كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: الدِّرْهَمُ كَيْفَ قَبِلَ التَّغَيُّرَ وَصَارَ حَرَامًا بِالسَّبَبِ الْمَمْنُوعِ وَلَمْ يَقْبَلْ التَّغَيُّرَ فَيَصِيرُ حَلَالًا بِالسَّبَبِ الْمَشْرُوعِ.
فَيُقَالُ لَهُ: بَلْ قَبِلَ التَّغَيُّرَ فِيمَا حُرِّمَ لِوَصْفِهِ؛ لَا بِمَا حُرِّمَ لِكَسْبِهِ.
فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَصِيرًا لَمْ تَصِرْ حَلَالًا طَاهِرًا فَلَمَّا تَخَمَّرَتْ كَانَتْ حَرَامًا نَجِسًا؛ فَإِذَا تَخَلَّلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِتَخْلِيلِهَا كَانَتْ خَلَّ خَمْرٍ حَلَالًا طَاهِرًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا قَصَدَ تَخْلِيلَهَا.
وَتَنَازَعُوا فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَالْخِنْزِيرِ إذَا صَارَ مِلْحًا وَالنَّجَاسَةِ إذَا صَارَتْ رَمَادًا.
فَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد.
وَ " الثَّانِي " مِثْلُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ هُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ قُبِضَ بِالظُّلْمِ فَإِذَا قُبِضَ بِحَقٍّ أُبِيحَ: مِثْلَ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ الْمَالِكُ لِلْغَاصِبِ أَوْ يَهَبَهُ إيَّاهُ أَوْ يَبِيعَهُ مِنْهُ أَوْ يَقْبِضَهُ الْمَالِكُ أَوْ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ.
ثُمَّ الْغَاصِبُ إذَا أَعْطَاهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ كَانَ قَبْضُهُ بِحَقِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ مَا لَا يَعْلَمُ كَذَلِكَ بَيَّنَ قَبْضَهُ مِنْ الْقَابِضِ بِحَقِّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الضَّمَانِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ اشْتَرَى جَارِيَةً كِتَابِيَّةً وَشَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ أَنَّهَا طَبَّاخَةٌ جَيِّدَةٌ، وَأَنَّهَا تَصْنَعُ الْخَمْرَ وَالنَّبِيذَ فَهَلْ يَصِحُّ؟.
فَأَجَابَ:
اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا تَصْنَعُ الْخَمْرَ وَالنَّبِيذَ شَرْطٌ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَقْدُ مَعَ ذَلِكَ فَاسِدٌ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَهَا بِدُونِ شَرْطٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ؛ لِأَجْلِ كَوْنِهَا تَصْنَعُ الْخَمْرَ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا لِيَعْصِيَ اللَّهَ بِهَا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ عَصِيرًا لِيَعْمَلَهُ خَمْرًا وَيَشْتَرِيَ سِلَاحًا لِيُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ: فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد
وَغَيْرِهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَجَّرَ الْبَائِعَ الدَّارَ مُدَّةً مِنْ الشُّهُورِ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ فِي تَارِيخِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ بَيْنَهُمَا بَيْعُ أَمَانَةٍ فِي الْبَاطِنِ.
هَلْ يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ؟ وَهَلْ يَلْزَمُ الْبَائِعَ الْأَصْلِيَّ مَبْلَغٌ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبي بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً﴾ وَهَلْ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إبِلُ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرًا فَقُلْت لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رباعيا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطِهِ فَإِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً﴾ وَهَلْ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ دَرَاهِمَ
وَيَنْتَفِعُ الْمُعْطِي بِعَقَارِ الْآخَرِ مُدَّةَ مَقَامِ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا أَعَادَ الدَّرَاهِمَ إلَيْهِ أَعَادَ إلَيْهِ الْعَقَارَ فَهَذَا حَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ وَهَذَا دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَمَنْفَعَةُ الدَّارِ وَهُوَ الرِّبَا الْبَيِّنُ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ مَتَى اشْتَرَطَ زِيَادَةً عَلَى قَرْضِهِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا وَكَذَلِكَ إذَا تَوَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ.
وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك﴾ حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقْرَضَهُ وَبَاعَهُ: حَابَاهُ فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ وَكَذَلِكَ إذَا آجَرَهُ وَبَاعَهُ.
وَمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ بَيْعِ الْأَمَانَةِ الَّذِي يَتَّفِقُونَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَهُ بِالثَّمَنِ أَعَادَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ هُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ سَوَاءٌ شَرَطَهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُعَادَ الْعَقَارُ إلَى رَبِّهِ وَالْمَالُ إلَى رَبِّهِ وَيُعَزَّرُ كُلٌّ مِنْ الشَّخْصَيْنِ إنْ كَانَا عَلِمَا بِالتَّحْرِيمِ.
وَالْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ السَّائِلُ وَغَيْرُهُمْ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَنَسِ بْن مَالِكٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: " إنَّك بِأَرْضِ الرِّبَا فِيهَا فَاشٍ فَإِذَا أَقْرَضْت رَجُلًا قَرْضًا فَأَهْدَى لَك حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ
قَتٍّ فَاحْسُبْهُ لَهُ مِنْ قَرْضِهِ " وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي أَقْرَضْت سَمَّاكًا عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَأَهْدَى لِي سَمَكَةً فَقَوَّمْتهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَقَالَ لَا تَأْخُذْ مِنْهُ إلَّا سَبْعَةَ دَرَاهِمَ.
وَحَدِيثُ الْبَكْرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَإِذَا وَفَّاهُ الْمُقْرِضُ خَيْرًا مِنْ قَرْضِهِ بِلَا مُوَاطَأَةٍ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ وَفَّاهُ أَكْثَرَ مِنْ قَرْضِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ بَعْدَ وَفَاءِ الْقَرْضِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا أَهْدَى إلَيْهِ قَبْلَ الْوَفَاءِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَحْسِبْهُ مِنْ الْقَرْضِ كَانَ الْقَرْضُ بَاقِيًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ مَعَ الْهَدِيَّةِ وَالْهَدِيَّةُ إنَّمَا كَانَتْ بِسَبَبِ الْقَرْضِ.
وَقَدْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللَّهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إلَيْهِ؟ أَمْ لَا؟﴾ . فَبَيَّنَ أَنَّ الْهَدِيَّةَ إذَا كَانَتْ بِسَبَبٍ أُلْحِقَتْ بِهِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ الْهَدِيَّةَ قَبْلَ الْوَفَاءِ تُحْسَبُ لِصَاحِبِهَا؛ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الصِّفَةِ فِي الْوَفَاءِ.
وَأَمَّا صُورَتُهُ: وَهُوَ أَنْ يَتَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ الْعَقَارَ بِثَمَنِ ثُمَّ يُؤَجِّرَهُ إيَّاهُ إلَى مُدَّةٍ وَإِذَا جَاءَهُ بِالثَّمَنِ أَعَادَ إلَيْهِ الْعَقَارَ.
فَهُنَا الْمَقْصُودُ إنَّ الْمُعْطِيَ شَيْئًا أَدَّى الْأُجْرَةَ مُدَّةَ بَقَاءِ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِ الْمَنْفَعَةِ وَبَيْنَ عِوَضِ الْمَنْفَعَةِ الْجَمِيعُ حَرَامٌ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ وَأَنَّ الْمُوَاطَأَةَ وَالنِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ.
فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ: تَحْرِيمُ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَنَّ النِّيَّاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْعُقُودِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى﴾ وَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ كَالْمُقَارِنِ لَهُ.
وَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ مَنْ أَسْقَطَ الْوَاجِبَاتِ وَاسْتَحَلَّ الْمُحَرَّمَاتِ: بِالْحِيَلِ وَالْمُخَادَعَاتِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " ن " وَفِي قِصَّةِ أَهْلِ السَّبْتِ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ﴾ . وَقَالَ أَيُّوبُ السختياني: يُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ لَوْ أَتَوْا الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ.
وَدَلَائِلُ هَذَا مَبْسُوطَةٌ فِي كِتَابٍ كَبِيرٍ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فَصْلٌ:
فِي ﴿قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ: ابْتَاعِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ﴾ . فَإِنَّ هَذَا أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: انْفَرَدَ بِهِ هِشَامٌ دُونَ الزُّهْرِيِّ وَظَنَّ ذَلِكَ عِلَّةً فِيهِ.
وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا عِلَّةَ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: " اشْتَرِطِي لَهُمْ ": بِمَعْنَى عَلَيْهِمْ.
قَالُوا: وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيْ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ.
وَنَقَلَ هَذَا حَرْمَلَةُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَنُقِلَ عَنْ المزني وَهُوَ ضَعِيفٌ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّ قَوْلَهُ: " اشْتَرِطِي لَهُمْ " صَرِيحٌ فِي مَعْنَاهُ وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ: (لَهُمْ الْعَذَابُ وَ (لَهُمْ خِزْيٌ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ اللَّعْنَةَ؛
بَلْ هُنَا إذَا قِيلَ: (وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ) وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُجْزَوْنَ بِهَا وَإِذَا قِيلَ: عَلَيْهِمْ فَالْمُرَادُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ فَالْمَعْنَيَانِ مُفْتَرِقَانِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِقَوْلِهِ: " عَلَيْهِمْ " الْخَبَرُ: أَيْ وَقَعَتْ عَلَيْهِمْ فَحَرْفُ الِاسْتِعْلَاءِ غَيَّرَ مَا أَفَادَهُ حَرْفُ الِاخْتِصَاصِ وَإِنْ كَانَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ أُولَئِكَ مَلْعُونُونَ.
وَقَوْلُهُ: " اشْتَرِطِي لَهُمْ " مُبَايِنٌ لِمَعْنَى اشْتَرِطِي عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ مَعْنَى اللَّفْظِ بِمَعْنَى ضِدِّهِ وَأَيْضًا فَعَائِشَةُ قَدْ كَانَتْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالَتْ: " إنْ شَاءُوا عَدَدْتهَا لَهُمْ عِدَّةً وَاحِدَةً وَيَكُونُ وَلَاؤُك لِي فَامْتَنَعُوا ". وَأَيْضًا فَإِنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِهِ؛ بَلْ هُوَ إذَا أَعْتَقَ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ.
يَبْقَى حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَصِيرُ لَهُمْ إذَا شَرَطَتْهُ وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ الْحَدِيثَ تَبَيَّنَ لَهُ قَطْعًا أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُرِدْ هَذَا.
وَأَمَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ: فَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَتَيْنِ.
مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّسُولَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِالشَّرْطِ الْبَاطِلِ.
وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّرْطَ الْبَاطِلَ كَيْفَ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
وَقَدْ أَجَابَ طَائِفَةٌ بِجَوَابٍ ثَالِثٍ ذَكَرَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ.
وَهُوَ أَنَّ
الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَأَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ وُجُودُ اشْتِرَاطِهِمْ كَعَدَمِهِ وَبَيَّنَ لِعَائِشَةَ أَنَّ اشْتِرَاطَك لَهُمْ الْوَلَاءَ لَا يَضُرُّك فَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا بِالشَّرْطِ؛ لَكِنْ إذْنًا لِلْمُشْتَرِي فِي اشْتِرَاطِهِ إذَا أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَبِيعَ إلَّا بِهِ وَإِخْبَارًا لِلْمُشْتَرِي أَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّهُ وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
فَهُوَ إذْنٌ فِي الشِّرَاءِ مَعَ اشْتِرَاطِ الْبَائِعِ ذَلِكَ وَإِذْنٌ فِي الدُّخُولِ مَعَهُمْ فِي اشْتِرَاطِهِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِي ذَلِكَ وَنَفْسُ الْحَدِيثِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا اسْتَشْكَلَ الْحَدِيثَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِطُ يَعْلَمُ أَنَّهُ شَرْطٌ مُحَرَّمٌ لَا يَحِلُّ اشْتِرَاطُهُ فَوُجُودُ اشْتِرَاطِهِ كَعَدَمِهِ؛ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ.
فَيَصِحُّ اشْتِرَاءُ الْمُشْتَرِي وَيَمْلِكُ الْمُشْتَرِي وَبِلَغْوِ هَذَا الشَّرْطِ الَّذِي قَدْ عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَأَمَّا أُولَئِكَ الْقَوْمُ فَإِنْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا بِالنَّهْيِ قَبْلَ اسْتِفْتَاءِ عَائِشَةَ فَلَا شُبْهَةَ.
لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ بَلْ فِيهِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَشِيَّةً فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ﴾ وَهَذَا كَانَ عَقِبَ اسْتِفْتَاءِ عَائِشَةَ وَقَدْ عَلِمَ أُولَئِكَ
بِهَذَا بِلَا رَيْبٍ وَكَانَ عَقْدُ عَائِشَةَ مَعَهُمْ بَعْدَ هَذَا الْإِعْلَامِ مِنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا تَابُوا عَنْ هَذَا الشَّرْطِ أَوْ أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطُهُ.
هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَسِيَاقُهُ.
وَلَا إشْكَالَ فِيهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِطُ لِمِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ الْبَاطِلِ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ ظَانًّا أَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ، فَهَذَا لَا يَكُونُ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ لَازِمًا وَلَا يَكُونُ أَيْضًا بَاطِلًا.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد؛ بَلْ لَهُ الْفَسْخُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَمَلَكَهُ لَهُ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُنْفِذَ الْبَيْعَ أَنْفَذَهُ كَمَا لَوْ ظَهَرَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ وَكَالشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ إذَا لَمْ يُوَفِّ لَهُ بِهَا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ رَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ وَلَهُ الْإِمْضَاءُ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فِي مِثْلِ هَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ؛ بَلْ هُوَ غَيْرُ لَازِمٍ يَتَسَلَّطُ فِيهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْفَسْخِ كَالْمُشْتَرِي لِلْمَعِيبِ وَلِلْمُصَرَّاةِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَإِنَّ حَقَّهُ مُخَيَّرٌ بِتَمْكِينِهِ مِنْ الْفَسْخِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: إنَّ لَهُ أَرْشَ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ بِإِلْغَاءِ هَذَا الشَّرْطِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَعِيبِ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْفَسْخَ؛ وَإِنَّمَا لَهُ الْأَرْشُ بِالتَّرَاضِي أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِطَ لَمْ يَرْضَ إلَّا
بِالشَّرْطِ فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِدُونِهِ؛ بَلْ لَهُ الْخِيَارُ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ رَضِيَ بِهِ مَعَ الشَّرْطِ فَإِذَا أَلْغَى الشَّرْطَ وَصَارَ الْوَلَاءُ لَهُ فَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فَلَا يُلْزَمُ بِالزِّيَادَةِ؛ بَلْ إذَا أَعْطَى الثَّمَنَ فَإِنْ شَاءَ الْآخَرُ قَبِلَ وَأَمْضَى وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَإِنْ تَرَاضَيَا بِالْأَرْشِ جَازَ لَكِنْ لَا يُلْزَمُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِرِضَاهُ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ.
وَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا: مِثْلَ الصَّفْقَةِ إذَا تَفَرَّقَتْ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْحَلَالِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد فَإِنَّ الَّذِي تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ لَهُ الْفَسْخُ إذَا كَانَ لَمْ يَرْضَ بِبَيْعِ هَذَا بِقِسْطِهِ إلَّا مَعَ ذَلِكَ.
وَأَصْلُ الْعُقُودِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا بِالْتِزَامِهِ أَوْ بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ لَهُ.
فَمَا الْتَزَمَهُ فَهُوَ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْقُضُ الْعَهْدَ وَلَا يَغْدِرُ.
وَمَا أَمَرَهُ الشَّارِعُ بِهِ فَهُوَ مِمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ مِنْ الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَمِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ؛ وَلِهَذَا يَذْكُرُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ هَذَا وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ .
فَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فَهُوَ إلْزَامٌ مِنْ اللَّهِ بِهِ وَمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فَقَدْ الْتَزَمَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوفِيَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضَ الْمِيثَاقَ.
إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ.
فَمَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ؛ مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَسْتَحِلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَاَلَّذِي يَبِيعُ الْأَمَةَ أَوْ يُعْتِقَهَا وَيَشْرُطُ وَطْأَهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِهِ أَوْ يَبِيعُ غَيْرُهُ مَمْلُوكًا وَيَشْرِطُ أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهُ لَهُ لَا لِلْمُعْتِقِ أَوْ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ أَوْ قَرَابَتَهُ وَيَشْرِطُ أَنْ يَكُونَ النَّسَبُ لِغَيْرِ الْأَبِ أَوْ يَكُونَ النَّسَبُ لَهُ فَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُدْعَى الْوَلَدُ لِأَبِيهِ وَالْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، فَمَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا يُورَثُ أَيْضًا؛ وَلَكِنْ يُورَثُ بِهِ كَالنَّسَبِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْكِبَرِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ حَقٌّ كَمَا جَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْوَفَاءَ بِالشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى مِنْهَا فِي الْبَيْعِ؛ وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ شَرْطًا مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ: مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ بِمَهْرٍ مُحَرَّمٍ فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ وَغَيْرِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ ﴿نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ﴾ وَأَبْطَلَهُ الصَّحَابَةُ؛ فَإِنَّهُمْ أَشْغَرُوا النِّكَاحَ عَنْ مَهْرٍ.
هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ فِي نُصُوصِ أَحْمَد الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ.
وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: الْعِلَّةُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ فَإِنَّ الْبُضْعَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ؛ بَلْ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ بِلَا شَرِكَةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ صَدَاقَهَا بُضْعَ الْأُخْرَى فَالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ لَمْ تَمْلِكْ بُضْعَ الْمَرْأَةِ وَلَا يُمْكِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ امْرَأَةً لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةً؛ وَلَكِنْ جَعَلَتْ لِوَلِيِّهَا مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْمَهْرِ فَوَلِيُّهَا هُوَ الَّذِي مَلَكَ الْبُضْعَ وَجَعَلَ صَدَاقَهَا مِلْكَ وَلِيِّهَا الْبُضْعَ وَهِيَ لَمْ تَمْلِكْ شَيْئًا؛ فَلِهَذَا كَانَ شِغَارًا.
وَالْمَكَانُ الشَّاغِرُ الْخَالِي.
وَشَغَرَتْ هَذِهِ الْجِهَةُ أَيْ خَلَتْ.
وَمَنْ أَصْدَقَتْ شَيْئًا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَا أَصْدَقَتْهُ لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ لَازِمًا وَأُعْطِيَتْ بَدَلَهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَأَوْلَى: ﴿فَإِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ . وَمَنْ الْتَزَمَتْ بِالنِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحَصِّلَ مَا رَضِيَتْهُ فَقَدْ الْتَزَمَتْ بِالنِّكَاحِ الَّذِي لَمْ تَرْضَ بِهِ وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى.
وَالشَّارِعُ لَمْ يُلْزِمْهَا النِّكَاحَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا هِيَ الْتَزَمَتْهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَا يَجِبُ بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ أَوْ بِالْتِزَامِهِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فَلَا مَعْنَى
لِالْتِزَامِهَا بِنِكَاحٍ لَمْ تَرْضَ بِهِ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمَهْرُ لَيْسَ بِمَقْصُودِ: كَلَامٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ رُكْنٌ فِي النِّكَاحِ وَإِذَا شُرِطَ فِيهِ كَانَ أَوْكَدَ مِنْ شَرْطِ الثَّمَنِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ . وَالْأَمْوَالُ تُبَاحُ بِالْبَدَلِ وَالْفُرُوجُ لَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِالْمُهُورِ؛ وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِدُونِ فَرْضِهِ وَتَقْرِيرِهِ؛ لَا مَعَ نَفْيِهِ.
وَالنِّكَاحُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى الصَّحِيحِ - وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد - يَنْعَقِدُ بِالسِّعْرِ فَلَا فَرْقَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ.
وَاَلَّذِي يَثْبُتُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِدُونِ فَرْضِ الْمَهْرِ.
أَيْ بِدُونِ تَقْدِيرِهِ؛ لَا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَعَ نَفْيِهِ؛ بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ لَمَّا جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَتَزَوَّجُوا بِلَا مَهْرٍ.
وَكَذَلِكَ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مَهْرٍ مُسَمًّى مَفْرُوضٍ أَوْ مَسْكُوتٍ عَنْ فَرْضِهِ ثُمَّ إنْ فُرِضَ مَا تَرَاضَيَا بِهِ وَإِلَّا فَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا كَمَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بروع بِنْتِ وَاشِقٍ.
وَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا وَالنَّاسُ دَائِمًا يَتَنَاكَحُونَ مُطْلَقًا وَقَدْ تَرَاضَوْا بِالْمَهْرِ الْمُعْتَادِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا يَتَبَايَعُونَ دَائِمًا وَقَدْ تَرَاضَوْا بِالسِّعْرِ الَّذِي يَبِيعُ بِهِ الْبَائِعُ فِي
مِثْلِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ كَمَا يَشْتَرُونَ الْخُبْزَ وَالْأُدْمَ وَالْفَاكِهَةَ وَاللَّحْمَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْخَبَّازِ وَاللَّحَّامِ وَالْفُومِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ رَضُوا أَنْ يُعْطِيَهُمْ ثَمَنَ الْمِثْلِ وَهُوَ السِّعْرُ الَّذِي يَبِيعُ بِهِ لِلنَّاسِ وَهُوَ مَا سَاغَ بِهِ مِثْلُ تِلْكَ السِّلْعَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَإِنْ كَانَ فِي مَذْهَبِهِ نِزَاعٌ فِيهِ.
فَصْلٌ:
وَأَصْلُ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا مَكْرُوهَ إلَّا مَا كَرِهَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا حَلَالَ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا مُسْتَحَبَّ إلَّا مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلِهَذَا أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مَا حَلَّلُوهُ أَوْ حَرَّمُوهُ أَوْ شَرَعُوهُ مِنْ الدِّينِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ.
وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ قَدْ يُوجِبُهُ ابْتِدَاءً؛ كَإِيجَابِهِ الْإِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
وَقَدْ يُوجِبُهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْتَزَمَهُ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْهُ؛ كَالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لِلْمُسْتَحَبَّاتِ.
وَبِمَا الْتَزَمَهُ فِي الْعُقُودِ الْمُبَاحَةِ: كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ
وَاجِبًا.
وَقَدْ يُوجِبُهُ لِلْأَمْرَيْنِ كَمُبَايَعَةِ الرَّسُولِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ وَكَذَلِكَ مُبَايَعَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَتَعَاقُدِ النَّاسِ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَنَفْسُ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْتَزَمَهَا بِالْإِيمَانِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءَ بِمُوجِبِهَا وَهُوَ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيمَا أَتَى بِهِ عَنْ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَوْجَبَهُ وَأَمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ عَنْ اللَّهِ أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَتُهُ وَمَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَتُهُ.
وَهَذِهِ الْأُصُولُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوَاضِعَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ أَصْلُ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ لَهُ أَوْ بِالْتِزَامِهِ إيَّاهُ.
فَإِذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ رُدَّ إلَيْهِ.
وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُوَفِّي بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُوَفِّي بِهِ؛ بَلْ يَنْقُضُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءَ بِهِ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ وَمِنْ ذَلِكَ " مَسَائِلُ النِّكَاحِ وَالشُّرُوطِ فِيهِ ". فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَيْضًا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشُّرُوطِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: بَلْ الْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ الصِّحَّةِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ دَلَّا عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَذَمِّ الْغَدْرِ
وَالنَّكْثِ؛ وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْرُوطُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَشَرْطِهِ فَإِذَا كَانَ الْمَشْرُوطُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَشَرْطِهِ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ﴾ . فَإِنَّ قَوْلَهُ: " مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا " أَيْ مَشْرُوطًا وَقَوْلَهُ: " لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ " أَيْ لَيْسَ الْمَشْرُوطُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ هُوَ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ كَاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ وَالنَّسَبِ لِغَيْرِ الْوَالِدِ وَكَالْوَطْءِ بِغَيْرِ مِلْكِ يَمِينٍ وَلَا نِكَاحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ بِحَالِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَزَوُّجُ الْمَرْأَةِ بِلَا مَهْرٍ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ﴾ . وَهَذَا إنَّمَا يُقَالُ: إذَا كَانَ الْمَشْرُوطُ يُنَاقِضُ كِتَابَ اللَّهِ وَشَرْطَهُ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ كِتَابِ اللَّهِ وَشَرْطِهِ وَيُقَالُ: ﴿كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ﴾ . وَأَمَّا إذَا كَانَ نَفْسُ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى حِلِّهِ؛ بَلْ سَكَتَ عَنْهُ؛ فَلَيْسَ هُوَ مُنَاقِضًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَشَرْطِهِ حَتَّى يُقَالَ: ﴿كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ.
وَسَوَاءٌ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ الشَّرْطِ الْمَصْدَرُ أَوْ الْمَفْعُولُ.
فَإِنَّهُ مَتَى خَالَفَ أَحَدُهُمَا كِتَابَ اللَّهِ خَالَفَهُ الْآخَرُ؛ بِخِلَافِ مَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهَذَا أَصْلٌ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ الْمُخَالِفَ لِكِتَابِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَرْضَيَا إلَّا بِهِ فَقَدْ الْتَزَمَا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ.
فَلَا يَلْزَمُ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَعْصِيَةَ.
وَسَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ أَوْ جَاهِلَيْنِ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ فَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْتَزَمَهُ لِلَّهِ فَيَلْزَمُهُ مَا كَانَ لِلَّهِ؛ دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ: كَالنَّذْرِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَتَفَرَّقُ فِيهِ الصَّفْقَةُ.
وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَشَرَطَهُ فَهُوَ كَشَرْطِ أَهْلِ بَرِيرَةَ: شَرْطُهُ بَاطِلٌ وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ.
فَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَبْطَلَ شُرُوطًا كَثِيرَةً فِي النِّكَاحِ بِلَا حُجَّةٍ.
ثُمَّ الشَّرْطُ الْبَاطِلُ فِي النِّكَاحِ قَالُوا: يَبْطُلُ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِدُونِهِ وَالْمُشْتَرِطُ لِلنِّكَاحِ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِهِ وَالشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ أَوْكَدُ مِنْهَا فِي الْبَيْعِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ . فَلَزِمَهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ النُّصُوصِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَإِلْزَامُ الْخَلْقِ بِشَيْءٍ لَمْ يَلْتَزِمُوهُ وَلَا أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ بِهِ.
فَأَوْجَبُوا عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
ثُمَّ قَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي يُبْغِضُهُ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يُبِيحُونَ ذَلِكَ بِالْعُقُودِ الْمَشْرُوطَةِ فِيهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فَيُحَلِّلُونَ مَا لَمْ يُحَلِّلْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ شَرْطَ التَّحْلِيلِ فِي الْعَقْدِ شَرْطٌ حَرَامٌ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
إذَا شَرَطَ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا إذَا أَحَلَّهَا وَكَذَلِكَ شَرْطُ الطَّلَاقِ بَعْدَ أَجَلٍ مُسَمًّى.
فَشَرْطُ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ إذَا مَضَى الْأَجَلُ أَوْ بَعْدَ التَّحْلِيلِ شَرْطٌ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ النِّكَاحَ إلَى أَجَلٍ وَلَمْ يُبِحْ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ.
فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَيَكُونُ الْعَقْدُ لَازِمًا.
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ التَّوْقِيتِ وَبَيْنَ الِاشْتِرَاطِ.
فَقَالُوا: إذَا قَالَ: تَزَوَّجْتهَا إلَى شَهْرٍ؛ فَهُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَطَرَدَ بَعْضُهُمْ الْقِيَاسَ.
وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَخَرَّجَ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ؛ وَيَلْغُو التَّوْقِيتُ كَمَا قَالُوا يَلْغُو الشَّرْطُ.
وَلَوْ قَالَ فِي نِكَاحِ التَّحْلِيلِ: عَلَى أَنَّك إذَا أَحْلَلْتهَا طَلِّقْهَا فَهُوَ شَرْطٌ كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْمُتْعَةِ: عَلَى أَنَّهُ إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ طَلِّقْهَا.
وَإِنْ قَالَ: فَلَا نِكَاحَ بَيْنَكُمَا.
فَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ قِيلَ: يُلْحَقُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَقِيلَ: بِالتَّوْقِيتِ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ.
وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: هِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَد.
قِيلَ: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ.
وَقِيلَ: يَبْطُلَانِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ.
فَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ يَصِحُّ.
وَإِذَا قِيلَ: بِبُطْلَانِهِ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ لَازِمًا بِدُونِهِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْطِ الْوَفَاءُ وَشَرْطُ الْخِيَارِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ لَا سِيَّمَا فِي النِّكَاحِ.
وَهَذَا يُبْنَى
عَلَى أَصْلٍ.
وَهُوَ: أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ: هَلْ الْأَصْلُ صِحَّتُهُ أَوْ الْأَصْلُ بُطْلَانُهُ؛ لَكِنْ جَوَّزَ ثَلَاثًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؟ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ: مَالِكٍ وَأَحْمَد وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ وَلِهَذَا أَبْطَلَا الْخِيَارَ فِي أَكْثَرِ الْعُقُودِ: النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ هِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَد.
وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد يُفَرِّقُونَ فِي النِّكَاحِ بَيْنَ شَرْطٍ يَرْفَعُ الْعَقْدَ كَالطَّلَاقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ: مِثْلَ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمَهْرِ أَوْ عَدَمِ الْوَطْءِ أَوْ عَدَمِ الْقَسْمِ وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَد خِلَافٌ فِي شَرْطِ عَدَمِ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فَيَكُونُ لَازِمًا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِذَا لَمْ يُوَفِّ بِهِ ثَبَتَ الْفَسْخُ كَاشْتِرَاطِ نَوْعٍ أَوْ نَقْدٍ فِي الْمَهْرِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ النِّكَاحُ لَازِمًا مَعَ عَدَمِ الْوَفَاءِ؛ بَلْ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِطُ بَيْنَ إمْضَائِهِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ كَالشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَكَالْعَيْبِ.
فَإِنَّهُ يَرُدُّ بِالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ لَا تُرَدُّ الْحُرَّةُ بِعَيْبِ وَقَالُوا: النِّكَاحُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَلَمْ يُجَوِّزُوا فَسْخَهُ بِعَيْبِ وَلَا شَرْطٍ.
ثُمَّ هُمْ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يُوجِبُونَ فِي الْإِيلَاءِ عَلَى الْمُولِي إمَّا الفيأة وَإِمَّا الطَّلَاقَ.
وَهُمْ يَقُولُونَ:
يَقَعُ الطَّلَاقُ عَقِبَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يَفِئْ وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا فَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ: لَكِنْ قَالُوا: الْمَرْأَةُ لَا يُمْكِنُهَا الطَّلَاقُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ كَمَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ خَصَّ الْفَسْخَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِمَا يَمْنَعُ النِّكَاحَ كَمَا أَبْطَلُوا النِّكَاحَ بِالشَّرْطِ الَّذِي يَرْفَعُ الْعَقْدَ.
وَتَفْصِيلُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مُقْتَضَى الْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ: أَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ؛ إلَّا إذَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ.
وَإِذَا كَانَ لَازِمًا لَمْ يَلْزَمْ الْعَقْدُ بِدُونِهِ.
فَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْمَهْرِ شَيْئًا مُعَيَّنًا: مِثْلُ هَذَا الْعَبْدُ وَهَذِهِ الْفَرَسُ وَهَذِهِ الدَّارُ؛ لَكِنْ يَقُولُونَ: إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَهْرِ لَزِمَ بَدَلُهُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ جِهَتِهِ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِامْتِنَاعِ الْعَقْدِ فَقَدْ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْعَقْدِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تُمَكَّنَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْفَسْخِ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَرْضَ وَتُبِحْ فَرْجَهَا إلَّا بِهَذَا فَإِذَا تَعَذَّرَ فَلَهَا الْفَسْخُ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: الْمَهْرُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ.
فَيُقَالُ: كُلُّ شَرْطٍ فَهُوَ مَقْصُودٌ وَالْمَهْرُ أَوْكَدُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لَكِنْ هُنَا الزَّوْجَانِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِمَا وَهُمَا عَاقِدَانِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُمَا عَاقِدَانِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا فَاتَ فَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِالْبَدَلِ كَالْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ لِكَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ - وَهُمَا الزَّوْجَانِ - بَاقِيَيْنِ فَالْفَائِتُ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ
فِي السِّلْعَةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ: يُوجِبُ الْفَسْخَ وَلَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ.
هَذَا مُقْتَضَى الْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ وَالْقِيَاسِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِطُ بِبُطْلَانِهِ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ لَازِمًا؛ بَلْ إنْ رَضِيَ بِدُونِ الشَّرْطِ وَإِلَّا فَلَهُ الْفَسْخُ.
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَأَمَّا إلْزَامُهُ بِعَقْدٍ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَا أَلْزَمَهُ الشَّارِعُ أَنْ يَعْقِدَهُ، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ وَمُخَالِفٌ لِلْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ.
وَهُمْ جَعَلُوا الْأَصْلَ أَنَّ الْحُرَّةَ لَا تُرَدُّ بِعَيْبِ.
قَالُوا: فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: يَصِحُّ النِّكَاحُ بِلَا تَقْدِيرِ مَهْرٍ فَيَصِحُّ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ فَيَصِحُّ مَعَ كُلِّ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَأَمَّا صِحَّتُهُ بِدُونِ فَرْضِ الْمَهْرِ؛ فَهَذَا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ لَكِنْ إذَا اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِ الْمَهْرِ فَإِنَّ الْمَهْرَ الْمُطْلَقَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَمَّا مَعَ نَفْيِهِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ كَمَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ.
وَهُوَ الصَّوَابُ لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهِ وَحَدِيثِ الشِّغَارِ.
قَالُوا فَثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ: عَدَمِ الْفَسْخِ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ وَالصِّحَّةِ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
فَيُقَالُ:
أَمَّا عَدَمُ الْفَسْخِ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا تُرَدُّ الْحُرَّةُ بِعَيْبِ، فَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَلْبَتَّةَ؛ بَلْ مَتَى كَانَ الشَّرْطُ صَحِيحًا وَفَاتَ: فَلِمُشْتَرِطِهِ الْفَسْخُ، ثُمَّ الشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْعَقْدِ هَلْ هُوَ كَالْمُقَارِنِ لَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْمُقَارِنِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَخْرُجُ مِنْ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَأَحْمَد يُوجِبُ مَا سَمَّى فِي الْعَلَانِيَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي السِّرِّ لَكِنْ يُوجِبُ ذَلِكَ ظَاهِرًا وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يُوفُوا بِمَا شَرَطُوا لَهُ فَعَلَى هَذَا لَمْ يُحْكَمْ بِالسِّرِّ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ وَإِنْ ثَبَتَ حُكِمَ بِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: لَا يُحْكَمُ بِهِ مُطْلَقًا فَلِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا خِلَافَ مَا أَبْطَنُوهُ وَالنِّكَاحُ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِعْلَانِ لَا عَلَى الْإِسْرَارِ وَهَذَا بِخِلَافِ شَرْطٍ لَمْ يُظْهِرُوا مَا يُنَاقِضُهُ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِمَا فَهَذَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ.
وَالشَّافِعِيُّ إذَا قَالَ فِي النِّكَاحِ: إنَّهُ يُؤْخَذُ بِالسِّرِّ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَأَمَّا صِحَّتُهُ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ: فَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يَحِلُّ اشْتِرَاطُهُ وَهَذَا النِّكَاحُ حَلَالٌ فَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَفْرِضْ مَهْرًا؛ لَكِنْ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَهْرٍ؛ إمَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، فَهَذَا النِّكَاحُ حَلَالٌ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ.
فَمِنْ ذَيْنِك الْقِيَاسَيْنِ
الْفَاسِدَيْنِ فَرَّقُوا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَأَلْزَمُوا النَّاسَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ وَإِنْ شَرَطُوا فِيهِ شَرْطًا صَحِيحًا كَمَا أَلْزَمُوا الرَّجُلَ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْمَعِيبَةِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِنِكَاحِ مَعِيبَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ فَرَّقَ بَيْنَ عُيُوبِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا؟ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ عُيُوبَ الْفَرْجِ الْمَانِعَةَ مِنْ الْوَطْءِ لَا يَرْضَى بِهَا فِي الْعَادَةِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ؛ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ الْأَمَةُ؛ فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُقْلَبُ كَمَا تُقْلَبُ الْأَمَةُ وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ رِضًا مُطْلَقًا وَهُوَ لَمْ يَشْرِطْ صِفَةً فَبَانَتْ بِدُونِهَا.
فَإِنْ شَرَطَ فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَهُ الْفَسْخُ وَكَذَا بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّرْطُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا وَفِي الْبَيْعِ دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِسَلِيمٍ مِنْ الْعُيُوبِ وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ لَمْ يَرْضَ بِمَنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَالْعَيْبُ الَّذِي يَمْنَعُ كَمَالَ الْوَطْءِ - لَا أَصْلَهُ - فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْوَطْءُ وَكَمَالُ الْوَطْءِ فَلَا تَنْضَبِطُ فِيهِ أَغْرَاضُ النَّاسِ.
وَالشَّارِعُ قَدْ أَبَاحَ بَلْ أَحَبَّ لَهُ النَّظَرَ إلَى الْمَخْطُوبَةِ وَقَالَ: ﴿إذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ أَحَدِكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا﴾ . ﴿وَقَالَ لِمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ: اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا
عَرَفَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ دَامَ الْوُدُّ.
وَأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَرَهَا فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلِّلْ الرُّؤْيَةَ بِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَهُ النِّكَاحُ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَجِبُ وَأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِهَا وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ أَنْ يَصِفُوا الْمَرْأَةَ الْمَنْكُوحَةَ بِذَلِكَ؛ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يَصِحَّ وَإِمَّا أَنْ يَمْلِكَ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد رِوَايَةً ضَعِيفَةً أَنَّهُ يَصِحُّ بِلَا رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا يَثْبُتُ خِيَارٌ.
وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا هُوَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ: أَنَّ النِّسَاءَ يُرْضَى بِهِنَّ فِي الْعَادَةِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأَمْوَالَ لَا يُرْضَى بِهَا عَلَى الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ إذْ الْمَقْصُودُ بِهَا التَّمَوُّلُ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ وَالْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ الْمُصَاهَرَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ مَعَ اخْتِلَافِ الصِّفَاتِ.
فَهَذَا فَرْقٌ شَرْعِيٌّ مَعْقُولٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ.
أَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ لِاشْتِرَاطِهِ صِفَةً فَبَانَتْ بِخِلَافِهَا وَبِالْعَكْسِ فَإِلْزَامُهُ بِمَا لَمْ يَرْضَ بِهِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ.
وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتهَا أَحْسَنَ مِمَّا هِيَ أَوْ مَا ظَنَنْت فِيهَا هَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطَ حَيْثُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَهَا وَلَا أَرْسَلَ مَنْ رَآهَا.
وَلَيْسَ مِنْ الشَّرْعِ وَلَا الْعَادَةِ أَنْ تُوصَفَ لَهُ فِي الْعَقْدِ كَمَا تُوصَفَ الْإِمَاءُ فِي السَّلَمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ صَانَ الْحَرَائِرَ عَنْ ذَلِكَ وَأَحَبَّ سَتْرَهُنَّ؛ وَلِهَذَا نُهِيَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْقِدَ نِكَاحًا فَإِذَا كُنَّ لَا يُبَاشِرْنَ الْعَقْدَ فَكَيْفَ يُوصَفْنَ؟ وَأَمَّا الرَّجُل فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ
يَرَاهُ مَنْ يَشَاءُ فَلَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ وَالْمَرْأَةُ إذَا فَرَّطَ الزَّوْجُ فَالطَّلَاقُ بِيَدِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ الْإِبْرَاءِ مِنْ سَائِرِ الْعُيُوبِ خَلَا الْإِبَاقِ فَلَمَّا ابْتَاعَهُ هَرَبَ عَنْهُ فَمَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ؟ .
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْإِبَاقِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَهَذَا عَيْبٌ يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ.
وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ قَدْ كَتَمَ هَذَا الْعَيْبَ حَتَّى أَبَقَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُطَالِبُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ؛ بَلْ هُوَ الْمَنْصُوصُ.
بَابُ الْخِيَارِ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلَيْنِ تَبَايَعَا عَيْنًا وَشَرَطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخَ الْبَيْعِ وَإِمْضَاءَهُ فِي مُدَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا.
فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْخِيَارُ فِي الْإِمْضَاءِ وَالْفَسْخِ؟ أَوْ فِي الْفَسْخِ دُونَ الْإِمْضَاءِ؟ وَيَكُونُ ذِكْرُ الْإِمْضَاءِ لَغْوًا أَوْ لَا يُعْتَبَرَانِ مَعًا؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الْإِمْضَاءِ لَغْوٌ فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ وَلِكُلٍّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ أَثَرٌ فِي الْحُكْمِ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْإِمْضَاءَ وَالْآخَرُ الْفَسْخَ فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ؛ أَوْ السَّابِقَ مِنْهُمَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ وَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا فَسْخَ الْبَيْعِ فَلَهُ فَسْخُهُ بِدُونِ رِضَا الْآخَرِ وَلَوْ سَبَقَ الْآخَرَ بِالْإِمْضَاءِ.
وَالْإِمْضَاءُ الْمَقْرُونُ بِالْفَسْخِ يُقْصَدُ بِهِ تَرْكُ الْفَسْخِ: أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَهُ وَأَنْ لَا يَفْسَخَهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَفْسَخَاهُ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْتِزَامَ الْآخَرِ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ يُنَافِي أَنْ
يَكُونَ لِلْآخَرِ الْفَسْخُ وَهُوَ قَدْ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخَ.
وَإِنْ أَرَادَ بِإِمْضَائِهِ: إمْضَاءَهُ هُوَ الْعَقْدُ بِمَعْنَى إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الْخِيَارِ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا؛ وَلَكِنْ إذَا سَقَطَ خِيَارُهُ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الْآخَرِ؛ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْمَعْرُوفَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَهُ وَأَنْ لَا يَفْسَخَهُ.
وَإِذَا لَمْ يَفْسَخْهُ فَقَدْ أَمْضَاهُ.
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فَإِنَّ التَّسْرِيحَ هُوَ تَرْكُ الْإِمْسَاكِ؛ بِحَيْثُ لَا يَحْبِسُهَا.
وَلَا يَحْتَاجُ التَّسْرِيحُ إلَى إحْدَاثِ طَلَاقٍ كَذَلِكَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إحْدَاثِ إمْضَاءٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى نِطْعًا لِدَلَّالِ يَبِيعُهُ فَنَادَى عَلَيْهِ الدَّلَّالُ فَزَادَ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَاحَ الدَّلَّالُ إلَى نَائِبِ الْحِسْبَةِ فَقَالَ لَهُ: هَذَا صَاحِبُ النِّطْعِ زَادَ فِيهِ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَطَلَبَهُ وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ - خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَإِزَالَةً مِمَّا فِي صُدُورِ مَنْ سَمِعَهُ - وَأَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ فَهَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؟
فَأَجَابَ:
الْمَالِكُ إذَا زَادَ فِي السِّلْعَةِ كَانَ ظَالِمًا نَاجِشًا وَهُوَ شَرٌّ
مِنْ التَّاجِرِ الَّذِي لَيْسَ بِمَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ فِي السِّلْعَةِ وَلَا يَقْصِدُ شِرَاءَهَا؛ وَلِهَذَا لَوْ نَجَشَ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ وَأَمَّا الْبَائِعُ إذَا ناجش أَوْ وَاطَأَ مَنْ يَنْجُشُ فَفِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي تَعْزِيرُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ: عَلَى نَجْشِهِ وَعَلَى حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ يَمِينًا فَاجِرَةً وَلَيْسَ فِعْلُهُ الْمُحَرَّمُ عُذْرًا لَهُ فِي الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَمَّنْ يَسُومُ السِّلْعَةَ بِثَمَنِ كَثِيرٍ وَيَبِيعُهَا بِأَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ الْمُعْتَادَةِ وَقَدْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا بِالْقِيمَةِ: هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْتَرْسِلًا - وَهُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ - لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَغْبِنَهُ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ بِالْقِيمَةِ الْمُعْتَادَةِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا.
فَإِنْ غَبَنَهُ غَبْنًا فَاحِشًا فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ.
فَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ رِبًا﴾ . وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ حَتَّى يَهْبِطَ بِهِ السُّوقَ.
وَأَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ إذَا هَبَطَ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَبِلَ أَنْ يَهْبِطَ السُّوقَ يَكُونُ جَاهِلًا بِقِيمَةِ السِّلَعِ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ وَيَبْتَاعَ مِنْهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَغْرِيرِهِ وَالتَّدْلِيسِ.
وَأَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ إذَا عَلِمَ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
فَهَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ تَغْرِيرُهُ وَالتَّدْلِيسُ عَلَيْهِ: مِثْلَ أَنْ يُسَامَ سَوْمًا كَثِيرًا خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ لِيَبْذُلَ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ؛ بَلْ يُبَاعُ الْبَيْعُ الْمَعْرُوفُ غَيْرُ الْمُنْكَرِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ بَيْعِ الْمُسْتَرْسِلِ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْمُسْتَرْسِلُ إلَّا بِالسِّعْرِ الَّذِي يُبَاعُ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتَرْسَلَ إلَيْهِ أَنْ يَغْبِنَ فِي الرِّبْحِ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ.
وَقَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالثُّلُثِ.
وَبَعْضُهُمْ بِالسُّدُسِ.
وَآخَرُونَ قَالُوا: يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى عَادَةِ النَّاسِ فَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ الرِّبْحِ عَلَى المماكسين: يَرْبَحُونَهُ عَلَى الْمُسْتَرْسِلِ.
وَالْمُسْتَرْسِلُ قَدْ فُسِّرَ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ بَلْ يَقُولُ: خُذْ أَعْطِنِي وَبِأَنَّهُ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ فَلَا يَغْبِنُ غَبْنًا فَاحِشًا لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ ﴿غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ رِبًا﴾ . وَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَغْبِنُهُمْ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ؛ بَلْ يُمْنَعُ مِنْ الْجُلُوسِ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَلْتَزِمَ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِلْمَغْبُونِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فَيَرُدَّ السِّلْعَةَ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ وَإِذَا تَابَ هَذَا الْغَابِنُ الظَّالِمُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِينَ حُقُوقَهُمْ فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِقْدَارِ مَا ظَلَمَهُمْ بِهِ وَغَبَنَهُمْ؛
لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ.
وَ " بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ " إذَا كَانَ مَعَ أَهْلِ الْخِبْرَة بِالْأَسْعَارِ الَّتِي يَشْتَرُونَ بِهَا السِّلَعَ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ غَيْرُهُمْ كَمَا يُبَاعُونَ فَلَا يَرْبَحُ عَلَى الْمُسْتَرْسِلِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ الَّذِي لَا يَجِدُ حَاجَتَهُ إلَّا عِنْدَ هَذَا الشَّخْصِ يَنْبَغِي أَنْ يَرْبَحَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا يَرْبَحُ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ؛ فَإِنَّ فِي السَّاقِ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ﴾ وَلَوْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ مِثْلَ لَوْ يَضْطَرُّ النَّاسُ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُمْ إلَّا الْقِيمَةَ الْمَعْرُوفَةَ وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَا يُعْطُوهُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ:
فَصْلٌ:
وَبَيْعُ الْمَغْشُوشِ الَّذِي يُعْرَفُ قَدْرُ غِشِّهِ إذَا عَرَفَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ وَلَمْ يُدَلِّسْهُ عَلَى غَيْرِهِ جَائِزٌ كَالْمُعَامَلَةِ بِدَرَاهِمِنَا الْمَغْشُوشَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْرُهُ مَجْهُولًا كَاللَّبَنِ الَّذِي يُخْلَطُ بِالْمَاءِ وَلَا يُقَدِّرُ قَدْرَ الْمَاءِ: فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَغْشُوشٌ.
وَمَنْ بَاعَ مَغْشُوشًا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا مِقْدَارُ ثَمَنِ الْغِشِّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ لِصَاحِبِهِ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ مِثْلُ مَنْ يَبِيعُ مَعِيبًا مَغْشُوشًا بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ لَوْ كَانَ سَالِمًا عَشَرَةٌ وَبِالْعَيْبِ قِيمَتُهُ ثَمَانِيَةٌ.
فَعَلَيْهِ إنْ عَرَفَ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الدِّرْهَمَيْنِ إنْ اخْتَارَ وَإِلَّا رَدَّ إلَيْهِ الْمَبِيعَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ تَصَدَّقَ عَنْهُ بِالدِّرْهَمَيْنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْمٍ يَعْمَلُونَ عبيا يُدْخِلُونَ فِيهِ صُوفًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ يُسَمُّونَهُ " السَّلَّاقَةَ " فَيَخْلِطُونَهُ بِمَشَاقِّ الْكَتَّانِ تَدْلِيسًا مِنْهُمْ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ صُوفٌ جَيِّدٌ وَرُبَّمَا عَرَفَهُ التَّاجِرُ؛ لَكِنَّ التَّاجِرَ يَكْتُمُ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَمَا يَجِبُ عَلَى صَانِعِهِ؟ وَهَلْ يَتَّجِرُ فِيهِ وَيَكْتُمُهُ عَنْ مُشْتَرِيهِ؟ وَمَا حُكْمُهُ فِي نَفْسِ عَمَلِهِ؟ وَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَمِلَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ فِي ذَلِكَ إذَا كَانُوا يَخْلِطُونَ الْمَشَاقَّ فِي الصُّوفِ الْأَبْيَضِ وَقَدْ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَيَعُودُوا إلَيْهِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ اللَّه لَيْسَ لِلصَّانِعِ أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ وَلَا لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ فِيهِ عَيْبًا فَإِنَّ مِقْدَارَ الْغِشِّ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُشَابَ
اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ} بِخِلَافِ الشُّرْبِ فَإِذَا خُلِطَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلشُّرْبِ جَازَ وَأَمَّا لِلْبَيْعِ فَلَا وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَخْلُوطٌ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْخَلْطِ فَيَبْقَى الْبَيْعُ مَجْهُولًا وَهُوَ غَرَرٌ.
وَهَكَذَا كُلَّمَا كَانَ مِنْ الْمَغْشُوشِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ قَدْرُ غِشِّهِ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ بَيْعِهِ وَعَنْ عَمَلِهِ لِمَنْ يَبِيعُهُ وَكَذَلِكَ خَلْطُ الْمُشَاقِّ بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْغِشِّ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الْغِشِّ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ بِتَمْزِيقِ الثَّوْبِ الَّذِي غَشَّهُ وَالتَّصَدُّقُ بِالطَّعَامِ الَّذِي غَشَّهُ كَمَا شَقَّ النَّبِيُّ ظُرُوفَ الْخَمْرِ وَكَسَرَ دِنَانَهَا وَكَمَا أَمَرَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَكَمَا ﴿أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنْ يُحَرِّقَ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَكَمَا حَرَّقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْعِجْلَ وَلَمْ يُعِدْهُ إلَى أَهْلِهِ وَكَمَا تُكْسَرُ آلَاتُ الْمَلَاهِي، وَنَظَائِرُ هَذِهِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ فِي الْأَمْوَالِ تَتْبَعُ حَيْثُ جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ كَالْعُقُوبَاتِ بِالْأَبْدَانِ.
وَادَّعَى طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَلَا حُجَّةَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ أَصْلًا فَكَمَا أَنَّ الْبَدَنَ إذَا قَامَ بِهِ الْفُجُورُ قَدْ يَتْلَفُ فَالْمَالُ الَّذِي قَامَ
بِهِ صَنَعَةُ الْفُجُورِ - مِثْلُ الْأَصْنَامِ الْمَنْحُوتَةِ - يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا كَمَا حَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَصْنَامَ كَذَلِكَ مَنْ صَنَعَ صَنْعَةً مُحَرَّمَةً مِنْ طَعَامٍ أَوْ لِبَاسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ دَارٍ لِرَجُلٍ بَاعَ ثُلُثَهَا لِزَيْدِ ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ لِعَمْرِو - مِنْ مِلْكِهِ: الثُّلُثَ وَالثُّلُثَيْنِ بِالْوِكَالَةِ عَنْ زَيْدٍ وَتُوُفِّيَ زَيْدٌ - وَمِنْ حُقُوقِهَا قَنَاةٌ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةَ النَّقْلِ وَالْإِزَالَةِ بِحُكْمِ تَعَدَّى ضَرَرُهَا لِلْغَيْرِ وَتَعَذَّرَ الرَّدُّ لِإِحْدَاثِ زِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْبِنَاءِ.
فَهَلْ يَجِبُ أَرْشُ الْقَنَاةِ عَلَى الْبَائِعِ لِعَمْرِو؟ وَإِذَا وَجَبَ: فَهَلْ يَطْلُبُ بِأَرْشِ الْحِصَّةِ الَّتِي بَاعَهَا بِالْوِكَالَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ؟ أَمْ يَخْتَصُّ الطَّلَبُ بِمَا بَاعَهُ عَنْ نَفْسِهِ؟
فَأَجَابَ:
الْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فِي الثَّمَنِ - إنْ كَانَ الثَّمَنُ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي - سَقَطَ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرُ الْأَرْشِ.
وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ لِلْبَائِعِ أَوْ وَكِيلِهِ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ بِالْأَرْشِ.
ثُمَّ الْوَكِيلُ إنْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ مُوَكِّلَهُ فِي الْعَقْدِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْأَرْشِ فَيَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ.
وَإِنْ سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ وَلَمْ يَضْمَنْ الْعُهْدَةَ فَهَلْ يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ -:
عَنْ دَارٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بَاعَهَا أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ شَرِيكِهِ بِالْوِكَالَةِ لِشَخْصٍ آخَرَ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ بَنَى فَوْقَ مَا اشْتَرَاهُ بِنَاءً كَبِيرًا وَمِنْ حُقُوقِهِ قَنَاةٌ مُلَاصِقَةٌ جِدَارَ تُرْبَةٍ فَنَدَّتْ الْجِدَارَ وَسَرَتْ النَّدَاوَةُ إلَى الْقَبْرِ فَرَفَعَ مُلَّاكُ التُّرْبَةِ الْمُشْتَرِيَ لِلْحِسْبَةِ فَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَرْبَابُ الْخِبْرَةِ بِتَنْدِيَةِ الْجِدَارِ وَوُصُولِ ذَلِكَ إلَى الْقَبْرِ وَأَنَّ الْقَنَاةَ مُحْدَثَةٌ عَلَى الْجِدَارِ وَأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجِبُ إزَالَتُهَا مِنْ مَكَانِهَا فَأُلْزِمَ الْمُشْتَرِي بِنَقْلِهَا.
فَهَلْ مَا أَحْدَثَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ يَمْنَعُ الرَّدَّ؟ أَمْ لَا؟ وَإِذَا مَنَعَ فَهَلْ يَثْبُتُ الْأَرْشُ؟ وَإِذَا ثَبَتَ: فَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ؟ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ؟ وَمَا أُلْزِمَ بِهَدْمِهِ وَهَدْمِهِ هَلْ يَسْقُطُ أَرْشُهُ أَمْ لَا؟ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِطَلَبِ الْأَرْشِ ثُمَّ تَصَرَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَشْهَادُ فَهَلْ يَسْقُطُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
فَتَكُونُ الْمُطَالَبَةُ لِلْوَكِيلِ بِمَا بَاعَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَمِلْكِ مُوَكِّلِهِ أَمْ مِلْكِهِ فَقَطْ؟ ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا الْقَنَاةُ إذَا كَانَتْ مُحْدَثَةً حَيْثُ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهَا فَإِنَّهُ يُلْزَمُ مُحْدِثُهَا بِإِزَالَةِ مَا لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ.
وَالْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ بَلْ
اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلْمِلْكِ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهُ فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ: كَانَ هَذَا عَيْبًا.
فَإِذَا بَنَى فِي الْعَقَارِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَيْبٌ فَلَيْسَ إلَّا الْأَرْشُ دُونَ الرَّدِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَفِي الْأُخْرَى - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - لَا الرَّدُّ أَيْضًا.
وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْبَائِعِ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِيهِ.
وَلَا يُلْزَمُ بِالْهَدْمِ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ بَنَى بِحَقِّ.
وَخِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمَا وَلَهُمَا قَوْلٌ - كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ.
فَإِذَا ظَهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ سَقَطَ خِيَارُهُ بِالِاتِّفَاقِ.
فَإِذَا بَنَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ سَقَطَ خِيَارُهُ.
وَأَمَّا إذَا أَشْهَدَ بِطَلَبِ الْأَرْشِ اسْتَحَقَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَسْقُطُ الْأَرْشُ بِتَصَرُّفِهِ.
وَالْبَائِعُ يُطَالَبُ بِالدَّرْكِ مِنْ أَرْشٍ أَوْ رَدٍّ فِيمَا بَاعَهُ مِنْ مِلْكِهِ.
وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ مِنْ مِلْكِ مُوَكِّلِهِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الْبَيْعِ طُولِبَ أَيْضًا بِدَرْكِ الْمَبِيعِ وَإِنْ كَانَ سَمَّاهُ فَهَلْ يَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ؟ وَيَكُونُ ضَامِنًا لِعُهْدَةِ الْمَبِيعِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أُلْزِمَ بِالْأَرْشِ؛ لِأَجْلِ الْقَنَاةِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهَا.
فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ الْغَارَّ لَهُ بِأَرْشِ مَا لَزِمَهُ بِغَرَرِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أُنَاسٍ يتعانون خُرُوجَ الْمِيَاهِ مِثْلُ مَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ؛ ثُمَّ إنَّهُمْ يَأْخُذُونَ حَرْقَانِ الْوَرْدِ وَيَنْقَعُونَهُ وَيَسْتَخْرِجُوهُ عَنْ الْعَادَةِ وَكَذَلِكَ النينوفر يَنْقَعُونَهُ يَابِسًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَيَبِيعُوهُ؟ .
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ خَلْطُ الْمَاءِ الْأَوَّلِ بِالْمَاءِ الثَّانِي لِمَنْ يُرِيدُ بَيْعَهُ وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْمُشْتَرُونَ كَمَا رُوِيَ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنَّ يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلشُّرْبِ﴾ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَائِعَاتِ إذَا شِيبَتْ لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ مَا يَدْخُلُهَا مِنْ الْغِشِّ.
وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ عُقُوبَةُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَسُلُوكُ طَرِيقٍ يَمْتَنِعُونَ بِهَا عَنْ الْغِشِّ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ عَمَلِ " الْكِيمْيَاءِ " هَلْ تَصِحُّ بِالْعَقْلِ أَوْ تَجُوزُ بِالشَّرْعِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا يَصْنَعُهُ بَنُو آدَمَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشَبِّهُونَ بِهِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ مِثْلَ مَا يَصْنَعُونَهُ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ مِثْلَ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ مُشَابِهٌ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لَيْسَ هُوَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرْعِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الذَّهَبَ الْمَصْنُوعَ مِثْلُ الْمَخْلُوقِ فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَحَقِيقَةُ " الْكِيمْيَاءِ " إنَّمَا هِيَ تَشْبِيهُ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْعَقْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا يَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يَصْنَعُوا مِثْلَ مَا خَلَقَ وَمَا
يَصْنَعُونَهُ فَهُوَ لَمْ يَخْلُقْ لَهُمْ مِثْلَهُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْدَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَصْنَعُوا طَعَامًا مَطْبُوخًا وَلِبَاسًا مَنْسُوجًا وَبُيُوتًا مَبْنِيَّةً وَهُوَ لَمْ يَخْلُقْ لَهُمْ مِثْلَ مَا يَصْنَعُونَهُ مِنْ الْمَطْبُوخَاتِ وَالْمَنْسُوجَاتِ وَالْبُيُوتِ الْمَبْنِيَّةِ.
وَمَا خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَالْأَنْعَامِ وَالطَّيْرِ وَالْحِيتَانِ فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَصْنَعُوا مِثْلَ هَذِهِ الدَّوَابِّ.
وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ والباقلا وَاللُّوبِيَا وَالْعَدَسُ وَالْعِنَبُ وَالرُّطَبُ وَأَنْوَاعُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ لَا يَسْتَطِيعُ الْآدَمِيُّونَ أَنْ يَصْنَعُوا مِثْلَ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَإِنَّمَا يُشَبِّهُونَهُ بِبَعْضِ هَذِهِ الثِّمَارِ كَمَا قَدْ يَصْنَعُونَ مَا يُشْبِهُ الْحَيَوَانَ حَتَّى يُصَوِّرُوا الصُّورَةَ كَأَنَّهَا صُورَةُ حَيَوَانٍ.
وَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ.
كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ: لَا يَسْتَطِيعُ بَنُو آدَمَ أَنْ يَصْنَعُوا مِثْلَ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ؛ وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ أَنْ يُشَبِّهُوا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَيُصَفِّرُونَ وَيَنْقُلُونَ.
مَعَ اخْتِلَافِ الْحَقَائِقِ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: تَعْمَلُ تصفيرة؟ وَيَقُولُونَ نَحْنُ صَبَّاغُونَ.
وَهَذِهِ " الْقَاعِدَةُ " الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اسْتِقْرَاءُ الْوُجُودِ: مِنْ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا وَالْمَصْنُوعُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا: هِيَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ أَوَائِلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الطَّبَائِعِ وَتَكَلَّمُوا فِي الْكِيمْيَاءِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ
فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً﴾ . وَقَدْ ثَبَتَ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخِ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ﴾ . وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَيْسَ فِيهِ تَلْبِيسٌ وَغِشٌّ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ صُورَةَ الْحَيَوَانِ الْمُصَوَّرَةَ لَيْسَتْ حَيَوَانًا.
وَلِهَذَا يُفَرَّقُ فِي هَذَا التَّصْوِيرِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ فَيَجُوزُ تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَالْمَعَادِنِ فِي الثِّيَابِ وَالْحِيطَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخِ﴾ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمُسْتَفْتِي الَّذِي اسْتَفْتَاهُ: صَوِّرْ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ.
وَفِي السُّنَنِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ فِي الصُّورَةِ: مُرْ بِالرَّأْسِ فَلْيُقْطَعْ﴾ وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: الصُّورَةُ هِيَ الرَّأْسُ لَا يَبْقَى فِيهَا رُوحٌ فَيَبْقَى مِثْلُ الْجَمَادَاتِ.
وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَيْسَ فِيهِ غِشٌّ وَلَا تَلْبِيسٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُصَوَّرِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ.
وَأَمَّا الْكِيمْيَاءُ: فَإِنَّهُ يُشَبِّهُ فِيهَا الْمَصْنُوعَ بِالْمَخْلُوقِ وَقَصَدَ أَهْلُهَا إمَّا