مجموع الفتاوىسُورَةُ مَرْيَمَ

سُورَةُ مَرْيَمَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: " سُورَةُ مَرْيَمَ " مَضْمُونُهَا: تَحْقِيقُ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنَّ خَوَاصَّ الْخَلْقِ هُمْ عِبَادُهُ فَكُلُّ كَرَامَةٍ وَدَرَجَةٍ رَفِيعَةٍ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ وَتَضَمَّنَتْ الرَّدَّ عَلَى الْغَالِينَ الَّذِينَ زَادُوا فِي النِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ حَتَّى نَسَبُوا إلَيْهِ عِيسَى بِطَرِيقِ الْوِلَادَةِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُفْرِطِينَ فِي تَحْقِيقِ الْعِبَادَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْكَرَامَةِ وَجَحَدُوا نِعَمَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفِينَ.
افْتَتَحَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ وَنِدَائِهِ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا وَمَوْهِبَتِهِ لَهُ يَحْيَى ثُمَّ قِصَّةِ مَرْيَمَ وَابْنِهَا وَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ . . إلَخْ بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى الْغُلَاةِ فِي الْمَسِيحِ وَعَلَى الْجُفَاةِ النَّافِينَ عَنْهُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِذِكْرِ إبْرَاهِيمَ وَمَا دَعَا إلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَنَهْيِهِ إيَّاهُ عَنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ وَمَوْهِبَتِهِ

لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا وَهُوَ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَأَخْبَرَ عَنْ يَحْيَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ مَعَ التَّوْحِيدِ وَذَكَرَ مُوسَى وَمَوْهِبَتَهُ لَهُ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا كَمَا وَهَبَ يَحْيَى لِزَكَرِيَّا وَعِيسَى لِمَرْيَمَ وَإِسْحَاقَ لِإِبْرَاهِيمَ.
فَهَذِهِ السُّورَةُ " سُورَةُ الْمَوَاهِبِ " وَهِيَ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لِأَنْبِيَائِهِ مِنْ الذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ ثُمَّ ذَكَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ لِأَجْلِ إدْرِيسَ ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الْآيَةُ.
فَهَذِهِ حَالُ الْمُفَرِّطِينَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْجَنَّةَ لِمَنْ تَابَ وَأَنَّ جَنَّاتِ عَدْنٍ وَعَدَهَا الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ وَهُمْ أَهْلُ تَحْقِيقِ الْعِبَادَةِ ثُمَّ قَالَ: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ مُنْكِرِي الْمَعَادِ وَحَالَ مَنْ جَعَلَ لَهُ الْأَوْلَادَ وَقَرَنَ بَيْنَهُمَا فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ﴾ الْحَدِيثُ.
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ إقْسَامَهُ عَلَى

حَشْدِهِمْ وَالشَّيَاطِينِ وَإِحْضَارِهِمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُخْبِرَ عَنْ خَبَرٍ يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِطَرِيقَيْنِ: إمَّا اطِّلَاعُهُ عَلَى الْغَيْبِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَا سَيَكُونُ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وَاَللَّهُ مُوفٍ بِعَهْدِهِ فَالْأَوَّلُ عِلْمٌ بِالْخَبَرِ وَالثَّانِي عِلْمٌ بِالْأَمْرِ.
الْأَوَّلُ عِلْمٌ بِالْكَلِمَاتِ الْكَوْنِيَّةِ وَالثَّانِي عِلْمٌ بِالْكَلِمَاتِ الدِّينِيَّةِ وَهَذَا الَّذِي أَقْسَمَ أَنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْمَعَادِ مَا ذَكَرَ كَاذِبٌ فِي قَسَمِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى الْغَيْبِ وَلَا اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا.
وَهَذَا كَمَا قِيلَ فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ: أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ لِصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ وَتَارَةً لِكَمَالِ الطَّاعَةِ وَهُوَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ . فَذَكَرَ حَالَ مَنْ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْبَاطِلَ بِلَا عِلْمٍ بِالْوَاقِعِ وَلَا اتِّخَاذِ عَهْدٍ بِالْمَشْرُوعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا فَنَفَى الْوِلَادَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهَا وَأَثْبَتَ الْمَوَدَّةَ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا فَقَالَ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أَيْ يُحِبُّهُمْ؛ وَيُحَبِّبُهُمْ إلَى عِبَادِهِ وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: ﴿إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبَّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ﴾

وَقَالَ فِي الْبُغْضِ عَكْسَ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ: ﴿إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ وَقَوْلِهِ فِي مُوسَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ وَمَا ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمَوَدَّةِ: إثْبَاتٌ لِمَا يُنْكِرُهُ الْجَاحِدُونَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَتَكْلِيمِهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ نَفْيٌ لِمَا يُثْبِتُهُ الْمُفْتَرُونَ مِنْ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ.

سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ هَلْ ذَلِكَ فِيمَنْ أَضَاعَ وَقْتَهَا فَصَلَّاهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا أَمْ فِيمَنْ أَضَاعَهَا فَلَمْ يُصَلِّهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ هَلْ هُوَ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ أَوْ السَّهْوِ فِيهَا كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ صَلَاةِ الغفلة الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مِنْ صَلَاتِهِمْ شَيْئًا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَنْ أَضَاعَ الْوَاجِبَ فِي الصَّلَاةِ لَا مُجَرَّدَ تَرْكِهَا هَكَذَا فَسَّرَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فَأَثْبَتَ لَهُمْ صَلَاةً وَجَعَلَهُمْ سَاهِينَ عَنْهَا فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ السَّهْوِ عَنْهَا وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: بَلْ هُوَ السَّهْوُ عَمَّا يَجِبُ فِيهَا مِثْلَ تَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَقٌّ وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ،

تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا} . فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمُنَافِقِ تَشْتَمِلُ عَلَى التَّأْخِيرِ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا فِيهِ وَعَلَى النَّقْرِ الَّذِي لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ إلَّا قَلِيلًا وَهَكَذَا فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ بِأَنَّ إضَاعَتَهَا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَإِضَاعَةُ حُقُوقِهَا وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿إنَّ الْعَبْدَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ بِطُهُورِهَا وَقِرَاءَتِهَا وَسُجُودِهَا - أَوْ كَمَا قَالَ - صَعِدَتْ وَلَهَا بُرْهَانٌ كَبُرْهَانِ الشَّمْسِ تَقُولُ لَهُ: حَفِظَك اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي وَإِذَا لَمْ يُتِمَّ طُهُورَهَا وَقِرَاءَتَهَا وَسُجُودَهَا - أَوْ كَمَا قَالَ - فَإِنَّهَا تَلُفُّ كَمَا يَلُفُّ الثَّوْبُ وَتَقُولُ لَهُ: ضَيَّعَك اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتنِي﴾ قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ مَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ فِي الْمُطَفِّفِينَ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَمَّارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ إلَّا نِصْفُهَا إلَّا ثُلُثُهَا إلَّا رُبُعُهَا إلَّا خُمُسُهَا إلَّا سُدُسُهَا إلَّا سُبُعُهَا إلَّا ثُمُنُهَا إلَّا تُسْعُهَا إلَّا عُشْرُهَا﴾ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوِسْوَاسُ فِي صِلَاتِهِ هَلْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
لَكِنَّ الْأَئِمَّةَ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي

الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يُضِلَّ الرَّجُلَ لَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ﴾ . فَقَدْ عَمَّ بِهَذَا الْكَلَامِ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِالْإِعَادَةِ.
و " الثَّانِي " عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا عُشْرُهَا.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ إلَّا بِقَدْرِ الْحُضُورِ؛ لَكِنْ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا تَارِكُ الصَّلَاةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِهَا أَيْ: لَا يُعَاقَبُ عَلَى التَّرْكِ لَكِنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ الْحُضُورِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ لَك مِنْ صَلَاتِك إلَّا مَا عَقَلْت مِنْهَا فَلِهَذَا شُرِعَتْ السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ جَبْرًا لِمَا يَحْصُلُ مِنْ النَّقْصِ فِي الْفَرَائِضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

جارٍ التحميل