِبَاسِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ لَيْسَ

هُوَ ذَوْقُ الطَّعَامِ وَذَوْقُ الْجُوعِ لَيْسَ هُوَ ذَوْقُ لِبَاسِ الْجُوعِ.
وَلِهَذَا كَانَ تَحْرِيرُ هَذَا الْبَابِ هُوَ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ بَعْضَ قَدَرَ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ إلَّا مَقْرُونٌ بِمَا يُبَيِّنُ بِهِ الْمُرَادَ.
وَمَنْ غَلِطَ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ فَمِنْ قُصُورِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ؛ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ عَلِمَهُ؛ فَإِنَّ الشَّارِبَ قَدْ يَشْرَبُ وَلَا يُرْوَى فَإِذَا قِيلَ: يَشْرَبُ مِنْهَا: لَمْ يَدُلَّ عَلَى الرَّيِّ وَإِذَا ضُمِّنَ مَعْنَى الرَّيِّ فَقِيلَ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ كَانَ دَلِيلًا عَلَى الشُّرْبِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الرَّيُّ وَهَذَا شُرْبٌ خَاصٌّ دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبَاءِ.
كَمَا دَلَّ لَفْظُ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} عَلَى إلْصَاقِ الْمَمْسُوحِ بِهِ بِالْعُضْوِ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ مَسْحَ الْوَجْهِ.
فَمَنْ قَالَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ جَعَلَ الْمَعْنَى امْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ مَسْحِ الْوَجْهِ إلْصَاقُ الْمَمْسُوحِ مِنْ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فَإِنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْوَجْهِ وَالْأَيْدِي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وَلَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْمَحَلِّ لَفَسَدَ الْمَعْنَى وَكَانَ يَكُونُ فَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ.
وَأَيْضًا فَكُلُّهُمْ قَرَءُوا قَوْلَهُ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَلَفْظُ الْآيَتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَوْ كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَى الْمَجْرُورِ مَعْطُوفًا عَلَى الْمَحَلِّ لَقَرَءُوا أَيْدِيَكُمْ بِالنَّصْبِ فَلَمَّا لَمْ يَقْرَءُوهَا كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ:

﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ عُطِفَ عَلَى الْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَصْلٌ: فِي أَسْئِلَتِهِمْ وَقَدْ تَكَلَّفُوا غَايَةَ التَّكْلِيفِ وَتَعَسَّفُوا غَايَةَ التَّعْسِيفِ فِي بَيَانِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْقَرْيَةَ هِيَ مُجْتَمَعُ النَّاسِ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ؛ وَمَا قَرَأَتْ النَّاقَةُ فِي رَحِمِهَا فَالضِّيَافَةُ مُقْرِئٌ وَمُقْرٍ لِاجْتِمَاعِ الْأَضْيَافِ عِنْدَهُمْ وَسُمِّيَ الْقُرْآنُ وَالْقِرَاءَةُ لِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَجْمُوعَ كَلَامٍ فَكَذَلِكَ حَقِيقَةُ الِاجْتِمَاعِ إنَّمَا هُوَ لِلنَّاسِ دُونَ الْجُدْرَانِ فَمَا أَرَادَ إلَّا مَجْمَعَ النَّاسِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةُ الْقَرْيَةِ يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْمُجْتَمَعِ إلَى النَّاسِ دُونَ الْجُدْرَانِ وَالْعِيرُ اسْمٌ لِلْقَافِلَةِ.
قَالُوا: وَالْأَبْنِيَةُ وَالْحَمِيرُ إذَا أَرَادَ اللَّهُ نُطْقَهَا أَنْطَقَهَا وَزَمَنُ النُّبُوَّاتِ وَقْتٌ لِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ.
وَلَوْ سَأَلَهَا لَأَجَابَتْهُ عَنْ حَالِهِ مُعْجِزَةً لَهُ وَكَرَامَةً.

وقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ إنَّمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ إلَى اسْمِهِ وَنِسْبَتِهِ إلَى أُمِّهِ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ قَوْلِ اللَّهِ.
وَقَدْ قَالَ صَاحِبُكُمْ أَحْمَد: اللَّهُ هُوَ اللَّهُ يَعْنِي: الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ فَإِنَّهُ لَمَّا نُسِفَ بَعْدَ أَنْ بَرُدَ فِي الْبَحْرِ وَشَرِبُوا مِنْ الْمَاءِ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الْعِجْلِ فَلَا شَيْءَ مِمَّا ذَكَرْتُمْ إلَّا وَهُوَ حَقِيقَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَيُقَالُ: لِلْقَرْيَةِ مَا جُمِعَتْ وَاجْتَمَعَ فِيهَا لَا نَفْسَ الْمُجْتَمَعِ؛ فَلِهَذَا سُمِّيَ الْقُرْءُ وَالْأَقْرَاءُ لِزَمَانِ الْحَيْضِ أَوْ زَمَانِ الطُّهْرِ وَالتَّصْرِيَةِ وَالْمُصَرَّاةُ والصراة اسْمُ مَجْمَعِ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ؛ لَا لِنَفْسِ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ الْمُجْتَمِعِ وَالْقَارِي.
الْجَامِعُ لِلْقَرْيِ وَالْمُقْرِي الْجَامِعُ لِلْأَضْيَافِ فَأَمَّا نَفْسُ الْأَضْيَافِ فَلَا وَالْقَافِلَةُ لَا تُسَمَّى عِيرًا إنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ بَهَائِم مَخْصُوصَةٍ؛ فَإِنَّ الْمُشَاةَ وَالرِّجَالَ لَا تُسَمَّى عِيرًا فَلَوْ كَانَ اسْمًا لِمُجَرَّدِ الْقَافِلَةِ لَكَانَ يَقَعُ عَلَى الرِّجَالِ كَمَا يَقَعُ عَلَى أَرْبَابِ الدَّوَابِّ؛ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ.
وَقَوْلُهُمْ: لَوْ سَأَلَ لَأَجَابَ الْجِدَارُ: فَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَقَعُ بِحَسَبِ الِاخْتِيَارِ وَلَا يَكُونُ مُعْتَمِدًا عَلَى وُقُوعِهِ إلَّا عِنْدَ التَّحَدِّي بِهِ فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ بِالْهَاجِسِ وَعُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَلَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى﴾ يَرْجِعُ إلَى الِاسْمِ: فَإِنَّهُمْ إذَا حَمَلُوهُ عَلَى هَذَا كَانَ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي هُوَ الِاسْمُ لَيْسَ بِمُضَافِ إلَيْهِ؛ وَلِذَا نَقُولُ: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ وَالِاسْمُ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ لَيْسَ بِابْنِ مَرْيَمَ وَإِنَّمَا ابْنُ مَرْيَمَ نَفْسُ الْجِسْمِ وَالرُّوحِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِمَا الِاسْمُ الَّذِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ الْآيَاتُ الْخَارِقَةُ الَّتِي جَعَلُوهُ لِأَجْلِ ظُهُورِهَا إلَهًا.
وَقَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ نَفْسُ ذَاتِ الْعِجْلِ لَمَّا نَسَفَهُ: فَإِذَا نُسِفَ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ عِجْلًا: بَلْ الْعِجْلُ حَقِيقَةُ الصُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي خَارَتْ وَإِلَّا بُرَادَةُ الذَّهَبِ لَا تَصِلُ إلَّا الْقُلُوبَ وَغَايَةُ مَا تَصِلُ إلَى الْأَجْوَافِ: فَإِمَّا أَنْ يَسْبِقَهَا الطَّبْعُ فَيُحِيلَهَا إلَى أَنْ تَصِلَ إلَى الْقَلْبِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سُحَالَةُ الذَّهَبِ إذَا حَصَلَتْ فِي الْمَعِدَةِ رَسَبَتْ بِحَيْثُ لَا تَرْتَقِي إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَصِلَ إلَى الْقَلْبِ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ: أُشْرِبُوا: لَا يَرْجِعُ إلَى الشُّرْبِ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَسْبَابِ وَهُوَ: الإيساغ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الْحُبِّ لَا إلَى الذَّوَاتِ الَّتِي هِيَ الْأَجْسَامُ؛ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ: أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْمَاءَ إذْ هُوَ مَشْرُوبٌ فَكَيْفَ يُقَالُ فِي الْعِجْلِ عَلَى أَنَّ إضَافَتَهُ نَفْسَهُ إلَى الْقَلْبِ إضَافَةٌ لَهُ إلَى مَحَلِّ الْحُبِّ؟ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي سِحَالَتِهِ إذَا تَنَاوَلُوهَا: هَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ مُوسَى وَمِنْ إلَهِ مُوسَى؛ لِمَا نَالَهُمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ.

قُلْت: أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقَرْيَةِ؛ فَالْقَرْيَةُ وَالنَّهْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْحَالِّ وَالْمَحَلِّ فَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْمَسَاكِنَ وَسُكَّانَهَا ثُمَّ الْحُكْمُ قَدْ يَعُودُ إلَى السَّاكِنِ؛ وَقَدْ يَعُودُ إلَى الْمَسَاكِنِ؛ وَقَدْ يَعُودُ إلَيْهِمَا كَاسْمِ الْإِنْسَانِ؛ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ؛ وَقَدْ يَعُودُ الْحُكْمُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَذَلِكَ الْكَلَامُ اسْمٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَقَدْ يَعُودُ الْحُكْمُ إلَى أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ فَهَذَا الْمَوْضِعُ غَلِطَ فِيهِ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَرَأَ بِالْهَمْزَةِ وَقَرَى يَقْرِي بِالْيَاءِ؛ فَإِنَّ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ هُوَ قَرَى يَقْرِي بِلَا هَمْزَةٍ وَمِنْهُ الْقَرْيَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَمِنْهُ قَرَيْت الضَّيْفَ أَقْرِيهِ أَيْ: جَمَعْته وَضَمَمْته إلَيْك وَقَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ جَمَعْته وتقريت الْمِيَاهَ: تَتَبَّعْتهَا وقروت الْبِلَادَ وَقَرَيْتهَا وَاسْتَقْرَيْتهَا إذَا تَتَبَّعْتهَا تَخْرُجُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَمِنْهُ الِاسْتِقْرَاءُ؛ وَهُوَ: تَتَبُّعُ الشَّيْءِ أَجْمَعَهُ وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِك: اسْتَقْرَأْته الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّ ذَاكَ مِنْ الْمَهْمُوزِ فَالْقَرْيَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ وَالْحُكْمُ يَعُودُ إلَى هَذَا تَارَةً وَإِلَى هَذَا أُخْرَى.
وَأَمَّا قَرَأَ بِالْهَمْزِ فَمَعْنَاهُ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ وَالْقُرْءُ وَالْقِرَاءَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَا قَرَأْت النَّاقَةَ سَلًّا جَزُورٌ قَطُّ؛ أَيْ: مَا أَظْهَرَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ مِنْ رَحِمِهَا وَالْقَارِي: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْقُرْآنَ وَيُخْرِجُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْقُرْآنِ

وَالْقُرْءُ: هُوَ الدَّمُ لِظُهُورِهِ وَخُرُوجِهِ وَكَذَلِكَ الْوَقْتُ؛ فَإِنَّ التَّوْقِيتَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ.
ثُمَّ الطُّهْرُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْقُرْءِ تَبَعًا كَمَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي اسْمِ الْيَوْمِ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك﴾ وَالطُّهْرُ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ حَيْضٌ هُوَ قُرْءٌ فَالْقُرْءُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الطُّهْرُ الْمُجَرَّدُ فَلَا يُسَمَّى قُرْءًا؛ وَلِهَذَا إذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ حَيْضَةٍ لَمْ تَعْتَدَّ بِذَلِكَ قُرْءًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ وَإِذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ طُهْرٍ كَانَ الْقُرْءُ الْحَيْضَةَ مَعَ مَا تَقَدَّمَهَا مِنْ الطُّهْرِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؛ فَلَوْ كَانَ الْقُرْءُ هُوَ الطُّهْرُ لَكَانَتْ الْعِدَّةُ قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ فَإِنَّ النِّزَاعَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَإِنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَصِغَارَ الصَّحَابَةِ إذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ حَلَّتْ فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ الطُّهْرِ وَاَللَّهُ أَمَرَ أَنْ يُطَلِّقَ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ لَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَقَوْلُهُ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ عَدَدٌ لَيْسَ هُوَ كَقَوْلِهِ: أَشْهُرٍ؛ فَإِنَّ ذَاكَ صِيغَةُ جَمْعٍ لَا عَدَدٌ فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ لَا يَكْفِي بَعْضُ الثَّالِثِ.

وَأَمَّا قَوْلُك: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ فَفِيهِ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَعَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْحَقِّ: عِيسَى؛ كَمَا سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ الْحَقِّ؛ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ عِيسَى فَتَسْمِيَتُهُ قَوْلَ الْحَقِّ كَتَسْمِيَتِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ خَبَرًا وَبَدَلًا.
وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَلَهُ نَظَائِرُ فَالْقَوْلُ فِي تَسْمِيَتِهِ مَجَازًا كَالْقَوْلِ فِي نَظَائِرِهِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ إلَّا أَنَّهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِي هَذَا.
وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْحَقِّ اللَّهُ؛ وَالْمُرَادُ قَوْلُ اللَّهِ: فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْنًى صَحِيحًا فَعَادَةُ الْقُرْآنِ إذَا أُضِيفَ الْقَوْلُ إلَى اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ لَا يُقَالُ: قَوْلُ الْحَقِّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْقَوْلَ الْحَقَّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ ثُمَّ مِثْلُ هَذَا إذَا أُضِيفَ فِيهِ الْمَوْصُوفُ إلَى الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَقَوْلِهِمْ: صَلَاةُ الْأُولَى وَدَارُ الْآخِرَةِ هُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ

نُحَاةِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ إضَافَةُ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ بِلَا حَذْفٍ وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ أَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: صَلَاةُ السَّاعَةِ الْأُولَى وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ وَلَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ وَقَالَ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ . وَبِالْجُمْلَةِ فَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةً لِمَنْ سَمَّى ذَلِكَ مَجَازًا إلَّا كَحُجَّتِهِ فِي نَظَائِرِهِ فَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْأَصْلِ.

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَمِنْ أَدِلَّتِنَا قَوْله تَعَالَى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَلُغَةُ الْعَرَبِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ وَهِيَ بَعْضُ طُرُقِ الْبَيَانِ وَالْفَصَاحَةِ فَلَوْ أَخَلَّ بِذَلِكَ لَمَا تَمَّتْ أَقْسَامُ الْكَلَامِ وَفَصَاحَتُهُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ وَإِنَّمَا يَبِينُ تَعْجِيزُ الْقَوْمِ إذَا طَالَ وَجَمَعَ مِنْ اسْتِعَارَتِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَلَا نَصَّ بِجَوَازِ الْأَلْفَاظِ إلَّا إذَا طَالَتْ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ التَّحَدِّي بِمِثْلِ بَيْتٍ وَلَا بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ وَلِهَذَا جَعَلَ حُكْمَ الْقَلِيلِ مِنْهُ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ احْتِرَامَ الطَّوِيلِ فَسَوَّغَ الشَّرْعُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ تِلَاوَتَهُ كُلَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ فَإِذَا أَتَى بِالْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَسَائِرِ ضُرُوبِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِهِ فَفَاقَ كَلَامُهُ الْجَامِعَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى تِلْكَ الْأَقْسَامِ: كَانَ الْإِعْجَازُ؛ وَظَهَرَ التَّعْجِيزُ لَهُمْ فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ.

قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ الْقَصِيرَةَ لَا إعْجَازَ فِيهَا مِمَّا يُنَازِعُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَيَقُولُونَ: بَلْ السُّورَةُ مُعْجِزَةٌ بَلْ وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي الْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الْعِمَادِ - شَيْخُ جَدِّي أَبِي الْبَرَكَاتِ -: قَوْلُهُ إنَّمَا جَازَ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْيَسِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ: مَا أَرَاهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُحْتَرَمٌ وَإِنَّمَا سَاغَ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ تَوْسِعَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ وَنَظَرًا فِي تَحْصِيلِ الْمَثُوبَةِ وَالْحَرَجِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ كَمَا سَوَّغَ لَهُ الصَّلَاةَ مَعَ يَسِيرِ الدَّمِ مَعَ نَجَاسَتِهِ.
قُلْت: وَأَمَّا قَوْلُهُ: إن

َّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ:

فَحَقٌّ بَلْ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وَقَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَحِينَئِذٍ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي فِيهِ لَيْسَتْ مَجَازًا وَنَظِيرُهَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَجَازٌ فَقَدْ تَنَاقَضَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ الَّذِينَ قَالُوا: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَجَازًا؛ فَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّنَاقُضُ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَجَازًا غَيْرَ مَا يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ وَالْمُجَازَفَةِ مِنْ الْمَدْحِ وَالْهَجْوِ وَالْمُرَائِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يُصَانُ عَنْهُ كَلَامُ الْحَكِيمِ؛ فَضْلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ: فَإِذَا كَانَ الْمُسَمِّي لَا يُسَمِّي مَجَازًا إلَّا مَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُسَمِّيَ

مَا فِي الْقُرْآنِ مَجَازًا وَهَذَا لِأَنَّ تَسْمِيَةَ بَعْضِ الْكَلَامِ مَجَازًا إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لَيْسَ أَمْرًا شَرْعِيًّا وَلَا لُغَوِيًّا وَلَا عَقْلِيًّا.
وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَمِّي بِالْمَجَازِ مَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا هُوَ مُبَايِنٌ لِمُسَمَّاهُ وَمَا اُسْتُعْمِلَ بَعْضُ مُسَمَّاهُ لَا يُسَمِّيهِ مَجَازًا فَلَا يُسَمُّونَ اسْتِعْمَالَ الْعَامِّ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ مَجَازًا وَلَا الْأَمْرَ إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ مَجَازًا وَهُوَ اصْطِلَاحُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ لَا يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْجُمْلَةِ لَا يُسَمَّى غَيْرًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَا يُقَالُ: الْوَاحِدُ مِنْ الْعَشَرَةِ أَنَّهُ غَيْرُهَا وَلَا لِيَدِ الْإِنْسَان أَنَّهَا غَيْرُهُ وَلِأَنَّ الْمَجَازَ عِنْدَهُمْ مَا اُحْتِيجَ إلَى الْقَرِينَةِ فِي إثْبَاتِ الْمُرَادِ إلَّا فِي دَفْعِ مَا لَمْ يُرَدْ وَالْقَرِينَةُ فِي الْأَمْرِ تُخْرِجُ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَتُبْقِي الْبَاقِيَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِخِلَافِ الْقَرِينَةِ فِي الْأَسَدِ فَإِنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْأَسَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَإِذَا كَانَ اصْطِلَاحُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَآخَرُونَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُرِدْ بِاللَّفْظِ جَمِيعَ مَعْنَاهُ فَهُوَ مَجَازٌ عِنْدَهُمْ ثُمَّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْقَرِينَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَوْ الْمُسْتَقِلَّةِ؛ وَبَيْنَ مَا تَأَصَّلَتْ بِاللَّفْظِ؛ أَوْ كَانَتْ مِنْ لَفْظِهِ؛ أَوْ لَمْ تَسْتَقِلَّ؛ فَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ مَجَازًا لِئَلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَامَّةُ الْكَلَامِ مَجَازًا حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ: مَجَازًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يُنَازِعُونَ

فِي أَنَّ اللَّهَ إلَهٌ حَقٌّ وَإِنَّمَا كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى فَكَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَهُمْ فِي نَفْيِ الْإِلَهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ حَقِيقَةً إذْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَأَنَّ الْمَوْضُوعَ الْأَصْلُ هُوَ النَّفْيُ وَهُوَ نَفْيُ الْإِلَهِ مُطْلَقًا فَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَعْتَقِدْهُ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ بَلْ وَلَا لَهُمْ قَصْدٌ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ وَلَا وَضَعُوا لَهُ لَفْظًا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ إذْ كَانَ التَّعْبِيرُ هُوَ عَمَّا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْمَعَانِي وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَتَصَوَّرُوهُ إلَّا نَافِينَ لَهُ يَتَصَوَّرُوهُ مُثْبِتِينَ لَهُ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ.
فَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَصَدُوا بِهِ فِي لُغَتِهِمْ كَانَ أَنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ لِنَفْيِ كُلِّ إلَهٍ وَأَنَّ هَذَا هُوَ مَوْضُوعُ اللَّفْظِ الَّذِي قَصَدُوهُ بِهِ أَوَّلًا وَقَوْلُهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ: اسْتِعْمَالٌ لِذَلِكَ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ عِنْدَهُمْ: فَكَذِبُهُ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ الشِّرْكِ فَكَيْفَ فِي حَالِ الْإِيمَانِ؟ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ جَمِيعَ التَّخْصِيصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ كَالصِّفَةِ؛ وَالشَّرْطِ؛ وَالْغَايَةِ؛ وَالْبَدَلِ؛ وَالِاسْتِثْنَاءِ: هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَلْفَاظِ قَدْ اسْتَعْمَلُوهَا تَارَةً مُجَرَّدَةً عَنْ هَذِهِ التَّخْصِيصَاتِ وَتَارَةً مَقْرُونَةً بِهَا بِخِلَافِ قَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا قَطُّ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا مُجَرَّدَةً عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ إذْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى بَاطِلًا عِنْدَهُمْ فَمَنْ جَعَلَ هَذَا حَقِيقَةً فِي لُغَتِهِمْ ظَهَرَ كَذِبُهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ اسْتِثْنَاءٍ وَاسْتِثْنَاءٍ تَنَاقَضَ وَخَالَفَ الْإِجْمَاعَ؛ وَذَلِكَ

لِأَنَّهُ بُنِيَ عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ مُتَنَاقِضٍ وَالْقَوْلُ الْمُتَنَاقِضُ إذَا طَرَدَهُ صَاحِبُهُ وَأَلْزَمَ صَاحِبَهُ لَوَازِمَهُ ظَهَرَ مِنْ فَسَادِهِ وَقُبْحِهِ مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطْرُدْهُ تَنَاقَضَ وَظَهَرَ فَسَادُهُ فَيَلْزَمُ فَسَادُهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ لِلْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ قَوْلٌ أَلْبَتَّةَ بَلْ كُلُّ أَقْوَالِهِمْ مُتَنَاقِضَةٌ وَحُدُودُهُمْ وَالْعَلَامَاتُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَاسِدَةٌ؛ إذْ كَانَ أَصْلُ قَوْلِهِمْ بَاطِلًا فَابْتَدَعُوا فِي اللُّغَةِ تَقْسِيمًا وَتَعْبِيرًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَصَوَّرَ تَصَوُّرًا مُطَابِقًا وَلَا يُعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَةِ سَدِيدَةٍ؛ بِخِلَافِ الْمَعْنَى الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّهُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وَالسَّدِيدُ: السَّادُّ الصَّوَابُ الْمُطَابِقُ لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَهُوَ الْعَدْلُ وَالصِّدْقُ بِخِلَافِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَيَجْعَلَهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ؛ بَلْ مُتَضَادَّيْنِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِسَدِيدِ.
وَهَذَا يُبْسَطُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ اسْأَلْ الْجُدْرَانَ؛ وَالْعِيرَ الْبَهَائِمَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُمْ فَقَدَ أَخْطَئُوا.
وَإِنْ جَعَلُوا اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مَجَازًا وَفِيهِ لَيْسَ بِمَجَازِ فَقَدْ أَخْطَئُوا أَيْضًا.
وَإِنْ قَصَدُوا أَنَّ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مِنْ الْمُبَالَغَاتِ وَالْمُجَازَفَاتِ وَالْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُنَزَّهُ الْقُرْآنُ عَنْهُ فَقَدْ أَصَابُوا فِي ذَلِكَ.
وَإِذَا قَالُوا:

نَحْنُ نُسَمِّي تِلْكَ الْأُمُورَ مَجَازًا بِخِلَافِ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: فَهَذَا اصْطِلَاحٌ هُمْ فِيهِ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ جَعَلَ أَكْثَرَ كَلَامِ الْعَرَبِ مَجَازًا كَمَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ جِنِّيٍّ أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ: خَرَجَ زَيْدٌ: مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالْمَصْدَرُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْخُرُوجِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا حَصَلَ مِنْهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ؛ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ: فَإِنْ أُرِيدَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْخُرُوجِ فَهُوَ مَجَازٌ.
فَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَقُولُهُ مَنْ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ وَابْنُ جِنِّيٍّ لَهُ فَضِيلَةٌ وَذَكَاءٌ؛ وَغَوْصٌ عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ فِي سِرِّ الصِّنَاعَةِ وَالْخَصَائِصِ وَإِعْرَابِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا الْكَلَامُ إنْ كَانَ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ أَشْبَهُ بِفَضِيلَتِهِ وَإِذَا قَالَهُ فَالْفَاضِلُ قَدْ يَقُولُ مَا لَا يَقُولُهُ إلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ الْعُمُومِ بَلْ وَلَا بِقَيْدِ آخَرَ.
فَإِذَا قِيلَ: خَرَجَ زَيْدٌ؛ وَقَامَ بَكْرٌ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَالْفِعْلُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مُسَمَّى خُرُوجٍ؛ وَمُسَمَّى قِيَامٍ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى نَوْعِ ذَلِكَ الْخُرُوجِ وَالْقِيَامِ وَلَا عَلَى قَدْرِهِ بَلْ هُوَ صَالِحٌ لِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ رَقَبَةً وَاحِدَةً؛ لَمْ يُوجِبْ كُلَّ رَقَبَةٍ؛ وَهِيَ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ

الرِّقَابِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَأَيُّ رَقَبَةٍ أَعْتَقَهَا أَجْزَأَتْهُ.
كَذَلِكَ إذَا قِيلَ خَرَجَ دَلَّ عَلَى وُجُودِ خُرُوجٍ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا؛ وَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا وَقَدْ يَكُونُ رَاكِبًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مَاشِيًا؛ وَمَعَ هَذَا فَلَا يُتَنَاوَلُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ إلَّا خُرُوجٌ يُمْكِنُ مِنْ زَيْدٍ.
وَإِمَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي عُمُومَ كُلِّ مَا يُسَمَّى خُرُوجٌ فِي الْوُجُودِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ الْقَائِلُ إلَّا إذَا فَسَدَ تَصَوُّرُهُ وَكَانَ إلَى الْحَيَوَانِ أَقْرَبُ وَالظَّنُّ بِابْنِ جِنِّيٍّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ هَذَا.
ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي سَائِر اللُّغَاتِ فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إنَّ أَهْلَ اللُّغَاتِ جَمِيعَهُمْ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ إنَّمَا وَضَعُوا تِلْكَ الْجُمْلَةَ الْفِعْلِيَّةَ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِي الْعَالَمِ وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ عُدُولٌ بِاللَّفْظِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ؟ وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ أَصْلِ الْقَوْلِ بِالْمَجَازِ إذَا أَفْضَى إلَى أَنْ يُقَالَ: فِي الْوُجُودِ مِثْلُ هَذَا الْهَذَيَانِ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ تُوضَعُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
فَمَنْ قَالَ مِنْ نفاة الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ: إنَّا لَا نُسَمِّي مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَجَازًا وَإِنَّمَا نُسَمِّي مَجَازًا مَا خَرَجَ عَنْ مِيزَانِ الْعَدْلِ مِثْلَ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشُّعَرَاءِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَالْهَجْوِ

وَالْمَرَاثِي وَالْحَمَاسَةِ: فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اصْطِلَاحًا صَحِيحًا فَهَذَا الِاصْطِلَاحُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِمَّنْ يَجْعَلُ أَكْثَرَ الْكَلَامِ مَجَازًا بَلْ وَمِمَّنْ يَجْعَلُ التَّخْصِيصَ الْمُتَّصِلَ كُلَّهُ مَجَازًا؛ فَيَجْعَلُ مِنْ الْمَجَازِ قَوْلَهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ " وَقَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ وَقَوْلَهُ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا

مُتَعَمِّدًا} وَقَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وَأَمْثَالَ هَذَا مِمَّا لَا يُعَدُّ إلَّا بِكُلْفَةِ.
فَمَنْ جَعَلَ هَذَا كُلَّهُ مَجَازًا وَأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ هَذَا كُلَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ أَوَّلًا: فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَلَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْكَلَامِ مَجَازًا؛ إذْ كَانَ هَذَا يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ لَفْظٍ مُطْلَقٍ قُيِّدَ بِقَيْدِ وَالْكَلَامُ جُمْلَتَانِ: اسْمِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ وَالِاسْمِيَّةُ أَصْلُهَا الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ؛ فَيَلْزَمُ إذَا وُصِفَ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ أَوْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ أَوْ قُيِّدَ بِحَالِ كَانَ مَجَازًا.
وَيَلْزَمُهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ كَانَ وَأَخَوَاتُهَا وَإِنَّ وَأَخَوَاتُهَا وَظَنَنْت وَأَخَوَاتُهَا فَغَيَّرَتْ مَعْنَاهُ وَإِعْرَابَهُ أَنْ يَصِيرَ مَجَازًا: فَإِنَّ دُخُولَ الْقَيْدِ عَلَيْهِ تَارَةً يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ؛ وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ: وَتَارَةً فِي آخِرِهِ

لَا سِيَّمَا بَابِ ظَنَنْت؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَزَيْدًا مُنْطَلِقًا ظَنَنْت؛ وَلِهَذَا عِنْدَ التَّقْدِيمِ يَجِبُ الْإِعْمَالُ وَفِي التَّوَسُّطِ يَجُوزُ الْإِلْغَاءُ؛ وَفِي التَّأَخُّرِ يَحْسُنُ مَعَ جَوَازِ الْإِعْمَالِ؛ فَإِنَّهُ إذَا قُدِّمَ الْمَفْعُولُ ضَعُفَ الْعَمَلُ؛ وَلِهَذَا يُقَوُّونَهُ بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ؛ كَمَا يُقَوُّونَهُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ . وَيَلْزَمُهُ فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ إذَا قُيِّدَتْ بِمَصْدَرِ مَوْصُوفٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الْمَصْدَرِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا.﴾ وَكَذَلِكَ ظَرْفُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُقَيَّدُ بِهِ الْفِعْلُ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مَعَ مُبَالَغَتِهِ هُنَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ: فَهُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَنْصُرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَجَازٌ؛ لَا فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ

لَهُ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ الْحَنْبَلِيِّينَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْمَجَازِ فَقَالَ فِي فُنُونِهِ: جَرَتْ مَسْأَلَةٌ هَلْ فِي اللُّغَةِ مَجَازٌ؟ فَاسْتَدَلَّ حَنْبَلِيٌّ أَنَّ فِيهَا مَجَازًا بِأَنَّا وَجَدْنَا أَنَّ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَا يَحْصُلُ نَفْيُهُ وَهُوَ تَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الْمِقْدَامِ أَسَدًا؛ وَالْعَالِمِ وَالْكَرِيمِ الْوَاسِعِ الْعَطَاءِ وَالْجُودِ بَحْرًا.
. . 1 فَنَقُولُ فِيهِ: لَيْسَ بِبَحْرِ وَلَا بِأَسَدِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ نَقُولَ فِي السَّبُعِ الْمَخْصُوصِ وَالْبَحْرِ لَيْسَ بِأَسَدِ وَلَا بَحْرٍ فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي حَسُنَ نَفْيُ الِاسْمِ عَنْهُ أَنَّهُ مُسْتَعَارٌ كَمَا نَقُولُ فِي الْمُسْتَعِيرِ لِمَالِ غَيْرِهِ: لَيْسَ بِمَالِكِ لَهُ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ نَقُولَ فِي الْمَالِكِ لَيْسَ بِمَالِكِ لَهُ.
قَالَ: اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ أُصُولِيٌّ حَنْبَلِيٌّ فَقَالَ: الَّذِي عَوَّلْت عَلَيْهِ لَا أُسَلِّمُهُ وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى الصُّورَةِ بَلْ عَلَى الْمُخَصَّصَةِ؛ فَإِنَّ قَوْلَنَا: حَيَوَانٌ: يَشْمَلُ السَّبُعَ وَالْإِنْسَانَ فَإِذَا قُلْنَا: سَبُعٌ وَأَسَدٌ: كَانَ هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْدَامِ وَالْهُوَاشِ وَالتَّفَخُّمِ لِلصِّيَالِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَصُورَةِ السَّبُعِ وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ كَسَوَادِ الْحِبْرِ وَسَوَادِ الْقَارِ جَمِيعًا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي اسْمِ السَّوَادِ بِالْمَعْنَى وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ هِبَةٌ تَجْمَعُ الْبَصَرَ اتِّسَاعُ الْحَدَقَةِ فَكَذَلِكَ اتِّسَاعُ الْجُودِ وَالْعِلْمِ وَاتِّسَاعُ الْمَاءِ جَمِيعًا يَجْمَعُهُ الِاتِّسَاعُ فَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَحْرًا لِلْمَعْنَى الَّذِي جَمَعَهُمَا وَهُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّسَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِعَارَةَ لِأَحَدِهِمَا إلَّا إذَا ثَبَتَ سَبْقُ التَّسْمِيَةِ لِأَحَدِهِمَا؛ وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْكَلَامَ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

قَدِيمٌ؛ وَالْقَدِيمُ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فَإِنَّ السَّابِقَ وَالْمَسْبُوقَ مِنْ صِفَاتِ بَعْضِهِ الْحَادِثِ مِنْ الزَّمَانِ.
قُلْت: فَقَدْ جُعِلَ هَذَا اللَّفْظُ مُتَوَاطِئًا دَالًّا عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَلَكِنَّهُ يَخْتَصُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِقَدْرِ مُتَمَيِّزٍ لِمَا امْتَازَ بِهِ مِنْ الْقَرِينَةِ كَمَا فِي مَا مَثَّلَهُ بِهِ مِنْ السَّوَادِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ.
يَرُدُّ عَلَيْهِ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ لِلْمَجَازِ.
قَالَ: وَمِنْ أَدِلَّةِ الْمَجَازِ مَا زَعَمَ الْمُسْتَدِلُّونَ لَهُ مِنْ أَجْوَدِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْنُّفَاةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ وَالصَّلَوَاتُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: إمَّا الْأَدْعِيَةُ وَإِمَّا الْأَفْعَالُ الْمَخْصُوصَةُ وَكِلَاهُمَا لَا يُوصَفُ بِالتَّهَدُّمِ وَالْجَمَادُ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِرَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ تَسْمِيَةُ الْمُصَلَّى صَلَاةً وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ أَعْضَاءُ السُّجُودِ.
وَالْجِدَارُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إرَادَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ مِنْ اللَّهِ فِعْلُ الْإِرَادَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ أَبْنِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
فَيُقَالُ: هَذَا دَعْوَى عَنْ الْوَضْعِ: إذْ لَا يُعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَصْلِ

إلَّا الدُّعَاءُ وَزِيدَ فِي الشَّرْعِ أَوْ نُقِلَ إلَى الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فَأَمَّا الْأَبْنِيَةُ فَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ نَقْلٍ عَنْ الْعَرَبِ وَإِنْ سُمِّيَتْ صَلَوَاتٍ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعَارَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الصَّلَوَاتِ.
وَلَوْ خَلَقَ اللَّهُ فِي الْجِدَارِ إرَادَةً لَمْ يَكُنْ بِهَا مُرِيدًا كَمَا لَوْ خَلَقَ فِيهِ كَلَامًا لَمْ يَكُنْ بِهِ مُتَكَلِّمًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهَا عِيسَى نَفْسُهُ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَصْدَرَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْمَفْعُولِ بِهِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: هَذَا دِرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْرًا وَالْمَقْدُورِ قُدْرَةً وَالْمَرْحُومِ بِهِ رَحْمَةً وَالْمَخْلُوقِ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةً لَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِمَّا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلِمَةَ هُوَ الْمَسِيحُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ الْكَلَامُ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَبَيَّنَ لَمَّا تَعَجَّبَتْ مِنْ الْوَلَدِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ؛ إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِمَّا يَخْلُقُهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: عِيسَى مَخْلُوقٌ بالكن؛ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الكن

وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ مُرَادَهُ أَنَّهُ خُلِقَ بكن لَا أَنَّهُ نَفْسُ كُنْ وَنَحْوِهَا مِنْ الْكَلَامِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْأَفْعَالَ أَزْمِنَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخَبَرَ عَنْ زَمَانِ الْحَجِّ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهَا.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ وَالْحَجُّ الْمَفْرُوضُ فِيهِنَّ لَيْسَ هُوَ الْأَشْهُرَ؛ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَشْهُرٌ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْسَ الْفِعْلِ بَلْ بَيَّنَ مُرَادَهُ بِكَلَامِهِ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ أَزْمِنَةٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ لَمَّا قَالَ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ وَلَكِنَّ الْبِرَّ هُوَ التَّقْوَى فَلَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ إلَّا مَعَ مَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ مَعَ قَيْدٍ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ هُنَا؛ كَمَا هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَعَ قَيْدٍ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ هُنَاكَ وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ اشْتِرَاكٌ وَبَيْنَهُمَا امْتِيَازٌ بِمَنْزِلَة

ِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ

كَلَفْظِ الصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ وَالسَّيْفِ؛ فَإِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ فَهِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْمُتَوَاطِئَةِ وَيَمْتَازُ كُلٌّ مِنْهَا بِدَلَالَتِهِ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ فَتُشْبِهُ الْمُتَبَايِنَةَ.
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

وَكَذَلِكَ مَا يُعَرَّفُ بِاللَّامِ لَامِ الْعَهْدِ يَنْصَرِفُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَى مَا يَعْرِفُهُ الْمُخَاطَبُ إمَّا بِعُرْفِ مُتَقَدِّمٍ؛ وَإِمَّا بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُ هَذَا الْمُرَادِ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ لَكِنْ بَيْنَهُمَا قَدَرَ مُشْتَرَكٌ وَقَدْرٌ فَارِقٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَا إلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ لَفْظُ الرَّسُولِ وَلَامُ التَّعْرِيفِ لَكِنَّ الْمَعْهُودَ الْمَعْرُوفَ هُنَاكَ هُوَ رَسُولُ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمَعْرُوفُ الْمَعْهُودُ هُنَا عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلَاهُمَا حَقِيقَةٌ وَالِاسْمُ مُتَوَاطِئٌ وَهُوَ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَكِنَّ الْعَهْدَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ غَيْرُ الْعَهْدِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ وَهَذَا أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَدُلُّ اللَّفْظُ: فَإِنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ لَا تَدُلُّ إلَّا مَعَ مَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِ بِالْمَعْهُودِ الْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ اسْمُ الْإِشَارَةِ؛ كَقَوْلِهِ: هَذَا وَهَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ: إنَّمَا يَدُلُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ هُنَاكَ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلَالَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ لَفْظِيَّةٍ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ غَيْرُ لَفْظِ الْإِشَارَةِ فَتِلْكَ الدَّلَالَةُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إلَّا بِهَا وَبِلَفْظِ الْإِشَارَةِ كَمَا أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إلَّا بِهَا

وَبِالْمَعْهُودِ وَمِثْلُ هَذِهِ الدَّلَالَةِ لَا يُقَالُ: إنَّهَا مَجَازٌ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ بَلْ وَالضَّمَائِرِ وَلَامِ الْعَهْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَجَازًا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ وَإِنْ قَالَهُ جَاهِلٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ وَظَنَّ أَنَّ الْحَقَائِقَ تَدُلُّ بِدُونِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ بَلْ لَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ إلَّا مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَبِحَالِ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي يَعْرِفُ عَادَتَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَنَفْسُ اسْتِمَاعِ اللَّفْظِ بِدُونِ الْمَعْرِفَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ وَعَادَتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ؛ إذَا كَانَتْ دَلَالَتُهَا دَلَالَةً قَصْدِيَّةً إرَادِيَّةً تَدُلُّ عَلَى مِمَّا أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ أَنْ يَدُلَّ بِهَا عَلَيْهِ لَا تَدُلُّ بِذَاتِهَا.
فَلَا بُدَّ أَنْ تَعْرِفَ مَا يَجِبُ أَنْ يُرِيدَهُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؛ وَلِهَذَا لَا يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ؛ بَلْ بِالْعَقْلِ مَعَ السَّمْعِ.
وَلِهَذَا كَانَتْ دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا سَمْعِيَّةً عَقْلِيَّةً تُسَمَّى الْفِقْهُ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَنْ عَرَفَهَا: هُوَ يَفْقَهُ وَلِمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا: لَا يَفْقَهُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .

وَلِهَذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ: أَنْ يَفْقَهَ مُرَادَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ وَأَفْضَلِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: فِي أُصُولِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . وَفِي التَّشَهُّدِ: ﴿التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ﴾ وَهَذِهِ الْأُصُولُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لشريح حَيْثُ قَالَ: اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَفِي رِوَايَةٍ فَبِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيُفْتِ بِمَا فِي كِتَابِ

اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوْجَبَ طَاعَتَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ نِزَاعٌ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالرَّدِّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إلَّا إذَا كَانَ نِزَاعٌ.
فَدَلَّ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ وُجُوبِ طَاعَتِهِمْ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّدَّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إنَّمَا وَجَبَ عِنْدَ النِّزَاعِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّزَاعِ لَا يَجِبُ وَإِنْ جَازَ لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَرَ بِمُوَالَاتِهِمْ وَالْمُوَالَاةُ تَقْتَضِي الْمُوَافَقَةَ وَالْمُتَابَعَةَ كَمَا أَنَّ الْمُعَادَاةَ تَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ وَالْمُجَانَبَةَ فَمَنْ وَافَقْته مُطْلَقًا فَقَدْ وَالَيْته مُطْلَقًا وَمَنْ وَافَقْته فِي غَالِبِ الْأُمُورِ فَقَدْ وَالَيْته فِي غَالِبِهَا وَمَوْرِدُ النِّزَاعِ لَمْ تُوَالِهِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تُعَادِهِ.
فَأَمَّا الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَثِيرٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ: " ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ وَ ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ ﴿فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ . وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَأَمَّا السَّلَفُ فَآيَاتٌ أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَلَوْ خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ الْحَقِّ وَالْهُدَى لَمَا كَانَتْ لَهُمْ الْعِزَّةُ إذْ ذَاكَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ وَالضَّلَالَ لَيْسَ مِنْ الْإِيمَانِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِزَّةُ وَالْعِزَّةُ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَمَرَ بِسُؤَالِهِ الْهِدَايَةَ إلَى صِرَاطِهِمْ؛ وَقَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ وَفِيهَا الدَّلَالَةُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ﴾ وَالسَّلَفُ الْمُؤْمِنُونَ مُنِيبُونَ أَيْ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وَالسَّلَفُ كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَمَنْ خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِهِمْ

فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَقَالَ قَوْمُ عِيسَى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ لِأَنَّ لَنَا الشَّهَادَةَ وَلَهُمْ الْعِبَادَةُ بِلَا شَهَادَةٍ وَالْأُمَّةُ الْوَسَطُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ عَادِلِينَ كَالرَّسُولِ؛ وَلِهَذَا ﴿قَالَ فِي الْجِنَازَةِ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَقَالَ: أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ﴾ وَقَالَ: ﴿تُوشِكُوا أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ﴾ فَعُلِمَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ فِيمَا يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَشْخَاصِ وَالْأَفْعَالِ؛ وَلَوْ كَانُوا قَدْ يَشْهَدُونَ بِمَا لَيْسَ بِحَقِّ لَمْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ مُطْلَقًا.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وَفِيهَا أَدِلَّةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمُرُوا بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَيَنْهَوْا عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَالصَّوَابُ فِي الْأَحْكَامِ مَعْرُوفٌ وَالْخَطَأُ مُنْكَرٌ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وَمِنْهَا قَوْلُ الْخَلِيلِ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ وَقَوْلُ يُوسُفَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَالرِّضْوَانُ لَا يَكُونُ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى ذَنْبٍ أَوْ خَطَأٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ الْعَفْوُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاصْطِفَاءَ يَقْتَضِي التَّصْفِيَةَ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ الِاتِّفَاقِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ وَالْخَطَأِ.
وَالثَّانِي التَّسْلِيمُ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي سَلَامَتَهُمْ مِنْ الْعُيُوبِ كَمَا سَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى نُوحٍ وَعَلَى الْمَسِيحِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﴿أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُدًى فِي كُلِّ شَيْءٍ وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إخْرَاجَهُمْ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ . وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ . وَمَا كَانَ نَحْوَهَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْجَمَاعَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْفُرْقَةِ.

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّا يَقَعُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ لِمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَوْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ وَرُبَّمَا كَانَ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: تَطْهِيرُ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ خِلَافُ الْقِيَاسِ * بَلْ وَتَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالتَّوَضُّؤُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْفِطْرُ بِالْحِجَامَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالسَّلَمُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْإِجَارَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْقَرْضُ وَصِحَّةُ صَوْمِ الْمُفْطِرِ نَاسِيًا وَالْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ: فَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ صَوَابٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُعَارِضُ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ النَّصَّ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يَدْخُلُ فِيه

ِ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدُ.

فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ1

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ الْأَوَّلُ قِيَاسُ الطَّرْدِ وَالثَّانِي قِيَاسُ الْعَكْسِ وَهُوَ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ.
فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَوْجُودَةً فِي الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ يَمْنَعُ حُكْمَهَا وَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ قَطُّ.
وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَهُوَ: أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ فِي الشَّرْعِ فَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ.
وَحَيْثُ جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِاخْتِصَاصِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ بِحُكْمِ يُفَارِقُ بِهِ نَظَائِرَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِوَصْفِ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ وَيَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُ لِغَيْرِهِ لَكِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ قَدْ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَقَدْ لَا يَظْهَرُ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الْمُعْتَدِلِ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ كُلُّ أَحَدٍ فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَإِنَّمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الَّذِي انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَحَيْثُ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِخِلَافِ قِيَاسٍ: عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ بِمَعْنَى أَنَّ صُورَةَ النَّصِّ امْتَازَتْ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي يَظُنُّ أَنَّهَا مِثْلُهَا بِوَصْفِ أَوْجَبَ تَخْصِيصَ الشَّارِعِ لَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ قِيَاسًا صَحِيحًا لَكِنْ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَعْلَمُ فَسَادَهُ.

وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَمْثِلَةَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ فَاَلَّذِينَ قَالُوا: الْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ: ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ مِنْ جِنْسِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا عَمَلٌ بِعِوَضِ وَالْإِجَارَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فَلَمَّا رَأَوْا الْعَمَلَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَالرِّبْحُ فِيهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ قَالُوا: تُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَهَذَا مِنْ غَلَطِهِمْ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارَكَاتِ لَا مِنْ جِنْسِ الْمُعَاوَضَاتِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ بِالْعِوَضَيْنِ وَالْمُشَارَكَاتُ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْمُعَاوَضَةِ وَإِنْ قِيلَ إنَّ فِيهَا شَوْبَ الْمُعَاوَضَةِ.
وَكَذَلِك

َ الْمُقَاسَمَةُ

جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْمُعَاوَضَةِ الْخَاصَّةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا شَوْبُ مُعَاوَضَةٍ حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا بَيْعٌ يُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطُ الْبَيْعِ الْخَاصِّ.
وَإِيضَاحُ هَذَا: أَن

َّ الْعَمَلَ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَقْصُودًا مَعْلُومًا؛ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ.
فَهَذِهِ الْإِجَارَةُ اللَّازِمَةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَقْصُودًا لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ أَوْ غَرَرٌ فَهَذِهِ الْجَعَالَةُ وَهِيَ: عَقْدٌ جَائِزٌ لَيْسَ بِلَازِمِ فَإِذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ مِائَةٌ فَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَقَدْ لَا يَقْدِرُ وَقَدْ يَرُدُّهُ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ وَقَدْ

يَرُدُّهُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ؛ فَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً لَكِنْ هِيَ جَائِزَةٌ فَإِنْ عَمِلَ هَذَا الْعَمَلَ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ وَإِلَّا فَلَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ فِيهَا إذَا حَصَلَ بِالْعَمَلِ جُزْءًا شَائِعًا؛ وَمَجْهُولًا جَهَالَةً لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَمِيرُ الْغَزْوِ: مَنْ دَلَّ عَلَى حِصْنٍ فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِيهِ " وَيَقُولَ لِلسَّرِيَّةِ الَّتِي يَسْرِيهَا: لَك خُمُسُ مَا تَغْنَمِينَ أَوْ رُبُعُهُ.
وَقَد

ْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي سَلَبِ الْقَاتِلِ:

هَلْ هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْعِ؟ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَوْ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد فَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ جَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إذَا جَعَلَ لِلطَّبِيبِ جُعْلًا عَلَى شِفَاءِ الْمَرِيضِ جَازَ كَمَا أَخَذَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ جُعِلَ لَهُمْ قَطِيعٌ عَلَى شِفَاءِ سَيِّدِ الْحَيِّ فَرَقَاهُ بَعْضُهُمْ حَتَّى بَرِئَ فَأَخَذُوا الْقَطِيعَ؛ فَإِنَّ الْجُعْلَ كَانَ عَلَى الشِّفَاءِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ طَبِيبًا إجَارَةً لَازِمَةً عَلَى الشِّفَاءِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الشِّفَاءَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ فَقَدْ يَشْفِيهِ اللَّهُ وَقَدْ لَا يَشْفِيهِ فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ الْجَعَالَةُ دُونَ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ: فَهُوَ مَا لَا يُقْصَدُ فِيهِ الْعَمَلُ؛ بَلْ الْمَقْصُودُ الْمَالُ وَهُوَ الْمُضَارَبَةُ فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ فِي نَفْسِ عَمَلِ الْعَامِلِ كَمَا لِلْجَاعِلِ وَالْمُسْتَأْجِرِ قَصْدٌ فِي عَمَلِ الْعَامِلِ؛ وَلِهَذَا لَوْ عَمِلَ

مَا عَمِلَ وَلَمْ يَرْبَحْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَإِنْ سُمِّيَ هَذَا جَعَالَةً بِجُزْءِ مِمَّا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ كَانَ نِزَاعًا لَفْظِيًّا بَلْ هَذِهِ مُشَارَكَةٌ هَذَا بِنَفْعِ بَدَنِهِ وَهَذَا بِنَفْعِ مَالِهِ وَمَا قَسَّمَ اللَّهُ مِنْ الرِّبْحِ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْإِشَاعَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِرِبْحِ مُقَدَّرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ الْعَدْلِ الْوَاجِبِ فِي الشَّرِكَةِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَشْرُطُونَ لِرَبِّ الْمَالِ زَرْعَ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا وَهُوَ مَا يَنْبُتُ عَلَى الماذيانات وَإِقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ: إنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَمْرٌ إذَا نَظَرَ فِيهِ ذُو الْبَصَرِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ أَوْ كَانَ قَالَ.
فَبَيَّنَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مُوجِبُ الْقِيَاسِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ شُرِطَ فِي الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لَأَنَّ مَبْنَى الْمُشَارَكَاتِ عَلَى الْعَدْلِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَإِذَا خُصَّ أَحَدُهُمَا بِرِبْحِ دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ هَذَا عَدْلًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِكُلِّ مِنْهُمَا جُزْءٌ شَائِعٌ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَفِي الْمَغْرَمِ فَإِنْ حَصَلَ رِبْحٌ اشْتَرَكَا فِي الْمَغْنَمِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ اشْتَرَكَا فِي الْحِرْمَانِ وَذَهَبَ نَفْعُ بَدَنِ هَذَا كَمَا ذَهَبَ نَفْعُ مَالِ هَذَا وَلِهَذَا كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ ذَهَابِ نَفْعِ الْعَامِلِ.

وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ رِبْحُ الْمِثْلِ لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَيُعْطَى الْعَامِلُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنْ يُعْطَاهُ مِثْلُهُ مِنْ الرِّبْحِ: إمَّا نِصْفُهُ وَإِمَّا ثُلُثُهُ وَإِمَّا ثُلُثَاهُ.
فَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مُقَدَّرًا مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ كَمَا يُعْطِيَ فِي الْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ فَهَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ.
وَسَبَبُ الْغَلَطِ ظَنُّهُ أَنَّ هَذَا إجَارَةٌ فَأَعْطَاهُ فِي فَاسِدِهَا عِوَضَ الْمِثْلِ كَمَا يُعْطِيهِ فِي الْمُسَمَّى الصَّحِيحِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ غَلَطَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعَامِلَ قَدْ يَعْمَلُ عَشْرَ سِنِينَ فَلَوْ أُعْطِيَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَأُعْطِيَ أَضْعَافَ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ إنْ كَانَ هُنَاكَ رِبْحٌ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ فِي الْفَاسِدَةِ أَضْعَافَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الصَّحِيحَةِ؟ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ ظَنُّوا أَنَّهَا إجَارَةٌ بِعِوَضِ مَجْهُولٍ فَأَبْطَلُوهَا وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَ مِنْهَا مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى الشَّجَرِ لِعَدَمِ إمْكَانِ إجَارَتِهَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ تُمْكِنُ إجَارَتُهَا.
وَجَوَّزُوا مِنْ الْمُزَارَعَةِ مَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ إمَّا مُطْلَقًا؛ وَإِمَّا إذَا كَانَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ بُطْلَانُ الْمُزَارَعَةِ وَإِنَّمَا جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ.
وَمَنْ أَعْطَى النَّظَرَ حَقَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ أَبْعَدُ عَنْ الظُّلْمِ وَالْقِمَارِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةِ مُسَمَّاةٍ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا يَقْصِدُ الِانْتِفَاعَ بِالزَّرْعِ النَّابِتِ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَمَقْصُودُهُ مِنْ

الزَّرْعِ قَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ كَانَ فِي هَذَا حُصُولُ أَحَدِ الْمُتَعَاوِضَيْنِ عَلَى مَقْصُودِهِ دُونَ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ فَإِنْ حَصَلَ الزَّرْعُ اشْتَرَكَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ اشْتَرَكَا فِي الْحِرْمَانِ فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِحُصُولِ مَقْصُودِهِ دُونَ الْآخَرِ فَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَأَبْعَدُ عَنْ الظُّلْمِ مِنْ الْإِجَارَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ جَمِيعِهَا هُوَ الْعَدْلُ؛ فَإِنَّهُ بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ الْكُتُبُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وَالشَّارِعُ نَهَى عَنْ الرِّبَا لِمَا فِيهِ مِنْ الظُّلْمِ وَعَنْ الْمَيْسِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْقُرْآنُ جَاءَ بِتَحْرِيمِ هَذَا وَهَذَا وَكِلَاهُمَا أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ: كَبَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَبَيْعِ السِّنِينَ وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَبَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: هِيَ دَاخِلَةٌ إمَّا فِي الرِّبَا وَإِمَّا فِي الْمَيْسِرِ فَالْإِجَارَةُ بِالْأُجْرَةِ الْمَجْهُولَةِ مِثْلَ أَنْ يَكْرِيَهُ الدَّارَ بِمَا يَكْسِبُهُ الْمُكْتَرِي فِي حَانُوتِهِ مِنْ الْمَالِ هُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَيْسِرِ بَلْ هُوَ مِنْ أَقْوَمِ الْعَدْلِ.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْمُزَارَعَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ

أَحَقُّ بِالْجَوَازِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَلِهَذَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزَارِعُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ عَلَى أَنْ يَعْمُرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
وَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فَقَالُوا فِي الْمُضَارَبَةِ: الْمَالُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمُزَارَعَةِ وَجَعَلُوا الْبَذْرَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ كَالْأَرْضِ.
وَهَذَا الْقِيَاسُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ فَهُوَ نَظِيرُ الْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَأَمَّا الْبَذْرُ الَّذِي لَا يَعُودُ نَظِيرُهُ إلَى صَاحِبِهِ بَلْ يَذْهَبُ كَمَا يَذْهَبُ نَفْعُ الْأَرْضِ فَإِلْحَاقُهُ بِالنَّفْعِ الذَّاهِبِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ الْبَاقِي فَالْعَاقِدُ إذَا أَخْرَجَ الْبَذْرَ ذَهَبَ عَمَلُهُ وَبَذْرُهُ وَرَبُّ الْأَرْضِ ذَهَبَ نَفْعُ أَرْضِهِ وَبَذْرُ هَذَا كَأَرْضِ هَذَا فَمَنْ جَعَلَ الْبَذْرَ كَالْمَالِ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعِيدَ مِثْلَ الْبَذْرِ إلَى صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ فَكَيْفَ وَلَوْ اشْتَرَطَ رَبُّ الْبَذْرِ نَظِيرَ عَوْدِ بَذْرِهِ إلَيْهِ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ.

جارٍ التحميل