ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَصْدُهُ عِنْدَهُمْ إذَا أَثْبَتُوهُ لَمْ يُثْبِتُوهُ إلَّا كُلِّيًّا لَا يُعَيِّنُ أَحَدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ وَلَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ.
وَقَدْ يَقْرَبُ أَوْ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ مَنْ قَالَ بِاسْتِرْسَالِ عِلْمِهِ عَلَى أَعْيَانِ الْأَعْرَاضِ وَهَذَا الْكَلَامُ - مَعَ أَنَّهُ كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ - فَقَدْ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ مَنْ لَهُ فَضْلٌ فِي الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ التَّعْيِينَ فِي هَذَا الْجَوَابِ لَعَيَّنْت أَكَابِرَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَقَدْ يَكُونُ الصَّوْتُ الَّذِي يَسْمَعُهُ خَارِجًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الْحَقِّ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ غَيْرِ مَلَكٍ وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَتْهُ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ تَكْلِيمٌ إلَّا ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنْ قِسْمِ الْوَحْيِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ التَّكْلِيمِ أَوْ قَسِيمُ التَّكْلِيمِ بِالرَّسُولِ.
وَهُوَ " الْقِسْمُ الثَّانِي " حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ فَهَذَا إيحَاءُ الرَّسُولِ.
وَهُوَ غَيْرُ الْوَحْيِ الْأَوَّلِ مِنْ اللَّهِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ التَّكْلِيمِ الْعَامِّ.
وَإِيحَاءُ الرَّسُولِ أَيْضًا " أَنْوَاعٌ " فَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَأْتِيك الْوَحْيُ؟ قَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْت مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَقَدْ رَأَيْته
يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا} . فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نُزُولَ الْمَلَكِ عَلَيْهِ تَارَةً يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ بِصَوْتِ مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ.
وَتَارَةً يَكُونُ مُتَمَثِّلًا بِصُورَةِ رَجُلٍ يُكَلِّمُهُ كَمَا كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَكَمَا تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا وَكَمَا جَاءَتْ الْمَلَائِكَةُ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِلُوطِ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ كِلَا النَّوْعَيْنِ إلْقَاءَ الْمَلَكِ وَخِطَابَهُ وَحْيًا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَفَاءِ؛ فَإِنَّهُ إذَا رَآهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَلَكٌ وَإِذَا جَاءَ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ يَحْتَاجُ إلَى فَهْمِ مَا فِي الصَّوْتِ.
وَ " الْقِسْمُ الثَّالِثُ " التَّكْلِيمُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ هَذَا " نِدَاءً " وَ " نِجَاءً " فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ ﴿إنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ وَهَذَا التَّكْلِيمُ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ إيحَائِهِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فَمَنْ جَعَلَ هَذَا مِنْ جِنْسِ الْوَحْيِ الْأَوَّلِ - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ
وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي التَّصَوُّفِ عَلَى طَرِيقِهِمْ كَمَا فِي " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَكَمَا فِي " كِتَابِ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ " وَكَمَا فِي كَلَامِ الِاتِّحَادِيَّةِ كَصَاحِبِ " الْفُصُوصِ " وَأَمْثَالِهِ - فَضَلَالُهُ وَمُخَالَفَتُهُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ بَلْ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ مَنْ أَبْيَنِ الْأُمُورِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ: أَنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى إنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ؛ وَأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى - كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ فُرُوخِ الْجَهْمِيَّة الْكُلَّابِيَة وَنَحْوِهِمْ - فَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ ضَلَالًا.
وَقَدْ دَلَّ كِتَابُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْوَحْيِ وَالْكَلَامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِيهِمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.
فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا انْدَرَجَ فِيهِ الْآخَرُ كَمَا انْدَرَجَ الْوَحْيُ فِي التَّكْلِيمِ الْعَامِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَانْدَرَجَ التَّكْلِيمُ فِي الْوَحْيِ الْعَامِّ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ وَأَمَّا التَّكْلِيمُ الْخَاصُّ الْكَامِلُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْوَحْيُ الْخَاصُّ الْخَفِيُّ: الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ كَمَا أَنَّ الْوَحْيَ الْمُشْتَرَكَ الْخَاصَّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ التَّكْلِيمُ الْخَاصُّ الْكَامِلُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ﴾ " فَالْإِيحَاءُ " لَيْسَ بِتَكْلِيمِ وَلَا يُنَاقِضُ الْكَلَامَ وقَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا﴾ إنْ جُعِلَ
مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا اتَّفَقَ مَعْنَى التَّكْلِيمِ فِي الْآيَتَيْنِ وَإِنْ جُعِلَ مُتَّصِلًا كَانَ التَّكْلِيمُ مِثْلَ التَّكْلِيمِ فِي سُورَةِ الشُّورَى وَهُوَ التَّكْلِيمُ الْعَامُّ؛ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا خَاصًّا كَامِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْجَمِيعَ أَوْحَى إلَيْهِمْ وَكَلَّمَهُمْ التَّكْلِيمَ الْعَامَّ وَبِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ وَبَيْنَ الْإِيحَاءِ إلَى النَّبِيِّينَ وَكَذَا التَّكْلِيمُ بِالْمَصْدَرِ وَبِأَنَّهُ جَعَلَ التَّكْلِيمَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ قِسْمًا غَيْرَ إيحَائِهِ وَبِمَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ تَكْلِيمِهِ الْخَاصِّ لِمُوسَى مِنْهُ إلَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِصَوْتِ سَمِعَهُ مُوسَى كَمَا جَاءَتْ الْآثَارُ بِذَلِكَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مُوَافَقَةً لَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَغَلِطَتْ هُنَا " الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ " الْكُلَّابِيَة.
فَاعْتَقَدَتْ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْحَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْنًى مُجَرَّدًا عَنْ صَوْتٍ.
وَاخْتَلَفَتْ هَلْ يَسْمَعُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِلَطِيفَةِ خَلَقَهَا فِيهِ قَالُوا: إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالشَّمَّ وَالذَّوْقَ وَاللَّمْسَ مَعَانٍ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَطَائِفَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَسْمَعْ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ مَعْنًى وَالْمَعْنَى لَا يُسْمَعُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَطَائِفَةٌ.
وَهَذَا الَّذِي أَثْبَتُوهُ فِي جِنْسِ الْوَحْيِ الْعَامِّ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: ﴿إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَفَرَّقَ بَيْنَ إيحَائِهِ وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ حَيْثُ قَالَ: ﴿إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وَحَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّسُولِ الْمُكَلَّمِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ . لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ أَنَّ لِلَّهِ كَلَامًا هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ وَبِهَذَا صَارُوا خَيْرًا مِمَّنْ لَا يُثْبِتُ لَهُ كَلَامًا إلَّا مَا أَوْحَى فِي نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ الْمَعْنَى؛ أَوْ مَا سَمِعَهُ مِنْ الصَّوْتِ الْمُحْدَثِ وَلَكِنْ لِفَرْطِ رَدِّهِمْ عَلَى هَؤُلَاءِ زَعَمُوا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا لِلَّهِ بِحَالِ إلَّا مَا قَامَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا الْمَعْنَى.
فَأَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ الْحُرُوفُ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ كَلَامَ اللَّهِ.
وَجَاءَتْ " الطَّائِفَةُ الرَّابِعَةُ " فَرَدُّوا عَلَى هَؤُلَاءِ دَعْوَاهُمْ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُجَرَّدَ الْمَعْنَى فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ إلَّا الْحَرْفَ أَوْ الصَّوْتَ فَقَطْ وَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تُسَمَّى كَلَامًا أَصْلًا؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ الْكَلَامُ الْمُطْلَقُ اسْمٌ لِلْمَعَانِي وَالْحُرُوفِ جَمِيعًا وَقَدْ يُسَمَّى أَحَدُهُمَا كَلَامًا مَعَ التَّقْيِيدِ كَمَا يَقُولُ النُّحَاةُ: " الْكَلَامُ " اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ.
فَالْمَقْسُومُ هُنَا اللَّفْظُ وَكَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا زَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّكَلُّمِ عَلَى التَّفَكُّرِ وَبِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّدَبُّرِ ويناطقون الْقُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ.
وَكَمَا قَالَ
الْجُنَيْد: " التَّوْحِيدُ " قَوْلُ الْقَلْبِ " وَالتَّوَكُّلُ " عَمَلُ الْقَلْبِ.
فَجَعَلُوا لِلْقَلْبِ نُطْقًا وَقُوَّةً كَمَا جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّفْسِ حَدِيثًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا﴾ - ثُمَّ قَالَ -: ﴿مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ﴾ . فَعُلِمَ أَنَّ " الْكَلَامَ الْمُطْلَقَ " هُوَ مَا كَانَ بِالْحُرُوفِ الْمُطَابِقَةِ لِلْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَعَ التَّقْيِيدِ قَدْ يَقَعُ بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى إنَّهُمْ قَدْ يُسَمُّونَ كُلَّ إفْهَامٍ وَدَلَالَةٍ يَقْصِدُهَا الدَّالُّ قَوْلًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِاللَّفْظِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ الْعَقْدِ - عَقْدِ الْأَصَابِعِ - وَقَدْ يُسَمُّونَ أَيْضًا الدَّلَالَةَ قَوْلًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِقَصْدِ مِنْ الدَّالِّ مِثْلُ دَلَالَةِ الْجَامِدَاتِ كَمَا يَقُولُونَ: قَالَتْ: " اتِّسَاعُ بَطْنِهِ ". وَامْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قطني قطني رُوَيْدًا قَدْ مَلَأَتْ بَطْنِي وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً وَيُسَمَّى هَذَا لِسَانُ الْحَالِ وَدَلَالَةُ الْحَالِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سَلْ الْأَرْضَ مَنْ فَجَّرَ أَنْهَارَك وَسَقَى ثِمَارَك وَغَرَسَ أَشْجَارَك؟ فَإِنْ لَمْ تُجِبْك حِوَارًا أَجَابَتْك اعْتِبَارًا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تُخْبِرُنِي الْعَيْنَانِ مَا الْقَلْبُ كَاتِمٌ وَلَا خَيْرَ فِي الْحَيَاءِ وَالنَّظَرِ الشَّزْرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ:
سَأَلْت الدَّارَ تُخْبِرُنِي ... عَنْ الْأَحْبَابِ مَا فَعَلُوا فَقَالَتْ لِي أَنَاخَ الْقَوْمُ ... أَيَّامًا وَقَدْ رَحَلُوا وَقَدْ يُسَمَّى شَهَادَةً وَقَدْ زَعَمَ طَائِفَةٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَسْبِيحِ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهُوَ دَلَالَتُهَا عَلَى الْخَالِقِ تَعَالَى؛ وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ ثَمَّ تَسْبِيحًا آخَرَ زَائِدًا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ كَمَا قَدْ سَبَقَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَكُونُ مَعَ التَّقْيِيدِ وَالْقَرِينَةِ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ سَلْبُ الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ وَالتَّوَاتُرِ وَهُوَ سَلْبُ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ عَنْ الْحَيِّ السَّاكِتِ وَالْعَاجِزِ فَكَيْفَ عَنْ الْمَوَاتِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِغَايَةِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِالْكَلَامِ الْكَامِلِ التَّامِّ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ كَلَامَهُ إلَّا مُجَرَّدَ مَعْنًى أَوْ مُجَرَّدَ حُرُوفٍ أَوْ مُجَرَّدَ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ فَمَا قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ كَلَامَهُ إلَّا مَا يَقُومُ
بِغَيْرِهِ فَقَدْ سَلَبَهُ الْكَمَالَ وَشَبَّهَهُ بِالْمَوَاتِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ أَوْ جَعَلَهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَكِنْ جَعَلَ الْكَلَامَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَعَلَهُ يُوصَفُ بِمَخْلُوقَاتِهِ أَوْ جَعَلَهُ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا فَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ بَعْضِ الْحَقِّ فَفِيهِ رَدٌّ لِبَعْضِ الْحَقِّ وَنَقْصٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ مِنْ الْكَمَالِ.
فَصْلٌ:
وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ أَدْرَكَ مِنْ دَرَجَاتِ الْكَلَامِ وَأَنْوَاعِهِ بَعْضَ الْحَقِّ.
وَكَذَلِكَ " الْأَصْلُ الثَّانِي " وَهُوَ تَكَلُّمُنَا بِكَلَامِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ حَرْفًا مِنْهُ أَوْ مَعْنًى لَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ أَنَّهُ كَلَامِ غَيْرِ اللَّهِ وَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لَعَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَابِلُونَهُ بِمَا يُقَابِلُونَ أَهْلَ الْجَحُودِ وَالضَّلَالِ؛ بَلْ قَدْ أَجْمَعَ الْخَلَائِقُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ فِي كُلِّ كَلَامٍ.
فَجَمِيعُ الْخَلْقِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
مِنْ شِعْرِ لَبِيَدِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كَلَامُ لَبِيَدِ وَأَنَّ قَوْلَهُ: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ هُوَ مِنْ كَلَامِ امْرِئِ الْقَيْسِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا سَمِعُوهَا مِنْ غَيْرِهِ بِصَوْتِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَجَاءَ الْمُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْحَقِّ دُونَ بَعْضٍ فَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا أَوْ لَا نَسْمَعُ إلَّا صَوْتَ الْعَبْدِ وَلَفْظَهُ؛ ثُمَّ قَالَ " الْنُّفَاةِ ": وَلَفْظُ الْعَبْدِ مُحْدَثٌ وَلَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ فَهَذَا الْمَسْمُوعُ مُحْدَثٌ وَلَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ.
وَقَالَتْ " الْمُثْبِتَةُ ": بَلْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ إلَّا لَفْظُهُ أَوْ صَوْتُهُ فَيَكُونُ لَفْظُهُ أَوْ صَوْتُهُ كَلَامَ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ قَدِيمٌ فَيَكُونُ لَفْظُهُ أَوْ صَوْتُهُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ أَوْ قَدِيمٌ.
وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ عَلِمَ النَّاسُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ؛ بَلْ وَبِالْعَقْلِ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي بَعْضِ مَا قَالَهُ مُبْتَدِعٌ فِيهِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ وَإِذَا رَجَعَ أَحَدُهُمْ إلَى فِطْرَتِهِ وَجَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُشِيرَ إلَى الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ فَيُقَالُ: هَذَا كَلَامُ زَيْدٍ وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ هَذَا صَوْتُ زَيْدٍ وَيَجِدُ فِطْرَتَهُ تُصَدِّقُ بِالْأَوَّلِ وَتُكَذِّبُ بِالثَّانِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ﴾ ". وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِفِطْرَتِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ
كَلَامُ الْبَارِي وَالصَّوْتَ صَوْتُ الْقَارِئِ؛ وَلِهَذَا قَالَ " الْإِمَامُ أَحْمَد " لِأَبِي طَالِبٍ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَقَالَ لَهُ: هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ قَالَ لَهُ: أَنَا قُلْت لَك لَفْظِي غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ قَالَ: لَا.
وَلَكِنْ قَرَأْت عَلَيْك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَقُلْت: هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَبَيَّنَ أَحْمَد الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ يَقُولُ: لَفْظُ هَذَا الْمُتَكَلِّمِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَفْظِي " مُجْمَلٌ " يَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ صَوْتُهُ.
فَإِذَا قِيلَ: لَفْظِي أَوْ تِلَاوَتِي أَوْ قِرَاءَتِي غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أَوْ هِيَ الْمَتْلُوُّ أَشْعَرَ ذَلِكَ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ وَصَوْتَهُ قَدِيمٌ وَأَنَّ مَا قَامَ بِهِ مِنْ الْمَعْنَى وَالصَّوْتِ هُوَ عَيْنُ مَا قَامَ بِاَللَّهِ مِنْ الْمَعْنَى وَالصَّوْتِ وَإِذَا قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ أَوْ تِلَاوَتِي لِلْقُرْآنِ أَوْ لَفْظُ الْقُرْآنِ أَوْ تِلَاوَتُهُ مَخْلُوقَةٌ أَوْ التِّلَاوَةُ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ أَوْ الْقِرَاءَةُ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ أَفْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بِحَالِ وَأَنَّ نِصْفَ الْقُرْآنِ كَلَامُ اللَّهِ وَنِصْفَهُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَأَفْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ اللَّهِ لِلْقُرْآنِ مُبَايِنَةٌ لِمَقْرُوئِهِ وَتِلَاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ مُبَايِنَةٌ لِمُتَلَوِّهِ وَأَنَّ قِرَاءَةَ الْعَبْدِ لِلْقُرْآنِ مُبَايِنَةٌ لِمَقْرُوءِ الْعَبْدِ وَتِلَاوَتُهُ لَهُ مُبَايِنَةٌ لِمُتَلَوِّهِ وَأَفْهَمَ ذَلِكَ أَنَّمَا نَزَلَ إلَيْنَا لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْرُوءَ وَالْمَتْلُوَّ هُوَ كَلَامُ اللَّه وَالْمُغَايَرَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ تَقْتَضِي الْمُبَايَنَةَ فَمَا بَايَنَ كَلَامَهُ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا لَهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَهُ كَلَامَهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ إنَّمَا يَكُونُ بِحَرَكَةِ وَفِعْلٍ تَنْشَأُ عَنْهُ حُرُوفٌ وَمَعَانٍ صَارَ الْكَلَامُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ: تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي؛ وَلِهَذَا يَجِيءُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قِسْمًا مِنْهُ تَارَةً كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَقَسِيمًا لَهُ أُخْرَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَعْمَلُ عَمَلًا فِي هَذَا الْمَكَانِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ يُفِيدُ هَلْ يَحْنَثُ بِالْكَلَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَذَكَرُوهُمَا رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي بَيَانِ " اللَّفْظِ " أَنَّ الْقِرَاءَةَ قُرْآنٌ وَعَمَلٌ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا قُرْآنٌ فَهُوَ صَادِقٌ وَمَنْ حَلَفَ إنَّهَا عَمَلٌ فَهُوَ بَارٌّ وَأَخْطَأَ مَنْ أَطْلَقَ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَخْلُوقَةٌ وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَنَسَبَهُمَا جَمِيعًا إلَى قِلَّةِ الْعِلْمِ وَقُصُورِ الْفَهْمِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ خَفِيَتْ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ لِغُمُوضِهَا؛ فَإِنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَجَدَتْ الْقِرَاءَةَ تُسَمَّى قُرْآنًا فَنَفَتْ الْخَلْقَ عَنْهَا وَالْأُخْرَى وَجَدَتْ الْقِرَاءَةَ فِعْلًا يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ فَأَثْبَتَتْ حُدُوثَهُ.
قُلْت: وَالْخَطَأُ فِي هَذَا الْأَصْلِ فِي طَرَفَيْنِ كَمَا أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ فِي طَرَفَيْنِ.
فَفِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ كَلَامُهُ إلَّا مَعْنًى مُجَرَّدٌ أَوْ صَوْتٌ مُجَرَّدٌ.
وَفِي هَذَا الْأَصْلِ مَنْ قَالَ: كَلَامُهُ لَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ أَوْ لَا يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ وَمَنْ قَالَ: كَلَامُهُ إذَا أَبْلَغَهُ غَيْرُهُ وَأَدَّاهُ فَحَالُهُ كَحَالِهِ إذَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَتَلَاهُ بَلْ كَلَامُهُ يَقُولُهُ: رُسُلُهُ وَعِبَادُهُ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَيَتْلُونَهُ وَيَقْرَءُونَهُ فَهُوَ كَلَامُهُ حَيْثُ تَصَرَّفَ وَحَيْثُ تُلِيَ وَحَيْثُ كُتِبَ وَكَلَامُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ حَيْثُ تَصَرَّفَ؛ وَهُوَ مَعَ هَذَا فَلَيْسَ حَالُهُ إذَا قَرَأَهُ الْعِبَادُ وَكَتَبُوهُ كَحَالِهِ إذَا قَرَأَهُ اللَّهُ وَسَمِعُوهُ مِنْهُ وَلَا مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْ الْقَارِئِ بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الَّذِي سَمِعَ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " ﴿إذَا سَمِعَ الْخَلَائِقُ الْقُرْآنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ اللَّهِ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ﴾ " بَلْ وَلَا تِلَاوَةُ الرَّسُولِ وَسَمْعُهُ مِنْهُ كَتِلَاوَةِ غَيْرِهِ وَسَمْعِهِ مِنْهُ؛ بَلْ وَلَا تِلَاوَةُ بَعْضِ النَّاسِ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ كَتِلَاوَةِ بَعْضِ النَّاسِ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُ.
وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ؛ بَلْ وَقَوْلُ النَّاسِ لِمَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ: هَذَا كَلَامُ فُلَانٍ كَقَوْلِهِمْ لِمِثْلِ قَوْلِهِ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ
امْرِئٍ مَا نَوَى} " هَذَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمِثْلِ قَوْلِهِ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ هَذَا شِعْرُ لَبِيَدِ.
فَلَيْسَ قَوْلُهُمْ: هَذَا هُوَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي النَّوْعِ كَمَا يُقَالُ: هَذَا السَّوَادُ هُوَ هَذَا السَّوَادُ؛ فَإِنَّ هَذَا يَقُولُونَهُ لِمَا اتَّفَقَ مِنْ الْكَلَامَيْنِ وَالْعِلْمَيْنِ؛ وَالْقُدْرَتَيْنِ وَالشَّخْصَيْنِ.
وَيَقُولُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: وَقْعُ الْخَاطِرِ عَلَى الْخَاطِرِ كَوَقْعِ الْحَافِرِ عَلَى الْحَافِرِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ فَهُوَ إنَّمَا هُوَ مِثْلُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وَهْم يَقُولُونَ: هَذَا هُوَ هَذَا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الصِّفَاتِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا اخْتِلَافًا غَيْرَ مَقْصُودٍ كَمَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ إذَا اخْتَلَفَتْ صِفَتُهَا هَذِهِ عَيْنُ هَذِهِ وَلَا هُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَمَثَّلَ بِكَلَامِ لِغَيْرِهِ سَوَاءً كَانَ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا مِثْلُ أَنْ يَتَمَثَّلَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ لِغَيْرِهِ فَيَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِهِ مُتَشَبِّهًا بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ أَوَّلًا وَهَذَا مِثْلُ أَنْ نَقُولَ قَوْلًا قَالَهُ غَيْرُنَا مُوَافِقِينَ لِذَلِكَ الْقَائِلِ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ مَنْ قَالَ مَا يُوَافِقُ لَفْظَ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهِ
الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ بِسْمِ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأَكْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا وَجَازَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ الْجَنَابَةِ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَجَعَلَهَا أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَهِيَ مِنْ الْقُرْآنِ.
وَإِذَا قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا.
لَكِنْ هَذَا الْوَجْهُ قَدْ يُضَافُ فِيهِ الْكَلَامُ إلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِي تَبْلِيغَ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الْحَقِيقَةَ ابْتِدَاءً وَالثَّانِي قَالَهَا احْتِذَاءً فَإِذَا تَمَثَّلَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَبْلِيغَ شِعْرِهِ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ قِيلَ لَهُ هَذَا كَلَامُ لَبِيَدِ؛ لَكِنَّ الثَّانِيَ قَدْ لَا يَقْصِدُ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ابْتِدَاءً لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ مَعْنَاهُ.
وَمِنْ هُنَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي " حُرُوفِ الْهِجَاءِ " وَفِي " الْأَسْمَاءِ " الْمُنَزَّلَةِ فِي الْقُرْآنِ وَفِي " كَلِمَاتٍ " فِي الْقُرْآنِ إذَا تَمَثَّلَ الرَّجُلُ بِهَا وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقِرَاءَةَ هَلْ يُقَالُ: لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ؟ أَوْ يُقَالُ: إذَا لَمْ يَقْصِدُ بِهَا الْقُرْآنَ وَكَلَامَ اللَّهِ فَلَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَتَكُونُ
مَخْلُوقَةً عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا الْإِنْسَانُ إذَا قَالَ مَا هُوَ كَلَامٌ لِغَيْرِهِ يَقْصِدُ تَبْلِيغَهُ وَتَأْدِيَتَهُ أَوْ التَّكَلُّمَ بِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِكَلَامِ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ الْآمِرُ بِأَمْرِهِ.
الْمُخْبِرُ بِخَبَرِهِ؛ الْمُتَكَلِّمُ ابْتِدَاءً بِحُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ فَهُنَا الْكَلَامُ كَلَامُ الْأَوَّلِ قَطْعًا لَيْسَ كَلَامًا لِلثَّانِي بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَى النَّاسِ بِوَاسِطَةِ الثَّانِي.
وَلَيْسَ لِلْكَلَامِ نَظِيرٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَشْتَبِهُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مَعْقُولٌ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ كَلَامَ زَيْدٍ الْمَخْلُوقِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَدِمَ مِثْلًا وَعَدِمَ أَيْضًا مَا قَامَ بِهِ مِنْ الصِّفَةِ فَإِذَا رَوَاهُ عَنْهُ رَاوٍ آخَرُ وَقُلْنَا: هَذَا كَلَامُ زَيْدٍ.
فَإِنَّمَا نُشِيرُ إلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا زَيْدٌ وَاتَّصَفَ بِهَا وَهَذِهِ هِيَ تِلْكَ بِعَيْنِهَا: أَعْنِي الْحَقِيقَةَ الصُّورِيَّةَ؛ لَا الْمَادَّةَ؛ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْمُطْلَقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُرُوفِ الصَّوْتِيَّةِ الْمُقَطَّعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا لِلْمُتَكَلِّمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَجْلِ الصَّوْتِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ صَوْتُ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ الْعُجْمِ وَالْجَمَادَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الصُّورَةِ الَّتِي أَلَّفَهَا زَيْدٌ مَعَ تَأْلِيفِهِ لِمَعَانِيهَا.
وَوُجُودُ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْمَادَّتَيْنِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ وُجُودِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ فِي الْأَعْيَانِ وَلَا بِمَنْزِلَةِ وُجُودِ الْأَعْرَاضِ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَا
هُوَ بِمَنْزِلَةِ سَائِر الصُّوَرِ فِي مَوَادِّهَا الْجَوْهَرِيَّةِ؛ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَلَيْسَ لِكُلِّ حَقِيقَةٍ نَظِيرٌ مُطَابِقٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَإِذَا قَالُوا: هَذَا شِعْرُ لَبِيَدِ فَإِنَّمَا يُشِيرُونَ إلَى اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا.
ثُمَّ مَعَ هَذَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: أَنَا أَنْشَأْت لَفْظَ هَذَا الشِّعْرِ أَوْ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ إنْشَائِي أَوْ لَفْظِي بِهَذَا الشِّعْرِ مِنْ إنْشَائِي لَكَذَّبَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَالُوا لَهُ: بَلْ أَنْتَ رَوَيْته وَأَنْشَدْته.
أَمَّا أَنْ تَكُونَ أَحْدَثْت لَفْظَهُ أَوْ هُوَ مُحْدَثٌ الْبَارِحَةَ بِلَفْظِك؛ أَوْ لَفْظُك بِهِ مُحْدَثٌ الْبَارِحَةَ فَكَذَّبَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ هَذَا الشِّعْرِ مَوْجُودٌ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ وَإِنْ كُنْت أَنْتَ أَدَّيْته بِحَرَكَتِك وَصَوْتِك فَالْحَرَكَةُ وَالصَّوْتُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ يَشْرَكُك فِيهِ الْحَيَوَانُ نَاطِقُهُ وَأَعْجَمُهُ فَلَيْسَ لَك فِيهِ حَظٌّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَلَامٌ وَلَا مِنْ حَيْثُ هُوَ كَلَامٌ ذَلِكَ الشَّاعِرِ؛ إذْ كَوْنُهُ كَلَامًا أَوْ كَلَامًا لِمُتَكَلِّمِ هُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ؛ إنَّمَا أَدَّيْته بِآلَةِ يَشْرَكُك فِيهَا الْعَجْمَاوَاتُ وَالْجَمَادَاتُ؛ لَكِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لَك مِنْ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ مَا تَهْتَدِي بِهِ وَيَسِيرُ بِهِ لِسَانُك وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِلْعَجْمَاوَاتِ؛ فَجَعَلَ فِعْلُك وَصِفَتَك تُعِينُك عَلَى عَقْلِ الْكَلَامِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِعْلَ الْعَجَمِ وَصِفَتَهَا كَذَلِكَ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَخْلُوقٍ بَلَّغَ كَلَامَ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِكَلَامِ الْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ الَّذِي فَضْلُهُ عَلَى سَائِر الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ
فَإِنَّ لَهُ شَأْنًا آخَرَ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُشَبَّهُ بِتَبْلِيغِ سَائِر الْكَلَامِ كَمَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَا يُشْبِهُ سَائِر الْكَلَامِ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْخُلُقِ؛ بِخِلَافِ سَائِر مَا يُبَلَّغُ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ؛ فَإِنَّ مِثْلَهُ مَقْدُورٌ فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ هَذَا الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ؛ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ خَاطَبَنَا بِهِ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مَحَارَاتُ الْعُقُولِ الَّتِي اضْطَرَبَتْ فِيهَا الْخَلَائِقُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَوَابُ فُتْيَا لَا يَلِيقُ بِهِ إلَّا التَّنْبِيهُ عَلَى جُمَلِ الْأُمُورِ وَإِثْبَاتُ وُجُوبِ نِسْبَةِ الْكَلَامِ إلَى مَنْ بَدَأَ مِنْهُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ دُونَ مَنْ بَلَّغَهُ عَنْهُ وَأَدَّاهُ وَأَنَّهُ كَلَامُ الْمُتَّصِفِ بِهِ مُبْتَدِئًا حَقِيقَةً سَوَاءً سُمِعَ مِنْهُ أَوْ سُمِعَ مِمَّنْ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ بِفِعْلِهِ وَصَوْتِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ مَخْلُوقَةٌ وَأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَمَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً لَا رَيْبَ فِيهِ وَأَنَّ " الْقُرْآنَ " الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَكْتُبُونَهُ وَيَحْفَظُونَهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامُ اللَّهِ حَيْثُ تَصَرَّفَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا مَا اقْتَرَنَ بِتَبْلِيغِهِ وَقِرَاءَتِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَخْلُوقٌ.
لَكِنْ هَذَا الْمَوْضِعُ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَإِشْكَالٌ لَا تَحْتَمِلُ تَحْرِيرَهُ وَبَسْطَهُ هَذِهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا مُسْتَوْفِزٌ عَجْلَانُ يُرِيدُ أَخْذَهَا؛ وَلِأَنَّ فِي
ذَلِكَ مِنْ الدِّقَّةِ وَالْغُمُوضِ مَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ النُّصُوصِ وَبَيَانِ مَعَانِيهَا وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ الَّتِي تُوَضِّحُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
بَلْ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ " الْجُمْلَةُ " أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَالْأَئِمَّةَ الْكِبَارَ الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ عَامٌّ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَعْظَمَ عِلْمًا بِهِ وَقِيَامًا بِوَاجِبِهِ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَدْ غَلِطَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِ النَّاسِ جَمَاعَاتٌ.
وَقَدْ رَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَد عَامَّةَ الْبِدَعِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ وَالْأَئِمَّةِ.
فَأَوَّلُ مَا ابْتَدَعَ الْجَهْمِيَّة الْقَوْلَ " بِخَلْقِ الْقُرْآنِ " وَ " نَفْيِ الصِّفَاتِ " فَأَنْكَرَهَا مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ التَّابِعِينَ ثُمَّ تَابِعِي التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَفَّرُوا قَائِلَهَا.
ثُمَّ ابْتَدَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ الَّذِينَ نَاظَرُوا الْجَهْمِيَّة: الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ مَخْلُوقٌ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَصَاحِفِ وَلَا فِي الصُّدُورِ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ حُرُوفُ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَكَلَّمَ بِالصَّوْتِ وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَئِمَّةُ وَقْتِهِ ذَلِكَ.
وَقَابَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ؛ فَزَعَمُوا أَنَّ أَلْفَاظَ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أَوْ ادَّعَوْا أَنَّ بَعْضَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ صِفَاتِهِمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أَوْ أَنَّ مَا يَسْمَعُ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ مِثْلُ مَا يَسْمَعُ
مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَعَامَّةُ أَئِمَّةِ وَقْتِهِ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ.
وَإِنْكَارُ جَمِيعِ هَذِهِ الْبِدَعِ وَرَدُّهَا مَوْجُودٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْكُتُبِ الثَّابِتَةِ مِثْلِ " كِتَابِ السُّنَّةِ " لِلْخَلَّالِ وَ " الْإِبَانَةِ " لِابْنِ بَطَّةَ وَ " كُتُبِ الْمِحْنَةِ " الَّتِي رَوَاهَا حَنْبَلٌ وَصَالِحٌ وَ " كِتَابِ السُّنَّةِ " لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد وَ " السُّنَّةِ " للالكائي وَ " السُّنَّةِ " لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْكُتُبِ.
فَأَمَّا
الرَّدُّ عَلَى " الْجَهْمِيَّة "
الْقَائِلِينَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ فَفِي كَلَامِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَالْأَئِمَّةِ الْمَشَاهِيرِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَفِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " مِنْ ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
مِثْلُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنِ شَاهِينَ واللالكائي وَغَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ صفين: حَكَّمْت رَجُلَيْنِ فَقَالَ: مَا حَكَّمْت مَخْلُوقًا مَا حَكَّمْت إلَّا الْقُرْآنَ وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي لَحْدِهِ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ الْقُرْآنِ اغْفِرْ لَهُ فَوَثَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: مَهْ الْقُرْآنُ مِنْهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَرْبُوبِ مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ فَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفِ مِنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ أَجْمَعَ.
وَمِنْ الْمُسْتَفِيضِ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَة عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ - وَرُبَّمَا وَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى سُفْيَانَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ - قَالَ: أَدْرَكْت مَشَايِخَنَا وَالنَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَمَشَايِخُ عَمْرِو مَنْ لَقِيَ عَمْرُو مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَيْسَ الْقُرْآنُ بِخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَمِثْلَ هَذَا مَأْثُورٌ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَيُّوبِ السختياني وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنِ الماجشون وَالْأَوْزَاعِي وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وهشيم وَعَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي إسْحَاقَ الفزاري وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَبِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِي وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سلام وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَمَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمُ اللالكائي - وَقَدْ سَمَّى عُلَمَاءُ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ وَمَنْ يَلِيهِمْ الَّذِينَ نَقَلَ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ " - فَهَؤُلَاءِ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ نَفْسًا مِنْ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ
الْمَرْضِيِّينَ - سِوَى الصَّحَابَةِ - عَلَى اخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَمُضِيِّ السِّنِينَ وَالْأَعْوَامِ وَفِيهِمْ نَحْوٌ مَنْ مِائَةِ إمَامٍ مِمَّنْ أَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِهِمْ وَتَمَذْهَبُوا بِمَذَاهِبِهِمْ وَلَوْ اشْتَغَلْت بِنَقْلِ قَوْلِ الْمُحَدِّثِينَ لَبَلَغْت أَسْمَاؤُهُمْ أُلُوفًا كَثِيرَةً فَنَقَلْت عَنْ هَؤُلَاءِ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ الْمُنْكِرُ وَمَنْ أَنْكَرَ قَوْلَهُمْ اسْتَتَابُوهُ أَوْ أَمَرُوا بِقَتْلِهِ أَوْ نَفْيِهِ أَوْ صَلْبِهِ.
قَالَ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ ثُمَّ " الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ " وَكِلَاهُمَا قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ.
وَمِمَّنْ أَفْتَى بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ الْخَلِيفَةُ وَمَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَبُوهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد الخريبي وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ - صَاحِبُ أَبِي يُوسُفَ - وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سلام وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَكَذَلِكَ ذَمُّ " الْوَاقِفَةِ " وَتَضْلِيلُهُمْ - الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ - مَأْثُورٌ عَنْ جُمْهُورِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مِثْلِ ابْنِ الماجشون وَأَبِي مُصْعَبٍ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَأَبِي الْوَلِيدِ وَأَبِي الْوَلِيدِ الْجَارُودِيَّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه،
وَمَنْ لَا يُحْصِي عَدَدُهُ إلَّا اللَّهُ.
وَأَمَّا الْبِدْعَةُ الثَّانِيَةُ - الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ تِلَاوَةُ الْعِبَادِ لَهُ - وَهِيَ " مَسْأَلَةُ اللَّفْظِيَّةِ " فَقَدْ أَنْكَرَ بِدْعَةَ " اللَّفْظِيَّةِ " الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتَهُ وَاللَّفْظَ بِهِ مَخْلُوقٌ أَئِمَّةُ زَمَانِهِمْ جَعَلُوهُمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَبَيَّنُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَقْتَضِي الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ تَكْفِيرُهُمْ.
وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْهُ أَوْ عِبَارَةٌ عَنْهُ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ وَالصُّدُورِ إلَّا كَمَا أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي الْوَلِيدِ الْجَارُودِيَّ وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الدورقي وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْعَدَنِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذهلي وَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطوسي وَعَدَدٍ كَثِيرٍ لَا يُحْصِيهِمْ إلَّا اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَهُدَاتِهِ.
وَكَذَلِكَ أَنْكَرَ بِدْعَةَ " اللَّفْظِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ " - الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ أَوْ صَوْتَ الْعِبَادِ بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ يَقُولُونَ إنَّ التِّلَاوَةَ الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَصَوْتُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ - الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ بَلَغْتهمْ هَذِهِ
الْبِدْعَةُ: مِثْلُ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ وَأَبِي بَكْرٍ المروذي أَخَصِّ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ بِهِ وَأَخَذَ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إذْ ذَاكَ: بِبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْحَرَمَيْنِ وَالشَّامِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ: مِثْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقِ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ الطوسي وَيَعْقُوبِ الدورقي وَمُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيَّ الْحَافِظِ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الصاغاني وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيّ وَعَلِيِّ بْنِ دَاوُد القنطري وَمُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ الْأَنْبَارِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الأزدي وَالْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الجروي وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ العاقولي وَأَبِي مُوسَى بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ النفروني وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي وَأَبِي الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْجَارُودِ وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَحْمَد بْنِ سِنَانٍ الْوَاسِطِيَّ وَعَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَوْصِلَيَّ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَجْعَلُ لَفْظَ الْعَبْدِ بِالْقُرْآنِ أَوْ صَوْتَهُ بِهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُرْآنِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ وَيَأْمُرُونَ بِعُقُوبَتِهِ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ جَمَعَ بَعْضَ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ "
وَمِنْ الْمَشْهُورِ فِي " كِتَابِ صَرِيحِ السُّنَّةِ " لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ لَمَّا ذَكَرَ الْكَلَامَ فِي أَبْوَابِ السُّنَّةِ قَالَ: وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي " أَلْفَاظِ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ " فَلَا أَثَرَ فِيهِ نَعْلَمُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مَضَى وَلَا عَنْ تَابِعِيٍّ قَفَا إلَّا عَمَّنْ فِي قَوْلِهِ الشِّفَاءُ وَالْعِفَاءُ وَفِي اتِّبَاعِهِ الرُّشْدُ وَالْهُدَى وَمَنْ يَقُومُ لَدَيْنَا مَقَامَ الْأَئِمَّةِ الْأُولَى: أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّ أَبَا إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيَّ حَدَّثَنِي قَالَ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ " اللَّفْظِيَّةُ " جهمية يَقُولُ اللَّهُ: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ مِمَّنْ يَسْمَعُ؟ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَسَمِعْت جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا - لَا أَحْفَظُ أَسْمَاءَهُمْ - يَحْكُونَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ نَقُولَهُ غَيْرُ قَوْلِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا إمَامٌ نَأْتَمُّ بِهِ سِوَاهُ وَفِيهِ الْكِفَايَةُ وَالْمَقْنَعُ وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُتَّبَعُ.
وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِي " كِتَابِ الْمِحْنَةِ " تَنَاهَى إلَيَّ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَكَى عَنْ أَبِي أَنَّهُ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَأَخْبَرْت أَبِي بِذَلِكَ فَقَالَ: مَنْ أَخْبَرَك فَقُلْت: فُلَانٌ فَقَالَ: ابْعَثْ إلَى أَبِي طَالِبٍ فَوَجَّهْت إلَيْهِ فَجَاءَ وَجَاءَ فوران فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنَا قُلْت لَك: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ وَغَضِبَ
وَجَعَلَ يَرْتَعِدُ فَقَالَ لَهُ: قَرَأْت عَلَيْك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَقُلْت لِي: هَذَا لَيْسَ بِمَخْلُوقِ قَالَ لَهُ: فَلِمَ حَكَيْت عَنِّي أَنِّي قُلْت: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ وَبَلَغَنِي: أَنَّك وَضَعْت ذَلِكَ فِي كِتَابِك وَكَتَبْت بِهِ إلَى قَوْمٍ فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِك فَامْحُهُ أَشَدَّ الْمَحْوِ وَاكْتُبْ إلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَتَبْت إلَيْهِمْ: أَنِّي لَمْ أَقُلْ هَذَا وَغَضِبَ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: تَحْكِي عَنِّي مَا لَمْ أَقُلْ لَك؟ فَجَعَلَ فوران يَعْتَذِرُ لَهُ وَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ مَرْعُوبٌ فَعَادَ أَبُو طَالِبٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ حَكَّ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهِ وَأَنَّهُ كَتَبَ إلَى الْقَوْمِ يُخْبِرُهُمْ؟ أَنَّهُ وَهِمَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْحِكَايَةِ.
قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: كُنْت أَنَا والبستي عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَأَخْرَجَ إلَيْنَا كِتَابَهُ وَقَدْ ضَرَبَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: كَانَ الْخَطَأُ مِنْ قِبَلِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَإِنَّمَا قَرَأْت عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْآنَ فَقَالَ: هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَانَ الْوَهْمُ مِنْ قِبَلِي يَا أَبَا الْعَبَّاسِ وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي: " السُّنَّةِ " حَدَّثَنَا الْمَرْوَزِي قَالَ لِي أَبُو عَبْدُ اللَّهِ قَدْ غَيَّظَ قَلْبِي عَلَى ابْنِ شَدَّادٍ قُلْت: أَيُّ شَيْءٍ حَكَى عَنْك؟ قَالَ: حَكَى عَنِّي فِي اللَّفْظِ فَبَلَغَ ابْنَ شَدَّادٍ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَجَاءَنَا حمدون بْنُ شَدَّادٍ بِالرُّقْعَةِ فِيهَا مَسَائِلُ فَأَدْخَلَتْهَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَنَظَرَ فَرَأَى فِيهَا: أَنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ - مَعَ مَسَائِلَ فِيهَا - فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فِيهَا كَلَامٌ مَا تَكَلَّمْت بِهِ فَقَامَ مِنْ الدِّهْلِيزِ فَدَخَلَ
فَأَخْرَجَ الْمَحْبَرَةَ وَالْقَلَمَ وَضَرَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَوْضِعِ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِخَطِّهِ بَيْنَ السَّطْرَيْنِ: الْقُرْآنُ حَيْثُ تَصَرَّفَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقَالَ: مَا سَمِعْت أَحَدًا تَكَلَّمَ فِي هَذَا بِشَيْءِ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ ": أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ الْفَرَجِ الْوَرَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ فوران قَالَ جَاءَنِي صَالِحٌ - وَأَبُو بَكْرٍ المروذي عِنْدِي - فَدَعَانِي إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَ أَبِي أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقُمْت إلَيْهِ فَتَبِعَنِي صَالِحُ فَدَارَ صَالِحُ مِنْ بَابِهِ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَإِذَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ غَضْبَانُ شَدِيدُ الْغَضَبِ بَيِّنٌ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: اذْهَبْ فَجِئْنِي بِأَبِي طَالِبٍ فَجَاءَ أَبُو طَالِبٍ وَجَعَلْت أُسَكِّنُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَبْلَ مَجِيءِ أَبِي طَالِبٍ وَأَقُولُ: لَهُ حُرْمَةٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ - وَهُوَ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ - فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَكَيْت عَنِّي أَنِّي قُلْت: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ فَقَالَ: إنَّمَا حَكَيْت عَنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا تَحْكِ هَذَا عَنْك وَلَا عَنِّي فَمَا سَمِعْت عَالِمًا يَقُولُ هَذَا - أَوْ الْعُلَمَاءَ شَكَّ فوران - وَقَالَ لَهُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَيْثُ تَصَرَّفَ فَقُلْت لِأَبِي طَالِبٍ - وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَسْمَعُ - إنْ كُنْت حَكَيْت هَذَا لِأَحَدِ فَاذْهَبْ حَتَّى تُخْبِرَهُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَهَى عَنْ
هَذَا؟ فَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ فَأَخْبَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ - بِنَهْيِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ زنجويه وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ وَحَمْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو عَامِرٍ وَكَتَبَ أَبُو طَالِبٍ بِخَطِّهِ إلَى أَهْلِ نصيبين - بَعْدَ مَوْتِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يُخْبِرُهُمْ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَهَى أَنْ يُقَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَجَاءَنِي أَبُو طَالِبٍ بِكِتَابِهِ وَقَدْ ضَرَبَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ زَكَرِيَّا بْنُ الْفَرَجِ: فَمَضَيْت إلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقِ فَأَخَذَ الرُّقْعَةَ فَقَرَأَهَا فَقَالَ لِي: مَنْ أَخْبَرَك بِهَذَا عَنْ أَحْمَد فَقُلْت لَهُ: فوران بْنُ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: الثِّقَةُ الْمَأْمُون عَلَى أَحْمَد قَالَ زَكَرِيَّا: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ المروذي عَبْدَ الْوَهَّابِ فَصَارَ عِنْدَ عَبْدِ الْوَهَّابِ شَاهِدَانِ.
قَالَ زَكَرِيَّا وَسَمِعْت عَبْدَ الْوَهَّابِ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ يُهْجَرُ وَلَا يُكَلَّمُ وَيُحَذَّرُ عَنْهُ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: هُوَ مُبْتَدِعٌ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ قَالَ سَمِعْت رَجُلًا يَقُولُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَيْسَ نَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ بِمَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي وَعَلَى كُلِّ حَالٍ وَجِهَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نَعَمْ.
وَاسْتِيعَابُ هَذَا يَطُولُ.
وَكَذَلِكَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ إضَافَةِ صَوْتِ
الْعَبْدِ بِالْقُرْآنِ إلَيْهِ مَا يَطُولُ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ بِذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ﴾ " وَقَوْلِهِ: ﴿لَلَّهُ أَشَدُّ أَذْنًا إلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إلَى قَيْنَتِهِ﴾ " فَذَكَرَ الْخَلَّالُ فِي (كِتَابِ الْقُرْآنِ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَوْمًا - وَكُنْت سَأَلْته عَنْهُ -: تَدْرِي مَا مَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ؟ قُلْت: لَا.
قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَهَذَا مَعْنَاهُ إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَدْ تَغَنَّى بِهِ وَعَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ إنْ شَاءَ رَفَعَهُ " ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ: ﴿كُنْت أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى عَرِيشٍ مِنْ اللَّيْلِ﴾ " وَعَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: " ﴿زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ﴾ " فَقَالَ: " التَّزْيِينُ " أَنْ تُحَسِّنَهُ.
وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْقِرَاءَةِ: فَقَالَ يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الرَّجُلِ لَا يَتَكَلَّفُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِيمَا عَلَّقَهُ بِخَطِّهِ عَلَى " جَامِعِ الْخَلَّالِ ": هَذَا يَدُلُّ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ صَوْتَ الْقَارِئِ لَيْسَ هُوَ الصَّوْتَ الْقَدِيمَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى الْقَارِئِ الَّذِي هُوَ طَبْعُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْأَلْحَانَ.
وَأَمَّا مَا فِي كَلَامِ أَحْمَد وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إنْكَارِهِمْ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ الْقِرَاءَةَ مَخْلُوقَةٌ وَتَعْظِيمُهُمْ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ فِي الصُّدُورِ قُرْآنٌ وَلَا فِي الْمَصَاحِفِ قُرْآنٌ وَزَعَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى وَالْحُلُولِيَّةِ فَإِنْكَارُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ كَثِيرٌ شَائِعٌ مَوْجُودٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْفُتْيَا مُحْتَاجَةً إلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَفْصِيلِ الْكَلَامِ فِيهِ؛ بِخِلَافِ الْأَصْلِ الْآخَرِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَوْ ذَكَرْت مَا فِي كَلَامِ أَحْمَد وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَفْظُ الْعَبْدِ أَوْ صَوْتُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ يَقُولُ: إنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقَارِي قَدِيمٌ لَطَالَ.
وَهَذَا أَبُو نَصْرٍ السجزي قَدْ صَنَّفَ " الْإِبَانَةَ " الْمَشْهُورَ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ الْمَتْلُوُّ وَاللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ هُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنْكَرَ مَا سِوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَد وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالَ: فَإِنْ اعْتَرَضَ خُصُومُنَا فَقَالُوا: أَنْتُمْ وَإِنْ قُلْتُمْ: الْقِرَاءَةُ قُرْآنٌ وَكَلَامُ اللَّهِ فَلَا تُطْلِقُونَ أَنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقَارِي صَوْتُ اللَّهِ؛ بَلْ تَنْسُبُونَهُ إلَى الْقَارِي وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْكُمْ إطْلَاقُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ: فَالْجَوَابُ أَنَّ اعْتِصَامَنَا فِي هَذَا الْبَابِ بِظَاهِرِ الشَّرْعِ
وَقَوْلُنَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالصَّوْتِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ وَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ الْقُرْآنَ لَا يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ قِرَاءَةُ اللَّهِ وَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ بِوَجْهِ: بَلْ يَنْسُبُ الْقِرَاءَةَ إلَى الْقَارِئِ تَوَسُّعًا لِوُجُودِ التَّحْوِيلِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَقُولُ إنَّ قِرَاءَةَ الْقَارِي قُرْآنٌ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ بِاتِّفَاقِ الْكُلِّ؛ فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَنَا يَقُولُ: الْمَسْمُوعُ مِنْ الْقَارِي قُرْآنٌ وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي اخْتَلَفْنَا فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَكَذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ قَارِئِ الْقُرْآنِ قِرَاءَةٌ وَقُرْآنٌ وَالشَّرْعُ يُوجِبُ مَا قُلْنَاهُ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا نُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَد عَلَى " خَلْقِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ " وَ " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " فَمَوْجُودَةٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَائِر الْأَئِمَّةِ.
وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَد: مَا زِلْت أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ أَفَاعِيلِ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ نَعَمْ.
وَنَصَّ عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَد بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ كَمَا سَيَأْتِي وَفِيمَا خَرَّجَهُ عَلَى " الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة " وَهُوَ
مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَادَةً 1 .
وَقَدْ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ أَيْضًا فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " وَنَقَلَ مِنْهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ وَقَدْ حَكَى إجْمَاعَ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبُو نَصْرٍ السجزي فِي " الْإِبَانَةِ " وَهُوَ مَنْ أَشَدِّ النَّاسِ إنْكَارًا عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ أَلْفَاظَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ أَوْ يَقُولُ: إنَّ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقَارِئِ لَيْسَ هُوَ الْقُرْآنَ.
قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَأَمَّا نِسْبَةُ الْأَصْوَاتِ إلَى الْقُرَّاءِ - فِيمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - وَنِسْبَةُ الْقِرَاءَةِ إلَيْهِمْ وَإِنْ فَرِحَ بِهَا الزَّائِغُونَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّا لَمْ نَخْتَلِفْ فِي إضَافَةِ الصَّوْتِ إلَى الْإِنْسَانِ وَأَنَّهُ إذَا صَاحَ أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ النَّاسِ أَوْ نَادَى إنْسَانًا فَصَوْتُهُ مَخْلُوقٌ.
قَالَ: وَهَذَا لَا يَشْتَبِهُ: وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ الْمُسْتَمِعَ مِنْ قَارِئِ الْقُرْآنِ مَاذَا يَسْتَمِعُ؟ وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى آخِرِهِ.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ " الْإِجْمَاعَ " أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى أَصْلِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَسَائِر أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ فِي " مَسْأَلَةِ تِلَاوَتِنَا لِلْقُرْآنِ " لِأَنَّهَا أَصْلُ مَا وَقَعَ مِنْ الِاضْطِرَابِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 109) : وهو تصحيف صوابه: (وجادة) ، وهي من طرق التحمل في الرواية، وقد ذكر هذا الشيخ رحمه الله في غير موضع كما قال في (الدرء) 2 / 116 (وقال الخلال: أنبأنا الخضر بن أحمد المثنى الكندي: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي فيما احتج به على الجهمية)
وَالتَّنَازُعِ فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلُ " مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ " هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ وَ " مَسْأَلَةِ نُورِ الْإِيمَانِ " وَ " الْهُدَى " وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَكْثُرُ تَنَازُعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ فِيهَا وَيَتَمَسَّكُ كُلُّ فَرِيقٍ بِبَعْضِ مِنْ الْحَقِّ فَيَصِيرُونَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ مُخْتَلِفِينَ فِي الْكِتَابِ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤْمِنُ بِبَعْضِ وَيَكْفُرُ بِبَعْضِ وَهُمْ عَامَّتُهُمْ فِي جَهْلٍ وَظُلْمٍ: جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَالْحَقِّ وَظُلْمِ الْخَلْقِ وَيَقَعُ بِسَبَبِهَا بَيْنَ الْأُمَّةِ مِنْ التَّكْفِيرِ وَالتَّلَاعُنِ مَا يَفْرَحُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَيَغْضَبُ لَهُ الرَّحْمَنُ وَيَدْخُلُ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ وَيَخْرُجُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف.
وَأَصْلُ ذَلِكَ الْقُرْبُ وَالِاتِّصَالُ الْحَاصِلُ بَيْنَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ وَبَيْنَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ؛ فَلِعُسْرِ الْفَرْقِ وَالتَّمْيِيزِ يَمِيلُ قَوْمٌ إلَى زِيَادَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ.
وَآخَرُونَ إلَى زِيَادَةٍ فِي النَّفْيِ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ: النَّهْيُ عَنْ الْإِثْبَاتِ الْعَامِّ وَالنَّفْيِ الْعَامِّ؛ بَلْ إمَّا الْإِمْسَاكُ عَنْهُمَا - وَهُوَ الْأَصْلَحُ لِلْعُمُومِ وَهُوَ جُمَلُ الِاعْتِقَادِ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ الْمُحَقَّقُ فَهُوَ لِذِي الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لِعُمُومِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا أَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ " أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ " وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا الْأَئِمَّةُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَسَائِر أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْقَدَرِيَّةِ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مُحْدَثَةٌ.
وَ (الْأَصْلُ الثَّانِي مَسْأَلَةُ " تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ وَاللَّفْظُ بِهِ " هَلْ يُقَالُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ وَالْإِمَامُ أَحْمَد قَدْ نَصَّ عَلَى رَدِّ الْمُقَالَتَيْنِ هُوَ وَسَائِر أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُسْتَقْدِمِينَ وَالْمُسْتَأْخِرِين؛ لَكِنْ كَانَ رَدُّهُ عَلَى " اللَّفْظِيَّةِ النَّافِيَةِ " أَكْثَرَ وَأَشْهَرَ وَأَغْلَظَ لِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ يُفْضِي إلَى زِيَادَةِ التَّعْطِيلِ وَالنَّفْيِ وَجَانِبُ النَّفْيِ - أَبَدًا - شَرٌّ مِنْ جَانِبِ الْإِثْبَاتِ؛ فَإِنَّ الرُّسُلَ جَاءُوا بِالْإِثْبَاتِ الْمُفَصَّلِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَبِالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ: فَوَصَفُوهُ بِالْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْكَلَامِ وَالْعُلُوِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ وَفِي النَّفْيِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . وَأَمَّا الْخَارِجُونَ عَنْ حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ: مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ تَجَهَّمَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ فَطَرِيقَتُهُمْ " النَّفْيُ الْمُفَصَّلُ " لَيْسَ كَذَا لَيْسَ كَذَا وَفِي الْإِثْبَاتُ أَمْرٌ مُجْمَلٌ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْمُعَطِّلُ أَعْمَى وَالْمُشَبِّهُ أَعْشَى.
فَأَهْلُ التَّشْبِيهِ مَعَ ضَلَالِهِمْ خَيْرٌ مِنْ أَهْلِ التَّعْطِيلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ أَحْمَد إنَّمَا اُبْتُلِيَ بالْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ فَهُمْ خُصُومُهُ،
فَكَانَ هَمُّهُ مُنْصَرِفًا إلَى رَدِّ مَقَالَاتِهِمْ؛ دُونَ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ مَنْ هُوَ دَاعٍ إلَى زِيَادَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ؛ كَمَا ظَهَرَ مَنْ كَانَ يَدْعُو إلَى زِيَادَةٍ فِي النَّفْيِ.
وَالْإِنْكَارُ يَقَعُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْبُخَارِيُّ لَمَّا اُبْتُلِيَ " بِاللَّفْظِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ " ظَهَرَ إنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي تَرَاجِمِ آخِرِ " كِتَابِ الصَّحِيحِ " وَكَمَا فِي " كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ " مَعَ أَنَّهُ كَذَّبَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَأَظُنُّهُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ.
فَصْلٌ:
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى نَفْسِ هَذِهِ " الْمَسْأَلَةِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ اللالكائي فِي " أُصُولِ السُّنَّةِ " قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ؛ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: قُلْت لَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إنَّ النَّاسَ قَدْ وَقَعُوا فِي الْقُرْآنِ فَكَيْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ أَلَيْسَ أَنْتَ مَخْلُوقًا؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: فَكَلَامُك مِنْك مَخْلُوقٌ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: أَفَلَيِسَ الْقُرْآنُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: وَكَلَامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: فَيَكُونُ مِنْ اللَّهِ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ.
بَيَّنَ أَحْمَد لِلسَّائِلِ: أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَقَائِمٌ بِهِ؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِالْمُتَكَلِّمِ وَلَا قَائِمٍ بِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ كَلَامَك أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ مِنْك؛ لَا مِنْ غَيْرِك فَإِذَا كُنْت أَنْتَ مَخْلُوقًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُك أَيْضًا مَخْلُوقًا وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ مِنْهُ وَبِهِ مَخْلُوقًا.
وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى " الْجَهْمِيَّة " الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ اللَّهِ وَلَا مُتَّصِلٌ بِهِ.
فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ مُتَكَلِّمًا وَلَا هُوَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ وَلَا هُوَ مُرَادُ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ أَنَّ اللَّهَ قَالَ وَيَقُولُ وَتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَنَادَى وَنَاجَى وَدَعَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ اللَّهِ رُسُلُهُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ وَقَالَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ . وَلَيْسَ الْقُرْآنُ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا حَتَّى يُقَالَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لَا يَقُومُ إلَّا بِمَوْصُوفِ وَكُلُّ مَعْنًى لَهُ اسْمٌ
وَهُوَ قَائِمٌ بِمَحَلِّ وَجَبَ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحَلِّهِ مِنْهُ اسْمٌ وَأَنْ لَا يُشْتَقَّ لِغَيْرِ مَحَلِّهِ مِنْهُ اسْمٌ.
فَكَمَا أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ إذَا قَامَ بِمَوْصُوفِ وَجَبَ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمُ الْحَيِّ وَالْعَالَمِ وَالْقَادِرِ؛ وَلَا يُشْتَقُّ الْحَيُّ وَالْعَالَمُ وَالْقَادِرُ لِغَيْرِ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ وَالْكَلَامُ وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ وَالرِّضَا وَالرَّحْمَةُ وَالْغَضَبُ وَالْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ إذَا قَامَ بِمَحَلِّ وَجَبَ أَنْ يُشْتَقَّ لِذَلِكَ الْمَوْصُوفِ مِنْهُ الِاسْمُ وَالْفِعْلُ فَيُقَالُ: هُوَ الصَّادِقُ وَالشَّهِيدُ وَالْحَكِيمُ وَالْوَدُودُ وَالرَّحِيمُ وَالْآمِرُ وَلَا يُشْتَقُّ لِغَيْرِهِ مِنْهُ اسْمٌ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْقَائِلَ بِنَفْسِهِ: ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا﴾ بَلْ أَحْدَثَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْآمِرَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَلَا الْمُخْبِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلَكَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْآمِرَ بِهَذَا الْأَمْرِ الْمُخْبِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ وَذَلِكَ الْمَحَلُّ: إمَّا الْهَوَاءُ وَإِمَّا غَيْرُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَحَلُّ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْقَائِلُ لِمُوسَى: ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا: مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ.
وَيَسْتَعْظِمُونَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا يَعْظُمُ عَلَيْهِمْ أَنْ تَقُومَ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ " - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَطَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: مِنْ الكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ - أَنَّ كَوْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِقًا وَرَازِقًا وَمُحْيِيًا وَمُمِيتًا وَبَاعِثًا وَوَارِثًا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ؛ لَيْسَ مَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ فَالْخَلْقُ فِعْلُ اللَّهِ الْقَائِمُ بِهِ وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْمَخْلُوقَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ.
وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ " أَهْلِ الْكَلَامِ " مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: مِنْ الْفُقَهَاءِ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ أَوْ مُجَرَّدُ نِسْبَةٍ وَإِضَافَةٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ وَأَوَّلُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ حَالُ الذَّاتِ الَّتِي تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ أَوْ لَا تَخْلُقُ وَلَا تَرْزُقُ سَوَاءً.
وَبِهَذَا نَقَضَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَنْ نَاظَرَهَا مَنَّ الصفاتية الْأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ؛ لَمَّا اسْتَدَلَّتْ الصفاتية بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ " الْقَاعِدَةِ الشَّرِيفَةِ " فَقَالُوا: يَنْتَقِضُ عَلَيْكُمْ بِالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ وَالرِّزْقَ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَقَدْ اُشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمُ الْخَالِقِ وَالرَّازِقِ؛ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ صِفَةُ فِعْلٍ أَصْلًا فَكَذَلِكَ الصَّادِقُ وَالْحَكِيمُ وَالْمُتَكَلِّمُ وَالرَّحِيمُ وَالْوَدُودُ وَهَذَا النَّقْضُ لَا يَلْزَمُ جَمَاهِيرَ الْأُمَّةِ وَعَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ الْبَابَ عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا بِقِدَمِ مَخْلُوقَاتِهِ أَوْ مَفْعُولَاتِهِ سَوَاءً قِيلَ: أَنَّ نَفْسَ فِعْلِهِ الْقَائِمِ بِهِ قَدِيمٌ فَقَطْ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَالصُّوفِيَّةِ - أَوْ يَقُولُونَ لَهُ عِنْدَ إحْدَاثِ الْمَخْلُوقَاتِ أَحْوَالٌ وَنِسَبٌ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَسَائِر الصفاتية أَنَّهَا قَدِيمَةٌ فَلَيْسَتْ مُرَادَاتُهُ قَدِيمَةً وَكَذَلِكَ صِفَةُ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَالَ الْخَالِقِ وَالرَّازِقِ الْفَاطِرِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ الْهَادِي النَّصِيرِ لَيْسَ حَالُهُ فِي نَفْسِهِ كَحَالِهِ لَوْ لَمْ يُبْدِعْ هَذِهِ الْأُمُورَ؛ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ . فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَغَيْرِ الْخَالِقِ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَادِرِ وَغَيْرِ الْقَادِرِ.
وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ إنَّمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِالْقُدْوَةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ مَا يَخْلُقُهُ وَمَا لَا يَخْلُقُهُ سَوَاءً فِي نَفْسِهِ كَانَ خَالِقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا لَيْسَ لَهُ مِنْ كَوْنِهِ خَالِقًا " صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ " لَا صِفَةُ كَمَالٍ وَلَا صِفَةُ وُجُودٍ مُطْلَقٍ كَمَا لَهُ بِكَوْنِهِ قَادِرًا.
وَنُصُوصُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تُوجِبُ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ أَفْعَالِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الَّتِي تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِهَا مَحْمُودًا مُثْنَى عَلَيْهِ مُمَجَّدًا؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا ذِكْرُ هَذِهِ " الْمَسْأَلَةِ " وَإِنَّمَا هِيَ طَرْدُ حُجَّةِ
الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الثِّقَاتِ وَسَائِر الصفاتية؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي " كِتَابِ الْمِحْنَةِ ": لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا غَفُورًا.
فَبَيَّنَ اتِّصَافَهُ بِالْعِلْمِ - وَهُوَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ مَحْضَةٌ - وَ " بِالْمَغْفِرَةِ " وَهِيَ مِنْ " الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ " وَالْكَلَامُ الَّذِي يُشْبِهُ هَذَا وَهَذَا وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِيمَا خَرَّجَهُ فِي " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة " لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ جَهْمٍ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ؛ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ.
قَالَ أَحْمَد قُلْنَا لَهُ: وَكَذَلِكَ بَنُو آدَمَ كَلَامُهُمْ مَخْلُوقٌ فَفِي مَذْهَبِكُمْ كَانَ اللَّهُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى خَلَقَ الْكَلَامَ وَكَذَلِكَ بَنُو آدَمَ لَا يَتَكَلَّمُونَ حَتَّى خَلَقَ لَهُمْ كَلَامًا فَقَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ كُفْرٍ وَتَشْبِيهٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرُوا فِي " الْمِحْنَةِ " فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْمُنَاظَرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ قَالَ: فَإِنْ يَكُنْ الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ أَحْمَد إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ فَبُطْلَانُ هَذَا يَعْلَمُهُ كُلُّ عَاقِلٍ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ أَحْمَد وَقَائِلُ هَذَا إلَى الْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ الَّتِي يَفْتَرِي بِهَا عَلَى الْأَئِمَّةِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى جَوَابِهِ؛ فَإِنَّ
الْإِمَامَ أَحْمَد صَارَ مَثَلًا سَائِرًا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْمِحْنَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ حَتَّى صَارَ اسْمُ الْإِمَامِ مَقْرُونًا بِاسْمِهِ فِي لِسَانِ كُلٍّ أَحَدٍ فَيُقَالُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد.
هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَد.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ فَإِنَّهُ أُعْطِيَ مِنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ.
وَقَدْ تَدَاوَلَهُ " ثَلَاثَةُ خُلَفَاءَ " مُسَلَّطُونَ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ إلَى غَرْبِهَا وَمَعَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْوُزَرَاءِ وَالسُّعَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُلَاةِ مَنْ لَا يُحْصِيهِمْ إلَّا اللَّهُ.
فَبَعْضُهُمْ بِالْحَبْسِ وَبَعْضُهُمْ بِالتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ بِالْقَتْلِ وَبِغَيْرِهِ وَبِالتَّرْغِيبِ فِي الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَبِالضَّرْبِ وَبَعْضُهُمْ بِالتَّشْرِيدِ وَالنَّفْيِ وَقَدْ خَذَلَهُ فِي ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ - حَتَّى أَصْحَابُهُ الْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأَبْرَارُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْطِهِمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِمَّا طَلَبُوهُ مِنْهُ وَمَا رَجَعَ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلَا كَتَمَ الْعِلْمَ وَلَا اسْتَعْمَلَ التَّقِيَّةَ؛ بَلْ قَدْ أَظْهَرَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِهِ وَدَفَعَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِذَلِكَ مَا لَمْ يَتَأَتَّ مِثْلُهُ لِعَالِمِ: مِنْ نُظَرَائِهِ وَإِخْوَانِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الشَّامِ: لَمْ يُظْهِرْ أَحَدٌ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَظْهَرَهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي لَا قَدْرَ لَهَا؟