ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
الْوَجْه
ُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْحُدُودَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّمْيِيزِ
وَكُلَّمَا قَلَّتْ الْأَفْرَادُ كَانَ التَّمْيِيزُ أَيْسَرَ وَكُلَّمَا كَثُرَتْ كَانَ أَصْعَبَ.
فَضَبْطُ الْعَقْلِ الْكُلِّيِّ تَقِلُّ أَفْرَادُهُ مَعَ ضَبْطِ كَوْنِهِ كُلِّيًّا أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِمَّا كَثُرَتْ أَفْرَادُهُ وَإِنْ كَانَ إدْرَاكُ الْكُلِّيِّ الْكَثِيرِ الْأَفْرَادِ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَذَاكَ إذَا أَدْرَكَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْصُلُ بِحُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِي أَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ: أَنْ تَكُونَ مُتَمَيِّزَةً تَمْيِيزًا كُلِّيًّا لِيُعْلَمَ كَوْنُهَا صِفَةً لِلْمَحْدُودِ أَوْ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ أَمْ لَا.
فَإِذَا كَانَ ضَبْطُهَا كُلِّيَّةً أَصْعَبَ وَأَتْعَبَ مِنْ ضَبْطِ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ كَانَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا لِلْأَسْهَلِ مَعْرِفَةً بِالْأَصْعَبِ مُفْرَدَةً وَهَذَا عَكْسُ الْوَاجِبِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
وَقَدْ مَيَّزَ كُلَّ مُسَمًّى بِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى مَا يَفْصِلُهُ مِنْ الْجِنْسِ الْمُشْتَرَكِ وَيَخُصُّهُ دُونَ مَا سِوَاهُ وَيُبَيِّنُ بِهِ مَا يَرْسُمُ مَعْنَاهُ
فِي النَّفْسِ.
وَمَعْرِفَةُ حُدُودِ الْأَسْمَاءِ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ بِهَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ بَنِي آدَمَ فِي النُّطْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لَهُمْ لَا سِيَّمَا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ كَالْخَمْرِ وَالرِّبَا.
فَهَذِهِ الْحُدُودُ هِيَ الْفَاصِلَةُ الْمُمَيِّزَةُ بَيْنَ مَا يَدْخُلُ فِي الْمُسَمَّى وَيَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ الِاسْمُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا ذَمَّ اللَّهُ مَنْ سَمَّى الْأَشْيَاءَ بِأَسْمَاءِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
فَإِنَّهُ أَثْبَتَ لِلشَّيْءِ صِفَةً بَاطِلَةً كَإِلَهِيَّةِ الْأَوْثَانِ.
فَالْأَسْمَاءُ النُّطْقِيَّةُ سَمْعِيَّةٌ.
وَأَمَّا نَفْسُ تَصَوُّرِ الْمَعَانِي فَفِطْرِيٌّ يَحْصُلُ بِالْحِسِّ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَبِإِدْرَاكِ الْحِسِّ وَشُهُودِهِ بِبَصَرِ الْإِنْسَانِ بِبَاطِنِهِ وَبِظَاهِرِهِ وَبِسَمْعِهِ يَعْلَمُ أَسْمَاءَهَا وَبِفُؤَادِهِ يَعْقِلُ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَكَةَ وَالْمُخْتَصَّةَ.
وَاَللَّهُ أَخْرَجَنَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَجَعَلَ لَنَا السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ.
فَأَمَّا الْحُدُودُ الْمُتَكَلَّفَةُ فَلَيْسَ فِيهَا فَائِدَةٌ لَا فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الْحِسِّ وَلَا فِي السَّمْعِ إلَّا مَا هُوَ كَالْأَسْمَاءِ مَعَ التَّطْوِيلِ أَوْ مَا هُوَ كَالتَّمْيِيزِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَلِهَذَا لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ جَعَلُوا الْحَدَّ نَوْعَيْنِ: نَوْعًا بِحَسَبِ الِاسْمِ؛ وَهُوَ بَيَانُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ.
وَنَوْعًا بِحَسَبِ الصِّفَةِ أَوْ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمُسَمَّى وَزَعَمُوا كَشْفَ
الْحَقِيقَةِ وَتَصْوِيرَهَا وَالْحَقِيقَةُ الْمَذْكُورَةُ إنْ ذُكِرَتْ بِلَفْظِ دَخَلَتْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ بِلَفْظِ فَلَا تُدْرَكُ بِلَفْظِ وَلَا تُحَدُّ بِمَقَالِ إلَّا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذِهِ نُكَتٌ تُنَبِّهُ عَلَى جُمَلِ الْمَقْصُودِ.
وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ فِي الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُخْتَصَّةِ - كالحيوانية والناطقية - إنْ أَرَادُوا بِالِاشْتِرَاكِ: أَنَّ نَفْسَ الصِّفَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ مُشْتَرَكَةٌ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ إذْ لَا اشْتِرَاكَ فِي الْمُعَيَّنَاتِ الَّتِي يَمْنَعُ تَصَوُّرُهَا مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهَا.
وَإِنْ أَرَادُوا بِالِاشْتِرَاكِ: أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الصِّفَةِ حَاصِلَةٌ لِلنَّوْعِ الْآخَرِ.
قِيلَ لَهُمْ: لَا رَيْبَ أَنَّ بَيْنَ حَيَوَانِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَحَيَوَانِيَّةِ الْفَرَسِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا وَكَذَلِكَ بَيْنَ صَوْتَيْهِمَا وَتَمْيِيزِهِمَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ تَمْيِيزٌ وَلِلْفَرَسِ تَمْيِيزٌ وَلِهَذَا صَوْتٌ هُوَ النُّطْقُ وَلِذَاكَ صَوْتٌ هُوَ الصَّهِيلُ فَقَدْ خُصَّ كُلُّ صَوْتٍ بِاسْمِ يَخُصُّهُ.
فَإِذَا كَانَ حَقِيقَةُ أَحَدِ هَذَيْنِ يُخَالِفُ الْآخَرَ وَيَخْتَصُّ بِنَوْعِهِ فَمِنْ أَيْنَ جَعَلْتُمْ حَيَوَانِيَّةَ أَحَدِهِمَا مُمَاثِلَةً لِحَيَوَانِيَّةِ الْآخَرِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ؟ وَهَلَّا قِيلَ: إنَّ بَيْنَ حيوانيتهما قَدْرًا مُشْتَرَكًا وَمُمَيَّزًا كَمَا أَنَّ بَيْنَ صَوْتَيْهِمَا
كَذَلِكَ؟ . وَذَلِكَ أَنَّ الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ الْإِرَادِيَّةَ إمَّا أَنْ تُوجَدَ لِلْجِسْمِ أَوْ لِلنَّفْسِ.
فَإِنَّ الْجِسْمَ يَحُسُّ وَيَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ وَالنَّفْسَ تَحُسُّ وَتَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ مِنْ الْفَرْقِ مَا بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ النُّطْقُ هُوَ لِلنَّفْسِ بِالتَّمْيِيزِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ وَهُوَ لِلْجِسْمِ أَيْضًا بِتَمْيِيزِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ وَالْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ.
فَكُلٌّ مِنْ جِسْمِهِ وَنَفْسِهِ يُوصَفُ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ.
وَلَيْسَتْ حَرَكَةُ نَفْسِهِ وَإِرَادَتُهَا وَمَعْرِفَتُهَا وَنُطْقُهَا مِثْلَ مَا لِلْفَرَسِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ.
وَكَذَلِكَ مَا يَقُومُ بِجِسْمِهِ مِنْ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ لَيْسَ مِثْلَ مَا لِلْفَرَسِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ.
فَإِنَّ الَّذِي يُلَائِمُ جِسْمَهُ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ ومنكح وَمَشْمُومٍ وَمَرْئِيٍّ وَمَسْمُوعٍ.
بِحَيْثُ يُحِسُّهُ وَيَتَحَرَّكُ إلَيْهِ حَرَكَةً إرَادِيَّةً لَيْسَ هُوَ مِثْلَ مَا لِلْفَرَسِ.
فَالْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ هِيَ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانِ وَبِالْمَعْنَى الْخَاصِّ لَيْسَ إلَّا لِلْإِنْسَانِ.
وَكَذَلِكَ التَّمْيِيزُ سَوَاءٌ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ وَمُرَّةُ﴾ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالْحَارِثُ هُوَ الْعَامِلُ الْكَاسِبُ الْمُتَحَرِّكُ.
وَالْهَمَّامُ هُوَ الدَّائِمُ الْهَمِّ الَّذِي هُوَ مُقَدَّمُ الْإِرَادَةِ.
فَكُلُّ إنْسَانٍ حَارِثٌ فَاعِلٌ بِإِرَادَتِهِ وَكَذَلِكَ مَسْبُوقٌ بِإِحْسَاسِهِ.
فَحَيَوَانِيَّةُ الْإِنْسَانِ وَنُطْقُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ مَا يَشْتَرِكُ مَعَ الْحَيَوَانِ فِيهِ وَفِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَكَذَلِكَ بِنَاءُ بِنْيَتِهِ.
فَإِنَّ نُمُوَّهُ وَاغْتِذَاءَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبَاتِ فِيهِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَلَيْسَ مِثْلَهُ هُوَ.
إذْ هَذَا يَغْتَذِي بِمَا يَلَذُّ بِهِ وَيَسُرُّ نَفْسَهُ وَيَنْمُو بِنُمُوِّ حِسِّهِ وَحَرَكَتِهِ وَهَمِّهِ وَحَرْثِهِ.
وَلَيْسَ النَّبَاتُ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ النَّوْعِ وَأَفْرَادُهُ.
فَنُطْقُ الْعَرَبِ بِتَمْيِيزِ قُلُوبِهِمْ وَبَيَانِ أَلْسِنَتِهِمْ أَكْمَلُ مِنْ نُطْقِ غَيْرِهِمْ حَتَّى لَيَكُونُ فِي بَنِي آدَمَ مَنْ هُوَ دُونَ الْبَهَائِمِ فِي النُّطْقِ وَالتَّمْيِيزِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تُدْرَكُ نِهَايَتُهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ اشْتِرَاكَ أَفْرَادِ الصِّنْفِ وَأَصْنَافِ النَّوْعِ وَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ وَالْأَجْنَاسِ السَّافِلَةِ فِي مُسَمَّى الْجِنْسِ الْأَعْلَى: لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ فِيهَا بِالسَّوَاءِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقَائِقِ الْخَارِجَةِ شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ وَلَكِنَّ الذِّهْنَ فَهِمَ مَعْنًى يُوجَدُ فِي هَذَا وَيُوجَدُ نَظِيرُهُ فِي هَذَا.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرًا لَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُمَاثَلَةِ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْمُشَابَهَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى حَقِيقَةٍ تُخَالِفُ حَقِيقَةَ مَا فِي الْآخَرِ.
وَمِنْ هُنَا يَغْلَطُ القياسيون الَّذِينَ يَلْحَظُونَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ الْجَامِعَ دُونَ الْفَارِقِ الْمُمَيِّزِ.
وَالْعَرَبُ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ: أَعْظَمِ النَّاسِ
إدْرَاكًا لِلْفُرُوقِ وَتَمْيِيزًا لِلْمُشْتَرَكَاتِ.
وَذَلِكَ يُوجَدُ فِي عُقُولِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَلِهَذَا لَمَّا نَاظَرَ مُتَكَلِّمُو الْإِسْلَامِ الْعَرَبُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةِ الصَّابِئَةِ عُجْمِ الرُّومِ وَذَكَرُوا فَضْلَ مَنْطِقِهِمْ وَكَلَامِهِمْ عَلَى مَنْطِقِ أُولَئِكَ وَكَلَامِهِمْ: ظَهَرَ رُجْحَانُ كَلَامِ الْإِسْلَامِيِّينَ كَمَا فَعَلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَانِي فِي كِتَابِ الدَّقَائِقِ الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ كَثِيرًا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ الْفَاسِدَةِ فِي الْأَفْلَاكِ وَالنُّجُومِ وَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ: وَوَاجِبِ الْوُجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَتَكَلَّمَ عَلَى مَنْطِقِهِمْ وَتَقْسِيمِهِمْ الْمَوْجُودَاتِ كَتَقْسِيمِهِمْ الْمَوْجُودَ إلَى الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ ثُمَّ تَقْسِيمِ الْأَعْرَاضِ إلَى الْمَقُولَاتِ التِّسْعَةِ وَذَكَرَ تَقْسِيمَ مُتَكَلِّمَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ مَا لَيْسَ فِي كَلَامِ أُولَئِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ الْبَيَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وَقَالَ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَالْبَيَانُ: بَيَانُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ كَمَا أَنَّ الْعَمَى وَالْبَكَمُ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿هَلَّا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ إنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ﴾ " وَفِي الْأَثَرِ: " ﴿الْعِيُّ عِيُّ الْقَلْبِ لَا عِيُّ اللِّسَانِ﴾ " أَوْ قَالَ: " ﴿شَرُّ الْعِيِّ عِيُّ الْقَلْبِ﴾ " وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: " إنَّكُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ خُطَبَاؤُهُ.
وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ ".
وَتَبَيُّنُ الْأَشْيَاءِ لِلْقَلْبِ ضِدُّ اشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ﴾ - الْحَدِيثُ ". وَقَدْ قُرِئَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ وَلِتَتَبَيَّنَ أَنْتَ سَبِيلَهُمْ.
فَالْإِنْسَانُ يَسْتَبِينُ الْأَشْيَاءَ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ بَانَ الشَّيْءُ وَبَيَّنْته وَتَبَيَّنَ الشَّيْءُ وَتَبَيَّنْته وَاسْتَبَانَ الشَّيْءُ وَاسْتَبَنْته كُلُّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [و] 1 هُوَ هُنَا مُتَعَدٍّ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أَيْ مُتَبَيِّنَةٍ.
فَهُنَا هُوَ لَازِمٌ.
وَالْبَيَانُ كَالْكَلَامِ يَكُونُ مَصْدَرُ بَانَ الشَّيْءُ بَيَانًا وَيَكُونُ اسْمَ مَصْدَرٍ لبين كَالْكَلَامِ وَالسَّلَامِ لسلم وَكَلَّمَ فَيَكُونُ الْبَيَانُ بِمَعْنَى تَبَيُّنِ الشَّيْءِ.
وَيَكُونُ بِمَعْنَى بَيَّنْت الشَّيْءَ: أَيْ أَوْضَحْته.
وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا﴾ ". وَالْمَقْصُودُ ببيان الْكَلَامِ حُصُولُ الْبَيَانِ لِقَلْبِ الْمُسْتَمِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الشَّيْءُ وَيَسْتَبِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ الْآيَةُ.
وَمَعَ هَذَا فَاَلَّذِي لَا يَسْتَبِينُ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ وَقَالَ ﴿وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
تَضِلُّوا} وَقَالَ: ﴿قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الْآيَةُ.
وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ وَقَالَ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . فَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْمَعْلُومَةُ الَّتِي لَيْسَ فِي زِيَادَةِ وَصْفِهَا إلَّا كَثْرَةُ كَلَامٍ وَتَفَيْهُقٌ وَتَشَدُّقٌ وَتَكَبُّرٌ وَالْإِفْصَاحُ بِذِكْرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهَا: فَهَذَا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " ﴿إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا﴾ " وَفِي الْحَدِيثِ: " ﴿الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ﴾ " وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ﴾ ". وَفِي حَدِيثِ ﴿سَعْدٍ لَمَّا سَمِعَ ابْنَهُ أَوْ لَمَّا وَجَدَ ابْنَهُ يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا قَالَ: يَا بُنَيَّ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ؛ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ إنَّك إنْ أُعْطِيت الْجَنَّةَ أُعْطِيتهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ وَإِنْ أُعِذْت مِنْ النَّارِ أُعِذْت مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّرِّ﴾ ". وَعَامَّةُ الْحُدُودِ الْمَنْطِقِيَّةِ هِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ: حَشْوٌ لِكَلَامِ كَثِيرٍ يُبَيِّنُونَ بِهِ الْأَشْيَاءَ؛ وَهِيَ قَبْلَ بَيَانِهِمْ أَبْيَنُ مِنْهَا بَعْدَ بَيَانِهِمْ.
فَهِيَ مَعَ كَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنْ تَضْيِيعِ الزَّمَانِ وَإِتْعَابِ الْفِكْرِ وَاللِّسَانِ لَا تُوجِبُ إلَّا الْعَمَى وَالضَّلَالَ وَتَفْتَحُ بَابَ
الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمْ يُورِدُ عَلَى حَدِّ الْآخَرِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ مَا يَفْسُدُ بِهِ وَيَزْعُمُ سَلَامَةَ حَدِّهِ مِنْهُ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ: تَجِدُهُمْ مُتَكَافِئِينَ أَوْ مُتَقَارِبِينَ لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ رُجْحَانٌ مُبِينٌ فَإِمَّا أَنْ يُقْبَلَ الْجَمِيعُ أَوْ يُرَدَّ الْجَمِيعُ أَوْ يُقْبَلَ مِنْ وَجْهٍ وَيُرَدَّ مِنْ وَجْهٍ.
هَذَا فِي الْحُدُودِ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِي تَمْيِيزِ الْمَحْدُودِ وَفَصْلِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَأَمَّا مَتَى أَدْخَلَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَدِّ مَا أَخْرَجَهُ الْآخَرُ أَوْ بِالْعَكْسِ: فَالْكَلَامُ فِي هَذَا عِلْمٌ يُسْتَفَادُ بِهِ حَدُّ الِاسْمِ وَمَعْرِفَةُ عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ: هَلْ هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ الْمُشْتَدُّ أَمْ هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ؟ وَحَدِّ الْغِيبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كَمَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ﴾ - الْحَدِيثُ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ " وَقَوْلِ عُمَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ: " ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنًا وَثَوْبُهُ حَسَنًا أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ﴾ " وَمِنْهُ تَفْسِيرُ الْكَلَامِ وَشَرْحُهُ وَبَيَانُهُ.
فَكُلُّ مَنْ شَرَحَ كَلَامَ غَيْرِهِ وَفَسَّرَهُ وَبَيَّنَ تَأْوِيلَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ حُدُودِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي فِيهِ.
فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ حَدٍّ بِالْقَوْلِ فَإِنَّمَا هُوَ حَدٌّ لِلِاسْمِ بِمَنْزِلَةِ التَّرْجَمَةِ وَالْبَيَانِ.
فَتَارَةً يَكُونُ لَفْظًا مَحْضًا إنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ يَعْرِفُ الْمَحْدُودَ وَتَارَةً يَحْتَاجُ إلَى تَرْجَمَةِ الْمَعْنَى وَبَيَانِهِ إذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ لَمْ يَعْرِفْ الْمُسَمَّى.
وَذَلِكَ يَكُونُ بِضَرْبِ الْمَثَلِ أَوْ تَرْكِيبِ صِفَاتٍ وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ تَصْوِيرَ الْحَقِيقَةِ لِمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهَا بِغَيْرِ الْكَلَامِ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ حَدِّ الشَّيْءِ أَوْ الْحَدِّ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ أَوْ حَدِّ الْحَقَائِقِ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ إلَّا ذِكْرُ بَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي لِلْمَحْدُودِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ مَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهِ.
وَأَمَّا " مَسْأَلَةُ الْقِيَاسِ " فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْقِيَاسِ الْمُطْلَقِ الَّذِي جَعَلُوهُ مِيزَانَ الْعُلُومِ وَحَرَّرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ.
وَالثَّانِي: فِي جِنْسِ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الْعُلُومِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَقُولُ: لَا نِزَاعَ أَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ إذَا كَانَتَا مَعْلُومَتَيْنِ وَأُلِّفَتَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَدِلِ: أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالنَّتِيجَةِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ﴾ "؛ لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى مُنَازِعٍ يُنَازِعُهُ بَلْ التَّرْكِيبُ فِي هَذَا كَمَا قَالَ أَيْضًا
فِي الصَّحِيحِ: " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ﴾ " أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْكِرَاتِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْخَمْرِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ.
فَهُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْخَمْرِ وَهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿سُئِلَ عَنْ شَرَابٍ يُصْنَعُ مِنْ الذُّرَةِ يُسَمَّى الْمَزْرُ وَشَرَابٍ يُصْنَعُ مِنْ الْعَسَلِ يُسَمَّى الْبِتْعُ.
وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ﴾ ". فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ - وَهِيَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ - أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ.
ثُمَّ جَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنَّ " ﴿كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ﴾ " حَتَّى يُثَبِّتَ تَحْرِيمَ الْمُسْكِرِ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ﴾ " وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ﴾ " لَتَأَوَّلَهُ مُتَأَوِّلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْقَدَحَ الْأَخِيرَ كَمَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ.
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد: قَوْلُهُ " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ " أَبْلَغُ.
فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ الْقَدَحَ الْأَخِيرَ خَمْرًا.
وَلَوْ قَالَ: " ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ " فَقَطْ لَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُشْبِهُ الْخَمْرَ فِي التَّحْرِيمِ فَلَمَّا زَادَ " ﴿وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ﴾ " عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ دُخُولَهُ فِي اسْمِ الْخَمْرِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ.
وَالْغَرَضُ هُنَا: أَنَّ صُورَةَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورَةَ فِطْرِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمٍ.
بَلْ هِيَ عِنْدَ النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْحِسَابِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُطَوِّلُونَ الْعِبَارَاتِ وَيُغَرِّبُونَهَا.
وَكَذَلِكَ انْقِسَامُ الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي تُسَمَّى " الْقَضِيَّةَ " - وَهِيَ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ - إلَى خَاصٍّ وَعَامٍّ وَمَنْفِيٍّ وَمُثْبَتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَنَّ الْقَضِيَّةَ الصَّادِقَةَ يَصْدُقُ عَكْسُهَا وَعَكْسُ نَقِيضِهَا وَيَكْذِبُ نَقِيضُهَا.
وَأَنَّ جُمْلَتَهَا تَخْتَلِفُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ تَقْسِيمُ الْقِيَاسِ إلَى الْحَمْلِيِّ الْإِفْرَادِيِّ؛ والاستثنائي التلازمي والتعاندي وَغَيْرِ ذَلِكَ: غَالِبُهُ - وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا - فَفِيهِ مَا هُوَ بَاطِلٌ.
وَالْحَقُّ الَّذِي هُوَ فِيهِ: فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْكَلَامِ وَتَكْثِيرِهِ بِلَا فَائِدَةٍ؛ وَمِنْ سُوءِ التَّعْبِيرِ وَالْعِيِّ فِي الْبَيَانِ؛ وَمِنْ الْعُدُولِ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْقَرِيبِ إلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَدِيرِ الْبَعِيدِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِهِ.
فَحَقُّهُ النَّافِعُ فِطْرِيٌّ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إلَّا مَعْرِفَةُ اصْطِلَاحِهِمْ وَطَرِيقِهِمْ أَوْ خَطَئِهِمْ.
وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ ذِي مَقَالَةٍ مِنْ الْمَقَالَاتِ الْبَاطِلَةِ.
فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعْرِفَةِ لُغَتِهِ وَضَلَالِهِ.
فَاحْتِيجَ إلَيْهِ لِبَيَانِ ضَلَالِهِ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ الْمُوقِنُونَ حَالَهُ.
وَيَسْتَبِينُ لَهُمْ مَا بَيَّنَ اللَّهُ مِنْ حُكْمِهِ جَزَاءً وَأَمْرًا؛ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِيمَا يُذَمُّ بِهِ مَنْ تَكَلَّفَ الْقَوْلَ الَّذِي لَا يُفِيدُ؛ وَكَثْرَةِ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: ذِكْرُ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَن
َّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ لَا يُفِيدُ عِلْمًا إلَّا بِوَاسِطَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ.
فَلَا بُدَّ مِنْ كُلِّيَّةٍ جَامِعَةٍ ثَابِتَةٍ فِي كُلِّ قِيَاسٍ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ أَيْضًا.
وَلِهَذَا قَالُوا: لَا قِيَاسَ عَنْ سَالِبَتَيْنِ وَلَا عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعُلُومُ الْكُلِّيَّةُ الْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةُ هِيَ أُصُولَ الْأَقْيِسَةِ وَالْأَدِلَّةَ وَقَوَاعِدَهَا الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا وَتَحْتَاجُ إلَيْهَا.
ثُمَّ قَالُوا: إنَّ مَبَادِئَ الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ هِيَ الْعُلُومُ الْيَقِينِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْحِسِّيَّاتُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ وَالْعَقْلِيَّاتُ وَالْبَدِيهِيَّاتُ والمتواترات وَالْمُجَرَّبَاتُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: الْحَدْسِيَّاتُ.
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ؛ إذْ الْحِسُّ الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ لَا يُدْرِكُ إلَّا أُمُورًا مُعَيَّنَةً لَا تَكُونُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ أَدْرَكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ بِالْحِسِّ فَهِيَ تَبَعٌ لِلْحِسِّيَّاتِ.
وَكَذَلِكَ التَّجْرِبَةُ إنَّمَا تَقَعُ عَلَى أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ مَحْسُوسَةٍ.
وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ عَلَى النَّظَائِرِ بِالتَّشْبِيهِ وَهُوَ قِيَاسُ التَّمْثِيلِ وَالْحَدْسِيَّاتِ - عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُهَا مِنْهُمْ - مِنْ جِنْسِ التَّجْرِيبِيَّاتِ.
لَكِنَّ الْفَرْقَ: أَنَّ التَّجْرِبَةَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُجَرِّبِ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ
وَالْحَدْسُ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ فِعْلٍ كَاخْتِلَافِ أَشْكَالِ الْقَمَرِ عِنْدَ اخْتِلَافِ مُقَابَلَتِهِ لِلشَّمْسِ.
وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَجْرِبَةٌ عِلْمِيَّةٌ بِلَا عَمَلٍ فَالْمُسْتَفَادُ بِهِ أَيْضًا أُمُورٌ مُعَيَّنَةٌ جُزْئِيَّةٌ لَا تَصِيرُ عَامَّةً إلَّا بِوَاسِطَةِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
وَأَمَّا الْبَدِيهِيَّاتُ - وَهِيَ الْعُلُومُ الْأَوَّلِيَّةُ الَّتِي يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي النُّفُوسِ ابْتِدَاءً بِلَا وَاسِطَةٍ مِثْلُ الْحِسَابِ وَهِيَ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ - فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ مِثْلُ الْحُكْمِ عَلَى الْعَدَدِ الْمُطْلَقِ وَالْمِقْدَارِ الْمُطْلَقِ وَكَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُسَاوِيَةَ لِشَيْءِ وَاحِدٍ هِيَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي أَنْفُسِهَا.
فَإِنَّك إذَا حَكَمْت عَلَى مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْحِسِّ مِثْلُ الْعَقْلِ.
فَإِنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا هُوَ عَقْلُ مَا عَلِمْته بِالْإِحْسَاسِ الْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ بِعَقْلِ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ.
فَأَمَّا أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي هُوَ عَقْلُ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي أَفْرَادُهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ حِسٍّ فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ.
وَإِذَا رَجَعَ الْإِنْسَانُ إلَى نَفْسِهِ وَجَدَ أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ ذَلِكَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ الْحِسِّ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ لِكُلِّيَّاتِ مُقَدَّرَةٍ فِي نَفْسِهِ مِثْلُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْمُسْتَقِيمِ وَالْمُنْحَنَى وَالْمُثَلَّثِ وَالْمُرَبَّعِ وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْرِضُهُ هُوَ وَيُقَدِّرُهُ.
فَأَمَّا الْعِلْمُ بِمُطَابَقَةِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ لِلْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ وَالْعِلْمُ بِالْحَقَائِقِ الْخَارِجِيَّةِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْحِسِّ الْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَ الْحِسُّ وَالْعَقْلُ - كَاجْتِمَاعِ الْبَصَرِ وَالْعَقْلِ - أَمْكَنَ أَنْ يُدْرِكَ الْحَقَائِقَ الْمَوْجُودَةَ الْمَعْنِيَّةَ وَيَعْقِلَ حُكْمَهَا الْعَامَّ
الَّذِي يَنْدَرِجُ فِيهِ أَمْثَالُهَا لَا أَضْدَادُهَا وَيُعْلَمُ الْجَمْعُ وَالْفَرْقُ.
وَهَذَا هُوَ اعْتِبَارُ الْعَقْلِ وَقِيَاسُهُ.
وَإِذَا انْفَرَدَ الْإِحْسَاسُ الْبَاطِنُ أَوْ الظَّاهِرُ أَدْرَكَ وُجُودَ الْمَوْجُودِ الْمُعَيَّنِ.
وَإِذَا انْفَرَدَ الْمَعْقُولُ الْمُجَرَّدُ عَلِمَ الْكُلِّيَّاتِ الْمُقَدَّرَةَ فِيهِ الَّتِي قَدْ يَكُونُ لَهَا وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَقَدْ لَا يَكُونُ وَلَا يُعْلَمُ وُجُودُ أَعْيَانِهَا وَعَدَمُ وُجُودِ أَعْيَانِهَا إلَّا بِإِحْسَاسِ بَاطِنٍ أَوْ ظَاهِرٍ.
فَإِنَّك إذَا قُلْت: مَوْجُودٌ أَنَّ الْمِائَةَ عُشْرُ الْأَلْفِ لَمْ تَحْكُمْ عَلَى شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ؛ بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَالَمِ مَا يَعُدُّ بِالْمِائَةِ وَالْأَلْفِ لَكُنْت عَالِمًا بِأَنَّ الْمِائَةَ الْمُقَدَّرَةَ فِي عَقْلِك عُشْرُ الْأَلْفِ وَلَكِنْ إذَا أَحْسَسْت بِالرِّجَالِ وَالدَّوَابِّ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَحْسَسْت بِحِسِّك أَوْ بِخَبَرِ مَنْ أَحَسَّ أَنَّ هُنَاكَ مِائَةَ رَجُلٍ أَوْ دِرْهَمٍ وَهُنَاكَ أَلْفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ: حَكَمْت عَلَى أَحَدِ الْمَعْدُودَيْنِ بِأَنَّهُ عُشْرُ الْآخَرِ.
فَأَمَّا الْمَعْدُودَاتُ فَلَا تُدْرَكُ إلَّا بِالْحِسِّ.
وَالْعَدَدُ الْمُجَرَّدُ يُعْقَلُ بِالْقَلْبِ وَبِعَقْلِ الْقَلْبِ وَالْحِسِّ يُعْلَمُ الْعَدَدُ وَالْمَعْدُودُ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ الْمَقَادِيرُ الْهَنْدَسِيَّةُ هِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
فَالْعُلُومُ الْأَوَّلِيَّةُ الْبَدِيهِيَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الْمَحْضَةُ لَيْسَتْ إلَّا فِي الْمُقَدَّرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ كَالْعَدَدِ وَالْمِقْدَارِ لَا فِي الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ.
فَإِذَا كَانَتْ مَوَادُّ الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ لَا يُدْرَكُ بِعَامَّتِهَا إلَّا أُمُورٌ مُعَيَّنَةٌ لَيْسَتْ كُلِّيَّةً وَهِيَ الْحِسُّ الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ وَالتَّوَاتُرُ وَالتَّجْرِبَةُ وَالْحَدْسُ وَاَلَّذِي يُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ الْبَدِيهِيَّةَ الْأَوَّلِيَّةَ إنَّمَا يُدْرِكُ أُمُورًا مُقَدَّرَةً ذِهْنِيَّةً لَمْ يَكُنْ فِي مَبَادِئِ الْبُرْهَانِ وَمُقَدِّمَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ مَا يُعْلَمُ بِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ لِلْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ وَالْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إلَّا بِوَاسِطَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ.
فَامْتَنَعَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ صُورَةِ الْقِيَاسِ وَمَادَّتِهِ حُصُولُ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ.
وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
وَبِتَحْرِيرِهِ وَجَوْدَةِ تَصَوُّرِهِ تَنْفَتِحُ عُلُومٌ عَظِيمَةٌ وَمَعَارِفُ.
وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ عَلَيْهِمْ اللَّبْسُ.
فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ عَظَائِمِ الْعُلُومِ الَّتِي يَظْهَرُ لَك بِهِ مَا يَجِلُّ عَنْ الْوَصْفِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الْفِطْرِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَبَيْنَ الطَّرِيقَةِ الْقِيَاسِيَّةِ الْمَنْطِقِيَّةِ الْكَلَامِيَّةِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ لَك بِإِجْمَاعِهِمْ وَبِالْعَقْلِ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْطِقِيَّ لَا يُفِيدُ إلَّا بِوَاسِطَةِ قَضِيَّةٍ وَتَبَيَّنَ لَك أَنَّ الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ مَوَادُّ الْبُرْهَانِ وَأُصُولُهُ لَيْسَ فِيهَا قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ لِلْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مَا تُعْلَمُ بِهِ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ إلَّا الْعَقْلُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي يَعْقِلُ الْمُقَدَّرَاتِ الذِّهْنِيَّةَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أُصُولِ بُرْهَانِهِمْ عِلْمٌ بِقَضِيَّةِ عَامَّةٍ لِلْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عِلْمٌ.
وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مَا يُمْكِنُ النِّزَاعُ فِيهِ إلَّا الْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّةُ فَإِنَّ فِيهَا عُمُومًا وَقَدْ يَظُنُّ أَنَّ بِهِ تَعَلُّمَ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ فَيَفْرِضُ أَنَّهَا تُفِيدُ الْعُلُومَ الْكُلِّيَّةَ.
لَكِنَّ بَقِيَّةَ الْمَبَادِئِ لَيْسَ فِيهَا عِلْمٌ كُلِّيٌّ.
فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَجْعَلَ مُقَدِّمَةَ الْبُرْهَانِ إلَّا الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةَ الْبَدِيهِيَّةَ الْمَحْضَةَ.
إذْ هِيَ الْكُلِّيَّةُ.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْقَضَايَا فَهِيَ جُزْئِيَّةٌ فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ تُجْعَلَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِ؟ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تُعْلَمُ بِهَا أُمُورٌ جُزْئِيَّةٌ وَبِالْعَقْلِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ فَبِمَجْمُوعِهِمَا يَتِمُّ الْبُرْهَانُ كَمَا يُعْلَمُ بِالْحِسِّ أَنَّ مَعَ هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمَعَ هَذَا أَلْفَانِ وَيُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ فَيُعْلَمُ أَنَّ مَالَ هَذَا أَكْثَرُ.
فَيُقَالُ: هَذَا صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يُفِيدُ قَضِيَّةً جُزْئِيَّةً مُعَيَّنَةً.
وَهُوَ كَوْنُ مَالِ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ مَالِ هَذَا.
وَالْأُمُورُ الْجُزْئِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ لَا تَحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهَا إلَى قِيَاسٍ.
بَلْ قَدْ تُعْلَمُ بِلَا قِيَاسٍ وَتُعْلَمُ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَتُعْلَمُ بِالْقِيَاسِ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ.
فَإِنَّك تَعْلَمُ بِالْحِسِّ أَنَّ هَذَا مِثْلُ هَذَا وَتَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِنْ نَعْتِهِ كَيْت وَكَيْت فَتَعْلَمُ أَنَّ الْآخَرَ مِثْلُهُ وَتَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ قَدْ يُعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا أَكْبَرُ مِنْ عَمْرٍو وَعَمْرًا أَكْبَرُ مِنْ خَالِدٍ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي تُعْلَمُ بِدُونِ قِيَاسِ الشُّمُولِ الَّذِي اشْتَرَطُوا فِيهِ مَا اشْتَرَطُوا.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ الْمَنْطِقِيَّ الَّذِي وَضَعُوهُ وَحَدَّدُوهُ لَا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارِجِ.
فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: " إنَّهُ مِيزَانُ الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ الْبُرْهَانِيَّةِ " وَلَكِنْ يُعْلَمُ بِهِ أُمُورٌ مُعَيَّنَةٌ شَخْصِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ وَتِلْكَ تُعْلَمُ بِغَيْرِهِ أَجْوَدَ مِمَّا تُعْلَمُ بِهِ.
وَهَذَا هُوَ: الْوَجْهُ الثَّانِي فَنَقُولُ: أَمَّا الْأُمُورُ الْمَوْجُودَةُ الْمُحَقَّقَةُ فَتُعْلَمُ بِالْحِسِّ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَتُعْلَمُ بِالْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ وَتُعْلَمُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ وَلَا شُمُولٌ وَلَا عُمُومٌ بَلْ تَكُونُ الْحُدُودُ الثَّلَاثَةُ فِيهِ - الْأَصْغَرُ وَالْأَوْسَطُ وَالْأَكْبَرُ - أَعْيَانًا جُزْئِيَّةً والمقدمتان وَالنَّتِيجَةُ قَضَايَا جُزْئِيَّةً.
وَعِلْمُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ أَصَحُّ وَأَوْضَحُ وَأَكْمَلُ.
فَإِنَّ مَنْ رَأَى بِعَيْنِهِ زَيْدًا فِي مَكَانٍ وَعَمْرًا فِي مَكَانٍ آخَرَ: اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِكَوْنِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ وَكَذَلِكَ مَنْ وَزَنَ دَرَاهِمَ كُلٍّ مِنْهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْهَا بِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِلصَّنْجَةِ وَهِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالْأَشْيَاءُ الْمُسَاوِيَةُ لِشَيْءِ وَاحِدٍ مُتَسَاوِيَةٌ.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَلِهَذَا يُسَمَّى هَؤُلَاءِ " أَهْلَ كَلَامٍ " أَيْ لَمْ يُفِيدُوا عِلْمًا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا.
وَإِنَّمَا أَتَوْا بِزِيَادَةِ كَلَامٍ قَدْ لَا يُفِيدُ.
وَهُوَ مَا ضَرَبُوهُ مِنْ الْقِيَاسِ لِإِيضَاحِ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا
الْقِيَاسُ وَأَمْثَالُهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَعَ مَنْ يُنْكِرُ الْحِسَّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ أَنَّ هَذَا الدِّينَارَ مِثْلُ هَذَا وَهَذَا الدِّرْهَمَ مِثْلُ هَذَا وَأَنَّ هَذِهِ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ مِثْلُ هَذَا ثُمَّ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ أَحَدِهِمَا وَأَحْكَامِهِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ مِثْلُ الِاغْتِذَاءِ وَالِانْتِفَاعِ أَوْ الْعَادِيَّةِ مِثْلُ الْقِيمَةِ وَالسِّعْرِ أَوْ الشَّرْعِيَّةِ: مِثْلُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ - عَلِمَ أَنَّ حُكْمَ الْآخَرِ مِثْلُهُ.
فَأَقْيِسَةُ التَّمْثِيلِ تُفِيدُ الْيَقِينَ بِلَا رَيْبٍ أَعْظَمُ مِنْ أَقْيِسَةِ الشُّمُولِ وَلَا يُحْتَاجُ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّمَاثُلِ إلَى أَنْ يُضْرَبَ لَهُمَا قِيَاسُ شُمُولٍ بَلْ يَكُونُ مِنْ زِيَادَةِ الْفُضُولِ.
وَبِهَذَا الطَّرِيقِ عُرِفَتْ الْقَضَايَا الْجُزْئِيَّةُ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ قِيَاسِ شُمُولٍ يَنْعَقِدُ فِي النَّفْسِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا لَمَا كَانَ أَكْثَرِيًّا.
فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ.
فَإِنَّ النَّاسَ الْعَالِمِينَ بِمَا جَرَّبُوهُ لَا يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ هَذَا وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِمْ بِالتَّمَاثُلِ يُبَادِرُونَ إلَى التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ.
لِأَنَّ نَفْسَ الْعِلْمِ بِالتَّمَاثُلِ يُوجِبُ ذَلِكَ بِالْبَدِيهَةِ الْعَقْلِيَّةِ فَكَمَا عُلِمَ بِالْبَدِيهَةِ الْعَقْلِيَّةِ: أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ عُلِمَ بِهَا أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ
حُكْمُ مِثْلِهِ وَأَنَّ الْوَاحِدَ مِثْلُ الْوَاحِدِ كَمَا عُلِمَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُسَاوِيَةَ لِشَيْءِ وَاحِدٍ مُتَسَاوِيَةٌ.
فَالتَّمَاثُلُ وَالِاخْتِلَافُ فِي الصِّفَةِ أَوْ الْقَدْرِ قَدْ يُعْلَمُ بِالْإِحْسَاسِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَالْعِلْمُ بِأَنَّ الْمِثْلَيْنِ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْأَكْثَرَ وَالْأَكْبَرَ أَعَظْمُ وَأَرْجَحُ يُعْلَمُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ.
وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ زَيْدًا أَخُو عَمْرٍو وَعَمْرًا أَخُو بَكْرٍ فَزَيْدٌ أَخُو بَكْرٍ.
وَمِثْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ وَعُمَرُ أَفْضَلُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.
فَأَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.
وَأَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْمَدِينَةُ لَا يَجِبُ أَنْ يُحَجَّ إلَيْهَا فَبَيْتُ الْمَقْدِسِ لَا يُحَجُّ إلَيْهِ.
وَقَبْرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْقُبُورِ وَلَا يُشْرَعُ اسْتِلَامُهُ وَلَا تَقْبِيلُهُ فَقَبْرُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ لَا يُشْرَعُ اسْتِلَامُهُ وَلَا تَقْبِيلُهُ.
وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ مِلْءُ الْعَالَمِ.
وَهَذَا أَبْلَغُ فِي إفَادَةِ حُكْمِ الْمُعَيَّنِ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ.
فَدَلَالَةُ الِاسْمِ الْخَاصِّ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَبْلَغُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَامِّ أُمُورٌ أُخْرَى لَيْسَتْ فِي الْخَاصِّ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَبِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَالْأَقْيِسَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَعْظَمُ مِمَّا يُعْلَمُ أَعْيَانُهَا بِقِيَاسِ الشُّمُولِ.
فَإِذَا كَانَ قِيَاسُ الشُّمُولِ - الَّذِي حَرَّرُوهُ - لَا يُفِيدُ الْأُمُورَ الْكُلِّيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأُمُورُ الْمُعَيَّنَةُ
- كَمَا تَبَيَّنَ - لَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ أَصْلًا؛ وَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ فِي عِلْمٍ كُلِّيٍّ وَلَا عِلْمٍ مُعَيَّنٍ بَلْ صَارَ كَلَامُهُمْ فِي الْقِيَاسِ الَّذِي حَرَّرُوهُ كَالْكَلَامِ فِي الْحُدُودِ.
وَهَذَا هَذَا.
فَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ عَظِيمُ الْقَدْرِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ لَا بُدَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وَالْحِسُّ لَا يُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ وَإِنَّمَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِقِيَاسِ آخَرَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ.
فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَايَا كُلِّيَّةٍ تُعْقَلُ بِلَا قِيَاسٍ كَالْبَدِيهِيَّاتِ الَّتِي جَعَلُوهَا.
فَنَقُولُ: إذْ وَجَبَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مِنْ الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ مَا يَبْتَدِئُ فِي النُّفُوسِ وَيَبْدَهُهَا بِلَا قِيَاسٍ وَجَبَ الْجَزْمُ بِأَنَّ الْعُلُومَ الْكُلِّيَّةَ الْعَقْلِيَّةَ قَدْ تَسْتَغْنِي عَنْ الْقِيَاسِ.
وَهَذَا مِمَّا اعْتَرَفُوا بِهِ هُمْ وَجَمِيعُ بَنِي آدَمَ: أَنَّ مِنْ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ مَا هُوَ بَدِيهِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَسْبٍ بِالْحَدِّ وَالْقِيَاسِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: إذَا جَازَ هَذَا فِي عِلْمٍ كُلِّيٍّ جَازَ فِي آخَرَ إذْ لَيْسَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ ابْتِدَاءً مِنْ الْعُلُومِ الْبَدِيهِيَّةِ وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ
فَصْلٌ يَطَّرِدُ؛ بَلْ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قُوَّةِ الْعَقْلِ وَصَفَائِهِ وَكَثْرَةِ إدْرَاكِ الْجُزْئِيَّات الَّتِي تُعْلَمُ بِوَاسِطَتِهَا الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ.
فَمَا مِنْ عِلْمٍ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ إلَّا وَعِلْمُهُ يُمْكِنُ بِدُونِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ.
فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِتَوَقُّفِ شَيْءٍ مِنْ الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ: بِالْوَجْهِ الرَّابِعِ وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: هَبْ أَنَّ صُورَةَ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ وَمَادَّتَهُ تُفِيدُ عُلُومًا كُلِّيَّةً لَكِنْ مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ الْكُلِّيَّ لَا يُنَالُ حَتَّى يَقُولَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفُونَ الْقَافُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُمْ وَمَنْ قَلَّدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَعُلَمَائِهِمْ: إنَّ مَا لَيْسَ بِبَدِيهِيِّ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْحَدِّ وَالْقِيَاسِ وَعَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ.
فَالْقَائِلُ لِذَلِكَ لَمْ يَمْتَحِنْ أَحْوَالَ نَفْسِهِ.
وَلَوْ امْتَحَنَ أَحْوَالَ نَفْسِهِ لَوَجَدَ لَهُ عُلُومًا كُلِّيَّةً بِدُونِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ وَتَصَوُّرَاتٍ كَثِيرَةً بِدُونِ الْحَدِّ.
وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ بَنِي جِنْسِهِ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ - مَعَ تَفَاوُتِ فِطَرِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَمَوَاهِبِ الْحَقِّ لَهُمْ - هُمْ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَمْنَحُ أَحَدًا عِلْمًا إلَّا بِقِيَاسِ مَنْطِقِيٍّ يَنْعَقِدُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَزْعُمَ هَؤُلَاءِ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا كَذَلِكَ بَلْ صَعِدُوا إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَزَعَمُوا أَنَّ عِلْمَهُ بِأُمُورِ خَلْقِهِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ.
وَلَيْسَ مَعَهُمْ بِهَذَا النَّفْيِ الَّذِي لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ مِنْ حُجَّةٍ إلَّا عَدَمُ
الْعِلْمِ فَيَدَّعُونَ الْعِلْمَ وَقَدْ تَكَلَّمُوا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ الَّتِي تَعُمُّ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللَّهُ بِلَا عِلْمٍ لَهُمْ بِهَا أَصْلًا: وَيَزِيدُ هَذَا بَيَانًا:
الْوَجْهِ الْخَامِسِ: وَهُوَ أَنَّ الْمَبَادِئَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي جَعَلُوهَا مُفِيدَةً لِلْيَقِينِ - وَهِيَ الْحِسِّيَّاتُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ وَالْبَدِيهِيَّاتُ والتجريبيات وَالْحَدْسِيَّاتُ - لَا رَيْبَ أَنَّهَا تُفِيدُ الْيَقِينَ الْحِسِّيَّ.
فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا؟ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى النَّفْيِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُمْ: لَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِدُونِهَا.
فَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ رُءُوسِهِمْ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ وَإِيمَانٌ يَجِبُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ الْخَارِجِ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ.
وَمِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ صَارَ مُنَافِقًا وَتَزَنْدَقَ مَنْ نَافَقَ مِنْهُمْ.
وَصَارَ عِنْدَ عُقَلَاءِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الْمَنْطِقَ مَظِنَّةُ التَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ وَالْعِنَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ حَتَّى حَكَى لَنَا بَعْضُ النَّاسِ: أَنَّ شَخْصًا مِنْ الْأَعَاجِمِ جَاءَ لِيَقْرَأَ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِهِمْ مَنْطِقًا فَقَرَأَ مِنْهُ قِطْعَةً ثُمَّ قَالَ: حواجا أَيْ بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ؟ فَضَحِكُوا مِنْهُ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ: أَنَّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمَنْطِقِ وَأَهْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَادَّةٌ مِنْ دِينٍ وَعَقْلٍ يَسْتَفِيدُ بِهَا الْحَقَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِلَّا فَسَدَ عَقْلُهُ وَدِينُهُ.
وَلِهَذَا يُوجَدُ فِيهِمْ مِنْ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَفَسَادِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ لِكُلِّ نَاظِرٍ مِنْ الرِّجَالِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلُ مَنْ خَلَطَهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ.
فَإِنَّهُ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ يَقُولُونَ: الْمَنْطِقُ كَالْحِسَابِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ بِهِ صِحَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَا فَسَادُهُ وَلَا ثُبُوتُهُ وَلَا انْتِفَاؤُهُ.
فَهَذَا كَلَامُ مَنْ رَأَى ظَاهِرَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْأُمُورِ الْمُفْرَدَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى ثُمَّ عَلَى تَأْلِيفِ الْمُفْرَدَاتِ وَهُوَ الْقَضَايَا وَنَقِيضُهَا وَعَكْسُهَا الْمُسْتَوِي وَعَكْسُ النَّقِيضِ ثُمَّ عَلَى تَأْلِيفِهَا بِالْحَدِّ وَالْقِيَاسِ وَعَلَى مَوَادِّ الْقِيَاسِ وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أُمُورٍ فَاسِدَةٍ وَدَعَاوَى بَاطِلَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِاسْتِقْصَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الدَّاعِي إلَى الْهُدَى وَالرَّشَادِ وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ اتَّبَعَ هُدَاهُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي كُنْت دَائِمًا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الذَّكِيُّ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَلِيدُ.
وَلَكِنْ كُنْت أَحْسَبُ أَنَّ قَضَايَاهُ صَادِقَةٌ لِمَا رَأَيْنَا مِنْ صِدْقِ كَثِيرٍ مِنْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لِي فِيمَا بَعْدُ خَطَأُ طَائِفَةٍ مِنْ قَضَايَاهُ وَكَتَبْت فِي ذَلِكَ شَيْئًا؛ وَلَمَّا كُنْت بالإسكندرية اجْتَمَعَ بِي مَنْ رَأَيْته يُعَظِّمُ الْمُتَفَلْسِفَةَ بِالتَّهْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ فَذَكَرْت لَهُ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ التَّجْهِيلِ وَالتَّضْلِيلِ.
وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنِّي كَتَبْت فِي قَعْدَةٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْطِقِ مَا عَلَّقْته تِلْكَ السَّاعَةَ.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هِمَّتِي لِأَنَّ هِمَّتِي كَانَتْ فِيمَا كَتَبْته عَلَيْهِمْ فِي " الْإِلَهِيَّاتِ " وَتَبَيَّنَ لِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ هُوَ مِنْ أَصُوَلِ فَسَادِ قَوْلِهِمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ،
مِثْلَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَرْكِيبِ الْمَاهِيَّاتِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي سَمَّوْهَا ذَاتِيَّاتٍ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَصْرِ طُرُقِ الْعِلْمِ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُدُودِ وَالْأَقْيِسَةِ الْبُرْهَانِيَّاتِ بَلْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي بِهَا تُعْرَفُ التَّصَوُّرَاتُ.
بَلْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صُوَرِ الْقِيَاسِ وَمَوَادِّهِ الْيَقِينِيَّاتِ.
فَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَكْتُبَ مَا عَلَّقْته إذْ ذَاكَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَنْطِقِ فَأَذِنْت فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مَا فُتِحَ مِنْ بَابِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أَضْعَافَ مَا عَلَّقْته.
فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ بَنَوْا " الْمَنْطِقَ " عَلَى الْكَلَامِ فِي الْحَدِّ وَنَوْعِهِ وَالْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ وَنَوْعِهِ.
قَالُوا: لِأَنَّ الْعِلْمَ إمَّا تَصَوُّرٌ وَإِمَّا تَصْدِيقٌ فَالطَّرِيقُ الَّذِي يُنَالُ بِهِ التَّصَوُّرُ هُوَ الْحَدُّ وَالطَّرِيقُ الَّذِي يُنَالُ بِهِ التَّصْدِيقُ هُوَ الْقِيَاسُ.
فَنَقُولُ: الْكَلَامُ فِي " أَرْبَعِ مَقَامَاتٍ ": مَقَامَيْنِ سَالِبَيْنِ وَمَقَامَيْنِ مُوجَبَيْنِ.
فَالْأَوَّلَانِ أَحَدُهُمَا فِي قَوْلِهِمْ إنَّ التَّصَوُّرَ الْمَطْلُوبَ لَا يُنَالُ إلَّا بِالْحَدِّ.
والثَّانِي أَنَّ التَّصْدِيقَ الْمَطْلُوبَ لَا يُنَالُ إلَّا بِالْقِيَاسِ.
وَالْآخَرَانِ فِي أَنَّ الْحَدَّ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالتَّصَوُّرَاتِ وَأَنَّ الْقِيَاسَ أَوْ الْبُرْهَانَ الْمَوْصُوفَ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالتَّصْدِيقَاتِ.
الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فِي قَوْلِهِمْ: " إنَّ التَّصَوُّرَ لَا يُنَالُ إلَّا بِالْحَدِّ " وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: لَا رَيْبَ أَنَّ النَّافِيَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَالْمُثْبِتِ وَالْقَضِيَّةُ سَلْبِيَّةً أَوْ إيجَابِيَّةً إذَا لَمْ تَكُنْ بَدِيهِيَّةً لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ وَأَمَّا السَّلْبُ بِلَا عِلْمٍ؛ فَهُوَ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ فَقَوْلُهُمْ لَا تَحْصُلُ التَّصَوُّرَاتُ إلَّا بِالْحَدِّ قَضِيَّةٌ سَالِبَةٌ وَلَيْسَتْ بَدِيهِيَّةً فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ ذَلِكَ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَا أَسَّسُوهُ فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَوْلُ بِلَا عِلْمٍ أَسَاسًا لِمِيزَانِ الْعِلْمِ وَلِمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا آلَةٌ قَانُونِيَّةٌ تَعْصِمُ مُرَاعَاتُهَا الذِّهْنَ عَنْ أَنْ يَزِلَّ فِي فِكْرِهِ؟ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: الْحَدُّ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْمَحْدُودِ وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ هُنَا.
وَيُرَادُ بِهِ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ مُرَادُهُمْ هُنَا.
وَهُوَ تَفْصِيلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ بِالْإِجْمَالِ.
فَيُقَالُ إذَا كَانَ الْحَدُّ قَوْلَ الْحَادِّ فَالْحَادُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَرَّفَ الْمَحْدُودَ بِحَدِّ أَوْ بِغَيْرِ حَدٍّ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْكَلَامُ فِي الْحَدِّ الثَّانِي كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ بَطَلَ سَلْبُهُمْ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْحَدِّ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْأُمَمَ جَمِيعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعُلُومِ وَالْمَقَالَاتِ وَأَهْلِ الْأَعْمَالِ
وَالصِّنَاعَاتِ يَعْرِفُونَ الْأُمُورَ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَتِهَا وَيُحَقِّقُونَ مَا يُعَانُونَهُ مِنْ الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّمٍ بِحَدِّ وَلَا نَجِدُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلُومِ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْحُدُودِ: لَا أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَلَا النَّحْوِ وَلَا الطِّبِّ وَلَا الْحِسَابِ وَلَا أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ مَعَ أَنَّهُمْ يَتَصَوَّرُونَ مُفْرَدَاتِ عِلْمِهِمْ فَعُلِمَ اسْتِغْنَاءُ التَّصَوُّرِ عَنْ هَذِهِ الْحُدُودِ.
(الرَّابِعُ: إلَى السَّاعَةِ لَا يُعْلَمُ لِلنَّاسِ حَدٌّ مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَصْلِهِمْ بَلْ أَظْهَرُ الْأَشْيَاءِ الْإِنْسَانُ وَحَدُّهُ بِالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضَاتُ الْمَشْهُورَةُ.
وَكَذَا حَدُّ الشَّمْسِ وَأَمْثَالُهُ حَتَّى إنَّ النُّحَاةَ لَمَّا دَخَلَ مُتَأَخِّرُوهُمْ فِي الْحُدُودِ ذَكَرُوا لِلِاسْمِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ حَدًّا وَكُلُّهَا مُعْتَرِضَةٌ عَلَى أَصْلِهِمْ.
وَالْأُصُولِيُّونَ ذَكَرُوا لِلْقِيَاسِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ حَدًّا وَكُلُّهَا أَيْضًا مُعْتَرِضَةٌ.
وَعَامَّةُ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ وَالنُّحَاةِ وَأَهْلِ الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ مُعْتَرِضَةٌ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إلَّا الْقَلِيلُ فَلَوْ كَانَ تَصَوُّرُ الْأَشْيَاءِ مَوْقُوفًا عَلَى الْحُدُودِ وَلَمْ يَكُنْ إلَى السَّاعَةِ قَدْ تَصَوَّرَ النَّاسُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالتَّصْدِيقُ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّصَوُّرِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَصَوُّرٌ لَمْ يَحْصُلْ تَصْدِيقٌ فَلَا يَكُونُ عِنْدَ بَنِي آدَمَ عِلْمٌ مِنْ عَامَّةِ عُلُومِهِمْ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ السَّفْسَطَةِ.
(الْخَامِسُ: أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَاهِيَّةِ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَهُمْ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ الْمُؤَلَّفِ مِنْ الذَّاتِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَهَذَا الْحَدُّ إمَّا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ كَمَا قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ قَدْ تَصَوَّرَ
حَقِيقَةً مِنْ الْحَقَائِقِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا وَقَدْ تُصُوِّرَتْ الْحَقَائِقُ فَعُلِمَ اسْتِغْنَاءُ التَّصَوُّرِ عَنْ الْحَدِّ.
(السَّادِسُ: أَنَّ الْحُدُودَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا تَكُونُ لِلْحَقَائِقِ الْمُرَكَّبَةِ وَهِيَ الْأَنْوَاعُ الَّتِي لَهَا جِنْسٌ وَفَصْلٌ فَأَمَّا مَا لَا تَرْكِيبَ فِيهِ وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ مَعَ غَيْرِهِ تَحْتَ جِنْسٍ كَمَا مَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِالْعَقْلِ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَقَدْ عَرَّفُوهُ وَهُوَ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عِنْدَهُمْ فَعُلِمَ اسْتِغْنَاءُ التَّصَوُّرِ عَنْ الْحَدِّ بَلْ إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ هَذَا بِلَا حَدٍّ فَمَعْرِفَةُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْجِنْسِ وَأَشْخَاصُهَا مَشْهُورَةٌ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ التَّصْدِيقَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّصَوُّرِ التَّامِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ.
بَلْ يَكْفِي فِيهِ أَدْنَى تَصَوُّرٍ وَلَوْ بِالْخَاصَّةِ وَتَصَوُّرُ الْعَقْلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ جِنْسَ التَّصَوُّرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ.
السَّابِعُ: أَنَّ سَامِعَ الْحَدِّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا قَبْلَ ذَلِكَ بِمُفْرَدَاتِ أَلْفَاظِهِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ لَمْ يُمْكِنْهُ فَهْمُ الْكَلَامِ وَالْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ عَلَى الْمَعْنَى وَمَوْضُوعٌ لَهُ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرِ الْمَعْنَى.
وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا لِمُسَمَّى اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ قَبْلَ سَمَاعِهِ امْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَصَوُّرُهُ بِسَمَاعِهِ.
(الثَّامِنُ: إذَا كَانَ الْحَدُّ قَوْلُ الْحَادِّ فَمَعْلُومٌ أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَعَانِي
لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْأَلْفَاظِ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ يَتَصَوَّرُ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ بِدُونِ لَفْظٍ وَالْمُسْتَمِعَ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَاطَبٍ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ لَا تُتَصَوَّرُ الْمُفْرَدَاتُ إلَّا بِالْحَدِّ.
(التَّاسِعُ: أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ الْمُتَصَوَّرَةَ إمَّا أَنْ يَتَصَوَّرَهَا الْإِنْسَانُ بِحَوَاسِّهِ الظَّاهِرَةِ كَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَالْأَجْسَامِ الَّتِي تَحْمِلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ الْبَاطِنَةِ كَالْجُوعِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وَكُلُّهَا غَنِيَّةٌ عَنْ الْحَدِّ.
(الْعَاشِرُ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْمُعْتَرِضِ: أَنْ يَطْعَنَ عَلَى الْحَدِّ بِالنَّقْضِ فِي الطَّرْدِ أَوْ فِي الْمَنْعِ وَبِالْمُعَارَضَةِ بِحَدِّ آخَرَ فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَمِعُ لِلْحَدِّ يُبْطِلُهُ بِالنَّقْضِ تَارَةً وَبِالْمُعَارَضَةِ أُخْرَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ كِلَيْهِمَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ تَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ عُلِمَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الْمَحْدُودِ بِدُونِ الْحَدِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ مَا يَكُونُ بَدِيهِيًّا لَا يَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ كَوْنُ الْعِلْمِ بَدِيهِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ النَّظَرِيُّ عِنْدَ رَجُلٍ بَدِيهِيًّا عِنْدَ غَيْرِهِ لِوُصُولِهِ إلَيْهِ بِأَسْبَابِهِ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوْ قَرَائِنَ وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْإِدْرَاكِ تَفَاوُتًا لَا يَنْضَبِطُ فَقَدْ يَصِيرُ الْبَدِيهِيُّ عِنْدَ هَذَا دُونَ ذَاكَ بَدِيهِيًّا كَذَلِكَ أَيْضًا بِمِثْلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي حَصَلَتْ لِهَذَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ.
الْمَقَامُ الثَّانِي: وَهُوَ " الْحَدُّ يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْأَشْيَاءِ " فَنَقُولُ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْ النُّظَّارِ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ فَائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ كَالِاسْمِ لَيْسَ فَائِدَتُهُ تَصْوِيرَ الْمَحْدُودِ وَتَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ.
وَإِنَّمَا يَدَّعِي هَذَا أَهْلُ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيُّونَ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو؛ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
فَأَمَّا جَمَاهِيرُ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فَعَلَى خِلَافِ هَذَا.
وَإِنَّمَا أَدْخَلَ هَذَا مَنْ تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ بَعْدَ أَبِي حَامِدٍ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ وَهُمْ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقَةِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ.
وَأَمَّا سَائِرُ النُّظَّارِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ والكَرَّامِيَة وَالشِّيعَةُ وَغَيْرُهُمْ فَعِنْدَهُمْ إنَّمَا يُفِيدُ الْحَدُّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ.
وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ فورك وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ والنسفي وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ والطوسي وَمُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْصَمِ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ مِنْ صِنَاعَةِ الْحَدِّ لَا رَيْبَ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا وَضْعًا وَقَدْ كَانَتْ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ تَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ بِدُونِ هَذَا الْوَضْعِ وَعَامَّةُ الْأُمَمِ
بَعْدَهُمْ تَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ بِدُونِ وَضْعِهِمْ.
وَهُمْ إذَا تَدَبَّرُوا وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ يَعْلَمُونَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ بِدُونِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ الْوَضْعِيَّةِ.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ الْوَضْعِيَّةَ زَعَمُوا أَنَّهَا تُفِيدُ تَعْرِيفَ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِهَا وَكِلَا هَذَيْنِ غَلَطٌ وَلَمَّا رَامُوا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَبَعْضٍ إذْ جَعَلُوا التَّصَوُّرَ بِمَا جَعَلُوهُ ذَاتِيًّا فَلَا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ عِنْدَهُمْ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ حَيْثُ جَعَلُوا صِفَةً ذَاتِيَّةً دُونَ أُخْرَى مَعَ تَسَاوِيهِمَا أَوْ تَقَارُبِهِمَا وَطَلَبُ الْفِرَقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ مُمْتَنِعٌ.
وَبَيْنَ الْمُتَقَارِبَاتِ عُسْرٌ.
فَالْمَطْلُوبُ إمَّا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ.
فَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا بَطَلَ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَسِّرًا فَهُوَ بَعْدَ حُصُولِهِ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا كَانَ يُعْرَفُ قَبْلَ حُصُولِهِ فَصَارُوا بَيْنَ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِمْ مَا شَرَطُوهُ أَوْ يَنَالُوهُ وَلَا يَحْصُلَ بِهِ مَا قَصَدُوهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَيْسَ مَا وَضَعُوهُ مِنْ الْحَدِّ طَرِيقًا لِتَصَوُّرِ الْحَقَائِقِ فِي نَفْسِ مَنْ لَا يَتَصَوَّرُهَا بِدُونِ الْحَدِّ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفِيدُ مِنْ تَمْيِيزِ الْمَحْدُودِ مَا تُفِيدُهُ الْأَسْمَاءُ.
وَقَدْ تَفَطَّنَ الْفَخْرُ الرَّازِي لِمَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ وَقَرَّرَ فِي " مُحَصِّلِهِ " وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ لَا تَكُونُ مُكْتَسَبَةً.
وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِنَا: إنَّ الْحَدَّ لَا يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْمَحْدُودِ.
وَهَذَا " مَقَامٌ شَرِيفٌ " يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ فَإِنَّهُ لِسَبَبِ إهْمَالِهِ دَخَلَ الْفَسَادُ
فِي الْعُقُولِ أَوْ الْأَدْيَانِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إذْ خَلَطُوا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ فِي الْحُدُودِ بِالْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ الَّتِي عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْعُلُومِ: الطِّبِّ وَالنَّحْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَصَارُوا يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْحُدُودِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُحَقِّقُونَ لِذَلِكَ.
وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْحُدُودِ إنَّمَا هِيَ لَفْظِيَّةٌ لَا تُفِيدُ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ حُدُودِهِمْ.
وَيَسْلُكُونَ الطُّرُقَ الصَّعْبَةَ الطَّوِيلَةَ وَالْعِبَارَاتِ الْمُتَكَلَّفَةَ الْهَائِلَةَ وَلَيْسَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ إلَّا تَضْيِيعُ الزَّمَانِ وَإِتْعَابُ الْأَذْهَانِ وَكَثْرَةُ الْهَذَيَانِ.
وَدَعْوَى التَّحْقِيقِ بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَشَغْلُ النُّفُوسِ بِمَا لَا يَنْفَعُهَا بَلْ قَدْ يَصُدُّهَا عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَإِثْبَاتُ الْجَهْلِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النِّفَاقِ فِي الْقُلُوبِ وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَصْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ.
وَهَذَا مِنْ تَوَابِعِ الْكَلَامِ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَنْهَى عَنْهُ السَّلَفُ خَيْرًا وَأَحْسَنَ مِنْ هَذَا إذْ هُوَ كَلَامٌ فِي أَدِلَّةٍ وَأَحْكَامٍ.
وَلَمْ يَكُنْ قُدَمَاءُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَرْضَوْنَ أَنْ يَخُوضُوا فِي الْحُدُودِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَنْطِقِيِّينَ كَمَا جَدَّ فِي ذَلِكَ مُتَأَخِّرُوهُمْ الَّذِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ مِنْ التَّحْقِيقِ.
وَإِنَّمَا هُوَ زَيْغٌ عَنْ سَوَاءِ الطَّرِيقِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحُدُودُ وَنَحْوُهَا لَا تُفِيدُ الْإِنْسَانَ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَإِنَّ ما تُفِيدُهُ كَثْرَةُ كَلَامٍ سَمَّوْهُمْ " أَهْلَ الْكَلَامِ ". وَهَذَا لَعَمْرِي فِي الْحُدُودِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بَاطِلٌ فَأَمَّا حُدُودُ الْمَنْطِقِيِّينَ الَّتِي يَدَّعُونَ
أَنَّهُمْ يُصَوِّرُونَ بِهَا الْحَقَائِقَ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ يَجْمَعُونَ بِهَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُفِيدُ تَصْوِيرَ الْحَقَائِقِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَدَّ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْحَادِّ وَدَعْوَاهُ فَقَوْلُهُ مَثَلًا: حَدُّ الْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ قَضِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ وَمُجَرَّدُ دَعْوَى خَلِيَّةٍ عَنْ حُجَّةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُ لَهَا عَالِمًا بِصِدْقِهَا بِدُونِ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ بِهَذَا الْحَدِّ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ عِنْدَهُ فَمُجَرَّدُ قَوْلِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا دَلِيلَ مَعَهُ لَا يُفِيدُهُ الْعِلْمَ وَكَيْفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومِ فِي قَوْلِهِ؟ فَتَبَيَّنَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْحُدُودِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُفِيدُهُ مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْكَمَ أَنَّهُ هُوَ ذَلِكَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ مَثَلًا أَوْ غَيْرَهُ.
قُلْنَا: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَمُجَرَّدِ دِلَالَةِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ دَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَى مُسَمَّاهُ.
وَهَذَا تَحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ: مِنْ أَنَّ دِلَالَةَ الْحَدِّ كَدَلَالَةِ الِاسْمِ وَمُجَرَّدَ الِاسْمِ لَا يُوجِبُ تَصَوُّرَ الْمُسَمَّى لِمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ دُونَ ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ فَكَذَلِكَ الْحَدُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْحَدُّ لَا يَمْنَعُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ
إبْطَالُهُ بِالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ.
فَيُقَالُ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَادُّ قَدْ أَقَامَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْحَدِّ امْتَنَعَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُسْتَمِعُ الْمَحْدُودَ بِهِ إذَا جُوِّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ صِحَّةَ الْحَدِّ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ مُحْتَمِلٌ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ امْتَنَعَ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَوْلِهِ.
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ طُرُقٌ عَقْلِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ وَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ بِالْمُفْرِدِ أَصْلَ الْعِلْمِ بِالْمُرَكَّبِ وَيَجْعَلُونَ الْعُمْدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْحَادِّ بِلَا دَلِيلٍ وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ عَنْ أَمْرٍ عَقْلِيٍّ لَا حِسِّيٍّ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَالْخَطَأَ وَالصِّدْقَ وَالْكَذِبَ.
ثُمَّ يَعِيبُونَ عَلَى مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ عَلَى نَقْلِ الْوَاحِدِ الَّذِي مَعَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يُفِيدُ الْمُسْتَمِعَ الْعَالِمَ بِهَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ زَاعِمِينَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ لَكِنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُهُمْ فِي الْحَدِّ فَإِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا دَلِيلَ عَلَى صِدْقِهِ.
بَلْ وَلَا يُمْكِنُ عِنْدَهُمْ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ.
فَلَمْ يَكُنْ الْحَدُّ مُفِيدًا لِتَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ.
وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ قَدْ تَصَوَّرَ الْمَحْدُودَ قَبْلَ هَذَا أَوْ تَصَوَّرَهُ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ بِدُونِ الْحَدِّ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ عَلِمَ صِدْقَهُ فِي حَدِّهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ أَفَادَ التَّصَوُّرَ وَهَذَا بَيِّنٌ.
وَتَلْخِيصُهُ أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَحْدُودِ بِالْحَدِّ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِصِدْقِ قَوْلِ الْحَادِّ وَصِدْقُ قَوْلِهِ لَا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ فَلَا يُعْلَمُ الْمَحْدُودُ بِالْحَدِّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْحَدُّ مُفِيدًا لِتَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ لَمْ يَحْصُلْ
ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ دَلِيلُ التَّصَوُّرِ وَطَرِيقُهُ وَكَاشِفُهُ فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُعْلَمَ الْمُعَرَّفُ الْمَحْدُودُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمُعَرِّفِ وَالْعِلْمُ بِصِحَّةِ الْحَدِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَحْدُودِ.
إذْ الْحَدُّ خَبَرٌ عَنْ مُخْبَرٍ [عَنْهُ] 1 هُوَ الْمَحْدُودُ، فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُعْلَمَ صِحَّةُ الْخَبَرِ وَصِدْقُهُ قَبْلَ تَصَوُّرِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِلْخَبَرِ وَقَبُولِ قَوْلِهِ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِي الْعِلْمِ بِهِ الْمُخْبِرُ، وَالْمُخْبَرُ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يَحُدُّونَ الْمَحْدُودَ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الذَّاتِيَّةَ وَالْعَرَضِيَّةَ وَيُسَمُّونَهَا أَجْزَاءَ الْحَدِّ وَأَجْزَاءَ الْمَاهِيَّةِ وَالْمُقَوِّمَةَ لَهَا وَالدَّاخِلَةَ فِيهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ الْمَحْدُودَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ امْتَنَعَ تَصَوُّرُهُ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِهَا كَانَ قَدْ تَصَوَّرَهُ بِدُونِ الْحَدِّ.
فَثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ قَدْ تَصَوَّرَهُ بِالْحَدِّ وَهَذَا بَيِّنٌ.
فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: الْإِنْسَانُ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ الْإِنْسَانُ احْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَصَوِّرًا لِمُسَمَّى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ احْتَاجَ إلَى شَيْئَيْنِ: تَصَوُّرِ ذَلِكَ وَالْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ كَانَ قَدْ تَصَوَّرَ الْإِنْسَانَ بِدُونِ الْحَدِّ.
نَعَمْ الْحَدُّ قَدْ يُنَبِّهُ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ كَمَا يُنَبِّهُ الِاسْمُ؛ فَإِنَّ الذِّهْنَ قَدْ يَكُونُ غَافِلًا عَنْ الشَّيْءِ فَإِذَا سَمِعَ اسْمَهُ وَحْدَهُ أَقْبَلَ بِذِهْنِهِ إلَى الشَّيْءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالِاسْمِ أَوْ الْحَدِّ.
فَيَتَصَوَّرُهُ.
فَتَكُونُ فَائِدَةُ الْحَدِّ مِنْ جِنْسِ فَائِدَةِ الِاسْمِ وَتَكُونُ الْحُدُودُ لِلْأَنْوَاعِ بِالصِّفَاتِ كَالْحُدُودِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
لِلْأَعْيَانِ بِالْجِهَاتِ.
كَمَا إذَا قِيلَ: حَدُّ الْأَرْضِ مِنْ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ كَذَا وَمِنْ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ كَذَا مُيِّزَتْ الْأَرْضُ بِاسْمِهَا وَحَدِّهَا وَحَدُّ الْأَرْضِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا خِيفَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْمُسَمَّى أَوْ النَّقْصِ مِنْهُ فَيُفِيدُ إدْخَالَ الْمَحْدُودِ جَمِيعِهِ وَإِخْرَاجَ مَا لَيْسَ مِنْهُ كَمَا يُفِيدُ الِاسْمُ وَكَذَلِكَ حَدُّ النَّوْعِ وَهَذَا يَحْصُلُ بِالْحُدُودِ اللَّفْظِيَّةِ تَارَةً وَبِالْوَضْعِيَّةِ أُخْرَى.
وَحَقِيقَةُ الْحَدِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بَيَانُ مُسَمَّى الِاسْمِ فَقَطْ وَتَمْيِيزُ الْمَحْدُودِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لَا تَصَوُّرَ الْمَحْدُودِ.
وَإِذَا كَانَ فَائِدَةُ الْحَدِّ بَيَانَ مُسَمَّى الِاسْمِ وَالتَّسْمِيَةُ أَمْرٌ لُغَوِيٌّ وَضْعِيٌّ؛ رُجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى قَصْدِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى وَلُغَتِهِ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: مِنْ الْأَسْمَاءِ مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِالشَّرْعِ وَمِنْهَا مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِالْعُرْفِ.
وَمِنْ هَذَا " تَفْسِيرُ الْكَلَامِ وَشَرْحُهُ " إذَا أُرِيدَ بِهِ تَبْيِينُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ فَهَذَا يُبْنَى عَلَى مَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلَامِهِ؛ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ تَبْيِينُ صِحَّتِهِ وَتَقْرِيرُهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ دَلِيلٍ بِصِحَّتِهِ.
فَالْأَوَّلُ فِيهِ بَيَانُ تَصْوِيرِ كَلَامِهِ أَوْ تَصْوِيرُ كَلَامِهِ لِتَصْوِيرِ مُسَمَّيَاتِ الْأَسْمَاءِ بِالتَّرْجَمَةِ: تَارَةً لِمَنْ يَكُونُ قَدْ تَصَوَّرَ الْمُسَمَّى وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ ذَلِكَ اسْمُهُ وَتَارَةً لِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَصَوَّرَ الْمُسَمَّى فَيُشَارُ إلَى الْمُسَمَّى بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ إمَّا إلَى عَيْنِهِ وَإِمَّا إلَى نَظِيرِهِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَدُّ تَارَةً يَكُونُ لِلِاسْمِ وَتَارَةً يَكُونُ لِلْمُسَمَّى.
وَأَئِمَّةُ الْمُصَنِّفِينَ فِي صِنَاعَةِ الْحُدُودِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَنْطِقِيِّينَ يَعْتَرِفُونَ عِنْدَ
التَّحْقِيقِ بِهَذَا كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " كِتَابِ الْمِعْيَارِ " الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْمَنْطِقِ وَكَذَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ ابْنِ سِينَا وَالرَّازِيَّ وَالسُّهْرَوَرْدِي وَفِي غَيْرِهِمْ: أَنَّ الْحُدُودَ فَائِدَتُهَا مِنْ جِنْسِ فَائِدَةِ الْأَسْمَاءِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ التَّرْجَمَةِ بِلَفْظِ عَنْ لَفْظٍ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ غَرِيبِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمَا؛ بَلْ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ هُوَ فِي أَوَّلِ دَرَجَاتِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَبِذَلِكَ الْكَلَامِ.
وَهَذَا الْحَدُّ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْحُدُودِ اللَّفْظِيَّةِ مَعَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إقْرَاءِ الْعُلُومِ الْمُصَنَّفَةِ بَلْ فِي قِرَاءَةِ جَمِيعِ الْكُتُبِ؛ بَلْ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُخَاطَبَاتِ.
فَإِنَّ مَنْ قَرَأَ كُتُبَ النَّحْوِ أَوْ الطِّبِّ أَوْ غَيْرِهِمَا لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مُرَادَ أَصْحَابِهَا بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَيَعْرِفَ مُرَادَهُمْ بِالْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَرَأَ كُتُبَ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْحُدُودُ مَعْرِفَتُهَا مِنْ الدِّينِ فِي كُلِّ لَفْظٍ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مَعْرِفَتُهَا فَرْضَ عَيْنٍ وَقَدْ تَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ وَلِهَذَا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ الْحُدُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ فِيهِ مَا قَدْ يَكُونُ الِاسْمُ " غَرِيبًا " بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَمِعِ كَلَفْظِ: (ضِيزَى و (قَسْوَرَةٍ و (عَسْعَسَ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ " مَشْهُورًا " لَكِنْ لَا يُعْلَمُ حَدُّهُ بَلْ يُعْلَمُ مَعْنَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ؛ كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ
فَتَبَيَّنَ أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّيْءِ إنَّمَا هُوَ بِتَعْرِيفِ عَيْنِهِ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ فَمَنْ عَرَفَ عَيْنَ الشَّيْءِ لَا يَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَتِهِ إلَى حَدٍّ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَإِنَّمَا يَعْرِفُ بِهِ إذَا عَرَفَ مَا يُشْبِهُهُ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَيُؤَلِّفُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُشْتَبِهَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مَا يَخُصُّ الْمُعَرَّفَ وَمَنْ تَدَقَّقَ هَذَا وَجَدَ حَقِيقَتَهُ وَعَلِمَ مَعْرِفَةَ الْخَلْقِ بِمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ الْغَيْبِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ.
وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ فِي الْحَدِّ.
(الْخَامِسُ: أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ الْمُفْرَدَةَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مَطْلُوبَةً؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْحَدِّ؛ لِأَنَّ الذِّهْنَ إنْ كَانَ شَاعِرًا بِهَا امْتَنَعَ الطَّلَبُ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُمْتَنِعٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاعِرًا بِهَا امْتَنَعَ مِنْ النَّفْسِ طَلَبُ مَا لَا تَشْعُرُ بِهِ فَإِنَّ الطَّلَبَ وَالْقَصْدَ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْإِنْسَانُ يَطْلُبُ تَصَوُّرَ الْمَلَكِ وَالْجِنِّ وَالرُّوحِ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهَا.
قِيلَ: قَدْ سَمِعَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ.
فَهُوَ يَطْلُبُ تَصَوُّرَ مُسَمَّاهَا؛ كَمَا يَطْلُبُ مَنْ سَمِعَ أَلْفَاظًا لَا يَفْهَمُ مَعَانِيَهَا تَصَوُّرَ مَعَانِيَهَا.
وَهُوَ إذَا تَصَوَّرَ مُسَمَّى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مُسَمَّاةٌ بِهَذَا الِاسْمِ إذْ لَوْ تَصَوَّرَ حَقِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاسْمُ فِيهَا لَمْ يَكُنْ تَصَوَّرَ مَطْلُوبَهُ فَهُنَا الْمُتَصَوَّرُ ذَاتٌ وَأَنَّهَا مُسَمَّاةٌ بِكَذَا وَهَذَا لَيْسَ تَصَوُّرًا بِالْمَعْنَى فَقَطْ؛ بَلْ لِلْمَعْنَى وَلِاسْمِهِ.
وَهَذَا لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَكُونُ مَطْلُوبًا.
وَلَكِنْ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُفْرَدُ مَطْلُوبًا.
وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْحَدِّ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ الْمَحْدُودِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ.
وَإِذَا ثَبَتَ امْتِنَاعُ الطَّلَبِ لِلتَّصَوُّرَاتِ الْمُفْرَدَةِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً لِلْإِنْسَانِ فَلَا تَحْصُلُ بِالْحَدِّ فَلَا يُفِيدُ الْحَدُّ التَّصَوُّرَ.
وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ حَاصِلَةً فَمُجَرَّدُ الْحَدِّ لَا يُوجِبُ تَصَوُّرَ الْمُسَمَّيَاتِ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهَا وَمَتَى كَانَ لَهُ شُعُورٌ بِهَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْحَدِّ فِي ذَلِكَ الشُّعُورِ إلَّا مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْمِ.
وَالْمَقْصُودُ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ فَائِدَةِ الْحَدِّ وَفَائِدَةِ الِاسْمِ.
(السَّادِسُ) : أَنْ يُقَالَ: الْمُفِيدُ لِتَصَوُّرِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْحَدُّ الْعَامُّ الْمُؤَلَّفُ مِنْ الذَّاتِيَّاتِ؛ دُونَ الْعَرَضِيَّاتِ.
وَمَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: الذَّاتِيُّ مَا كَانَ دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ وَالْعَرَضِيُّ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْهَا.
وَقَسَّمُوهُ إلَى لَازِمٍ لِلْمَاهِيَّةِ وَلَازِمٍ لِوُجُودِهَا.
وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي ذِكْرُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ وَوُجُودِهَا ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ لَهَا وَاللَّازِمِ لَهَا.
(فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَاهِيَّةَ لَهَا حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ غَيْرَ وُجُودِهَا؛ وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ؛ وَهُوَ مِنْ أَفْسَدِ مَا يَكُونُ؛ وَأَصْلُ ضَلَالِهِمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا الشَّيْءَ قَبْلَ وُجُودِهِ يُعْلَمُ وَيُرَادُ؛ وَيُمَيَّزُ بَيْنَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَالْمَعْجُوزِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
كَمَا أَنَّا نَتَكَلَّمُ فِي حَقَائِقِ