مجموع الفتاوىصفحات 543-582

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 543-582
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

الْفَاجِرُ أَوْ مُحْتَجًّا بِالْقَدَرِ أَوْ بِذَوْقِهِ وَوَجَدَهُ مُعْرِضًا عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ الْعَابِدُ الْجَاهِلُ فَهَذَا خَارِجٌ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَهَذَا مِمَّا بَيَّنَ حَالَ كَمَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَنَّهُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ إذْ كَانُوا فِي خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ يَقُومُونَ بِالْفُرُوقِ الشَّرْعِيَّةِ فِي جَلِيلِ الْأُمُورِ وَدَقِيقِهَا مَعَ اتِّسَاعِ الْأَمْرِ وَالْوَاحِدُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْفُرُوقِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا يَخُصُّهُ كَمَا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَّبِعُ هَوَاهُ فِي أَمْرٍ قَلِيلٍ.
فَأُولَئِكَ مَعَ عَظِيمِ مَا دَخَلُوا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَهُمْ الْعِلْمُ الَّذِي يُمَيَّزُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَلَهُمْ الْقَصْدُ الْحَسَنُ الَّذِي يَفْعَلُونَ بِهِ الْحَسَنَاتِ.
وَالْكَثِيرُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْعَالِمِينَ وَالْعَابِدِينَ يَفُوتُ أَحَدَهُمْ الْعِلْمُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ حَتَّى يَظُنَّ السَّيِّئَةَ حَسَنَةً وَبِالْعَكْسِ، أَوْ يَفُوتُهُ الْقَصْدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْمَالِ حَتَّى يَتَّبِعَ هَوَاهُ فِيمَا وَضَحَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
هَذَا لَعَمْرِي إذَا كَانَ عِنْدَ الْعَالِمِ مَا هُوَ أَمْرُ الشَّارِعِ وَنَهْيُهُ حَقِيقَةً وَعِنْدَ الْعَابِدِ حُسْنُ الْقَصْدِ الْخَالِي عَنْ الْهَوَى حَقِيقَةً فَأَمَّا مَنْ خَلَطَ الشَّرْعَ الْمُنَزَّلَ بِالْمُبَدَّلِ وَالْمُؤَوَّلِ، وَخَلَطَ الْقَصْدَ الْحَسَنَ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى فَهَؤُلَاءِ

وَهَؤُلَاءِ مخلطون فِي عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ وَتَخْلِيطُ هَؤُلَاءِ فِي الْعِلْمِ سِوَى تَخْلِيطِهِمْ وَتَخْلِيطِ غَيْرِهِمْ فِي الْقَصْدِ، وَتَخْلِيطُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَصْدِ سِوَى تَخْلِيطِهِمْ وَتَخْلِيطِ غَيْرِهِمْ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَ " حُسْنُ الْقَصْدِ " مِنْ أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى نَيْلِ الْعِلْمِ وَدَرْكِهِ.
وَ " الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ " مِنْ أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَإِنَّ الْعِلْمَ قَائِدٌ وَالْعَمَلَ سَائِقٌ، وَالنَّفْسَ حَرُونٌ فَإِنْ وَنَى قَائِدُهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لِسَائِقِهَا وَإِنْ وَنَى سَائِقُهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لِقَائِدِهَا فَإِذَا ضَعُفَ الْعِلْمُ حَارَ السَّالِكُ وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَسْلُكُ فَغَايَتُهُ أَنْ يستطرح لِلْقَدَرِ وَإِذَا تَرَكَ الْعَمَلَ حَارَ السَّالِكُ عَنْ الطَّرِيقِ فَسَلَكَ غَيْرَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ تَرَكَهُ فَهَذَا حَائِرٌ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ مَعَ كَثْرَةِ سَيْرِهِ وَهَذَا حَائِرٌ عَنْ الطَّرِيقِ زَائِغٌ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . هَذَا جَاهِلٌ وَهَذَا ظَالِمٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ . مَعَ أَنَّ الْجَهْلَ وَالظُّلْمَ مُتَقَارِبَانِ لَكِنَّ الْجَاهِلَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ ظَالِمٌ وَالظَّالِمُ جَهِلَ الْحَقِيقَةَ الْمَانِعَةَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَقَالُوا: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ

فَهُوَ جَاهِلٌ وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ.
وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ التيمي قَالَ: " الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ " فَعَالِمٌ بِاَللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِاَللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاَللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ.
فَالْعَالِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي يَخْشَاهُ وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّه الَّذِي يَعْرِفُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
قُلْت: وَالْخَشْيَةُ تَمْنَعُ اتِّبَاعَ الْهَوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ . وَالْكَمَالُ فِي عَدَمِ الْهَوَى وَفِي الْعِلْمِ هُوَ لِخَاتَمِ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فَنَفَى عَنْهُ الضَّلَالَ وَالْغَيَّ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى فَنَفَى الْهَوَى وَأَثْبَتَ الْعِلْمَ الْكَامِلَ وَهُوَ الْوَحْيُ فَهَذَا كَمَالُ الْعِلْمِ وَذَاكَ كَمَالُ الْقَصْدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَوَصَفَ أَعْدَاءَهُ بِضِدِّ هَذَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ فَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ لِلْإِنْسَانِ هُوَ تَكْمِيلُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ عِلْمًا وَقَصْدًا.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ

الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ . قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . وَ " عِبَادَتُهُ " طَاعَةُ أَمْرِهِ، وَأَمْرُهُ لَنَا مَا بَلَّغَهُ الرَّسُولُ عَنْهُ؛ فَالْكَمَالُ فِي كَمَالِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَمَنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَتَرَكَ هَوَاهُ وَاسْتَسْلَمَ لِلْقَدَرِ أَوْ اجْتَهَدَ فِي الطَّاعَةِ فَأَخْطَأَ، فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ إلَى مَا اعْتَقَدَهُ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ فَتَوَقَّفَ عَمَّا هُوَ طَاعَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهَؤُلَاءِ مُطِيعُونَ لِلَّهِ مُثَابُونَ عَلَى مَا أَحْسَنُوهُ مِنْ الْقَصْدِ لِلَّهِ وَاسْتَفْرَغُوهُ مِنْ وُسْعِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا عَجَزُوا عَنْ عِلْمِهِ فَأَخْطَئُوهُ إلَى غَيْرِهِ فَمَغْفُورٌ لَهُمْ.
وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ فِتَنٍ تَقَعُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فَإِنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ أُمُورًا هُمْ مُجْتَهِدُونَ فِيهَا وَقَدْ أَخْطَئُوا فَتَبْلُغُ أَقْوَامًا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا فِيهَا الذَّنْبَ أَوْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَا يُعْذَرُونَ بِالْخَطَأِ وَهُمْ أَيْضًا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ فَيَكُونُ هَذَا مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي فِعْلِهِ وَهَذَا مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا

فِي إنْكَارِهِ وَالْكُلُّ مَغْفُورٌ لَهُمْ.
وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُذْنِبًا كَمَا قَدْ يَكُونَانِ جَمِيعًا مُذْنِبِينَ.
وَخَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ يُعْطَى طَرَفًا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
فَيُوَلِّي وَيَعْزِلُ وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا كَمَالٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَمَالًا إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ فَيَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُلْكِ وَأَفْعَالِ الْمُلْكِ: إمَّا ذَنَبٌ وَإِمَّا عَفْوٌ وَإِمَّا طَاعَةٌ.
فَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَفْعَالُهُمْ طَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ وَهُمْ أَتْبَاعُ الْعَبْدِ الرَّسُولِ.
وَهِيَ طَرِيقَةُ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ.
وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ فَإِمَّا طَاعَةٌ وَإِمَّا عَفْوٌ؛ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُلُوكِ؛ وَطَرِيقَةُ الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ: فَتَتَضَمَّنُ الْمَعَاصِيَ؛ وَهِيَ طَرِيقَةُ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فَلَا يَخْرُجُ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَكُونَ

مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ: إمَّا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَإِمَّا مُقْتَصِدٌ وَإِمَّا سَابِقٌ بِالْخَيِّرَاتِ.
وَ " خَوَارِقُ الْعَادَاتِ " إمَّا مُكَاشَفَةٌ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ الْخَارِقِ وَإِمَّا تَصَرُّفٌ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ الْقُدْرَةِ الْخَارِقَةِ؛ وَأَصْحَابُهَا لَا يَخْرُجُونَ عَنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَصْلٌ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ النَّحَّاسِ؛ وأظني سَمِعْتهَا مِنْهُ أَنَّهُ رَأَى الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ فِي مَنَامِهِ وَهُوَ يَقُولُ: إخْبَارًا عَنْ الْحَقِّ تَعَالَى: " مَنْ جَاءَنَا تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ الْبَعِيدِ وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِنَا أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وَمَنْ اتَّبَعَ مُرَادَنَا أَرَدْنَا مَا يُرِيدُ وَمَنْ تَرَكَ مِنْ أَجْلِنَا أَعْطَيْنَاهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ ". قُلْت: هَذَا مِنْ جِهَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
فَالْأُولَيَانِ: الْعِبَادَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ.
وَالْآخِرَتَانِ: الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ.
فَالذَّهَابُ إلَى اللَّهِ هِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: " ﴿مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً﴾ ". وَالتَّقَرُّبُ بِحَوْلِهِ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا

قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَفِي الْأَثَرِ: " ﴿مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ". وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " التَّوَكُّلُ جِمَاعُ الْإِيمَانِ " وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وَهَذَا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ - بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا - سَبَبٌ لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فَإِنَّهُ يُفِيدُ قُوَّةَ الْعَبْدِ وَتَصْرِيفَ الْكَوْنِ وَلِهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى ذَوِي الْأَحْوَالِ متشرعهم وَغَيْرِ متشرعهم وَبِهِ يَتَصَرَّفُونَ وَيُؤْثِرُونَ " تَارَةً " بِمَا يُوَافِقُ الْأَمْرَ.
و " تَارَةً " بِمَا يُخَالِفُهُ.
وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ اتَّبَعَ مُرَادَنَا " يَعْنِي الْمُرَادَ الشَّرْعِيَّ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ هَذَا هُوَ طَاعَةُ أَمْرِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " ﴿وَأَنْتَ يَا عُمَرُ لَوْ أَطَعْت اللَّهَ لَأَطَاعَك﴾ ". وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " ﴿وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ﴾ " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ تَرَكَ مِنْ أَجْلِنَا أَعْطَيْنَا فَوْقَ الْمَزِيدِ " يَعْنِي تَرَكَ مَا كَرِهَ اللَّهُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِأَجْلِ اللَّهِ: رَجَاءً وَمَحَبَّةً وَخَشْيَةً أَعْطَيْنَاهُ.
فَوْقَ الْمَزِيدِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَقَامَ الصَّبْرِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .

سُئِلَ عَنْ: " إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ " و " قُوتِ الْقُلُوبِ " إلَخْ فَأَجَابَ: أَمَّا (كِتَابُ قُوتِ الْقُلُوبِ) و (كِتَابُ الْإِحْيَاءِ) تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَذْكُرُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ: مِثْلَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالْحُبِّ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّوْحِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَبُو طَالِبٍ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ، وَالْأَثَرِ وَكَلَامِ أَهْلِ عُلُومِ الْقُلُوبِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَكَلَامُهُ أَسَدُّ وَأَجْوَدُ تَحْقِيقًا وَأَبْعَدُ عَنْ الْبِدْعَةِ مَعَ أَنَّ فِي " قُوتِ الْقُلُوبِ " أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً وَمَوْضُوعَةً وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَرْدُودَةً.
وَأَمَّا مَا فِي (الْإِحْيَاءِ) مِنْ الْكَلَامِ فِي " الْمُهْلِكَاتِ " مِثْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَغَالِبُهُ مَنْقُولٌ مِنْ كَلَامِ الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ فِي الرِّعَايَةِ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَقْبُولٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَرْدُودٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَنَازَعٌ فِيهِ.
و " الْإِحْيَاءُ " فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ؛ لَكِنْ فِيهِ مَوَادُّ مَذْمُومَةٌ فَإِنَّهُ فِيهِ مَوَادُّ فَاسِدَةٌ مِنْ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ تَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ فَإِذَا

ذَكَرَ مَعَارِفَ الصُّوفِيَّةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ عَدُوًّا لِلْمُسْلِمِينَ أَلْبَسَهُ ثِيَابَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى " أَبِي حَامِدٍ " هَذَا فِي كُتُبِهِ.
وَقَالُوا: مَرَّضَهُ " الشِّفَاءُ " يَعْنِي شِفَاءَ ابْنِ سِينَا فِي الْفَلْسَفَةِ.
وَفِيهِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ ضَعِيفَةٌ؛ بَلْ مَوْضُوعَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَغَالِيطِ الصُّوفِيَّةِ وَتُرَّهَاتِهِمْ.
وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ الْمُسْتَقِيمِينَ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْأَدَبِ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا يَرِدُ مِنْهُ فَلِهَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ اجْتِهَادُ النَّاسِ وَتَنَازَعُوا فِيهِ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: فَصْلٌ: قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَآثَارُ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى " جِنْسِ الْمَشْرُوعِ الْمُسْتَحَبِّ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ " كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَاتِبَ الْأَذْكَارِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: ﴿أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ - وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ - سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت﴾ . وَفِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: ﴿سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ﴾ . وَفِي " كِتَابِ الذِّكْرِ " لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ

لِلَّهِ} . وَفِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَفِي السُّنَنِ ﴿حَدِيثُ الَّذِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي فِي صَلَاتِي فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ﴾ . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ انْتَقَلَ إلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ.
وَفَضَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ الْجِنْسِ أَوْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَوْ عَنْ صِفَتِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فَلَا يُدْعَى إلَّا بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
وَمِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ: مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ.
وَمِثْلَ ﴿قَوْلِ بَعْضِ الْأَعْرَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَشْفِعُ به على أحد من خلقه﴾ وَمِثْلَ مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ:

السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ﴾ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ " السَّلَامَ " إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ هُوَ " السَّلَامُ " فَالسَّلَامُ يُطْلَبُ مِنْهُ لَا يَطْلُبُ لَهُ.
بَلْ يُثْنَى عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ فَيُقَالُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ.
فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ يُثْنَى عَلَيْهِ وَيُطْلَبُ مِنْهُ وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ فَيَطْلُبُ لَهُ.
فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ وَالرِّزْقُ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُرْتَزِقُ؛ فَالْإِنْسَانُ يُرْزَقُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَاللِّبَاسَ، وَمَا يَنْتَفِعُ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَشَمِّهِ؛ وَيُرْزَقُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَاطِنُهُ مِنْ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ وَفَرَحٍ وَسُرُورٍ وَقُوَّةٍ وَنُورٍ وَتَأْيِيدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا يُرِيدُ مِنْ الْخَلْقِ مِنْ رِزْقٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَبْلُغُوا ضُرَّهُ فَيَضُرُّوهُ وَلَنْ يَبْلُغُوا نَفْعَهُ فَيَنْفَعُوهُ؛ بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ.
و ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وَهُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وَكَذَلِك

َ الدُّعَاءُ الْمَكْرُوهُ

مِثْلُ الدُّعَاءِ بِبَغْيٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ دُعَاءِ مَنَازِلِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ دُعَاءِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: اللَّهُمَّ مَا كُنْت مُعَذِّبِي بِهِ فِي

الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُصَابِينَ بِمَيِّتِ لَمَّا صَاحُوا: ﴿لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرِ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ﴾ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى.
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا اسْتِيعَابَهُ.
وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى جِنْسِ الْمَكْرُوهِ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَسْتَحِبَّ مِنْ الذِّكْرِ إلَّا مَا كَانَ كَلَامًا تَامًّا مُفِيدًا مِثْلَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَمِثْلَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَمِثْلَ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ " وَمِثْلَ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " وَمِثْلَ ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ . فَأَمَّا " الِاسْمُ الْمُفْرَدُ " مُظْهَرًا مِثْلَ: " اللَّهُ " " اللَّهُ ". أَوْ " مُضْمَرًا " مِثْلَ " هُوَ " " هُوَ ". فَهَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَلَا هُوَ مَأْثُورٌ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا عَنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَإِنَّمَا لَهِجَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ ضُلَّالِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَرُبَّمَا اتَّبَعُوا فِيهِ حَالَ شَيْخٍ مَغْلُوبٍ فِيهِ مِثْلَمَا يُرْوَى عَنْ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُ اللَّهُ ". فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَا تَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟

فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
وَهَذِهِ مِنْ زَلَّاتِ الشِّبْلِيِّ الَّتِي تُغْفَرُ لَهُ لِصِدْقِ إيمَانِهِ وَقُوَّةِ وَجْدِهِ وَغَلَبَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا يُجَنُّ وَيُذْهَبُ بِهِ إلَى الْمَارَسْتَانِ وَيَحْلِقُ لِحْيَتَهُ.
وَلَهُ أَشْيَاءُ مِنْ هَذَا النَّمَطِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا؛ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا أَوْ مَأْجُورًا فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَمَاتَ قَبْلَ كَمَالِهَا لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ شَيْئًا.
إذْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ بَلْ يُكْتَبُ لَهُ مَا نَوَاهُ.
وَرُبَّمَا غَلَا بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلُوا ذِكْرَ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ لِلْخَاصَّةِ وَذِكْرَ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ لِلْعَامَّةِ.
وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لِلْمُؤْمِنِينَ و " اللَّهُ " لِلْعَارِفِينَ و " هُوَ " لِلْمُحَقِّقِينَ وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ أَحَدُهُمْ فِي خَلْوَتِهِ أَوْ فِي جَمَاعَتِهِ عَلَى " اللَّهُ اللَّهُ اللَّهُ " أَوْ عَلَى " هُوَ " أَوْ " يَا هُوَ " أَوْ " لَا هُوَ إلَّا هُوَ ". وَرُبَّمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي الطَّرِيقِ تَعْظِيمَ ذَلِكَ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ تَارَةً بِوَجْدِ وَتَارَةً بِرَأْيٍ وَتَارَةً بِنَقْلِ مَكْذُوبٍ.
كَمَا يَرْوِي بَعْضُهُمْ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَّنَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ اللَّهُ اللَّهُ﴾ . فَقَالَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا.
ثُمَّ أَمَرَ عَلِيًّا فَقَالَهَا ثَلَاثًا.
وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.

وَإِنَّمَا كَانَ تَلْقِينُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلذِّكْرِ الْمَأْثُورِ عَنْهُ وَرَأْسُ الذِّكْرِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي عَرَضَهَا عَلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ الْمَوْتِ.
﴿وَقَالَ: يَا عَمِّ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿إنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إلَّا وَجَدَ رُوحَهُ لَهَا رُوحًا﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ﴾ وَقَالَ: ﴿أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ﴾ وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ كَتَبْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ " الْقَوَاعِدِ " بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَاتَيْنِ " الْكَلِمَتَيْنِ " الْعَظِيمَتَيْنِ الْجَامِعَتَيْنِ الْفَارِقَتَيْنِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
فَأَمَّا ذِكْرُ " الِاسْمِ الْمُفْرَدِ " فَلَمْ يُشْرَعْ بِحَالِ وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ.
وَأَمَّا مَا يَتَوَهَّمُهُ طَائِفَة مِنْ غَالِطِي الْمُتَعَبِّدِينَ فِي قَوْله تَعَالَى {قُلِ

اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} وَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّ الْمُرَادَ قَوْلُ هَذَا الِاسْمِ فَخَطَأٌ وَاضِحٌ؛ وَلَوْ تَدَبَّرُوا مَا قَبْلَ هَذَا تَبَيَّنَ مُرَادُ الْآيَةِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ . أَيْ: قُلْ: اللَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى.
فَهَذَا كَلَامٌ تَامٌّ وَجُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ حُذِفَ الْخَبَرُ مِنْهَا لِدَلَالَةِ السُّؤَالِ عَلَى الْجَوَابِ.
وَهَذَا قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ فِي مِثْلِ هَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ الْآيَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ وَكَذَلِكَ؟ مَا بَعْدَهَا وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو.
وَتَقُولُ فِي الْكَلَامِ مَنْ جَاءَ؟ فَتَقُولُ: زَيْدٌ.
وَمَنْ أَكَرَمْت؟ فَتَقُولُ: زَيْدًا.
وَبِمَنْ مَرَرْت؟ فَتَقُولُ: بِزَيْدِ.
فَيَذْكُرُونَ الِاسْمَ الَّذِي هُوَ جَوَابُ مَنْ؛ وَيَحْذِفُونَ الْمُتَّصِلَ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مَرَّةً فَيَكْرَهُونَ تَكْرِيرَهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةِ بَيَانٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّطْوِيلِ وَالتَّكْرِيرِ.

وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا قَالَهُ: لِي مَرَّةً شَخْصٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الغالطين فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ﴾ قَالَ الْمَعْنَى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ (هُوَ أَيْ اسْمُ " هُوَ " الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: " هُوَ هُوَ " وَصَنَّفَ ابْنُ عَرَبِيٍّ كِتَابًا فِي " الهو " فَقُلْت لَهُ - وَأَنَا إذْ ذَاكَ صَغِيرٌ جِدًّا - لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ: لَكُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ مَفْصُولَةً تَأْوِيلُ هُوَ وَلَمْ تُكْتَبْ مَوْصُولَةً وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالَهُ هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ.
وَإِنَّمَا كَثِيرٌ مِنْ غَالِطِي الْمُتَصَوِّفَةِ لَهُمْ مِثْلُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّة.
وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي يَعْنُونَهُ صَحِيحًا؛ لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَلَيْسَ هُوَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ وَقَدْ لَا يَكُونُ صَحِيحًا.
فَيَقَعَ الْغَلَطُ " تَارَةً " فِي الْحُكْمِ و " تَارَةً " فِي الدَّلِيلِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ أَيْ: أَنْ رَأَى رَبَّهُ اسْتَغْنَى وَالْمَعْنَى إنَّهُ لَيَطْغَى أَنْ رَأَى نَفْسَهُ اسْتَغْنَى، وَكَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: " فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ": يَعْنِي فَإِنْ فَنِيَتْ عَنْك رَأَيْت رَبَّك.
وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَقِيلَ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَهُ.
وَقَدْ قِيلَ: " تَرَاهُ " ثُمَّ كَيْفَ يَصْنَعُ بِجَوَابِ الشَّرْطِ؟ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاك؛ ثُمَّ إنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمْ الْبَاطِلِ تَكُونُ كَانَ تَامَّةً.
فَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ: أَيْ لَمْ تَقَعْ وَلَمْ تَحْصُلْ.
وَهَذَا تَقْدِيرٌ مُحَالٌ فَإِنَّ الْعَبْدَ كَائِنٌ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومِ.
وَلَوْ أُرِيدُ فَنَاؤُهُ عَنْ هَوَاهُ أَوْ فَنَاءِ شُهُودِهِ لِلْأَغْيَارِ لَمْ يُعَبِّرْ بِنَفْيِ كَوْنِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِحَالٌ.
وَمَتَى كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً فَقَدْ يُسَمَّى ذَلِكَ " إشَارَةً "

وَقَدْ أَوْدَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي " حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ " مِنْ هَذَا قِطْعَةً.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْآنَ الْكَلَامَ فِي هَذَا فَإِنَّهُ بَابٌ آخَرُ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بَيَانُ حُكْمِ ذِكْرِ الِاسْمِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ تَامٍّ وَقَدْ ظَهَرَ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ.
وَكَذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الذَّوْقِيَّةِ؛ فَإِنَّ الِاسْمَ وَحْدَهُ لَا يُعْطِي إيمَانًا وَلَا كُفْرًا وَلَا هُدًى وَلَا ضَلَالًا وَلَا عِلْمًا وَلَا جَهْلًا وَقَدْ يَذْكُرُ الذَّاكِرُ اسْمَ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ فِرْعَوْنَ مِنْ الْفَرَاعِنَةِ أَوْ صَنَمٍ مِنْ الْأَصْنَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ اسْمِهِ حُكْمٌ إلَّا أَنْ يَقْرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ أَوْ حُبٍّ أَوْ بُغْضٍ وَقَدْ يَذْكُرُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ.
وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَسَائِر اللُّغَاتِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ وَحْدَهُ لَا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ؛ وَلَا هُوَ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ؛ وَلَا كَلَامًا مُفِيدًا وَلِهَذَا سَمِعَ بَعْضُ الْعَرَبِ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: فَعَلَ مَاذَا فَإِنَّهُ لَمَّا نَصَبَ الِاسْمَ صَارَ صِفَةً وَالصِّفَةُ مِنْ تَمَامِ الِاسْمِ الْمَوْصُوفِ فَطَلَبَ بِصِحَّةِ طَبْعِهِ الْخَبَرَ الْمُفِيدَ؛ وَلَكِنَّ الْمُؤَذِّنَ قَصَدَ الْخَبَرَ وَلَحَنَ.

وَلَوْ كَرَّرَ الْإِنْسَانُ اسْمَ " اللَّهِ " أَلْفَ أَلْفَ مَرَّةٍ لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا وَلَمْ يَسْتَحِقَّ ثَوَابَ اللَّهِ وَلَا جَنَّتَهُ؛ فَإِنَّ الْكُفَّارَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ يَذْكُرُونَ الِاسْمَ مُفْرَدًا سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِهِ وَبِوَحْدَانِيَّتِه أَمْ لَا؛ حَتَّى إنَّهُ لَمَّا أَمَرَنَا بِذِكْرِ اسْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ: كَانَ ذِكْرُ اسْمِهِ بِكَلَامِ تَامٍّ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَسُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَشْرَعْ ذِكْرَ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ قَطُّ وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ امْتِثَالُ أَمْرٍ وَلَا [حِلُّ صَيْدٍ] 1 وَلَا ذَبِيحَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالذَّاكِرُ أَوْ السَّامِعُ لِلِاسْمِ الْمُجَرَّدِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ وَجْدُ مُحِبَّةٍ وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قُلْت: نَعَمْ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْدِ الْمَشْرُوعِ وَالْحَالِ الْإِيمَانِيِّ لَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْمِ مُسْتَحَبٌّ وَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ حَرَّكَ سَاكِنَ الْقَلْبِ وَقَدْ يَتَحَرَّكُ السَّاكِنُ بِسَمَاعِ ذِكْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ حَتَّى قَدْ يَسْمَعُ الْمُسْلِمُ مَنْ يُشْرِكُ بِاَللَّهِ؛ أَوْ يَسُبّهُ فَيَثُورُ فِي قَلْبِهِ حَالُ وَجْدٍ وَمَحَبَّةٍ لِلَّهِ بِقُوَّةِ نَفْرَتِهِ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

وَبُغْضِهِ لِمَا سَمِعَهُ.
وَقَدْ قَالَ الصَّحَابَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يَحْتَرِقَ حَتَّى يَصِيرَ حُمَمَةً أَوْ يَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ.
قَالَ: أو قَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ﴾ فَالشَّيْطَانُ لَمَّا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ وَسُوسَةً مَذْمُومَةً تَحَرَّكَ الْإِيمَانُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ بِالْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ وَالِاسْتِعْظَامِ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ؛ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الَّذِي هُوَ الْوَسْوَسَةُ مَأْمُورًا بِهِ.
وَالْعَبْدُ أَيْضًا قَدْ يَدْعُوهُ دَاعٍ إلَى الْكُفْرِ أَوْ الْمَعْصِيَةِ فَيَسْتَعْصِمُ وَيَمْتَنِعُ وَيُورِثُهُ ذَلِكَ إيمَانًا وَتَقْوَى؛ وَلَيْسَ السَّبَبُ مَأْمُورًا بِهِ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الْآيَةَ.
فَهَذَا الْإِيمَانُ الزَّائِدُ وَالتَّوَكُّلُ كَانَ سَبَبَ تَخْوِيفِهِمْ بِالْعَدُوِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا بَلْ الْعَبْدُ يَفْعَلُ ذَنْبًا فَيُورِثُهُ ذَلِكَ تَوْبَةً يُحِبُّهُ اللَّهُ بِهَا وَلَا يَكُونُ الذَّنْبُ مَأْمُورًا بِهِ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا.
فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ السَّبَبِ مُوجِبًا لِلْخَيْرِ وَمُقْتَضِيًا وَبَيْنَ

أَنْ لَا يَكُونَ؛ وَإِنَّمَا نَشَأَ الْخَيْرُ مِنْ الْمَحَلِّ.
فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ هِيَ مُوجِبَةٌ لِلْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالثَّوَابِ.
وَإِذَا اقْتَرَنَ بِهَا قُوَّةُ إيمَانِ الْعَبْدِ وَمَا يَجِدُهُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَتَذَوُّقِهِ مِنْ طَعْمِهِ تَضَاعَفَ الْخَيْرُ وَالرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ وَمَا لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ: إمَّا مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ: مُحَرَّمِهِ وَمَكْرُوهِهِ وَمُبَاحِهِ.
وَإِمَّا مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ مَعَهُ: مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَإِمَّا مِنْ الْحَوَادِثِ السمائية الَّتِي يُصِيبُهُ بِهَا الرَّبُّ إذَا صَادَفَتْ مِنْهُ إيمَانًا وَيَقِينًا فَحَرَّكَتْ ذَلِكَ الْإِيمَانَ وَالْيَقِينَ وَازْدَادَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ إيمَانًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ أَنْ تُحَبَّ تِلْكَ الْأَسْبَابُ أَوْ تُحْمَدَ أَوْ يُؤْمَرَ بِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُقْتَضِيَةً لِذَلِكَ الْخَيْرِ وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهَا تَحْرِيكُ السَّاكِنِ وَطَالَ مَا جَرَتْ إلَى شَرٍّ وَضَرَرٍ.
وَيُشْبِهُ هَذَا الْبَابُ ذِكْرَ الْحُبِّ الْمُطْلَقِ وَالشَّوْقِ الْمُطْلَقِ وَالْوَجَلِ الْمُطْلَقِ وَمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْمُجْمَلِ أَيْضًا: يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلِذَلِكَ لَمَّ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْبِرِّ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ شِعْرَ الْمُحِبِّينَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مُحِبِّ الْإِيمَانِ وَمُحِبِّ الْأَوْثَانِ وَمُحِبِّ النِّسْوَانِ وَمُحِبِّ المردان وَمُحِبِّ الْأَوْطَانِ وَمُحِبِّ الْأَخْدَانِ.

فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ ذِكْرَ الْخَاصَّةِ.
وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ " الِاسْمِ الْمُضْمَرِ " وَهُوَ: " هُوَ ". فَإِنَّ هَذَا بِنَفْسِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يُفَسِّرُهُ مِنْ مَذْكُورٍ أَوْ مَعْلُومٍ فَيَبْقَى مَعْنَاهُ بِحَسَبِ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَنِيَّتِهِ؛ وَلِهَذَا قَدْ يَذْكُرُ بِهِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَقَّ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ.
وَقَدْ يَقُولُ: " لَا هُوَ إلَّا هُوَ " وَيَسْرِي قَلْبُهُ فِي " وَحْدَةِ الْوُجُودِ " وَمَذْهَبُ فِرْعَوْنَ والْإِسْمَاعِيلِيَّة وَزَنَادِقَةِ هَؤُلَاءِ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِحَيْثُ يَكُونُ قَوْلُهُ " هُوَ " كَقَوْلِهِ: " وُجُودُهُ ". وَقَدْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: " لَا هُوَ إلَّا هُوَ " أَيْ: أَنَّهُ هُوَ الْوُجُودُ وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ خَلْقٌ أَصْلًا، وَأَنَّ الرَّبَّ وَالْعَبْدَ وَالْحَقَّ وَالْخَلْقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
كَمَا بَيَّنْتُهُ مِنْ مَذْهَبِ " الِاتِّحَادِيَّةِ " فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَحْوَالِ الْفَاسِدَةِ الْخُرُوجُ عَنْ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ إلَيْنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنَّ الْبِدَعَ هِيَ: مَبَادِئُ الْكُفْرِ وَمَظَانُّ الْكُفْرِ.
كَمَا أَنَّ السُّنَنَ الْمَشْرُوعَةَ هِيَ: مَظَاهِرُ الْإِيمَانِ وَمُقَوِّيَةٌ لِلْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ.
كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ زِيَادَتِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا﴾

وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الذِّكْرُ مَشْرُوعًا.
فَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ؟ قُلْت: أَمَّا فِي حَقِّ الْمَغْلُوبِ فَلَا يُوصَفُ بِكَرَاهَةِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلْقَلْبِ أَحْوَالٌ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِيهَا نُطْقُ اللِّسَانِ مَعَ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِأَحْوَالِ الْإِيمَانِ وَرُبَّمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ ذِكْرُ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ دُونَ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ وَهَؤُلَاءِ يَأْتُونَ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ أَحْوَالِ الْإِيمَانِ وَمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نُطْقِ اللِّسَانِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ فِي الذِّكْرِ أَرْبَعُ طَبَقَاتٍ: (إحْدَاهَا) الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ.
(الثَّانِي) الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ مَعَ عَجْزِ اللِّسَانِ فَحَسَنٌ وَإِنْ كَانَ مَعَ قُدْرَتِهِ فَتَرْكٌ لِلْأَفْضَلِ.
(الثَّالِثُ) الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَهُوَ كَوْنُ لِسَانِهِ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ وَفِيهِ حِكَايَةُ الَّتِي لَمْ تَجِدْ الْمَلَائِكَةُ فِيهِ خَيْرًا إلَّا حَرَكَةَ لِسَانِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ.
وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ﴾ . (الرَّابِعُ) عَدَمُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ حَالُ الْخَاسِرِينَ.

وَأَمَّا مَعَ تَيَسُّرِ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ مُكَرَّرًا بِدْعَةٌ وَالْأَصْلُ فِي الْبِدَعِ الْكَرَاهَةُ.
وَمَا نُقِلَ عَنْ " أَبِي يَزِيدَ " و " النُّورِيِّ " و " الشِّبْلِيِّ " وَغَيْرِهِمْ: مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ فَإِنَّ أَحْوَالَهُمْ تَشْهَدُ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْمَشَايِخَ الَّذِينَ هُمْ أَصَحُّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَكْمَلُ لَمْ يَذْكُرُوا إلَّا الْكَلِمَةَ التَّامَّةَ وَعِنْدَ التَّنَازُعِ يَجِبُ الرَّدُّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَلَيْسَ فِعْلُ غَيْرِ الرَّسُولِ حُجَّةً عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:

فَصْلٌ: فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: فِي " الزُّهْدِ " و " الْعِبَادَةِ " و " الْوَرَعِ "

فِي تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشَّهَوَاتِ و " الِاقْتِصَادِ " فِي الْعِبَادَةِ.
وَأَنَّ لُزُومَ السُّنَّةِ هُوَ يَحْفَظُ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ بِدُونِ الطُّرُقِ الْمُبْتَدَعَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَهَا لَا بُدَّ أَنْ يَقَعُوا فِي الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَإِنْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ أَصْحَابُ الْبِدَعِ أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ السُّنَّةِ عِلْمٌ وَعَدْلٌ وَهُدًى؛ وَفِي الْبِدْعَةِ جَهْلٌ وَظُلْمٌ وَفِيهَا اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ.
و " الرَّسُولُ " مَا ضَلَّ وَمَا غَوَى و " الضَّلَالُ " مَقْرُونٌ بِالْغَيِّ؛ فَكُلُّ غَاوٍ ضَالٌّ؛ وَالرَّشَدُ ضِدُّ الْغَيِّ وَالْهُدَى ضِدُّ الضَّلَالِ وَهُوَ مُجَانَبَةُ طَرِيقِ الْفُجَّارِ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يَنْهَوْنَ عَنْهُمَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ .

و " الْغَيُّ " فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرُ غَوَى يَغْوِي غَيًّا؛ كَمَا يُقَالُ: لَوَى يَلْوِي لَيًّا.
وَهُوَ ضِدُّ الرَّشَدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ . و " الرُّشْدُ " الْعَمَلُ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ وَالْغَيُّ الْعَمَلُ الَّذِي يَضُرُّ صَاحِبَهُ فَعَمَلُ الْخَيْرِ رُشْدٌ وَعَمَلُ الشَّرِّ غَيٌّ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ الْجِنُّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ فَقَابَلُوا بَيْنَ الشَّرِّ وَبَيْنَ الرَّشَدِ وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ وَمِنْهُ " الرَّشِيدُ " الَّذِي يُسَلَّمُ إلَيْهِ مَالُهُ.
وَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُ مَالَهُ فِيمَا يَنْفَعُ لَا فِيمَا يَضُرُّ.
وَقَالَ الشَّيْطَانُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالشَّرِّ الَّذِي يَضُرُّهُمْ فَيُطِيعُونَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وَقَالَ: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ إلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ وَقَالَ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ . ثُمَّ إنَّ " الْغَيَّ " إذَا كَانَ اسْمًا لِعَمَلِ الشَّرِّ الَّذِي يَضُرُّ صَاحِبَهُ فَإِنَّ عَاقِبَةَ الْعَمَلِ أَيْضًا تُسَمَّى غَيًّا كَمَا أَنَّ عَاقِبَةَ الْخَيْرِ تُسَمَّى رُشْدًا كَمَا

يُسَمَّى عَاقِبَةُ الشَّرِّ شَرًّا وَعَاقِبَةُ الْخَيْرِ خَيْرًا؛ وَعَاقِبَةُ الْحَسَنَاتِ حَسَنَاتٍ؛ وَعَاقِبَةُ السَّيِّئَاتِ سَيِّئَاتٍ.
" فَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ " فِي كِتَابِ اللَّهِ يُرَادُ بِهَا أَعْمَالُ الْخَيْرِ، وَأَعْمَالُ الشَّرِّ كَمَا يُرَادُ بِهَا النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَمَنْ عَمِلَ خَيْرًا وَحَسَنَاتٍ لَقِيَ خَيْرًا وَحَسَنَاتٍ وَمَنْ عَمِلَ شَرًّا وَسَيِّئَاتٍ لَقِيَ شَرًّا وَسَيِّئَاتٍ.
كَذَلِكَ مَنْ عَمِلَ غَيًّا لَقِيَ غَيًّا وَتَرْكُ الصَّلَاةِ، وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ غَيٌّ يَلْقَى صَاحِبُهُ غَيًّا.
فَلِهَذَا قَالَ الزمخشري: كُلُّ شَرٍّ عِنْدَ الْعَرَبِ غَيٌّ وَكُلُّ خَيْرٍ رَشَادٌ.
كَمَا قِيلَ: فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ النَّاسُ أَمْرَهُ وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا وَقَالَ الزَّجَّاجُ: جَزَاؤُهُ غَيٌّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أَيْ مُجَازَاةَ آثَامٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ: ﴿إنَّ غَيًّا وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَسْتَعِيذُ مِنْهُ أَوْدِيَتُهَا﴾ وَهَذَا تَعْبِيرٌ عَنْ مُلَاقَاةِ الشَّرِّ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا إرَادَةُ وَجْهِ اللَّهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أَيْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ.
وَالدَّاعِي يَقْصِدُ رَبَّهُ وَيُرِيدُهُ فَتَكُونُ الْقُلُوبُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُرِيدَةً لِرَبِّهَا مُحِبَّةً لَهُ.

وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ هُوَ اتِّبَاعُ مَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ؛ فَإِنَّ " الشَّهَوَاتِ " جَمْعُ شَهْوَةٍ وَالشَّهْوَةُ هِيَ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرٌ وَيُسَمَّى الْمُشْتَهَى شَهْوَةً.
تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ فَجَعَلَ التَّوْبَةَ فِي مُقَابَلَةِ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا: أَيْ فَاَللَّهُ يُحِبُّ لَنَا ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ وَهُمْ الْغَاوُونَ ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يَعْدِلُ بِكُمْ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إلَى اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ عُدُولًا عَظِيمًا فَإِنَّ أَصْلَ " الْمَيْلِ " الْعُدُولُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصَوْا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ﴾ رَوَاهُ أَحْمَد وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ ثوبان.
فَأَخْبَرُ أَنَّا لَا نُطِيقُ الِاسْتِقَامَةَ أَوْ ثَوَابَهَا إذَا اسْتَقَمْنَا.
وَقَالَ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أَيْ يُرِيدُ نِهَايَةَ الْمَيْلِ يُرِيدُ الزَّيْغَ عَنْ الطَّرِيقِ وَالْعُدُولَ عَنْ سَوَاءِ الصِّرَاطِ إلَى نِهَايَةِ الشَّرِّ؛ بَلْ إذَا بُلِيت بِذَلِكَ فَتَوَسَّطْ وَعُدْ إلَى الطَّرِيقِ بِالتَّوْبَةِ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَيْلُ الْمُؤْمِنِ كَمَيْلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَتِهِ يَحُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى آخِيَتِهِ.
كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَحُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ

إلَى رَبِّهِ} قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ فَلَمْ يَقُلْ لَا يَظْلِمُونَ وَلَا يُذْنِبُونَ.
بَلْ قَالَ: ﴿إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ بِذَنْبِ آخَرَ غَيْرِ الْفَاحِشَةِ؛ فَعَطَفَ الْعَامَّ عَلَى الْخَاصِّ.
كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وَقَالَتْ بلقيس: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وَقَالَ تَعَالَى عُمُومًا عَنْ أَهْلِ الْقُرَى الْمُهْلَكَةِ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِارْتِكَابِهِمْ مَا نُهُوا عَنْهُ؛ وَبِعِصْيَانِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ؛ وَبِتَرْكِهِمْ التَّوْبَةَ إلَى رَبِّهِمْ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ الزِّنَا وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ أَهْلُ الْبَاطِلِ.
وَقَالَ السدي: هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْجَمِيعُ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ مَعَ الْكُفْرِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ عَنْ تَرْكِ الشَّهَوَاتِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَهْوَةٍ مُبَاحَةٍ يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ الْمُحَرَّمَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ طَاوُوسٌ وَمُقَاتِلٌ: ضَعِيفٌ فِي قِلَّةِ الصَّبْرِ عَنْ النِّسَاءِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ كيسان: ضَعِيفُ الْعَزْمِ عَنْ قَهْرِ الْهَوَى.
وَقِيلَ: ضَعِيفٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، يُرْوَى ذَلِكَ

عَنْ الْحَسَنِ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ عَنْ الصَّبْرِ لِيُنَاسِبَ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وَهُوَ تَسْهِيلُ التَّكْلِيفِ بِأَنْ يُبِيحَ لَكُمْ مَا تَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَلَا تَصْبِرُوا عَنْهُ.
كَمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْفَتَيَاتِ؛ وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ إبَاحَتِهِ نِكَاحَ الْإِمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَشْيَةِ الْعَنَتِ قَالَ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الصَّبْرُ مَعَ خَشْيَةِ الْعَنَتِ وَأَنَّهُ لَيْسَ النِّكَاحُ كَإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَبَاحَ " الِاسْتِمْنَاءَ " عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَالصَّبْرُ عَنْ الِاسْتِمْنَاءِ أَفْضَلُ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نِكَاحَ الْإِمَاءِ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الزِّنَا فَإِذَا كَانَ الصَّبْرُ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ أَفْضَلَ فَعَنْ الِاسْتِمْنَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَفْضَلُ.
لَا سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يَجْزِمُونَ بِتَحْرِيمِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ - يَعْنِي عَنْ أَحْمَد - أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ إلَّا إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ.
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ قَالَ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ: {وَأَنْ

تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فَفِيهِ أَوْلَى.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّبْرَ عَنْ كِلَيْهِمَا مُمْكِنٌ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ أَبَاحَ مَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهُ فَذَلِكَ لِتَسْهِيلِ التَّكْلِيفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . و " الِاسْتِمْنَاءُ " لَا يُبَاحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا سَوَاءٌ خُشِيَ الْعَنَتُ أَوْ لَمْ يُخْشَ ذَلِكَ.
وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَد فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَشِيَ " الْعَنَتَ " وَهُوَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ خَشْيَةً شَدِيدَةً خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ فَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ لِتَكْسِيرِ شِدَّةِ عَنَتِهِ وَشَهْوَتِهِ.
وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَلَذُّذًا أَوْ تَذَكُّرًا أَوْ عَادَةً؛ بِأَنْ يَتَذَكَّرَ فِي حَالِ اسْتِمْنَائِهِ صُورَةً كَأَنَّهُ يُجَامِعُهَا فَهَذَا كُلُّهُ مُحَرَّمٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ وَقَدْ أَوْجَبَ فِيهِ بَعْضُهُمْ الْحَدَّ، وَالصَّبْرُ عَنْ هَذَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ.
وَأَمَّا الصَّبْرُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَوَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ تَشْتَهِيهَا وَتَهْوَاهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ و " الِاسْتِعْفَافُ " هُوَ تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ

الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ﴾ . " فَالْمُسْتَغْنِي " لَا يَسْتَشْرِفُ بِقَلْبِهِ و " الْمُسْتَعِفُّ " هُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ بِلِسَانِهِ و " الْمُتَصَبِّرُ " هُوَ الَّذِي لَا يَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ.
وَهَذَا كَأَنَّهُ فِي سِيَاقِ الصَّبْرِ عَلَى الْفَاقَةِ بِأَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَرَارَةِ الْحَاجَةِ لَا يَجْزَعُ مِمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ مِنْ الْفَقْرِ وَهُوَ الصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ . و " الضَّرَّاءُ " الْمَرَضُ.
وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى مَا اُبْتُلِيَ بِهِ مِنْ حَاجَةٍ وَمَرَضٍ وَخَوْفٍ.
وَالصَّبْرُ عَلَى مَا اُبْتُلِيَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ كَالْجِهَادِ؛ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْمَرَضِ الَّذِي يُبْتَلَى بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ وَلِذَلِكَ إذَا اُبْتُلِيَ بِالْعَنَتِ فِي الْجِهَادِ فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الصَّبْرَ مِنْ تَمَامِ الْجِهَادِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اُبْتُلِيَ فِي الْجِهَادِ بِفَاقَةِ أَوْ مَرَضٍ حَصَلَ بِسَبَبِهِ كَانَ الصَّبْرُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ.
كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ.
وَكَذَلِكَ مَا يُؤْذَى الْإِنْسَانُ بِهِ فِي فِعْلِهِ لِلطَّاعَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ

وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ الْمَصَائِبِ فَصَبْرُهُ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مَا اُبْتُلِيَ بِهِ بِدُونِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى مُحَرَّمَاتٍ: مِنْ رِئَاسَةٍ وَأَخْذِ مَالٍ وَفِعْلِ فَاحِشَةٍ كَانَ صَبْرُهُ عَنْهُ أَفْضَلَ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ كُلَّمَا عَظُمَتْ كَانَ الصَّبْرُ عَلَيْهَا أَعْظَمَ مِمَّا دُونَهَا.
فَإِنَّ فِي " الْعِلْمِ " وَ " الْإِمَارَةِ " وَ " الْجِهَادِ " وَ " الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ " وَ " الصَّلَاةِ " وَ " الْحَجِّ " وَ " الصَّوْمِ " وَ " الزَّكَاةِ " مِنْ الْفِتَنِ النَّفْسِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا.
وَيَعْرِضُ فِي ذَلِكَ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ وَالصُّوَرِ.
فَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِ كَمَا تَطْمَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ تَطْلُبُ تِلْكَ الْأُمُورَ الْمُحَرَّمَةَ؛ بِخِلَافِ حَالِهَا بِدُونِ الْقُدْرَةِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ جِهَادٌ؛ بَلْ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ.
وَأَكْمَلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) : أَنَّ الصَّبْرَ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ.
(الثَّانِي) : أَنَّ تَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَطَلَبَ النَّفْسِ لَهَا أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا بِدُونِ ذَلِكَ.
(الثَّالِثُ) : أَنَّ طَلَبَ النَّفْسِ لَهَا إذَا كَانَ بِسَبَبِ أَمْرٍ دِينِيٍّ - كَمَنَ

خَرَجَ لِصَلَاةِ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ جِهَادٍ فَابْتُلِيَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ صَبْرَهُ عَنْ ذَلِكَ - يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ بِدُونِ عَمَلٍ صَالِحٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ يُوصِي بِثَلَاثِ يَقُولُ: لَا تَدْخُلْ عَلَى سُلْطَانٍ، وَإِنْ قُلْتَ: آمُرُهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ.
وَلَا تَدْخُلْ عَلَى امْرَأَةٍ؛ وَإِنْ قُلْتَ: أُعَلِّمُهَا كِتَابَ اللَّهِ.
وَلَا تُصْغِ أُذُنَكَ إلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ وَإِنْ قُلْتَ: أَرُدُّ عَلَيْهِ.
فَأَمْرُهُ بِالِاحْتِرَازِ مِنْ " أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ " فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَقَدْ يَفْتَتِنُ وَلَا يَسْلَمُ.
فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَوْ دَخَلَ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ وَابْتُلِيَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيَصْبِرَ وَيُخْلِصَ وَيُجَاهِدَ.
وَصَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَسَلَامَتُهُ مَعَ قِيَامِهِ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ كَمَنْ تَوَلَّى وِلَايَةً وَعَدَلَ فِيهَا أَوْ رَدَّ عَلَى أَصْحَابِ الْبِدَعِ بِالسُّنَّةِ الْمَحْضَةِ وَلَمْ يَفْتِنُوهُ، أَوْ عَلَّمَ النِّسَاءَ الدِّينَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ.
لَكِنَّ اللَّهَ إذَا ابْتَلَى الْعَبْدَ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ أَعَانَهُ، وَإِذَا تَعَرَّضَ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ إلَى الْبَلَاءِ وَكَّلَهُ اللَّهُ إلَى نَفْسِهِ.
كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا﴾ وَكَذَلِكَ

﴿قَالَ فِي الطَّاعُونِ: إذَا وَقَعَ بِبَلَدِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ﴾ فَمَنْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَعَرَضَتْ لَهُ فِتْنَةٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعِينُهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا.
لَكِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَسْأَلُ الْإِمَارَةَ فَيُوكَلُ إلَيْهَا ثُمَّ يَنْدَمُ فَيَتُوبُ مِنْ سُؤَالِهِ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيُعِينُهُ؛ إمَّا عَلَى إقَامَةِ الْوَاجِبِ وَإِمَّا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهَا؛ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْفِتَنِ.
كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْمَوْضِعُ.
وَ (الْمَقْصُودُ) أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا وَيَهْدِيَنَا سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وَهُمْ الَّذِينَ أَمَرَنَا أَنْ نَسْأَلَهُ الْهِدَايَةَ لِسَبِيلِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَهُوَ يُحِبُّ لَنَا وَيَأْمُرُنَا أَنْ نَتَّبِعَ صِرَاطَ هَؤُلَاءِ وَهُوَ سَبِيلُ مَنْ أَنَابَ إلَيْهِ فَذَكَرَ هُنَا ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: الْبَيَانَ وَالْهِدَايَةَ وَالتَّوْبَةَ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسُّنَنِ هُنَا سُنَنُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا سُنَنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَيَهْدِي عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إلَى الْحَقِّ

وَيُضِلُّ آخَرِينَ فَإِنَّ الْهُدَى وَالضَّلَالَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْبَيَانِ.
كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ فَتَكُونُ (سُنَنَ) مُتَعَلِّقًا بيبين يَعْنِي: سُنَنَ أَهْلِ الْبَاطِلِ لَا بيهدي، وَأَهْلُ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَيَهْدِيَكُمْ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: السُّنَنُ الطُّرُقُ فَالْمَعْنَى يَدُلُّكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ كَمَا دَلَّ الْأَنْبِيَاءَ وَتَابِعِيهِمْ وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَدِّمُ فِعْلَيْنِ فَلَا يَجْعَلُ الْأَوَّلَ هُوَ الْعَامِلُ وَحْدَهُ؛ بَلْ الْعَامِلُ إمَّا الثَّانِي وَحْدَهُ وَإِمَّا الِاثْنَانِ كَقَوْلِهِ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أَوْ إذَا أُرِيدَ هَذَا التَّقْدِيرُ: يُبَيِّنُ لَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَهْدِيكُمْ سُنَنًا.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَهْدِينَا سُنَنَهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ سُنَنُ أَهْلِ الْحَقِّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ تَعْرِيفَ عُقُوبَةِ الظَّالِمِينَ بِالْعِيَانِ وَهُنَا فَأَنْزَلَ عَلَيْنَا مِنْ الْقُرْآنِ مَا يَهْدِينَا بِهِ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا وَهُمْ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: " التَّبْيِينَ " وَ " الْهُدَى " وَ " التَّوْبَةَ "؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلًا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ ثُمَّ يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ

إلَى أَنْ يُهْدَى فَيَقْصِدُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ دُونَ الْبَاطِلِ.
وَهُوَ سُنَنُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الذُّنُوبِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَإِلَى التَّوْبَةِ مَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ أَوْ الْغَفْلَةِ فِي سُلُوكِ تِلْكَ السُّنَنِ الَّتِي هَدَاهُ اللَّهُ إلَيْهَا فَيَتُوبُ مِنْهَا بِمَا وَقَعَ مِنْ تَفْرِيطٍ فِي كُلِّ سُنَّةٍ مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ وَهَذِهِ " السُّنَنُ " تَدْخُلُ فِيهَا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُسْتَحَبَّات فَلَا بُدَّ لِلسَّالِكِ فِيهَا مِنْ تَقْصِيرٍ وَغَفْلَةٍ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إلَيْهِ.
فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ اجْتَهَدَ مَهْمَا اجْتَهَدَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ لِلَّهِ بِالْحَقِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ فَمَا يَسَعُهُ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ عَقِيبَ كُلِّ طَاعَةٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: " الْهِدَايَةُ " هُنَا الْبَيَانُ وَالتَّعْرِيفُ أَيْ: يُعَرِّفُكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ: سَبِيلُ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَبِيلُ الْهُدَى وَالضَّلَالِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَبِيلُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ: أَيْ فَطَرْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَرَّفْنَاهُ إيَّاهُ، وَالْجَمِيعُ وَاحِدٌ.
وَالنَّجْدَانِ الطَّرِيقَانِ الْوَاضِحَانِ وَالنَّجْدُ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ فَالْمَعْنَى أَلَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَنُبَيِّنْهُ لَهُ كَتَبْيِينِ الطَّرِيقَيْنِ الْعَالِيَيْنِ؛ لَكِنَّ الْهُدَى وَالتَّبْيِينَ وَالتَّعْرِيفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَشْتَرِكُ

فِيهِ بَنُو آدَمَ وَيَعْرِفُونَهُ بِعُقُولِهِمْ.
وَأَمَّا طَرِيقُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهَا كَمَا قَالَ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ لَكِنْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَقَالَ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَذْكُرَ الْهُدَى إذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّبْيِينَ وَالْهُدَى عُلِمَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ هَذَا فا " لتبيين " التَّعْرِيفُ وَالتَّعْلِيمُ وَ " الْهُدَى " هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَهُوَ الدُّعَاءُ إلَى الْخَيْرِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إلَى الْخَيْرِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ دُعَاءَ تَعْلِيمٍ.
وَهُدَاهُ هُنَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَيُلْزِمُكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَلَا تَعْدِلُوا عَنْهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بِالْهُدَى الْإِلْهَامَ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لِكَوْنِهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَوَقَعَ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِينَا ضَالٌّ؛ بَلْ هَذِهِ إرَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَمْرِيَّةٌ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَلِهَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ: يُرِيدُ أَنْ يَدُلَّكُمْ عَلَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَوْبَتِكُمْ فَعَلَّقَ الْإِرَادَةَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
فَإِنَّ الزَّجَّاجَ ظَنَّ الْإِرَادَةَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَتْ إلَّا كَذَلِكَ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ؛ بَلْ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِهِ يَكُونُ مُرَادُهَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ

مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي أَمْرِهِ وَشَرْعِهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ إرَادَتُهُ لِمَا أَمَرَ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُثِيبُ فَاعِلَهُ؛ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ الْآيَةَ.
وَكَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَهَذِهِ إرَادَةٌ لِمَا يَخْلُقُهُ وَيَكُونُهُ.
كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ حَادِثٍ، وَالْإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْأَمْرِيَّةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالطَّاعَاتِ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ لِمَنْ يَفْعَلُ الْقَبِيحَ: يَفْعَلُ شَيْئًا مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ مَعَ قَوْلِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ " نَوْعَانِ ". كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْهُدَى الْإِلْهَامُ وَيَكُونُ الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُطِيعِينَ الَّذِينَ

جارٍ التحميل