مجموع الفتاوىصفحات 58-97

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 58-97
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَلَا فِي الْيَمَنِ وَلَا الْعِرَاقِ وَلَا مِصْرَ وَلَا خُرَاسَانَ وَلَا الْمَغْرِبِ.
وَإِنَّمَا كَانَ السَّمَاعُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ الصَّحَابَةُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَكَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اجْتَمَعُوا أَمَرُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُونَ وَقَدْ رُوِيَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ وَفِيهِمْ قَارِئٌ يَقْرَأُ فَجَلَسَ مَعَهُمْ﴾ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِأَبِي مُوسَى: يَا أَبَا مُوسَى ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ.
وَكَانَ وَجْدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إرَادَةُ قُلُوبِهِمْ وَكُلُّ مَنْ نَقَلَ أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حَادٍ يُنْشِدُ الْقَصَائِدَ الرَّبَّانِيَّةَ بِصَلَاحِ الْقُلُوبِ أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْشَدَ بَعْضَ الْقَصَائِدِ تَوَاجَدُوا عَلَى ذَلِكَ.
أَوْ أَنَّهُمْ مَزَّقُوا ثِيَابَهُمْ أَوْ أَنَّ قَائِلًا أَنْشَدَهُمْ: قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي ... فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِي إلَّا الطَّبِيبُ الَّذِي شُغِفْت بِهِ ... فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وَتِرْيَاقِي أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ: {إنَّ الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ

الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ} أَنْشَدُوا شِعْرًا وَتَوَاجَدُوا عَلَيْهِ فَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالِهِ إفْكٌ مُفْتَرًى وَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الِاتِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُنَازَعُ فِي ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ ضَالٌّ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَكُلُّهُ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فَهِيَ عَامَّةٌ فِيمَنْ تَنَاوَلَهُ هَذَا الْوَصْفُ؛ مِثْلُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ " أَهْلِ الصُّفَّةِ " أَوْ غَيْرِهِمْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ مَعَ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ؛ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَأَلَّا تَعْدُوَ عَيْنَاهُ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْكَهْفِ وَهِيَ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ.
وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ لَمَّا طَلَبَ الْمُتَكَبِّرُونَ أَنْ يُبْعِدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ طَرْدِ مَنْ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَضْعَفًا ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ مَعَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَة وَقَبْلَ وُجُودِ الصُّفَّةِ؛ لَكِنْ هِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ ضُعَفَاءَ وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عِنْدَ اللَّهِ بِسُلْطَانِهِ وَمَالِهِ وَلَا بِذُلِّهِ وَفَقْرِهِ وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عِنْدَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَنَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُطِيعَ أَهْلَ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إبْعَادَ مَنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ فَقِيرًا وَأَمَرَهُ أَلَّا يَطْرُدَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُرِيدُ وَجْهَهُ وَأَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا بِالِاجْتِمَاعِ بِهِمْ كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَلَا يُطِيعَ أَمْرَ الْغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الْمُتَّبِعِينَ لِأَهْوَائِهِمْ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ: ﴿مَا مِنْ جَمَاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ إلَّا وَفِيهِمْ وَلِيٌّ لِلَّهِ﴾ فَمِنْ الْأَكَاذِيبِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ وَكَيْفَ وَالْجَمَاعَةُ قَدْ يَكُونُونَ كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا يَمُوتُونَ عَلَى ذَلِكَ.

فَصْلٌ: وَ " أَوْلِيَاءُ اللَّهِ " هُمْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
وَهُمْ " قِسْمَانِ ": الْمُقْتَصِدُونَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَالْمُقَرَّبُونَ السَّابِقُونَ.
فَوَلِيُّ اللَّهِ ضِدُّ عَدُوِّ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ﴾ .

وَ " الْوَلِيُّ " مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلَاءِ وَهُوَ الْقُرْبُ كَمَا أَنَّ الْعَدُوَّ مِنْ الْعَدْوِ وَهُوَ الْبُعْدُ.
فَوَلِيُّ اللَّهِ مَنْ وَالَاهُ بِالْمُوَافَقَةِ لَهُ فِي مَحْبُوبَاتِهِ وَمَرْضِيَّاتِهِ وَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ طَاعَاتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصِّنْفَيْنِ الْمُقْتَصِدَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَهُمْ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَى اللَّهِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالسَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَهُمْ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْوَاجِبَاتِ.
وَذَكَرَ اللَّهُ " الصِّنْفَيْنِ " فِي " سُورَةِ فَاطِرٍ " وَ " الْوَاقِعَةِ " وَ " الْإِنْسَانِ " وَ " الْمُطَفِّفِينَ " وَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّرَابَ الَّذِي يُرْوَى بِهِ الْمُقَرَّبُونَ بِشُرْبِهِمْ إيَّاهُ صِرْفًا يُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.
وَ " الْوَلِيُّ الْمُطْلَقُ " هُوَ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ قَامَ بِهِ الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ عَنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ فِي حَالِ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ وَلِيًّا لِلَّهِ أَوْ يُقَالُ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا لِلَّهِ قَطُّ لِعِلْمِ اللَّهِ بِعَاقِبَتِهِ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ الْإِيمَانُ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْكُفْرُ هَلْ هُوَ إيمَانٌ صَحِيحٌ ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَنْزِلَةِ مَا يُحْبَطُ مِنْ الْأَعْمَالِ بَعْدَ كَمَالِهِ أَوْ هُوَ إيمَانٌ بَاطِلٌ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْطَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي صِيَامِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ قَبْلَ السَّلَامِ فِي صِلَاتِهِ.
فِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ: لِلْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَالصُّوفِيَّةِ.

وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ يُوجَدُ النِّزَاعُ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
لَكِنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَشْتَرِطُونَ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد يَشْتَرِطُ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ: كَالْأَشْعَرِيِّ وَمِنْ مُتَكَلِّمِي الشِّيعَةِ وَيَبْنُونَ عَلَى هَذَا النِّزَاعِ: إنَّ وَلِيَّ اللَّهِ هَلْ يَصِيرُ عَدُوًّا لِلَّهِ وَبِالْعَكْسِ؟ وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
هَلْ أَبْغَضَهُ وَسَخِطَ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ مَا وَبِالْعَكْسِ؟ وَمَنْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَسَخِطَ عَلَيْهِ هَلْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ فِي وَقْتٍ مَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ؟ . وَ " التَّحْقِيقُ " هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَبُغْضِهِ وَسُخْطِهِ وَوِلَايَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ لَا يَتَغَيَّرُ.
فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوَافِي حِينَ مَوْتِهِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَوِلَايَتُهُ وَرِضَاهُ عَنْهُ أَزَلًا وَأَبَدًا وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوَافِي حِينَ مَوْتِهِ بِالْكُفْرِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ بُغْضُ اللَّهِ وَعَدَاوَتُهُ وَسُخْطُهُ أَزَلًا وَأَبَدًا لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ مَا قَامَ بِالْأَوَّلِ مِنْ كُفْرٍ وَفُسُوقٍ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُبْغِضُهُ وَيَمْقُتُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَأْمُرُ بِمَا فَعَلَهُ الثَّانِي مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَيُحِبُّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَرْضَاهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ يُوَالِيه حِينَئِذٍ عَلَى ذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: اتِّفَاقُ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ارْتَدَّ

فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِأَنَّ إيمَانَهُ الْأَوَّلَ كَانَ فَاسِدًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ قَبْلَ الْإِكْمَالِ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وَقَالَ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا فِي نَفْسِهِ لَوَجَبَ الْحُكْمُ بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِ وَبُطْلَانِ إرْثِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَبُطْلَانِ عِبَادَاتِهِ جَمِيعِهَا حَتَّى لَوْ كَانَ قَدْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ كَانَ حَجُّهُ بَاطِلًا وَلَوْ صَلَّى مُدَّةً بِقَوْمِ ثُمَّ ارْتَدَّ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا صَلَاتَهُمْ خَلْفَهُ وَلَوْ شَهِدَ أَوْ حَكَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَوَجَبَ أَنْ تَفْسُدَ شَهَادَتُهُ وَحُكْمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْكَافِرُ إذَا تَابَ مِنْ كُفْرِهِ لَوْ كَانَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ وَلِيًّا لَهُ فِي حَالِ كَفْرِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِعَدَمِ إحْكَامِ ذَلِكَ الْكُفْرِ وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ " الْمَسْأَلَةِ " نَظِيرُ الْكَلَامِ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ وَهِيَ أَيْضًا مَبْنِيَّةٌ عَلَى " قَاعِدَةِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ " وَهِيَ قَاعِدَةٌ كَبِيرَةٌ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ جَوَابُ السَّائِلِ فَمَنْ قَالَ: إنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْ وَافَاهُ حِينَ الْمَوْتِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَالْعِلْمُ بِذَلِكَ أَصْعَبُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
وَمَنْ قَالَ: قَدْ يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَاقِبَتُهُ فَالْعِلْمُ بِهِ أَسْهَلُ.

وَمَعَ هَذَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ لِلْوَلِيِّ نَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ قَلِيلٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقَطْعُ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ بِالنَّصِّ.
وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَالْعَشْرَةِ وَغَيْرِهِمْ فَعَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ لَهُ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ النَّصُّ.
وَأَمَّا مَنْ شَاعَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ فِي الْأُمَّةِ بِحَيْثُ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَهَلْ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ.
هَذَا فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ.
وَأَمَّا " خَوَاصُّ النَّاسِ " فَقَدْ يَعْلَمُونَ عَوَاقِبَ أَقْوَامٍ بِمَا كَشَفَ اللَّهُ لَهُمْ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّنْ يَجِبُ التَّصْدِيقُ الْعَامُّ بِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْكَشْفُ يَكُونُ ظَانًّا فِي ذَلِكَ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَأَهْلُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُخَاطَبَاتِ يُصِيبُونَ تَارَةً؛ وَيُخْطِئُونَ أُخْرَى؛ كَأَهْلِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ جَمِيعُهُمْ أَنْ يَعْتَصِمُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَزِنُوا مَوَاجِيدَهُمْ وَمُشَاهَدَتَهُمْ وَآرَاءَهُمْ وَمَعْقُولَاتِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ وَلَا يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ سَيِّدَ الْمُحَدَّثِينَ وَالْمُخَاطَبِينَ الْمُلْهَمِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ وَقَدْ كَانَتْ تَقَعُ لَهُ وَقَائِعُ فَيَرُدُّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَدِيقُهُ التَّابِعُ لَهُ الْآخِذُ عَنْهُ الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مِنْ الْمُحَدَّثِ الَّذِي يُحَدِّثُهُ قَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ.
وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَطَاعَتُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيه مِنْ اللَّهِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى عَرْضِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ دِينِهِ.
وَهَذَا مِنْ أَقْوَالِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مَعَ الرَّسُولِ كَالْخَضِرِ مَعَ مُوسَى وَمَنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِلرَّسُولِ وَلِلنَّبِيِّ أَنْ يَنْسَخَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ وَلَمْ يَضْمَنْ ذَلِكَ لِلْمُحَدَّثِ؛ وَلِهَذَا كَانَ فِي الْحَرْفِ الْآخَرِ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ وَيُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْحَرْفُ مَتْلُوًّا حَيْثُ لَمْ يَضْمَنْ نَسْخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّةِ الْمُحَدَّثِ؛ فَإِنَّ نَسْخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ لَيْسَ إلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ إذْ هُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ إلْقَاءِ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا تَجِبُ عِصْمَتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ أَلَّا يَكُونُوا مُخْطِئِينَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُمْ؛ بَلْ

وَلَا مِنْ شَرْطَهُمْ تَرْكُ الصَّغَائِرِ مُطْلَقًا بَلْ وَلَا مِنْ شَرْطِهِمْ تَرْكُ الْكَبَائِرِ أَوْ الْكَفْرُ الَّذِي تَعْقُبُهُ التَّوْبَةُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُتَّقُونَ.
وَ " الْمُتَّقُونَ " هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا.
وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَان.
وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ الْغَالِيَةُ مِنْ الرَّافِضَةِ وَأَشْبَاهُ الرَّافِضَةِ مِنْ الْغَالِيَةِ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَمَنْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
فَالرَّافِضَةُ تَزْعُمُ أَنَّ " الِاثْنَيْ عَشَرَ " مَعْصُومُونَ مِنْ الْخَطَأِ وَالذَّنْبِ.
وَيَرَوْنَ هَذَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَالْغَالِيَةُ فِي الْمَشَايِخِ قَدْ يَقُولُونَ: إنَّ الْوَلِيَّ مَحْفُوظٌ وَالنَّبِيَّ مَعْصُومٌ.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ؛ فَحَالُهُ حَالُ مَنْ يَرَى أَنَّ الشَّيْخَ وَالْوَلِيَّ لَا يُخْطِئُ وَلَا يُذْنِبُ.
وَقَدْ بَلَغَ الْغُلُوُّ بِالطَّائِفَتَيْنِ إلَى أَنْ يَجْعَلُوا بَعْضَ مَنْ غَلَوْا فِيهِ بِمَنْزِلَةِ النَّبِيِّ وَأَفْضَلَ مِنْهُ وَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ جَعَلُوا لَهُ نَوْعًا مِنْ الْإِلَهِيَّةِ وَكُلُّ هَذَا مِنْ الضَّلَالَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُضَاهِيَةِ لِلضَّلَالَاتِ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَإِنَّ فِي النَّصَارَى مِنْ الْغُلُوِّ فِي الْمَسِيحِ وَالْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ مَا ذَمَّهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ؛ وَجَعَلَ ذَلِكَ عِبْرَةً لَنَا؛ لِئَلَّا

نَسْلُكَ سَبِيلَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ: ﴿لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.
فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ؛ وَرَسُولُهُ﴾ . فَصْلٌ: وَأَمَّا " الْفُقَرَاءُ " الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُمْ صِنْفَانِ: مُسْتَحِقُّو الصَّدَقَاتِ وَمُسْتَحِقُّو الْفَيْءِ.
أَمَّا مُسْتَحِقُّو الصَّدَقَاتِ فَقَدْ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ . وَإِذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ اسْمُ " الْفَقِيرِ " وَحْدَهُ وَ " الْمِسْكِينِ " وَحْدَهُ - كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ - فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَإِذَا ذُكِرَا جَمِيعًا فَهُمَا صِنْفَانِ.
وَالْمَقْصُودُ بِهِمَا أَهْلُ الْحَاجَةِ.
وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ كِفَايَتَهُمْ لَا مِنْ مَسْأَلَةٍ وَلَا مِنْ كَسْبٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَوْقُوفَةِ وَالْمَنْذُورَةِ وَالْمُوصَى بِهَا وَبَيْنَ الْفُقَهَاءِ نِزَاعٌ فِي بَعْضِ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَضِدُّ هَؤُلَاءِ " الْأَغْنِيَاءُ " الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ ثُمَّ هُمْ

" نَوْعَانِ ": نَوْعٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى مَنْ قَدْ تُبَاحُ لَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَنَوْعٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ لَهُ فَضْلٌ عَنْ نَفَقَاتِهِ الْوَاجِبَةِ وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ . وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلٌ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ رِزْقُهُمْ قُوتٌ وَكَفَافٌ هُمْ أَغْنِيَاءُ بِاعْتِبَارِ غِنَاهُمْ عَنْ النَّاسِ وَهُمْ فُقَرَاءُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فُضُولٌ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا.
وَإِنَّمَا يَسْبِقُ الْفُقَرَاءُ الْأَغْنِيَاءَ إلَى الْجَنَّةِ بِنِصْفِ يَوْمٍ لِعَدَمِ فُضُولِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُحَاسَبُونَ عَلَى مَخَارِجِهَا وَمَصَارِفِهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ثُمَّ أَرْبَابُ الْفُضُولِ إنْ كَانُوا مُحْسِنِينَ فِي فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ فَقَدْ يَكُونُونَ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَرْفَعَ دَرَجَةً مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ أَغْنِيَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ السَّابِقِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ دُونَهُمْ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ الْفُقَرَاءُ: " ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ " وَقِيلَ لَمَّا سَاوَاهُمْ الْأَغْنِيَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَامْتَازُوا عَنْهُمْ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فَهَذَا هُوَ " الْفَقِيرُ " فِي عُرْفِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَقَدْ يَكُونُ الْفُقَرَاءُ سَابِقِينَ وَقَدْ يَكُونُونَ مُقْتَصِدِينَ وَقَدْ يَكُونُونَ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ كَالْأَغْنِيَاءِ وَفِي كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ: الْمُؤْمِنُ الصِّدِّيقُ وَالْمُنَافِقُ الزِّنْدِيقُ.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْخِرُونَ فَـ " الْفَقِيرُ " فِي عُرْفِهِمْ عِبَارَةٌ عَنْ السَّالِكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ " الصُّوفِيُّ " فِي عُرْفِهِمْ أَيْضًا ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ مُسَمَّى " الصُّوفِيِّ " عَلَى مُسَمَّى " الْفَقِيرِ " لِأَنَّهُ عِنْدَهُ الَّذِي قَامَ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ مُسَمَّى الْفَقِيرِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ الَّذِي قَطَعَ الْعَلَائِقَ وَلَمْ يَشْتَغِلْ فِي الظَّاهِرِ بِغَيْرِ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ وَهَذِهِ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ.
وَ " التَّحْقِيقُ " أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحْمُودَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الصِّدِّيقِ وَالْوَلِيِّ وَالصَّالِحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَمِنْ حَيْثُ دَخَلَ فِي الْأَسْمَاءِ النَّبَوِيَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ وَأَمَّا مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِمَّا يَعُدُّهُ صَاحِبُهُ فَضْلًا وَلَيْسَ بِفَضْلِ أَوْ مِمَّا يُوَالِي عَلَيْهِ صَاحِبُهُ غَيْرَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا زِيَادَةُ الدَّرَجَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَهِيَ أُمُورٌ مُهْدَرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا إذَا جُعِلَتْ مِنْ الْمُبَاحَاتِ كَالصِّنَاعَاتِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ بِشَرْطِ أَلَّا يَعْتَقِدَ أَنَّ تِلْكَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَحَبَّاتِ.
وَأَمَّا مَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ فِي دِينِ اللَّهِ: مِنْ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ.
فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ.

و

َسُئِلَ:

عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إلَى بَابِ " أَهْلِ الصُّفَّةِ " فَاسْتَأْذَنَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ

قَالُوا: مَا لَهُ عِنْدَنَا مَوْضِعٌ الَّذِي يَقُولُ: أَنَا.
فَرَجَعَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ ثَانِيَةً وَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ مِسْكِينٌ فَأَذِنُوا لَهُ.
فَهَلْ يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهَذَا.
أَمْ هُوَ كُفْرٌ؟ فَأَجَابَ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى " أَهْلِ الصُّفَّةِ " فَإِنَّ " أَهْلَ الصُّفَّةِ " لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَكَانٌ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِمْ فِيهِ إنَّمَا كَانَتْ الصُّفَّةُ فِي شَمَالِيِّ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْوِي إلَيْهَا مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَكُنْ يُقِيمُ بِهَا نَاسٌ مُعَيَّنُونَ بَلْ يَذْهَبُ قَوْمٌ وَيَجِيءُ آخَرُونَ وَلَمْ يَكُنْ " أَهْلُ الصُّفَّةِ " خِيَارَ الصَّحَابَةِ؛ بَلْ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ؛ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَسْتَخِفُّ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذُكِرَ.
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ اعْتَقَدَ هَذَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَافِرٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ قَوْمٍ يَرْوُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ لَا سَنَدَ لَهُمْ بِهَا.
فَيَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَا مِنْ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنِّي يَتَّسِمُونَ بِالْأَهْوِيَةِ مِنْهُ﴾ فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَيَقْرَءُونَ بَيْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَدَّثَانِ بِحَدِيثِ أَبْقَى بَيْنِهِمَا كَأَنِّي زِنْجِيٌّ لَا أَفْقَهَ.
فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا أَمْ لَا؟ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ فَوَجَدَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَغْزُونَ مَعَهُ حَقِيقَةً.
وَإِنَّهُ أَلْزَمَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً فَلَمَّا فَرَّ الْمُسْلِمُونَ مُنْهَزِمِينَ ضَرَبُوا بِسُيُوفِهِمْ فِي عَسْكَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالُوا: نَحْنُ حِزْبُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوا إلَّا مُنَافِقِينَ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْمَسْئُولُ تَعْيِينُ " أَصْحَابِ الصُّفَّةِ " كَمْ هُمْ مِنْ رَجُلٍ؟ وَمَنْ كَانُوا مِنْ

الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا عُرِجَ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ سِرٍّ وَأَمَرَهُ أَلَّا يُظْهِرَهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ.
فَلَمَّا نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ وَجَدَ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ يَتَحَدَّثُونَ بِهَا فَقَالَ: يَا رَبِّ؛ إنَّنِي لَمْ أُظْهِرْ عَلَى هَذَا السِّرِّ أَحَدًا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنَّهُمْ كَانُوا شُهُودًا بَيْنِي وَبَيْنَك فَهَلْ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ صِحَّةٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، جَمِيعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَكَاذِيبُ مُخْتَلَقَةٌ لِيَتَبَوَّأَ مُفْتَرِيهَا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.
لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ - أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّهَا مَكْذُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ لَيْسَ لِشَيْءِ مِنْهَا أَصْلٌ؛ بَلْ مَنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ؛ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَلَيْسَ لِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَصْلٌ أَلْبَتَّةَ.
وَلَا تُوجَدُ فِي كِتَابٍ؛ وَلَا رَوَاهَا قَطُّ أَحَدٌ مِمَّنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
فَأَمَّا " الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ " قَوْلُهُ: ﴿أَنَا مِنْ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنِّي﴾ فَلَا يُحْفَظُ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَكِنْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك﴾ كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ أَنْتُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ.
مُتَّفِقُونَ فِي الْقَصْدِ وَالْهُدَى كَالرُّوحَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَّفِقَانِ فِي صِفَاتِهِمَا؛ وَهِيَ الْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ الَّتِي

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ﴾ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ جُزْءًا مِنْ الْخَالِقِ تَعَالَى.
فَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ يَقُولُهُ أَعْدَاءُ اللَّهِ النَّصَارَى وَمَنْ غَلَا مِنْ الرَّافِضَةِ؛ وَجُهَّالُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَمَنْ اعْتَقَدَهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
نَعَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ الْمُحِبِّينَ لَهُ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ؛ وَمَنَازِلِ الْيَقِينِ مَا لَا تَكَادُ تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَلَا يَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ إلَّا مَنْ أَدْرَكَهُ وَنَالَهُ؛ وَالرَّبُّ رَبٌّ.
وَالْعَبْدُ عَبْدٌ.
لَيْسَ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ؛ وَلَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ: وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ يَعْتَقِدُ حُلُولَ الرَّبِّ تَعَالَى بِهِ؛ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا اتِّحَادَهُ بِهِ.
وَإِنَّ سَمْعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ.
فَكَثِيرٌ مِنْهُ مَكْذُوبٌ اخْتَلَقَهُ الْأَفَّاكُونَ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ المباحية؛ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ وَأَلْحَقَهُمْ بِالطَّائِفَةِ النَّصْرَانِيَّةِ.
وَاَلَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ عَنْ الشُّيُوخِ لَهُ مَعَانٍ صَحِيحَةٌ؛ وَمِنْهُ مَا صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي حَالِ اسْتِيلَاءِ حَالٍ عَلَيْهِ؛ أَلْحَقَهُ تِلْكَ السَّاعَةَ بِالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ الْقَوْلِ ثُمَّ إذَا ثَابَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَتَمْيِيزُهُ يُنْكِرُ ذَلِكَ الْقَوْلَ؛ وَيُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُهُ؛ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْقَوْلِ فِي حَالِ غَيْبَةِ

عَقْلِ الْإِنْسَانِ لَا يَتَّخِذُهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ عَقِيدَةً.
وَلَا حُكْمَ لَهُ؛ بَلْ الْقَلَمُ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ الَّذِي سَكِرَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مُحَرَّمٍ؛ مِثْلُ مَنْ يُسْقَى الْخَمْرَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ أُوجِرَهَا حَتَّى سَكِرَ أَوْ أُطْعِمَ الْبَنْجَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ؛ فَكَذَلِكَ.
وَقَدْ يُشَاهِدُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَمَالِهِ أُمُورًا عَظِيمَةً تُصَادِفُ قُلُوبًا رَقِيقَةً فَتُحْدِثُ غَشْيًا وَإِغْمَاءً.
وَمِنْهَا مَا يُوجِبُ الْمَوْتَ.
وَمِنْهَا مَا يُخِلُّ الْعَقْلَ.
وَإِنْ كَانَ الْكَامِلُونَ مِنْهُمْ لَا يَعْتَرِيهِمْ هَذَا كَمَا لَا يَعْتَرِي النَّاقِصِينَ عَنْهُمْ؛ لَكِنْ يَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ قُوَّةِ الْوَارِدِ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَضَعْفِ الْمَحَلِّ الْمَوْرُودِ عَلَيْهِ فَمَنْ اغْتَرَّ بِمَا يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ كَانَ ضَالًّا مُضِلًّا.
وَإِنَّمَا " الْأَحْوَالُ الصَّحِيحَةُ " مِثْلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا.
فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنهُ وَلِأَنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ

قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ} . فَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ: ﴿فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَلَئِنْ سَأَلَنِي وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي﴾ فَمَيَّزَ بَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ الْعَبْدِ أَلَا تَسْمَعُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا مِنْ إلَهٍ إلَّا إلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ . وَكَذَلِكَ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ﴾ وَذَكَرَ فِي الْجُوعِ وَالْعُرْيِ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَانْظُرْ كَيْفَ عَبَّرَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ

مَرِضْت ثُمَّ فَسَّرَهُ فِي تَمَامِهِ؛ بِأَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ فَمَيَّزَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ وَالْعَبْدُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَتَّحِدُ إرَادَتُهُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ بِحَيْثُ لَا يُرِيدُ إلَّا مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ أَمْرًا بِهِ وَرِضًا وَلَا يُحِبُّ إلَّا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَلَا يُبْغِضُ إلَّا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى عَذْلِ الْعَاذِلِينَ وَلَوْمِ اللَّائِمِينَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ . وَالْكَلَامُ فِي مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ طَوِيلٌ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ يَتَفَطَّنَ الْمُؤْمِنُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ ضَاهُوا النَّصَارَى وَسَلَكُوا سَبِيلَ أَهْلِ " الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ " وَكَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَكَذَّبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَبَيْنَ الْعَالِمِينَ بِاَللَّهِ وَالْمُحِبِّينَ لَهُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فَإِنَّهُ قَدْ يُشْتَبَهُ هَؤُلَاءِ بِهَؤُلَاءِ كَمَا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الضَّالِّينَ حَالُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الْمُتَنَبِّئِ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولِ اللَّهِ حَقًّا حَتَّى صَدَّقُوا الْكَاذِبَ وَكَذَّبُوا الصَّادِقَ.
وَاَللَّهُ قَدْ جَعَلَ عَلَى الْحَقِّ آيَاتٍ وَعَلَامَاتٍ وَبَرَاهِينَ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ " فَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ نَعَمْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقْرَبَ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِمُرَادِهِ لِمَا يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي يَفْهَمُهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَزْدَادُ الصِّدِّيقُ بِفَهْمِ آخَرَ يُوَافِقُ مَا فَهِمُوهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُخَالِفُهُ.
مِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ.
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ: بَلْ نَفْدِيك بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا فَجَعَلَ بَعْضُ النَّاسِ يَعْجَبُ وَيَقُولُ: عَجَبًا لِهَذَا الشَّيْخِ يَبْكِي أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ﴾ . فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا وَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ لَا لُغْزَ فِيهِ فَفَهِمَ الصِّدِّيقُ لِقُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَقَاصِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ هُوَ الْعَبْدُ الْمُخَيَّرُ وَمَعْرِفَةُ أَنَّ الْمُطْلَقَ هَذَا الْمُعَيَّنَ خَارِجٌ عَنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ لَكِنْ يُوَافِقُهُ وَلَا يُخَالِفُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ.
وَمِنْ هَذَا أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا عَزَمَ عَلَى قِتَالِ

مَانِعِي الزَّكَاةِ قَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ﴾ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ.
الزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا وَاَللَّهِ؛ لَأُقَاتِلَن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ؛ وَاَللَّهُ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا.
فَرَجَعَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَكَانَ هُوَ أَفْهَمَ لِمَعْنَى كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ﴾ فَهَذَا النَّصُّ الصَّرِيحُ مُوَافِقٌ لِفَهْمِ أَبِي بَكْرٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لِعُمَرِ مِثْلُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
فَأَمَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ لَا يَفْهَمُهُ عُمَرُ وَأَمْثَالُهُ بَلْ يَكُونُ عِنْدَهُمْ كَكَلَامِ الزِّنْجِيِّ.
فَمَنْ اعْتَقَدَ هَذَا فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَأَمَّا كَوْنُ أَهْلِ الصُّفَّةِ كَانُوا قَبْلَ الْمَبْعَثِ مُهْتَدِينَ.
فَعَلَى مَنْ قَالَ

هَذَا: لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ بَلْ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا جَاهِلِينَ؛ بَلْ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ جَاهِلِينَ بِاَللَّهِ وَبِدِينِهِ؛ وَإِنَّمَا هَدَاهُمْ اللَّهُ بِكِتَابِهِ؛ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ فَرْقٌ فِي الْكَفْرِ وَالضَّلَالَةِ قَبْلَ إيمَانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَقَدْ كَانَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ " أَهْلِ الصُّفَّةِ " كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ؛ وَأَعْظَمُ يَقِينًا مِنْ عَامَّةِ أَهْلِ الصُّفَّةِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ فِي الْجِهَادِ فَقَوْلُ جَاهِلٍ ضَالٍّ؛ بَلْ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ قِتَالًا وَجِهَادًا؛ كَمَا وَصَفَهُمْ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ وَقَالَ فِي صِفَتِهِمْ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا﴾ وَلَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ؛ حَتَّى وَجَدَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْجِدَةً وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ؛ وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ: ﴿أَنَّهُمْ بِهِمْ تُتَّقَى الْمَكَارِهُ؛ وَتُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ؛ وَأَنَّهُمْ أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَى الْحَوْضِ؛ وَأَنَّهُمْ الشُّعْثُ رُءُوسًا.
الدَّنَسُ ثِيَابًا؛ الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ؛ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْمُلُوكِ﴾ .

وَأَمَّا " عَدَدُهُمْ " فَقَدْ جَمَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي تَارِيخَهُمْ: وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ سِتِّمِائَةٍ أَوْ سَبْعِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ كَانَ فِي شَمَالِ الْمَسْجِدِ صُفَّةً يَأْوِي إلَيْهَا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ فَمَنْ تَأَهَّلَ مِنْهُمْ أَوْ سَافَرَ أَوْ خَرَجَ غَازِيًا خَرَجَ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِيهَا السَّبْعُونَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَمِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشْرَةِ.
وَأَبُو هُرَيْرَةَ وخبيب وَسَلْمَانُ وَغَيْرُهُمْ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُمْ عَرَفُوا مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إلَى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَكَذِبٌ مَلْعُونٌ قَائِلُهُ.
وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَالْمِعْرَاجُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ إنَّمَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَبِنَاءِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ: الطَّيِّبَةِ وَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ عِنْدَ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَانَ مُسْلِمًا حَنِيفًا أَوْ كَانَ عَالِمًا بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسِيرَةِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ.
وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي هَذِهِ الْجَهَالَاتِ أَقْوَامٌ نَقَصَ إيمَانُهُمْ وَقَلَّ عِلْمُهُمْ وَاسْتَكْبَرَتْ أَنْفُسُهُمْ حَتَّى صَارُوا بِمَنْزِلَةِ فِرْعَوْنَ وَصَارُوا أَسْوَأَ حَالًا مِنْ النَّصَارَى.
وَاَللَّهُ يَتُوبُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى سَائِرِ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ وَيَهْدِينَا وَإِيَّاهُمْ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
وَلَا الضَّالِّينَ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ: عَنْ " الْفُتُوَّةِ " الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا.
. . إلَخْ.
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَائِلًا: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ " الْفُتُوَّةِ " الَّتِي يَلْبَسُ فِيهَا الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ سَرَاوِيلَ وَيَسْقِيه مَاءً وَمِلْحًا؛ فَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ.
وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ لَا عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ.
وَالْإِسْنَادُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ فِي " الْفُتُوَّةِ " إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طَرِيقَةِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ وَغَيْرِهِ إسْنَادٌ مُظْلِمٌ عَامَّةُ رِجَالِهِ مَجَاهِيلُ لَا يُعْرَفُونَ وَلَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ: أَنَّهُ وَضَعَ سَرَاوِيلَ عِنْدَ قَبْرِ عَلِيٍّ فَأَصْبَحَ مَسْدُودًا وَهَذَا يَجْرِي عِنْدَ غَيْرِ عَلِيٍّ كَمَا يَجْرِي أَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا كَرَامَةٌ فِي الْكَنَائِسِ وَغَيْرِهَا مِثْلُ دُخُولِ مَصْرُوعٍ إلَيْهَا فَيَبْرَأُ بِنَذْرِ يُجْعَلُ لِلْكَنِيسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذِبًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الشَّيَاطِينِ.
كَمَا يُفْعَلُ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَوْثَانِ وَأَنَا أَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ وَقَائِعَ مُتَعَدِّدَةً.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ سَرَاوِيلَ الْفُتُوَّةِ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَمَا يَشْتَرِطُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الشُّرُوطِ إنْ كَانَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَرَسُولُهُ وَمَا نَهَى عَنْهُ مِثْلَ التَّعَصُّبِ لِشَخْصِ عَلَى شَخْصٍ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
فَهُوَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ وَلَوْ شَرَطُوهُ.
وَلَفْظُ " الْفَتَى " فِي اللُّغَةِ هُوَ الشَّابُّ.
كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ . وَقَدْ فَتَى يَفْتَى فَهُوَ فَتًى أَيْ بَيِّنُ الْفَتَا والأفتا مِنْ الدَّوَابِّ خِلَافُ الْمَسَانِّ وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالْفَتَى عَنْ الْمَمْلُوكِ مُطْلَقًا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ . وَلَمَّا كَانَ الشَّابُّ أَلْيَنَ عَرِيكَةً مِنْ الشَّيْخِ صَارَ فِي طَبْعِهِ مِنْ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الشُّيُوخِ.
فَصَارُوا يُعَبِّرُونَ بِلَفْظِ الْفَتَى عَنْ السَّخِيِّ الْكَرِيمِ.
يُقَالُ: هُوَ فَتًى بَيِّنُ الْفُتُوَّةِ وَقَصَدَ يَفْتَى.
وَيُفَاتَى.
وَالْجَمْعُ فِتْيَانٌ وَفِتْيَةٌ.
وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْفَتَى بِمَعْنَى الْمُتَّصِفِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا.
وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الشُّيُوخِ: طَرِيقُنَا تَفْتَى وَلَيْسَ تَنْصُرُ يَعْنِي هُوَ اسْتِعْمَالُ مَكَارِمِ

الْأَخْلَاقِ؛ لَيْسَ هُوَ النُّسُكُ الْيَابِسُ.
[وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ: الْفُتُوَّةُ أَنْ تُقَرِّبَ مَنْ يَقْصِدُك وَتُكْرِمَ مَنْ يُؤْذِيك وَتُحْسِنَ إلَى مَنْ يُسِيءُ إلَيْك سَمَاحَةً لَا كَظْمًا وَمُوَادَّةً لَا مُصَابَرَةً] * . وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْفُتُوَّةُ تَرْكُ مَا تَهْوَى لِمَا تَخْشَى.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ فَمَنْ دَعَا إلَى مَا دَعَا إلَيْهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَانَ مُحْسِنًا سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ فُتُوَّةً أَوْ لَمْ يُسَمَّه وَمَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ.
وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ فِي الْفُتُوَّةِ أُمُورًا يُنْهَى عَنْهَا فَيُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ وَيُؤْمَرُونَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَمَا يُنْهَوْنَ عَنْ الْإِلْبَاسِ وَالْإِسْقَاءِ.
وَإِسْنَادُ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ إمَامُ الْوَقْتِ فَرِيدُ الدَّهْرِ جَوْهَرُ الْعِلْمِ لُبُّ الْإِيمَانِ قُطْبُ الزَّمَانِ مُفْتِي الْفِرَقِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ شِهَابِ الدِّينِ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ مُؤَيِّدِ السُّنَّةِ مَجْدِ الدِّينِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَفَعَ بِهِ آمِينَ: فِي جَمَاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِسٍ وَيُلَبِّسُونَ لِشَخْصِ مِنْهُمْ لِبَاسَ " الْفُتُوَّةِ " وَيُدِيرُونَ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسِهِمْ شَرْبَةً فِيهَا مِلْحٌ وَمَاءٌ يَشْرَبُونَهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَيَذْكُرُونَ فِي مَجْلِسِهِمْ أَلْفَاظًا لَا تَلِيقُ بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ.
فَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ؛ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِبَاسَ الْفُتُوَّةِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُلْبِسَ مَنْ شَاءَ وَيَقُولُونَ: إنَّ اللِّبَاسَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُنْدُوقٍ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ الْآيَةَ - فَهَلْ هُوَ كَمَا زَعَمُوا؟ أَمْ

كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ؟ وَهَلْ هُوَ مِنْ الدِّينِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الدِّينِ فَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَوْ يُعِينُ عَلَيْهِ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسِبُ ذَلِكَ إلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ.
إلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ؛ فَهَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يُسَمَّوْنَ بِهَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا مِنْ اسْمِ الْفُتُوَّةِ وَرُءُوسِ الْأَحْزَابِ وَالزُّعَمَاءِ فَهَلْ لِهَذَا أَصْلٌ أَمْ لَا؟ وَيُسَمَّوْنَ الْمَجْلِسَ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ " دَسْكَرَةً " وَيَقُومُ لِلْقَوْمِ نَقِيبٌ إلَى الشَّخْصِ الَّذِي يُلْبِسُونَهُ فَيَنْزِعُهُ اللِّبَاسَ الَّذِي عَلَيْهِ بِيَدِهِ وَيُلْبِسُهُ اللِّبَاسَ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لِبَاسُ الْفُتُوَّةِ بِيَدِهِ فَهَلْ هَذَا جَائِزٌ.
أَمْ لَا؟ وَإِذَا قِيلَ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ وَلَا الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ؟ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لِلْفُتُوَّةِ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قِيلَ: لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرِيعَةِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِنْكَارِ وَهَلْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَعَلَ هَذِهِ الْفُتُوَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ أَمَرَ بِهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ خُلِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النُّورِ؟ أَمْ خُلِقَ مِنْ الْأَرْبَعِ عَنَاصِرَ؟ أَمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَهَلْ الْحَدِيثُ الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ: {لَوْلَاك مَا خَلَقَ اللَّهُ عَرْشًا.
وَلَا كُرْسِيًّا وَلَا أَرْضًا وَلَا سَمَاءً

وَلَا شَمْسًا وَلَا قَمَرًا.
وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ} صَحِيحٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ " الْأُخُوَّةُ " الَّتِي يُؤَاخِيهَا الْمَشَايِخُ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ فِي السَّمَاعِ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّمَاعِ وَنَحْوِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ أَمْ بَيْنَ كُلِّ مهاجري وَأَنْصَارِيٍّ؟ وَهَلْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَمْ لَا؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحُجَّةِ الْمُبَيِّنَةِ وَابْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا شَافِيًا مَأْجُورِينَ.
أَثَابَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ إلْبَاسِ لِبَاسِ " الْفُتُوَّةِ " السَّرَاوِيلَ أَوْ غَيْرَهُ وَإِسْقَاءِ الْمِلْحِ وَالْمَاءِ فَهَذَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
لَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ.
وَالْإِسْنَادُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ مِنْ طَرِيقِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ إلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ إلَى ثُمَامَةَ فَهُوَ إسْنَادٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمِ أَنْ يَنْسُبَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ الْمَجْهُولِ

الرِّجَالِ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ عَنْهُ فَكَيْفَ إذَا نُسِبَ إلَيْهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْعَالِمِينَ بِسُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ عَلَيْهِ وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ نُزُولِ هَذَا اللِّبَاسِ فِي صُنْدُوقٍ هُوَ مِنْ أَظْهَرْ الْكَذِبِ بِاتِّفَاقِ الْعَارِفِينَ بِسُنَّتِهِ.
وَ " اللِّبَاسُ الَّذِي يُوَارِي السَّوْأَةَ " هُوَ كُلُّ مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ اللِّبَاسِ الْمُبَاحِ.
أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً وَيَقُولُونَ: ثِيَابٌ عَصَيْنَا اللَّهَ فِيهَا لَا نَطُوفُ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَأَنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . وَالْكَذِبُ فِي هَذَا أَظْهَرُ مِنْ الْكَذِبِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ لِبَاسِ الْخِرْقَةِ وَأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاجَدَ حَتَّى سَقَطَتْ الْبُرْدَةُ عَنْ رِدَائِهِ وَأَنَّهُ فَرَّقَ الْخِرَقَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ وَقَالَ لَهُ: إنَّ رَبَّك يَطْلُبُ نَصِيبَهُ مِنْ زِيقِ الْفَقْرِ وَأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِالْعَرْشِ.
فَهَذَا أَيْضًا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِعْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى سَمَاعِ كَفٍّ وَلَا سَمَاعِ دُفُوفٍ وَشَبَّابَاتٍ وَلَا رَقْصٍ وَلَا سَقَطَ عَنْهُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِهِ فِي ذَلِكَ وَلَا قَسَمَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَكُلُّ مَا يُرْوَى مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِسُنَّتِهِ.

فَصْلٌ: وَالشُّرُوطُ الَّتِي تَشْتَرِطُهَا شُيُوخُ " الْفُتُوَّةِ " مَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِم وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ.
وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ.
أَوْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً: كَالْعَفْوِ عَنْ الظَّالِمِ وَاحْتِمَالِ الْأَذَى وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى السُّنَّةِ وَيُفَارِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ إذَا كَانَ عَلَى بِدْعَةٍ.
وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ يُؤْمِنُ بِهَا كُلُّ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ شَرَطَهَا شُيُوخُ الْفُتُوَّةِ أَوْ لَمْ يَشْرُطُوهَا وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ: مِثْلُ التَّحَالُفِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُصَادِقُ صَدِيقَ الْآخَرِ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَيُعَادِي عَدُوَّهُ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَيَنْصُرُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُعَادِيه سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ أَوْ كَانَ مَعَ خَصْمِهِ فَهَذِهِ شُرُوطٌ تُحَلِّلُ الْحَرَامَ وَتُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَهِيَ شُرُوطٌ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ: إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا﴾ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْمُلُوكِ وَالشُّيُوخِ وَالْأَحْلَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانَ مِنْ الْأَمْرِ الْمَشْرُوطِ الَّذِي قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ

فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْهُ كَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَلَيْسَ لِبَنِي آدَمَ أَنْ يَتَعَاهَدُوا وَلَا يَتَعَاقَدُوا وَلَا يَتَحَالَفُوا وَلَا يَتَشَارَطُوا عَلَى خِلَافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ بَلْ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ الَّتِي عَهِدَهَا اللَّهُ إلَى بَنِي آدَمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ . وَكَذَلِكَ مَا يَعْقِدُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ كَعَقْدِ النَّذْرِ أَوْ يَعْقِدُهُ الِاثْنَانِ: كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا.
أَوْ مَا يَكُونُ تَارَةً مِنْ وَاحِدٍ وَتَارَةً مِنْ اثْنَيْنِ: كَعَقْدِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْعُقُودِ مَتَى اشْتَرَطَ الْعَاقِدُ شَيْئًا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ كَانَ شَرْطُهُ بَاطِلًا.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ﴾ . وَالْعُقُودُ الْمُخَالِفَةُ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ هِيَ مِنْ جِنْسِ دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ عَقَدُوا عُقُودًا أَمَرُوا فِيهَا بِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَنَهَوْا فِيهَا عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَجَنَّبَهُ.

فَصْلٌ: وَأَمَّا لَفْظُ " الْفَتَى " فَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْحَدَثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ﴾ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ . لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ أَخْلَاقُ الْأَحْدَاثِ اللِّينَ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ يُعَبِّرُونَ بِلَفْظِ " الْفُتُوَّةِ " عَنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: طَرِيقُنَا تُفْتَى وَلَيْسَ تُنْصَرُ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ.
[" الْفُتُوَّةُ " أَنَّ تُقَرِّبَ مَنْ يُقْصِيك وَتُكْرِمَ مَنْ يُؤْذِيك وَتُحْسِنَ إلَى مَنْ يُسِيءُ إلَيْك.
سَمَاحَةً لَا كَظْمًا وَمَوَدَّةً لَا مُضَارَةً] * . وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: " الْفُتُوَّةُ " تَرْكُ مَا تَهْوَى لِمَا تَخْشَى.
وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُوصَفُ فِيهَا الْفُتُوَّةُ بِصِفَاتِ مَحْمُودَةٍ مَحْبُوبَةٍ سَوَاءٌ سُمِّيَتْ فُتُوَّةً أَوْ لَمْ تُسَمَّ وَهِيَ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْمَدْحَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا لِدُخُولِهَا فِيمَا حَمِدَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ.
كَلَفْظِ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْحِلْمِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ وَالْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْخَيْرِ.
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فَكُلُّ اسْمٍ عَلَّقَ اللَّهُ بِهِ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ أَهْلُهُ مَمْدُوحِينَ وَكُلُّ اسْمٍ عَلَّقَ بِهِ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ أَهْلُهُ مَذْمُومِينَ كَلَفْظِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 96) : . . . وفي النص الثاني: (ومودة لا مضارة) ، والعبارة كما في (مدارج السالكين) 2 / 345: الدرجة الثانية: أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كضما، ومودة لا مصابرة) .

وَالْفُجُورِ وَالظُّلْمِ وَالْفَاحِشَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا لَفْظُ " الزَّعِيمِ " فَإِنَّهُ مِثْلُ لَفْظِ الْكَفِيلِ وَالْقَبِيلِ وَالضَّمِينِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ فَمَنْ تَكَفَّلَ بِأَمْرِ طَائِفَةٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ هُوَ زَعِيمٌ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَفَّلَ بِخَيْرِ كَانَ مَحْمُودًا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ شَرًّا كَانَ مَذْمُومًا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا " رَأْسُ الْحِزْبِ " فَإِنَّهُ رَأْسُ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَتَحَزَّبُ أَيْ تَصِيرُ حِزْبًا فَإِنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ لَهُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ كَانُوا قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ وَنَقَصُوا مِثْلَ التَّعَصُّبِ لِمَنْ دَخَلَ فِي حِزْبِهِمْ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي حِزْبِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَهَذَا مِنْ التَّفَرُّقِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَنَهَيَا عَنْ التَّفْرِقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَأَمَرَا بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَنَهَيَا عَنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا﴾ وَشَبَّكَ بَيْنَ

أَصَابِعِهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يُسْلِمْهُ وَلَا يَخْذُلْهُ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ؛ فَذَلِكَ نَصْرُك إيَّاهُ﴾ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ؛ وَيَعُودُهُ إذَا مَرِضَ وَيُشَمِّتُهُ إذَا عَطَسَ؛ وَيُجِيبُهُ إذَا دَعَاهُ.
وَيُشَيِّعُهُ إذَا مَاتَ﴾ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ﴾ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا فِيهَا أَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا؛ وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ

فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ.
وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} فَهَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهَا.
وَأَمَّا لَفْظُ " الدَّسْكَرَةِ " فَلَيْسَتْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَمْدٌ أَوْ ذَمٌّ؛ وَلَكِنْ هِيَ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْمَجَامِعِ.
كَمَا فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أَنَّهُ جَمَعَ الرُّومَ فِي دَسْكَرَةٍ؛ وَيُقَالُ لِلْمُجْتَمِعِينَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ: إنَّهُمْ فِي دَسْكَرَةٍ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا اللَّفْظِ حَمْدٌ وَلَا ذَمٌّ؛ وَهُوَ إلَى الذَّمِّ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ وَالْغِنَاءِ.
وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ؛ لَكِنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ فَإِنْ قَامَ بِهِمَا مَنْ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْرِ؛ أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَالْأَوْجَبُ عَلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يَقُومَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ: وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِقَ مِمَّا يُخْلَقُ مِنْهُ الْبَشَرُ؛ وَلَمْ يُخْلَقْ أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ مِنْ نُورٍ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ

صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ؛ وَخَلَقَ إبْلِيسَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ؛ وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وَصَفَ لَكُمْ﴾ وَلَيْسَ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ بِاعْتِبَارِ مَا خُلِقَتْ مِنْهُ فَقَطْ؛ بَلْ قَدْ يُخْلَقُ الْمُؤْمِنُ مِنْ كَافِرٍ؛ وَالْكَافِرُ مِنْ مُؤْمِنٍ؛ كَابْنِ نُوحٍ مِنْهُ وَكَإِبْرَاهِيمَ مِنْ آزَرَ؛ وَآدَمُ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ طِينٍ: فَلَمَّا سَوَّاهُ؛ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ؛ وَأَسْجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةَ؛ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَعْلِيمِهِ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ وَبِأَنْ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ؛ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَهُوَ وَصَالِحُو ذُرِّيَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ؛ وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ مَخْلُوقِينَ مِنْ طِينٍ؛ وَهَؤُلَاءِ مِنْ نُورٍ.
وَهَذِهِ " مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ " مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَإِنَّ فَضْلَ بَنِي آدَمَ هُوَ بِأَسْبَابِ يَطُولُ شَرْحُهَا هُنَا.
وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَضْلُهُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْقَرَارِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ . وَالْآدَمِيُّ خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ؛ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ؛ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ انْتَقَلَ مَنْ صِغَرٍ إلَى كِبَرٍ ثُمَّ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ فَلَا يَظْهَرُ فَضْلُهُ وَهُوَ فِي ابْتِدَاءِ أَحْوَالِهِ؛ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَضْلُهُ عِنْدَ كَمَالِ أَحْوَالِهِ؛ بِخِلَافِ الْمَلَكِ الَّذِي تَشَابَهَ أَوَّلُ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ.
وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ نَظَرَ إلَى أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْأَحْوَالِ.
قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنْ نِهَايَاتِ الْكَمَالِ.

وَقَدْ ظَهَرَ فَضْلُ نَبِيِّنَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لَمَّا صَارَ بِمُسْتَوَى يُسْمَعُ فِيهِ صَرِيفُ الْأَقْلَامِ؛ وَعَلَا عَلَى مَقَامَاتِ الْمَلَائِكَةِ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَظْهَرَ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَعَجِيبِ حِكْمَتِهِ مِنْ صَالِحِي الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ جَمَعَ فِيهِمْ مَا تَفَرَّقَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ.
فَخَلَقَ بَدَنَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَرُوحَهُ مِنْ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَلِهَذَا يُقَالُ: هُوَ الْعَالَمُ الصَّغِيرُ وَهُوَ نُسْخَةُ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.
وَمُحَمَّدٌ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ.
وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ وَمِنْ هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِنْ أَجْلِهِ الْعَالَمَ أَوْ إنَّهُ لَوْلَا هُوَ لَمَا خَلَقَ عَرْشًا وَلَا كُرْسِيًّا وَلَا سَمَاءً وَلَا أَرْضًا وَلَا شَمْسًا وَلَا قَمَرًا.
لَكِنْ لَيْسَ هَذَا حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا وَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ لَا يُدْرَى قَائِلُهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِوَجْهِ صَحِيحٍ كَقَوْلِهِ.
﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي يُبَيِّنُ فِيهَا أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ لِبَنِي آدَمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِلَّهِ فِيهَا حِكَمًا عَظِيمَةً غَيْرَ ذَلِكَ،

وَأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُبَيِّنُ لِبَنِي آدَمَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ النِّعْمَةِ.
فَإِذَا قِيلَ: فَعَلَ كَذَا لِكَذَا لَمْ يَقْتَضِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ حِكْمَةٌ أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْلَا كَذَا مَا خُلِقَ كَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ حِكَمٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ بَلْ يَقْتَضِي إذَا كَانَ أَفْضَلُ صَالِحِي بَنِي آدَمَ مُحَمَّدٌ وَكَانَتْ خِلْقَتُهُ غَايَةً مَطْلُوبَةً وَحِكْمَةً بَالِغَةً مَقْصُودَةً أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ صَارَ تَمَامَ الْخَلْقِ وَنِهَايَةَ الْكَمَالِ حَصَلَ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاَللَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ آخِرُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَفِيهِ خُلِقَ آدَمَ وَهُوَ آخِرُ مَا خُلِقَ خَلَقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي آخِرِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ.
وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ هُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ - قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ﴾ أَيْ كُتِبَتْ نُبُوَّتِي وَأُظْهِرَتْ لَمَّا خُلِقَ آدَمَ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَمَا يَكْتُبُ اللَّهُ رِزْقَ الْعَبْدِ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ إذَا خُلِقَ الْجَنِينُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ هُوَ خَاتَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَآخِرُهَا

جارٍ التحميل