ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
يُعْجِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ: ﴿وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ﴾ لِأَنَّ الْفَأْلَ تَقْوِيَةٌ لِمَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالطِّيَرَةُ مُعَارِضَةٌ لِذَلِكَ فَيُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَطَيَّرَ وَإِنَّمَا تَضُرُّ الطِّيَرَةُ مَنْ تَطَيَّرَ لِأَنَّهُ أَضَرَّ نَفْسَهُ.
فَأَمَّا الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ فَلَا.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ ذِكْرَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَسَبَبَ إصَابَتِهَا تَارَةً وَخَطَئِهَا تَارَاتٍ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ: أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ فِيهَا كَذِبًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً كَمَا يَتَعَمَّدُ خَلْقٌ كَثِيرٌ الْكَذِبَ فِي الرُّؤْيَا الَّتِي مِنْهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَكَمَا كَانَتْ الْجِنُّ تَخْلِطُ بِالْكَلِمَةِ تَسْمَعُهَا مِنْ السَّمَاءِ مِائَةَ كِذْبَةٍ ثُمَّ تُلْقِيهَا إلَى الْكُهَّانِ.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ﴿عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ.
قَالَ: فَلَا تَأْتِهِمْ.
قَالَ: قُلْت: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ.
قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدُّهُمْ.
قَالَ: قُلْت: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ.
قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ﴾ . فَإِذَا كَانَ مَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ أَخْبَارِ الْمَلَائِكَةِ مَا قَدْ يُتَعَمَّدُ فِيهِ الْكَذِبُ الْكَثِيرُ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُضْطَرِبٌ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى أَصْلٍ؟ فَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ مَنْ فِي دِينِهِ فَسَادٌ يَدْخُلُ فِي الْأَكَاذِيبِ الْكَوْنِيَّةِ مِثْلُ أَهْلِ الِاتِّحَادِ.
فَإِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ - فِي كِتَابِ " عَنْقَاءِ مُغْرِبٍ " وَغَيْرِهِ - أَخْبَرَ بِمُسْتَقْبَلَاتٍ كَثِيرَةٍ
عَامَّتُهَا كَذِبٌ وَكَذَلِكَ ابْنُ سَبْعِينَ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا مُدَّةَ بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حِسَابِ الْجُمَلِ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّذِي وَرِثُوهُ مِنْ الْيَهُودِ وَمِنْ حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ الَّذِي وَرِثُوهُ مِنْ الصَّابِئَةِ؛ كَمَا فَعَلَ أَبُو نَصْرٍ الْكِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ؛ وَكَمَا فَعَلَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّازِي؛ وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي تَأْوِيلِ وَقَائِعِ النُّسَّاكِ مِنْ الْمَائِلِينَ إلَى التَّشَيُّعِ.
وَقَدْ رَأَيْت مِنْ أَتْبَاعِ هَؤُلَاءِ طَوَائِفَ يَدَّعُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ الْأَسْرَارِ الْمَخْزُونَةِ وَالْعُلُومِ الْمَصُونَةِ وَخَاطَبْت فِي ذَلِكَ طَوَائِفَ مِنْهُمْ وَكُنْت أَحْلِفُ لَهُمْ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ مُفْتَرًى وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ شَيْءٌ وَطَلَبْت مُبَاهَلَةَ بَعْضِهِمْ - لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِأُصُولِ الدِّينِ - وَكَانُوا مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ الَّذِينَ يَطُولُ وَصْفُ دَعَاوِيهِمْ.
فَإِنَّ شَيْخَهُمْ الَّذِي هُوَ عَارِفُ وَقْتِهِ وَزَاهِدُهُ عِنْدَهُمْ: كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي يَنْزِلُ وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ نُزُولُ رُوحَانِيَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّ أُمَّهُ اسْمُهَا مَرْيَمُ وَأَنَّهُ يَقُومُ بِجَمْعِ الْمِلَلِ الثَّلَاثِ: وَأَنَّهُ يَظْهَرُ مَظْهَرًا أَكْمَلَ مِنْ مَظْهَرِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْسَلِينَ.
وَلَهُمْ مَقَالَاتٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَوَصْفُهَا.
ثُمَّ إنَّ مِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُدَّعِينَ لِحَقَائِقِ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَحْتَجُّ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ حَدِيثٍ
مَوْضُوعٍ أَوْ مُجْمَلٍ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ وَكُلَّمَا وَجَدَ أَثَرًا فِيهِ إجْمَالٌ نَزَّلَهُ عَلَى رَأْيِهِ فَيَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِالْمَكْذُوبِ مِثْلِ الْمَكْذُوبِ الْمَنْسُوبِ إلَى عُمَرَ " كُنْت كَالزِّنْجِيِّ " وَمِثْلُ مَا يَرْوُونَهُ مِنْ " سِرِّ الْمِعْرَاجِ " وَمَا يَرْوُونَهُ مِنْ " أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ سَمِعُوا الْمُنَاجَاةَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ الرَّسُولُ.
فَلَمَّا نَزَلَ الرَّسُولُ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ سَمِعْتُمْ؟ فَقَالُوا: كُنَّا نَسْمَعُ الْخِطَابَ ". حَتَّى أَنِّي لَمَّا بَيَّنْت لِطَائِفَةِ - تمشيخوا وَصَارُوا قُدْوَةً لِلنَّاسِ -: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ قَطُّ.
قُلْت: وَيُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ بِمَكَّةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالصُّفَّةُ إنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فَمِنْ أَيْنَ كَانَ بِمَكَّةَ أَهْلُ صُفَّةٍ؟ . وَكَذَلِكَ احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ قَاتَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا انْتَصَرُوا وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مَعَ اللَّهِ لِيَحْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَةِ الْوَاقِعِ سَوَاءٌ كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ أَوْ مَعْصِيَةً وَلِيَجْعَلُوا حُكْمَ دِينِهِ هُوَ مَا كَانَ كَمَا قَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا الْمُجْمَلَاتُ: فَمِثْلُ احْتِجَاجِهِمْ بِنَهْيِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَنْ ذِكْرِ بَعْضِ خَفِيِّ الْعِلْمِ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ " وَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
" مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثِ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ " وَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ: " مَا يُؤَمِّنُك أَنِّي لَوْ أَخْبَرْتُك بِتَفْسِيرِهَا كَفَرْت وَكُفْرُك بِهَا تَكْذِيبُك بِهَا ". وَهَذِهِ الْآثَارُ حَقٌّ لَكِنْ يُنَزِّلُ كُلٌّ مِنْهُمْ ذَاكَ الَّذِي لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ هُوَ مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْحَقَائِقِ الَّتِي إذَا كُشِفَتْ وُجِدَتْ مِنْ الْبَاطِلِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ حَتَّى إنَّ أَبَا حَامِدٍ الْغَزَالِيَّ " فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ " وَغَيْرِهِ هُوَ وَأَمْثَالُهُ تَمَثَّلَ بِمَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ لَقِيلَ لِي: أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْوَثَنَا وَلَاسْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَأْتُونَهُ حَسَنَا فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ طُرُقَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ مِنْ التَّحْقِيقِ وَعُلُومِ الْأَسْرَارِ مَا خَرَجُوا بِهِ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَزَعَمُوا أَنَّ تِلْكَ الْعُلُومَ الدِّينِيَّةَ أَوْ الْكَوْنِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ فَآمَنُوا بِمُجْمَلِهَا وَمُتَشَابِهِهَا وَأَنَّهُمْ مُنِحُوا مِنْ حَقَائِقِ الْعِبَادَاتِ وَخَالِصِ الدِّيَانَاتِ مَا لَمْ يُمْنَحْ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ حُفَّاظُ الْإِسْلَامِ وَبُدُورُ الْمِلَّةِ وَلَمْ يَتَجَرَّءُوا عَلَيْهَا بِرَدِّ وَتَكْذِيبٍ مَعَ ظُهُورِ الْبَاطِلِ فِيهَا تَارَةً.
وَخَفَائِهِ أُخْرَى.
فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَقْلَ وَالدِّينَ يَقْتَضِيَانِ أَنَّ جَانِبَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ أَحَقُّ بِكُلِّ تَحْقِيقٍ وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَإِحَاطَةٍ بِأَسْرَارِ الْأُمُورِ وَبَوَاطِنهَا.
هَذَا لَا يُنَازِعُ فِيهِ مُؤْمِنٌ.
وَنَحْنُ الْآنُ فِي مُخَاطَبَةِ مَنْ فِي قَلْبِهِ إيمَانٌ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ أَخَصُّهُمْ بِالرَّسُولِ وَأَعْلَمُهُمْ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَمَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَبَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِأَصْحَابِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَيَّامِهِ وَأَعْظَمُهُمْ بَحْثًا عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ نَقَلَتِهِ وَأَعْظَمُهُمْ تَدَيُّنًا بِهِ وَاتِّبَاعًا لَهُ وَاقْتِدَاءً بِهِ.
وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ حِفْظًا لَهُ وَمَعْرِفَةً بِصَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ وَفِقْهًا فِيهِ وَفَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ إيَّاهُ فِي مَعَانِيهِ وَإِيمَانًا وَتَصْدِيقًا.
وَطَاعَةً وَانْقِيَادًا وَاقْتِدَاءً وَاتِّبَاعًا مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ عَقْلِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ وَتَمْيِيزِهِمْ وَعَظِيمِ مُكَاشَفَاتِهِمْ وَمُخَاطَبَاتِهِمْ.
فَإِنَّهُمْ أَسَدُّ النَّاسِ نَظَرًا وَقِيَاسًا وَرَأْيًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ رُؤْيَا وَكَشْفًا.
أَفَلَا يَعْلَمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ وَدِينٍ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِالصِّدْقِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالتَّحْقِيقِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُمْ وَأَنَّ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعُلُومِ مَا يُنْكِرُهَا الْجَاهِلُ وَالْمُبْتَدِعُ وَأَنَّ الَّذِي عِنْدَهُمْ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وَأَنَّ الْجَاهِلَ بِأَمْرِهِمْ وَالْمُخَالِفَ لَهُمْ هُوَ الَّذِي مَعَهُ مِنْ الْحَشْوِ مَا مَعَهُ وَمِنْ الضَّلَالِ كَذَلِكَ.
وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ شَرْحُهُ.
فَإِنَّ النُّفُوسَ لَهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مَا لَا يَحْصُرُهُ إلَّا ذُو الْجَلَالِ.
وَالْأَقْوَالُ إخبارات وَإِنْشَاءَاتٌ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
فَأَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَصْدَقُهُ كِتَابُ اللَّهِ.
خَبَرُهُ أَصْدَقُ الْخَبَرِ وَبَيَانُهُ أَوْضَحُ الْبَيَانِ وَأَمْرُهُ أَحْكَمُ الْأَمْرِ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وَكُلُّ
مَنْ اتَّبَعَ كَلَامًا أَوْ حَدِيثًا - مِمَّا يُقَالُ: إنَّهُ يُلْهَمُهُ صَاحِبُهُ وَيُوحَى إلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ يُنْشِئُهُ وَيُحْدِثُهُ مِمَّا يُعَارِضُ بِهِ الْقُرْآنَ - فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الظَّالِمِينَ ظُلْمًا.
وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَ الَّذِينَ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ حَيْثُ أَنْكَرُوا الْإِنْزَالَ عَلَى الْبَشَرِ ذَكَرَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِهِ الْمُدَّعِينَ لِمُمَاثَلَتِهِ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِنَّ الْمُمَاثِلَ لَهُ: إمَّا أَنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَوْ يَقُولَ: أُوحِيَ إلَيَّ وَأُلْقِيَ إلَيَّ وَقِيلَ لِي وَلَا يُسَمِّي الْقَائِلَ.
أَوْ يُضِيفُ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْشِئُ لَهُ.
وَوَجْهُ الْحَصْرِ: أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَحْذِفَ الْفَاعِلَ أَوْ يَذْكُرَهُ وَإِذَا ذَكَرَهُ فَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ نَفْسِهِ.
فَإِنَّهُ إذَا جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّيَاطِينِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَمَا جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا يُضِيفُهُ إلَى اللَّهِ وَفِيمَا حُذِفَ فَاعِلُهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ . وَتَدَبَّرْ كَيْفَ جَعَلَ الْأَوَّلِينَ فِي حَيِّزِ الَّذِي جَعَلَهُ وَحْيًا مِنْ اللَّهِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوحِي؟ فَإِنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي ادِّعَاءِ جِنْسِ الْإِنْبَاءِ وَجَعَلَ الْآخَرَ فِي حَيِّزِ الَّذِي ادَّعَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فَالْمُفْتَرِي لِلْكَذِبِ وَالْقَائِلُ: أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ: مِنْ جُمْلَةِ الِاسْمِ الْأَوَّلِ وَقَدْ قُرِنَ بِهِ الِاسْمُ الْآخَرُ فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الْمُدَّعُونَ لِشِبْهِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُمْ الْمُكَذِّبُ لِلنُّبُوَّةِ.
فَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أُصُولِ الْكُفْرِ الَّتِي هِيَ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ أَوْ مُضَاهَاتُهُمْ كمسيلمة الْكَذَّابِ وَأَمْثَالِهِ.
وَهَذِهِ هِيَ " أُصُولُ الْبِدَعِ " الَّتِي نَرُدُّهَا نَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لِلسُّنَّةِ يَرُدُّ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يُعَارِضُ قَوْلَ الرَّسُولِ بِمَا يَجْعَلُهُ نَظِيرًا لَهُ: مِنْ رَأْيٍ أَوْ كَشْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ يُسَمُّونَ هَؤُلَاءِ وَأَئِمَّتَهُمْ حَشْوِيَّةً هُمْ أَحَقُّ بِكُلِّ وَصْفٍ مَذْمُومٍ يَذْكُرُونَهُ وَأَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِكُلِّ عِلْمٍ نَافِعٍ وَتَحْقِيقٍ وَكَشْفِ حَقَائِقَ وَاخْتِصَاصٍ بِعُلُومِ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ الْمُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ الْمُكَذِّبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَإِنَّ نَبْزَهُمْ بِالْحَشْوِيَّةِ: إنْ كَانَ لِأَنَّهُمْ يَرْوُونَ الْأَحَادِيثَ بِلَا تَمْيِيزٍ؛ فَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ قَوْلًا لِحَشْوِ الْآرَاءِ وَالْكَلَامِ الَّذِي لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ بَلْ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ وَإِنْ كَانَ: لِأَنَّ فِيهِمْ عَامَّةً لَا يُمَيِّزُونَ؛ فَمَا مِنْ فِرْقَةٍ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ إلَّا وَمِنْ أَتْبَاعِهَا مَنْ أَجْهَلُ الْخَلْقِ وَأَكْفَرُهُمْ وَعَوَامُّ هَؤُلَاءِ هُمْ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ بِالصَّلَوَاتِ وَأَهْلُ الذِّكْرِ وَالدَّعَوَاتِ وَحُجَّاجُ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَهْلُ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْعَالَمِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِوُجُوهِ الذَّمِّ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ أَبْعَدُ عَنْهَا وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ؛ فِيمَا اخْتَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْوِرَاثَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إلَّا عِنْدَهُمْ.
وَأَيْضًا فَيَنْبَغِي النَّظَرُ فِي الْمَوْسُومِينَ بِهَذَا الِاسْمِ وَفِي الْوَاسِمِينَ لَهُمْ بِهِ: أَيُّهُمَا أَحَقُّ؟ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مِمَّا اُشْتُهِرَ عَنْ الْنُّفَاةِ مِمَّنْ هُمْ مَظِنَّةُ الزَّنْدَقَةِ كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - كَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ - أَنَّ عَلَامَةَ الزَّنَادِقَةِ تَسْمِيَتُهُمْ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ حَشْوِيَّةً.
وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا مِثْلُ: لَفْظِ " الْإِثْبَاتِ؛ وَالنَّفْيِ " فَنَقُولُ: مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا مِنْ تَلْقِيبِ بَعْضِ النَّاسِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يُقِرُّونَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ.
فَكُلُّ مَنْ كَانَ عَنْهُ أَبْعَدَ كَانَ أَعْظَمَ ذَمًّا بِذَلِكَ: كَالْقَرَامِطَةِ ثُمَّ الْفَلَاسِفَةِ ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ يَذُمُّونَ بِذَلِكَ الْمُتَكَلِّمَةَ الصفاتية مِنْ الْكُلَّابِيَة والكَرَّامِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
فَكُلُّ مَنْ اتَّبَعَ النُّصُوصَ وَأَقَرَّهَا سَمَّوْهُ بِذَلِكَ وَمَنْ قَالَ بِالصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ مِثْلِ: الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؛ دُونَ الْخَبَرِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ سَمَّى مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ حَشْوِيَّةً كَمَا يَفْعَلُ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَنَحْوُهُمَا.
وَلِطَرِيقَةِ أَبِي الْمَعَالِي كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَتْبَعُهُ فِي فِقْهِهِ وَكَلَامِهِ لَكِنْ أَبُو مُحَمَّدٍ كَانَ أَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْ أَبِي الْمَعَالِي وَبِمَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ.
وَأَبُو الْمَعَالِي أَكْثَرُ اتِّبَاعًا لِلْكَلَامِ وَهُمَا فِي الْعَرَبِيَّةِ مُتَقَارِبَانِ.
وَهَؤُلَاءِ يَعِيبُونَ مُنَازِعَهُمْ إمَّا لِجَمْعِهِ حَشْوَ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ صَحِيحِهِ وَضَعِيفِهِ.
أَوْ لِكَوْنِ اتِّبَاعِ الْحَدِيثِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنْ مَذْهَبِ
الْحَشْوِ: لِأَنَّهَا مَسَائِلُ عِلْمِيَّةٌ وَالْحَدِيثُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ النُّصُوصِ مُطْلَقًا فِي الْمَبَاحِثِ الْأُصُولِيَّةِ الْكَلَامِيَّةِ حَشْوٌ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِذَلِكَ؛ فَالْأَمْرُ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا رَيْبٌ فِي الْإِسْنَادِ أَوْ فِي الْمَتْنِ: إمَّا لِأَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إلَى الرَّسُولِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَالَهُ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَيَجْعَلُونَ مُقْتَضَاهَا الْعِلْمَ وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَا فَهِمُوهُ مِنْ اللَّفْظِ مَعْلُومًا وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْلُومِ لِمَا فِي الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ مِنْ الِاحْتِمَالِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا عُمْدَةُ كُلِّ زِنْدِيقٍ وَمُنَافِقٍ يَبْطُلُ الْعِلْمُ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ.
تَارَةً يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ وَتَارَةً يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ مَا أَرَادُوا بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَمَتَى انْتَفَى الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ أَوْ بِمَعْنَاهُ: لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْ جِهَتِهِمْ عِلْمٌ فَيَتَمَكَّنُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ مَا يَقُولُ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَقَدْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعَارَضَ بِآثَارِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَ ثَغْرَهَا بِذَيْنِك الدامحين الدَّافِعَيْنِ لِجُنُودِ الرَّسُولِ عَنْهُ الطَّاعِنَيْنِ لِمَنْ احْتَجَّ بِهَا.
وَهَذَا الْقَدْرُ بِعَيْنِهِ هُوَ عَيْنُ الطَّعْنِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ؛ وَإِنْ كَانَ يُقِرُّ بِتَعْظِيمِهِمْ وَكَمَالِهِمْ: إقْرَارَ مَنْ لَا يَتَلَقَّى مِنْ جِهَتِهِمْ عِلْمًا فَيَكُونُ الرَّسُولُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ خَلِيفَةٍ: يُعْطِي السِّكَّةَ وَالْخُطْبَةَ رَسْمًا وَلَفْظًا كِتَابَةً وَقَوْلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ مُطَاعٌ.
فَلَهُ صُورَةُ الْإِمَامَةِ بِمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ السِّكَّةِ وَالْخُطْبَةِ وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَتُهَا.
وَهَذَا الْقَدْرُ - وَإِنْ اسْتَجَازَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُلُوكِ - لِعَجْزِ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ عَنْ
الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِ الْإِمَارَةِ مِنْ الْجِهَادِ وَالسِّيَاسَةِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ نُوَّابِ الْوُلَاةِ لِضَعْفِ مُسْتَنِيبِهِ وَعَجْزِهِ؟ فَيَتَرَكَّبُ مِنْ تَقَدُّمِ ذِي الْمَنْصِبِ وَالْبَيْتِ وَقُوَّةِ نَائِبِهِ صَلَاحُ الْأَمْرِ أَوْ فِعْلُ ذَلِكَ لِهَوَى وَرَغْبَةٍ فِي الرِّئَاسَةِ وَلِطَائِفَتِهِ دُونَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ وَسَلَكَ مَسْلَكَ الْمُتَغَلِّبِينَ بِالْعُدْوَانِ - فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَقُولَ فِي الرِّسَالَةِ: إنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ الْعِلْمِ وَبَيَانِهِ حَتَّى يَكُونَ الْإِقْرَارُ بِهَا مَعَ تَحْقِيقِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ مِنْ غَيْرِهَا مُوجِبًا لِصَلَاحِ الدِّينِ وَلَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهَا بِالتَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُقَدِّمُ عِلْمَهُ وَقَوْلَهُ عَلَى عِلْمِ الرَّسُولِ وَقَوْلِهِ وَلَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهَا التَّأْوِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةَ وَيَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الدِّينِ وَأَنَّ الدِّينَ لَا يَكُونُ كَامِلًا إلَّا بِذَلِكَ.
وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الرَّسُولَ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ لَهُ تَأْوِيلَاتٌ وَتِبْيَانٌ غَيْرُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَمَفْهُومُهُ وَأَنَّهُ مَا تَرَكَ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ الْبَيَانُ بَيْنَ أُولَئِكَ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ وَأَنَّهُ وَكَلَ ذَلِكَ إلَى عُقُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ مِنْهُمْ.
فَإِنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ تَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ بَيَانِ الْحَقَائِقِ لِأَنَّ إظْهَارَهَا يُفْسِدُ النَّاسَ وَلَا تَحْتَمِلُ عُقُولُهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ قَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُمْ عَرَفُوهَا.
وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَعْرِفُوهَا.
أَوْ أَنَا أَعْرَفُ بِهَا مِنْهُمْ ثُمَّ يُبَيِّنُونَهَا هُمْ بِالطُّرُقِ الْقِيَاسِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَهُمْ.
وَلَمْ يَعْقِلُوا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعِلْمُ بِهَا مُمْكِنًا فَهُوَ مُمْكِنٌ لَهُمْ كَمَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ لَهُمْ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى مَعْرِفَتِهَا بِإِقْرَارِهِمْ.
وَكَذَلِكَ التَّعْبِيرُ
وَبَيَانُ الْعِلْمِ بِالْخِطَابِ وَالْكِتَابِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فَلَا يُمْكِنُكُمْ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ وَتَكْتُبُونَ عِلْمَكُمْ فِي الْكُتُبِ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فَلَا يَصِحُّ قَوْلُكُمْ: " لَمْ يُمْكِنْ الرُّسُلَ ذَلِكَ ". وَإِنْ قُلْتُمْ: يُمْكِنُ الْخِطَابُ بِهَا مَعَ خَاصَّةِ النَّاسِ دُونَ عَامَّتِهِمْ - وَهَذَا قَوْلُهُمْ - فَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ عِلْمَ الرُّسُلِ يَكُونُ عِنْدَ خَاصَّتِهِمْ كَمَا يَكُونُ عِلْمُكُمْ عِنْدَ خَاصَّتِكُمْ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ بِكَلَامِ الْمَتْبُوعِ وَأَحْوَالِهِ وَبَوَاطِنِ أُمُورِهِ وَظَوَاهِرِهَا أَعْلَمُ وَهُوَ بِذَلِكَ أَقْوَمُ: كَانَ أَحَقَّ بِالِاخْتِصَاصِ بِهِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ وَأَخَصُّهَا بِعِلْمِ الرَّسُولِ وَعِلْمِ خَاصَّتِهِ: مِثْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَسَائِرِ الْعَشَرَةِ.
وَمِثْلُ: أبي بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وعبادة بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ؛ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ؛ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَمِثْلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ وأسيد بْنِ حضير وَسَعْدِ بْنِ عبادة وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ: مِمَّنْ كَانَ أَخَصَّ النَّاسِ بِالرَّسُولِ وَأَعْلَمَهُمْ بِبَاطِنِ أُمُورِهِ وَأَتْبَعَهُمْ لِذَلِكَ.
فَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَؤُلَاءِ وَبِبَوَاطِنِ أُمُورِهِمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِذَلِكَ.
فَيَكُونُ عِنْدَهُمْ الْعِلْمُ: عِلْمَ خَاصَّةِ الرَّسُولِ وَبِطَانَتِهِ كَمَا أَنَّ خَوَاصَّ الْفَلَاسِفَةِ يَعْلَمُونَ عِلْمَ
أَئِمَّتِهِمْ وَخَوَاصُّ الْمُتَكَلِّمِينَ يَعْلَمُونَ عِلْمَ أَئِمَّتِهِمْ وَخَوَاصُّ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ يَعْلَمُونَ عِلْمَ أَئِمَّتِهِمْ وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِثْلُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ خَاصَّةَ كُلِّ إمَامٍ أَعْلَمُ بِبَاطِنِ أُمُورِهِ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمَّا كَانَ أَخَصَّ النَّاسِ بِهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِبَطْنِ أَمْرِهِ اعْتَمَدَ أَتْبَاعُهُ عَلَى رِوَايَتِهِ حَتَّى إنَّهُ تُؤْخَذُ عَنْهُ مَسَائِلُ السِّرِّ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ أَبِي الْغَمْرِ وَإِنْ طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
وَقَدْ يَكْتُبُ الْعَالِمُ كِتَابًا أَوْ يَقُولُ قَوْلًا فَيَكُونُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُشَافِهْهُ بِهِ أَعْلَمَ بِمَقْصُودِهِ مِنْ بَعْضِ مَنْ شَافَهَهُ بِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ﴾ لَكِنْ بِكُلِّ حَالٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُبَلِّغُ مِنْ الْخَاصَّةِ الْعَالِمِينَ بِحَالِ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ كَمَا يَكُونُ فِي أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ مَنْ هُوَ أَفْهَمُ لِنُصُوصِهِمْ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ.
وَمِنْ الْمُسْتَقَرِّ فِي أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ وَرَثَةَ الرُّسُلِ وَخُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَامُوا بِالدِّينِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَدَعْوَةً إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَهَؤُلَاءِ أَتْبَاعُ الرَّسُولِ حَقًّا وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الطَّائِفَةِ الطَّيِّبَةِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي زَكَتْ فَقَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ فَزَكَتْ فِي نَفْسِهَا وزكى النَّاسُ بِهَا.
وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْبَصِيرَةِ فِي الدِّينِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الدَّعْوَةِ وَلِذَلِكَ كَانُوا وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾
فَالْأَيْدِي الْقُوَّةُ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَالْأَبْصَارُ الْبَصَائِرُ فِي دِينِ اللَّهِ فَبِالْبَصَائِرِ يُدْرَكُ الْحَقُّ وَيُعْرَفُ وَبِالْقُوَّةِ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَبْلِيغِهِ وَتَنْفِيذِهِ وَالدَّعْوَةِ إلَيْهِ.
فَهَذِهِ الطَّبَقَةُ كَانَ لَهَا قُوَّةُ الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْبَصَرِ وَالتَّأْوِيلِ؛ فَفَجَّرَتْ مِنْ النُّصُوصِ أَنْهَارَ الْعُلُومِ وَاسْتَنْبَطَتْ مِنْهَا كُنُوزَهَا وَرُزِقَتْ فِيهَا فَهْمًا خَاصًّا كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ سُئِلَ: " هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءِ دُونَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: لَا؛ وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ؛ إلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ.
فَهَذَا الْفَهْمُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَأِ وَالْعُشْبِ الَّذِي أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ.
وَهُوَ الَّذِي تَمَيَّزَتْ بِهِ هَذِهِ الطَّبَقَةُ عَنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ؛ وَهِيَ الَّتِي حَفِظَتْ النُّصُوصَ فَكَانَ هَمُّهَا حِفْظَهَا وَضَبْطَهَا؛ فَوَرَدَهَا النَّاسُ وَتَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ؛ وَاسْتَنْبَطُوا مِنْهَا وَاسْتَخْرَجُوا كُنُوزَهَا وَاتَّجَرُوا فِيهَا؛ وَبَذَرُوهَا فِي أَرْضٍ قَابِلَةٍ لِلزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ؛ وَرَوَوْهَا كُلٌّ بِحَسَبِهِ.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ . وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا؛ ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَيْسَ بِفَقِيهِ؛ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ﴾ . وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَبْرُ الْأُمَّةِ؛ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ.
مِقْدَارُ مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَبْلُغُ نَحْوَ الْعِشْرِينَ حَدِيثًا الَّذِي
يَقُولُ فِيهِ: " سَمِعْت وَرَأَيْت " وَسَمِعَ الْكَثِيرُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبُورِكَ لَهُ فِي فَهْمِهِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ حَتَّى مَلَأَ الدُّنْيَا عِلْمًا وَفِقْهًا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ: وَجُمِعَتْ فَتْوَاهُ فِي سَبْعَةِ أَسْفَارٍ كِبَارٍ وَهِيَ بِحَسَبِ مَا بَلَغَ جَامِعُهَا وَإِلَّا فَعِلْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالْبَحْرِ وَفِقْهُهُ وَاسْتِنْبَاطُهُ وَفَهْمُهُ فِي الْقُرْآنِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي فَاقَ بِهِ النَّاسَ وَقَدْ سَمِعُوا مَا سَمِعَ وَحَفِظُوا الْقُرْآنَ كَمَا حَفِظَهُ وَلَكِنَّ أَرْضَهُ كَانَتْ مَنْ أَطْيَبِ الْأَرَاضِي وَأَقْبَلِهَا لِلزَّرْعِ فَبَذَرَ فِيهَا النُّصُوصَ فَأَنْبَتَتْ مَنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وَأَيْنَ تَقَعُ فَتَاوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَفْسِيرُهُ وَاسْتِنْبَاطُهُ مِنْ فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَفْسِيرِهِ؟ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مِنْهُ؛ بَلْ هُوَ حَافِظُ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ: يُؤَدِّي الْحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ وَيَدْرُسُهُ بِاللَّيْلِ دَرْسًا؛ فَكَانَتْ هِمَّتُهُ مَصْرُوفَةً إلَى الْحِفْظِ وَتَبْلِيغِ مَا حَفِظَهُ كَمَا سَمِعَهُ وَهِمَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَصْرُوفَةٌ إلَى التَّفَقُّهِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَتَفْجِيرِ النُّصُوصِ وَشَقِّ الْأَنْهَارِ مِنْهَا وَاسْتِخْرَاجِ كُنُوزِهَا.
وَهَكَذَا وَرَثَتُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ: اعْتَمَدُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اسْتِنْبَاطِ النُّصُوصِ لَا عَلَى خَيَالٍ فَلْسَفِيٍّ وَلَا رَأْيٍ قِيَاسِيٍّ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآرَاءِ الْمُبْتَدَعَاتِ.
لَا جَرَمَ كَانَتْ الدَّائِرَةُ وَالثَّنَاءُ الصِّدْقُ وَالْجَزَاءُ الْعَاجِلُ وَالْآجِلُ: لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ التَّابِعِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَإِنَّ الْمَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
وَبِكُلِّ حَالٍ: فَهُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِحَدِيثِ الرَّسُولِ وَسِيرَتِهِ وَمَقَاصِدِهِ وَأَحْوَالِهِ.
وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِأَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى سَمَاعِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ بَلْ نَعْنِي بِهِمْ: كُلَّ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَاتِّبَاعِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْقُرْآنِ.
وَأَدْنَى خَصْلَةٍ فِي هَؤُلَاءِ: مَحَبَّةُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْبَحْثِ عَنْهُمَا وَعَنْ مَعَانِيهِمَا وَالْعَمَلِ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ مُوجِبِهِمَا.
فَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ أَخْبَرُ بِالرَّسُولِ مِنْ فُقَهَاءِ غَيْرِهِمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ أَتَبَعُ لِلرَّسُولِ مِنْ صُوفِيَّةِ غَيْرِهِمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ أَحَقُّ بِالسِّيَاسَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَعَامَّتُهُمْ أَحَقُّ بِمُوَالَاةِ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمُعَظِّمِينَ لِلْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ الْمُعْتَقِدِينَ لِمَضْمُونِهِمَا هُمْ أَبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَأَبْعَدُ عَنْ اتِّبَاعِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ.
هَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ بَلْ إذَا كَشَفْت أَحْوَالَهُمْ وَجَدْتهمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْوَالِهِ وَبَوَاطِنِ أُمُورِهِ وَظَوَاهِرِهَا حَتَّى لَتَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَتَجِدَهُمْ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ وَمَا لَمْ يَقُلْهُ بَلْ قَدْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ حَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ عَنْهُ وَحَدِيثٍ مَكْذُوبٍ مَوْضُوعٍ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي مُوَافَقَتِهِ عَلَى مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ مَوْضُوعًا أَوْ غَيْرَ مَوْضُوعٍ فَيَعْدِلُونَ إلَى أَحَادِيثَ يَعْلَمُ خَاصَّةُ الرَّسُولِ بِالضَّرُورَةِ الْيَقِينِيَّةِ أَنَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ عَنْ أَحَادِيثَ يَعْلَمُ خَاصَّتُهُ بِالضَّرُورَةِ الْيَقِينِيَّةِ أَنَّهَا قَوْلُهُ وَهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ مُرَادَهُ بَلْ غَالِبُ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ فَضْلًا عَنْ الْحَدِيثِ بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ أَصْلًا.
فَمَنْ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهُ وَلَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَلَا مَعَانِيَهُ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ عَارِفًا بِالْحَقَائِقِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ الرَّسُولِ وَإِذَا تَدَبَّرَ الْعَاقِلُ وَجَدَ الطَّوَائِفَ كُلَّهَا كُلَّمَا كَانَتْ الطَّائِفَةُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَقْرَبَ كَانَتْ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَعْرَفَ وَأَعْظَمَ عِنَايَةً وَإِذَا كَانَتْ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ أَبْعَدَ كَانَتْ عَنْهُمَا أَنْأَى حَتَّى تَجِدَ فِي أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ بَلْ رُبَّمَا ذُكِرَتْ عِنْدَهُ آيَةٌ فَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَرُبَّمَا قَالَ: لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَا وَتَكُونُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَقَدْ بَلَغَنَا مِنْ ذَلِكَ عَجَائِبُ وَمَا لَمْ يَبْلُغْنَا أَكْثَرُ.
وَحَدَّثَنِي: ثِقَةٌ أَنَّهُ تَوَلَّى مَدْرَسَةَ مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ بِمِصْرِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ رَجُلٌ يُسَمَّى شَمْسَ الدِّينِ الأصبهاني شَيْخَ الأيكي فَأَعْطَوْهُ جُزْءًا مِنْ الرَّبْعَةِ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿المص﴾ حَتَّى قِيلَ لَهُ: أَلِفٌ لَامٌ مِيمٌ صَادٌ.
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْحُكُومَةَ الْعَادِلَةَ لِيَتَبَيَّنَ لَك أَنَّ الَّذِينَ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَيَعْدِلُونَ عَنْ مَذْهَبِهِمْ جَهَلَةٌ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ بِلَا رَيْبٍ.
وَلِهَذَا لَمَّا بَلَغَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ عَنْ " ابْنِ أَبِي قتيلة " أَنَّهُ ذَكَرَ عِنْدَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِمَكَّةَ فَقَالَ: قَوْمُ سَوْءٍ.
فَقَامَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - وَهُوَ يَنْفُضُ ثَوْبَهُ وَيَقُولُ: زِنْدِيقٌ زِنْدِيقٌ زِنْدِيقٌ.
وَدَخَلَ بَيْتَهُ.
فَإِنَّهُ عَرَفَ مَغْزَاهُ.
وَعَيْبُ الْمُنَافِقِينَ لِلْعُلَمَاءِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ قَدِيمٌ مِنْ زَمَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: هُمْ " الْأَبْدَالُ " لِأَنَّهُمْ أَبْدَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَائِمُونَ مَقَامَهُمْ حَقِيقَةً لَيْسُوا مِنْ الْمُعْدَمِينَ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ حَقِيقَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ يَقُومُ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي نَابَ عَنْهُمْ فِيهِ: هَذَا فِي الْعِلْمِ وَالْمَقَالِ وَهَذَا فِي الْعِبَادَةِ وَالْحَالِ وَهَذَا فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَكَانُوا يَقُولُونَ: هُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ الظَّاهِرُونَ عَلَى الْحَقِّ.
لِأَنَّ الْهُدَى وَدِينَ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مَعَهُمْ.
وَهُوَ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ بِظُهُورِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا.
فَصْلٌ:
وَتَلْخِيصُ النُّكْتَةِ: أَنَّ الرُّسُلَ إمَّا أَنَّهُمْ عَلِمُوا الْحَقَائِقَ الْخَبَرِيَّةَ وَالطَّلَبِيَّةَ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَإِذَا عَلِمُوهَا: فَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُمْ بَيَانُهَا بِالْكَلَامِ وَالْكِتَابِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ وَإِذَا أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ الْبَيَانُ: فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ لِلْعَامَّةِ وَلِلْخَاصَّةِ أَوْ لِلْخَاصَّةِ فَقَطْ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ وَالْمُتَكَلِّمِين أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُمْ وَأَحْسَنُ بَيَانًا لَهَا مِنْهُمْ؛ فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ.
وَسَنَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ بَعْدَ هَذَا؛ إذًا الْخِطَابُ هُنَا لِبَيَانِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُهُ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ جَاهِلٌ.
وَإِنْ قَالَ: إنَّ الرُّسُلَ مَقْصِدُهُمْ صَلَاحُ عُمُومِ الْخَلْقِ وَعُمُومُ الْخَلْقِ لَا يُمْكِنُهُمْ فَهْمُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الْبَاطِنَةِ فَخَاطَبُوهُمْ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِيَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَأَظْهَرُوا الْحَقَائِقَ الْعَقْلِيَّةَ فِي الْقَوَالِبِ الْحِسِّيَّةِ؛ فَتَضَمَّنَ خِطَابُهُمْ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ: مِنْ التَّخْيِيلِ وَالتَّمْثِيلِ لِلْمَعْقُولِ بِصُورَةِ الْمَحْسُوسِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ عُمُومُ النَّاسِ فِي أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَبِالْمَعَادِ.
وَذَلِكَ يُقَرِّرُ فِي النُّفُوسِ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ الْيَوْمِ الْآخِرِ مَا يَحُضُّ النُّفُوسَ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ؛ فَيَنْتَفِعُونَ
بِذَلِكَ وَيَنَالُونَ السَّعَادَةَ بِحَسَبِ إمْكَانِهِمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ؛ إذْ هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ الرُّسُلُ هُوَ غَايَةُ الْإِمْكَانِ فِي كَشْفِ الْحَقَائِقِ لِعُمُومِ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ وَمَقْصُودُ الرُّسُلِ: حِفْظُ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ وَإِقَامَةُ مَصْلَحَةِ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ.
فَمَعْلُومٌ: أَنَّ هَذَا قَوْلُ حُذَّاقِ الْفَلَاسِفَةِ مِثْلُ الْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ كُلِّ حَاذِقٍ وَفَاضِلٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْقَدَرِ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ أَهْلَ الْحَدِيثِ.
فالفارابي يَقُولُ: " إنَّ خَاصَّةَ النُّبُوَّةِ جَوْدَةُ تَخْيِيلِ الْأُمُورِ الْمَعْقُولَةِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ " أَوْ نَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ.
وَابْنُ سِينَا يَذْكُرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ وَيَقُولُ: " مَا كَانَ يُمْكِنُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مَعَ أُولَئِكَ الْعِبْرَانِيِّينَ وَلَا يُمْكِنُ مُحَمَّدًا مَعَ أُولَئِكَ الْعَرَبِ الْجُفَاةِ أَنْ يُبَيِّنَا لَهُمْ الْحَقَائِقَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْجِزُونَ عَنْ فَهْمِ ذَلِكَ وَإِنْ فَهِمُوهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ انْحَلَّتْ عزماتهم عَنْ اتِّبَاعِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَقْتَضِي الْعَمَلَ ". وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ: طَائِفَةٌ مِنْهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِ الْإِحْيَاءِ وَكَذَلِكَ فِي كَلَامِ الرَّازِي.
وَأَمَّا الِاتِّحَادِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ: فَعَلَيْهِ مَدَارُهُمْ وَمَبْنَى كَلَامِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْقَرَامِطَةِ عَلَيْهِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ ظَوَاهِرَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ
وَالْعِلْمِيَّةِ جَمِيعًا وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَلَا يُنْكِرُونَ الْعَمَلِيَّاتِ الظَّاهِرَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ لَكِنْ قَدْ يَجْعَلُونَهَا لِعُمُومِ النَّاسِ لَا لِخُصُوصِهِمْ كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ.
وَمَدَارُ كَلَامِهِمْ: عَلَى أَنَّ الرِّسَالَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَصْلَحَةِ الْعُمُومِ عِلْمًا وَعَمَلًا.
وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَلَا.
وَعَلَى هَذَا يَدُورُ كَلَامُ أَصْحَابِ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَسَائِرِ فُضَلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ اتِّبَاعَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ كَثِيرُونَ فِي مُتَفَقِّهَتِهِمْ ومتصوفتهم وَعُقَلَاءِ فَلَاسِفَتِهِمْ.
وَإِلَى هُنَا كَانَ يَنْتَهِي عِلْمُ ابْنِ سِينَا إذْ تَابَ وَالْتَزَمَ الْقِيَامَ بِالْوَاجِبَاتِ الناموسية.
فَإِنَّ قُدَمَاءَ الْفَلَاسِفَةِ كَانُوا يُوجِبُونَ اتِّبَاعَ النَّوَامِيسِ الَّتِي وَضَعَهَا أَكَابِرُ حُكَمَاءِ الْبِلَادِ فَلِأَنْ يُوجِبُوا اتِّبَاعَ نَوَامِيسَ الرُّسُلِ أَوْلَى.
فَإِنَّهُمْ - كَمَا قَالَ ابْنُ سِينَا -: " اتَّفَقَ فَلَاسِفَةُ الْعَالَمِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْرَعْ الْعَالَمَ نَامُوسٌ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا النَّامُوسِ الْمُحَمَّدِيِّ ".
وَكُلُّ عُقَلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ وَأَنَّ جِنْسَ الرُّسُلِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَاهِيرِ ثُمَّ قَدْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ حُكَمَاءُ كِبَارُ وَأَنَّ الْفَلَاسِفَةَ الْحُكَمَاءَ أَنْبِيَاءُ صِغَارٌ وَقَدْ يَجْعَلُونَهُمْ صِنْفَيْنِ.
وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ شَرْحِ ذَلِكَ.
فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَسَاطِينَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين غَايَةُ
مَا يَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ وَنَحْنُ ذَكَرْنَا الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ الْحَاصِرِ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْهُ قِسْمٌ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ عِلْمًا وَعَمَلًا: إمَّا جَاهِلٌ وَإِمَّا مُنَافِقٌ وَالْمُنَافِقُ جَاهِلٌ وَزِيَادَةً كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالْجَاهِلُ هُنَا فِيهِ شُعْبَةُ نِفَاقٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِهَا فَالْمُنْكِرُ لِذَلِكَ جَاهِلٌ مُنَافِقٌ.
فَقُلْنَا: إنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وَكِبَارَ طَائِفَتِهِ أَعْلَمُ مِنْ الرُّسُلِ بِالْحَقَائِقِ وَأَحْسَنُ بَيَانًا لَهَا: فَهَذَا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ إذَا أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَإِنْ قَالَ: إنَّ الرُّسُلَ كَانُوا أَعْظَمَ عِلْمًا وَبَيَانًا لَكِنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ لَا يُمْكِنُ عِلْمُهَا أَوْ لَا يُمْكِنُ بَيَانُهَا مُطْلَقًا أَوْ يُمْكِنُ الْأَمْرَانِ لِلْخَاصَّةِ.
قُلْنَا: فَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُكُمْ أَنْتُمْ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ الرُّسُلُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ.
إنْ قُلْتُمْ: لَا يُمْكِنُ عِلْمُهَا.
قُلْنَا: فَأَنْتُمْ وَأَكَابِرُكُمْ لَا يُمْكِنُكُمْ عِلْمُهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يُمْكِنُهُمْ بَيَانُهَا.
قُلْنَا: فَأَنْتُمْ وَأَكَابِرُكُمْ لَا يُمْكِنُكُمْ بَيَانُهَا.
وَإِنْ قُلْتُمْ: يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلْخَاصَّةِ دُونَ الْعَامَّةِ.
قُلْنَا: فَيُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ الرُّسُلِ لِلْخَاصَّةِ دُونَ الْعَامَّةِ.
فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خَاصَّةِ أَصْحَابِ الرُّسُلِ مَنْ يُمْكِنُهُمْ فَهْمُ ذَلِكَ: جَعَلُوا السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
وَهَذَا مِنْ مَقَالَاتِ الزَّنَادِقَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ بَعْضَ الْأُمَمِ الْأَوَائِلِ مِنْ الْيُونَانِ وَالْهِنْدِ وَنَحْوِهِمْ أَكْمَلَ عَقْلًا وَتَحْقِيقًا لِلْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَلِلْعِبَادِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
فَهَذَا مِنْ مَقَالَاتِ الْمُنَافِقِينَ الزَّنَادِقَةِ؛ إذْ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَكْمَلُهُمْ وَأَنَّ أَكْمَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلَهَا هُمْ سَابِقُوهَا.
وَإِذَا سَلِمَ ذَلِكَ فَأَعْلَمُ النَّاسِ بِالسَّابِقِينَ وَأَتْبَعُهُمْ لَهُمْ: هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَةِ عبدوس بْنِ مَالِكٍ: " أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ وَتَرْكُ الْبِدَعِ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا: آثَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَهِيَ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ أَيْ دَلَالَاتٌ عَلَى مَعْنَاهُ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ: أَن
َّ الرَّفْضَ أَسَاسُ الزَّنْدَقَةِ
وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ إنَّمَا كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ فَإِنَّهُ إذَا قَدَحَ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ فَقَدْ قَدَحَ فِي نَقْلِ الرِّسَالَةِ أَوْ فِي فَهْمِهَا أَوْ فِي اتِّبَاعِهَا.
فَالرَّافِضَةُ تَقْدَحُ تَارَةً فِي عِلْمِهِمْ بِهَا وَتَارَةً فِي اتِّبَاعِهِمْ لَهَا - وَتُحِيلُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَعَلَى الْمَعْصُومِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْوُجُودِ.
وَالزَّنَادِقَةُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْنُصَيْرِيَّة وَغَيْرِهِمْ: يَقْدَحُونَ تَارَةً فِي النَّقْلِ: وَهُوَ
قَوْلُ جُهَّالِهِمْ.
وَتَارَةً يَقْدَحُونَ فِي فَهْمِ الرِّسَالَةِ: وَهُوَ قَوْلُ حُذَّاقِهِمْ كَمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَكَابِرُ الْفَلَاسِفَةِ والاتحادية وَنَحْوِهِمْ.
حَتَّى كَانَ التلمساني مَرَّةً مَرِيضًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَخْصٌ وَمَعَهُ بَعْضُ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي الْفِكْرِ: أَنَّهُ حِجَابٌ وَأَنَّ الْأَمْرَ مَدَارُهُ عَلَى الْكَشْفِ وَغَرَضُهُ كَشْفُ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ فَقَالَ ذَلِكَ الطَّالِبُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ: " أَفْضَلُ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: التَّفَكُّرُ؟ " فَتَبَرَّمَ بِدُخُولِ مِثْلِ هَذَا عَلَيْهِ وَقَالَ لِلَّذِي جَاءَ بِهِ: كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِثْلُ هَذَا؟ ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي يَا بُنَيَّ مَا مِثْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَمْثَالِهِ؟ مَثَلُهُمْ: مَثَلُ أَقْوَامٍ سَمِعُوا كَلَامًا وَحَفِظُوهُ لَنَا حَتَّى نَكُونَ نَحْنُ الَّذِينَ نَفْهَمُهُ وَنَعْرِفُ مُرَادَ صَاحِبِهِ وَمَثَلُ بَرِيدٍ حَمَلَ كِتَابًا مِنْ السُّلْطَانِ إلَى نَائِبِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ طَالَ عَهْدِي بِالْحِكَايَةِ حَدَّثَنِي بِهَا الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ثِقَةٌ يَعْرِفُ مَا يَقُولُ فِي هَذَا.
وَكَانَ لَهُ فِي هَذِهِ الْفُنُونِ جَوَلَانٌ كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ: يَذْكُرُ مِنْ التَّنَقُّصِ بِالصَّحَابَةِ مَا وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَشِيعَتِهِ الْقَرَامِطَةِ؛ حَتَّى تَجِدَهُمْ إذَا ذَكَرُوا فِي آخِرِ الْفَلْسَفَةِ حَاجَةَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ إلَى الْإِمَامَةِ عَرَّضُوا بِقَوْلِ الرَّافِضَةِ الضُّلَّالِ لَكِنَّ أُولَئِكَ يُصَرِّحُونَ مِنْ السَّبِّ بِأَكْثَرِ مِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ هَؤُلَاءِ.
وَلِهَذَا تَجِدُ بَيْنَ " الرَّافِضَةِ " " وَالْقَرَامِطَةِ " " والاتحادية " اقْتِرَانًا وَاشْتِبَاهًا.
يَجْمَعُهُمْ أُمُورٌ.
مِنْهَا: الطَّعْنُ فِي خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَفِيمَا
اسْتَقَرَّ مِنْ أُصُولِ الْمِلَّةِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَيَدَعُونَ بَاطِنًا امْتَازُوا بِهِ وَاخْتَصُّوا بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مُتَلَاعِنُونَ مُتَبَاغِضُونَ مُخْتَلِفُونَ كَمَا رَأَيْت وَسَمِعْت مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى كَمَا قَالَ اللَّهُ عَنْ النَّصَارَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَقَالَ عَنْ الْيَهُودِ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ . وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ المخلطون الَّذِينَ يَكُونُونَ تَارَةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ كَانُوا مُبْتَدِعِينَ - وَتَارَةً مَعَ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ.
وَتَارَةً مَعَ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ.
وَتَارَةً يُقَابِلُونَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ وَيَنْتَظِرُونَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ.
وَتَارَةً يَتَحَيَّرُونَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ.
وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ الْأَخِيرَةُ قَدْ كَثُرَتْ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا لَمَّا ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ التُّرْكِ عَلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِالْمَشْرِقِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ.
وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْإِسْلَامِ فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ وَالرِّدَّةِ مَا أَوْجَبَ تَسْلِيطَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
فَتَجِدُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ يَطْعَنُ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِ وَفِي إفَادَةِ الْأَخْبَارِ لِلْعِلْمِ.
وَهَذَانِ هُمَا مُقَدِّمَتَا الزَّنْدَقَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
ثُمَّ يَعْتَمِدُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ مِثْلُ الْعِبَادَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِمَعَادِ الْأَجْسَادِ - بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى التَّفَاسِيرِ وَالْأَحَادِيثِ - يَجْعَلُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ؛ فَلَا يُعَطِّلُ تَعْطِيلَ
الْفَلَاسِفَةِ؛ الصَّابِئِينَ وَلَا يُقِرُّ إقْرَارَ الْحُنَفَاءِ الْعُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَكَذَلِكَ " الصَّحَابَةُ " وَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِعَدَالَتِهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ وَبِعِلْمِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ يَزْعُمُ فِي مَوَاضِعَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا شُبُهَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَمَا خَاضُوا فِيهِ إذْ لَمْ يَجِدْ مَأْثُورًا عَنْهُمْ التَّكَلُّمَ بِلُغَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَيَجْعَلُ هَذَا حُجَّةً لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ.
. . 1 .
وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَقَالَاتُ لَا تَجِدُهَا إلَّا عِنْدَ أَجْهَلِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ وَأَظْلَمِهِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةِ والمتفلسفة وَالْمُتَشَيِّعَةِ والاتحادية فِي " الصَّحَابَةِ " مِثْلُ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَأَمِّرَةِ: أَنَا أَشْجَعُ مِنْهُمْ وَإِنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا مِثْلَ الْعَدُوِّ الَّذِي قَاتَلْنَاهُ وَلَا بَاشَرُوا الْحُرُوبَ مُبَاشَرَتَنَا وَلَا سَاسُوا سِيَاسَتَنَا وَهَذَا لَا تَجِدُهُ إلَّا فِي أَجْهَلِ الْمُلُوكِ وَأَظْلَمِهِمْ.
فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ نَفْسَ أَلْفَاظِهِمْ وَمَا يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلَى بَيَانِ مُرَادِهِمْ مِنْ الْمَعَانِي لَمْ يَعْلَمُوهُ: فَهَذَا لَا يَضُرُّهُمْ؛ إذْ الْعِلْمُ بِلُغَاتِ الْأُمَمِ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرُّسُلِ وَأَصْحَابِهِمْ بَلْ يَجِبُ مِنْهُ مَا لَا يَتِمُّ التَّبْلِيغُ إلَّا بِهِ؛ فالمتوسطون بَيْنَهُمْ مِنْ التَّرَاجِمَةِ يَعْلَمُونَ لَفْظَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَعْنَاهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَيَانِ وَاحِدًا كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَإِلَّا عَلِمُوا مَا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ فَيَنْقُلُ لِكُلِّ مِنْهُمَا مُرَادَ صَاحِبِهِ؛ كَمَا يُصَوِّرُ الْمَعَانِيَ وَيُبَيِّنُ مَا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ التَّمَاثُلِ وَالتَّشَابُهِ وَالتَّقَارُبِ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَعْلَمُونَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
وَفِيمَا جَاءَ بِهِ بَيَانُ الْحُجَّةِ عَلَى بُطْلَانِ كُفْرِ كُلِّ كَافِرٍ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِقِيَاسِ صَحِيحٍ أَحَقُّ وَأَحْسَنُ بَيَانًا مِنْ مَقَايِيسِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَأْتُونَهُ بِقِيَاسِ عَقْلِيٍّ لِبَاطِلِهِمْ إلَّا جَاءَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَجَاءَهُ مِنْ الْبَيَانِ وَالدَّلِيلِ وَضَرْبِ الْمَثَلِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ تَفْسِيرًا وَكَشْفًا وَإِيضَاحًا لِلْحَقِّ مِنْ قِيَاسِهِمْ.
وَجَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الصَّابِئَةُ والمتفلسفة وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ - مِنْ حُكْمٍ أَوْ دَلِيلٍ - يَنْدَرِجُ فِيمَا عَلِمَهُ الصَّحَابَةُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ هَجَرَ الْقُرْآنَ فَهُوَ مِنْ أَعْدَاءِ الرَّسُولِ وَأَنَّ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا مَفَرَّ عَنْهُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ . وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ فِيمَا أَرْسَلَهُ بِهِ لِجَمِيعِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ لِجَمِيعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ.
وَلَا رَيْبَ أَن
َّ الْأَلْفَاظَ فِي الْمُخَاطَبَاتِ تَكُونُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ؛
كَالسِّلَاحِ فِي الْمُحَارَبَاتِ.
فَإِذَا كَانَ عَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ - فِي تَحَصُّنِهِمْ وَتَسَلُّحِهِمْ - عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فَارِسُ وَالرُّومُ: كَانَ جِهَادُهُمْ بِحَسَبِ مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى تَحَرِّي مَا هُوَ لِلَّهِ أَطْوَعُ وَلِلْعَبْدِ أَنْفَعُ وَهُوَ الْأَصْلَحُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَبِيرُ بِحُرُوبِهِمْ أَقْدَرُ عَلَى حَرْبِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ لَا لِفَضْلِ قُوَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَلَكِنْ لِمُجَانَسَتِهِ لَهُمْ كَمَا يَكُونُ الْأَعْجَمِيُّ الْمُتَشَبِّهُ بِالْعَرَبِ - وَهُمْ خِيَارُ الْعَجَمِ - أَعْلَمَ بِمُخَاطَبَةِ قَوْمِهِ الْأَعَاجِمِ مِنْ الْعَرَبِيِّ وَكَمَا يَكُونُ الْعَرَبِيُّ الْمُتَشَبِّهُ بِالْعَجَمِ - وَهُمْ أَدْنَى الْعَرَبِ - أَعْلَمَ بِمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ مِنْ الْعَجَمِيِّ.
فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿خِيَارُ عَجَمِكُمْ: الْمُتَشَبِّهُونَ بِعَرِبِكُمْ.
وَشِرَارُ عَرِبِكُمْ الْمُتَشَبِّهُونَ بِعَجَمِكُمْ﴾ . وَلِهَذَا لَمَّا حَاصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ؛ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا لَمْ يُقَاتِلْ غَيْرَهُمْ مِثْلَهُ فِي الْمُزَاحَفَةِ: كَيَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ لَمَّا حُوصِرَ الْمُسْلِمُونَ عَامَ الْخَنْدَقِ اتَّخَذُوا مِنْ الْخَنْدَقِ مَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ فِي غَيْرِ الْحِصَارِ.
وَقِيلَ: إنَّ سَلْمَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَسَلَّمُوا ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي قَاعِدَةِ " السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ ": أَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ هِيَ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَهُوَ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ.
فَأَمَّا مَا أَمَرَ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ وَعُلِمَ الْأَمْرُ بِهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: فَهُوَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَإِنْ تَنَازَعَ أُولُو الْأَمْرِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا مَفْعُولًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَمَا فُعِلَ بَعْدَهُ بِأَمْرِهِ - مِنْ قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ وَفَارِسَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَغَيِّ ر ذَلِكَ - هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: " سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنًا: الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ.
لَيْسَ لِأَحَدِ تَغْيِيرُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْيِ مَنْ خَالَفَهَا؛ مَنْ اهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ.
وَمَنْ اسْتَنْصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ.
وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ". فَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: هِيَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُفَصَّلَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ مُخَاطَبَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا بَيَّنَهُ مِنْ أَعْلَامِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَمَا حَرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ مِنْ دِينِهِمْ وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ؛ حَتَّى إذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْكِتَابِيُّ الْعَالِمَ الْمُنْصِفَ وَجَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ أَبْيَنِ الْحُجَّةِ وَأَقْوَمِ الْبُرْهَانِ.
وَالْمُنَاظَرَةُ وَالْمُحَاجَّةُ لَا تَنْفَعُ إلَّا مَعَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَإِلَّا فَالظَّالِمُ يَجْحَدُ الْحَقَّ الَّذِي يَعْلَمُهُ: وَهُوَ الْمُسَفْسِطُ وَالْمُقَرْمِطُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ: وَهُوَ الْمُعْرِضُ عَنْ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
فَكَمَا أَنَّ الْإِحْسَاسَ الظَّاهِرَ لَا يَحْصُلُ لِلْمُعْرِضِ وَلَا يَقُومُ لِلْجَاحِدِ فَكَذَلِكَ الشُّهُودُ الْبَاطِنُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُعْرِضِ عَنْ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ.
بَلْ طَالِبُ الْعِلْمِ يَجْتَهِدُ فِي طَلَبِهِ مِنْ طُرُقِهِ.
وَلِهَذَا سُمِّيَ مُجْتَهِدًا كَمَا يُسَمَّى الْمُجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا مُجْتَهِدًا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " مَا الْمُجْتَهِدُ فِيكُمْ إلَّا كَاللَّاعِبِ فِيهِمْ " وَقَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ: " اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ " وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ﴾ وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَيُرْوَى مَرْفُوعًا وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ مُعَاذٍ: ﴿عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ.
فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ حَسَنَةٌ وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ﴾ فَجُعِلَ الْبَاحِثُ عَنْ الْعِلْمِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْمُحَاجَّةُ لَا تَنْفَعُ إلَّا مَعَ الْعَدْلِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فَالظَّالِمُ لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُجَادِلَهُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَإِذَا حَصَلَ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ عَلِمُوا مَا عِنْدَهُمْ بِلُغَتِهِمْ وَتَرْجَمُوا لَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ فِي مُنَاظَرَتِهِمْ وَمُخَاطَبَتِهِمْ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ
وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُهُمْ يُحَدِّثُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحِينَئِذٍ يُسْتَشْهَدُ بِمَا عِنْدَهُمْ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِنْ وَجْهٍ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْأَلْفَاظُ الْعِبْرِيَّةُ تُقَارِبُ الْعَرَبِيَّةَ بَعْضَ الْمُقَارَبَةِ كَمَا تَتَقَارَبُ الْأَسْمَاءُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ.
وَقَدْ سَمِعْت أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ بِالْعِبْرِيَّةِ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَوَجَدْت اللُّغَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ غَايَةَ التَّقَارُبِ حَتَّى صِرْت أَفْهَمُ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِمْ الْعِبْرِيِّ بِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ إمَّا مُقَارِبَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَوْ مِثْلُهَا أَوْ بِعَيْنِهَا وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي خَصَائِصُ عَظِيمَةٌ.
فَإِذَا أَرَادَ الْمُجَادِلُ مِنْهُمْ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَطْعَنُ فِي الْقُرْآنِ بِنَقْلِ أَوْ عَقْلٍ مِثْلَ أَنْ يَنْقُلَ عَمَّا فِي كُتُبِهِمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كُتُبِهِمْ كَزَعْمِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِتَحْمِيمِ الزَّانِي دُونَ رَجْمِهِ: أَمْكَنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَطْلُبُوا التَّوْرَاةَ وَمَنْ يَقْرَءُوهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَيُتَرْجِمَهَا مِنْ ثِقَاتِ التَّرَاجِمَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَنَحْوِهِ لَمَّا قَالَ لِحَبْرِهِمْ: " ارْفَعْ يَدَك عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ " فَإِذَا هِيَ تَلُوحُ.
وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّانِيَيْنِ مِنْهُمَا بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ مِنْ كِتَابِهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّجْمِ وَقَالَ: {اللَّهُمَّ إنِّي
أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَك إذْ أَمَاتُوهُ} وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ قَالَ -: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَهُوَ لَمْ يَحْكُمْ إلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ . وَكَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ نُسْخَةٍ مُتَرْجَمَةٍ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْ تَرْجَمَهَا الثِّقَاتُ بِالْخَطِّ وَاللَّفْظِ الْعَرَبِيَّيْنِ يَعْلَمُ بِهِمَا مَا عِنْدَهُمْ بِوَاسِطَةِ الْمُتَرْجِمِينَ الثِّقَاتِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ خَطَّهُمْ مِنَّا: كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَنَحْوِهِ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ فِي السُّنَنِ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي (بَابِ تَرْجَمَةِ الْحَاكِمِ وَهَلْ يَجُوزُ تُرْجُمَانٌ؟ قَالَ: وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴿عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْته كُتُبَهُمْ إذَا كَتَبُوا إلَيْهِ﴾ . وَالْمُكَاتَبَةُ بِخَطِّهِمْ وَالْمُخَاطَبَةُ بِلُغَتِهِمْ: مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ مِثْلُ كِتَابَةِ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ بِالْخَطِّ الْعِبْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ خُطُوطِ الْأَعَاجِمِ وَكِتَابَةِ اللَّفْظِ الْعَجَمِيِّ بِالْخَطِّ الْعَرَبِيِّ وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . فَأُمِرْنَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُمْ إحْضَارَ التَّوْرَاةِ وَتِلَاوَتَهَا إنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي نَقْلِ
مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَكْذِبُونَ فِي كَلَامِهِمْ وَكِتَابِهِمْ.
فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ.
فَإِذَا احْتَجَّ أَحَدُهُمْ عَلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ بِرِوَايَةِ عَنْ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِثْلُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: " تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " أَمْكَنَنَا أَنْ نَقُولَ لَهُمْ: فِي أَيِّ كِتَابٍ هَذَا؟ أَحْضِرُوهُ - وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ مُفْتَرًى مَكْذُوبٌ وَعِنْدَهُمْ النُّبُوَّاتُ الَّتِي هِيَ مِئَتَانِ وَعِشْرُونَ و (كِتَابُ الْمَثْنَوِيِّ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمُثَنَّاةُ وَهِيَ الَّتِي جَعَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فِينَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَقَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْرَأَ فِيهِمْ بِالْمُثَنَّاةِ لَيْسَ أَحَدٌ يُغَيِّرُهَا قِيلَ: وَمَا الْمُثَنَّاةُ؟ قَالَ: مَا اُسْتُكْتِبَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ ". وَكَذَلِكَ إذَا سُئِلُوا عَمَّا فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لِتُقَامَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ بِمُوَافَقَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ: أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ ذَكَرُوا حُجَّةً عَقْلِيَّةً فُهِمَتْ أَيْضًا مِمَّا فِي الْقُرْآنِ بِرَدِّهَا إلَيْهِ: مِثْلُ إنْكَارِهِمْ لِلنَّسْخِ بِالْعَقْلِ حَتَّى قَالُوا: لَا يُنْسَخُ مَا حَرَّمَهُ وَلَا يُنْهَى عَمَّا أَمَرَ بِهِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ - " هُمْ الْيَهُودُ " فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . فَذَكَرَ مَا فِي النُّسَخِ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِالْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ الثَّانِي قَدْ يَكُونُ أَصْلَحَ وَأَنْفَعَ فَقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بَيَانٌ لِلْأَصْلَحِ الْأَنْفَعِ وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ رَدٌّ لِلْأَمْرِ إلَى الْمَشِيئَةِ.
وَعَلَى بَعْضِ مَا فِي الْآيَةِ اعْتِمَادُ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قَالُوا: التَّكْلِيفُ إمَّا تَابِعٌ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ أَوْ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ وُقُوعَ النَّسْخِ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ فِي التَّوْرَاةِ بِأَنَّهُ أَحَلَّ لِإِسْرَائِيلَ أَشْيَاءَ ثُمَّ حَرَّمَهَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَنَّ هَذَا كَانَ تَحْلِيلًا شَرْعِيًّا بِخِطَابِ لَمْ يَكُونُوا اسْتَبَاحُوهُ بِمُجَرَّدِ الْبَقَاءِ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى لَا يَكُونَ رَفْعُهُ نَسْخًا كَمَا يَدَّعِيهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَأَمَرَ بِطَلَبِ التَّوْرَاةِ فِي ذَلِكَ.
وَهَكَذَا وَجَدْنَاهُ فِيهَا كَمَا حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَهَكَذَا مُنَاظَرَةُ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّ الصَّابِئِيَّ الْفَيْلَسُوفَ إذَا ذَكَرَ مَا عِنْدَ قُدَمَاءِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ الْكَلَامِ - الَّذِي عُرِّبَ وَتُرْجِمَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَذَكَرَهُ - إمَّا صَرْفًا وَإِمَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَصَرَّفَ فِيهِ مُتَأَخِّرُوهُمْ بِزِيَادَةِ أَوْ نُقْصَانٍ وَبَسْطٍ وَاخْتِصَارٍ وَرَدِّ بَعْضِهِ وَإِتْيَانٍ بِمَعَانٍ
أُخَرَ لَيْسَتْ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنْ ذَكَرَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ مِثْلَ مَسَائِلِ " الطِّبِّ " وَ " الْحِسَابِ " الْمَحْضِ الَّتِي يَذْكُرُونَ فِيهَا ذَلِكَ وَكَتَبَ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ مِثْلُ: مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الرَّازِي وَابْنُ سِينَا وَنَحْوِهِمَا مِنْ الزَّنَادِقَةِ الْأَطِبَّاءِ مَا غَايَتُهُ: انْتِفَاعٌ بِآثَارِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا فَهَذَا جَائِزٌ.
كَمَا يَجُوزُ السُّكْنَى فِي دِيَارِهِمْ وَلُبْسُ ثِيَابِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ وَكَمَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ خَيْبَرَ وَكَمَا اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا خَرَجَا مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرَيْنِ " ابْنَ أريقط " - رَجُلًا مِنْ بَنِي الديل - هَادِيًا خِرِّيتًا وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ وَائْتَمَنَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَدَوَابِّهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرِ صُبْحَ ثَالِثَةٍ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ وَكَانَ يَقْبَلُ نُصْحَهُمْ.
وَكُلُّ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَنْصُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَذُبُّ عَنْهُ مَعَ شِرْكِهِ وَهَذَا كَثِيرٌ.
فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ فِيهِمْ الْمُؤْتَمَنُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ وَلِهَذَا جَازَ ائْتِمَانُ أَحَدِهِمْ عَلَى الْمَالِ وَجَازَ أَنْ يَسْتَطِبَّ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ إذَا كَانَ ثِقَةً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ إذْ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ خَبَرِهِمْ فِيمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَائْتِمَانٌ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ مِثْلُ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَعُلُوِّهِ عَلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَأُخِذَ عِلْمُ الطِّبِّ مِنْ كُتُبِهِمْ مِثْلُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكَافِرِ عَلَى الطَّرِيقِ وَاسْتِطْبَابُهُ
بَلْ هَذَا أَحْسَنُ.
لِأَنَّ كُتُبَهُمْ لَمْ يَكْتُبُوهَا لِمُعَيَّنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَدْخُلَ فِيهَا الْخِيَانَةُ لَيْسَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِالْخِيَانَةِ بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ انْتِفَاعٍ بِآثَارِهِمْ كَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَزَارِعِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ ذَكَرُوا مَا يَتَعَلَّقُ " بِالدِّينِ " فَإِنْ نَقَلُوهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا فِيهِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَسْوَأِ حَالًا وَإِنْ أَحَالُوا مَعْرِفَتَهُ عَلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فَإِنْ وَافَقَ مَا فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حَقٌّ وَإِنْ خَالَفَهُ فَفِي الْقُرْآنِ بَيَانُ بُطْلَانِهِ بِالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ فَفِي الْقُرْآنِ الْحَقُّ وَالْقِيَاسُ الْبَيِّنُ الَّذِي يُبَيِّنُ بُطْلَانَ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ مَا يَذْكُرُونَهُ مُجْمَلًا فِيهِ الْحَقُّ - وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى الصَّابِئَةِ الْمُبَدِّلِينَ مِثْلُ " أَرِسْطُو " وَأَتْبَاعِهِ وَعَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْآخَرِينَ - قَبْلَ الْحَقِّ وَرَدِّ الْبَاطِلِ وَالْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بَيَانُ صِفَةِ الْحَقِّ فِيهِ كَبَيَانِ صِفَةِ الْحَقِّ فِي الْقُرْآنِ.
فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ وَتَفْسِيرِهِ وَتَرْجَمَتِهِ.
و
َالتَّرْجَمَةُ وَالتَّفْسِيرُ " ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ ":
أَحَدُهَا: تَرْجَمَةُ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ مِثْلُ نَقْلِ اللَّفْظِ بِلَفْظِ مُرَادِفٍ فَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الَّذِي يَعْنِي بِهَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ هُوَ بِعَيْنِهِ الَّذِي يَعْنِي بِاللَّفْظِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
فَهَذَا عِلْمٌ نَافِعٌ.
إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُقَيِّدُ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ فَلَا يُجَرِّدُهُ عَنْ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا.
وَالثَّانِي: تَرْجَمَةُ الْمَعْنَى وَبَيَانُهُ بِأَنْ يُصَوِّرَ الْمَعْنَى لِلْمُخَاطَبِ فَتَصْوِيرُ الْمَعْنَى لَهُ وَتَفْهِيمُهُ إيَّاهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى تَرْجَمَةِ اللَّفْظِ كَمَا يَشْرَحُ لِلْعَرَبِيِّ كِتَابًا عَرَبِيًّا قَدْ سَمِعَ أَلْفَاظَهُ الْعَرَبِيَّةَ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَعَانِيَهُ وَلَا فَهِمَهَا وَتَصْوِيرُ الْمَعْنَى يَكُونُ بِذِكْرِ عَيْنِهِ أَوْ نَظِيرِهِ إذْ هُوَ تَرْكِيبُ صِفَاتٍ مِنْ مُفْرَدَاتٍ يَفْهَمُهَا الْمُخَاطَبُ يَكُونُ ذَلِكَ الْمُرَكَّبُ صُوَرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى: إمَّا تَحْدِيدًا وَإِمَّا تَقْرِيبًا.
(الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ صِحَّةِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ بِذِكْرِ اللَّيْلِ وَالْقِيَاسِ الَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى إمَّا بِدَلِيلِ مُجَرَّدٍ وَإِمَّا بِدَلِيلِ يُبَيِّنُ عِلَّةَ وُجُودِهِ.
وَهُنَا قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ أَمْثِلَةٍ وَمَقَايِيسَ تُفِيدُهُ التَّصْدِيقَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى كَمَا يَحْتَاجُ فِي " الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ " إلَى أَمْثِلَةٍ تُصَوِّرُ لَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَقَدْ يَكُونُ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ.
وَإِذَا كَفَى تَصَوُّرُ مَعْنَاهُ فِي التَّصْدِيقِ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى قِيَاسٍ وَمَثَلٍ وَدَلِيلٍ آخَرَ.
فَإِذَا عَرَفَ الْقُرْآنَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ: فَالْكَلَامُ الَّذِي يُوَافِقُهُ أَوْ يُخَالِفُهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّرْجَمَةِ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى أَيْضًا.
وَحِينَئِذٍ فَالْقُرْآنُ فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَالَ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُمَّةَ مَأْمُورَةٌ بِتَبْلِيغِ الْقُرْآنِ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ كَمَا أُمِرَ بِذَلِكَ
الرَّسُولُ وَلَا يَكُونُ تَبْلِيغُ رِسَالَةِ اللَّهِ إلَّا كَذَلِكَ وَأَنَّ تَبْلِيغَهُ إلَى الْعَجَمِ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى تَرْجَمَةٍ لَهُمْ فَيُتَرْجِمُ لَهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَالتَّرْجَمَةُ قَدْ تَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ أَمْثَالٍ لِتَصْوِيرِ الْمَعَانِي فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّرْجَمَةِ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ أَكْثَرُ الْمُنْتَسِبِينَ مِنْهُمْ إلَى الْعِلْمِ لَا يَقُومُونَ بِتَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ وَبَيَانِهِ؛ فَلِأَنْ يَعْجِزَ غَيْرُهُمْ عَنْ تَرْجَمَةِ مَا عِنْدَهُ وَبَيَانِهِ أَوْلَى بِذَلِكَ.
لِأَنَّ عَقْلَ الْمُسْلِمِينَ أَكْمَلُ وَكِتَابَهُمْ أَقْوَمُ قِيلًا وَأَحْسَنُ حَدِيثًا وَلُغَتَهُمْ أَوْسَعُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ؛ بَلْ فِيهَا بَاطِلٌ كَثِيرٌ.
فَإِنَّ تَرْجَمَةَ الْمَعَانِي الْبَاطِلَةِ وَتَصْوِيرَهَا صَعْبٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ مِنْ الْحَقِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
فَإِذَا سُئِلْنَا عَنْ كَلَامٍ يَقُولُونَهُ: هَلْ هُوَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ؟ وَمِنْ أَيْنَ يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ فِيهِ وَالْبَاطِلُ.
قُلْنَا: - مِنْ الْقَوْلِ - بِالْحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ؛ كَمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَسَائِلَ أَوْ يُنَاظِرُونَهُ وَكَمَا كَانَتْ الْأُمَمُ تُجَادِلُ رُسُلَهَا.
إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَدَّعِي مُوَافَقَةَ الشَّرِيعَةِ لِلْفَلْسَفَةِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا ذَكَرُوا " الْعُقُولَ الْعَشْرَةَ " " وَالنُّفُوسَ التِّسْعَةَ " وَقَالُوا: إنَّ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّادِرُ الْأَوَّلُ عَنْ الْوَاجِبِ بِذَاتِهِ وَأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَمَعْلُولٌ لَهُ وَكَذَلِكَ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ وَإِنَّ لِكُلِّ فَلَكٍ عَقْلًا وَنَفْسًا.
قِيلَ: قَوْلُكُمْ " عَقْلٌ وَنَفْسٌ " لُغَةٌ لَكُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجَمَتِهَا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَرَبِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجَمَةِ الْمَعْنَى.
فَيَقُولُونَ: " الْعَقْلُ " هُوَ الرُّوحُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْمَادَّةِ - وَهِيَ الْجَسَدُ وَعَلَائِقُهَا - سَمَّوْهُ عَقْلًا وَيُسَمُّونَهُ مُفَارِقًا وَيُسَمُّونَ تِلْكَ: الْمُفَارِقَاتِ لِلْمَوَادِّ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ لِلْأَجْسَادِ؛ كَمَا أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ إذَا فَارَقَتْ جَسَدَهُ كَانَتْ مُفَارِقَةً لِلْمَادَّةِ الَّتِي هِيَ الْجَسَدُ.
" وَالنَّفْسُ ": هِيَ الرُّوحُ الْمُدَبِّرَةُ لِلْجِسْمِ مِثْلُ نَفْسِ الْإِنْسَانِ إذَا كَانَتْ فِي جِسْمِهِ.
فَمَتَى كَانَتْ فِي الْجِسْمِ كَانَتْ مُحَرِّكَةً لَهُ.
فَإِذَا فَارَقَتْهُ صَارَتْ عَقْلًا مَحْضًا: أَيْ يَعْقِلُ الْعُلُومَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ بِشَيْءِ مِنْ الْأَجْسَامِ فَهَذِهِ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَحْسَنِ التَّرْجَمَةِ عَنْ مَعْنَى
الْعَقْلِ وَالنَّفْسِ
وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُحَصِّلُونَ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَأَثْبَتْنَا لِكُلِّ فَلَكٍ نَفْسًا: لِأَنَّ الْحَرَكَةَ اخْتِيَارِيَّةٌ فَلَا تَكُونُ إلَّا لِنَفْسِ.
وَلِكُلِّ نَفْسٍ عَقْلًا: لِأَنَّ الْعَقْلَ كَامِلٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَرَكَةٍ وَالْمُتَحَرِّكُ يَطْلُبُ الْكَمَالَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَا يُشَبَّهُ بِهِ وَمَا يَكُونُ عِلَّةً لَهُ.
وَلِهَذَا كَانَتْ حَرَكَةُ أَنْفُسِنَا لِلتَّشَبُّهِ بِمَا فَوْقَنَا مِنْ الْعُقُولِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ تَشَبُّهٌ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَالْأَوَّلُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا عَقْلٌ.
لِأَنَّ النَّفْسَ تَقْتَضِي جِسْمًا وَالْجِسْمُ فِيهِ
كَثْرَةٌ وَالصَّادِرُ عَنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا.
وَلَهُمْ فِي الصُّدُورِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا إثْبَاتُكُمْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ أَرْوَاحًا: فَهَذَا يُشْبِهُ مَا فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ؛ وَلَكِنْ لَيْسَتْ هِيَ " الْمَلَائِكَةُ " كَمَا يَقُولُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ مِنْكُمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُولِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ.
وَيَقُولُونَ: مَا أَرَدْنَا إلَّا الْإِحْسَانَ وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْفَلْسَفَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ تُشْبِهُهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ.
فَإِنَّ اسْمَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَلَكِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فَالْمَلَائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ فِي تَنْفِيذِ أَمْرِهِ الْكَوْنِيِّ الَّذِي يُدَبِّرُ بِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ وَأَمْرُهُ الدِّينِيُّ الَّذِي تَنْزِلُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ . وَمَلَائِكَةُ اللَّهِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ
النَّارِ إلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ} . وَقِيلَ لَهُمْ: الَّذِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَكَثْرَتِهِمْ أَمْرٌ لَا يُحْصَرُ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ أَوْ رَاكِعٌ؛ أَوْ سَاجِدٌ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . فَمَنْ جَعَلَهُمْ عَشْرَةً أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ زَعَمَ أَنَّ التِّسْعَةَ عَشَرَ الَّذِينَ عَلَى سَقَرَ: هُمْ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ؛ فَهَذَا مِنْ جَهْلِهِ بِمَا جَاءَ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَضَلَالُهُ فِي ذَلِكَ بَيِّنٌ: إذَا لَمْ تَتَّفِقْ الْأَسْمَاءُ فِي صِفَةِ الْمُسَمَّى وَلَا فِي قَدْرِهِ كَمَا تَكُونُ الْأَلْفَاظُ الْمُتَرَادِفَةُ.
وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الْمُسَمَّيَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا رُوحًا مُتَعَلِّقًا بِالسَّمَوَاتِ.
وَهَذَا مِنْ بَعْضِ صِفَاتِ مَلَائِكَةِ السَّمَوَاتِ فَاَلَّذِي أَثْبَتُوهُ هُوَ بَعْضُ