مجموع الفتاوىصفحات 325-364

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 325-364
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

الْكِنَانِيُّ فِي " الْحَيْدَةِ " وَأَبْطَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَزِمَ خِلَافَ السَّلَفِ وَقَدْ كَتَبْت أَلْفَاظَهُ وَشَرَحْتهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّهُ يُمْكِنُ إبْطَالُ كَوْنِهِ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة وَلَا الكَرَّامِيَة؛ فَإِنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا قَامَ بِذَاتِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا؛ إذْ كَانَ حَاصِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَالْمَخْلُوقُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ، وَنَفْسُ تَكَلُّمِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَيْسَ خَلْقًا لَهُ بَلْ بِذَلِكَ التَّكَلُّمِ يَخْلُقُ غَيْرَهُ وَالْخَلْقُ لَا يَكُونُ خَلْقًا لِنَفْسِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ " الْكُلَّابِيَة ": أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ.
وَأَمَّا " الكَرَّامِيَة " فَيَقُولُونَ: صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ صِفَةِ الْكَمَالِ عَنْهُ وَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْحَادِثِ بِلَا سَبَبٍ وَيَلْزَمُ أَنَّ ذَاتَهُ صَارَتْ مَحَلًّا لِنَوْعِ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ: كَمَا تَقَوَّلَهُ " الكَرَّامِيَة " وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَهُوَ الَّذِي أَبْطَلَهُ السَّلَفُ بِأَنَّ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ نَوْعِ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ صِفَةَ نَقْصٍ فَإِنْ كَانَ كَمَالًا فَلَمْ يَزَلْ نَاقِصًا حَتَّى تُجَدِّدَ لَهُ ذَلِكَ الْكَمَالَ وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَقَدْ نَقَصَ بَعْدَ الْكَمَالِ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ لَا تُبْطِلُ قِيَامَ نَوْعِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ حُدُوثَ أَفْرَادِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ لَا حُدُوثَ النَّوْعِ وَالنَّوْعُ مَا زَالَ

قَدِيمًا وَمَا زَالَ مُتَّصِفًا بِالْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَذَلِكَ صِفَةُ كَمَالٍ فَلَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالْكَمَالِ وَلَا يَزَالُ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ: صَارَ مُرِيدًا وَمُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَإِذَا قِيلَ فِي ذَلِكَ: الْفَرْدُ مِنْ أَفْرَادِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ وَالْفِعْلِ: هَلْ هُوَ كَمَالٌ أَوْ نَقْصٌ؟ قِيلَ: هُوَ كَمَالٌ وَقْتَ وُجُودِهِ وَنَقْصٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، مِثْلُ مُنَادَاتِهِ لِمُوسَى كَانَتْ كَمَالًا لَمَّا جَاءَ مُوسَى وَلَوْ نَادَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَكَانَ نَقْصًا وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ أَفْرَادَ الْحَوَادِثِ يَمْتَنِعُ قِدَمُهَا وَمَا امْتَنَعَ قِدَمُهُ لَمْ يَكُنْ عَدَمُهُ فِي الْقِدَمِ نَقْصًا.
بَلْ النَّقْصُ الْمَنْفِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَدَمَ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بَلْ عَدَمُ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَيَكُونُ وُجُودُهُ خَيْرًا مِنْ عَدَمِهِ؛ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ الشَّيْءِ نَقْصًا إلَّا بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: بِأَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ مُمْكِنًا وَيَكُونَ وُجُودُهُ خَيْرًا مِنْ عَدَمِهِ فَإِذَا كَانَ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا: كَعَدَمِ الشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ فَهَذَا مَدْحٌ وَصِفَةُ كَمَالٍ وَإِذَا كَانَ عَدَمُهُ مُمْكِنًا فَالْأَوْلَى عَدَمُهُ: كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَخْلُقْهَا فَإِنَّهُ كَانَ أَنْ لَا يَخْلُقَهَا أَكْمَل مِنْ أَنْ يَخْلُقَهَا كَمَا أَنَّ مَا خَلَقَهُ كَانَ أَنْ يَخْلُقَهُ أَكْمَل مِنْ أَنْ لَا يَخْلُقَهُ.
وَحِينَئِذٍ فَمَا وُجِدَ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي ذَاتِهِ أَوْ بَائِنًا عَنْهُ كَانَ وُجُودُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ هُوَ الْكَمَالَ وَعَدَمُهُ وَقْتَ عَدَمِهِ هُوَ الْكَمَالَ وَكَانَ عَدَمُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ أَوْ وُجُودُهُ وَقْتَ عَدَمِهِ نَقْصًا يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَقَدْ تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ نَوْعِ الْحَوَادِثِ وَأَعْيَانِهَا وَأَنَّ النَّوْعَ لَوْ كَانَ حَادِثًا بِذَاتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَزِمَ كَمَالِهِ بَعْدَ نَقْصِهِ أَوْ نَقْصُهُ بَعْدَ كَمَالِهِ.

وَأَيْضًا فَالْحَادِثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَالْأَفْرَادُ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا؛ لِأَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا أُخْرَى تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا أَمَّا إذَا قُدِّرَ عَدَمُ النَّوْعِ كُلِّهِ ثُمَّ حَدَثَ لَزِمَ أَنْ يَحْدُثَ النَّوْعُ بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَأَيْضًا فَهَذَا " النَّوْعُ " إمَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ؛ أَوْ صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ أَمْكَنَ وُجُودُهُ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِعَدَمِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ حُدُوثُ الْقُدْرَةِ بِلَا سَبَبٍ وَانْتِقَالُ الْقُدْرَةِ وَالِامْتِنَاعُ إلَى الْإِمْكَانِ بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَفْرَادِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُمْتَنِعًا حَتَّى يَحْصُلَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُمْكِنًا؛ أَوْ كَانَ مُمْكِنًا وَلَكِنَّ الْحِكْمَةَ اقْتَضَتْ وُجُودَهُ بَعْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ إذَا قِيلَ بِحُدُوثِهِ لَمْ يَخْتَصَّ بِوَقْتِ؛ إذْ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يُعْقَلُ فِيهِ وَقْتٌ يُمَيِّزُهُ عَنْ وَقْتٍ.
وَ " أَيْضًا " فَكَذَلِكَ النَّوْعُ مُمْكِنٌ لَهُ لِوُجُودِهِ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَمَا كَانَ مُمْكِنًا لَمْ يَتَوَقَّفْ إلَّا عَلَى ذَاتِهِ لَزِمَ وُجُودُهُ بِوُجُودِ ذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِ نَوْعِ هَذِهِ الصِّفَات وَلُزُومِ النَّوْعِ لِذَاتِهِ وَإِنْ قِيلَ بِحُدُوثِ الْأَفْرَادِ.
وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَا تَقُومُ بِذَاتِهِ الصِّفَات الْحَادِثَةُ أَيْ: لَا يَقُومُ بِهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الصِّفَات الْحَادِثَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَالْإِرَادَةَ صِفَةٌ؛ وَلَا تَحْدُثُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَات وَلَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ هَذِهِ الصِّفَات؛ بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا مُرِيدًا وَإِنْ حَدَثَتْ

أَفْرَادُ كُلِّ صِفَةٍ، أَيْ: إرَادَةُ هَذَا الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ وَهَذَا الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَنَفْسُ الصِّفَةِ لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً.
وَعَلَى هَذَا يُقَالُ: لَوْ خَلَقَ فِي ذَاتِهِ " الْكَلَامَ " وَلَوْ أَحْدَثَ فِي ذَاتِهِ الْكَلَامَ وَلَوْ كَانَ كَلَامُهُ حَادِثًا أَوْ مُحْدَثًا؛ فَإِنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ: أَيْ هَذِهِ الصِّفَةَ وَنَوْعَهَا لَيْسَ بِحَادِثِ وَلَا مُحْدَثٍ؛ وَلَا مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ الْمُعَيَّنُ " كَالْقُرْآنِ " فَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا خَارِجًا عَنْ ذَاتِهِ؛ بَلْ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ.
وَهَلْ يُقَالُ: أَحْدَثَهُ فِي ذَاتِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ﴾ " وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لِهَذَا بَابًا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَاب وَالسُّنَّة.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ وَلَا لُغَةٍ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسَمِّي مَا قَامَ بِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ خَلْقًا لَهُ وَيَقُولُ: أَنَا خَلَقْت ذَلِكَ بَلْ يَقُولُ: أَنَا فَعَلْت وَتَكَلَّمْت وَقَدْ يَقُولُ: أَنَا أَحْدَثْت هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة﴾ " وَقَالَ: ﴿الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ". وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ " بِالْإِحْدَاثِ " هُنَا أَخَصّ مِنْ مَعْنَى الْإِحْدَاثِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ

وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا بِدْعَةً تُخَالِفُ مَا قَدْ سُنَّ وَشُرِعَ وَيُقَالُ لِلْجَرَائِمِ: الْأَحْدَاثُ وَلَفْظُ الْإِحْدَاثِ يُرِيدُونَ بِهِ ابْتِدَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ " ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ . وَلَا يُسَمُّونَ مَخْلُوقًا إلَّا مَا كَانَ بَائِنًا عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وَإِذَا قَالُوا عَنْ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَمُخْتَلَقٌ فَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ مُفْتَرًى كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ .

فَصْلٌ: وَمَا احْتَجَّ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فِي " مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ " إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ.
أَمَّا " الْفَلَاسِفَةُ " فَحُجَّتُهُمْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا كَمَا أَنَّ حُجَّةَ " الْأَشْعَرِيَّةِ " إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ احْتَجَّ عَلَى قِدَمِ الْعَيْنِ بِأَدِلَّةِ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا " الْمُتَكَلِّمُونَ " فَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ مَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ أَوْ مَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ وَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ هِيَ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ وَتَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ؛ فَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ الْمَحْدُودَةَ الَّتِي لَهَا أَوَّلٌ فَهُوَ حَادِثٌ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ فَكُلُّ مَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ حَادِثٍ لَهُ ابْتِدَاءٌ؛ أَوْ مَعَ حَادِثٍ لَهُ ابْتِدَاءٌ: فَهُوَ أَيْضًا حَادِثٌ لَهُ ابْتِدَاءٌ بِالضَّرُورَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَخْلُ مِنْ هَذِهِ الْحَوَادِثِ.
وَأَيْضًا فَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ حَوَادِثَ يُحْدِثُهَا فِيهِ غَيْرُهُ فَهُوَ حَادِثٌ بَلْ مَا احْتَاجَ إلَى الْحَوَادِثِ مُطْلَقًا فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا قَامَتْ بِهِ حَوَادِثُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ.

وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ " الْمُتَفَلْسِفَةِ " الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْفَلَكِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ؛ فَإِنَّ " أَرِسْطُو " يَقُولُ: إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى لِلتَّشَبُّهِ بِهَا وبرقلس وَابْنُ سِينَا وَنَحْوُهُمَا يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْلُولٌ لَهُ أَيْ مُوجَبٌ لَهُ وَالْأَوَّلُ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ لَهُ؛ فَالْجَمِيعُ يَقُولُونَ: إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ مَعَ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ؛ وَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا.
وَيَقُولُونَ: هُوَ قَدِيمٌ؛ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ.
وَيَقُولُ " ابْنُ سِينَا " إنَّهُ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ مَعَ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَهُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ.
وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ كَانَ مُمْكِنًا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مُحْدَثًا مِنْ وُجُوهٍ: (مِنْهَا: أَنَّ الْمُمْكِنَ الَّذِي يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ لَا يَكُونُ إلَّا مُحْدَثًا وَأَمَّا الْقَدِيمُ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ فَلَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ.
(وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ حَاجَتِهِ تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ مِنْ غَيْرِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ قَاهِرٌ لَهُ تُحْدَثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَمَا كَانَ مَقْهُورًا مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ وَلَا مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ؛ وَلَا عَزِيزًا وَلَا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ؛ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَصْنُوعًا مَرْبُوبًا فَيَكُونُ مُحْدَثًا.
وَ (أَيْضًا فَإِذَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي يُحْدِثُهَا فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَسْبِقْهَا؛ بَلْ كَانَتْ لَازِمَةً لَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ مَقْهُورًا مَعَ الْغَيْرِ مُتَصَرَّفًا لَهُ؛ يَدُلُّ

عَلَى أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ دَائِمًا وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ حَالَ حُدُوثِهِ فَقَطْ.
كَمَا يُبْطِلُ قَوْل الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي دَوَامِهِ مَعَ قِدَمِهِ وَعَدَمِ حُدُوثِهِ.
وَ " التَّحْقِيقُ " أَنَّهُ مُحْدَثٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ حَالَ الْحُدُوثِ وَحَالَ الْبَقَاءِ.
وَكَوْنُهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ مِنْ غَيْرِهِ؛ أَوْ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ مَعَ حَاجَتِهِ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُحْدَثٌ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ مَحَلًّا لِحَوَادِثَ يُحْدِثُهَا هُوَ فَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ لَا حَاجَتَهُ وَلَا حُدُوثَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ " الصَّحَابَةُ " يَذْكُرُونَ أَنَّ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ فِي الْعَالَمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَرْبُوبٌ؛ كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْمَرْبُوبُ مُحْدَثٌ وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ تَحْدُثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ فَكُلُّ فَلَكٍ فَإِنَّهُ يُحَرِّكُهُ غَيْرُهُ فَتَحْدُثُ فِيهِ الْحَرَكَةُ مِنْ غَيْرِهِ فَالْفَلَكُ الْمُحِيطُ يُحَرِّكُهَا كُلَّهَا وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ بِخِلَافِ حَرَكَتِهِ فَتَحْدُثُ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ حَادِثَةٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَهِيَ مُسْتَقِلَّةٌ بِحَرَكَتِهَا لَا تَحْتَاجُ فِيهَا إلَيْهِ؛ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ رَبًّا لَهَا وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ يُحَرِّكُهَا غَيْرُهَا فَكُلُّهَا مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ.

فَصْلٌ: وَقَدْ ذَكَرْنَا " أَصْلَيْنِ ": أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ الْحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ وَخَالَفُوا بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يَقُولُوهُ نَوْعٌ وَكَوْنَهُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ وَفَسَادِ قَوْلِهِمْ نَوْعٌ آخَرُ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حُجَجِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ.
أَمَّا " الْمُتَفَلْسِفَةُ " فَمِثْلُ حُجَجِهِمْ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَنْوَاعِ الْعِلَلِ الْأَرْبَعَةِ: " الْفَاعِلِيَّةِ " وَ " الغائية " وَ " الْمَادِّيَّةِ " وَ " الصورية " وَعُمْدَتُهُمْ: " الْفَاعِلِيَّةُ " وَهُوَ: أَنْ يَمْتَنِعَ أَنَّهُ يَصِيرُ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَيَجِبُ أَنَّهُ مَا زَالَ فَاعِلًا وَهَذِهِ أَعْظَمُ عُمْدَةِ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ وَهِيَ أَظُنُّهَا مَنْقُولَةً عَنْ برقلس.
وَأَمَّا " أَرِسْطُو " وَأَتْبَاعُهُ فَهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِهَا؛ إذْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ فَاعِلًا وَإِنَّمَا

احْتَجُّوا بِوُجُوبِ قِدَمِ الزَّمَانِ وَالْحَرَكَةِ وَهِيَ الصورية وَبِوُجُوبِ قِدَمِ الْمَادَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ مَسْبُوقٍ بِالْإِمْكَانِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ فَكُلُّ حَادِثٍ تَقْبَلُهُ مَادَّةٌ يَقْبَلُهُ وَأَمَّا " الْعِلَّةُ الغائية " فَمِنْ جِنْسِ " الْفَاعِلِيَّةِ " فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ الْحُجَجُ: إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ.
وَأَمَّا قِدَمُ " الْفَاعِلِيَّةِ " وَهُوَ: أَنَّهُ مَا زَالَ فَاعِلًا فَيُقَالُ: هَذَا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ بِالْفَاعِلِ أَنَّ مَفْعُولَهُ مُقَارِنٌ لَهُ فِي الزَّمَانِ؛ وَإِذَا كَانَ فَاعِلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَجَبَ مُقَارَنَةُ مَفْعُولِهِ لَهُ فَلَا يَتَأَخَّرُ فِعْلُهُ فَهَذِهِ عُمْدَتُكُمْ وَالْفَاعِلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ وَعِنْدَ سَلَفِكُمْ وَعِنْدَكُمْ أَيْضًا - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا فَيُحْدِثُهُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَلْ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَجِبُ تَأَخُّرُ كُلِّ مَفْعُولٍ لَهُ فَلَا يَكُونُ فِي مَفْعُولَاتِهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ فَيَكُونُ كُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثًا.
ثُمَّ لِلنَّاسِ هُنَا طَرِيقَانِ: " مِنْهُمْ " مَنْ يَقُولُ: يَجِبُ تَأَخُّرُ كُلِّ مَفْعُولٍ لَهُ وَأَنْ يَبْقَى مُعَطَّلًا عَنْ الْفِعْلِ ثُمَّ يُفْعَلُ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وَهَذَا النَّفْيُ يُنَاقِضُ دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ فَهُوَ يُنَاقِضُ مُوجَبَ تِلْكَ الْحُجَجِ.
وَ " الثَّانِي ": أَنْ يُقَالَ: مَا زَالَ فَاعِلًا لِشَيْءِ بَعْدَ شَيْءٍ فَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي اُخْتُصَّ بِالْقِدَمِ وَالْأَزَلِيَّةِ فَهُوَ " الْأَوَّلُ " الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ مَا زَالَ يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: الْحُجَجُ الَّتِي تُقِيمُونَهَا فِي وُجُوبِ قِدَمِ " الْفَاعِلِيَّةِ " كَمَا أَنَّهَا تُبْطِلُ قَوْلَ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ فَهِيَ أَيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَكُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ دَلَّتْ عَلَى دَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَيْتُمْ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ حَادِثٌ؛ إذْ كَانَ الْمَفْعُولُ الْمَعْلُولُ عِنْدَكُمْ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَ عِلَّتَهُ الْفَاعِلِيَّةَ فِي الزَّمَانِ وَكُلُّ مَا سِوَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مَعْلُولٌ لَهُ فَتَحْدُثُ مُقَارَنَةُ كُلِّ مَا سِوَاهُ فَلَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ حَادِثٌ وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْقُولِ وَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ.
وَأَيْضًا إذَا وَجَبَ فِي الْعِلَّةِ أَنْ يُقَارِنَهَا مَعْلُولُهَا فِي الزَّمَانِ فَكُلُّ حَادِثٍ يَجِبُ أَنْ يَحْدُثَ مَعَ حُدُوثِهِ حَوَادِثُ مُقْتَرِنَةٌ فِي الزَّمَانِ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَا نِهَايَةَ لَهَا.
وَهَذَا قَوْلٌ بِوُجُودِ عِلَلٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا؛ وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا؛ فَكَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ عِنْدَ كُلِّ حَادِثٍ ذَاتُ عِلَلٍ لَا تَتَنَاهَى فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَكَذَلِكَ شُرُوطُ الْعِلَّةِ وَتَمَامُهَا؛ فَإِنَّهَا إحْدَى جُزْأَيْ الْعِلَّةِ؛ فَلَا يَجُوزُ وُجُودُ مَا لَا يَتَنَاهَى فِي آنٍ وَاحِدٍ لَا فِي هَذَا الْجُزْءِ وَلَا فِي هَذَا الْجُزْءِ؛ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي " وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى عَلَى سَبِيلِ التَّعَاقُبِ " فَقَدْ زَالَ جُزْءُ حُجَّتِهِمْ لَيْسَ هُوَ مَا قَالُوهُ؛ بَلْ مُوجَبُهُ هُوَ " الْقَوْلُ الْآخَرُ " وَهُوَ: أَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَحِينَئِذٍ كَلُّ مَفْعُولٍ مُحْدَثٍ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا نَقِيضُ قَوْلِهِمْ؛ بَلْ هَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ

خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ بِهَذَا يَثْبُتُ أَنَّهُ لَا قَدِيمَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ كُلُّ مَا سِوَاهُ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ سَوَاءٌ سُمِّيَ عَقْلًا أَوْ نَفْسًا أَوْ جِسْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
بِخِلَافِ دَلِيلِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ عَلَى الْحُدُوثِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَدُلَّ إلَّا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَنَحْنُ أَثْبَتْنَا مَوْجُودَاتٍ غَيْرَ الْعُقُولِ وَ " أَهْلُ الْكَلَامِ " لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى انْتِفَائِهَا وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ: مِثْلُ الشِّهْرِسْتَانِيّ وَالرَّازِي والآمدي.
وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ وَدَلِيلُهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا؛ وَلِهَذَا صَارَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُجِيبُونَهُمْ " بِالْجَوَابِ الْبَاهِرِ " إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّنَاقُضِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ نَفْسَ مَا احْتَجُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ وَفَسَادِ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ وَيَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْقَدِيمُ دَلَالَةً صَحِيحَةً لَا مَطْعَنَ فِيهَا.
فَقَدْ تَبَيَّنَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - أَنَّ عُمْدَتَهُمْ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ وَهُوَ: حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ -. وَأَمَّا " الْحُجَّةُ " الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ الْحَرَكَةُ مَوْجُودَةً وَالزَّمَانُ مَوْجُودًا وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ حُدُوثُ هَذَا الْجِنْسِ - وَهَذَا مِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَرِسْطُو " وَأَتْبَاعُهُ - فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ لَا تَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَزَمَانِهَا وَلَا مِنْ الْمُتَحَرِّكَاتِ؛ فَلَا تَدُلُّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ: وَهُوَ قِدَمُ الْفَلَكِ وَحَرَكَتُهُ وَزَمَانُهُ؛

بَلْ تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحَرِّكٍ فَجَمِيعُ الْحَرَكَاتِ تَنْتَهِي إلَى مُحَرِّكٍ أَوَّلٍ.
وَهُمْ يُسَلِّمُونَ هَذَا فَذَلِكَ الْمُحَرِّكُ الْأَوَّلُ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ حَرَكَةُ مَا سِوَاهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّكًا لَزِمَ صُدُورُ الْحَرَكَةِ عَنْ غَيْرِ مُتَحَرِّكٍ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ؛ فَإِنَّ الْمَعْلُولَ إنَّمَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِعِلَّتِهِ فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُولُ يَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ بَاقِيَةً عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ: كَمَا قُلْتُمْ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ عَنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ بَلْ امْتِنَاعُ دَوَامِ الْحُدُوثِ عَنْهَا أَوْلَى مِنْ امْتِنَاعِ حُدُوثٍ مُتَجَدِّدٍ؛ فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُمْتَنِعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ ذَاكَ.
فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: مِنْ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ سَبَبٌ يُوجِبُ كَوْنَهُ فَاعِلًا وَأَنَّهُ إذَا كَانَ حَالُ الْفَاعِلِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا وَلَمْ يَحْدُثْ عَنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُمْ: وَهَذَا الْمَعْلُومُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ مُوجَبُ أَنَّهَا لَا يَحْدُثُ عَنْهَا فِي الزَّمَانِ الثَّانِي شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ إلَّا لِمَعْنَى حَدَثَ فِيهَا فَإِذَا لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَحْدُثْ عَنْهَا شَيْءٌ.
فَإِذَا قِيلَ بِدَوَامِ الْحَوَادِثِ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْدُثَ فِيهَا شَيْءٌ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِوُجُودِ الْمُمْتَنِعَاتِ دَائِمًا؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَادِثٍ يَحْدُثُ إلَّا قُلِبَتْ الذَّاتُ عِنْدَ حُدُوثِهِ لِمَا كَانَتْ قَبْلَ حُدُوثِهِ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَنْهَا حُدُوثُهُ؛ فَالْآنَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَنْهَا حُدُوثُهُ.

أَوْ يُقَالُ: كَانَتْ لَا تُحْدِثُهُ فَهِيَ الْآنَ لَا تُحْدِثُ فَهِيَ عِنْدَ حُدُوثِ كُلِّ حَادِثٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَبْلَ حُدُوثِهِ لَمْ تَكُنْ مُحْدِثَةً لَهُ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ الْحِينُ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ حُدُوثُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُدُوثُ فِيهِ مُمْتَنِعًا.
وَهَذَا مِمَّا اعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ بِأَنَّهُ لَازِمٌ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَالرَّازِي وَغَيْرُهُمَا وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ حُدُوثَ المتغير عَنْ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ مُخَالِفٌ لِلْعُقَلَاءِ وَابْنُ سِينَا تَفَطَّنَ لِهَذَا.

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - عَنْ جَوَابِ شُبْهَةِ " الْمُعْتَزِلَةِ " فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ؟ ادَّعَوْا أَنَّ " صِفَاتِ الْبَارِي لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ " لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقُومَ وُجُودُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ عَدَمِهَا عَدَمُهُ أَوْ لَا فَإِنْ يَقُمْ فَقَدْ تَعَلَّقَ وُجُودُهُ بِهَا وَصَارَ مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ إلَّا بِمَجْمُوعِهَا وَالْمُرَكَّبُ مَعْلُولٌ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ وُجُودُهُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ عَدَمِهَا عَدَمُهُ فَهِيَ عَرَضِيَّةٌ وَالْعَرَضُ مَعْلُولٌ؛ وَهُمَا عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِي غَيْرُ زَائِدَةٍ عَلَى ذَاتِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَرَحْمَةٌ وَمَشِيئَةٌ وَعِزَّةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ .

وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: " ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ﴾ " وَفِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي﴾ " وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " لَا وَعِزَّتِك " وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ بقل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ - وَهُوَ إمَامٌ - فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ﴾ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَسْمِيَتِهَا صِفَةَ الرَّحْمَنِ.
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا آثَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُخْبَرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ فَإِنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ لِلْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ ثَوْبٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَوْ لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿لَا تَنْعَتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا﴾ " وَالنَّعْتُ الْوَصْفُ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَ " الصِّفَةُ " مَصْدَرُ وَصَفْت الشَّيْءَ أَصِفُهُ وَصْفًا وَصِفَةً مِثْلُ وَعَدَ وَعْدًا وَعِدَةً وَوَزَنَ وَزْنًا وَزِنَةً؛ وَهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا يُسَمُّونَ الْمَخْلُوقَ خَلْقًا وَيَقُولُونَ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ فَإِذَا وُصِفَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا: سُمِّيَ الْمَعْنَى الَّذِي وُصِفَ بِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ صِفَةً.
فَيُقَالُ لِلرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ: صِفَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ.

ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ " الْمُعْتَزِلَةِ " وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ: الْوَصْفُ وَالصِّفَةُ اسْمٌ لِلْكَلَامِ فَقَطْ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ مَعَانٍ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ " مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية " يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ فَيَقُولُونَ: الْوَصْفُ هُوَ الْقَوْلُ وَالصِّفَةُ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْمَوْصُوفِ؛ وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ تَارَةً وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى.
وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ صَرَّحَا بِثُبُوتِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَمَّا لَفْظُ " الذَّاتِ " فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ تَأْنِيثُ ذُو وَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ مُضَافًا إلَى أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِذَلِكَ.
فَيُقَالُ: شَخْصٌ ذُو عِلْمٍ وَذُو مَالٍ وَشَرَفٍ وَيَعْنِي حَقِيقَتَهُ؛ أَوْ عَيْنٌ أَوْ نَفْسٌ ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَسُلْطَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُضَافُ إلَى الْأَعْلَامِ كَقَوْلِهِمْ ذُو عَمْرٍو وَذُو الْكُلَاعِ وَقَوْلِ عُمَرَ: الْغَنِيُّ بِلَالٌ وَذَوُوهُ.
فَلَمَّا وَجَدُوا اللَّهَ قَالَ فِي الْقُرْآنِ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وَ ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ : وَصَفُوهَا، فَقَالُوا: نَفْسٌ ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَرَحْمَةٍ وَمَشِيئَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ حَذَفُوا الْمَوْصُوفَ وَعَرَّفُوا الصِّفَةَ.
فَقَالُوا: الذَّاتُ.
وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ؛ لَيْسَتْ قَدِيمَةً وَقَدْ وُجِدَتْ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ لَكِنْ بِمَعْنَى آخَرَ مِثْلَ قَوْلِ خبيب الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ:

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ﴿لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ﴾ " وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: كُلُّنَا أَحْمَقُ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: أُصِبْنَا فِي ذَاتِ اللَّهِ.
وَالْمَعْنَى فِي جِهَةِ اللَّهِ وَنَاحِيَتِهِ؛ أَيْ لِأَجْلِ اللَّهِ وَلِابْتِغَاءِ وَجْهِهِ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ النَّفْسَ.
وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْآنِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ الْخَصْلَةِ وَالْجِهَةِ الَّتِي هِيَ صَاحِبَةُ بَيْنِكُمْ وَعَلِيمٌ بِالْخَوَاطِرِ وَنَحْوِهَا الَّتِي هِيَ صَاحِبَةُ الصُّدُورِ.
فَاسْمُ " الذَّاتِ " فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ: بِهَذَا الْمَعْنَى.
ثُمَّ أَطْلَقَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى " النَّفْسِ " بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَإِنَّهَا صَاحِبَةُ الصِّفَاتِ.
فَإِذَا قَالُوا الذَّاتُ فَقَدْ قَالُوا الَّتِي لَهَا الصِّفَاتُ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَغَيْرِ مَرْفُوعٍ " ﴿تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ؛ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ﴾ " فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ أَوْ نَظِيرُهُ ثَابِتًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: فَقَدْ وُجِدَ فِي كَلَامِهِم

ْ إطْلَاقُ اسْمِ " الذَّاتِ " عَلَى النَّفْسِ

كَمَا يُطْلِقُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ يَبْقَى " كَالْحَرَكَةِ " وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَقَائِهَا كَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَبْقَى.
وَهَؤُلَاءِ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْجِسْمِ؛

فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ بِصِفَاتِ اللَّهِ عَلَى حُدُوثِ الْمَوْصُوفِ أَوْلَى وَأَحْرَى مَعَ أَنَّ " هَذِهِ الْحُجَّةَ " عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ فِيهَا نَظَرٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَهَكَذَا أَيْضًا يُقَالُ لِلْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ مُبْدِئٌ لِلْعَالَمِ وَسَبَبٌ لِوُجُودِهِ وَيَذْكُرُونَ لَهُ مِنْ الْعَقْلِ وَالْعِنَايَةِ أُمُورًا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إثْبَاتِهَا.
فَالْكَلَامُ فِيمَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالْكَلَامِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ لِجَمِيعِ الطَّوَائِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَقٌّ بِالِاضْطِرَارِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ.
فَإِذَا كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ فَكَذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِنَفْسِهِ مِنْ الصِّفَاتِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ.
فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ جَوْهَرًا قَامَ بِهِ عَرَضٌ مُحْدَثٌ دَلَّ عَلَى حُدُوثِ الْجَوْهَرِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا قَامَ بِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ عَرَضًا إلَّا إذَا اسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا.
فَإِنَّهُ إذَا سَاغَ لِقَائِلِ أَنْ لَا يُسَمِّيَ بَعْضَ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا: سَاغَ لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يُسَمِّيَ بَعْضَ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ عَرَضًا؛ بَلْ نَفْيُ الْعَرَضِ عَنْ الْمَعَانِي الْبَاقِيَةِ أَقْرَبُ إلَى اللُّغَةِ فَإِنْ سَمَّى الْمُسَمِّي كُلَّ مَا قَامَ بِغَيْرِهِ عَرَضًا سَاغَ حِينَئِذٍ أَنْ يُسَمِّيَ كُلَّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا.

" وَحِينَئِذٍ " فَالِاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ عَرَضٍ وَصِفَةٍ عَلَى حُدُوثِ جَوْهَرِهِ وَمَوْصُوفِهِ: لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَرَضٍ وَصِفَةٍ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ جَوْهَرِهِ وَمَوْصُوفِهِ؛ وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِحُدُوثِ جَمِيعِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ لِدُخُولِ الْقَدِيمِ فِي هَذَا الْعُمُومِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ بَلْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِإِمْكَانِ شَيْءٍ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ الْجَوَابُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ الْمُعَارَضَةِ وَالْإِلْزَامِ وَمِنْ جِهَةِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْإِفْسَادِ.
وَتَبَيَّنَ بِالْوَجْهَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَاسِدَةٌ عَلَى أُصُولِ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَفَاسِدَةٌ فِي نَفْسِهَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا نَفْيُهَا وَمَا لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِهِ نَفْيُهُ كَانَ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْحَلِّ وَالْبَيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ - وَهِيَ شُبْهَةُ " التَّرْكِيبِ " وَهِيَ فَلْسَفِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ وَالْأُولَى مُعْتَزِلِيَّةٌ مَحْضَةٌ - فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَجْعَلُونَ أَخَصَّ وَصْفِهِ الْقَدِيمَ وَيُثْبِتُونَ حُدُوثَ مَا سِوَاهُ.
وَالْفَلَاسِفَةُ يَجْعَلُونَ أَخَصَّ وَصْفِهِ وُجُوبَ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ وَإِمْكَانَ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْحُدُوثِ عَنْ عَدَمٍ وَيَجْعَلُونَ " التَّرْكِيبَ " الَّذِي ذَكَرُوهُ مُوجِبًا لِلِافْتِقَارِ الْمَانِعِ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ.

فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُشْتَمِلٌ عَلَى فَنَّيْنِ: الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ وَالثَّانِي الْحَلُّ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَهُ عَالِمًا قَادِرًا وَيُثْبِتُونَهُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ فَاعِلًا لِغَيْرِهِ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَفْهُومَ كَوْنِهِ عَالِمًا غَيْرُ مَفْهُومِ الْفِعْلِ لِغَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لَزِمَ " التَّرْكِيبُ " الَّذِي ادَّعَوْهُ؛ وَإِنْ كَانَتْ عَرَضِيَّةً لَزِمَ " الِافْتِقَارُ " الَّذِي ادَّعَوْهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ: فَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ.
وَأَمَّا " الْمُنَاقَضَةُ ": فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ فَلَا وَاجِبَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ التَّرْكِيبِ مُحَالٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْا الْمَعَانِيَ لِاسْتِلْزَامِهَا ثُبُوتَ " التَّرْكِيبِ " الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ؛ فَإِنَّ نَفْيَ الْمَعَانِي مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ؛ فَكَيْفَ يَنْفُونَهَا لِثُبُوتِهِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ حَقٌّ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ فَاعِلٌ؛ وَالْمُمْكِنُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا عَالِمًا قَادِرًا فَاعِلًا.
وَلَيْسَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ بَلْ فِي مَعَانٍ مَعْقُولَةٍ مَعْلُومَةٍ بِالِاضْطِرَارِ.
فَإِنْ كَانَ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ مُسْتَلْزِمًا لِمَا بِهِ الِامْتِيَازُ: فَقَدْ صَارَ الْوَاجِبُ مُمْكِنًا وَالْمُمْكِنُ وَاجِبًا؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا: فَقَدْ صَارَ لِلْوَاجِبِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ

الْمُمْكِنِ غَيْرُ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُشْتَرَكَةِ؛ فَصَارَ فِيهِ جِهَةُ اشْتِرَاكٍ وَجِهَةُ امْتِيَازٍ؛ وَهَذَا عِنْدَهُمْ " تَرْكِيبٌ " مُمْتَنِعٌ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا التَّرْكِيبُ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِ الْوَاجِبِ فَقَدْ صَارَ ثُبُوتُ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِهِ؛ وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ.
فَثَبَتَ بِهَذَا " الْبُرْهَانِ الْبَاهِرِ " أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ مُتَنَاقِضَةٌ فِي نَفْسِهَا كَمَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ لِمَا أَثْبَتُوهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي هُوَ الْحَلُّ.
فَنَقُولُ: " التَّرْكِيبُ " الْمَعْقُولُ فِي عَقْلِ بَنِي آدَمَ وَلُغَةِ الْآدَمِيِّينَ هُوَ تَرْكِيبُ الْمَوْجُودِ مِنْ أَجْزَائِهِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ تَرْكِيبُ الْجِسْمِ مِنْ أَجْزَائِهِ كَتَرْكِيبِ الْإِنْسَانِ مِنْ أَعْضَائِهِ وَأَخْلَاطِهِ وَتَرْكِيبِ الثَّوْبِ مِنْ أَجْزَائِهِ وَتَرْكِيبِ الشَّرَابِ مِنْ أَجْزَائِهِ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْآخَرِ كَانْفِصَالِ الْيَدِ عَنْ الرِّجْلِ أَوْ شَائِعًا فِيهِ كَشِيَاعِ الْمَرَّةِ فِي الدَّمِ وَالْمَاءِ فِي اللَّبَنِ.
وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ " الْمَنْطِقِيُّونَ " مِنْ تَرْكِيبِ الْأَنْوَاعِ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ: كَتَرْكِيبِ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَاطِقٍ وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِمَّا بِهِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ وَمِمَّا بِهِ امْتِيَازُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْوَاعِ وَتَقْسِيمُهُمْ الصِّفَاتِ إلَى " ذَاتِيٍّ " تَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْحَقَائِقُ وَهُوَ الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ؛ وَإِلَى " عَرَضِيٍّ " وَهُوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ وَالْخَاصَّةُ.
ثُمَّ الْحَقِيقَةُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُمَيَّزِ: هِيَ " النَّوْعُ ". فَنَقُولُ: هَذَا " التَّرْكِيبُ " أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ ذِهْنِيٌّ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ؛ كَمَا أَنَّ " ذَاتَ النَّوْعِ " مِنْ حَيْثُ هِيَ عَامَّةٌ لَيْسَ لَهَا ثُبُوتٌ فِي الْخَارِجِ بَلْ نَفْسُ

الْحَقَائِقِ الْخَارِجَةِ لَيْسَ فِيهَا عُمُومٌ خَارِجِيٌّ وَلَا تَرْكِيبٌ خَارِجِيٌّ كَمَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ " الْمَعْدُومِ ": إنَّهُ شَيْءٌ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ؛ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ بِهِ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ فِيهِ ذَوَاتٌ مُتَمَيِّزَةٌ بَعْضُهَا حَيَوَانِيَّةٌ وَبَعْضُهَا ناطقية وَبَعْضُهَا ضاحكية وَبَعْضُهَا حَسَّاسِيَّةٌ؛ بَلْ الْعَقْلُ يُدْرِكُ مِنْهُ مَعْنًى وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتٌ لِنَوْعِ آخَرَ.
فَيَقُولُ فِيهِ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ وَيُدْرِكُ فِيهِ مَعْنًى مُخْتَصًّا ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ.
فَيَقُولُ: هُوَ مُؤَلَّفٌ مِنْهُمَا ثُمَّ إذَا أَدْرَكَ فِيهِ الْمَعْنَيَيْنِ: لَمْ يُدْرِكْ أَنَّ أَحَدَهُمَا فِيهِ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ مُنْفَصِلٌ؛ كَمَا أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ الْوُجُودَ وَالْوُجُوبَ وَالْقِيَامَ بِالنَّفْسِ وَالْإِقَامَةَ لِلْغَيْرِ: لَمْ يُدْرِكْ أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي مُنْفَصِلًا عَنْ الْآخَرِ مُتَمَيِّزًا عَنْهُ.
بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ وَالرِّيحَ الْقَائِمَةَ بِالْجِسْمِ: لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِمَحَالِّهَا؛ وَإِنَّمَا الْحِسُّ يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ.
فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ " التَّرْكِيبِ ": لَيْسَ مِنْ جِنْسِ تَرْكِيبِ الْجَسَدِ مِنْ أَبْعَاضِهِ وَأَخْلَاطِهِ؛ فَلَيْسَتْ الْأَبْعَاضُ كَالْأَعْرَاضِ وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا مُرَكَّبًا فَإِنَّ هَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ.
وَلَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ: لَيْسَ مِنْ جِنْسِ التَّرْكِيبِ الَّذِي يَعْقِلُهُ بَنُو آدَمَ بِالْفِطْرَةِ الْأُولَى حَتَّى يُطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْأَجْزَاءِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا: كَانَ الْجَوَابُ مِنْ فَنَّيْنِ فِي الْحَلِّ؛ كَمَا كَانَ مَنْ فَنَّيْنِ فِي الْإِبْطَالِ.
(أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هُنَاكَ تَرَكُّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ بِحَالِ وَإِنَّمَا هِيَ ذَاتٌ قَائِمَةٌ

بِنَفْسِهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلَوَازِمِهَا الَّتِي لَا يَصِحُّ وُجُودُهَا إلَّا بِهَا؛ وَلَيْسَتْ صِفَةُ الْمَوْصُوفِ أَجْزَاءً لَهُ وَلَا أَبْعَاضًا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ أَوْ تَتَمَيَّزُ عَنْهُ؛ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُ أَوْ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً.
فَثُبُوتُ التَّرْكِيبِ وَنَفْيُهُ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ وَتَصَوُّرُهُ هُنَا مُنْتَفٍ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا يُسَمَّى مُرَكَّبًا: فَلَيْسَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا لِلْإِمْكَانِ وَلَا لِلْحُدُوثِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عُلِمَ بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى فَقِيرًا إلَى خَلْقِهِ؛ بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ الْعَالَمِينَ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهِ وَمَوْجُودَةٌ بِذَاتِهِ وَأَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ لَيْسَ ثُبُوتُهُ وَغِنَاهُ مُسْتَفَادًا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ حَقًّا صَمَدًا قَيُّومًا فَهَلْ يُقَالُ فِي ذَلِكَ إنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَى نَفْسِهِ أَوْ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَا تَقُومُ إلَّا بِنَفْسِهِ؟ فَالْقَوْلُ فِي " صِفَاتِهِ " الَّتِي هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى نَفْسِهِ هُوَ الْقَوْلُ فِي نَفْسِهِ.
فَإِذَا قِيلَ صِفَاتُهُ ذَاتِيَّةٌ وَقِيلَ إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا: كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ هِيَ مَا لَا تَكُونُ النَّفْسُ بِدُونِهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا: ذَاتُهُ مُوجِبَةٌ لِوُجُودِهِ أَوْ هُوَ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ أَوْ هُوَ مُقْتَضٍ لِوُجُوبِهِ.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا وَالْمَعْلُولُ مُفْتَقِرٌ قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ الْعِلَّةُ هُنَا غَيْرَ الْمَعْلُولِ وَالْمُنْتَفِي افْتِقَارُهُ إلَى غَيْرِهِ وَكَوْنُهُ مَعْلُولًا لِسِوَاهُ.
وَأَمَّا قِيَامُهُ بِنَفْسِهِ فَحَقٌّ.

ثُمَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ الَّتِي تُوهِمُ مَعْنًى فَاسِدًا: إنْ أُطْلِقَتْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ أَوْ لَمْ تُطْلَقْ بِحَالِ: لَمْ يَضُرّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ مَعْلُومًا لَا يَنْدَفِعُ.
فَهَذَا الْمَعْنَى الشَّرِيفُ يَجِبُ التَّفَطُّنُ لَهُ فَإِنَّهُ يُزِيلُ شُبَهًا خَيَالِيَّةً أَضَلَّتْ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا " الْمَاهِيَّاتُ " مَجْعُولَةٌ: فَنَعْنِي بِذَلِكَ الْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةَ فِي الْخَارِجِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ؛ إذْ لَيْسَ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ شَيْئًا غَيْرَ وُجُودِهِ وَذَلِكَ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا.
فَالْمُرَكَّبُ فِي الْخَارِجِ: لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْفَاعِلِ لِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا بَلْ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مُفْتَقِرَةٌ وَآنِيَّتَهُ مُضْطَرَّةٌ لَيْسَ لَهُ ثُبُوتٌ وَلَا وُجُودٌ وَلَا آنِيَّةٌ إلَّا مِنْ رَبِّهِ؛ وَلِذَلِكَ افْتَقَرَ الْمُفْرَدُ إلَى الصَّانِعِ؛ كَافْتِقَارِ الْمُرَكَّبِ.
وَأَمَّا مَا يَعْلَمُهُ الْعَقْلُ مِنْ " الْمَاهِيَّاتِ " مُفْرَدِهَا وَمُرَكَّبِهَا: فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْفَاعِلِ إلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ؛ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مُفْتَقِرٌ إلَى أَجْزَائِهِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّ الْمُرَكَّبَ لَيْسَ مُفْتَقِرًا إلَى أَجْزَائِهِ؛ لَا فِي الذِّهْنِ وَلَا فِي الْخَارِجِ إلَّا كَافْتِقَارِ الْمُفْرَدِ إلَى نَفْسِهِ؛ فَجُزْءُ الْمُرَكَّبِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنِ الْمُفْرَدِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُفْتَقِرٌ إلَى غَيْرِهِ فِي الْخَارِجِ.
فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى نَفْسِهِ: جَازَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى وَصْفِهِ أَوْ جُزْئِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ هَذَا.
فَلَيْسَ وَصْفُ الْمَوْصُوفِ وَجُزْءُ الْمُرَكَّبِ

  • الَّذِي لَا تَقُومُ ذَاتُهُ إلَّا بِهِ - إلَّا بِمَنْزِلَةِ ذَاتِهِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِنَا هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى نَفْسِهِ مَا يَرْفَعُ وُجُوبَهُ بِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
    فَظَهَرَ الْخَلَلُ فِي كُلِّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَهُوَ أَنَّ الصِّفَاتِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّرْكِيبِ وَأَنَّ التَّرْكِيبَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَاجَةِ إلَى الْغَيْرِ وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةً: بَطَلَ هَذَا بِالْكُلِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَى جِيرَانِهِ سُكَّانِ " الْمَدِينَةِ طِيبَةَ " مِنْ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
إلَى الشِّيحِ الْإِمَامِ الْعَارِفِ النَّاسِكِ الْمُقْتَدِي الزَّاهِدِ الْعَابِدِ: شَمْسِ الدِّينِ كَتَبَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُ بِرُوحِ مِنْهُ وَآتَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَعَلَّمَهُ مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا وَجَعَلَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ وَخَاصَّتِهِ الْمُصْطَفَيْنَ وَرَزَقَهُ اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَاللَّحَاقَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ - مِنْ أَحْمَد بْنِ تَيْمِيَّة: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّا نَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَخِيرَتِهِ مِنْ بَرِيَّتِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ " مُحَمَّدٍ " وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

كِتَابِي إلَيْك - أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إحْسَانًا يُنِيلُك بِهِ عَالِيَ الدَّرَجَاتِ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ عَنْ نِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٍ وَعَافِيَةٍ شَامِلَةٍ لَنَا وَلِسَائِرِ إخْوَانِنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ.
وَقَدْ وَصَلَ مَا أَرْسَلْته مِنْ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَرْجُو مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا مُبَلِّغًا لِدَرَجَاتِ قَصَرَ الْعَمَلُ عَنْهَا وَسَبَقَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَنَّهَا سَتُنَالُ وَأَنْ تَكُونَ الْخِيرَةُ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْضِي لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قَضَاءٍ إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ وَأَنَّ النِّيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَشَوِّقَةً إلَى أَمْرٍ حَجَزَ عَنْهُ الْمَرَضُ فَإِنَّ الْخِيرَةَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا أَرَادَهُ اللَّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَخِيرُ لَكُمْ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ خِيَرَةً تُحَصِّلُ لَكُمْ رِضْوَانَ اللَّهِ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ وَمَا تَشْتَكِي مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْقَلْبِ وَالدِّينِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَلَّاكُمْ بِحُسْنِ رِعَايَتِهِ تَوَلِّيًا لَا يَكِلُكُمْ فِيهِ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَيُصْلِحَ لَكُمْ شَأْنَكُمْ كُلَّهُ صَلَاحًا يَكُونُ بَدْؤُهُ مِنْهُ وَإِتْمَامُهُ عَلَيْهِ وَيُحَقِّقَ لَكُمْ مَقَامَ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
مَعَ أَنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ وَشَهَادَةُ التَّأْخِيرِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ الَّتِي يَسْتَوْجِبُ بِهَا التَّقَدُّمَ وَيُتِمُّ لَهُ بِهَا النِّعْمَةَ وَيَكْفِي بِهَا مُؤْنَةَ شَيْطَانِهِ الْمُزَيِّنِ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ وَمُؤْنَةَ نَفْسِهِ الَّتِي تُحِبُّ أَنْ تُحْمَدَ بِمَا لَمْ تَفْعَلْ وَتَفْرَحَ

بِمَا أَتَتْ.
وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . وَفِي الْأَثَرِ - أَظُنُّهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -: مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ فِي الْجَنَّةِ فَهُوَ فِي النَّارِ.
وَقَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا أَمِنَ أَحَدٌ عَلَى إيمَانٍ يُسْلَبُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَلَّا يُسْلَبَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَكَرَهُمْ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ وَغَفَرَ لَهُمْ سَيِّئَهَا فَيَقُولُ الرَّجُلُ: أَيْنَ أَنَا مِنْ هَؤُلَاءِ يَعْنِي: وَهُوَ مِنْهُمْ وَذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ بِأَقْبَحِ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْبَطَ حَسَنَهَا فَيَقُولُ الْقَائِلُ لَسْت مِنْ هَؤُلَاءِ؟ يَعْنِي: وَهُوَ مِنْهُمْ.
هَذَا الْكَلَامُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
فَلْيَبْرُدْ الْقَلْبُ مِنْ وَهَجِ حَرَارَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ إنَّهَا سَبِيلٌ مَهِيعٌ لِعِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ أَطْبَقَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ اللَّهِ بِالْمَكَانَةِ الْعَالِيَةِ مَعَ أَنَّ الِازْدِيَادَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ هُوَ النَّافِعُ فِي الْأَمْرِ الْغَالِبِ مَا لَمْ يُفْضِ إلَى تَسَخُّطٍ لِلْمَقْدُورِ أَوْ يَأْسٍ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ؛ أَوْ فُتُورٍ عَنْ الرَّجَاءِ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّاكُمْ بِوَلَايَةٍ مِنْهُ وَلَا يَكِلُكُمْ إلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرْت مِنْ طَلَبِ الْأَسْبَابِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ صَرْفِ الْكَلَامِ مِنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ فَأَنَا أَذْكُرُ مُلَخَّصَ الْكَلَامِ الَّذِي جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا حَكَيْته لَك وَطَلَبْته وَكَانَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَلَى مَا فِي الْحِكَايَةِ مِنْ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَتَغْيِيرٍ.
قَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ: إذَا أَرَدْنَا أَنْ نَسْلُكَ طَرِيقَ سَبِيلِ السَّلَامَةِ وَالسُّكُوتِ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ عَلَيْهَا السَّلَامَةُ قُلْنَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: آمَنْت بِاَللَّهِ وَبِمَا جَاءَ عَنْ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ وَآمَنْت بِرَسُولِ اللَّهِ وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِذَا سَلَكْنَا سَبِيلَ الْبَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ فَإِنَّ الْحَقَّ مَذْهَبُ مَنْ يَتَأَوَّلُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثَ الصِّفَاتِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ.
فَقُلْت لَهُ: أَمَّا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَمَنْ اعْتَقَدَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِقَوْلِ يُنَاقِضُهُ فَإِنَّهُ سَالِكٌ سَبِيلَ السَّلَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا إذَا بَحَثَ الْإِنْسَانُ وَفَحَصَ وَجَدَ مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي يُخَالِفُونَ بِهِ أَهْلَ الْحَدِيثِ كُلَّهُ بَاطِلًا وَتَيَقَّنَ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَقَالَ: أَتُحِبُّ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِي هَذَا؟ فَتَوَاعَدْنَا يَوْمًا فَكَانَ فِيمَا تَفَاوَضْنَا: أَنَّ أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا مُتَأَخِّرُو الْمُتَكَلِّمِينَ - مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الْأَشْعَرِيِّ - لِأَهْلِ الْحَدِيثِ " ثَلَاثُ مَسَائِلَ "

وَصْفُ اللَّهِ بِالْعُلُوِّ عَلَى الْعَرْشِ.
وَمَسْأَلَةُ الْقُرْآنِ.
وَمَسْأَلَةُ تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ.
فَقُلْت لَهُ: نَبْدَأُ بِالْكَلَامِ عَلَى " مَسْأَلَةِ تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ " فَإِنَّهَا الْأُمُّ وَالْبَاقِي مِنْ الْمَسَائِلِ فَرْعٌ عَلَيْهَا وَقُلْت لَهُ: مَذْهَبُ " أَهْلِ الْحَدِيثِ " وَهُمْ السَّلَفُ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْخَلَفِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ وَيُؤْمَنُ بِهَا وَتُصَدَّقُ وَتُصَانُ عَنْ تَأْوِيلٍ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلٍ وَتَكْيِيفٍ يُفْضِي إلَى تَمْثِيلٍ.
وَقَدْ أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَكَى إجْمَاعَ السَّلَفِ - مِنْهُمْ الخطابي - مَذْهَبَ السَّلَفِ: أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي " الصِّفَاتِ " فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي " الذَّاتِ " يُحْتَذَى حَذْوُهُ وَيُتَّبَعُ فِيهِ مِثَالُهُ؛ فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ؛ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ فَنَقُولُ إنَّ لَهُ يَدًا وَسَمْعًا وَلَا نَقُولُ إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ وَمَعْنَى السَّمْعِ الْعِلْمُ.
فَقُلْت لَهُ: وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: " مَذْهَبُ السَّلَفِ " أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ وَيَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ خَطَأٌ: إمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى أَوْ لَفْظًا لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ قَدْ صَارَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ:

أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْيَدَ جَارِحَةٌ مِثْلُ جَوَارِحِ الْعِبَادِ وَظَاهِرُ الْغَضَبِ غَلَيَانُ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ وَظَاهِرُ كَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَشِبْهَهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَنُعُوتِ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَقَدْ صَدَقَ وَأَحْسَنَ؛ إذْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ؛ بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ يُكَفِّرُونَ الْمُشَبِّهَةَ وَالْمُجَسِّمَةَ.
لَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ أَخْطَأَ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ؛ وَحَيْثُ حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ؛ فَإِنَّ " ظَاهِرَ الْكَلَامِ " هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْعَقْلِ السَّلِيمِ مِنْهُ لِمَنْ يَفْهَمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ظُهُورُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَقَدْ يَكُونُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ؛ وَلَيْسَتْ " هَذِهِ الْمَعَانِي " الْمُحْدَثَةَ الْمُسْتَحِيلَةَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى هِيَ السَّابِقَةَ إلَى عَقْلِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ الْيَدُ عِنْدَهُمْ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالذَّاتِ فَكَمَا كَانَ عِلْمُنَا وَقُدْرَتُنَا وَحَيَاتُنَا وَكَلَامُنَا وَنَحْوُهَا مِنْ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا تَدُلُّ عَلَى حُدُوثَنَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِمِثْلِهَا؛ فَكَذَلِكَ أَيْدِينَا وَوُجُوهُنَا وَنَحْوُهَا أَجْسَامًا كَذَلِكَ مُحْدَثَةً يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِمِثْلِهَا.
ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إذَا قُلْنَا إنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا إنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ثُمَّ يُفَسِّرُ بِصِفَاتِنَا.
فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ظَاهِرَ الْيَدِ وَالْوَجْهِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِنَا جِسْمٍ أَوْ عَرَضٍ لِلْجِسْمِ.

وَمَنْ قَالَ: إنَّ ظَاهَرَ شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مُرَادٍ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ اسْمٍ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَّا وَالظَّاهِرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ فَكَانَ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ قَدْ أُرِيدَ بِهَا مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْفَسَادِ.
(وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إنَّمَا هِيَ صِفَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نِسْبَتُهَا إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ كَنِسْبَةِ صِفَاتِ كُلِّ شَيْءٍ إلَى ذَاتِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْمَوْصُوفِ وَلَهَا خَصَائِصُ وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ.
وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَاجِبَةٌ لِذَاتِهِ وَ " الْإِلَهُ " الْمَعْبُودُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
وَلَيْسَ غَرَضُنَا الْآنَ الْكَلَامَ مَعَ نفاة الصِّفَاتِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ.
وَكَذَلِكَ " فِعْلُهُ " نَعْلَمُ أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ إبْدَاعُ الْكَائِنَاتِ مِنْ الْعَدَمِ وَإِنْ كُنَّا لَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَلَا يُشْبِهُ أَفْعَالَنَا إذْ نَحْنُ لَا نَفْعَلُ إلَّا لِحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
وَكَذَلِكَ " الذَّاتُ " تُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُمَاثِلُ الذَّوَاتَ الْمَخْلُوقَةَ وَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ وَلَا يُدْرِكُ لَهَا كَيْفِيَّةً فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَيْهِ.

فَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَحْكَامَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَآثَارَهَا وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُ فَيُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِ خَالِقِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ لَذَّةً يَنْغَمِرُ فِي جَانِبِهَا جَمِيعُ اللَّذَّاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا وَمَعْبُودًا وَلَا يَعْلَمُ كُنْهَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ غَايَةُ عِلْمِ الْخَلْقِ هَكَذَا: يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ وَلَا يُحِيطُونَ بِكُنْهِهِ وَعِلْمُهُمْ بِنُفُوسِهِمْ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ.
قُلْت لَهُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ " الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ " بِهَذَا التَّفْسِيرِ؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يُمْكِنُ.
فَقُلْت لَهُ: مَنْ قَالَ: إنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَعْنَى أَنَّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ غَيْرُ مُرَادَةٍ قُلْنَا لَهُ: أَصَبْت فِي " الْمَعْنَى " لَكِنْ أَخْطَأْت فِي " اللَّفْظِ " وَأَوْهَمْت الْبِدْعَةَ وَجَعَلْت للجهمية طَرِيقًا إلَى غَرَضِهِمْ وَكَانَ يُمْكِنُك أَنْ تَقُولَ: تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُدُوثُهُ أَوْ نَقْصُهُ.
وَمَنْ قَالَ: " الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ " بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي - وَهُوَ مُرَادُ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ - فَقَدْ أَخْطَأَ.
ثُمَّ أَقْرَبُ هَؤُلَاءِ " الْجَهْمِيَّة " الْأَشْعَرِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ لَهُ صِفَاتٍ سَبْعًا: الْحَيَاةَ

وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ.
وَيَنْفُونَ مَا عَدَاهَا وَفِيهِمْ مَنْ يَضُمُّ إلَى ذَلِكَ " الْيَدَ " فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهَا وَغُلَاتُهُمْ يَقْطَعُونَ بِنَفْيِ مَا سِوَاهَا.
وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " فَإِنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ مُطْلَقًا وَيُثْبِتُونَ أَحْكَامَهَا وَهِيَ تَرْجِعُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ إلَى أَنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَأَمَّا كَوْنُهُ مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا فَعِنْدَهُمْ أَنَّهَا صِفَاتٌ حَادِثَةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ عَدَمِيَّةٌ.
وَهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى " الصَّابِئِينَ الْفَلَاسِفَةِ " مِنْ الرُّومِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ حَيْثُ زَعَمُوا: أَنَّ الصِّفَاتِ كُلَّهَا تَرْجِعُ إلَى سَلْبٍ أَوْ إضَافَةٍ؛ أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْ سَلْبٍ وَإِضَافَةٍ؛ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ضُلَّالٌ مُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ.
وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبَصَرًا نَافِذًا وَعَرَفَ حَقِيقَةَ مَأْخَذِ هَؤُلَاءِ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّهُمْ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ وَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وَبِالْكِتَابِ وَبِمَا أُرْسِلَ بِهِ رُسُلُهُ؛ وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الْبِدَعَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُفْرِ وَآيِلَةٌ إلَيْهِ وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مَخَانِيثُ الْفَلَاسِفَةِ؛ وَالْأَشْعَرِيَّةُ مَخَانِيثُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَكَانَ يَحْيَى بْنُ عَمَّارٍ يَقُولُ: الْمُعْتَزِلَةُ الْجَهْمِيَّة الذُّكُورُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ الْجَهْمِيَّة الْإِنَاثُ.
وَمُرَادُهُمْ الْأَشْعَرِيَّةُ الَّذِينَ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِكِتَابِ " الْإِبَانَةِ " الَّذِي صَنَّفَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَلَمْ يُظْهِرْ مَقَالَةً تُنَاقِضُ ذَلِكَ فَهَذَا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لَكِنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِسَابِ إلَى الْأَشْعَرِيِّ بِدْعَةٌ

لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ بِذَلِكَ يُوهِمُ حُسْنًا بِكُلِّ مَنْ انْتَسَبَ هَذِهِ النِّسْبَةَ وَيَنْفَتِحُ بِذَلِكَ أَبْوَابُ شَرٍّ وَالْكَلَامُ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْفُونَ ظَاهِرَهَا بِهَذَا التَّفْسِيرِ.
قُلْت لَهُ: إذَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَةِ أَوْ وَصَفَهُ بِهَا رَسُولُهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ - فَصَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحَقِيقَتِهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْهَا: إلَى بَاطِنٍ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَمَجَازٍ يُنَافِي الْحَقِيقَةَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَكَلَامَ السَّلَفِ جَاءَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِشَيْءِ مِنْهُ خِلَافُ لِسَانِ الْعَرَبِ أَوْ خِلَافُ الْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ مَا يُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ وَإِلَّا فَيُمْكِنُ كُلُّ مُبْطِلٍ أَنْ يُفَسِّرَ أَيَّ لَفْظٍ بِأَيِّ مَعْنًى سَنَحَ لَهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي اللُّغَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ دَلِيلٌ يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَفِي مَعْنًى بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ الصَّرْفَ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ ثُمَّ إنْ ادَّعَى وُجُوبَ صَرْفِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ عَقْلِيٍّ أَوْ سَمْعِيٍّ يُوجِبُ الصَّرْفَ.
وَإِنْ ادَّعَى ظُهُورَ صَرْفِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ مُرَجِّحٍ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْلَمَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ - الصَّارِفُ - عَنْ مُعَارِضٍ؛ وَإِلَّا فَإِذَا قَامَ دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ أَوْ إيمَانِيٌّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُرَادَةٌ امْتَنَعَ

تَرْكُهَا ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا الدَّلِيلُ نَصًّا قَاطِعًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى نَقِيضِهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ.
(الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامِ وَأَرَادَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَضِدَّ حَقِيقَتِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَتَهُ وَأَنَّهُ أَرَادَ مَجَازَهُ سَوَاءٌ عَيَّنَهُ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَا سِيَّمَا فِي الْخِطَابِ الْعِلْمِيِّ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُمْ فِيهِ الِاعْتِقَادُ وَالْعِلْمُ؛ دُونَ عَمَلِ الْجَوَارِحِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الْقُرْآنَ نُورًا وَهُدًى وَبَيَانًا لِلنَّاسِ وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نَزَّلَ إلَيْهِمْ وَلِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَلِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
ثُمَّ هَذَا " الرَّسُولُ " الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ بُعِثَ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ وَأَبْيَنِ الْأَلْسِنَةِ وَالْعِبَارَاتِ ثُمَّ الْأُمَّةُ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ كَانُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا وَأَنْصَحَهُمْ لِلْأُمَّةِ وَأَبْيَنَهُمْ لِلسُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ هُوَ وَهَؤُلَاءِ بِكَلَامِ يُرِيدُونَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ إلَّا وَقَدْ نُصِبَ دَلِيلًا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا ظَاهِرًا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أَنَّ الْمُرَادَ أُوتِيَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْتَاهُ مِثْلُهَا وَكَذَلِكَ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْلَمُ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ الْخَالِقَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ.
أَوْ سَمْعِيًّا ظَاهِرًا مِثْلُ الدَّلَالَاتِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي تَصْرِفُ بَعْضَ الظَّوَاهِرِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِيلَهُمْ عَلَى دَلِيلٍ خَفِيٍّ لَا يَسْتَنْبِطُهُ إلَّا أَفْرَادُ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ سَمْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى وَأَعَادَهُ مَرَّاتٍ

كَثِيرَةً؛ وَخَاطَبَ بِهِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وَفِيهِمْ الذَّكِيُّ وَالْبَلِيدُ وَالْفَقِيهُ وَغَيْرُ الْفَقِيهِ وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَدَبَّرُوا ذَلِكَ الْخِطَابَ وَيَعْقِلُوهُ وَيَتَفَكَّرُوا فِيهِ وَيَعْتَقِدُوا مُوجَبَهُ ثُمَّ أَوْجَبَ أَنْ لَا يَعْتَقِدُوا بِهَذَا الْخِطَابِ شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ دَلِيلًا خَفِيًّا يَسْتَنْبِطُهُ أَفْرَادُ النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ظَاهِرَهُ كَانَ هَذَا تَدْلِيسًا وَتَلْبِيسًا وَكَانَ نَقِيضَ الْبَيَانِ وَضِدَّ الْهُدَى وَهُوَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِيِّ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْهُدَى وَالْبَيَانِ.
فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ دَلَالَةُ ذَلِكَ الْخِطَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَقْوَى بِدَرَجَاتِ كَثِيرَةٍ مِنْ دَلَالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْخَفِيِّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ أَمْ كَيْفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْخَفِيُّ شُبْهَةً لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ؟ . فَسَلَّمَ لِي ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ.
قُلْت: وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَنَجْعَلُ الْكَلَامَ فِيهَا أُنْمُوذَجًا يُحْتَذَى عَلَيْهِ وَنُعَبِّرُ بِصِفَةِ " الْيَدِ " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ .

وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ " الْيَدِ " فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَمَعْنَى بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا؛ وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ صَارَ مِنْ الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ جَعْدُ الْبَنَانِ وَسَبْطُ الْبَنَانِ.
قُلْت لَهُ: فَالْقَائِلُ؛ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ: وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً فَهَذَا حَقٌّ.
وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ؛ فَهُوَ مُبْطِلٌ.
فَيَحْتَاجُ إلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ.
أَمَّا " الْأَوَّلُ " فَيَقُولُ: إنَّ الْيَدَ تَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ كَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ سَمَاءً وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلَانِ عِنْدَهُ أَيَادٍ وَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا فَقَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّدًا ... [اردده ربي] وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدًا

وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك.
وَقَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ " زِيَادٍ " لِمُعَاوِيَةَ: إنِّي قَدْ أَمْسَكْت الْعِرَاقَ بِإِحْدَى يَدَيَّ وَيَدِي الْأُخْرَى فَارِغَةٌ يُرِيدُ نِصْفُ قُدْرَتِي ضَبْطُ أَمْرِ الْعِرَاقِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ يُقَالُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَتْ بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ: بِمَا قَدَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تَكَلَّمُوا بِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَدَاك أَوْكَتَا.
وَفُوك نُفِخَ: تَوْبِيخًا لِكُلِّ مَنْ جَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَرِيرَةً؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ فَعَلَ بِيَدَيْهِ وَفَمِهِ.
(قُلْت لَهُ: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ والمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى هَذَا

جارٍ التحميل