ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَسُئِلَ أَيْضًا:
عَنْ " جَمْعِ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ " هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ بِدْعَةٌ؟ وَهَلْ جُمِعَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِجَامِعِهَا مَزِيَّةُ ثَوَابٍ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِرِوَايَةِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا نَفْسُ مَعْرِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَحِفْظِهَا فَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ يَأْخُذُهَا الْآخِرُ عَنْ الْأَوَّلِ فَمَعْرِفَةُ الْقِرَاءَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا أَوْ يُقِرُّهُمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا أَوْ يَأْذَنُ لَهُمْ وَقَدْ أَقَرُّوا بِهَا سُنَّةٌ.
وَالْعَارِفُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْحَافِظُ لَهَا لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفْ إلَّا قِرَاءَةً وَاحِدَةً.
وَأَمَّا جَمْعُهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي التِّلَاوَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَأَمَّا جَمْعُهَا لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَالدَّرْسِ فَهُوَ مِنْ الِاجْتِهَادِ الَّذِي فَعَلَهُ طَوَائِفُ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ.
. . 1 .
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
فِي " تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ " وَفِي " كَمْ يُقْرَأُ " وَفِي " مِقْدَارِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ الْمَشْرُوعِ ".
عَنْ ﴿عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ ابْنَتَهُ فَيَسْأَلَهَا عَنْ بَعْلِهَا فَتَقُولَ: نِعْمَ الرَّجُلُ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الْقَنِ بِهِ فَلَقِيته بَعْدُ فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ قُلْت: كُلَّ يَوْمٍ.
قَالَ: مَتَى - أَوْ كَيْفَ - تَخْتِمُ؟ قُلْت: كُلَّ لَيْلَةٍ.
قَالَ: صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ.
قُلْت: إنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ.
قُلْت: إنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا قَالَ: قُلْت إنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُد صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً.
قَالَ: فَلَيْتَنِي قَبِلْت رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَنِّي كَبِرْت وَضَعُفْت﴾ " فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى
بَعْضِ أَهْلِهِ السَّبْعَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَاَلَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنْ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ؛ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ.
وَفِي لَفْظٍ: " ﴿اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ قُلْت: إنِّي أَجِدُ قُوَّةً.
قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ﴾ " رَوَاهُ بِكَمَالِهِ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ وَاللَّفْظُ الْآخَرُ مِثْلُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ ﴿أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَقُلْت: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.
وَفِيهِ قَالَ: اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ: قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ قَالَ: قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: فَشَدَّدْت فَشُدِّدَ عَلَيَّ وَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّك يَطُولُ بِك عُمْرُك قَالَ: فَصِرْت إلَى الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾ " وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ﴿اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ﴾ " رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد.
قُلْت هَذِهِ الرِّوَايَةُ نَبَّهَ عَلَيْهَا الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ثَلَاثٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ ﴿سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَكَانَ يَقْرَؤُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ﴾
رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: فِي خَمْسٍ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ انْتَهَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى سَبْعٍ كَمَا أَنَّهُ أَمَرَهُ ابْتِدَاءً بِقِرَاءَتِهِ فِي الشَّهْرِ فَجَعَلَ الْحَدَّ مَا بَيْنَ الشَّهْرِ إلَى الْأُسْبُوعِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يَقْرَأَهُ فِي أَرْبَعِينَ وَهَذَا فِي طَرَفِ السَّعَةِ يُنَاظِرُ التَّثْلِيثَ فِي طَرَفِ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: " ﴿مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْ﴾ " فَلَا تُنَافِي رِوَايَةَ التَّسْبِيعِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ أَمْرًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ قِرَاءَتَهُ فِي ثَلَاثٍ دَائِمًا سُنَّةً مَشْرُوعَةً وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْ وَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ الْعَدَدِ وَهُوَ مَفْهُومٌ صَحِيحٌ أَنَّ مَنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا فَحُكْمُهُ نَقِيضُ ذَلِكَ وَالتَّنَاقُضُ يَكُونُ بِالْمُخَالَفَةِ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ.
فَإِذَا كَانَ مَنْ يَقْرَؤُهُ فِي ثَلَاثٍ أَحْيَانًا قَدْ يَفْقَهُهُ حَصَلَ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ وَلَا يَلْزَمُ إذَا شُرِعَ فِعْلُ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةً؛ وَلِهَذَا لَمْ يُعْلَمْ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِهِ مَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ أَعْنِي عَلَى قِرَاءَتِهِ دَائِمًا فِيمَا دُونَ السَّبْعِ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْرَؤُهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّحْزِيبُ الْمُسْتَحَبُّ مَا بَيْنَ أُسْبُوعٍ إلَى شَهْرٍ - وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ مَا بَيْنَ ثَلَاثٍ إلَى أَرْبَعِينَ - فَالصَّحَابَةُ إنَّمَا كَانُوا يحزبونه سُوَرًا تَامَّةً لَا يحزبون السُّورَةَ الْوَاحِدَةَ كَمَا رَوَى ﴿أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ قَالَ: فَنَزَلَتْ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبَّةٍ لَهُ قَالَ: وَكَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعِشَاءِ يُحَدِّثُنَا قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ.
ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ بِمَكَّةَ فَلَمَّا خَرَجْنَا إلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ نُدَالَ عَلَيْهِمْ وَيُدَالَوْنَ عَلَيْنَا فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةً أَبْطَأَ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْت عَنَّا اللَّيْلَةَ قَالَ: إنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ فَكَرِهْت أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ.﴾ ﴿قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تحزبون الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَاحِدٌ﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَأَحْمَد وَابْنُ مَاجَه وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَد قَالُوا: نحزبه ثَلَاثَ سُوَرٍ وَخَمْسَ سُوَرٍ وَسَبْعَ سُوَرٍ وَتِسْعَ سُوَرٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ مِنْ (ق) حَتَّى يَخْتِمَ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِي
فِي مُعْجَمِهِ فَسَأَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَزِّبُ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَزِّبُهُ ثَلَاثًا وَخَمْسًا فَذَكَرَهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي أَنَّ الْمَسْنُونَ كَانَ عِنْدَهُمْ قِرَاءَتَهُ فِي سَبْعٍ؛ وَلِهَذَا جَعَلُوهُ سَبْعَةَ أَحْزَابٍ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ ثَلَاثَةً وَلَا خَمْسَةً وَفِيهِ أَنَّهُمْ حزبوه بِالسُّورِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا جُزِّئَ الْقُرْآنُ بِالْحُرُوفِ تَجْزِئَةُ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّينَ.
هَذِهِ الَّتِي تَكُونُ رُءُوسُ الْأَجْزَاءِ وَالْأَحْزَابِ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ وَأَثْنَاءِ الْقِصَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ وَمَا بَعْدَهُ وَرُوِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَمَرَ بِذَلِكَ.
وَمِنْ الْعِرَاقِ فَشَا ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَتْ التَّجْزِئَةُ بِالْحُرُوفِ مُحْدَثَةً مِنْ عَهْدِ الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ كَانَ لَهُمْ تَحْزِيبٌ آخَرُ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّرُونَ تَارَةً بِالْآيَاتِ فَيَقُولُونَ: خَمْسُونَ آيَةً سِتُّونَ آيَةً.
وَتَارَةً بِالسُّوَرِ لَكِنَّ تَسْبِيعَهُ بِالْآيَاتِ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فَتَعَيَّنَ التَّحْزِيبُ بِالسُّوَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَتَرْتِيبُ سُوَرِ الْقُرْآنِ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا وَاجِبًا مَنْصُوصًا
عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَى النَّاسِ؛ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ تَرْتِيبُ مَصَاحِفِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلِهَذَا فِي كَرَاهَةِ تَنْكِيسِ السُّوَرِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد " إحْدَاهُمَا " يُكْرَهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
و " الثَّانِيَةُ " لَا يُكْرَهُ كَمَا يُلَقَّنُهُ الصِّبْيَانُ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ ثُمَّ النِّسَاءِ ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ.
قِيلَ: لَا رَيْبَ أَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ بَعْدَ سُورَةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا، أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ التَّرْتِيبَ يَكُونُ أَنْوَاعًا كَمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَحْرُفٍ وَعَلَى هَذَا فَهَذَا التَّحْزِيبُ يَكُونُ تَابِعًا لِهَذَا التَّرْتِيبِ.
وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّحْزِيبُ مَعَ كُلِّ تَرْتِيبٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعْيِينُ السُّوَرِ.
وَهَذَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ هُوَ الْأَحْسَنُ؛ لِوُجُوهِ: " أَحَدُهَا " أَنَّ هَذِهِ التحزيبات الْمُحْدَثَةَ تَتَضَمَّنُ دَائِمًا الْوُقُوفَ عَلَى بَعْضِ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِمَا بَعْدَهُ حَتَّى يَتَضَمَّنَ الْوَقْفَ عَلَى الْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَحْصُلَ الْقَارِئُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مُبْتَدِئًا بِمَعْطُوفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَيَتَضَمَّنُ الْوَقْفَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ دُونَ بَعْضٍ - حَتَّى كَلَامُ الْمُتَخَاطِبَيْنِ - حَتَّى يَحْصُلَ الِابْتِدَاءُ
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِكَلَامِ الْمُجِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . وَمِثْلُ هَذِهِ الْوُقُوفِ لَا يَسُوغُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ إذَا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِأَجْنَبِيِّ؛ وَلِهَذَا لَوْ أُلْحِقَ بِالْكَلَامِ عَطْفٌ أَوْ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ بِأَجْنَبِيٍّ لَمْ يَسُغْ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُتَخَاطِبَيْنِ لَمْ يَسُغْ ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ وَمَنْ حَكَى عَنْ أَحْمَد خِلَافَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ كَمَا أَخْطَأَ مَنْ نَقَلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْأَوَّلِ خِلَافَ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُتَعَاقِدَانِ غَائِبَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبًا وَالْآخَرُ حَاضِرًا فَيَنْقُلُ الْإِيجَابَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فَيَقْبَلُ فِي مَجْلِسِ الْبَلَاغِ وَهَذَا جَائِزٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا حَاضِرَيْنِ وَاَلَّذِي فِي الْقُرْآنِ نَقْلُ كَلَامِ حَاضِرَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ يُفَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؟ بِخِلَافِ مَا إذَا فَرَّقَ فِي التَّلْقِينِ لِعَدَمِ حِفْظِ الْمُتَلَقِّنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
" الثَّانِي " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ عَادَتُهُ الْغَالِبَةُ وَعَادَةُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِسُورَةِ ك (ق وَنَحْوِهَا وَكَمَا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ " بِيُونُسَ " و " يُوسُفَ " و " النَّحْلِ " ﴿وَلَمَّا قَرَأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْفَجْرِ أَدْرَكَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ فِي أَثْنَائِهَا.
وَقَالَ: إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأُخَفِّفُ لِمَا أَعْلَمُ مِنْ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ﴾ ".
وَأَمَّا " الْقِرَاءَةُ بِأَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا " فَلَمْ يَكُنْ غَالِبًا عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا يُتَوَرَّعُ فِي كَرَاهَةٍ ذَلِكَ وَفِيهِ النِّزَاعُ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَمِنْ أَعْدَلِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ يُكْرَهُ اعْتِيَادُ ذَلِكَ دُونَ فِعْلِهِ أَحْيَانًا؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَمَّا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَعَادَةُ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا التَّحْزِيبَ وَالتَّجْزِئَةَ فِيهِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي قِرَاءَةِ آخِرِ السُّورَةِ وَوَسَطِهَا فِي الصَّلَاةِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّجْزِئَةَ وَالتَّحْزِيبَ الْمُوَافِقَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْغَالِبَ عَلَى تِلَاوَتِهِمْ أَحْسَنُ.
و " الْمَقْصُودُ " أَنَّ التَّحْزِيبَ بِالسُّورَةِ التَّامَّةِ أَوْلَى مِنْ التَّحْزِيبِ بِالتَّجْزِئَةِ.
" الثَّالِثُ " أَنَّ التَّجْزِئَةَ الْمُحْدَثَةَ لَا سَبِيلَ فِيهَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حُرُوفِ الْأَجْزَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُرُوفَ فِي النُّطْقِ تُخَالِفُ الْحُرُوفَ فِي الْخَطِّ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يَزِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَتَخْتَلِفُ الْحُرُوفُ مِنْ وَجْهٍ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِأُمُورِ: " أَحَدُهَا " أَنَّ أَلِفَاتِ الْوَصْلِ ثَابِتَةٌ فِي الْخَطِّ وَهِيَ فِي اللَّفْظِ تَثْبُتُ فِي الْقَطْعِ وَتُحْذَفُ فِي الْوَصْلِ فَالْعَادُّ إنْ حَسَبَهَا انْتَقَضَ عَلَيْهِ حَالُ الْقَارِئِ إذَا وَصَلَ وَهُوَ الْغَالِبُ فِيهَا وَإِنْ أَسْقَطَهَا انْتَقَضَ عَلَيْهِ بِحَالِ الْقَارِئِ الْقَاطِعِ وَبِالْخَطِّ.
" الثَّانِي " أَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ حَرْفَانِ فِي اللَّفْظِ أَوَّلُهُمَا سَاكِنٌ وَهَذَا مَعْرُوفٌ بِالْحِسِّ وَاتِّفَاقِ النَّاسِ وَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي اللَّفْظِ وَأَمَّا فِي الْخَطِّ فَقَدْ يَكُونَانِ حَرْفًا وَاحِدًا مِثْلَ ( ﴿إيَّاكَ﴾ و ( ﴿إيَّاكَ﴾ وَقَدْ يَكُونَانِ حَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِثْلَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿حِينَئِذٍ﴾ - و ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ - فَالْعَادُّ إنْ حَسَبَ اللَّفْظَ فَالْإِدْغَامُ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَالِ الْوَصْلِ دُونَ حَالِ الْقَطْعِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ مِنْ جِنْسِ الثَّانِي وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَرْفِ الْمُعَادِ بِهَا.
وَإِنْ حَسَبَ الْخَطَّ كَانَ الْأَمْرُ أَعْظَمَ اضْطِرَابًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ تَارَةً حَرْفًا وَتَارَةً حَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُتَهَجَّى فَالنُّطْقُ بِخِلَافِهِ.
" الثَّالِثُ " أَنَّ تَقْطِيعَ حُرُوفِ النُّطْقِ مِنْ جِنْسِ تَقْطِيعِ الْعَرُوضِيِّينَ وَأَمَّا حُرُوفُ الْخَطِّ فَيُخَالِفُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَالنَّاسُ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَتَهَجَّوْنَ الْحُرُوفَ مَكْتُوبَةً لَا مَنْطُوقَةً وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ.
" الرَّابِعُ " أَنَّ النُّطْقَ بِالْحُرُوفِ يَنْقَسِمُ إلَى تَرْتِيلٍ وَغَيْرِ تَرْتِيلٍ وَمَقَادِيرُ الْمَدَّاتِ وَالْأَصْوَاتِ مِنْ الْقُرَّاءِ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ وَقَدْ يَكُونُ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ أُكْثِرَ مِمَّا فِي الْآخَرِ فَلَا يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ التَّسْوِيَةِ فِي النُّطْقِ وَمُرَاعَاةُ مُجَرَّدِ الْخَطِّ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَسْوِيَةَ زَمَانِ الْقِرَاءَةِ.
وَإِذَا كَانَ تَحْزِيبُهُ بِالْحُرُوفِ إنَّمَا هُوَ تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ تَجْزِئَتِهِ بِالسُّوَرِ هُوَ أَيْضًا تَقْرِيبٌ فَإِنَّ بَعْضَ الْأَسْبَاعِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ فِي الْحُرُوفِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَظِيمَةِ بِقِرَاءَةِ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَالِافْتِتَاحِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ السُّورَةَ وَالِاخْتِتَامِ بِمَا خَتَمَ بِهِ وَتَكْمِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ مَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ التَّحْزِيبِ.
وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ زَوَالِ الْمَفَاسِدِ الَّذِي فِي ذَلِكَ التَّحْزِيبِ مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِهَا فَصَارَ رَاجِحًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَن
َّ طُولَ الْعِبَادَةِ وَقِصَرَهَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ الْمَصَالِحِ
فَتُسْتَحَبُّ إطَالَةُ الْقِيَامِ تَارَةً وَتَخْفِيفُهُ أُخْرَى فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ بِحَسَبِ الْوُجُوهِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوعُ هُوَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَقَادِيرِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي مَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فِي الظَّاهِرِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ إذَا قَارَنَهُ مَصْلَحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ التَّسَاوِي فِي الْفَضْلِ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ؛ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ
بِكَمَالِهَا وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي إلَى آخِرِ بَرَاءَةَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إلَى آخِرِ النَّمْلِ: كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى قَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فَعَلَى هَذَا إذَا قَرَأَهُ كُلَّ شَهْرٍ كَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَوَّلًا عَمَلًا عَلَى قِيَاسِ تَحْزِيبِ الصَّحَابَةِ؛ فَالسُّورَةُ الَّتِي تَكُونُ نَحْوَ جُزْءٍ أَوْ أَكْثَرَ بِنَحْوِ نِصْفٍ أَوْ أَقَلَّ بِيَسِيرِ يَجْعَلُهَا حِزْبًا كَآلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ.
وَأَمَّا الْبَقَرَةُ فَقَدْ يُقَالُ: يَجْعَلُهَا حِزْبًا وَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ حِزْبَيْنِ وَثُلُثٍ؛ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ يُقَسِّمُهَا حِزْبَيْنِ لِلْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ التَّحْزِيبَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَقَارِبًا؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحِزْبُ مِثْلَ الْأَجْزَاءِ وَمِثْلَهُ مَرَّةً وَدُونَ النِّصْفِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مَرَّتَيْنِ وَشَيْئًا فَهَذَا تَضْعِيفٌ وَزِيَادَةٌ.
وَعَلَى هَذَا فَإِلَى الْأَعْرَافِ سَبْعَةُ أَجْزَاءٍ وَالْأَنْفَالُ جُزْءٌ وَبَرَاءَةُ جُزْءٌ فَإِنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِهَا جُزْءًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ نَحْوَ الثُّلُثِ فِي ثَمَانِيَةٍ وَاَلَّذِي رَجَّحْنَاهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَحْوَ الثُّلُثِ فِي تِسْعَةٍ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ.
وَتَحْزِيبُ الصَّحَابَةِ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحِزْبُ الْأَوَّلُ أَكْثَرَ وَيَكُونُ إلَى آخِرِ الْعَنْكَبُوتِ الْعُشْرُ الثَّانِي سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ.
وَأَمَّا يُونُسُ وَهُودٌ فَجُزْءَانِ أَيْضًا أَوْ جُزْءٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا أَوَّلُ
ذَوَاتِ ﴿الر﴾ وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الثُّلُثُ الْأَوَّلُ سُورَةً سُورَةً وَالثَّانِي سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعُشْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ بِسُورَةِ أَقْرَبُ مِنْ الزِّيَادَةِ بِسُورَتَيْنِ وَأَيْضًا فَيَكُونُ عَشَرَةُ أَحْزَابٍ سُورَةً سُورَةً وَهَذَا أَشْبَهُ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَيُوسُفُ وَالرَّعْدُ جُزْءٌ وَكَذَلِكَ إبْرَاهِيمُ وَالْحِجْرُ وَكَذَلِكَ النَّحْلُ وَسُبْحَانَ وَكَذَلِكَ الْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَكَذَلِكَ طَه وَالْأَنْبِيَاءُ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَالْمُؤْمِنُونَ وَكَذَلِكَ النُّورُ وَالْفُرْقَانُ وَكَذَلِكَ ذَاتُ ﴿طس﴾ الشُّعَرَاءُ وَالنَّمْلُ وَالْقَصَصُ وَذَاتُ ﴿الم﴾ الْعَنْكَبُوتُ وَالرُّومُ وَلُقْمَانُ وَالسَّجْدَةُ جُزْءٌ وَالْأَحْزَابُ وَسَبَأٌ وَفَاطِرٌ جُزْءٌ ويس وَالصَّافَّاتُ وَصِّ جُزْءٌ وَالزُّمَرُ وَغَافِرٌ وحم السَّجْدَةُ جُزْءٌ وَالْخَمْسُ الْبَوَاقِي مِنْ آلِ حم جُزْءٌ.
وَالثُّلُثُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِتَشَابُهِ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَالثَّانِي أَشْبَهُ بِمِقْدَارِ جُزْءٍ مِنْ تَجْزِئَةِ الْحُرُوفِ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ.
ثُمَّ " الْقِتَالُ " و " الْفَتْحُ " و " الْحُجُرَاتُ " و " ق " و " الذَّارِيَاتُ " جُزْءٌ ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ الْأَجْزَاءُ الْمَعْرُوفَةُ وَهَذَا تَحْزِيبٌ مُنَاسِبٌ مُشَابِهٌ لِتَحْزِيبِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ مُقَارِبٌ لِتَحْزِيبِ الْحُرُوفِ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً حِزْبٌ حِزْبٌ؛ إذْ الْبَقَرَةُ كَسُورَتَيْنِ؛ فَيَكُونُ إحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً وَهِيَ نَصِيبُ إحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعُوا فِي خَتْمَةٍ وَهُمْ يَقْرَءُونَ لِعَاصِمِ وَأَبِي عَمْرٍو فَإِذَا وَصَلُوا إلَى سُورَةِ الضُّحَى لَمْ يُهَلِّلُوا وَلَمْ يُكَبِّرُوا إلَى آخِرِ الْخَتْمَةِ فَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ فِي التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ صَحِيحٌ بِالتَّوَاتُرِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ إذَا قَرَءُوا بِغَيْرِ حَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ كَانَ تَرْكُهُمْ لِذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلَ؛ بَلْ الْمَشْرُوعَ الْمَسْنُونَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ مِنْ الْقُرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا يُكَبِّرُونَ لَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَلَا فِي أَوَاخِرِهَا.
فَإِنْ جَازَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ نَقَلَ التَّكْبِيرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَؤُلَاءِ نَقَلُوا تَرْكَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الَّتِي نَقَلَهَا أَكْثَرُ مِنْ قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ قَدْ أَضَاعُوا فِيهَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَهْلَ التَّوَاتُرِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كِتْمَانُ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي إلَى نَقْلِهِ فَمَنْ جَوَّزَ عَلَى جَمَاهِيرِ الْقُرَّاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُمْ بِتَكْبِيرِ زَائِدٍ فَعَصَوْا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَتَرَكُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ الْبَسْمَلَةُ؛ فَإِنَّ مِنْ الْقُرَّاءِ مَنْ يَفْصِلُ بِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْصِلُ بِهَا وَهِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ بِحَرْفِ مَنْ لَا يُبَسْمِلُ لَا يُبَسْمِلُونَ وَلِهَذَا لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الْبَسْمَلَةِ إخْوَانُهُمْ مِنْ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ يُبَسْمِلُونَ فَكَيْفَ يُنْكَرُ تَرْكُ التَّكْبِيرِ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ؟ وَلَيْسَ التَّكْبِيرُ مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
بِخِلَافِ الْبَسْمَلَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد الْمَنْصُوصِ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لَكِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ الْبَسْمَلَةُ وَلَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد.
وَمَعَ هَذَا فَالنِّزَاعُ فِيهَا مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ فَمَنْ قَالَ: هِيَ مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ أَوْ قَالَ: لَيْسَتْ هِيَ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا فِي سُورَةِ
النَّمْلِ كَانَ قَوْلُهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي سَاغَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ.
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ: فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَالْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ فَكَيْفَ مَعَ هَذَا يُنْكَرُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَمَنْ جَعَلَ تَارِكَ التَّكْبِيرِ مُبْتَدِعًا أَوْ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ أَوْ عَاصِيًا فَإِنَّهُ إلَى الْكُفْرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْوَاجِبُ عُقُوبَتُهُ؛ بَلْ إنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ وُضُوحِ الْحُجَّةِ وَجَبَ قَتْلُهُ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّكْبِيرِ لِبَعْضِ مَنْ أَقْرَأَهُ كَانَ غَايَةُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ اسْتِحْبَابِهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَهْمَلَهُ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ وَلَمْ يَتَّفِقْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّ التَّكْبِيرَ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَنْ يَقْرَأُ بِحَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَهَذَا خِلَافُ الْبَسْمَلَةِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَمَعَ هَذَا فَالْقُرَّاءُ يُسَوِّغُونَ تَرْكَ قِرَاءَتِهَا لِمَنْ لَمْ يَرَ الْفَصْلَ بِهَا فَكَيْفَ لَا يَسُوغُ تَرْكُ التَّكْبِيرِ لِمَنْ لَيْسَ دَاخِلًا فِي قِرَاءَتِهِ.
وَأَمَّا مَا يَدَّعِيهِ بَعْضُ الْقُرَّاءِ مِنْ التَّوَاتُرِ فِي جُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهِ.
وَسُئِلَ:
عَمَّنْ يَقُولُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَتَبَ مُصْحَفًا عَلَى غَيْرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ فَقَدْ أَثِمَ أَوْ قَالَ: كَفَرَ.
فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟ وَأَكْثَرُ الْمَصَاحِفِ الْيَوْمَ عَلَى غَيْرِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ فَهَلْ يَحِلُّ لِأَحَدِ كِتَابَته عَلَى غَيْرِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ بِشَرْطِ أَلَّا يُبَدِّلَ لَفْظًا وَلَا يُغَيِّرَ مَعْنَى أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا هَذَا النَّقْلُ عَنْ مَالِكٍ فِي تَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى مَالِكٍ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ رَسْمُ الْخَطِّ أَوْ رَسْمُ اللَّفْظِ فَإِنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ عَنْ أَهْلِ الشُّورَى إنَّ لِكُلِّ مِنْهُمْ مُصْحَفًا يُخَالِفُ رَسْمَ مُصْحَفِ عُثْمَانَ وَهُمْ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ وَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَعَ عُثْمَانَ.
وَأَيْضًا فَلَوْ قَرَأَ رَجُلٌ بِحَرْفِ مِنْ حُرُوفِهِمْ الَّتِي تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفٍ عُثْمَانِيٍّ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَحْتَجُّونَ بِمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَكَيْفَ يَكْفُرُ فَاعِلُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا اتِّبَاعُ رَسْمِ الْخَطِّ بِحَيْثُ يَكْتُبُهُ بِالْكُوفِيِّ فَلَا يَجِبُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ اتِّبَاعُهُ فِيمَا كَتَبَهُ بِالْوَاوِ وَالْأَلِفِ هُوَ حُسْنُ لَفْظِ رَسْمِ خَطِّ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا تَكْفِيرُ مَنْ كَتَبَ أَلْفَاظَ الْمُصْحَفِ بِالْخَطِّ الَّذِي اعْتَادَهُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ مُتَابَعَةَ خَطِّهِمْ أَحْسَنُ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ قَوْمٍ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَيَلْحَنُونَ فِيهِ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: كُلُّ لحنة بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا قَدَرُوا عَلَى تَصْحِيحٍ صَحَّحُوا وَإِنْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ حَسَبَ اسْتِطَاعَتِهِمْ.
و
َسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَتْلُو الْقُرْآنَ مَخَافَةَ النِّسْيَانِ وَرَجَاءَ الثَّوَابِ فَهَلْ يُؤْجَرُ عَلَى قِرَاءَتِهِ لِلدِّرَاسَةِ وَمَخَافَةَ النِّسْيَانِ أَمْ لَا؟
وَقَدْ ذَكَرَ رَجُلٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ أَنَّ الْقَارِئَ إذَا قَرَأَ لِلدِّرَاسَةِ مَخَافَةَ النِّسْيَانِ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ فَهَلْ قَوْلُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
بَلْ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ قَصَدَ بِقِرَاءَتِهِ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ لِئَلَّا يَنْسَاهُ فَإِنَّ نِسْيَانَ الْقُرْآنِ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِذَا قَصَدَ بِالْقُرْآنِ أَدَاءَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ دَوَامِ حِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ إهْمَالِهِ حَتَّى يَنْسَاهُ فَقَدْ قَصَدَ طَاعَةَ اللَّهِ فَكَيْفَ لَا يُثَابُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا﴾ " وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿عُرِضَتْ عَلَيَّ سَيِّئَاتُ أُمَّتِي فَرَأَيْت مِنْ مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا الرَّجُلَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَيَنَامُ عَنْهَا حَتَّى يَنْسَاهَا﴾ " وَفِي
صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ إلَّا غَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَحَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ﴾ ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
آخِرُ الْمُجَلَّدِ الثَالِثِ عَشَرَ
الْجُزْءُ الْرَّابِعِ عَشَرَ
كِتَابُ الْتَفْسِيرِ
الْجُزْءُ الْأَوَّلُ
مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ إِلَى سُورَةِ الْأَعْرَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ -:
فَصْلٌ:
أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ
الْقُرْآنُ الْفُرْقَانُ الْكِتَابُ الْهُدَى النُّورُ الشِّفَاءُ الْبَيَانُ الْمَوْعِظَةُ الرَّحْمَةُ بَصَائِرُ الْبَلَاغُ الْكَرِيمُ الْمَجِيدُ الْعَزِيزُ الْمُبَارَكُ التَّنْزِيلُ الْمُنَزَّلُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ حَبْلُ اللَّهِ الذِّكْرُ الذِّكْرَى تَذْكِرَةٌ ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ و ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الْمُتَشَابِهُ الْمَثَانِي الْحَكِيمُ {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ
الْحَكِيمِ} مُحْكَمٌ الْمُفَصَّلُ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ الْبُرْهَانُ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْحَقُّ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ الْقَصَصِ عَلَى قَوْلٍ كَلَامُ اللَّهِ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ الْعِلْمُ ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ الْقَيِّمُ ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ﴿قِيَمًا﴾ وَحَيٌّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ حِكْمَةٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ وَحُكْمًا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ وَنَبَأٌ عَلَى قَوْلٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ وَنَذِيرٌ عَلَى قَوْلٍ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى شَافِعًا مُشَفَّعًا وَشَاهِدًا مُصَدِّقًا وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك " وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﴿عِصْمَةٌ لِمَنْ اسْتَمْسَكَ بِهِ﴾ . وَأَمَّا وَصْفُهُ بِأَنَّهُ يَقُصُّ وَيَنْطِقُ وَيَحْكُمُ وَيُفْتِي وَيُبَشِّرُ وَيَهْدِي فَقَالَ: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أَيْ يُفْتِيكُمْ أَيْضًا ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ .
فَصْلٌ:
فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ.
﴿قَوْلُهُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فَإِنَّهُ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْفُوعِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ} . . . 1 .
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أَحَادِيثَ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ وَهَلْ رَوَاهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُعْتَبَرِينَ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ؟ إلَخْ فَقَالَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا حَدِيثُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ﴿النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي.
وَإِذَا قَالَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ} .
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ﴿ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ وَلَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلَّا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بنورين أُوتِيتهمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَك: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفِ مِنْهَا إلَّا أُعْطِيته﴾ وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: ﴿إنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أُعْطِيَهَا مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.﴾
فَصْلٌ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَهِيَ الشَّافِيَةُ وَهِيَ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَوَاتِ لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا وَهِيَ الْكَافِيَةُ تَكْفِي مِنْ غَيْرِهَا وَلَا يَكْفِي غَيْرُهَا عَنْهَا.
وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَهِيَ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ كَلِمٍ طَيِّبٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ؛ أَفْضَلُ كَلِمِهَا الطَّيِّبِ وَأَوْجَبُهُ الْقُرْآنُ وَأَفْضَلُ عَمَلِهَا الصَّالِحِ وَأَوْجَبُهُ السُّجُودُ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا عَلَى رَسُولِهِ حَيْثُ افْتَتَحَهَا
بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلُهَا الْقِرَاءَةُ وَآخِرُهَا السُّجُودُ.
وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِالسُّجُودِ الرَّكْعَةُ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا وَحْدَهُمْ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ لِلْإِمَامِ وَمَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ مِنْ تَكْبِيرٍ وَاسْتِفْتَاحٍ وَاسْتِعَاذَةٍ هِيَ تَحْرِيمٌ لِلصَّلَاةِ وَمُقَدِّمَةٌ لِمَا بَعْدَهُ أَوَّلُ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ كالتقدمة وَمَا يُفْعَلُ بَعْدَ السُّجُودِ مِنْ قُعُودٍ وَتَشَهُّدٍ فِيهِ التَّحِيَّةُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَالدُّعَاءُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَهُوَ تَحْلِيلٌ لِلصَّلَاةِ ومعقبة لِمَا قَبْلَهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ.﴾ وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاء
ُ أَيُّمَا أَفْضَلُ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ طُولُ الْقِيَامِ
أَوْ هُمَا سَوَاءٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ الْقِيَامُ فِيهِ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ وَالسُّجُودُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فَاعْتَدَلَا؛ وَلِهَذَا كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَدِلَةً يَجْعَلُ الْأَرْكَانَ قَرِيبًا مِنْ السِّوَاءِ وَإِذَا أَطَالَ الْقِيَامَ طُولًا كَثِيرًا - كَمَا كَانَ يَفْعَلُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ - أَطَالَ مَعَهُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَإِذَا اقْتَصَدَ فِيهِ اقْتَصَدَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأُمُّ الْكِتَابِ كَمَا أَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيته﴾ وَفَضَائِلُهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ جَاءَ مَأْثُورًا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ جَمَعَ عِلْمَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقُرْآنِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْمُفَصَّلِ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَجَمَعَ عِلْمَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ الْجَامِعَتَيْنِ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَإِنَّ عِلْمَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ السَّمَاءِ اجْتَمَعَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ الْجَامِعَتَيْنِ.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ: ﴿إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
فَإِذَا قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَفِي رِوَايَةٍ: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ}
فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا النَّصِّ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُنْقَسِمَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ وَأَنَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ مُقْتَسَمُ السُّورَةِ ف ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مَعَ مَا قَبْلَهُ لِلَّهِ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَعَ مَا بَعْدَهُ لِلْعَبْدِ وَلَهُ مَا سَأَلَ.
وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: نِصْفُهَا ثَنَاءٌ وَنِصْفُهَا مَسْأَلَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ دُعَاءٌ.
وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَيْنَا أَنْ نُنَاجِيَهُ وَنَدْعُوَهُ بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَأَنْ نَسْتَعِينَهُ؛ إذْ إيجَابُ الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ إقْرَارٌ وَاعْتِرَافٌ وَدُعَاءٌ وَسُؤَالٌ هُوَ إيجَابٌ لِمَعْنَاهُ لَيْسَ إيجَابًا لِمُجَرَّدِ لَفْظٍ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ؛ بَلْ إيجَابُ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ إيجَابِ مُجَرَّدِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَحْصُلُ أَصْلُهُ بِمُجَرَّدِ الْقَلْبِ أَوْ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ بَلْ أَوْجَبَ دُعَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمُنَاجَاتَهُ وَتَكْلِيمَهُ وَمُخَاطَبَتَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ كَامِلًا صُورَةً وَمَعْنًى بِالْقَلْبِ وَبِسَائِرِ الْجَسَدِ.
وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْجَامِعَيْنِ إيجَابًا وَغَيْرَ إيجَابٍ فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وَقَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ شُعَيْبٍ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وَقَوْلِ إبْرَاهِيمَ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ إذْ أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَقُولَ: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَهُمْ
يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} . فَأَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَنْ يَقُولَ: عَلَى الرَّحْمَنِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ مَتَابِ كَمَا أَمَرَهُ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وَالْأَمْرُ لَهُ أَمْرٌ لِأُمَّتِهِ وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَفِي غَيْرِهَا لِأُمَّتِهِ لِيَكُونَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَلَا يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ عَامَّةُ مَا يَفْعَلُهُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخَالِصُونَ مَنْ أُمَّتِهِ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَالْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ مِنْ اللَّهِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَفْعَلُ مَا لَمْ يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَسَنًا أَوْ عَفْوًا وَهَذَا أَحَدُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِفَضْلِهِ وَفَضْلِ أُمَّتِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَفَضْلِ الْخَالِصِينَ مَنْ أُمَّتِهِ عَلَى الْمُشَوِّبِينَ الَّذِينَ شَابُوا مَا جَاءَ بِهِ بِغَيْرِهِ كَالْمُنْحَرِفِينَ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَإِلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصِدُ فِي عِبَادَاتِهِ وَأَذْكَارِهِ وَمُنَاجَاتِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ: ﴿اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: " مِنْك " هُوَ مَعْنَى التَّوَكُّلِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَقَوْلَهُ: " لَك " هُوَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي قِيَامِهِ مِنْ اللَّيْلِ: ﴿لَك أَسْلَمْت وَبِك آمَنْت وَعَلَيْك تَوَكَّلْت وَإِلَيْك أَنَبْت وَبِك خَاصَمْت وَإِلَيْك حَاكَمْت أَعُوذُ بِعِزَّتِك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ﴾ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ فَالْإِنْسَانُ فِي هَذَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٍ هِيَ الْقِسْمَةُ الْمُمْكِنَةُ إمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِبَادَةِ فَقَطْ وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالِاسْتِعَانَةِ فَقَطْ وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُمَا جَمِيعًا.
وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَلْ أَهْلُ الدِّيَانَاتِ هُمْ أَهْلُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَهُمْ الْمَقْصُودُونَ هُنَا بِالْكَلَامِ.
قِسْمٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ التَّأَلُّهِ لِلَّهِ وَمُتَابَعَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ فِي الْخُضُوعِ لِأَوَامِرِهِ وَزَوَاجِرِهِ وَكَلِمَاتِهِ الْكَوْنِيَّاتِ؛ لَكِنْ يَكُونُ مَنْقُوصًا مِنْ جَانِبِ الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ فَيَكُونُ إمَّا عَاجِزًا وَإِمَّا مُفَرِّطًا وَهُوَ مَغْلُوبٌ إمَّا مَعَ عَدُوِّهِ الْبَاطِنِ وَإِمَّا مَعَ عَدُوِّهِ الظَّاهِرِ وَرُبَّمَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْجَزَعُ مِمَّا يُصِيبُهُ وَالْحُزْنُ لِمَا يَفُوتُهُ وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَعْرِفُ شَرِيعَةَ اللَّهِ وَأَمْرَهُ وَيَرَى أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلشَّرِيعَةِ وَلِلْعِبَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَعْرِفُ قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ وَهُوَ حَسَنُ الْقَصْدِ طَالِبٌ لِلْحَقِّ لَكِنَّهُ غَيْرُ عَارِفٍ بِالسَّبِيلِ الْمُوَصِّلَةِ وَالطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ.
وَقِسْمٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ الِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَإِظْهَارِ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْخُضُوعِ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَكَلِمَاتِهِ الْكَوْنِيَّاتِ؛ لَكِنْ يَكُونُ مَنْقُوصًا مِنْ جَانِبِ الْعِبَادَةِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ فَلَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ
أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِشَرِيعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَاجِهِ؛ بَلْ قَصْدُهُ نَوْعُ سُلْطَانٍ فِي الْعَالَمِ إمَّا سُلْطَانُ قُدْرَةٍ وَتَأْثِيرٍ وَإِمَّا سُلْطَانُ كَشْفٍ وَإِخْبَارٍ أَوْ قَصْدُهُ طَلَبُ مَا يُرِيدُهُ وَدَفْعُ مَا يَكْرَهُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ أَوْ مَقْصُودُهُ نَوْعُ عِبَادَةٍ وَتَأَلُّهٍ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ هِمَّتُهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ الْمُعِينَةُ لَهُ عَلَى مَقْصُودِهِ فَيَكُونُ إمَّا جَاهِلًا وَإِمَّا ظَالِمًا تَارِكًا لِبَعْضِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ رَاكِبًا لِبَعْضِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَتَأَلَّهُ وَيَتَصَوَّفُ وَيَتَفَقَّرُ وَيَشْهَدُ قَدَرَ اللَّهِ وَقَضَاءَهُ وَلَا يَشْهَدُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ وَيَشْهَدُ قِيَامَ الْأَكْوَانِ بِاَللَّهِ وَفَقْرَهَا إلَيْهِ وَإِقَامَتَهُ لَهَا وَلَا يَشْهَدُ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَمَا الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْهُ وَيَرْضَاهُ وَمَا الَّذِي يَكْرَهُهُ مِنْهُ وَيَسْخَطُهُ.
وَلِهَذَا يَكْثُرُ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ لَهُ كَشْفٌ وَتَأْثِيرٌ وَخَرْقُ عَادَةٍ مَعَ انْحِلَالٍ عَنْ بَعْضِ الشَّرِيعَةِ وَمُخَالَفَةٍ لِبَعْضِ الْأَمْرِ وَإِذَا أَوْغَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ دَخَلَ فِي الْإِبَاحِيَّةِ وَالِانْحِلَالِ وَرُبَّمَا صَعِدَ إلَى فَسَادِ التَّوْحِيدِ فَيَخْرُجُ إلَى الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ الْمُقَيَّدِ كَمَا قَدْ وَقَعَ لِكَثِيرِ مِنْ الشُّيُوخِ وَيُوجَدُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " وَغَيْرِهِ مَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ يَدْخُلُ بَعْضُهُمْ فِي " الِاتِّحَادِ الْمُطْلَقِ وَالْقَوْلِ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ " فَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ " الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ " فِي أَوَّلِهَا:
الرَّبُّ حَقٌّ وَالْعَبْدُ حَقٌّ ... يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ المكلف
إنْ قُلْت عَبْدٌ فَذَاكَ ميت ... أَوْ قُلْت رَبٌّ أَنَّى يُكَلَّفْ
وَقِسْمٌ ثَالِثٌ مُعْرِضُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ جَمِيعًا.
وَهُمْ فَرِيقَانِ: أَهْلُ دُنْيَا وَأَهْلُ دِينٍ فَأَهْلُ الدِّينِ مِنْهُمْ هُمْ أَهْلُ الدِّينِ الْفَاسِدِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَسْتَعِينُونَ غَيْرَ اللَّهِ بِظَنِّهِمْ وَهَوَاهُمْ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ وَأَهْلُ الدُّنْيَا مِنْهُمْ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَا يَشْتَهُونَهُ مِنْ الْعَاجِلَةِ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَنْ قَدْ يُعْرِضُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَبَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ وَيَسْتَعِينُ بِسِوَاهُ.
فَصْلٌ:
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
فَبَدَأَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ: اللَّهِ وَالرَّبِّ.
و " اللَّهُ " هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ فَهَذَا الِاسْمُ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ
لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ و " الرَّبُّ " هُوَ الْمُرَبِّي الْخَالِقُ الرَّازِقُ النَّاصِرُ الْهَادِي وَهَذَا الِاسْمُ أَحَقُّ بِاسْمِ الِاسْتِعَانَةِ وَالْمَسْأَلَةِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . فَعَامَّةُ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ الْمَشْرُوعَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ.
فَالِاسْمُ الْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْعَبْدِ وَمَصِيرَهُ وَمُنْتَهَاهُ وَمَا خُلِقَ لَهُ وَمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَكَمَالُهُ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَالِاسْمُ الثَّانِي يَتَضَمَّنُ خَلْقَ الْعَبْدِ وَمُبْتَدَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ يُرَبِّهِ وَيَتَوَلَّاهُ مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ يَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ دُخُولَ الرُّبُوبِيَّةِ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْأُلُوهِيَّةَ أَيْضًا.
وَالِاسْمُ " الرَّحْمَنِ " يَتَضَمَّنُ كَمَالَ التَّعْلِيقَيْنِ وَبِوَصْفِ الْحَالَيْنِ فِيهِ تَتِمُّ سَعَادَتُهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ فَذَكَرَ هُنَا الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ: (الرَّحْمَنَ و (رَبِّي و (الْإِلَهَ وَقَالَ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ كَمَا ذَكَرَ الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ؛ لَكِنْ بَدَأَ هُنَاكَ بِاسْمِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا بَدَأَ فِي السُّورَةِ بـ (إيَّاكَ نَعْبُدُ فَقَدَّمَ الِاسْمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ
تِلْكَ السُّورَةَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَأُمُّ الْقُرْآنِ فَقَدَّمَ فِيهَا الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ الغائية فَإِنَّهَا عِلَّةٌ فَاعِلِيَّةٌ لِلْعِلَّةِ الغائية.
وَقَدْ بَسَطْت هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ؛ فِي أَوَّلِ " التَّفْسِيرِ " وَفِي " قَاعِدَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْإِرَادَةِ " وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ النُّفُوسِ بِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ إلَى الرَّبِّ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ إلَى الْإِلَهِ الْمَعْبُودِ وَقَصْدِهِمْ لِدَفْعِ حَاجَاتِهِمْ الْعَاجِلَةِ قَبْلَ الْآجِلَةِ كَانَ إقْرَارُهُمْ بِاَللَّهِ مِنْ جِهَةِ رُبُوبِيَّتِهِ أَسْبَقَ مِنْ إقْرَارِهِمْ بِهِ مِنْ جِهَةِ أُلُوهِيَّتِهِ وَكَانَ الدُّعَاءُ لَهُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْعِبَادَةِ لَهُ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ.
وَلِهَذَا إنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ يَدْعُونَهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وَأَنَّهُمْ إذَا مَسَّهُمْ الضُّرُّ ضَلَّ مَنْ يَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ وَقَالَ: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَأَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ لَهُ الدِّينَ إذَا مَسَّهُمْ
الضُّرُّ فِي دُعَائِهِمْ وَاسْتِعَانَتِهِمْ ثُمَّ يُعْرِضُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ فِي حَالِ حُصُولِ أَغْرَاضِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّمَا يُقَرِّرُونَ الْوَحْدَانِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَمَّا الرُّسُلُ فَهُمْ دَعَوْا إلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْأُلُوهِيَّةِ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَعَبِّدَةِ وَأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا تَوَجُّهُهُمْ إلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِمَا يَمُدُّهُمْ بِهِ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْأَحْوَالِ الَّتِي بِهَا يَتَصَرَّفُونَ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْمُلُوكِ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ هَذَا الصِّنْفَ كَثِيرًا فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ تَنْكَشِفُ بِهِ أَحْوَالُ قَوْمٍ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْحَقَائِقِ وَيَعْمَلُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ لَعَمْرِي فِي نَوْعٍ مِنْ الْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ لَا فِي الْحَقَائِقِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ وَقَدْ تَكَلَّمْت عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ بَلْ وَجَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ عِبَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى فُقَرَاءُ إلَيْهِ مَمَالِيكُ لَهُ وَهُوَ رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ وَإِلَهُهُمْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَالْمَخْلُوقُ لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ أَصْلًا؛ بَلْ نَفْسُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَوْ يَسْتَحِقُّهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَبُّ
ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَلِيكُهُ وَبَارِئُهُ وَخَالِقُهُ وَمُصَوِّرُهُ.
وَإِذَا قُلْنَا لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا الْعَدَمُ فَالْعَدَمُ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا يَفْتَقِرُ إلَى فَاعِلٍ مَوْجُودٍ؛ بَلْ الْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءِ وَبَقَاؤُهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ فِعْلِ الْفَاعِلِ لَا أَنَّ عَدَمَ الْفَاعِلِ يُوجِبُهُ وَيَقْتَضِيهِ كَمَا يُوجِبُ الْفَاعِلُ الْمَفْعُولَ الْمَوْجُودَ؛ بَلْ قَدْ يُضَافُ عَدَمُ الْمَعْلُولِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمَوْجُودَ إنَّمَا خَلَقَهُ وَأَبْدَعَهُ الْفَاعِلُ وَلَيْسَ الْمَعْدُومُ أَبْدَعَهُ عَدَمُ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ وَالدَّوْرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ اقْتِضَاءُ أَحَدِ العدمين لِلْآخَرِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ العدمين مُمَيِّزًا لِحَقِيقَةِ اسْتَوْجَبَ بِهَا أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ أَنَّ عَدَمَ الْمُقْتَضِي أَوْلَى بِعَدَمِ الْأَثَرِ مِنْ الْعَكْسِ فَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وُجُودُ الْمُقْتَضِي هُوَ الْمُفِيدُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي صَارَ الْعَقْلُ يُضِيفُ عَدَمَهُ إلَى عَدَمِهِ إضَافَةً لُزُومِيَّةً؛ لِأَنَّ عَدَمَ الشَّيْءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي أَوْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ.
وَبَعْدَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ إلَّا لِأَجْلِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَوْ الْحَالَتَيْنِ؛ فَلَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُودِهِ يَعُوقُهُ وَيَمْنَعُهُ الْمَانِعُ الْمُنَافِي وَهُوَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ وَتَارَةً لَا يَكُونُ سَبَبُهُ قَدْ انْعَقَدَ صَارَ عَدَمُهُ تَارَةً يُنْسَبُ إلَى عَدَمِ مُقْتَضِيهِ وَتَارَةً إلَى وُجُودِ مَانِعِهِ وَمُنَافِيهِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ إذْ
مَشِيئَتُهُ هِيَ الْمُوجِبَةُ وَحْدَهَا لَا غَيْرُهَا فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهَا انْتِفَاؤُهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ حَتَّى تَكُونَ مَشِيئَتُهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ بِدُونِهَا بِحَالِ فَلَيْسَ لَنَا سَبَبٌ يَقْتَضِي وُجُودَ شَيْءٍ حَتَّى تَكُونَ مَشِيئَتُهُ مَانِعَةً مِنْ وُجُودِهِ بَلْ مَشِيئَتُهُ هِيَ السَّبَبُ الْكَامِلُ فَمَعَ وُجُودِهَا لَا مَانِعَ وَمَعَ عَدَمِهَا لَا مُقْتَضًى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ خَيْرٌ أَصْلًا؛ بَلْ مَا بِنَا مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَإِذَا مَسَّنَا الضُّرُّ فَإِلَيْهِ نَجْأَرُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وَقَالَ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: ﴿اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ﴾ وَقَالَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ:
﴿لَبَّيْكَ وسعديك وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت﴾ . وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا فَالْمَعْدُومُ سَوَاءٌ كَانَ عَدَمَ ذَاتٍ أَوْ عَدَمَ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهَا أَوْ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهَا مِثْلَ عَدَمِ الْحَيَاةِ أَوْ الْعِلْمِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ الْكَلَامِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى تَنَوُّعِ أَصْنَافِهِ مِثْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَرَجَائِهِ وَخَشْيَتِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَحْمُودَةِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا خَيْرَاتٌ وَحَسَنَاتٌ وَعَدَمَهَا شَرٌّ وَسَيِّئَاتٌ؛ لَكِنَّ هَذَا الْعَدَمَ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلًا حَتَّى يَكُونَ لَهُ بَارِئٌ وَفَاعِلٌ فَيُضَافُ إلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمَ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ وَبَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ؛ فَإِنَّهَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ عَدَمٌ مُسْتَلْزِمٌ لِهَذَا الْعَدَمِ وَبَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ - وَقَدْ خُلِقَتْ ضَعِيفَةً نَاقِصَةً - فِيهَا النَّقْصُ وَالضَّعْفُ وَالْعَجْزُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ عَدَمِيَّةٌ فَأُضِيفَ إلَى النَّفْسِ مِنْ بَابِ إضَافَةِ عَدَمِ الْمَعْلُولِ إلَى عَدَمِ عِلَّتِهِ وَعَدَمِ مُقْتَضِيهِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ بَابِ إضَافَتِهِ إلَى وُجُودِ مُنَافِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
و " نُكْتَةُ الْأَمْرِ " أَنَّ هَذَا الشَّرَّ وَالسَّيِّئَاتِ الْعَدَمِيَّةَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ خَالِقَهَا فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَالْمَعْدُومَاتُ تُنْسَبُ تَارَةً إلَى عَدَمِ فَاعِلِهَا وَتَارَةً إلَى وُجُودِ مَانِعِهَا فَلَا تُنْسَبُ إلَيْهِ هَذِهِ الشُّرُورُ الْعَدَمِيَّةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ:
أَمَّا " الْأَوَّلُ " فَلِأَنَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ فَلَا يُقَالُ عُدِمَتْ لِعَدَمِ فَاعِلهَا وَمُقْتَضِيهَا.
وَأَمَّا " الثَّانِي " - وَهُوَ وُجُودُ الْمَانِعِ - فَلِأَنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا وُجِدَ الْمُقْتَضِي وَلَوْ شَاءَ فِعْلَهَا لَمَا مَنَعَهُ مَانِعٌ وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - لَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ مَا شَاءَ فِعْلَهُ؛ بَلْ هُوَ فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ يَخْلُقُ هَذَا سَبَبًا وَمُقْتَضِيًا وَمَانِعًا فَإِنْ جَعَلَ السَّبَبَ تَامًّا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ تَامًّا مَنَعَهُ الْمَانِعُ لِضِعْفِ السَّبَبِ وَعَدَمِ إعَانَةِ اللَّهِ لَهُ فَلَا يُعْدَمُ أَمْرٌ إلَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَشَأْهُ كَمَا لَا يُوجَدُ أَمْرٌ إلَّا لِأَنَّهُ يَشَاؤُهُ وَإِنَّمَا تُضَافُ هَذِهِ السَّيِّئَاتُ الْعَدَمِيَّةُ إلَى الْعَبْدِ لِعَدَمِ السَّبَبُ مِنْهُ تَارَةً وَلِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ أُخْرَى.
أَمَّا عَدَمُ السَّبَبِ فَظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ قُوَّةٌ وَلَا حَوْلٌ وَلَا خَيْرٌ وَلَا سَبَبُ خَيْرٍ أَصَالَةً وَلَوْ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ لَكَانَ سَبَبًا فَأُضِيفَ إلَيْهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ كَانَ سَبَبًا لَهَا بِإِعَانَةِ اللَّهِ لَهُ فَمَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ كَانَ لِعَدَمِ السَّبَبِ.