مجموع الفتاوىصفحات 272-311

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 272-311
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

عَنْهُ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى الدُّورِ الْبَاطِلِ فَإِنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ عَلَى صُورَةٍ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهَا مُرَادَةٌ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مُرَادَةٌ حَتَّى يَجْتَمِعُوا فَصَارَ الِاسْتِدْلَالُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَالْإِجْمَاعُ مَوْقُوفًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ قَبْلَهُ إذَا كَانَ الْحَدِيثُ هُوَ مُسْتَنَدُهُمْ فَيَكُونُ الشَّيْءُ مَوْقُوفًا عَلَى نَفْسِهِ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا تَغْلِيظٌ لِلْفِعْلِ أَفَادَنَا تَحْرِيمَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.
الرَّابِعُ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْتَجَّ بِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ فَإِذًا الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهَا؛ بَلْ وَلَا يُجَوِّزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا مَنْ يَسْمَعُهَا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا سَمِعَ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَوَجَدَ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ قَدْ عَمِلُوا بِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُعَارِضٌ: أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ حَتَّى يَبْحَثَ عَنْهُ هَلْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مَنْ يُخَالِفُهُ؟ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ فِي مَسْأَلَةٍ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ وَإِذًا يَبْطُلُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُجَرَّدِ خِلَافِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْوَاحِدِ مُبْطِلًا لِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَافَقَتُهُ مُحَقِّقَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَدْ أَخْطَأَ صَارَ خَطَؤُهُ

مُبْطِلًا لِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ قِيلَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْإِجْمَاعِ: صَارَتْ دَلَالَةُ النُّصُوصِ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجْمَاعِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى لِلنُّصُوصِ دَلَالَةٌ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إنَّمَا هُوَ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ عَدِيمُ التَّأْثِيرِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَجُّ بِهِ إذْ لَا يُعْلَمُ وُجُودُ الْخِلَافِ فَيَكُونُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ مُبْطِلًا لِدَلَالَةِ النَّصِّ وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَبُطْلَانُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
(الْخَامِسُ: أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِي شُمُولِ الْخِطَابِ اعْتِقَادُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ يُكْتَفَى بِاعْتِقَادِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ - حَتَّى النَّاشِئِينَ بِالْبَوَادِي الْبَعِيدَةِ وَالدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ - قَدْ اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ بَلْ وَلَا عَاقِلٌ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَذَا الشَّرْطِ مُتَعَذَّرٌ.
وَإِنْ قِيلَ: يُكْتَفَى بِاعْتِقَادِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ قِيلَ لَهُ: إنَّمَا اشْتَرَطْت إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَشْمَلَ الْوَعِيدُ لِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ دَلِيلَ التَّحْرِيمِ مِنْ الْعَامَّةِ فَإِنَّ

مَحْذُورَ شُمُولِ اللَّعْنَةِ لِهَذَا كَمَحْذُورِ شُمُولِ اللَّعْنَةِ لِهَذَا وَلَا يُنَجِّي مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَّةِ وَفُضَلَاءِ الصِّدِّيقِينَ وَهَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ افْتِرَاقَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَمْنَعُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَمَا غَفَرَ لِلْمُجْتَهِدِ إذَا أَخْطَأَ غَفَرَ لِلْجَاهِلِ إذَا أَخْطَأَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمُ بَلْ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْعَامَّةِ مُحَرَّمًا لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِهِ؛ أَقَلُّ بِكَثِيرِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ إحْلَالِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لِمَا قَدْ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِهِ.
وَلِهَذَا قِيلَ: احْذَرُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ فَإِنَّهُ إذَا زَلَّ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنْ الْأَتْبَاعِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْفُوًّا عَنْهُ مَعَ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ فِعْلِهِ: فَلِأَنْ يُعْفَى عَنْ الْآخَرِ مَعَ خِفَّةِ مَفْسَدَةِ فِعْلِهِ أَوْلَى.
نَعَمْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ هَذَا اجْتَهَدَ فَقَالَ بِاجْتِهَادِ وَلَهُ مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ وَإِحْيَاءِ السُّنَّةِ مَا تَنْغَمِرُ فِيهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَأَثَابَ الْمُجْتَهِدَ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَأَثَابَ الْعَالِمَ عَلَى عِلْمِهِ ثَوَابًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ ذَلِكَ الْجَاهِلُ فَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الْعَفْوِ مُفْتَرِقَانِ فِي الثَّوَابِ وَوُقُوعُ الْعُقُوبَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ مُمْتَنِعٌ جَلِيلًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ هَذَا الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْحَدِيثِ بِطَرِيقِ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ.

السَّادِسُ أَنَّ مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ مَا هُوَ نَصٌّ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ مِثْلَ لَعْنَةِ الْمُحَلَّلِ لَهُ فَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ هَذَا لَا يَأْثَمُ بِحَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِحَالِ حَتَّى يُقَالَ: لُعِنَ لِاعْتِقَادِهِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالتَّحْلِيلِ.
فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَإِنْ بَطَلَ الشَّرْطُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِلثَّانِي: جُرِّدَ الثَّانِي عَنْ الْإِثْمِ بَلْ وَكَذَلِكَ الْمُحَلِّلُ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَلْعُونًا عَلَى التَّحْلِيلِ أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ الْمَقْرُونِ بِالْعَقْدِ فَقَطْ أَوْ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّالِثَ حَصَلَ الْغَرَضُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهَذَا الِاعْتِقَادُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلَّعْنَةِ سَوَاءٌ حَصَلَ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ سَبَبَ اللَّعْنَةِ؛ وَسَبَبُ اللَّعْنَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَهَذَا بَاطِلٌ.
ثُمَّ هَذَا الْمُعْتَقِدُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ إنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا لَعْنَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فَمُحَالٌ أَنْ يَعْتَقِدَ الْوُجُوبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاغِمًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونَ كَافِرًا فَيَعُودُ مَعْنَى الْحَدِيثِ إلَى لَعْنَةِ الْكُفَّارِ وَالْكُفْرُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِإِنْكَارِ هَذَا الْحُكْمِ الْجُزْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي حُكْمِهِ بِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ.
ثُمَّ هَذَا كَلَامٌ عَامٌّ عُمُومًا لَفْظِيًّا وَمَعْنَوِيًّا وَهُوَ عُمُومٌ مُبْتَدَأٌ وَمِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الصُّوَرِ النَّادِرَةِ؛ إذْ الْكَلَامُ يَعُودُ لُكْنَةً

وَعَيًّا كَتَأْوِيلِ مَنْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا﴾ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ.
وَبَيَانُ نُدُورِهِ: أَنَّ الْمُسْلِمَ الْجَاهِلَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُسْلِمَ الْعَالِمَ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لَا يَشْتَرِطُهُ مُعْتَقِدًا وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَالْكَافِرُ لَا يَنْكِحُ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا وَصُدُورُ هَذَا النِّكَاحِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنْدَرِ النَّادِرِ وَلَوْ قِيلَ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَكَادُ تَخْطُرُ بِبَالِ الْمُتَكَلِّمِ لَكَانَ الْقَائِلُ صَادِقًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلَائِلَ الْكَثِيرَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قُصِدَ بِهِ الْمُحَلِّلُ الْقَاصِدُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَكَذَلِكَ الْوَعِيدُ الْخَاصُّ مِنْ اللَّعْنَةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا فِي مَوَاضِعَ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِيهَا مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ﴾ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَزِيَارَةُ النِّسَاءِ رَخَّصَ فِيهَا بَعْضُهُمْ وَكَرِهَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا.
وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يَأْتُونَ النِّسَاءَ فِي مُحَاشِهِنَّ﴾ وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ﴾ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَفِيهِمْ مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ وَقَدْ لَعَنَ بَائِعَ الْخَمْرِ وَقَدْ بَاعَهَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ جَرَّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَقَالَ: ﴿ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ﴾ مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الْجَرَّ وَالْإِسْبَالَ لِلْخُيَلَاءِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ والمستوصلة﴾ وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ.
وَفِي وَصْلِ الشَّعْرِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ . وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ.
(السَّابِعُ: أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْعُمُومِ قَائِمٌ؛ وَالْمُعَارِضَ الْمَذْكُورَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يُقَالَ: حَمْلُهُ عَلَى صُوَرِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ بَعْضِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ فِيهِ فَيُقَالُ: إذَا كَانَ التَّخْصِيصُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَتَكْثِيرُهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ

مَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِجَهْلِ أَوْ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ.
مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ شَامِلٌ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِينَ كَمَا هُوَ شَامِلٌ لِصُوَرِ الْوِفَاقِ فَإِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ أَقَلُّ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى.
الثَّامِنُ: أَنَّا إذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى هَذَا كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ ذِكْرَ سَبَبِ اللَّعْنِ وَيَبْقَى الْمُسْتَثْنَى قَدْ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ لِمَانِعِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ وُعِدَ وَأُوعِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ تَخَلُّفِ الْوَعْدِ أَوْ الْوَعِيدِ فِي حَقِّهِ لِمُعَارِضِ فَيَكُونُ الْكَلَامُ جَارِيًا عَلَى مِنْهَاجِ الصَّوَابِ.
أَمَّا إذَا جَعَلْنَا اللَّعْنَ عَلَى فِعْلِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ سَبَبِ اللَّعْنِ هُوَ اعْتِقَادُ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ: كَانَ سَبَبُ اللَّعْنِ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْعُمُومَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّخْصِيصِ أَيْضًا فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ التَّخْصِيصِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْتِزَامُهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ وَجْهِ الْكَلَامِ وَخُلُوِّهِ عَنْ الْإِضْمَارِ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الْمُوجِبَ لِهَذَا إنَّمَا هُوَ نَفْيُ تَنَاوُلِ اللَّعْنَةِ لِلْمَعْذُورِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ إنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ سَبَبٌ لِتِلْكَ اللَّعْنَةِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذَا الْفِعْلُ سَبَبُ اللَّعْنِ فَلَوْ قِيلَ: هَذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَحَقُّقُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ كُلِّ شَخْصٍ؛ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ قِيَامُ السَّبَبِ إذَا لَمْ يَتْبَعْهُ الْحُكْمُ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ وَقَدْ قَرَّرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ

الذَّمَّ لَا يَلْحَقُ الْمُجْتَهِدَ حَتَّى إنَّا نَقُولُ: إنَّ مُحَلِّلَ الْحَرَامِ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ فَاعِلِهِ وَمَعَ هَذَا فَالْمَعْذُورُ مَعْذُورٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ الْمُعَاقَبُ فَإِنَّ فَاعِلَ هَذَا الْحَرَامِ إمَّا مُجْتَهِدٌ أَوْ مُقَلِّدٌ لَهُ وَكِلَاهُمَا خَارِجٌ عَنْ الْعُقُوبَةِ؟ . قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُقْتَضٍ لِلْعُقُوبَةِ سَوَاءٌ وُجِدَ مَنْ يَفْعَلُهُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ لَا فَاعِلٌ إلَّا وَقَدْ انْتَفَى فِيهِ شَرْطُ الْعُقُوبَةِ؛ أَوْ قَدْ قَامَ بِهِ مَا يَمْنَعُهَا: لَمْ يَقْدَحْ هَذَا فِي كَوْنِهِ مُحَرَّمًا بَلْ نَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِيَجْتَنِبَهُ مَنْ يَتَبَيَّنُ لَهُ التَّحْرِيمُ وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِمَنْ فَعَلَهُ قِيَامُ عُذْرٍ لَهُ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّغَائِرَ مُحَرَّمَةٌ وَإِنْ كَانَتْ تَقَعُ مُكَفِّرَةً بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَرَامٌ - وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعْذَرُ مَنْ يَفْعَلُهَا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا - فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَعْتَقِدَ تَحْرِيمَهَا.
الثَّانِي: أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ سَبَبٌ لِزَوَالِ الشُّبْهَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ لُحُوقِ الْعِقَابِ؛ فَإِنَّ الْعُذْرَ الْحَاصِلَ بِالِاعْتِقَادِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بَقَاءَهُ بَلْ الْمَطْلُوبُ زَوَالُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَوْلَا هَذَا لَمَا وَجَبَ بَيَانُ الْعِلْمِ وَلَكَانَ تَرْكُ

النَّاسِ عَلَى جَهْلِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ وَلَكَانَ تَرْكُ دَلَائِلِ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَبِهَةِ خَيْرًا مِنْ بَيَانِهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ وَالْوَعِيدِ سَبَبٌ لِثَبَاتِ الْمُجْتَنِبِ عَلَى اجْتِنَابِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَانْتَشَرَ الْعَمَلُ بِهَا.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ لَا يَكُونُ عُذْرًا إلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ إزَالَتِهِ وَإِلَّا فَمَتَى أَمْكَنَ الْإِنْسَانُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ فَقَصَّرَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ اجْتِهَادًا يُبِيحُهُ؛ وَلَا مُقَلِّدًا تَقْلِيدًا يُبِيحُهُ فَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ قَامَ فِيهِ سَبَبُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَانِعِ الْخَاصِّ فَيَتَعَرَّضُ لِلْوَعِيدِ وَيَلْحَقُهُ؛ إلَّا أَنْ يَقُومَ فِيهِ مَانِعٌ آخَرُ مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ هَذَا مُضْطَرِبٌ؛ قَدْ يَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَوْ تَقْلِيدَهُ مُبِيحٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَيَكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ تَارَةً وَمُخْطِئًا أُخْرَى لَكِنْ مَتَى تَحَرَّى الْحَقَّ وَلَمْ يَصُدَّهُ عَنْهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
(الْعَاشِرُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ إبْقَاءُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِهَا مُسْتَلْزِمًا لِدُخُولِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ تَحْتَ الْوَعِيدِ؛ وَإِذَا كَانَ لَازِمًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ بَقِيَ الْحَدِيثُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.

بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرَّحُوا بِأَنَّ فَاعِلَ الصُّورَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَلْعُونٌ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ تَزَوَّجَهَا لِيَحِلَّهَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَلَا زَوْجُهَا فَقَالَ: هَذَا سِفَاحٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحِ ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَرَادَ الْإِحْلَالَ فَهُوَ مُحَلِّلٌ وَهُوَ مَلْعُونٌ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَغَيْرِهِمَا.
فَإِنْ كَانَتْ اللَّعْنَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَحَلَّ الْوِفَاقِ: فَيَكُونُ هَؤُلَاءِ قَدْ لَعَنُوا مَنْ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ فَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ مِثْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ﴾ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ؛ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿إنَّ الطَّعَّانِينَ وَاللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ﴾ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ﴿لَا يَنْبَغِي لِصَدِيقِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا﴾ رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: ﴿مَا مِنْ رَجُلٍ يَلْعَنُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلِ إلَّا حَارَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ﴾ . فَهَذَا الْوَعِيدُ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي اللَّعْنِ - حَتَّى قِيلَ: إنَّ مَنْ لَعَنَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ كَانَ هُوَ الْمَلْعُونَ وَإِنَّ هَذَا اللَّعْنَ فُسُوقٌ؛ وَأَنَّهُ مُخْرِجٌ عَنْ الصديقية وَالشَّفَاعَةِ وَالشَّهَادَةِ - يَتَنَاوَلُ مَنْ لَعَنَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ دَاخِلًا فِي النَّصِّ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا فَيَكُونُ لَاعِنُهُ مُسْتَوْجِبًا لِهَذَا الْوَعِيدِ فَيَكُونُ أُولَئِكَ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِينَ رَأَوْا دُخُولَ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَوْجِبِينَ لِهَذَا الْوَعِيدِ فَإِذَا كَانَ الْمَحْذُورُ ثَابِتًا عَلَى تَقْدِيرِ إخْرَاجِ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَتَقْدِيرِ بَقَائِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْذُورِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ الْمَحْذُورُ لَيْسَ ثَابِتًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أَلْبَتَّةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ التَّلَازُمُ؛ وَعُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ مُسْتَلْزِمٌ لِدُخُولِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَدَمِ: فَالثَّابِتُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا وُجُودُ الْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ وَهُوَ دُخُولُهُمْ جَمِيعًا أَوْ عَدَمُ اللَّازِمِ وَالْمَلْزُومِ وَهُوَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمَلْزُومُ وُجِدَ اللَّازِمُ؛ وَإِذَا عُدِمَ اللَّازِمُ عُدِمَ الْمَلْزُومُ.
وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي إبْطَالِ السُّؤَالِ؛ لَكِنَّ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْوَاقِعَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ وَذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ الْوَعِيدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعُذْرِ فِي الْفِعْلِ وَأَمَّا الْمَعْذُورُ عُذْرًا شَرْعِيًّا فَلَا

يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ بِحَالِ وَالْمُجْتَهِدُ مَعْذُورٌ بَلْ مَأْجُورٌ فَيَنْتَفِي شَرْطُ الدُّخُولِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا يُعْذَرُ فِيهِ وَهَذَا إلْزَامٌ مُفْحِمٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ إلَّا إلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: أَنَا أُسَلِّمُ أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ مَنْ يَعْتَقِدُ دُخُولَ مَوْرِدِ الْخِلَافِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَيُوعَدُ عَلَى مَوْرِدِ الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ فَيَلْعَنُ مَثَلًا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَكِنْ هُوَ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ خَطَأً يُعْذَرُ فِيهِ وَيُؤْجَرُ فَلَا يَدْخُلُ فِي وَعِيدٍ مَنْ لَعَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَعِيدَ هُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى لَعْنٍ مُحَرَّمٍ بِالِاتِّفَاقِ فَمَنْ لَعَنَ لَعْنًا مُحَرَّمًا بِالِاتِّفَاقِ تَعَرَّضَ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ عَلَى اللَّعْنِ وَإِذَا كَانَ اللَّعْنُ مِنْ مَوَارِدِ الِاخْتِلَافِ لَمْ يَدْخُلْ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ كَمَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُخْتَلَفَ فِي حِلِّهِ وَلَعْنِ فَاعِلِهِ لَا يَدْخُلُ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ فَكَمَا أَخْرَجْت مَحَلَّ الْخِلَافِ مِنْ الْوَعِيدِ الْأَوَّلِ أُخْرِجُ مَحَلَّ الْخِلَافِ مِنْ الْوَعِيدِ الثَّانِي.
وَأَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ لَمْ تَشْمَلْ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَا فِي جَوَازِ الْفِعْلِ وَلَا فِي جَوَازِ لَعْنَةِ فَاعِلِهِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ جَوَازَ الْفِعْلِ أَوْ عَدَمَ جَوَازِهِ فَإِنِّي عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا أُجَوِّزُ لَعْنَةَ فَاعِلِهِ وَلَا أُجَوِّزُ لَعْنَةَ مَنْ لَعَنَ فَاعِلَهُ وَلَا أَعْتَقِدُ الْفَاعِلَ وَلَا اللَّاعِنَ دَاخِلًا فِي حَدِيثِ وَعِيدٍ وَلَا أُغَلِّظُ عَلَى اللَّاعِنِ إغْلَاظَ مَنْ يَرَاهُ مُتَعَرِّضًا لِلْوَعِيدِ بَلْ

لَعْنُهُ لِمَنْ فَعَلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عِنْدِي مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَا أَعْتَقِدُ خَطَأَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَدْ أَعْتَقِدُ خَطَأَ الْمُبِيحِ فَإِنَّ الْمَقَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ.
وَالثَّانِي: الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ وَلُحُوقِ الْوَعِيدِ.
وَالثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ الْخَالِي مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
وَأَنَا قَدْ أَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ: لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ وَعَلَى تَحْرِيمِ لَعْنَةِ فَاعِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَعَ اعْتِقَادِي أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي تَوَعُّدِ الْفَاعِلِ وَتَوَعُّدِ اللَّاعِنِ لَمْ يَشْمَلْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ.
فَيُقَالُ لِلسَّائِلِ: إنْ جَوَّزْت أَنْ تَكُونَ لَعْنَةُ هَذَا الْفَاعِلِ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ جَازَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِالظَّاهِرِ الْمَنْصُوصِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا أَمَانَ مِنْ إرَادَةِ مَحَلِّ الْخِلَافِ مِنْ حَدِيثِ الْوَعِيدِ وَالْمُقْتَضِي لِإِرَادَتِهِ قَائِمٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ وَإِنْ لَمْ تُجَوِّزْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ كَانَ لَعْنُهُ مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَعَنَ مُجْتَهِدًا لَعْنًا مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا كَانَ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ الْوَارِدِ لِلَّاعِنِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا كَمَنْ لَعَنَ بَعْضَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَثَبَتَ أَنَّ الدَّوْرَ لَازِمٌ سَوَاءٌ قَطَعْت بِتَحْرِيمِ لَعْنَةِ فَاعِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْ سَوَّغْت الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الَّذِي ذَكَرْته لَا يَدْفَعُ الِاسْتِدْلَالَ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَهَذَا بَيِّنٌ.

وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: لَيْسَ مَقْصُودُنَا بِهَذَا الْوَجْهِ تَحْقِيقَ تَنَاوُلِ الْوَعِيدِ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْقِيقُ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الْوَعِيدِ عَلَى مَحَلِّ الْخِلَافِ وَالْحَدِيثُ أَفَادَ حُكْمَيْنِ: التَّحْرِيمَ وَالْوَعِيدَ وَمَا ذَكَرْته إنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِنَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْوَعِيدِ فَقَطْ وَالْمَقْصُودُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيَانُ دَلَالَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ فَإِذَا الْتَزَمْت أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَعِّدَةَ لِلَاعِنِ لَا تَتَنَاوَلُ لَعْنًا مُخْتَلَفًا فِيهِ: لَمْ يَبْقَ فِي اللَّعْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ اللَّعْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ جَائِزًا.، أَوْ يُقَالُ: فَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ لَمْ يَجُزْ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِهِ وَالْمُقْتَضِي لِجَوَازِهِ قَائِمٌ وَهِيَ الْأَحَادِيثُ اللَّاعِنَةُ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ لَعْنَتِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَحْرِيمِ لَعْنَتِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِجَوَازِ لَعْنَتِهِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
وَهَذَا يُبْطِلُ السُّؤَالَ: فَقَدْ دَارَ الْأَمْرُ عَلَى السَّائِلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الدَّوْرُ الْآخَرُ لِأَنَّ عَامَّةَ النُّصُوصِ الْمُحَرِّمَةِ لِلَّعْنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعِيدِ فَإِنْ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَالُ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ عَلَى مَحَلِّ الْخِلَافِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى لَعْنٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَسْتَدِلُّ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ اللَّعْنَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
قِيلَ لَهُ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ لَعْنَةِ مُعَيَّنٍ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ

أَمَّا لَعْنَةُ الْمَوْصُوفِ فَقَدْ عَرَفْت الْخِلَافَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَعْنَةَ الْمَوْصُوفِ لَا تَسْتَلْزِمُ إصَابَةَ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَارْتَفَعَتْ الْمَوَانِعُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ حَمْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَحَلِّ الْوِفَاقِ تَرِدُ هُنَا وَهِيَ تُبْطِلُ هَذَا السُّؤَالَ هُنَا كَمَا أَبْطَلَتْ أَصْلَ السُّؤَالِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ جَعْلِ الدَّلِيلِ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلٍ آخَرَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا مَعَ التَّطْوِيلِ إنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ الْمَحْذُورَ الَّذِي ظَنُّوهُ هُوَ لَازِمٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يَكُونُ مَحْذُورًا فَيَكُونُ دَلِيلٌ وَاحِدٌ قَدْ دَلَّ عَلَى إرَادَةِ مَحَلِّ الْخِلَافِ مِنْ النُّصُوصِ؛ وَعَلَى أَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرِ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَلَى مَطْلُوبِ مُقَدِّمَةٍ فِي دَلِيلِ مَطْلُوبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبَانِ مُتَلَازِمَيْنِ.
(الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ فِيمَا اقْتَضَتْهُ مِنْ التَّحْرِيمِ فَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي الْعَمَلِ بِآحَادِهَا فِي الْوَعِيدِ خَاصَّةً فَأَمَّا فِي التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ مُعْتَدٌّ مُحْتَسَبٌ وَمَا زَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فِي خِطَابِهِمْ وَكِتَابِهِمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا فِي مَوَارِدِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ بَلْ إذَا كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي اقْتِضَاءِ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا تَعْرِفُهُ

الْقُلُوبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا التَّنْبِيهُ عَلَى رُجْحَانِ قَوْلِ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا فِي الْحُكْمِ وَاعْتِقَادِ الْوَعِيدِ وَأَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُقْبَلُ سُؤَالٌ يُخَالِفُ الْجَمَاعَةَ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَالْقَوْلَ بِمُوجِبِهَا وَاجِبٌ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيَّنَ شَخْصٌ مِنْ الْأَشْخَاصِ فَيُقَالَ: هَذَا مَلْعُونٌ وَمَغْضُوبٌ عَلَيْهِ أَوْ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّارِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ لِذَلِكَ الشَّخْصِ فَضَائِلُ وَحَسَنَاتٌ؛ فَإِنَّ مَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ مَعَ إمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ صِدِّيقًا أَوْ شَهِيدًا أَوْ صَالِحًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُوجَبَ الذَّنْبِ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِتَوْبَةِ أَوْ اسْتِغْفَارٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْ لِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِمُوجَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ.
أَوْ قُلْنَا بِمُوجَبِ قَوْلِهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَعَنَ اللَّهُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ أَوْ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ﴾ أَوْ ﴿لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ﴾ أَوْ ﴿لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ﴾ أَوْ ﴿لَعَنَ اللَّهُ لَاوِيَ الصَّدَقَةِ وَالْمُعْتَدِيَ فِيهَا﴾ أَوْ ﴿مَنْ أَحْدَثَ فِي الْمَدِينَةِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أَوْ ﴿مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَوْ ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ﴾ وَ ﴿مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا﴾ أَوْ ﴿مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ﴾ أَوْ ﴿مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ﴾ أَوْ ﴿مَنْ اسْتَحَلَّ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِ كَاذِبَةٍ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أَوْ ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ﴾ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ.
لَمْ يَجُزْ أَنْ نُعَيِّنَ شَخْصًا مِمَّنْ فَعَلَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَنَقُولَ: هَذَا الْمُعَيَّنُ قَدْ أَصَابَهُ هَذَا الْوَعِيدُ؛ لِإِمْكَانِ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُسْقِطَاتِ الْعُقُوبَةِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَقُولَ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ لَعْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَعْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَعْنَ الصِّدِّيقِينَ أَوْ الصَّالِحِينَ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: الصِّدِّيقُ وَالصَّالِحُ متى صَدَرَتْ مِنْهُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُ لُحُوقَ الْوَعِيدِ بِهِ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ فَفِعْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ مِمَّنْ يَحْسِبُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ بِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ امْتَنَعَ لُحُوقُ الْوَعِيدِ بِهِمْ لِمَانِعِ كَمَا امْتَنَعَ لُحُوقُ الْوَعِيدِ بِهِ لِتَوْبَةِ

أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السَّبِيلَ هِيَ الَّتِي يَجِبُ سُلُوكُهَا؛ فَإِنَّ مَا سِوَاهَا طَرِيقَانِ خَبِيثَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ بِلُحُوقِ الْوَعِيد لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ بِعَيْنِهِ وَدَعْوَى أَنَّ هَذَا عَمَلٌ بِمُوجَبِ النُّصُوصِ، وَهَذَا أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَفَسَادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ وَأَدِلَّتُهُ مَعْلُومَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الثَّانِي: تَرْكُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنًّا أَنَّ الْقَوْلَ بِمُوجَبِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِلطَّعْنِ فِيمَا خَالَفَهَا.
وَهَذَا التَّرْكُ يَجُرُّ إلَى الضَّلَالِ وَاللُّحُوقِ بِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمْ يَعْبُدُوهُمْ وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُمْ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الْحَلَالَ فَاتَّبَعُوهُمْ﴾ وَيُفْضِي إلَى طَاعَةِ الْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَيُفْضِي إلَى قُبْحِ الْعَاقِبَةِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ الْمَفْهُومِ مِنْ فَحْوَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .

ثُمَّ إنَّ الْعُلَمَاءَ يَخْتَلِفُونَ كَثِيرًا؛ فَإِنْ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ فِيهِ تَغْلِيظٌ خَالَفَهُ مُخَالِفٌ تُرِكَ الْقَوْلُ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْلِيظِ أَوْ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ مُطْلَقًا لَزِمَ مِنْ هَذَا مِنْ الْمَحْذُورِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ: مِنْ الْكُفْرِ وَالْمُرُوقِ مِنْ الدِّينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْذُورُ مِنْ هَذَا أَعْظَمَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ دُونَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ نُؤْمِنَ بِالْكِتَابِ وَنَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا جَمِيعِهِ وَلَا نُؤْمِنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَنَكْفُرَ بِبَعْضِ وَتَلِينَ قُلُوبُنَا لِاتِّبَاعِ بَعْضِ السُّنَّةِ وَتَنْفِرَ عَنْ قَبُولِ بَعْضِهَا بِحَسَبِ الْعَادَاتِ وَالْأَهْوَاءِ فَإِنَّ هَذَا خُرُوجٌ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إلَى صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ.
وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ الْمُنْتَخَبِينَ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

وَسُئِلَ: عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَشَايِخِ وَالْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ عَلَى بَعْضٍ؛ مِثْلَ مَنْ يُرَجِّحُ إمَامَهُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ أَوْ يُرَجِّحُ شَيْخَهُ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ كَمَنْ يُرَجِّحُ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ أَوْ الشَّيْخَ أَبَا مَدْيَنَ؛ أَوْ أَحْمَد أَوْ غَيْرَهُمْ: فَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَرَاتِبِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ وَلَا يَقْصِدُونَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ تَهْوَى نَفْسُهُ أَنْ يُرَجِّحَ مَتْبُوعَهُ فَيُرَجِّحَهُ بِظَنِّ يَظُنُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى تَحَاجِّهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ

أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُرْقَةِ.
فَمَا دَخَلَ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ التَّعَصُّبِ وَالتَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ وَالتَّكَلُّمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ: فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا مَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فَضْلُ إمَامٍ عَلَى إمَامٍ أَوْ شَيْخٍ عَلَى شَيْخٍ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ كَمَا تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ أَوْ تَرْكُهُ؟ أَوْ إفْرَادُ الْإِقَامَةِ أَوْ تَثْنِيَتُهَا؟ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ بِغَلَسِ أَوْ الْإِسْفَارُ بِهَا؟ وَالْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ أَوْ تَرْكُهُ؟ وَالْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ؛ أَوْ الْمُخَافَتَةُ بِهَا؛ أَوْ تَرْكُ قِرَاءَتِهَا؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذِهِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فَكُلٌّ مِنْهُمْ أَقَرَّ الْآخَرَ عَلَى اجْتِهَادِهِ مَنْ كَانَ فِيهَا أَصَابَ الْحَقَّ فَلَهُ أَجْرَانِ وَمَنْ كَانَ قَدْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ وَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ أَحْمَد

لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَلَا أَحَدَ فِي الْإِسْلَامِ يُجِيبُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ بِجَوَابِ عَامٍّ: أَنَّ فُلَانًا أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ فَيُقْبَلُ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُرَجِّحُ مَتْبُوعَهَا فَلَا تَقْبَلُ جَوَابَ مَنْ يُجِيبُ بِمَا يُخَالِفُهَا فِيهِ كَمَا أَنَّ مَنْ يُرَجِّحُ قَوْلًا أَوْ عَمَلًا لَا يَقْبَلُ قَوْلَ مَنْ يُفْتِي بِخِلَافِ ذَلِكَ لَكِنْ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مُقَلِّدًا فَلْيَكُنْ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا اجْتَهَدَ وَاتَّبَعَ مَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَّبِعَ هَوَاهُ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ وَمَا مِنْ إمَامٍ إلَّا لَهُ مَسَائِلُ يَتَرَجَّحُ فِيهَا قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ وَلَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفَاضُلَ إلَّا مَنْ خَاضَ فِي تَفَاصِيلِ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ " صِحَّةِ أُصُولِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " وَمَنْزِلَةِ مَالِكٍ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ مَذْهَبُهُمْ فِي الْإِمَامَةِ وَالدِّيَانَةِ؛ وَضَبْطِهِ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الثِّقَةِ وَالْخِبْرَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْصَارِ؟ فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ - دَارِ السُّنَّةِ وَدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ النُّصْرَةِ إذْ فِيهَا سَنَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ وَإِلَيْهَا هَاجَرَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِهَا كَانَ الْأَنْصَارُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ - مَذْهَبُهُمْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَصَحُّ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ الْإِسْلَامِيَّةِ شَرْقًا وَغَرْبًا؛ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
وَهَذِهِ الْأَعْصَارُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَعْصَارُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ؛ الَّتِي

قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ: ﴿خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ﴾ فَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الشَّكُّ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ بَعْدَ قَرْنِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِهَا بِالْجَزْمِ بِإِثْبَاتِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ بَعْدَ قَرْنِهِ فَتَكُونُ أَرْبَعَةً.
وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ البستي وَنَحْوُهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي طَبَقَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ.
أَمَّا أَحَادِيثُ الثَّلَاثَةِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونَنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ﴿سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ؛ ثُمَّ الثَّانِي؛ ثُمَّ الثَّالِثُ﴾ . وَأَمَّا الشَّكُّ فِي الرَّابِعِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا: ثُمَّ

يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ؛ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ؛ وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ.
وَفِي لَفْظٍ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا؟ - ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السمانة يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا﴾ . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: " يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا " قَدْ فَهِمَ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا الْمَشْهُودُ لَهُ وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَالِمًا؛ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ: الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا﴾ وَحَمَلُوا الثَّانِيَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الْمَشْهُودُ لَهُ فَيَعْرِفَهُ بِهَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الذَّمَّ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِمَنْ يَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ ثُمَّ يَفْشُو فِيهِمْ الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ؛ وَلِهَذَا قَرَنَ ذَلِكَ بِالْخِيَانَةِ وَبِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ آيَةُ الْمُنَافِقِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْهُ

صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ: وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ﴾ فَذَمَّهُمْ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَفْشُو فِيهِمْ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يُسَارِعُونَ إلَى الْكَذِبِ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ شَرٌّ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ حَتَّى يُسْأَلَ أَنْ يَكْذِبَ.
وَأَمَّا مَا فِيهِ ذِكْرُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ فَمِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ أَصْحَابِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيُفْتَحُ لَهُمْ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ﴾ وَلِذَلِكَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَقَالَ فِيهَا كُلِّهَا: صَحِبَ وَلَمْ يَقُلْ رَأَى.

وَلِمُسْلِمِ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ فِيهِمْ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ فَيَقُولُونَ: اُنْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ فَيُقَالُ: اُنْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيكُمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ﴾ . وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى أَنَّ صَاحِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مَنْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ وَإِنْ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ؛ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُ مِنْ الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الصُّحْبَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ يُقَالُ: صَحِبَهُ شَهْرًا؛ وَسَاعَةً.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ الصُّحْبَةِ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا.
وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِي لِمُسْلِمِ ذَكَرَ أَرْبَعَةَ قُرُونٍ وَمَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ

الزِّيَادَةَ قَالَ: هَذِهِ مِنْ ثِقَةٍ.
وَتَرْكُ ذِكْرِهَا فِي بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ لَا يَنْفِي وُجُودَهَا كَمَا أَنَّهُ لَمَّا شَكَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَذَكَرَ الثَّالِثَ؟ لَمْ يَقْدَحْ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا الْقَرْنُ الثَّالِثُ.
وَمَنْ أَنْكَرَهَا قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الصَّحِيحِ: أَخْبَرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ؛ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ فَيَكُونُ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ ذُكِرَ بِذَمِّ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الْكَذِبُ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ.
وَمَعَ هَذَا فَيَكُونُ فِيهِ مَنْ يُفْتَحُ بِهِ لِاتِّصَالِ الرُّؤْيَةِ.
وَفِي الْقُرُونِ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَسَّوْنَ بِأَثَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَكَانَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ دُونَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَاتِّبَاعِهَا حَتَّى أَنَّهُمْ لَا يَفْتَقِرُونَ إلَى نَوْعٍ مِنْ سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ وَأَنَّ افْتِقَارَ الْعُلَمَاءِ وَمَقَاصِدِ الْعِبَادِ أَكْثَرُ مِنْ افْتِقَارِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ حَيْثُ كَانُوا أَغْنَى مِنْ غَيْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إلَى الْعِلْمِ بِهَا وَاتِّبَاعِهَا كُلُّ أَحَدٍ.
وَلِهَذَا لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ مَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا غَيْرُ الْمَدِينَةِ لَا فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ وَلَا فِيمَا

بَعْدَهَا لَا إجْمَاعَ أَهْلِ مَكَّةَ؛ وَلَا الشَّامِ؛ وَلَا الْعِرَاقِ؛ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ حَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَقَدْ غَلِطَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِهَا وَاشْتُهِرَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِهَا حُجَّةٌ وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ يُنَازِعُونَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي إجْمَاعِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ الْمُفَضَّلَةِ وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِهَا لَيْسَ بِحُجَّةِ إذْ كَانَ حِينَئِذٍ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَا سِيَّمَا مِنْ حِينِ ظَهَرَ فِيهَا الرَّفْضُ فَإِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِمَذْهَبِهِمْ الْقَدِيمِ مُنْتَسِبِينَ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ إلَى أَوَائِلِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ قَدِمَ إلَيْهِمْ مِنْ رَافِضَةِ الْمَشْرِقِ مِنْ أَهْلِ قاشان وَغَيْرِهِمْ مَنْ أَفْسَدَ مَذْهَبَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ لَا سِيَّمَا الْمُنْتَسِبُونَ مِنْهُمْ إلَى الْعِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ بِكُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبَذَلَ لَهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فَكَثُرَتْ الْبِدْعَةُ فِيهَا مِنْ حِينَئِذٍ.
فَأَمَّا الْأَعْصَارُ الثَّلَاثَةُ الْمُفَضَّلَةُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِدْعَةٌ ظَاهِرَةٌ أَلْبَتَّةَ وَلَا خَرَجَ مِنْهَا بِدْعَةٌ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَلْبَتَّةَ كَمَا خَرَجَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّ الْأَمْصَارَ الْكِبَارَ الَّتِي سَكَنَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَخَرَجَ مِنْهَا الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ خَمْسَةٌ: الْحَرَمَانِ وَالْعِرَاقَانِ وَالشَّامُ؛ مِنْهَا خَرَجَ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَالْعِبَادَةُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ.
وَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ بِدَعُ أُصُولِيَّةِ غَيْرِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.
فَالْكُوفَةُ خَرَجَ مِنْهَا التَّشَيُّعُ وَالْإِرْجَاءُ وَانْتَشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا.
وَالْبَصْرَةُ خَرَجَ مِنْهَا الْقَدَرُ وَالِاعْتِزَالُ وَالنُّسُكُ الْفَاسِدُ وَانْتَشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا.
وَالشَّامُ كَانَ بِهَا النُّصُبُ وَالْقَدَرُ.
وَأَمَّا التَّجَهُّمُ فَإِنَّمَا ظَهَرَ مِنْ نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ وَهُوَ شَرُّ الْبِدَعِ.
وَكَانَ ظُهُورُ الْبِدَعِ بِحَسَبِ الْبُعْدِ عَنْ الدَّارِ النَّبَوِيَّةِ فَلَمَّا حَدَثَتْ الْفُرْقَةُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ظَهَرَتْ بِدْعَةُ الحرورية وَتَقَدَّمَ بِعُقُوبَتِهَا الشِّيعَةُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الْغَالِيَةِ حَيْثُ حَرَقَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّارِ وَالْمُفَضَّلَةُ حَيْثُ تَقَدَّمَ بِجَلْدِهِمْ ثَمَانِينَ والسبائية حَيْثُ تَوَعَّدَهُمْ وَطَلَبَ أَنْ يُعَاقَبَ ابْنُ سَبَأٍ بِالْقَتْلِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَهَرَبَ مِنْهُ.
ثُمَّ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ حَدَثَتْ الْقَدَرِيَّةُ فِي آخِرِ عَصْرِ ابْنِ عُمَرَ

وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَجَابِرٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَحَدَثَتْ الْمُرْجِئَةُ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّمَا حَدَثُوا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَنْذَرَ بِهِمْ وَكَانَ ظُهُورُ جَهْمٍ بِخُرَاسَانَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ شَيْخَهُمْ الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ قَبْلَ ذَلِكَ ضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ بَلَغَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَأَمْثَالَهُ مِنْ التَّابِعِينَ فَشَكَرُوا ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ فَكَانَتْ سَلِيمَةً مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ الْبِدَعِ وَإِنْ كَانَ بِهَا مَنْ هُوَ مُضْمِرٌ لِذَلِكَ فَكَانَ عِنْدَهُمْ مُهَانًا مَذْمُومًا؛ إذْ كَانَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَكِنْ كَانُوا مَذْمُومِينَ مَقْهُورِينَ بِخِلَافِ التَّشَيُّعِ وَالْإِرْجَاءِ بِالْكُوفَةِ وَالِاعْتِزَالِ وَبِدَعِ النُّسَّاكِ بِالْبَصْرَةِ وَالنُّصُبِ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ

الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُهَا} وَفِي الْحِكَايَةِ الْمَعْرُوفَةِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ وَهُوَ رَأْسُ الْمُعْتَزِلَةِ مَرَّ بِمَنْ كَانَ يُنَاجِي سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سُفْيَانُ فَقَالَ عَمْرُو لِذَلِكَ الرَّجُلِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَوْ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: لَوْ عَلِمْت بِذَلِكَ لَدَعَوْته إلَى رَأْيِي وَلَكِنْ ظَنَنْته مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَدَنِيِّينَ الَّذِينَ يَجِيئُونَك مِنْ فَوْقٍ وَلَمْ يَزَلْ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ بِهَا ظَاهِرًا إلَى زَمَنِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُمْ أَهْلُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ؛ حَيْثُ أَخَذَ ذَلِكَ الْقَرْنُ عَنْ مَالِكٍ وَأَهْلِ طَبَقَتِهِ كَالثَّوْرِيِّ؛ وَالْأَوْزَاعِي؛ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ؛ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ؛ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة؛ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا عَنْ طَوَائِفَ مِنْ التَّابِعِينَ وَأُولَئِكَ أَخَذُوا عَمَّنْ أَدْرَكُوا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَالْكَلَامُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ.
وَالتَّحْقِيقُ فِي " مَسْأَلَةِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَمِنْهُ مَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَمِنْهُ مَا لَا يَقُولُ بِهِ إلَّا بَعْضُهُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ.
" الْأُولَى " مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

مِثْلُ نَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ؛ وَكَتَرْكِ صَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ وَالْأَحْبَاسِ فَهَذَا مِمَّا هُوَ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
أَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَأَصْحَابُهُمَا فَهَذَا حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ بِلَا نِزَاعٍ كَمَا هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ قَاضِي الْقُضَاةِ - لَمَّا اجْتَمَعَ بِمَالِكِ وَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَأَجَابَهُ مَالِكٌ بِنَقْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَوَاتِرِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَوْلِهِ وَقَالَ: لَوْ رَأَى صَاحِبِي مِثْلَ مَا رَأَيْت لَرَجَعَ مِثْلَ مَا رَجَعْت.
فَقَدْ نَقَلَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّقْلِ حُجَّةٌ عِنْدَ صَاحِبِهِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا النَّقْلُ كَمَا لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَمْ يَبْلُغْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَثِيرٌ مِنْ الْحَدِيثِ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ عِلْمُهُ.
وَكَانَ رُجُوعُ أَبِي يُوسُفَ إلَى هَذَا النَّقْلِ كَرُجُوعِهِ إلَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ اتَّبَعَهَا هُوَ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدٌ وَتَرَكَا قَوْلَ شَيْخِهِمَا؛ لِعِلْمِهِمَا بِأَنَّ شَيْخَهُمَا كَانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَيْضًا حُجَّةٌ إنْ صَحَّتْ لَكِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ.
وَمَنْ ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ وَتَكَلَّمَ إمَّا بِظَنِّ وَإِمَّا بِهَوَى فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ التوضي بِالنَّبِيذِ فِي

السَّفَرِ مُخَالَفَةً لِلْقِيَاسِ وَبِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ؛ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي رِسَالَةِ " رَفْعِ الْمَلَامِ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ " وَبَيَّنَّا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يُخَالِفُ حَدِيثًا صَحِيحًا بِغَيْرِ عُذْرٍ بَلْ لَهُمْ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ عُذْرًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ؛ أَوْ بَلَغَهُ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَثِقْ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ دَلَالَتَهُ عَلَى الْحُكْمِ؛ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ قَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَالنَّاسِخِ؛ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّاسِخِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَالْأَعْذَارُ يَكُونُ الْعَالِمُ فِي بَعْضِهَا مُصِيبًا فَيَكُونُ لَهُ أَجْرَانِ وَيَكُونُ فِي بَعْضِهَا مُخْطِئًا بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فَيُثَابُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ؛: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ وَقَالَ: قَدْ فَعَلْت} وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي قَضِيَّةٍ وَأَنَّهُ فَهَّمَهَا أَحَدَهُمَا؛ وَلَمْ يَعِبْ الْآخَرَ؛ بَلْ أَثْنَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ آتَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا فَقَالَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ .

وَهَذِهِ الْحُكُومَةُ تَتَضَمَّنُ مَسْأَلَتَيْنِ تَنَازَعَ فِيهِمَا الْعُلَمَاءُ: مَسْأَلَةُ نَفْشِ الدَّوَابِّ فِي الْحَرْثِ بِاللَّيْلِ وَهُوَ مَضْمُونٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَجْعَلْهُ مَضْمُونًا.
وَالثَّانِي ضَمَانٌ بِالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَالْمَأْثُورُ عَنْ أَكْثَرِ السَّلَفِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالْمِثْلِ إذَا أَمْكَنَ كَمَا قَضَى بِهِ سُلَيْمَانُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَضْمَنُونَ ذَلِكَ إلَّا بِالْقِيمَةِ كَالْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ لِأَبِي يُوسُفَ - لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِإِحْضَارِ صِيعَانِهِمْ وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ إسْنَادَهَا عَنْ أَسْلَافِهِمْ - أَتَرَى هَؤُلَاءِ يَا أَبَا يُوسُفَ يَكْذِبُونَ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا يَكْذِبُونَ فَأَنَا حَرَّرْت هَذِهِ الصِّيعَانَ فَوَجَدْتهَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِأَرْطَالِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ.
فَقَالَ: رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت.
وَسَأَلَهُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ فَقَالَ: هَذِهِ مباقيل أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا صَدَقَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَعْنِي: وَهِيَ تَنْبُتُ فِيهَا الْخَضْرَاوَاتُ.
وَسَأَلَهُ عَنْ الْإِحْبَاسِ فَقَالَ: هَذَا حَبْسُ فُلَانٍ وَهَذَا حَبْسُ فُلَانٍ يُذْكَرُ لِبَيَانِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا:

قَدْ رَجَعْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت.
وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَافَقَا بَقِيَّةَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَفِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ كَمَذْهَبِ هَؤُلَاءِ وَأَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ لَازِمٌ كَمَذْهَبِ هَؤُلَاءِ.
وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: أَرْطَالُكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَرَضَتْ الدَّوْلَةُ الْأُمَوِيَّةُ وَجَاءَتْ دَوْلَةُ وَلَدِ الْعَبَّاسِ قَرِيبًا؛ فَقَامَ أَخُوهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُلَقَّبُ بِالْمَنْصُورِ فَبَنَى بَغْدَادَ فَجَعَلَهَا دَارَ مُلْكِهِ وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ حِينَئِذٍ كَانُوا أَعْنَى بِدِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ قَالَ: نَظَرْت فِي هَذَا الْأَمْرِ فَوَجَدْت أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلَ كَذِبٍ وَتَدْلِيسٍ؛ - أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - وَوَجَدْت أَهْلَ الشَّامِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ غَزْوٍ وَجِهَادٍ وَوَجَدْت هَذَا الْأَمْرَ فِيكُمْ.
وَيُقَالُ: إنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَهْلِ الْحِجَازِ؛ أَوْ كَمَا قَالَ.
فَطَلَبَ أَبُو جَعْفَرٍ عُلَمَاءَ الْحِجَازِ أَنْ يَذْهَبُوا إلَى الْعِرَاقِ وَيَنْشُرُوا الْعِلْمَ فِيهِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ؛ وَيَحْيَى بْنُ

سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ؛ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الجمحي؛ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الماجشون وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ.
وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَخْتَلِفُ فِي مَجَالِسِ هَؤُلَاءِ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ وَأَكْثَرُ عَمَّنْ قَدِمَ مِنْ الْحِجَازِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَبُو يُوسُفَ أَعْلَمُهُمْ بِالْحَدِيثِ؛ وَزُفَرُ أطردهم لِلْقِيَاسِ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللؤلؤي أَكْثَرُهُمْ تَفْرِيعًا وَمُحَمَّدٌ أَعْلَمُهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْحِسَابِ؛ وَرُبَّمَا قِيلَ أَكْثَرُهُمْ تَفْرِيعًا فَلَمَّا صَارَتْ الْعِرَاقُ دَارَ الْمُلْكِ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى تَعْرِيفِ أَهْلِهَا بِالسُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ غُيِّرَ الْمِكْيَالُ الشَّرْعِيُّ بِرِطْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَانَ رِطْلُهُمْ بِالْحِنْطَةِ الثَّقِيلَةِ وَالْعَدَسِ إذْ ذَاكَ تِسْعِينَ مِثْقَالًا: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةَ أَسْبَاعِ الدِّرْهَمِ.
فَهَذَا هُوَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
" الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ " الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بْنِ عفان فَهَذَا حُجَّةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى: إذَا رَأَيْت قُدَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا تَتَوَقَّفْ فِي قَلْبِك رَيْبًا أَنَّهُ الْحَقُّ.
وَكَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَهُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا وَقَالَ أَحْمَد: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ وَكَذَلِكَ بَيْعَةُ عَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَدْ بِالْمَدِينَةِ بَيْعَةٌ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ العرباض بْنِ سَارِيَةَ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ . وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا﴾ . فَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةٌ وَمَا يُعْلَمُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَلٌ قَدِيمٌ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَ " الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ " إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ جُهِلَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ وَأَحَدُهُمَا يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ؛ فَفِيهِ نِزَاعٌ.
فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ - أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ وَالثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ - أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِهِ قِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد.
وَمِنْ كَلَامِهِ قَالَ: إذَا رَأَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ الْغَايَةُ.
وَكَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ

الْمَدِينَةِ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَقْرِيرًا كَثِيرًا وَكَانَ يَدُلُّ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَدُلُّ الْمُسْتَفْتِي عَلَى إسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَنَحْوِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَيَدُلُّهُ عَلَى حَلَقَةِ الْمَدَنِيِّينَ حَلَقَةِ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ.
وَأَبُو مُصْعَبٍ هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ مَاتَ بَعْدَ أَحْمَد بِسَنَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَحْمَد يَكْرَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ وَيَقُولُ: إنَّهُمْ اتَّبَعُوا الْآثَارَ.
فَهَذِهِ مَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي التَّرْجِيحِ لِأَقْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَأَمَّا " الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ " فَهِيَ الْعَمَلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمَدِينَةِ فَهَذَا هَلْ هُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّاسِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةِ شَرْعِيَّةٍ.
هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفَاضِلُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِهِ " أُصُولِ الْفِقْهِ " وَغَيْرُهُ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرُبَّمَا جَعَلَهُ حُجَّةً بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ لِلْأَئِمَّةِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ بَلْ هُمْ أَهْلُ تَقْلِيدٍ.
قُلْت: وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ مَالِكٍ مَا يُوجِبُ جَعْلَ هَذَا حُجَّةً وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ إنَّمَا يَذْكُرُ الْأَصْلَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ يَحْكِي مَذْهَبَهُمْ وَتَارَةً

يَقُولُ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا يَصِيرُ إلَى الْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ وَتَارَةً لَا يَذْكُرُ.
وَلَوْ كَانَ مَالِكٌ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَأَخِّرَ حُجَّةٌ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ اتِّبَاعُهَا وَإِنْ خَالَفَتْ النُّصُوصَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِذَلِكَ حَدَّ الْإِمْكَانِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَعَارُضَ فِيهَا وَبِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُوَطَّئِهِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ وَإِنَّمَا جَمَعْت عِلْمَ أَهْلِ بَلَدِي أَوْ كَمَا قَالَ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَفَاوَتَ فِيهِ مَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: أَصَحُّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ رِوَايَةً وَرَأْيًا وَأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ حُجَّةً قَاطِعَةً وَتَارَةً حُجَّةً قَوِيَّةً وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِلدَّلِيلِ إذْ لَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِشَيْءِ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ هُمْ خِيَارُ الصَّحَابَةِ إذْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحَدٌ قَبْلَ الْفِتْنَةِ إلَّا وَأَقَامَ بِهَا مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا فُتِحَ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَغَيْرُهُمَا أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الْأَمْصَارِ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَذَهَبَ إلَى الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ

جارٍ التحميل