الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ؛ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ ﴿عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْخَرِهِ فَقَالَ: اُخْرُجْ إنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ سَفَرِنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءِ فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ بِجَزَرٍ وَلَبَنٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرُدَّ الْجَزَرَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَشَرِبُوا مِنْ اللَّبَنِ فَسَأَلَهَا عَنْ الصَّبِيِّ فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ رَيْبًا بَعْدَك﴾ . وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ لِكَوْنِ مِثْلِهِ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِكَوْنِ الشَّيَاطِينِ لَمْ تَكُنْ تَقْدِرُ [أَنْ] 1 تَفْعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ عِنْدَنَا فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَالتَّنْفِيسِ عَنْ الْمَكْرُوبِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِ بِمَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ الَّذِينَ رَقُوا بِالْفَاتِحَةِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَمَا أَدْرَاك أَنَّهَا رُقْيَةٌ﴾ ﴿وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِ الْجُعْلِ عَلَى شِفَاءِ اللَّدِيغِ بِالرُّقْيَةِ﴾ وَقَدْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلشَّيْطَانِ الَّذِي أَرَادَ قَطْعَ صَلَاتِهِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ وَهَذَا كَدَفْعِ ظَالِمِي الْإِنْسِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا التَّرْكَ وَلَمْ يَكُونُوا يَرْمُونَ بِالْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قِتَالٍ فَقَدَ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للشاملة
ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ وَأَخْبَرَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتُقَاتِلُهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قِتَالَهُمْ النَّافِعَ إنَّمَا هُوَ بِالْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ وَلَوْ قُوتِلُوا بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تُشْبِهُ قَوْسَ الْقُطْنِ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا؛ بَلْ اسْتَطَالُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقُوَّةِ رَمْيِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ قِتَالِهِمْ بِمَا يَقْهَرُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ الْعَدُوَّ إذَا رَأَيْنَاهُمْ قَدْ لَبِسُوا الْحَرِيرَ وَجَدْنَا فِي قُلُوبِنَا رَوْعَةً فَقَالَ: وَأَنْتُمْ فَالْبَسُوا كَمَا لَبِسُوا.
وَقَدْ ﴿أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ بِالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ﴾ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَشْرُوعًا قَبْلَ هَذَا فَفَعَلَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا بِدُونِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَدْ يَحْتَاجُ فِي إبْرَاءِ الْمَصْرُوعِ وَدَفْعِ الْجِنِّ عَنْهُ إلَى الضَّرْبِ فَيُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا جِدًّا وَالضَّرْبُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْجِنِّيِّ وَلَا يَحُسُّ بِهِ الْمَصْرُوعُ حَتَّى يَفِيقَ الْمَصْرُوعُ وَيُخْبِرَ أَنَّهُ لَمْ يَحُسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِهِ وَيَكُونُ قَدْ ضُرِبَ بِعَصَا قَوِيَّةٍ عَلَى رِجْلَيْهِ نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ أَرْبَعِمِائَةِ ضَرْبَةً وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ عَلَى الْإِنْسِيِّ لَقَتَلَهُ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِنِّيِّ وَالْجِنِّيُّ يَصِيحُ وَيَصْرُخُ وَيُحَدِّثُ الْحَاضِرِينَ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَا قَدْ فَعَلْنَا نَحْنُ هَذَا وَجَرَّبْنَاهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً يَطُولُ وَصْفُهَا بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرِينَ.
وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقَالُ وَيُكْتَبُ مِمَّا لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ فَلَا يُشْرَعُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِيهِ شِرْكٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
وَعَامَّةُ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْعَزَائِمِ فِيهِ شِرْكٌ وَقَدْ يَقْرَءُونَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَيُظْهِرُونَهُ وَيَكْتُمُونَ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ الشِّرْكِ وَفِي الِاسْتِشْفَاءِ بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَا يُغْنِي عَنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَالْمُسْلِمُونَ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ بِحَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالتَّكَلُّمِ بِهِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ وَالتَّكَلُّمُ بِهِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ بِقَلْبِ صَاحِبِهِ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ لَمْ يُؤَثِّرْ.
وَالشَّيْطَانُ إذَا عَرَفَ أَنَّ صَاحِبَهُ مُسْتَخِفٌّ بِالْعَزَائِمِ لَمْ يُسَاعِدْهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُضْطَرٌّ إلَى التَّكَلُّمِ بِهِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى إبْرَاءِ الْمُصَابِ بِهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ لَا يُؤَثِّرُ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَثِّرُ مَنْ يُعَالِجُ بِالْعَزَائِمِ فَلَا يُؤَثِّرُ بَلْ يَزِيدُهُ شَرًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْحَقِّ مَا يُغْنِي عَنْ الْبَاطِلِ.
وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِدُخُولِ الْجِنِّيِّ فِي الْإِنْسِ.
وَقَوْمٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ بِالْعَزَائِمِ الْمَذْمُومَةِ فَهَؤُلَاءِ يُكَذِّبُونَ بِالْمَوْجُودِ وَهَؤُلَاءِ يَعْصُونَ بَلْ يَكْفُرُونَ بِالْمَعْبُودِ.
وَالْأُمَّةُ الْوَسَطُ تُصَدِّقُ بِالْحَقِّ الْمَوْجُودِ وَتُؤْمِنُ بِالْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ وَبِعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَأَسْمَائِهِ وَكَلَامِهِ فَتَدْفَعُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
وَأَمَّا سُؤَالُ الْجِنِّ وَسُؤَالُ مَنْ يَسْأَلُهُمْ فَهَذَا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّصْدِيقِ لَهُمْ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْمَسْئُولِ فَهُوَ حَرَامٌ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ﴿عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ قَالَ: فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ﴾ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ عَنْ نَافِعٍ؛ عَنْ صَفِيَّةَ؛ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا﴾ . وَأَمَّا إنْ كَانَ يَسْأَلُ الْمَسْئُولَ لِيَمْتَحِنَ حَالَهُ وَيَخْتَبِرَ بَاطِنَ أَمْرِهِ وَعِنْدَهُ مَا يُمَيِّزُ بِهِ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ فَهَذَا جَائِزٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ ابْنَ صَيَّادٍ فَقَالَ: مَا يَأْتِيك؟ فَقَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ قَالَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ خَبَّأْت لَك خَبِيئًا قَالَ: الدَّخّ الدَّخّ قَالَ: اخْسَأْ فَلَنْ
تَعْدُو قَدْرَك فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ} . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَهُ وَيُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ الْجِنِّ كَمَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ مَا يَقُولُ الْكُفَّارُ وَالْفُجَّارُ لِيَعْرِفُوا مَا عِنْدَهُمْ فَيَعْتَبِرُوا بِهِ وَكَمَا يُسْمَعُ خَبَرُ الْفَاسِقِ وَيُتَبَيَّنُ وَيُتَثَبَّتُ فَلَا يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوهُ وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوهُ وَقُولُوا: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنَا وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ } فَقَدْ جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ سَمَاعُ مَا يَقُولُونَهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ خَبَرُ عُمَرَ وَكَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ لَهَا قَرِينٌ مِنْ الْجِنِّ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَرَكَ عُمَرَ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ.
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ جَيْشًا فَقَدِمَ شَخْصٌ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ وَشَاعَ الْخَبَرُ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو الْهَيْثَمِ بَرِيدُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْجِنِّ وَسَيَأْتِي بَرِيدُ الْإِنْسِ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَيَّامٍ.
فَصْلٌ:
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ لِلْمُصَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَرْضَى شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَذِكْرُهُ بِالْمِدَادِ الْمُبَاحِ وَيُغْسَلُ وَيُسْقَى كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد: قَرَأْت عَلَى أَبِي ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ؛ ثَنَا سُفْيَانُ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وِلَادَتُهَا فَلْيَكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . قَالَ أَبِي: ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ بِإِسْنَادِهِ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ: يُكْتَبُ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ فَيُسْقَى قَالَ أَبِي: وَزَادَ فِيهِ وَكِيعٌ فَتُسْقَى وَيُنْضَحُ مَا دُونَ سُرَّتِهَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ فِي جَامٍ أَوْ شَيْءٍ نَظِيفٍ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَمْدَانَ الحيري: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النسوي؛ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ شبوية؛ ثنَا عَلِيُّ بْنُ
الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ؛ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ؛ عَنْ سُفْيَانَ؛ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ عَنْ الْحَكَمِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وِلَادُهَا فَلْيَكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . قَالَ عَلِيٌّ: يُكْتَبُ فِي كاغدة فَيُعَلَّقُ عَلَى عَضُدِ الْمَرْأَةِ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَلَمْ نَرَ شَيْئًا أَعْجَبَ مِنْهُ فَإِذَا وَضَعَتْ تُحِلُّهُ سَرِيعًا ثُمَّ تَجْعَلُهُ فِي خِرْقَةٍ أَوْ تُحْرِقُهُ.
آخِرُ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي الِاكْتِفَاءِ بِالرِّسَالَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اتِّبَاعِ مَا سِوَاهُ اتِّبَاعًا عَامًّا وَأَقَامَ اللَّهُ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ بِرُسُلِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ بَعْدَ الرُّسُلِ بِحَالِ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُمْ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ.
ف " الْأَوَّلُ " يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ أَحْوَجَ الْخَلْقَ إلَى غَيْرِ الرُّسُلِ حَاجَةً عَامَّةً كَالْأَئِمَّةِ.
و " الثَّانِي " يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ أَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الرُّسُلِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فَأَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ وَأَمْرَهُمْ بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَبْطَلَ الرَّدَّ إلَى إمَامٍ مُقَلِّدٍ أَوْ قِيَاسٍ عَقْلِيٍّ فَاضِلٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّهُ بِالْكِتَابِ يَحْكُمُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فَفَرَضَ اتِّبَاعَ مَا أَنْزَلَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَحَظَّرَ اتِّبَاعَ أَحَدٍ مِنْ دُونِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فَزَجَرَ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ الْآيَتَيْنِ.
فَدَلَّتْ هَذِهِ
الْآيَاتُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ الرَّسُولُ فَخَالَفَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ إمَامٌ وَلَا قِيَاسٌ.
وَأَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ الرَّسُولُ وَإِنْ أَتَاهُ إمَامٌ أَوْ قِيَاسٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَبَيَّنَ أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوجِبَةٌ لِلسَّعَادَةِ وَأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ مُوجِبَةٌ لِلشَّقَاوَةِ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَعَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَاعَةِ إمَامٍ أَوْ قِيَاسٍ وَمَعَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَنْفَعُ طَاعَةُ إمَامٍ أَوْ قِيَاسٍ.
وَدَلِيلُ هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ " شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَشَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا؛ وَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُهُمْ عَمَلًا وَحَالًا.
فَلَيْسَ عَالِمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَشُكُّ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْخَلْقِ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنَّ مَا سِوَاهُ إنَّمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ حَيْثُ أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ فَالْوَاجِبُ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ؛ لَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ بِمَأْمُورِهِ وَبِخَبَرِهِ كُلِّهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ وَالْمُبَلِّغُ عَنْهُ إمَّا مُبَلِّغٌ أَمْرَهُ وَكَلِمَاتِهِ فَتَجِبُ طَاعَتُهُ وَتَصْدِيقُهُ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَ وَأَخْبَرَ وَإِمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُطَاعُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ كَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِمْ مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ عَلَى الْمُسْتَفْتِي وَالْمَأْمُورِ فِيمَا أَوْجَبُوهُ عَلَيْهِ مُبَلِّغِينَ عَنْ اللَّهِ أَوْ مُجْتَهِدِينَ اجْتِهَادًا تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيهِ عَلَى الْمُقَلِّدِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَشَايِخُ الدِّينِ وَرُؤَسَاءِ الدُّنْيَا حَيْثُ أُمِرَ بِطَاعَتِهِمْ كَاتِّبَاعِ أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَاتِّبَاعِ أَئِمَّةِ الْحَجِّ فِيهِ وَاتِّبَاعِ أُمَرَاءِ الْغَزْوِ فِيهِ وَاتِّبَاعِ الْحُكَّامِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَاتِّبَاعِ الْمَشَايِخِ الْمُهْتَدِينَ فِي هَدْيِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْأَصْلِ أَنَّ مَنْ نُصِبَ إمَامًا فَأَوْجَبَ طَاعَتَهُ مُطْلَقًا اعْتِقَادًا أَوْ حَالًا فَقَدْ ضَلَّ فِي ذَلِكَ كَأَئِمَّةِ الضَّلَالِ الرَّافِضَةِ الْإِمَامِيَّةِ حَيْثُ جَعَلُوا فِي كُلِّ وَقْتٍ إمَامًا مَعْصُومًا تَجِبُ طَاعَتُهُ فَإِنَّهُ لَا مَعْصُومَ بَعْدَ الرَّسُولِ وَلَا تَجِبُ طَاعَةُ أَحَدٍ بَعْدَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَاَلَّذِينَ عَيَّنُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ خَلِيفَةً رَاشِدًا تَجِبُ طَاعَتُهُ كَطَاعَةِ الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ وَهُوَ عَلِيٌّ.
وَمِنْهُمْ أَئِمَّةٌ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ يَجِبُ لَهُمْ مَا يَجِبُ لِنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ؛ وَجَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ.
وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ دَعَا لِاتِّبَاعِ شَيْخٍ مِنْ مَشَايِخِ الدِّينِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ وَأَفْرَدَهُ عَنْ نُظَرَائِهِ كَالشَّيْخِ عَدِيٍّ؛ وَالشَّيْخِ أَحْمَد؛ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ؛ وَالشَّيْخِ حيوة؛ وَنَحْوِهِمْ.
وَكَذَلِكَ مَنْ دَعَا إلَى اتِّبَاعِ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ فِي كُلِّ مَا قَالَهُ وَأَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ مُطْلَقًا كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَمَرَ بِطَاعَةِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَدَّعُونَ الْعِصْمَةَ لِمَتْبُوعِيهِمْ إلَّا غَالِيَةَ أَتْبَاعِ الْمَشَايِخِ كَالشَّيْخِ عَدِيٍّ وَسَعْدٍ الْمَدِينِيّ بْن حَمَوَيْهِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَإِنَّهُمْ يَدَّعُونَ فِيهِمْ نَحْوًا مِمَّا تَدَّعِيه الْغَالِيَةُ فِي أَئِمَّةِ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ الْعِصْمَةِ ثُمَّ مِنْ التَّرْجِيحِ عَلَى النُّبُوَّةِ ثُمَّ مِنْ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ.
وَأَمَّا كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَمَشَايِخِ الدِّينِ فَحَالُهُمْ وَهَوَاهُمْ يُضَاهِي حَالَ مَنْ يُوجِبُ اتِّبَاعَ مَتْبُوعِهِ لَكِنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ وَلَا يَعْتَقِدُهُ عِلْمًا فَحَالُهُ يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُصَاةِ أَهْلِ الشَّهَوَاتِ وَهَؤُلَاءِ أَصْلَحُ مِمَّنْ يَرَى وُجُوبَ ذَلِكَ وَيَعْتَقِدُهُ.
وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ هُمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ فَهُمْ مُطِيعُونَ حَالًا وَعَمَلًا وَانْقِيَادًا وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ غَيْرِ عَقِيدَةٍ دِينِيَّةٍ وَفِيهِمْ
مَنْ يَقْرِنُ بِذَلِكَ عَقِيدَةً دِينِيَّةً.
وَلَكِنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ إنَّمَا تُمْكِنُ مَعَ الْعِلْمِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَإِذَا ضَعُفَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ صَارَ الْوَقْتُ وَقْتَ فَتْرَةٍ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ فَكَانَ وَقْتَ دَعْوَةٍ وَنُبُوَّةٍ فِي غَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا مَنْ نَصَبَ الْقِيَاسَ أَوْ الْعَقْلَ أَوْ الذَّوْقَ مُطْلَقًا مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ أَوْ قَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْ الرَّسُولِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالتَّصَوُّفِ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَصَبَ شَخْصًا.
فَالِاتِّبَاعُ الْمُطْلَقُ دَائِرٌ مَعَ الرَّسُولِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
فَصْلٌ:
أَوَّلُ الْبِدَعِ ظُهُورًا فِي الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرُهَا ذَمًّا فِي السُّنَّةِ وَالْآثَارِ: بِدْعَةُ الحرورية الْمَارِقَةِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهُمْ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّك لَمْ تَعْدِلْ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَالْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَفِيضَةٌ بِوَصْفِهِمْ وَذَمِّهِمْ
وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارِجِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.
فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَلَهُمْ خَاصَّتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَارَقُوا بِهِمَا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتَهُمْ: أَحَدُهُمَا: خُرُوجُهُمْ عَنْ السُّنَّةِ وَجَعْلُهُمْ مَا لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ سَيِّئَةً أَوْ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ حَسَنَةً وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَظْهَرُوهُ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ ﴿قَالَ لَهُ ذُو الخويصرة التَّمِيمِيُّ: اعْدِلْ فَإِنَّك لَمْ تَعْدِلْ حَتَّى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلَك وَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ لَقَدْ خِبْت وَخَسِرْت إنْ لَمْ أَعْدِلْ﴾ . فَقَوْلُهُ: فَإِنَّك لَمْ تَعْدِلْ جَعَلَ مِنْهُ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَفَهًا وَتَرْكَ عَدْلٍ وَقَوْلُهُ: " اعْدِلْ " أَمْرٌ لَهُ بِمَا اعْتَقَدَهُ هُوَ حَسَنَةً مِنْ الْقِسْمَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ وَهَذَا الْوَصْفُ تَشْتَرِكُ فِيهِ الْبِدَعُ الْمُخَالِفَةُ لِلسُّنَّةِ فَقَائِلُهَا لَا بُدَّ أَنْ يُثْبِتَ مَا نَفَتْهُ السُّنَّةُ وَيَنْفِيَ مَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ وَيُحَسِّنُ مَا قَبَّحَتْهُ السُّنَّةُ أَوْ يُقَبِّحَ مَا حَسَّنَتْ السُّنَّةُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بِدْعَةً وَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ يَقَعُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأً فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ؛ لَكِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ يُخَالِفُونَ السُّنَّةَ الظَّاهِرَةَ الْمَعْلُومَةَ.
وَالْخَوَارِجُ جَوَّزُوا عَلَى الرَّسُولِ نَفْسِهِ أَنْ يَجُورَ وَيُضِلَّ فِي سُنَّتِهِ وَلَمْ يُوجِبُوا طَاعَتَهُ وَمُتَابَعَتَهُ وَإِنَّمَا صَدَّقُوهُ فِيمَا بَلَغَهُ مِنْ الْقُرْآنِ دُونَ مَا شَرَعَهُ مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي تُخَالِفُ - بِزَعْمِهِمْ - ظَاهِرُ الْقُرْآنِ.
وَغَالِبُ أَهْلِ الْبِدَعِ غَيْرِ الْخَوَارِجِ يُتَابِعُونَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الرَّسُولَ لَوْ قَالَ بِخِلَافِ مَقَالَتِهِمْ لَمَا اتَّبَعُوهُ كَمَا يُحْكَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ وَإِنَّمَا يَدْفَعُونَ عَنْ نُفُوسِهِمْ الْحُجَّةَ: إمَّا بِرَدِّ النَّقْلِ؛ وَإِمَّا بِتَأْوِيلِ الْمَنْقُولِ.
فَيَطْعَنُونَ تَارَةً فِي الْإِسْنَادِ وَتَارَةً فِي الْمَتْنِ.
وَإِلَّا فَهُمْ لَيْسُوا مُتَّبِعِينَ وَلَا مُؤْتَمِّينَ بِحَقِيقَةِ السُّنَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ بَلْ وَلَا بِحَقِيقَةِ الْقُرْآنِ.
الْفَرْقُ الثَّانِي فِي الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ: أَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ بِالذُّنُوبِ اسْتِحْلَالُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ حَرْبٍ وَدَارَهُمْ هِيَ دَارُ الْإِيمَانِ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ جُمْهُورُ الرَّافِضَةِ؛ وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ؛ وَالْجَهْمِيَّة؛ وَطَائِفَةٌ مِنْ غُلَاةِ الْمُنْتَسِبَةِ إلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ.
فَهَذَا أَصْلُ الْبِدَعِ الَّتِي ثَبَتَ بِنَصِّ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَهُوَ جَعْلُ الْعَفْوِ سَيِّئَةً وَجَعْلُ السَّيِّئَةِ كُفْرًا.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَذَمِّهِمْ وَلَعْنِهِمْ وَاسْتِحْلَالِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ هُمَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِيمَا أَتَتْ بِهِ أَوْ شَرَعَتْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ السُّنَّةِ وَمَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا رَآهُ ذَنْبًا سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا وَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ فَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ.
وَعَامَّةُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَشِبْهُ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ أَوْ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ: إمَّا حَدِيثٌ بَلَغَهُ عَنْ الرَّسُولِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا أَوْ أَثَّرَ عَنْ غَيْرِ الرَّسُولِ قَلَّدَهُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَائِلُ مُصِيبًا أَوْ تَأْوِيلٌ تَأَوَّلَهُ مِنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ أَثَرٍ مَقْبُولٍ أَوْ مَرْدُودٍ وَلَمْ يَكُنْ التَّأْوِيلُ صَحِيحًا وَإِمَّا قِيَاسٌ فَاسِدٌ أَوْ رَأْيٌ رَآهُ اعْتَقَدَهُ صَوَابًا وَهُوَ خَطَأٌ.
فَالْقِيَاسُ وَالرَّأْيُ وَالذَّوْقُ هُوَ عَامَّةُ خَطَأِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ.
وَتَأْوِيلُ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَوْ الضَّعِيفَةِ عَامَّةً خَطَأُ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُحَدِّثَةِ وَالْمُقَلِّدَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ.
وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِذَنْبٍ أَوْ اعْتِقَادٍ سُنِّيٍّ فَهُوَ مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ.
وَالتَّكْفِيرُ بِاعْتِقَادٍ سُنِّيٍّ مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِاعْتِقَادِ بِدْعِيٍّ فَقَدْ بَيَّنْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَدُونَ التَّكْفِيرِ قَدْ يَقَعُ مِنْ الْبُغْضِ وَالذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ - وَهُوَ الْعُدْوَانُ - أَوْ مَنْ تَرَكَ الْمَحَبَّةَ وَالدُّعَاءَ وَالْإِحْسَانَ وَهُوَ التَّفْرِيطُ بِبَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ مَا لَا يَسُوغُ وَجِمَاعُ ذَلِكَ ظُلْمٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ كَمَا بَيَّنْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَالْمُسْلِمِينَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
" أَصْلٌ جَامِعٌ "
فِي الِاعْتِصَامِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ وَبَيَانِ الِاهْتِدَاءِ بِهِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ دِينِهِمْ
وَأَنَّ النَّجَاةَ وَالسَّعَادَةَ فِي اتِّبَاعِهِ وَالشَّقَاءَ فِي مُخَالَفَتِهِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ {قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَنْ لَا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَفِي السُّورَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿المص﴾ ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَ كِتَابَ اللَّهِ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ وَلَا أَمْرِهِ لَا دَوْلَةً وَلَا سِيَاسَةً فَإِنَّهُ حَالُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ.
وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَيُعَارِضُ مَنْسُوخِهِ بِنَاسِخِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الر﴾ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ فَأُمِرَ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَهُوَ كِتَابُهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلٌ مَمْدُودٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِ.﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ﴿وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ﴾ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ .
فَصْلٌ:
قَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَبِاتِّبَاعِ مَا يَأْتِي مِنْهُ مِنْ الْهُدَى وَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيْنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وَالْحِكْمَةُ مِنْ الْهُدَى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وَالْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ يُوجِبُ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ الْحِكْمَةِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا الرَّسُولَ وَبِاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وَقَدْ أَمَرَ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ مَوْضِعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ فَهَذِهِ النُّصُوصُ تُوجِبُ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ وَإِنْ لَمْ نَجِدْ مَا قَالَهُ مَنْصُوصًا بِعَيْنِهِ فِي الْكِتَابِ كَمَا أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ تُوجِبُ اتِّبَاعَ الْكِتَابِ وَإِنْ لَمْ نَجِدْ مَا فِي الْكِتَابِ مَنْصُوصًا بِعَيْنِهِ فِي حَدِيثٍ عَنْ الرَّسُولِ غَيْرِ الْكِتَابِ.
فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّبِعَ الْكِتَابَ وَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّبِعَ الرَّسُولَ وَاتِّبَاعُ أَحَدِهِمَا هُوَ اتِّبَاعُ الْآخَرِ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَ الْكِتَابَ وَالْكِتَابُ أَمْرٌ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْكِتَابُ وَالرَّسُولُ أَلْبَتَّةَ كَمَا لَا يُخَالِفُ الْكِتَابُ بَعْضُهُ بَعْضًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .
وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَفِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا أُلْفِيَن أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيه الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْت بِهِ أَوْ نَهَيْت عَنْهُ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هَذَا الْقُرْآنُ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ حَلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ أَلَا وَإِنِّي أُوتِيت الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا وَإِنَّهُ مِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَعْظَمُ﴾ هَذَا الْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ مَأْثُورٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَأَبِي رَافِعٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: ﴿وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ: كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى﴾ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ﴿عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا قِيلَ: فَكَيْفَ كَتَبَهُ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةَ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ﴾ . وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ كَمَا فَسَّرَتْ أَعْدَادَ الصَّلَوَاتِ وَقَدْرَ الْقِرَاءَةِ فِيهَا وَالْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ وَكَمَا فَسَّرَتْ فَرَائِضَ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا وَكَمَا فَسَّرَتْ الْمَنَاسِكَ وَقَدْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ السُّنَّةُ إذَا ثَبَتَتْ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ
اتِّبَاعِهَا وَقَدْ يَكُونُ مِنْ سُنَّتِهِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ كَالسُّنَّةِ الْمُفَسِّرَةِ لِنِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْمُوجِبَةِ لِرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ فَهَذِهِ السُّنَّةُ أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.
فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَقَدْ اسْتَفَاضَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي وَصْفِهِمْ وَذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارِجِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَهُمْ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخَذَ عَنْ أَحْمَد.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ حَدِيثَهُمْ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ وَهَؤُلَاءِ أَوَّلُهُمْ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ فَإِنَّك لَمْ تَعْدِلْ.
فَمَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يَظْلِمَهُ فَلَا يَعْدِلْ كَمَنْ يُوجِبُ طَاعَتَهُ فِيمَا ظَلَمَ فِيهِ؛ لَكِنَّهُمْ يُوجِبُونَ اتِّبَاعَ مَا بَلَغَهُ عَنْ اللَّهِ وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِمْ وَتَنَاقُضِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَيْحَك وَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ أَعْدِلْ وَقَالَ: لَقَدْ خِبْت وَخَسِرْت إنْ لَمْ أَعْدِلْ﴾ أَيْ: إنْ اتَّبَعْت مَنْ هُوَ غَيْرُ عَادِلٍ فَأَنْتَ خَائِبٌ خَاسِرٌ.
وَقَالَ: ﴿أَيَأْمَنُنِي مَنْ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَأْمَنُونِي﴾ يَقُولُ: إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ ائْتَمَنَنِي عَلَى تَبْلِيغِ كَلَامِهِ أَفَلَا تَأْمَنُونِي عَلَى أَنْ أُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ . وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْقُرْآنُ يُوجِبُ طَاعَتَهُ فِي حُكْمِهِ وَفِي قَسْمِهِ وَيَذُمُّ مَنْ يَعْدِلُ عَنْهُ فِي هَذَا أَوْ هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حُكْمِهِ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ﴿فَكَيْفَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلَّا إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . وَقَالَ فِي قَسْمِهِ لِلصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ قَالَ فِي الصَّدَقَاتِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وَقَالَ فِي الْفَيْءِ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ.
فَالطَّاعِنُ فِي شَيْءٍ مِنْ حُكْمِهِ أَوْ قَسْمِهِ - كَالْخَوَارِجِ - طَاعِنٌ فِي
كِتَابِ اللَّهِ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَارِقٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ شَيْطَانُ الْخَوَارِجِ مَقْمُوعًا لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُجْتَمِعِينَ فِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمَّا افْتَرَقَتْ الْأُمَّةُ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَدَ شَيْطَانُ الْخَوَارِجِ مَوْضِعَ الْخُرُوجِ فَخَرَجُوا وَكَفَّرُوا عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ وَمَنْ وَالَاهُمَا فَقَاتَلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ﴾ .
وَلِهَذَا لَمَّا نَاظَرَهُمْ مَنْ نَاظَرَهُمْ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمَا بَيَّنُوا لَهُمْ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ بِالْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ حَيْثُ أَنْكَرُوا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قِتَالَهُ لِأَهْلِ الْجَمَلِ وَنَهْيِهِ عَنْ اتِّبَاعِ مُدَبِّرِهِمْ وَالْإِجْهَازِ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَغَنِيمَةِ أَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَكَانَتْ حُجَّةُ الْخَوَارِجِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ فَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أُبِيحَتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ فَأَجَابَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيَّنَ أَنَّ أُمَّهَاتَ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامٌ فَمَنْ أَنْكَرَ أُمُومَتَهَا فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَمَنْ اسْتَحَلَّ فَرْجَ أُمِّهِ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ.
وَمَوْضِعُ غَلَطِهِمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا لَمْ يُبَحْ قِتَالُهُ بِحَالِ وَهَذَا مِمَّا ضَلَّ بِهِ مَنْ ضَلَّ مِنْ الشِّيعَةِ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا كَافِرٌ؛
فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُقْتَتِلُونَ وَأَمَرَ إنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنْ تُقَاتِلَ الَّتِي تَبْغِي فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَمَرَ بِقِتَالِ أَحَدِهِمَا ابْتِدَاءً ثُمَّ أَمَرَ إذَا فَاءَتْ إحْدَاهُمَا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فَدَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى إيمَانِهِمْ وَأُخُوَّتِهِمْ مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ وَأَنَّهُ يَأْمُرُ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا نَاظَرَهُمْ وَأَقَرُّوا بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَى مَا نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ الرَّسُولِ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ بَيَّنَ لَهُمْ عُمَرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ وَنِصَابِ الزَّكَاةِ وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَيْنٌ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَاظَرَهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا تَحْكِيمَ الرِّجَالِ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الزَّوْجَيْنِ: إذَا خِيفَ شِقَاقُ بَيْنِهِمَا أَنْ يَبْعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا وَقَالَ: ﴿إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ وَأَمَرَ أَيْضًا أَنْ يَحْكُمَ فِي الصَّيْدِ بِجَزَاءِ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَمَنْ أَنْكَرَ التَّحْكِيمَ مُطْلَقًا فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ
التَّحْكِيمَ فِي أَمْرِ أَمِيرَيْنِ لِأَجْلِ دِمَاءِ الْأُمَّةِ أَوْلَى مِنْ التَّحْكِيمِ فِي أَمْرِ الزَّوْجَيْنِ؛ وَالتَّحْكِيمِ لِأَجْلِ دَمِ الصَّيْدِ.
وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالِاعْتِبَارِ وَقِيَاسِ الْأَوْلَى وَهُوَ مِنْ الْمِيزَانِ فَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِالْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنَّا وَأَمَرَ إنْ تَنَازَعْنَا فِي شَيْءٍ أَنْ نَرُدَّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تَنَازَعَ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَمْرُ ثَابِتًا وَكَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا كَانُوا عَلَى هُدًى وَطَاعَةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَحْتَاجُوا حِينَئِذٍ أَنْ يَأْمُرُوا بِمَا هُمْ فَاعِلُونَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا بَلْ اجْتَمَعُوا فَإِنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَوْ كَانُوا قَدْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ لَكَانُوا حِينَئِذٍ أَوْلَى بِوُجُوبِ الرَّدِّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْهُمْ إذَا تَنَازَعُوا فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مُطِيعًا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.
فَإِذَا كَانُوا مَأْمُورِينَ فِي هَذَا الْحَالِ بِالرَّدِّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ لِيَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ - خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ - فَلَأَنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ
إذَا قُدِّرَ خُرُوجُهُمْ كُلِّهِمْ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى أَيْضًا فَقَدْ قَالَ لَهُمْ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ . فَلَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ التَّفَرُّقِ مُطْلَقًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى بَاطِلٍ؛ إذْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى بَاطِلٍ لَوَجَبَ اتِّبَاعُ الْحَقِّ الْمُتَضَمِّنِ لِتَفَرُّقِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ فَأَصْبَحُوا بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا كَمَا قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فَإِذَا كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مُتَأَلِّفَةٌ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ وَمِمَّا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعًا عَلَى بَاطِلٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِجَمِيعِ الْأُمُورِ.
انْتَهَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَاعِدَةٌ نَافِعَةٌ
فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالرِّسَالَةِ، وَبَيَانِ أَنَّ السَّعَادَةَ وَالْهُدَى فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ الضَّلَالَ وَالشَّقَاءَ فِي مُخَالَفَتِهِ وَأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ، إمَّا عَامٌّ وَإِمَّا خَاصٌّ فَمَنْشَؤُهُ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ وَأَنَّ كُلَّ شَرٍّ فِي الْعَالَمِ مُخْتَصٌّ بِالْعَبْدِ فَسَبَبُهُ مُخَالَفَةُ الرَّسُولِ أَوْ الْجَهْلُ بِمَا جَاءَ بِهِ وَأَنَّ سَعَادَةَ الْعِبَادِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمُعَادِهِمْ بِاتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ.
وَالرِّسَالَةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِبَادِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا وَحَاجَتُهُمْ إلَيْهَا فَوْقَ حَاجَتِهِمْ إلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالرِّسَالَةُ رُوحُ الْعَالَمِ وَنُورُهُ وَحَيَاتُهُ فَأَيُّ صَلَاحٍ لِلْعَالَمِ إذَا عَدِمَ الرُّوحَ وَالْحَيَاةَ وَالنُّورَ؟ وَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ مَلْعُونَةٌ إلَّا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَا لَمْ تُشْرِقْ فِي قَلْبِهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ وَيَنَالُهُ مِنْ حَيَاتِهَا وَرُوحِهَا فَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ؛ وَهُوَ مِنْ الْأَمْوَاتِ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ فَهَذَا وَصْفُ الْمُؤْمِنِ كَانَ مَيِّتًا فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ بِرُوحِ الرِّسَالَةِ وَنُورِ الْإِيمَانِ وَجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَمَيِّتُ الْقَلْبِ فِي الظُّلُمَاتِ.
وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى رِسَالَتَهُ رُوحًا وَالرُّوحُ إذَا عَدِمَ فَقَدْ فُقِدَتْ الْحَيَاةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ فَذَكَرَ هُنَا الْأَصْلَيْنِ وَهُمَا: الرُّوحُ وَالنُّورُ فَالرُّوحُ الْحَيَاةُ وَالنُّورُ النُّورُ.
وَكَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلْوَحْيِ الَّذِي أَنْزَلَهُ حَيَاةً لِلْقُلُوبِ وَنُورًا لَهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يُنَزِّلُهُ مِنْ السَّمَاءِ حَيَاةً لِلْأَرْضِ وَبِالنَّارِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النُّورُ وَهَذَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ . فَشَبَّهَ الْعِلْمَ بِالْمَاءِ الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ بِهِ حَيَاةَ الْقُلُوبِ كَمَا أَنَّ
بِالْمَاءِ حَيَاةَ الْأَبْدَانِ وَشَبَّهَ الْقُلُوبَ بِالْأَوْدِيَةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْعِلْمِ كَمَا أَنَّ الْأَوْدِيَةَ مَحَلُّ الْمَاءِ فَقَلْبٌ يَسَعُ عِلْمًا كَثِيرًا وَوَادٍ يَسَعُ مَاءً كَثِيرًا وَقَلْبٌ يَسَعُ عِلْمًا قَلِيلًا وَوَادٍ يَسَعُ مَاءً قَلِيلًا وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلُو عَلَى السَّيْلِ مِنْ الزَّبَدِ بِسَبَبِ مُخَالَطَةِ الْمَاءِ وَأَنَّهُ يَذْهَبُ جُفَاءً أَيْ: يُرْمَى بِهِ وَيُخْفَى وَاَلَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وَيَسْتَقِرُّ وَكَذَلِكَ الْقُلُوبُ تُخَالِطُهَا الشَّهَوَاتُ وَالشُّبُهَاتُ فَإِذَا ترابى فِيهَا الْحَقُّ ثَارَتْ فِيهَا تِلْكَ الشَّهَوَاتُ وَالشُّبُهَاتُ ثُمَّ تَذْهَبُ جُفَاءً وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالْقُرْآنُ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ وَالنَّاسَ وَقَالَ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ فَهَذَا الْمَثَلُ الْآخَرُ وَهُوَ النَّارِيُّ فَالْأَوَّلُ لِلْحَيَاةِ وَالثَّانِي لِلضِّيَاءِ.
وَنَظِيرُ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ: الْمِثَالَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَفِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ غَيْرَ حَيٍّ وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ حَيَاةً بَهِيمِيَّةً فَهُوَ عَادِمُ الْحَيَاةِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعُلْوِيَّةِ الَّتِي سَبَّبَهَا سَبَبُ الْإِيمَانِ وَبِهَا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ السَّعَادَةُ وَالْفَلَاحُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الرُّسُلَ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي تَعْرِيفِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ وَتَكْمِيلُ مَا يُصْلِحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمُعَادِهِمْ وَبُعِثُوا جَمِيعًا بِالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ وَتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إلَيْهِ وَبَيَانِ حَالِهِمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْقَدْرِ وَذِكْرِ أَيَّامِ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَهِيَ الْقِصَصُ الَّتِي قَصَّهَا عَلَى عِبَادِهِ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُمْ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ الشَّرَائِعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ وَبَيَانِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَا يَكْرَهُهُ.
وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ مَدَارُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إلَى تَفَاصِيلِهَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يُدْرِكُ وَجْهَ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُدْرِكُ وَجْهَ الْحَاجَةِ إلَى الطِّبِّ وَمَنْ يُدَاوِيه وَلَا يَهْتَدِي إلَى تَفَاصِيلِ الْمَرَضِ وَتَنْزِيلِ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ.
وَحَاجَةُ الْعَبْدِ إلَى الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ بِكَثِيرِ مِنْ حَاجَةِ الْمَرِيضِ إلَى الطِّبِّ؛ فَإِنَّ آخِرَ مَا يُقَدَّرُ بِعَدَمِ الطَّبِيبِ مَوْتُ الْأَبْدَانِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَبْدِ نُورُ الرِّسَالَةِ وَحَيَاتِهَا مَاتَ قَلْبُهُ مَوْتًا لَا تُرْجَى الْحَيَاةُ مَعَهُ أَبَدًا أَوْ شَقِيَ
شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ مَعَهَا أَبَدًا فَلَا فَلَاحَ إلَّا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ فَإِنَّ اللَّهَ خَصَّ بِالْفَلَاحِ أَتْبَاعَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْصَارَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: لَا مُفْلِحَ إلَّا هُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فَخَصَّ هَؤُلَاءِ بِالْفَلَاحِ كَمَا خَصَّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمْ وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَى رَسُولِهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ وَيُوقِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَبِالْهُدَى وَالْفَلَاحِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْهُدَى وَالْفَلَاحَ دَائِرٌ حَوْلَ رُبُعِ الرِّسَالَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ السَّمَاءِ وَبُعِثَ بِهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ وَلِهَذَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا أَخْبَارَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ وَمَا صَارَتْ إلَيْهِ عَاقِبَتُهُمْ وَأَبْقَى آثَارَهُمْ وَدِيَارَهُمْ عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَوْعِظَةً.
وَكَذَلِكَ مَسَخَ مَنْ مَسَخَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ لِمُخَالَفَتِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَكَذَلِكَ مَنْ خَسَفَ بِهِ؛ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ مِنْ السَّمَاءِ وَأَغْرَقَهُ فِي الْيَمِّ؛ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّيْحَةَ وَأَخَذَهُ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا جَاءُوا بِهِ وَاِتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ.
وَهَذِهِ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ فِيمَنْ خَالَفَ رُسُلَهُ وَأَعْرَضَ عَمَّا جَاؤُوا بِهِ
وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ؛ وَلِهَذَا أَبْقَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ آثَارَ الْمُكَذِّبِينَ لِنَعْتَبِرَ بِهَا وَنَتَّعِظَ؛ لِئَلَّا نَفْعَلَ كَمَا فَعَلُوا فَيُصِيبُنَا مَا أَصَابَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: تَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ نَهَارًا بِالصَّبَاحِ وَبِاللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي: مَدَائِنَهُمْ بِطْرِيقٍ مُقِيمٍ يَرَاهَا الْمَارُّ بِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَاب الْعَزِيزِ: يُخْبِرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ إهْلَاكِ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ وَنَجَاةِ أَتْبَاعِ الْمُرْسَلِينَ؛ وَلِهَذَا يَذْكُرُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ قِصَّةَ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ وَيَذْكُرُ لِكُلِّ نَبِيٍّ إهْلَاكَهُ لِمُكَذِّبِيهِمْ وَالنَّجَاةَ لَهُمْ وَلِأَتْبَاعِهِمْ ثُمَّ يَخْتِمُ الْقِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَخَتَمَ الْقِصَّةَ بِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَقْتَضِيهَا تِلْكَ الصِّفَةُ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَانْتَقَمَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِعِزَّتِهِ وَأَنْجَى رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ بِرَحْمَتِهِ.