مجموع الفتاوىصفحات 77-116

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 77-116
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ﴾ . الْوَجْهُ التَّاسِعُ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ﴿معدان بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: لَقِيت ثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت: أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْته الثَّانِيَةَ فَقَالَ: سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّك لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَك اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْك بِهَا خَطِيئَةً﴾ قَالَ معدان: ثُمَّ لَقِيت أَبَا الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْته فَقَالَ لِي مِثْلَمَا قَالَ لِي ثوبان.
فَإِنْ كَانَ سَأَلَهُ عَنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ السُّجُودَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ سَأَلَهُ عَمَّا يُدْخِلُهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ فَقَدْ دَلَّهُ عَلَى السُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى أَنَّ كَثْرَةَ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّك لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَك اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْك بِهَا خَطِيئَةً﴾ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ سَجْدَةٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا ذَلِكَ لَكِنَّ السَّجْدَةَ أَنْوَاعٌ.
فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى السَّجْدَتَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْأُخْرَى كَانَ مَا يَرْفَعُ بِهِ مِنْ الدَّرَجَةِ أَعْظَمَ وَمَا يَحُطُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ الْخَطَايَا أَعْظَمَ كَمَا أَنَّ السَّجْدَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا أَعْظَمَ خُشُوعًا وَحُضُورًا هِيَ أَفْضَلُ

مِنْ غَيْرِهَا فَكَذَلِكَ السَّجْدَةُ الطَّوِيلَةُ الَّتِي قَنَتَ فِيهَا لِرَبِّهِ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَصِيرَةِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: مَا رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ ﴿رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْت أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْت: أَسْأَلُك مُرَافَقَتك فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: أَوَغَيْرُ ذَلِكَ؟ فَقُلْت: هُوَ ذَاكَ قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ﴾ . فَهَذَا قَدْ سَأَلَ عَنْ مَرْتَبَةٍ عَلِيَّةٍ وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ كَثْرَةَ السُّجُودِ.
وَهَذَا أَدَلُّ عَلَى أَنَّ كَثْرَةِ السُّجُودِ أَفْضَلُ لَكِنْ يُقَالُ الْمُكْثِرُ مِنْ السُّجُودِ قَدْ يُكْثِرُ مِنْ سُجُودٍ طَوِيلٍ وَقَدْ يُكْثِرُ مِنْ سُجُودٍ قَصِيرٍ وَذَاكَ أَفْضَلُ.
وَأَيْضًا فَالْإِكْثَارُ مِنْ السُّجُودِ لَا بُدَّ فَإِذَا صَلَّى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً طَوِيلَةً كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا صَلَّى الْمُصَلِّي فِي مِثْلِ زَمَانِهِنَّ عِشْرِينَ رَكْعَةً فَقَدْ أَكْثَرَ السُّجُودَ لَكِنَّ سُجُودَ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَتَمُّ وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ ذَاكَ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا كَانَ أَكْثَرَ مَعَ قِصَرِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا وَهُوَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ كَصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مَوَاضِعَ السَّاجِدِ تُسَمَّى مَسَاجِدَ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَلَا تُسَمَّى مَقَامَاتٍ إلَّا بَعْدَ فِعْلِ السُّجُودِ فِيهَا.
فَعُلِمَ أَنَّ أَعْظَمَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ هُوَ السُّجُودُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْ مَوَاضِعِ السُّجُودِ بِأَنَّهَا مَوَاضِعُ فِعْلِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَهَذَا وَإِنْ تَنَاوَلَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ فَتَنَاوُلُهُ لِسُجُودِ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ؛ فَإِنَّ احْتِيَاجَ الْإِنْسَانِ إلَى هَذَا السُّجُودِ أَعْظَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ جَعَلَ الْخُرُورَ إلَى السُّجُودِ مِمَّا لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ وَهَذَا مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ أَنْبِيَائِهِ أَنَّهُمْ: ﴿إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ وَقَالَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ . و

َالدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ

كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ﴾ وَمِثْلَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ

ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ أَلَا وَإِنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَفِي غَيْرِ حَدِيثٍ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وَإِنْ كَانَ يَتَنَاوَلُ الدُّعَاءَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ فَالسُّجُودُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لِآخِرِ الصَّلَاةِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهَا؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي السُّنَنِ: ﴿أَفْضَلُ الدُّعَاءِ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ﴾ . فَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ الْقِيَامِ لَكَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ؛ لَكِنْ هَذَا يَشُقُّ مَشَقَّةً عَظِيمَةً فَلِهَذَا خُفِّفَ السُّجُودُ عَنْ الْقِيَامِ مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ تَطْوِيلُهُ إذَا طَوَّلَ الْقِيَامَ كَمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَرُوِيَ: ﴿أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ وَيُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ﴾ وَلَمَّا أَطَالَ الْقِيَامَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الصَّحِيحِ: {أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ

وَآلِ عِمْرَانَ قَالَ: رَكَعَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ وَسَجَدَ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ} وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كَانَ قِيَامُهُ فَرَكْعَتُهُ فَاعْتِدَالُهُ فَسَجْدَتُهُ فَجُلُوسُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَجِلْسَتُهُ مَا بَيْنَ السَّلَامِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ﴾ . وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ﴾ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ: ﴿أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الْإِنْسَانُ خَمْسِينَ آيَةً﴾ " فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ قِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا أَفْضَلُ مِنْ تَكْثِيرِ ذَلِكَ مَعَ تَخْفِيفِهِ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا قَالَ: إنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ﴾ يَتَنَاوَلُ التَّطْوِيلَ فِي الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ﴾ " وَقَالَ: ﴿مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ﴾ ". وَأَحَادِيثُ تَفْضِيلِ السُّجُودِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا لَا تُنَافِي ذَلِكَ.
وَمَعْلُومٌ: أَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْكُسُوفَ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ أَوْ عِشْرِينَ رَكْعَةً يُكْثِرُ فِيهَا قِيَامَهَا وَسُجُودَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ؛ بَلْ صَلَّى

رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَجَعَلَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَطْوِيلُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَأَمَّا إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ إطَالَةِ الْقِيَامِ فَقَطْ وَأَفْضَلُ مِنْ تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ: كَثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ سُدُسِهِ أَوْ السَّاعَةِ.
هَلْ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿أُمِّ هَانِئٍ لَمَّا صَلَّى الثَّمَانِي رَكَعَاتٍ يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَتْ: مَا رَأَيْته صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ﴾ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ ﴿ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ أَمْ رُكُوعُهُ أَمْ سُجُودُهُ كُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ﴾ " فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ طَوَّلَ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ قَرِيبًا مِنْ الْقِيَامِ وَأَنَّ قَوْلَهَا: ﴿لَمْ أَرَهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفّ مِنْهَا﴾ إخْبَارٌ مِنْهَا عَمَّا رَأَتْهُ وَأُمُّ هَانِئٍ لَمْ تَكُنْ مُبَاشِرَةً لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ مَنْعَ كَثْرَةِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ ثَمَانِيًا جَمِيعًا أَخَفَّ مِنْهَا فَإِنَّ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ بِالنَّهَارِ لَمْ يُصَلِّ ثَمَانِيًا مُتَّصِلَةً قَطُّ؛ بَلْ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ وَالظُّهْرَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَهَا أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَعَلَّهُ خَفَّفَهَا لِضِيقِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا بِالنَّهَارِ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِأُمُورِ فَتْحِ مَكَّةَ

كَمَا كَانَ يُخَفِّفُ الْمَكْتُوبَةَ فِي السَّفَرِ حَتَّى يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ بالمعوذتين.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ بِالزَّلْزَلَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَهَذَا التَّخْفِيفُ لِعَارِضِ.
وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ التَّكْثِيرَ عَلَى التَّطْوِيلِ بِحَدِيثِ ﴿ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إنِّي لَأَعْرِفُ السُّوَرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهِنَّ مِنْ الْمُفَصَّلِ كُلُّ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُطِيلُ الْقِيَامَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلًا جَمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ حُذَيْفَةَ رَوَى عَنْهُ: ﴿أَنَّهُ قَامَ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانِ فِي رَكْعَةٍ﴾ وَابْنُ مَسْعُودٍ ذَكَرَ أَنَّهُ طَوَّلَ حَتَّى هَمَمْت بِأَمْرِ سُوءٍ: أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ بِسُورَتَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ بَعْضَ الرَّكَعَاتِ أَطْوَلَ مِنْ بَعْضٍ كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: فَصْلٌ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ.
تَارَةً بِالْمَدْحِ وَتَارَةً بِالْأَمْرِ أَمْرَ إيجَابٍ ثُمَّ نَسَخَهُ بِأَمْرِ الِاسْتِحْبَابِ إذَا لَمْ تَدْخُلْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِيهِ بَلْ أُرِيدَ الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِنَصِيبِهِ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عبيدة السلماني: أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ وَاجِبٌ لَمْ يُنْسَخْ وَلَوْ كَحَلْبِ شَاةٍ.
وَهَذَا إذَا أُرِيدَ بِهِ مَا يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْوِتْرِ فَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا قَالَ: ﴿أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ قَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ لَك وَلَا لِأَصْحَابِك﴾ " فَقَدْ خَاطَبَ أَهْلَ الْقُرْآنِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بِمَا لَمْ يُخَاطِبْ بِهِ غَيْرَهُمْ.

وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فُسِّرَ بِقِرَاءَتِهِ بِاللَّيْلِ لِئَلَّا يَنْسَاهُ.
وَقَالَ: ﴿نَظَرْت فِي سَيِّئَاتِ أُمَّتِي، فَوَجَدْت فِيهَا الرَّجُلَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَةً فَيَنَامُ عَنْهَا حَتَّى يَنْسَاهَا﴾ " وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ﴾ ": أَيْ الصُّبْحَ مَعَ الْعِشَاءِ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَكِنْ فَاعِلُهُمَا كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِين بِالْأَسْحَارِ﴾ وَهَذَا عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ: مَعْنَاهُ كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا فَ (قَلِيلًا) مَنْصُوبٌ بِ (يَهْجَعُونَ) وَ (مَا) مُؤَكِّدَةٌ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ هُوَ مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ فَهَذَا الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْأَمْرِ هُوَ الْقَلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي تِلْكَ السُّوَرِ وَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنَّهُمْ إذَا هَجَعُوا ثُلُثَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَاه فَهَذَا قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يهجعوه مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَسَوَاءٌ نَامُوا بِالنَّهَارِ أَوْ لَمْ يَنَامُوا.

وَقَدْ قِيلَ: لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمْ لَيْلَةٌ إلَّا قَامُوا فِيهَا.
فَالْمُرَادُ هُجُوعُ جَمِيعِ اللَّيْلَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هُجُوعَ اللَّيْلِ مُحَرَّمٌ فَإِنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَرْضٌ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَفِي حَدِيثِ ﴿مُعَاذٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ: يَا رَسُولَ اللَّهَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ قَالَ: لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلَا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: لَا أُخْبِرُك بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُك بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْت: بَلَى قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: اُكْفُفْ عَلَيْك هَذَا فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك يَا مُعَاذُ؛ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ} ".

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ . وَإِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ: وَ " النَّاشِئَةُ " لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَوْمٍ يُقَالُ: نَشَأَ إذَا قَامَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ . وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ . فَإِنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ.
لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ {فَسَبِّحْ

بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} . مُطْلَقٌ لَمْ يَخُصَّهُ بِوَقْتِ آخَرَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
و

َسُئِلَ:

عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُصَلِّ وِتْرَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ؟ .

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْوِتْرُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهِ فَإِنَّهُ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ فَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَالْجُمْهُورُ لَا يُوجِبُونَهُ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ لِأَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ﴾ وَالْوَاجِبُ لَا يُفْعَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لَكِنْ هُوَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ تَرْكُهُ.
وَالْوِتْرُ أَوْكَدُ مِنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوِتْرُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ تَطَوُّعَاتِ النَّهَارِ كَصَلَاةِ الضُّحَى؛ بَلْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ.
وَأَوْكَدُ ذَلِكَ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

و

َسُئِلَ:

عَمَّا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا وَهُوَ يَقْصُرُ: هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ أَمْ لَا؟ .

أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ: نَعَمْ يُوتِرُ فِي السَّفَرِ فَقَدَ ﴿كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ سَفَرًا وَحَضَرًا﴾ وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ " و

َسُئِلَ:

عَمَّنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْوِتْرِ؟ .

فَأَجَابَ: يُصَلِّي مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ﴾ ".

وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَد هَلْ يَقْضِي شَفْعَهُ مَعَهُ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْضِي شَفْعَهُ مَعَهُ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا.
فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا﴾ " وَهَذَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَالْوِتْرَ وَالسُّنَنَ الرَّاتِبَةَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا مَنَعَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً﴾ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ.
كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ﴾ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَكَذَا السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ لَمَّا نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّفَرِ صَلَّى سُنَّةَ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ " ﴿وَلَمَّا فَاتَتْهُ سُنَّةُ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَهَا صَلَّاهَا بَعْدَ الْعَصْرِ﴾ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ صَلَّاهُنَّ بَعْدَهَا﴾ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ﴾ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَة.

وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ الْوِتْرَ لَا يُقْضَى وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد؛ لَمَّا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ﴾ قَالُوا: فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوِتْرِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَمَلِ اللَّيْلِ كَمَا أَنَّ وِتْرَ عَمَلِ النَّهَارِ الْمَغْرِبُ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا فَاتَهُ عَمَلُ اللَّيْلِ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَلَوْ كَانَ الْوِتْرُ فِيهِنَّ لَكَانَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوِتْرَ يُقْضَى قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ إذَا صُلِّيَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَضَائِهِ الْفَائِدَةَ الَّتِي شُرِعَ لَهَا؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: عَنْ إمَامٍ شَافِعِيٍّ يُصَلِّي بِجَمَاعَةِ: حَنَفِيَّةٍ وَشَافِعِيَّةٍ وَعِنْدَ الْوِتْرِ الْحَنَفِيَّةُ وَحْدَهُمْ.
فَأَجَابَ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَصَلِّ وَاحِدَةً تُوتِرُ لَك مَا صَلَّيْت﴾ " وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مَفْصُولَةٍ عَمَّا قَبْلَهَا وَإِنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ وَسَبْعٍ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ.

وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ وَأَنَّ الْوِتْرَ بِثَلَاثِ بِسَلَامِ وَاحِدٍ أَيْضًا كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَبْلُغْ جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ فَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْوِتْرَ بِثَلَاثِ مُتَّصِلَةٍ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ.
وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْوِتْرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْوِتْرَ بِخَمْسِ وَسَبْعٍ وَتِسْعٍ مُتَّصِلَةٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمَالِكٌ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَوْتَرَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ يَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُ فِي ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و

َسُئِلَ:

عَنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ؟ .

فَأَجَابَ: وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ: فَهَذِهِ رَوَى فِيهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ﴾ ". وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ: " أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا أَوْتَرَ بِتِسْعِ " فَإِنَّهُ كَانَ يُوتِرُ

بِإِحْدَى عَشْرَةَ ثُمَّ كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ وَيُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ.
وَهُوَ جَالِسٌ.
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مَا سَمِعُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِهَذَا يُنْكِرُونَ هَذِهِ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُ سَمِعُوا هَذَا وَعَرَفُوا صِحَّتَهُ.
وَرَخَّصَ أَحْمَد أَنْ تُصَلَّى هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ كَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُذَمُّ مَنْ تَرَكَهَا وَلَا تُسَمَّى " زَحَّافَةً " فَلَيْسَ لِأَحَدِ إلْزَامُ النَّاسِ بِهَا وَلَا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا.
وَلَكِنَّ الَّذِي يُنْكِرُ مَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ سَجْدَتَيْنِ مُجَرَّدَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ فَإِنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَنْسُوبَيْنِ إلَى الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمُسْتَنَدُهُمْ: ﴿أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ سَجْدَتَيْنِ﴾ " رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ سَجْدَتَانِ مُجَرَّدَتَانِ وَغَلِطُوا.
فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّ السَّجْدَةَ يُرَادُ بِهَا الرَّكْعَةُ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ﴾ " الْحَدِيثَ.
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ رَكْعَتَانِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ﴾ " أَرَادَ بِهِ رَكْعَةً.
كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ.

وَظَنَّ بَعْضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا سَجْدَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَهُوَ غَلَطٌ.
فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْإِدْرَاكِ بِسَجْدَةِ مُجَرَّدَةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
بَلْ لَهُمْ فِيمَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَلَا الْجَمَاعَةِ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ بِتَكْبِيرَةٍ.
وَقَدْ اسْتَفَاضَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ صَلَّى أَرْبَعًا.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ﴾ ". وَعَلَى هَذَا إذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ رَكْعَةً: فَهَلْ يُتِمُّ، أَوْ يَقْصُرُ؟ فِيهَا قَوْلَانِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ لَفْظَ " السَّجْدَةِ " الْمُرَادُ بِهِ الرَّكْعَةُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَبْعَاضِهَا فَتُسَمَّى قِيَامًا وَقُعُودًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا وَتَسْبِيحًا وَقُرْآنًا.
وَأَنْكَرَ مِنْ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ سَجْدَةً مُفْرَدَةً فَإِنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ.
وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى الشَّرْعِ وَالِاتِّبَاعِ لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَعْبُدُهُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ.

فَصْلٌ: وَأَمَّا الصَّلَاةُ " الزَّحَّافَةُ " وَقَوْلُهُمْ: مَنْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: وَمُرَادُهُمْ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَإِنْ تَرْكَهَا طُولَ عُمُرِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَلَا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ وَلَا يُهْجَرُ وَلَا يُوسَمُ بِمِيسَمِ مَذْمُومٍ أَصْلًا؛ بَلْ لَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهَا كَتَطْوِيلِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَوِّلُهُ وَكَقِيَامِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنْ السُّنَّةِ وَلَا مُبْتَدِعًا وَلَا مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً طَوِيلَةً.
كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.
فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ صَارَ يُصَلِّي تِسْعًا يَجْلِسُ عَقِيبَ الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا عَقِيبَ

التَّاسِعَةِ ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ صَارَ يُوتِرُ بِسَبْعِ وَبِخَمْسِ فَإِذَا أَوْتَرَ بِخَمْسِ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ الْخَامِسَةِ ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ} . وَإِذَا أَوْتَرَ بِسَبْعِ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ إلَّا عَقِيبَ السَّابِعَةِ وَرُوِيَ: أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ عَقِيبَ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ مَنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِيهَا: هَلْ تُشْرَعُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهَا لَا تُشْرَعُ بِحَالِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا﴾ ". وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَأَوَّلَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ.
وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ فَظَنَّ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الْمُرَادَ سَجْدَتَانِ مُجَرَّدَتَانِ فَكَانُوا يَسْجُدُونَ بَعْدَ الْوِتْرِ سَجْدَتَيْنِ مُجَرَّدَتَيْنِ وَهَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَلَا فَعَلَهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ.
وَإِنَّمَا غَرَّهُمْ لَفْظُ السَّجْدَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالسَّجْدَتَيْنِ الرَّكْعَتَانِ كَمَا قَالَ {ابْنُ عُمَرَ: حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَهَا وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ

وَسَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ} ": أَيْ رَكْعَتَيْنِ.
وَلَعَلَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا نِسْبَتُهَا إلَى وِتْرِ اللَّيْلِ: نِسْبَةُ رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ إلَى وِتْرِ النَّهَارِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ.
فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ﴾ " رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ.
فَإِذَا كَانَتْ الْمَغْرِبُ وِتْرَ النَّهَارِ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَغْرِبُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا لِأَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ هُمَا تَكْمِيلُ الْفَرْضِ وَجَبْرٌ لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنْ سَهْوٍ وَنَقْصٍ كَمَا جَاءَتْ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا إلَّا ثُلُثُهَا إلَّا رُبُعُهَا إلَّا خُمُسُهَا حَتَّى قَالَ إلَّا عُشْرُهَا﴾ " فَشُرِعَتْ السُّنَنُ جَبْرًا لِنَقْصِ الْفَرَائِضِ.
فَالرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَمَّا كَانَتَا جَبْرًا لِلْفَرْضِ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ كَوْنِهَا وِتْرًا كَمَا لَوْ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَكَذَلِكَ وِتْرُ اللَّيْلِ جَبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ.
وَلِهَذَا كَانَ يُجْبِرُهُ إذَا أَوْتَرَ بِتِسْعِ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ لِنَقْصِ عَدَدِهِ عَنْ إحْدَى عَشْرَةَ.
فَهُنَا نَقْصُ الْعَدَدِ نَقْصٌ ظَاهِرٌ.
وَإِنْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا إذَا أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ كَانَ هُنَاكَ جَبْرًا لِصِفَةِ

الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا جَالِسًا؛ لِأَنَّ وِتْرَ اللَّيْلِ دُونَ وِتْرِ النَّهَارِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ فِي الصِّفَةِ وَهِيَ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَبَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ الْكَامِلَتَيْنِ فَيَكُونُ الْجَبْرُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ جَبْرٌ لِلسَّهْوِ سَجْدَتَانِ لَكِنَّ ذَاكَ نَقْصٌ فِي قَدْرِ الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ فَهُوَ وَاجِبٌ مُتَّصِلٌ بِالصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ المستقلتان فَهُمَا جَبْرٌ لِمَعْنَاهَا الْبَاطِنِ فَلِهَذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً.
كَمَا فِي السُّنَنِ: ﴿إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ﴾ " ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ قُنُوتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ؟ أَوْ الصُّبْحِ؟ وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ؟ . فَأَجَابَ: أَمَّا الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ.
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي النَّوَازِلِ.
قَنَتَ مَرَّةً شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْكُفَّارِ قَتَلُوا طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَقَنَتَ مَرَّةً أُخْرَى يَدْعُو لِأَقْوَامِ مِنْ أَصْحَابِهِ كَانُوا مَأْسُورِينَ عِنْدَ أَقْوَامٍ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ الْهِجْرَةِ إلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ كَانُوا يَقْنُتُونَ نَحْوَ هَذَا الْقُنُوتِ فَمَا كَانَ يُدَاوِمُ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ يَدَعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: إنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ.
وَقِيلَ: الْقُنُوتُ مَنْسُوخٌ.
وَأَنَّهُ كُلُّهُ بِدْعَةٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ.
وَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمِ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَقْنُتْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَنَتَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَنَتَ السَّنَةَ كُلَّهَا.
وَالْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْأَوَّلَ كَمَالِكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الثَّانِيَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الثَّالِثَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَد فِي رِوَايَةٍ وَالْجَمِيعُ جَائِزٌ.
فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقُنُوتُ: فَالنَّاسُ فِيهِ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى الْقُنُوتَ إلَّا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ إلَّا بَعْدَهُ.
وَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيُجَوِّزُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ بِهِمَا.
وَإِنْ اخْتَارُوا الْقُنُوتَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وَأَقْيَسُ فَإِنَّ سَمَاعَ الدُّعَاءِ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِ الْعَبْدِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ دُعَائِهِ كَمَا بُنِيَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ: أَوَّلُهَا ثَنَاءٌ وَآخِرُهَا دُعَاءٌ.
وَأَيْضًا فَالنَّاسُ فِي شَرْعِهِ فِي الْفَجْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي الْفَجْرِ.
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ فَإِنَّهُ قَنَتَ ثُمَّ تَرَكَ.
كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.

وَمَنْ قَالَ: الْمَتْرُوكُ هُوَ الدُّعَاءُ عَلَى أُولَئِكَ الْكُفَّارِ فَلَمْ تَبْلُغْهُ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ أَوْ بَلَغَتْهُ فَلَمْ يَتَأَمَّلْهَا فَإِنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: ﴿سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الْقُنُوتِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ قَالَ: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي أَنَّك قُلْت بَعْدَ الرُّكُوعِ قَالَ: كَذَبَ إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَرَاهُ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إلَى قَوْمٍ مُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ وَقَنَتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ﴾ وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد وَالْحَاكِمُ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا﴾ " جَاءَ لَفْظُهُ مُفَسَّرًا " أَنَّهُ: مَا زَالَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ ". وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْقُنُوتِ طُولُ الْقِيَامِ لَا الدُّعَاءُ.
كَذَلِكَ جَاءَ مُفَسَّرًا وَيُبَيِّنُهُ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين قَالَ: قُلْت لِأَنَسٍ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ: نَعَمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا﴾ " فَأَخْبَرَ أَنَّ قُنُوتَهُ كَانَ يَسِيرًا وَكَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْقُنُوتِ هُوَ إدَامَةُ الطَّاعَةِ سُمِّيَ كُلُّ تَطْوِيلٍ فِي قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ قُنُوتًا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ الْقُنُوتِ الرَّاتِبِ قَالَ: " مَا سَمِعْنَا وَلَا رَأْينَا " وَهَذَا قَوْلٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ الْقُنُوتُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ حَيْثُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ وَرُوِيَ عَنْهُ: ﴿أَنَّهُ مَا زَالَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا﴾ . وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ اسْتَحَبَّهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ لَمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ فِيهِنَّ وَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالظُّهْرِ.
لَكِنْ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهُ قَنَتَ قُنُوتًا رَاتِبًا بِدُعَاءِ مَعْرُوفٍ.
فَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَدْعُوَ فِيهِ بِقُنُوتِ الْوِتْرِ الَّذِي عَلَّمَهُ.
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ: ﴿اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت﴾ " إلَى آخِرِهِ.
وَتَوَسَّطَ آخَرُونَ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَقَالُوا: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ لِلنَّوَازِلِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ فِي قَتْلِ أَصْحَابِهِ أَوْ حَبْسِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ قَنَتَ مُسْتَنْصِرًا كَمَا اسْتَسْقَى حِينَ الْجَدْبِ فَاسْتِنْصَارُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَاسْتِرْزَاقِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذْ بِالنَّصْرِ وَالرِّزْقِ قِوَامُ أَمْرِ النَّاسِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ﴾ " وَكَمَا قَالَ فِي صِفَةِ الْأَبْدَالِ: ﴿بِهِمْ تُرْزَقُونَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ﴾ " وَكَمَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا بِيَدِهِ.
سُبْحَانَهُ.
فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الْكَافِرُونَ إلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ثُمَّ تَرَكَ الْقُنُوتَ وَجَاءَ مُفَسَّرًا أَنَّهُ تَرَكَهُ لِزَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ.

وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا أَبْطَأَ عَلَيْهِ خَبَرُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ قَنَتَ وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَنَتَ لَمَّا حَارَبَ مَنْ حَارَبَ مِنْ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالُوا: وَلَيْسَ التَّرْكُ نَسْخًا فَإِنَّ النَّاسِخَ لَا بُدَّ أَنْ يُنَافِيَ الْمَنْسُوخَ وَإِذَا فَعَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا لِحَاجَةِ ثُمَّ تَرَكَهُ لِزَوَالِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا بَلْ لَوْ تَرَكَهُ تَرْكًا مُطْلَقًا لَكَانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لَا عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْفِعْلِ.
قَالُوا: وَنَعْلَمُ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ قُنُوتًا رَاتِبًا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ قَطُّ أَنَّهُ دَعَا فِي قُنُوتِهِ فِي الْفَجْرِ وَنَحْوِهَا إلَّا لِقَوْمِ أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَلَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ أَنَّهُ قَنَتَ دَائِمًا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَا أَنَّهُ قَنَتَ دَائِمًا يَدْعُو قَبْلَهُ وَأَنْكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْقُنُوتَ الرَّاتِبَ فَإِذَا عُلِمَ هَذَا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَمَا يُعْلَمُ: " أَنَّ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ " لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَذَانِ الرَّاتِبِ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِعَارِضِ تَحْضِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الصَّلَاةِ فَهَذَا الْقَوْلُ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ أَنَّ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ؛ لَكِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْحَاجَةِ النَّازِلَةِ لَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ.
وَهَذَا أَصْلٌ آخَرُ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات كَالْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي مَا يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات الرَّاتِبَةِ

يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ الْعَارِضِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا كَمَا سَقَطَ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالْخَوْفِ كَثِيرٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَدْ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَسْبَابِ الْعَارِضَةِ مَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا رَاتِبًا فَالْعِبَادَاتُ فِي ثُبُوتِهَا وَسُقُوطِهَا تَنْقَسِمُ إلَى رَاتِبَةٍ وَعَارِضَةٍ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ أَوْ الِاسْتِحْبَابُ أَوْ سُقُوطُهُ.
وَإِنَّمَا تَغْلَطُ الْأَذْهَانُ مِنْ حَيْثُ تَجْعَلُ الْعَارِضَ رَاتِبًا أَوْ تَجْعَلُ الرَّاتِبَ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَالِ وَمَنْ اهْتَدَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَشْرُوعَاتِ الرَّاتِبَةِ وَالْعَارِضَةِ انْحَلَّتْ عَنْهُ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتُ كَثِيرًا.
وَسُئِلَ: هَلْ قُنُوتُ الصُّبْحِ دَائِمًا سُنَّةٌ؟ وَمَنْ يَقُولُ: إنَّهُ مِنْ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَمَا يُجْبَرُ إلَّا النَّاقِصُ.
وَالْحَدِيثُ ﴿مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا﴾ فَهَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ؟ وَهَلْ هُوَ هَذَا الْقُنُوتُ؟ وَمَا أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ؟ وَمَا حُجَّةُ كُلٍّ مِنْهُمْ؟ وَإِنْ قَنَتَ لِنَازِلَةٍ: فَهَلْ يَتَعَيَّنُ قَوْلُهُ أَوْ يَدْعُو بِمَا شَاءَ؟ .

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رعل وذكوان وَعُصَيَّةَ﴾ ثُمَّ تَرَكَهُ.
وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا قَتَلُوا الْقُرَّاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَنَتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ يَدْعُو للمستضعفين مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ.
وَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: ﴿اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ والمستضعفين مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ﴾ . ﴿وَكَانَ يَقْنُتُ يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ وَكَانَ قُنُوتُهُ فِي الْفَجْرِ﴾ . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الظُّهْرِ﴾ وَفِي السُّنَنِ ﴿أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْعَصْرِ﴾ أَيْضًا.
فَتَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْقُنُوتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَلَا يُشْرَعُ بِحَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ ثُمَّ تَرَكَ وَالتَّرْكُ نَسْخٌ لِلْفِعْلِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ.
جَعَلَ الْقُعُودَ نَاسِخًا لِلْقِيَامِ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ دَائِمًا وَأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْفَجْرِ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ سِرًّا وَأَنْ لَا يَقْنُتَ بِسِوَى: ﴿اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك﴾ إلَى آخِرِهَا وَ ﴿اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلَى آخِرِهَا كَمَا يَقُولُهُ: مَالِكٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الرُّكُوعِ جَهْرًا.
وَيُسْتَحَبُّ.
أَنْ يَقْنُتَ بِدُعَاءِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُنُوتِهِ: ﴿اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت﴾ إلَى آخِرِهِ.
وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُجَوِّزُونَ الْقُنُوتَ قَبْلُ وَبَعْدُ.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وَيَقُولُونَ: الْوُسْطَى: هِيَ الْفَجْرُ وَالْقُنُوتُ فِيهَا.
وَكِلْتَا الْمُقَدَّمَتَيْنِ ضَعِيفَةٌ: أَمَّا الْأُولَى: فَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ عَرَفَ الْأَحَادِيثَ الْمَأْثُورَةَ.
وَلِهَذَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ.
وَإِنْ كَانَ لِلصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَقَالَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ.

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَالْقُنُوتُ هُوَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَهَذَا يَكُونُ فِي الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ إدَامَةُ الْقِيَامِ كَمَا قِيلَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى إطَالَتِهِ الْقِيَامَ لِلدُّعَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْقِيَامِ لَهُ قَانِتِينَ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَقِيَامُ الدُّعَاءِ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَا يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ الْقَائِمَ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ هُوَ قَانِتٌ لِلَّهِ أَيْضًا.
وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ أُمِرُوا بِالسُّكُوتِ وَنُهُوا عَنْ الْكَلَامِ﴾ . فَعُلِمَ أَنَّ السُّكُوتَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْقُنُوتِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْقِيَامِ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى.
سَوَاءٌ كَانَتْ الْفَجْرَ أَوْ الْعَصْرَ؛ بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالْقُنُوتِ مَعَ الْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ وَالْمُحَافَظَةُ تَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ فَالْقِيَامُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِي عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا زَالَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا﴾ قَالُوا: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ﴿ثُمَّ تَرَكَهُ﴾ أَرَادَ تَرْكَ الدُّعَاءِ عَلَى تِلْكَ

الْقَبَائِلِ لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَ الْقُنُوتِ.
وَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَتَصْحِيحُ الْحَاكِمِ دُونَ تَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ.
وَكَثِيرًا مَا يُصَحِّحُ الْمَوْضُوعَاتِ فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالتَّسَامُحِ فِي ذَلِكَ وَنَفْسُ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَخُصُّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ فَقَالَ: ﴿مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ إلَّا شَهْرًا﴾ فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَقْنُتْ بَعْدَ الرُّكُوعِ إلَّا شَهْرًا فَبَطَلَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ.
وَالْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ قَدْ يُرَادُ بِهِ طُولُ الْقِيَامِ قَبْلَ الرُّكُوعِ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ دُعَاءٌ زَائِدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى قُنُوتِ الدُّعَاءِ وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ الدَّائِمُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِيهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّاتِبِ وَالْعَارِضِ وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ لِسَبَبِ نَزَلَ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ السَّبَبِ النَّازِلِ بِهِ فَيَكُونُ الْقُنُوتُ مَسْنُونًا عِنْدَ النَّوَازِلِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حَارَبَ النَّصَارَى قَنَتَ عَلَيْهِمْ الْقُنُوتَ

الْمَشْهُورَ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
إلَى آخِرِهِ.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ سُنَّةً فِي قُنُوتِ رَمَضَانَ وَلَيْسَ هَذَا الْقُنُوتُ سُنَّةً رَاتِبَةً لَا فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ عُمَرُ قَنَتَ لَمَّا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ النَّازِلَةِ وَدَعَا فِي قُنُوتِهِ دُعَاءً يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةَ كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَنَتَ أَوَّلًا عَلَى قَبَائِلِ بَنِي سُلَيْمٍ الَّذِينَ قَتَلُوا الْقُرَّاءَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِاَلَّذِي يُنَاسِبُ مَقْصُودَهُ ثُمَّ لَمَّا قَنَتَ يَدْعُو للمستضعفين مِنْ أَصْحَابِهِ دَعَا بِدُعَاءِ.
يُنَاسِبُ مَقْصُودَهُ.
فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ تَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دُعَاءَ الْقُنُوتِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ السَّبَبِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَيْسَ بِسُنَّةِ دَائِمَةٍ فِي الصَّلَاةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ لَيْسَ دُعَاءً رَاتِبًا بَلْ يَدْعُو فِي كُلِّ قُنُوتٍ بِاَلَّذِي يُنَاسِبُهُ كَمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا وَثَانِيًا.
وَكَمَا دَعَا عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا حَارَبَ مَنْ حَارَبَهُ فِي الْفِتْنَةِ فَقَنَتَ وَدَعَا بِدُعَاءِ يُنَاسِبُ مَقْصُودَهُ وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ دَائِمًا وَيَدْعُو بِدُعَاءِ رَاتِبٍ لَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْقُلُونَ هَذَا عَنْ نَبِيِّهِمْ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا وَهُمْ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُ فِي قُنُوتِهِ مَا لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِسُنَّةِ رَاتِبَةٍ كَدُعَائِهِ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ وَدُعَائِهِ للمستضعفين مِنْ

أَصْحَابِهِ وَنَقَلُوا قُنُوتَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ عَلَى مَنْ كَانُوا يُحَارِبُونَهُمْ.
فَكَيْفَ يَكُونُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ دَائِمًا فِي الْفَجْرِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَدْعُو بِدُعَاءِ رَاتِبٍ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ بَلْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِسُنَّتِهِ وَأَرْغَبُ النَّاسِ فِي اتِّبَاعِهَا كَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنْكَرُوا حَتَّى قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " مَا رَأَيْنَا وَلَا سَمِعْنَا " وَفِي رِوَايَةٍ " أَرَأَيْتُكُمْ قِيَامَكُمْ هَذَا: تَدْعُونَ.
مَا رَأَيْنَا وَلَا سَمِعْنَا " أَفَيَقُولُ مُسْلِمٌ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْنُتُ دَائِمًا وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: مَا رَأَيْنَا وَلَا سَمِعْنَا.
وَكَذَلِكَ غَيْرُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ عَدُّوا ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ الْمُبْتَدَعَةِ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا قَطْعِيًّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ دَائِمًا فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا يَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينِيًّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَى الْقُنُوتِ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ سُنَّةً رَاتِبَةً يَحْتَجُّ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ حُجَّةِ الْجَاعِلِينَ لَهُ فِي الْفَجْرِ سُنَّةً رَاتِبَةً.
وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ؛ لَكِنْ الصَّحَابَةُ بَيَّنُوا الدُّعَاءَ الَّذِي كَانَ يَدْعُو بِهِ وَالسَّبَبَ الَّذِي قَنَتَ لَهُ وَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ نَقَلُوا ذَلِكَ فِي

قُنُوتِ الْفَجْرِ وَفِي قُنُوتِ الْعِشَاءِ أَيْضًا.
وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَقْنُتَ دَائِمًا بِقُنُوتِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَوْ بِسُورَتَيْ أبي لَيْسَ مَعَهُمْ إلَّا دُعَاءٌ عَارِضٌ وَالْقُنُوتُ فِيهَا إذَا كَانَ مَشْرُوعًا: كَانَ مَشْرُوعًا لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ؛ بَلْ وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ جَاعِلٌ قُنُوتَ الْحَسَنِ أَوْ سُورَتَيْ أبي سُنَّةً رَاتِبَةً فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَكَانَ حَالُهُ شَبِيهًا بِحَالِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً رَاتِبَةً فِي الْفَجْرِ.
إذْ هَؤُلَاءِ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الْفَجْرِ إلَّا قُنُوتٌ عَارِضٌ بِدُعَاءِ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْعَارِضَ وَلَمْ يَنْقُلْ مُسْلِمٌ دُعَاءً فِي قُنُوتٍ غَيْرَ هَذَا كَمَا لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الشُّبْهَةُ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ فِيهَا كَانَ أَكْثَرَ وَهِيَ أَطْوَلُ.
وَالْقُنُوتُ يَتْبَعُ الصَّلَاةَ وَبَلَغَهُمْ أَنَّهُ دَاوَمَ عَلَيْهِ فَظَنُّوا أَنَّ السُّنَّةَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا مَعَهُمْ سُنَّةً بِدُعَائِهِ.
فَسَنُّوا هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ فِي الْوِتْرِ.
مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ سُنَّةً رَاتِبَةً فِي الْوِتْرِ.
وَهَذَا النِّزَاعُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقُنُوتِ لَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ: فَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَبَبِ فَيَجْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ سُنَّةً وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ السُّنَّةِ الدَّائِمَةِ وَالْعَارِضَةِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ فَيَرَاهُ بِدْعَةً وَيَجْعَلُ فِعْلَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَخْصُوصًا أَوْ مَنْسُوخًا إنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِثْلُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي جَمَاعَةٍ.
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّهُ صَلَّى بِاللَّيْلِ وَخَلْفَهُ ابْنُ

عَبَّاسٍ مَرَّةً وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مَرَّةً} . وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
وَكَذَلِكَ ﴿صَلَّى بعتبان بْنِ مَالِكٍ فِي بَيْتِهِ التَّطَوُّعَ جَمَاعَةً﴾ ﴿وَصَلَّى بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ فِي دَارِهِ﴾ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ " صَلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ " لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ وَالرَّغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُدَاوِمُونَ فِيهِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ التَّطَوُّعَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنَّمَا سُنَّتْ فِي الْخَمْسِ كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا سُنَّ فِي الْخَمْسِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي جَمَاعَةٍ.
كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَا يَجْعَلُ ذَلِكَ سُنَّةً رَاتِبَةً كَمَنْ يُقِيمُ لِلْمَسْجِدِ إمَامًا رَاتِبًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ أَوْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ كَمَا يُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْعِيدَيْنِ وَغَيْرَهُمَا أَذَانًا كَأَذَانِ الْخَمْسِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إذْ ذَاكَ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوه

ِ تَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي مِقْدَارِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ

فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ أبي بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَيُوتِرُ بِثَلَاثِ.
فَرَأَى كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ.
وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ: تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمِ.

وَقَالَ طَائِفَةٌ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً﴾ وَاضْطَرَبَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ لَمَّا ظَنُّوهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ حَسَنٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَا يتوقت فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَدَدٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا عَدَدًا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ حَتَّى إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﴿أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ فَكَانَ طُولُ الْقِيَامِ يُغْنِي عَنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ﴾ . وأبي بْنُ كَعْبٍ لَمَّا قَامَ بِهِمْ وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُطِيلَ بِهِمْ الْقِيَامَ فَكَثَّرَ الرَّكَعَاتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ طُولِ الْقِيَامِ وَجَعَلُوا ذَلِكَ ضِعْفَ عَدَدِ رَكَعَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ النَّاسُ بِالْمَدِينَةِ ضَعُفُوا عَنْ طُولِ الْقِيَامِ فَكَثَّرُوا الرَّكَعَاتِ حَتَّى بَلَغَتْ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ.

وَمِمَّا يُنَاسِبُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمَكَّةَ: فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ﴿لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَجُعِلَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ فَأُقِرَّتْ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَجْلِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ﴾ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ: إطَالَةُ الْقِيَامِ؟ أَمْ تَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ أَمْ هُمَا سَوَاءٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: وَهِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَد.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ﴾ . وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّك لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَك اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْك بِهَا خَطِيئَةً﴾ . ﴿وَقَالَ لِرَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ﴾ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ مُعْتَدِلَةً.
فَإِذَا أَطَالَ الْقِيَامَ يُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ كَمَا رَوَاهُ حُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُ.
وَهَكَذَا

كَانَتْ صَلَاتُهُ الْفَرِيضَةَ وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَغَيْرَهُمَا: كَانَتْ صَلَاتُهُ مُعْتَدِلَةً فَإِنْ فَضَّلَ مُفَضِّلٌ إطَالَةَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ تَقْلِيلِ الرَّكَعَاتِ وَتَخْفِيفِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ: فَهَذَانِ مُتَقَارِبَانِ.
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي حَالٍ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الضُّحَى يَوْمَ الْفَتْحِ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ يُخَفِّفُهُنَّ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ.
وَكَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ لَمَّا شَقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إطَالَةُ الْقِيَامِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْقُنُوتَ يَكُونُ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَأَنَّ الدُّعَاءَ فِي الْقُنُوتِ لَيْسَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَلَا يَدْعُو بِمَا خَطَرَ لَهُ بَلْ يَدْعُو مِنْ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ بِمَا يُنَاسِبُ سَبَبَ الْقُنُوتِ كَمَا أَنَّهُ إذَا دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ دَعَا بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقْصُودَ فَكَذَلِكَ إذَا دَعَا فِي الِاسْتِنْصَارِ دَعَا بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقْصُودَ كَمَا لَوْ دَعَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لِذَلِكَ السَّبَبِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقْصُودَ فَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مِنْ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ فَإِنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ يُسَنُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِسُنَّةِ رَاتِبَةٍ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ لَكِنْ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا فِي ذَلِكَ لَهُ تَأْوِيلُهُ كَسَائِرِ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ.
وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتْبَعَ إمَامَهُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ

فَإِذَا قَنَتَ قَنَتَ مَعَهُ وَإِنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ لَمْ يَقْنُتْ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ﴾ . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ﴾ . أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَرَأَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِسُورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَطَوَّلَهُمَا عَلَى الْأُولَيَيْنِ: لَوَجَبَتْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ.
فَإِذَا قَنَتَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَابِقَهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَابَعَتِهِ وَلِهَذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى عُثْمَانَ التَّرْبِيعَ بِمِنَى ثُمَّ إنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ أَرْبَعًا.
فَقِيلَ لَهُ: فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ.
وَكَذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ وَقْتِ الرَّمْيِ فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ إمَامُك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَحِلُّ لِرَجُلِ يَؤُمُّ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ﴾ . فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ كُلَّمَا دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَشْرَكَ الْمَأْمُومِينَ؟ وَهَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِدُعَائِهِ فِي صَلَاتِهِ دُونَهُمْ؟

جارٍ التحميل