كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
بَنِي الْعَبَّاسِ.
فَيُصَلِّي هُنَاكَ الظُّهْر وَالْعَصْرَ قَصْرًا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ جَمِيعُ الْحَاجِّ: أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ قَصْرًا وَجَمْعًا يَخْطُبُ بِهِمْ الْإِمَامُ كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرِهِ ثُمَّ إذَا قَضَى الْخُطْبَةَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَقَامَ ثُمَّ يُصَلِّي كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَيُصَلِّي بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى قَصْرًا وَيَقْصُرُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَكَذَلِكَ يَجْمَعُونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى كَمَا كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَفْعَلُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ وَلَا قَالُوا لَهُمْ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَمَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ فَقَدْ أَخْطَأَ وَلَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ بِمَكَّةَ.
وَأَمَّا فِي حَجِّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِمَكَّةَ وَلَكِنْ كَانَ نَازِلًا خَارِجَ مَكَّةَ وَهُنَاكَ كَانَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ لَمَّا خَرَجَ إلَى مِنَى وَعَرَفَةَ خَرَجَ مَعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ رَجَعُوا مَعَهُ وَلَمَّا صَلَّى بِمِنَى أَيَّامَ مِنَى صَلَّوْا مَعَهُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّفَرَ لَا بِمَسَافَةِ وَلَا بِزَمَانِ وَلَمْ يَكُنْ بِمِنَى أَحَدٌ سَاكِنًا فِي زَمَنِهِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ﴾ وَلَكِنْ قِيلَ إنَّهَا سُكِنَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانُ وَأَنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَتَمَّ عُثْمَانُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ مَنْ يَحْمِلُ الزَّادَ وَالْمَزَادَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْهَبُ إلَى عَرَفَاتٍ.
فَهَذِهِ السُّنَّةُ؛ لَكِنْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَا يَكَادُ يَذْهَبُ أَحَدٌ إلَى نَمِرَةَ.
وَلَا إلَى مُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَدْخُلُونَ عَرَفَاتٍ بِطَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ وَيَدْخُلُونَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُهَا لَيْلًا وَيَبِيتُونَ بِهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ وَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ كُلُّهُ يُجْزِي مَعَهُ الْحَجُّ لَكِنْ فِيهِ نَقْصٌ عَنْ السُّنَّةِ فَيَفْعَلُ مَا يُمْكِنُ مِنْ السُّنَّةِ مِثْلَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَيُؤَذِّنُ أَذَانًا وَاحِدًا وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَالْإِيقَادُ بِعَرَفَةَ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَكَذَلِكَ الْإِيقَادُ بِمِنَى بِدْعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِيقَادُ بمزدلفة خَاصَّةً فِي الرُّجُوعِ.
وَيَقِفُونَ بِعَرَفَاتِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ يَخْرُجُونَ إنْ شَاءُوا بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا مِنْ جَانِبَيْهِمَا.
وَالْعَلَمَانِ الْأَوَّلَانِ حَدُّ عَرَفَةَ فَلَا يُجَاوِزُوهُمَا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَالْمِيلَانِ بَعْدَ ذَلِكَ حَدُّ مُزْدَلِفَةَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطْنُ عرنة.
وَيَجْتَهِدُ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ هَذِهِ الْعَشِيَّةَ فَإِنَّهُ مَا رُئِيَ إبْلِيسُ فِي
يَوْمٍ هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ وَلَا أَدْحَضُ مِنْ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ لِمَا يَرَى مِنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ.
وَيَصِحُّ وُقُوفُ الْحَائِضِ وَغَيْرِ الْحَائِضِ.
وَيَجُوزُ الْوُقُوفُ مَاشِيًا وَرَاكِبًا.
وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ إذَا رَكِبَ رَآهُ النَّاسُ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ أَوْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ تُرْكُ الرُّكُوبِ وَقَفَ رَاكِبًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ رَاكِبًا.
وَهَكَذَا الْحَجُّ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ حَجُّهُ رَاكِبًا أَفْضَلَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ حَجُّهُ مَاشِيًا أَفْضَلَ وَلَمْ يُعَيِّنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَرَفَةَ دُعَاءً وَلَا ذِكْرًا بَلْ يَدْعُو الرَّجُلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَذَلِكَ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
وَالِاغْتِسَالُ لِعَرَفَةَ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ فِي الْحَجِّ إلَّا ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ: غُسْلُ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَالْغُسْلُ يَوْمَ عَرَفَةَ.
وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَالْغُسْلِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَلِلطَّوَافِ وَالْمَبِيتِ بمزدلفة فَلَا أَصْلَ لَهُ لَا عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ وَلَا اسْتَحَبَّهُ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ: لَا مَالِكٍ وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أَحْمَد وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ.
بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ رَائِحَةٌ يُؤْذِي النَّاسَ بِهَا فَيَغْتَسِلُ لِإِزَالَتِهَا.
وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَلَا يَقِفُ بِبَطْنِ عرنة وَأَمَّا صُعُودُ الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ فَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَيُسَمَّى جَبَلَ الرَّحْمَةِ وَيُقَالُ لَهُ إلَالٌ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَكَذَلِكَ الْقُبَّةُ الَّتِي فَوْقَهُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ آدَمَ لَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا.
وَالطَّوَافُ بِهَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَكَذَلِكَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي عِنْدَ الْجَمَرَاتِ لَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا.
وَأَمَّا الطَّوَافُ بِهَا أَوْ بِالصَّخْرَةِ أَوْ بِحُجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ غَيْرَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ ذَهَبَ إلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ وَهُوَ طَرِيقُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَإِنَّمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إلَى عَرَفَةَ طَرِيقٌ أُخْرَى تُسَمَّى طَرِيقَ ضَبٍّ وَمِنْهَا دَخَلَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَرَفَاتٍ وَخَرَجَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ.
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْأَعْيَادِ يَذْهَبُ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ مِنْ أُخْرَى فَدَخَلَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَخَرَجَ بَعْدَ الْوَدَاعِ مِنْ بَابِ حَزْوَرَةَ الْيَوْمَ.
وَدَخَلَ إلَى عَرَفَاتٍ مِنْ طَرِيقِ ضَبٍّ وَخَرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ وَأَتَى إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ - يَوْمَ الْعِيدِ - مِنْ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى خَارِجِ مِنَى ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَى يَسَارِهِ إلَى الْجَمْرَةِ ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ بِمِنَى الَّذِي نَحَرَ فِيهِ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ رَجَعَ مِنْ الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي يَسِيرُ مِنْهَا جُمْهُورُ النَّاسِ الْيَوْمَ.
فَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ بمزدلفة وَلَا يُزَاحِمُ النَّاسَ بَلْ إنْ وَجَدَ خَلْوَةً أَسْرَعَ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ تَبْرِيكِ الْجِمَالِ إنْ أَمْكَنَ ثُمَّ إذَا بَرَّكُوهَا صَلَّوْا الْعِشَاءَ وَإِنْ أَخَّرَ الْعِشَاءَ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ وَيَبِيتُ بمزدلفة وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا يُقَالُ لَهَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَهِيَ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلَى بَطْنِ مُحَسِّرٍ.
فَإِنَّ بَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ حَدًّا لَيْسَ مِنْهُمَا: فَإِنَّ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بَطْنُ عرنة وَبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنَى بَطْنُ مُحَسِّرٍ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عرنة وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا
مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَمِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا طَرِيقٌ} . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتَ بمزدلفة إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيُصَلِّيَ بِهَا الْفَجْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَقِفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَام إلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الضَّعَفَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَى إذَا غَابَ الْقَمَرُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْقُوَّةِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيُصَلُّوا بِهَا الْفَجْرَ وَيَقِفُوا بِهَا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ لَكِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ قُزَحَ أَفْضَلُ وَهُوَ جَبَلُ الميقدة وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ.
وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَخُصُّهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِاسْمِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
فَإِذَا كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَفَاضَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَى فَإِذَا أَتَى مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرِ فَإِذَا أَتَى مِنَى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ وَهِيَ الْجَمْرَةُ الَّتِي هِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِنْ نَاحِيَةِ مِنَى وَأَقْرَبُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى وَلَا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَهَا يَرْمِيهَا مُسْتَقْبِلًا لَهَا يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنَى عَنْ يَمِينِهِ هَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَإِنْ شَاءَ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ
فِي الرَّمْيِ.
وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي فِي ذَهَابِهِ مِنْ مَشْعَرٍ إلَى مَشْعَرٍ مِثْلَ ذَهَابِهِ إلَى عَرَفَاتٍ وَذَهَابِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى مُزْدَلِفَةَ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَإِذَا شَرَعَ فِي الرَّمْيِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْرَعُ فِي التَّحَلُّلِ.
وَالْعُلَمَاءُ فِي التَّلْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَقْطَعُهَا إذَا وَصَلَ إلَى عَرَفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ يُلَبِّي بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا إلَى أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مُزْدَلِفَةَ لَبَّى وَإِذَا أَفَاضَ مَنَّ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَى لَبَّى حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَهَكَذَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَبُّونَ بِعَرَفَةَ فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُنْحَرَ الْإِبِلُ مُسْتَقْبِلَةَ الْقِبْلَةَ قَائِمَةً مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ يُضْجِعُهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِنْ
إبْرَاهِيمَ خَلِيلِك.
وَكُلُّ مَا ذُبِحَ بِمِنَى وَقَدْ سِيقَ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ فَإِنَّهُ هَدْيٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ وَيُسَمَّى أَيْضًا أُضْحِيَّةً بِخِلَافِ مَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْحِلِّ فَإِنَّهُ أُضْحِيَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْيِ.
وَلَيْسَ بِمِنَى مَا هُوَ أُضْحِيَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْيِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ.
فَإِذَا اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَسَاقَهُ إلَى مِنَى فَهُوَ هَدْيٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْحَرَمِ فَذَهَب بِهِ إلَى التَّنْعِيمِ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ مِنَى وَذَبَحَهُ فِيهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ: فَذَهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنُ عُمَرَ وَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ هَدْيٌ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عَائِشَةَ.
وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شَاءَ لَكِنْ لَا يَرْمِي بِحَصَى قَدْ رُمِيَ بِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ وَإِنْ كَسَرَهُ جَازَ.
وَالْتِقَاطُ الْحَصَى أَفْضَلُ مِنْ تَكْسِيرِهِ مِنْ الْجَبَلِ.
ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ وَإِذَا قَصَّرَهُ جَمَعَ الشَّعْرَ وَقَصَّ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأُنْمُلَةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَالْمَرْأَةُ لَا تَقُصُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَهُ أَنْ يُقَصِّرَ مَا شَاءَ.
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَحَلَّلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ فَيُلْبَسُ الثِّيَابَ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَكَذَلِكَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَتَزَوَّجَ وَأَنْ
يَصْطَادَ وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ إلَّا النِّسَاءُ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ وَإِلَّا فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ عَنْ ذَلِكَ فِيهِ نِزَاعٌ ثُمَّ يَسْعَى بَعْدَ ذَلِكَ سَعْيَ الْحَجِّ وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْرِدِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ فِي أَصَحِّ أَقْوَالِهِمْ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَد وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ.
فَإِذَا اكْتَفَى الْمُتَمَتِّعُ بِالسَّعْيِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ كَمَا يُجْزِئُ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ قِيلَ لِأَبِي: الْمُتَمَتِّعُ كَمْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: إنْ طَافَ طَوَافَيْنِ يَعْنِي بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ أَجْوَدُ وَإِنْ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا فَلَا بَأْسَ وَإِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ.
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأوزاعي عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْمُفْرِدُ وَالْمُتَمَتِّعُ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ بِالْبَيْتِ وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الصَّحَابَةِ الْمُتَمَتِّعِينَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ اتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُمْ طَافُوا أَوَّلًا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عَرَفَةَ قِيلَ: إنَّهُمْ سَعَوْا أَيْضًا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ
وَقِيلَ: لَمْ يَسْعَوْا وَهَذَا هُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ طَافُوا مَرَّتَيْنِ لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قِيلَ إنَّهَا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ لَا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ وَقَدْ احْتَجَّ بِهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ طَوَافَانِ بِالْبَيْتِ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَالْأَظْهَرُ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَالْمُتَمَتِّعُ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ دَخَلَ بِالْحَجِّ لَكِنَّهُ فَصَلَ بِتَحَلُّلِ لِيَكُونَ أَيْسَرَ عَلَى الْحَاجِّ وَأَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَطُوفَ لِلْقُدُومِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بَلْ هَذَا الطَّوَافُ هُوَ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ النِّسَاءُ وَغَيْرُ النِّسَاءِ.
وَلَيْسَ بِمِنَى صَلَاةُ عِيدٍ بَلْ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَهُمْ كَصَلَاةِ الْعِيدِ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ جُمْعَةً وَلَا عِيدًا فِي السَّفَرِ لَا بِمَكَّةَ وَلَا عَرَفَةَ بَلْ كَانَتْ خُطْبَتُهُ بِعَرَفَةَ خُطْبَةَ نُسُكٍ لَا خُطْبَةَ جُمْعَةٍ وَلَمْ يَجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ.
فَصْلٌ:
ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مِنَى فَيَبِيتُ بِهَا وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ يَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا فَيَرْمِيَهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَإِنْ شَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا رَمَاهَا أَنْ يَتَقَدَّمَ قَلِيلًا إلَى مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْحَصَى فَيَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَيَرْمِيهَا كَذَلِكَ فَيَتَقَدَّمُ عَنْ يَسَارِهِ يَدْعُو مِثْلَ مَا فَعَلَ عِنْدَ الْأُولَى.
ثُمَّ يَرْمِي الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ أَيْضًا وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا.
ثُمَّ يَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ مِنَى مِثْلَ مَا رَمَى فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ إنْ شَاءَ رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ
فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} الْآيَةَ.
فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنَى أَقَامَ حَتَّى يَرْمِيَ مَعَ النَّاسِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَا يَنْفِرُ الْإِمَامُ الَّذِي يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْمَنَاسِكَ بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يُقِيمَ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالسُّنَّةُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بِمِنَى وَيُصَلِّيَ خَلْفَهُ أَهْلُ الْمَوْسِمِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ مِنَى.
وَهُوَ مَسْجِدُ الْخَيْفِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ قَصْرًا بِلَا جَمْعٍ بِمِنَى وَيَقْصُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ خَلْفَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَإِنَّمَا رُوِيَ ﴿عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ﴾ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ بِمَكَّةَ نَفْسِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إمَامٌ عَامٌّ صَلَّى الرَّجُلُ بِأَصْحَابِهِ؛ وَالْمَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ.
ثُمَّ إذَا نَفَرَ مِنْ مِنَى فَإِنْ بَاتَ بِالْمُحَصِّبِ - وَهُوَ الْأَبْطَحُ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ - ثُمَّ نَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاتَ بِهِ وَخَرَجَ.
وَلَمْ يُقِمْ بِمَكَّةَ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنْ مِنَى لَكِنَّهُ وَدَّعَ الْبَيْتَ وَقَالَ: ﴿لَا يَنْفِرَن أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ﴾ فَلَا يَخْرُجُ الْحَاجُّ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ فَيَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ حَتَّى يَكُونَ
آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ وَمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الطَّوَافُ يُؤَخِّرُهُ الصَّادِرُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَكُونَ بَعْدَ جَمِيعِ أُمُورِهِ فَلَا يَشْتَغِلُ بَعْدَهُ بِتِجَارَةِ وَنَحْوِهَا لَكِنْ إنْ قَضَى حَاجَتَهُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فِي طَرِيقِهِ بَعْدَ الْوَدَاعِ أَوْ دَخَلَ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَحْمِلَ الْمَتَاعَ عَلَى دَابَّتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الرَّحِيلِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْوَدَاعِ أَعَادَهُ وَهَذَا الطَّوَافُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنْ يَسْقُطُ عَنْ الْحَائِضِ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ فَيَضَعُ عَلَيْهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ وَيَدْعُوَ وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاع فَإِنَّ هَذَا الِالْتِزَامُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْوَدَاعِ أَوْ غَيْرِهِ وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حِينَ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وَإِنْ شَاءَ قَالَ فِي دُعَائِهِ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك حَتَّى بَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك إلَى بَيْتِك وَأَعَنْتنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضَا وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ فَارْضَ عَنِّي قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالصِّحَّةَ فِي
جِسْمِي وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَبْقَيْتنِي وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وَلَوْ وَقَفَ عِنْدَ الْبَابِ وَدَعَا هُنَاكَ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ لِلْبَيْتِ كَانَ حَسَنًا.
فَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ وَلَا يَلْتَفِتُ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى قَالَ الثَّعْلَبِيُّ فِي " فِقْهِ اللُّغَةِ ": الْقَهْقَرَى: مِشْيَةُ الرَّاجِعِ إلَى خَلْفٍ حَتَّى قَدْ قِيلَ إنَّهُ إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ سَلَامِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْصَرِفُ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى بَلْ يَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الصَّلَاةِ.
وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ هَدْيٌ: بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَظْهَرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ.
وَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَد: قِيلَ إنَّهُ يَصُومُهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَقِيلَ لَا يَصُومُهَا إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَقِيلَ يَصُومُهَا مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَصُومُهَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ شَرَعَ فِي الْحَجِّ وَلَكِنْ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ كَمَا دَخَلَ الْوُضُوءُ فِي الْغُسْلِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ مَعَهُ وَإِنَّمَا
أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ وَيَدْعُوَ عِنْدَ شُرْبِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ مِنْهَا.
وَأَمَّا زِيَارَةُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ بِمَكَّةَ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ كَالْمَسْجِدِ الَّذِي تَحْتَ الصَّفَا وَمَا فِي سَفْحِ أَبِي قبيس وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ كَمَسْجِدِ الْمَوْلِدِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ قَصْدُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا الْمَشْرُوعُ إتْيَانُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً وَالْمَشَاعِرُ: عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَكَذَلِكَ قَصْدُ الْجِبَالِ وَالْبِقَاعِ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ غَيْرِ الْمَشَاعِرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى مِثْلَ جَبَلِ حِرَاءَ وَالْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَ مِنَى الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ كَانَ فِيهِ قُبَّةُ الْفِدَاءِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَارَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ فِي الطُّرُقَاتِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْآثَارِ وَالْبِقَاعِ الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا مِنْ الْآثَارِ لَمْ يَشْرَعْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَارَةَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ وَلَا زِيَارَةَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَدُخُولُ الْكَعْبَةِ لَيْسَ بِفَرْضِ وَلَا سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بَلْ دُخُولُهَا حَسَنٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدْخِلْهَا فِي الْحَجِّ وَلَا فِي الْعُمْرَةِ
لَا عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَلَا عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَإِنَّمَا دَخَلَهَا عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ وَمَنْ دَخَلَهَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا وَيُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَدْعُوَهُ وَيَذْكُرَهُ فَإِذَا دَخَلَ مَعَ الْبَابِ تَقَدَّمَ حَتَّى يَصِيرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَالْبَابُ خَلْفَهُ فَذَلِكَ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَدْخُلْهَا إلَّا حَافِيًا وَالْحِجْرُ أَكْثَرُهُ مِنْ الْبَيْتِ مِنْ حَيْثُ يَنْحَنِي حَائِطُهُ فَمَنْ دَخَلَهُ فَهُوَ كَمَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَلَيْسَ عَلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحُجَّاجِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ مِنْ الْمَشْيِ حَافِيًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ.
وَالْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مِنْ الْحَرَمِ وَيَأْتِيَ بِعُمْرَةِ مَكِّيَّةٍ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَعْمَالِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَا رَغِبَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ بَلْ كَرِهَهُ السَّلَفُ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَهُ: فَإِنَّهُ يَأْتِي مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَلِّي فِيهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَيْهِ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هَكَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ.
وَمَسْجِدُهُ كَانَ أَصْغَرَ مِمَّا هُوَ الْيَوْمَ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لَكِنْ زَادَ فِيهِمَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: ﴿مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلِي الْحُجْرَةِ مُسْتَدْبِرِي الْقِبْلَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ يَسْتَدْبِرُ الْحُجْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الْحُجْرَةَ وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَطُوفُ بِهَا وَلَا يُصَلِّي إلَيْهَا وَإِذَا قَالَ فِي سَلَامِهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا خِيرَةَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى رَبِّهِ يَا إمَامَ الْمُتَّقِينَ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ صِفَاتِهِ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى عَلَيْهِ مَعَ السَّلَامِ عَلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ
وَلَا يَدْعُو هُنَاكَ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَمَالِكٍ مِنْ أَعْظَمِ الْأَئِمَّةِ كَرَاهِيَةً لِذَلِكَ.
وَالْحِكَايَةُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ الْمَنْصُورَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةَ وَقْتَ الدُّعَاءِ كَذِبٌ عَلَى مَالِكٍ.
وَلَا يَقِفُ عِنْدَ الْقَبْرِ لِلدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقِفُ عِنْدَهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلَكِنْ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُونَ فِي مَسْجِدِهِ ﴿فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ﴾ وَقَالَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي﴾ وَقَالَ: ﴿أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ.
فَقَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك؟ وَقَدْ أَرِمْت أَيْ بَلِيتَ.
قَالَ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ مِنْ الْقَرِيبِ وَأَنَّهُ يَبْلُغُهُ ذَلِكَ مِنْ الْبَعِيدِ.
وَقَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزَ قَبْرَهُ وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا﴾ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
فَدَفَنَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَكَانَتْ هِيَ وَسَائِرُ الْحُجَرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مِنْ قِبْلِيِّهِ وَشَرْقِيِّهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عُمِّرَ هَذَا الْمَسْجِدُ وَغَيْرُهُ وَكَانَ نَائِبُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَمَرَ أَنْ تُشْتَرَى الْحُجَرُ وَيُزَادَ
فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَتْ الْحُجْرَةُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَبُنِيَتْ مُنْحَرِفَةً عَنْ الْقِبْلَةِ مُسَنَّمَةً؛ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ إلَيْهَا فَإِنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الغَنَوي.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ عَلَى وَجْهَيْنِ: زِيَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَزِيَارَةٌ بِدْعِيَّةٌ.
فَالشَّرْعِيَّةُ الْمَقْصُودُ بِهَا السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءُ لَهُ كَمَا يُقْصَدُ بِالصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ فَزِيَارَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَدْعُوَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ كَمَا ﴿كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ﴾ وَهَكَذَا يَقُولُ إذَا زَارَ أَهْلَ الْبَقِيعِ وَمَنْ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ زَارَ شُهَدَاءَ أُحُدٍ وَغَيْرَهُمْ.
وَلَيْسَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ قُبُورِهِمْ أَوْ قُبُورِ غَيْرِهِمْ مُسْتَحَبَّةً عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
بَلْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا قَبْرُ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ
الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ إمَّا مُحَرَّمَةٌ وَإِمَّا مَكْرُوهَةٌ.
وَالزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الزَّائِرِ أَنْ يَطْلُبَ حَوَائِجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ أَوْ يَقْصِدَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِهِ.
أَوْ يَقْصِدَ الدُّعَاءَ بِهِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ بَلْ هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُولُ الْقَائِلُ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا اللَّفْظُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ كُلُّهَا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَلَا نَقَلَهَا إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ؛ وَلَكِنْ رَوَى بَعْضَهَا الْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِي وَنَحْوُهُمَا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الدارقطني وَأَمْثَالِهِ يَذْكُرُونَ هَذَا فِي السُّنَنِ لِيُعْرَفَ وَهُوَ وَغَيْرُهُ يُبَيِّنُونَ ضَعْفَ الضَّعِيفِ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي فِيهَا شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ نُهِيَ عَنْهَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاء وَيُصَلِّيَ فِيهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ وَأَحْسَنَ الطُّهُورَ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاء لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ﴾ . رَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاء كَعُمْرَةِ﴾ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ.
وَالسَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ وَالِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ سَوَاءٌ كَانَ عَامَ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَهُ.
وَلَا يَفْعَلُ فِيهِ وَفِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَا يَفْعَلُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ.
وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا يُقَبَّلُ وَلَا يُطَافُ بِهِ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً وَلَا تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الصَّخْرَةِ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي قِبْلِيِّ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُسَافِرُ أَحَدٌ لِيَقِفَ بِغَيْرِ عَرَفَاتٍ وَلَا يُسَافِرُ لِلْوُقُوفِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَلَا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ لَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الْمَشَايِخِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ لِزِيَارَةِ قَبْرٍ مِنْ الْقُبُورِ.
وَلَكِنْ تُزَارُ الْقُبُورُ الزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا وَمَنْ اجْتَازَ
بِهَا كَمَا أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاء يُزَارُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُسَافِرَ إلَيْهِ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَشُدَّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الدِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا يُعْبَدَ إلَّا بِمَا شَرَعَ لَا نَعْبُدُهُ بِالْبِدَعِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ . وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ فِيهِ لِأَحَدِ شَيْئًا.
وَقَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ.
قِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ . قَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا.
وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . وَالْمَقْصُودُ بِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
فَاَللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ وَالْمَسْئُولُ الَّذِي يُخَافُ وَيُرْجَى وَيُسْأَلُ وَيُعْبَدُ فَلَهُ الدِّينُ خَالِصًا وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ هَذَا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾
﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَتَيْنِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ الْآيَتَيْنِ.
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ كَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ الْآيَاتِ.
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ؛ بَلْ هَذَا مَقْصُودُ الْقُرْآنِ وَلُبُّهُ وَهُوَ مَقْصُودُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ وَلَهُ خُلِقَ الْخَلْقُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُعْبَدُ اللَّهُ بِهَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةَ قُبُورِ الْأَمْوَاتِ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ لَهُمْ وَالدُّعَاءُ لِلْخَلْقِ مِنْ جِنْسِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ.
وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا تَوْحِيدٌ وَسُنَّةٌ وَغَيْرُهَا فِيهَا شِرْكٌ
وَبِدْعَةٌ كَعِبَادَاتِ النَّصَارَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِثْلَ قَصْدِ الْبُقْعَةِ لِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ يَعُدُّونَ مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمُتَكَرِّرَةِ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهَذَا فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ حَتَّى صَرَّحَ بَعْضُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَافَرَ هَذَا السَّفَرَ لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ.
وَكَذَلِكَ مَنْ يَقْصِدُ بُقْعَةً لِأَجْلِ الطَّلَبِ مِنْ مَخْلُوقٍ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ كَالْقَبْرِ وَالْمَقَامِ أَوْ لِأَجْلِ الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ كَمَا تَفْعَلُهُ النَّصَارَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ مُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ يَجْعَلُونَ الْحَجَّ وَالصَّلَاةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَلِهَذَا ﴿قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ كَنِيسَةً بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذَكَرَ لَهُ عَنْ حُسْنِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ التَّصَاوِيرِ فَقَالَ: أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَلِهَذَا نَهَى الْعُلَمَاءُ عَمَّا فِيهِ عِبَادَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ وَسُؤَالٌ لِمَنْ مَاتَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ: مِثْلَ مَنْ يَكْتُبُ رُقْعَةً وَيُعَلِّقُهَا عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَسْجُدُ لِقَبْرِ أَوْ يَدْعُوهُ أَوْ يَرْغَبُ إلَيْهِ.
وَقَالُوا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ {النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ لَيَالٍ: إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ
الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ: ﴿لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا﴾ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصِّحَاحِ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَكْلِ التَّمْرِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ تَعْلِيقِ الشَّعْرِ فِي الْقَنَادِيلِ؛ فَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ.
وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ جَاز فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَحْمِلُونَهُ وَأَمَّا التَّمْرُ الصيحاني فَلَا فَضِيلَةَ فِيهِ بَلْ غَيْرُهُ مِنْ التَّمْرِ: الْبَرْنِيُّ وَالْعَجْوَةُ خَيْرٌ مِنْهُ وَالْأَحَادِيثُ إنَّمَا جَاءَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ﴿مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ﴾ . وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ فِي الصيحاني شَيْءٌ.
وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ: إنَّهُ صَاحَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهْلٌ مِنْهُ بَلْ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِيُبْسِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: تَصَوَّحَ التَّمْرُ إذَا يَبِسَ.
وَهَذَا كَقَوْلِ بَعْضِ الْجُهَّالِ إنَّ عَيْنَ الزَّرْقَاءِ جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنٌ جَارِيَةٌ لَا الزَّرْقَاءُ وَلَا عُيُونُ حَمْزَةَ وَلَا غَيْرُهُمَا بَلْ كُلُّ هَذَا مُسْتَخْرَجٌ بَعْدَهُ.
وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى رَجُلَيْنِ يَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا إنَّ الْأَصْوَاتَ لَا تُرْفَعُ فِي مَسْجِدِهِ؛ فَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ جُهَّالِ الْعَامَّةِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَصْوَاتِ عَالِيَةٍ.
مِنْ أَقْبَحِ الْمُنْكَرَاتِ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَقِيبَ السَّلَامِ بِأَصْوَاتِ عَالِيَةٍ وَلَا مُنْخَفِضَةٍ بَلْ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَلِّي السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَشْرُوعَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا﴾ وَفِي الْمُسْنَدِ ﴿أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَجْعَلُ عَلَيْك ثُلُثَ صَلَاتِي قَالَ: إذًا يَكْفِيك اللَّهُ ثُلُثَ أَمْرِك قَالَ: أَجْعَلُ عَلَيْك ثُلُثَيْ صَلَاتِي قَالَ: إذًا يَكْفِيك اللَّهُ ثُلُثَيْ أَمْرِك قَالَ: أَجْعَلُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْك قَالَ: إذًا يَكْفِيك اللَّهُ مَا أَهَمَّك مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك وَأَمْرِ آخِرَتِك﴾ . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي﴾ وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ شَيْخُ الحسنيين فِي زَمَنِهِ رَجُلًا يَنْتَابُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ قَالَ: يَا هَذَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ
صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ إلَّا سَوَاءٌ.
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يُكْثِرُونَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ وَلَمْ يَكُونُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ قَبْرِهِ لَا لِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ وَلَا إيقَادِ شَمْعٍ وَإِطْعَامٍ وَإِسْقَاءٍ وَلَا إنْشَادِ قَصَائِدَ وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ بَلْ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ بَلْ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي مَسْجِدِهِ مَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِكَافِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ تَعْمَلُهُ أُمَّتُهُ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ دَعَا إلَى هُدًى فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا﴾ وَهُوَ الَّذِي دَعَا أُمَّتَهُ إلَى كُلِّ خَيْرٍ فَكُلُّ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُهْدَى إلَيْهِ ثَوَابُ صَلَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ مِنْ أَحَدٍ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ مَا يَعْمَلُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا.
وَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ أَطْوَعَ وَأَتْبَعَ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ {وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي
بأولياء إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} وَهُوَ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ.
وَاَللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الْمَسْئُولُ الْمُسْتَعَانُ بِهِ الَّذِي يُخَافُ وَيُرْجَى وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فَأَضَافَ الْإِيتَاءَ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا أَبَاحَهُ الرَّسُولُ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ آتَاهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ فَإِنَّهُ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ وَلِهَذَا ﴿كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَعْدَ السَّلَامِ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ﴾ أَيْ مَنْ آتَيْته جَدًّا وَهُوَ الْبَخْتُ وَالْمَالُ وَالْمُلْكُ فَإِنَّهُ لَا يُنْجِيهِ مِنْك إلَّا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى.
وَأَمَّا التَّوَكُّلُ فَعَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَالرَّغْبَةُ فَإِلَيْهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ
تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا: ﴿إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وَلَمْ يَقُولُوا هُنَا وَرَسُولُهُ كَمَا قَالَ فِي الْإِيتَاءِ بَلْ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ اللَّهُ وَحْدَهُ حَسْبُك وَحَسْبُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوك.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَسْبُك فَقَدْ ضَلَّ بَلْ قَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ الْكَفَرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ حَسْبُ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِهِ والحسب الْكَافِي كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ . وَلِلَّهِ تَعَالَى حَقٌّ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ.
كَالْعِبَادَاتِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ.
وَالْخَوْفِ.
وَالرَّجَاءِ.
وَالْحَجِّ.
وَالصَّلَاةِ.
وَالزَّكَاةِ.
وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ.
وَالرَّسُولُ لَهُ حَقٌّ: كَالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَمُوَالَاةِ مَنْ يُوَالِيهِ وَمُعَادَاةِ مَنْ يُعَادِيهِ وَتَقْدِيمِهِ فِي الْمَحَبَّةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالنَّفْسِ كَمَا {قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ عَلَى هَذَا كُلِّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . وَبَسْطُ مَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحُهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَالَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْحَجُّ: فَأَخَذُوا فِيهِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَتِهِ وَأَحْكَامِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: ﴿أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَحْرَمَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ ذِي الحليفة فَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةِ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةِ وَحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ﴾ فَلَمَّا قَدِمُوا وَطَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَمَرَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ أَنْ يُحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
فَرَاجَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَغَضِبَ.
وَقَالَ: ﴿اُنْظُرُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ﴾ وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ.
وَلَمَّا رَأَى كَرَاهَةَ بَعْضِهِمْ لِلْإِحْلَالِ قَالَ: ﴿لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْت﴾ وَقَالَ أَيْضًا: ﴿إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ﴾ فَحَلَّ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعُهُمْ إلَّا النَّفَرَ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ مِنْهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَطِلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَحْرَمَ الْمُحِلُّونَ بِالْحَجِّ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إلَى مِنَى فَبَاتَ بِهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِنَى وَصَلَّى بِهِمْ فِيهَا الظُّهْر وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إلَى نَمِرَةَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ " وَنَمِرَةُ " خَارِجَةٌ عَنْ عرنة مِنْ يَمَانِيِّهَا وَغَرْبِيِّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا مِنْ عَرَفَةَ فَنُصِبَتْ لَهُ الْقُبَّةُ بنمرة وَهُنَاكَ كَانَ يَنْزِلُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ وَبِهَا الْأَسْوَاقُ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ وَالْأَكْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ رَكِبَ هُوَ وَمَنْ رَكِبَ مَعَهُ وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْمُصَلَّى بِبَطْنِ عرنة حَيْثُ قَدْ بُنِيَ الْمَسْجِدُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا مِنْ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا هُوَ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْمَشْعَرَيْنِ: الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ هُنَاكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْقِفِ نَحْوُ مِيلٍ فَخَطَبَ بِهِمْ خُطْبَةَ الْحَجِّ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْر وَالْعَصْرَ مَقْصُورَتَيْنِ مَجْمُوعَتَيْنِ ثُمَّ سَارَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ إلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ
وَاسْمُهُ " إلَالٌ " عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ.
وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ عَرَفَةَ فَلَمْ يَزَلْ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ.
فَدَفَعَ بِهِمْ إلَى مُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ حَيْثُ نَزَلُوا بمزدلفة وَبَاتَ بِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ الْفَجْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مُغَلِّسًا بِهَا زِيَادَةً عَلَى كُلِّ يَوْمٍ ثُمَّ وَقَفَ عِنْدَ " قُزَحَ " وَهُوَ جَبَلُ مُزْدَلِفَةَ الَّذِي يُسَمَّى: الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَإِنْ كَانَتْ مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا هِيَ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا بِالْمُسْلِمِينَ إلَى أَنْ أَسْفَرَ جِدًّا.
ثُمَّ دَفَعَ بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ مِنَى فَاسْتَفْتَحَهَا بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ بِمِنَى فَحَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً مِنْ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَحَرَ الْبَاقِيَ وَكَانَ مِائَةَ بَدَنَةٍ ثُمَّ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَكَانَ قَدْ عَجَّلَ ضَعَفَةَ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَرَمَوْا الْجَمْرَةَ بِلَيْلِ ثُمَّ أَقَامَ بِالْمُسْلِمِينَ أَيَّامَ مِنَى الثَّلَاثَ يُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مَقْصُورَةً غَيْرَ مَجْمُوعَةٍ يَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَفْتَتِحُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى - وَهِيَ الصُّغْرَى وَهِيَ الدُّنْيَا إلَى مِنَى وَالْقُصْوَى مِنْ مَكَّةَ - وَيَخْتَتِمُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَقِفُ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وُقُوفًا طَوِيلًا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُو فَإِنَّ الْمَوَاقِفَ ثَلَاثَةٌ: عَرَفَةُ
وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَى.
ثُمَّ أَفَاضَ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فَنَزَلَ بِالْمُحَصِّبِ عِنْدَ خَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ فَبَاتَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فِيهِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ.
وَبَعَثَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَائِشَةَ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِتَعْتَمِرَ مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحَرَمِ إلَى مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ هُنَاكَ مَسْجِدٌ سَمَّاهُ النَّاسُ مَسْجِدَ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا عَائِشَةَ لِأَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ لَمَّا قَدِمَتْ.
وَكَانَتْ مُعْتَمِرَةً فَلَمْ تَطُفْ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
﴿وقال لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ﴾ . ثُمَّ وَدَّعَ الْبَيْتَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ وَرَجَعُوا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يُقِمْ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَا اعْتَمَرَ أَحَدٌ قَطُّ عَلَى عَهْدِهِ عُمْرَةً يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ إلَّا عَائِشَةَ وَحْدَهَا.
فَأَخَذَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ: كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ بِسُنَّتِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مَنْ قَدْ يُخَالِفُ بَعْضَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ تَخْفَى عَلَيْهِ
فِيهِ السُّنَّةُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُجُّوا كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ وَلَمَّا اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يُحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا مُتْعَةً اسْتَحَبُّوا الْمُتْعَةَ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ النسكين فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
كَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَاعْتَمَرَ عَقِبَهُ مِنْ الْحِلِّ - وَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ جَائِزٌ - فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَائِشَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا رَفَضَتْ الْعُمْرَةَ وَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ كَمَا يَقُولُهُ الْكُوفِيُّونَ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهَا صَارَتْ قَارِنَةً: فَلَا عَائِشَةُ وَلَا غَيْرُهَا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ.
وَقَرَنَ بَيْنَ النسكين لَا يَفْعَلُهُ.
وَإِنْ قَالَ أَكْثَرُهُمْ - كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - إنَّهُ جَائِزٌ.
فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَائِشَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً.
وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ - فُقَهَاءَ وَعُلَمَاءَ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ مُفْرِدًا لِلْحَجِّ وَلَا كَانَ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا حَلَّ بِهِ مِنْ إحْرَامِهِ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: إنَّهُ تَمَتَّعَ
وَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ فَقَدْ غَلِطَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي حَجَّتِهِ فَقَدْ غَلِطَ.
وَأَمَّا مَنْ تَوَهَّمَ مِنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ اعْتَمَرَ بَعْدَ حَجَّتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُخْتَارُونَ لِلْإِفْرَادِ إذَا جَمَعُوا بَيْنَ النسكين: فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ أَصْلًا مِنْ الْعَالِمِينَ بِحَجَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ إلَّا عَائِشَةَ.
وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ مَوْضِعُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ إلَّا بِمَسَاجِدِ عَائِشَةَ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ فَيُحْرِمْ بِالْعُمْرَةِ إلَّا هِيَ وَلَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا قَارِنًا قِرَانًا طَافَ فِيهِ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سعيين.
فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ كُلَّهَا تُصَرِّحُ بِأَنَّهُ إنَّمَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
فَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَالِكٍ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَحْمَد شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ فَقَدْ غَلِطَ.
وَسَبَبُ غَلَطِهِ: أَلْفَاظٌ مُشْتَرَكَةٌ سَمِعَهَا فِي أَلْفَاظِ الصَّحَابَةِ النَّاقِلِينَ لَحَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ - مِنْهُمْ: عَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا -: ﴿أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ﴾ وَثَبَتَ أَيْضًا عَنْهُمْ ﴿أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ﴾
وَعَامَّةُ الَّذِينَ نُقِلَ عَنْهُمْ: ﴿أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ﴾ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿إنَّهُ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ﴾ . وَثَبَتَ ﴿عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا﴾ ﴿وعن عُمَرَ: أَنَّهُ أُخْبِرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي - يَعْنِي بِوَادِي الْعَقِيقِ - وَقَالَ: قُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ﴾ وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ لَفْظَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ إلَّا عُمَرُ وَأَنَسٌ؛ فَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: لَا أَشُكُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا.
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الصَّحَابَةِ: فَإِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ سَوَاءٌ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِحْرَامِ وَاحِدٍ أَوْ تَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ.
فَهَذَا التَّمَتُّعُ الْعَامُّ يَدْخُلُ فِيهِ الْقِرَانُ.
وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
إدْخَالًا لَهُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَإِنْ كَانَ اسْمُ " التَّمَتُّعِ " قَدْ يَخْتَصُّ بِمَنْ اعْتَمَرَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ.
فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ " تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ " لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَلَكِنْ أَرَادَ: أَنَّهُ جَمَعَ فِي حَجَّتِهِ بَيْنَ النسكين مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ: هَلْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبِالْجَبَلَيْنِ
أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ الطَّوَافَيْنِ فَهُوَ قَارِنٌ بِلَا تَرَدُّدٍ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ بَعْدَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبِالْجَبَلَيْنِ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ: فَهَذَا يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَيُسَمَّى قَارِنًا لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ إحْلَالِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ؛ وَلِهَذَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا " مُتَمَتِّعًا " وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ " قَارِنًا " وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ بِالِاسْمَيْنِ وَهُوَ الْأَصْوَبُ.
وَهَذَا فِي التَّمَتُّعِ الْخَاصِّ.
فَأَمَّا التَّمَتُّعُ الْعَامُّ: فَيَشْمَلُهُ بِلَا تَرَدُّدٍ.
وَمَعَ هَذَا: فَالصَّوَابُ مَا قَطَعَ بِهِ أَحْمَد مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِقَوْلِهِ: " لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا " وَلَوْ كَانَ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ.
كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِذَا كَانَتْ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعِ جُزْءًا مِنْ حَجِّهِ فَالْهَدْيُ الْمَسُوقُ لَا يُنْحَرُ حَتَّى يَقْضِيَ التَّفَثَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْهَدْيِ الْمَسُوقِ فَإِنَّهُ نَذْرٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ عَطِبَ دُونَ مَحِلِّهِ وَجَبَ نَحْرُهُ؛ لَأَنَّ نَحْرَهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ وَإِنَّمَا يَبْلُغُ مَحِلَّهُ إذَا بَلَغَ صَاحِبُهُ مَحِلَّهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ وَإِنَّمَا يَبْلُغُ صَاحِبُهُ مَحِلَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ إذْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِخِلَافِ مَنْ اعْتَمَرَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً.
فَإِنَّهُ حَلَّ حِلًّا مُطْلَقًا.
وَأَمَّا مَا تَضَمَّنَتْهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُقَامِ بِمِنَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْمَبِيتِ بِهَا اللَّيْلَةَ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ.
ثُمَّ الْمُقَامِ بعرنة - الَّتِي بَيْنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَعَرَفَةَ - إلَى الزَّوَالِ.
وَالذَّهَابِ مِنْهَا إلَى عَرَفَةَ وَالْخُطْبَةِ وَالصَّلَاتَيْنِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بِبَطْنِ عرنة: فَهَذَا كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ لَا يُمَيِّزُهُ وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْرِفُهُ لِغَلَبَةِ الْعَادَاتِ الْمُحْدَثَةِ.
وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَمَعَ بِالْمُسْلِمِينَ جَمِيعِهِمْ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْرِ وبمزدلفة بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَكَانَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ مَنْزِلُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا.
وَلَمْ يَأْمُرْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِتَفْرِيقِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَلَا أَنْ يَعْتَزِلَ الْمَكِّيُّونَ وَنَحْوُهُمْ فَلَمْ يُصَلُّوا مَعَهُ الْعَصْرَ وَأَنْ يَنْفَرِدُوا فَيُصَلُّوهَا فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ لِمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحَادِيثَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَد.
وَإِنَّمَا غَفَلَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد عَنْ هَذَا فَطَرَدُوا قِيَاسَهُمْ فِي الْجَمْعِ.
وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ إنَّمَا جَمَعَ لِأَجْلِ السَّفَرِ وَالْجَمْعُ لِلسَّفَرِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ سَافَرَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَحَاضِرُوا مَكَّةَ لَيْسُوا عَنْ عرنة بِهَذَا الْبُعْدِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِحَقِّ.
فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ جَمْعُهُ لِأَجْلِ السَّفَرِ لَجَمَعَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ وَبَعْدَهُ.
وَقَدْ أَقَامَ بِمِنَى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَلَمْ يَجْمَعْ فِيهَا لَا سِيَّمَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَ فِي السَّفَرِ وَهُوَ نَازِلٌ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَإِنَّمَا جَمَعَ لِنَحْوِ الْوُقُوفِ لِأَجْلِ أَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الْوُقُوفِ بِصَلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا.
كَمَا قَالَ أَحْمَد: إنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ ذَلِكَ مِنْ الشُّغْلِ الْمَانِعِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّلَوَاتِ.
وَمَنْ اشْتَرَطَ فِي هَذَا الْجَمْعِ السَّفَرَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ أُصُولِهِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنَّ أَحْمَد يُجَوِّزُ الْجَمْعَ لِأُمُورِ كَثِيرَةٍ غَيْرِ السَّفَرِ حَتَّى قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ - تَفْسِيرًا لِقَوْلِ أَحْمَد: إنَّهُ يَجْمَعُ لِكُلِّ مَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ - فَالْجَمْعُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ السَّفَرِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَصْرِ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ إلَّا لِلْمُسَافِرِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: إنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ: لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْمُسَافِرِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ عِنْدَهُمْ طَرْدًا لِلْقِيَاسِ وَاعْتِقَادًا أَنَّ الْقَصْرَ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِلسَّفَرِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ حَتَّى أَمَرَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمَوْسِمَ لَا يُقِيمُهُ أَمِيرُ مَكَّةَ؛ لِأَجْلِ قَصْرِ الصَّلَاةِ.
وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ - مِنْهُمْ مَالِكٍ وَطَائِفَةٌ