ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَالَ البيهقي فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ مَا ذَكَرَهُ الخطابي أَيْضًا فِي " الغنية عَنْ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ وَقَدْ سَلَكَ بَعْضُ مَنْ بَحَثَ فِي إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَال بِمُقَدِّمَاتِ النُّبُوَّةِ وَمُعْجِزَاتِ الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّ دَلَائِلَهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْحِسِّ لِمَنْ شَاهَدَهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ اسْتِفَاضَةِ الْخَبَرِ لِمَنْ غَابَ عَنْهَا؛ فَلَمَّا ثَبَتَتْ النُّبُوَّةُ صَارَتْ أَصْلًا فِي وُجُوبِ قَبُولِ مَا دَعَا إلَيْهِ النَّبِيُّ؛ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ إيمَانُ أَكْثَرِ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلرَّسُولِ؛ وَذَكَرَ: قِصَّةَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ مَعَ النَّجَاشِيِّ وَقِصَّةَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْت: كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ: لَا بُدَّ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْمَعْرِفَةُ أَوَّلًا بِثُبُوتِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ الَّتِي يَعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ هُوَ وَيُظْهِرُ الْمُعْجِزَةَ وَإِلَّا تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِ الرَّبِّ.
وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ فَصَحِيحَةٌ إذَا حُرِّرَتْ وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِهَا فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ كَانَ مُنْكِرًا لِلرَّبِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿قَالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . فَهُنَا: قَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسَى الْحُجَّةَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي جَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ فِي كَوْنِهِ رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَفِي أَنَّ لَهُ إلَهًا غَيْرَ فِرْعَوْنَ يَتَّخِذُهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ - الَّتِي هِيَ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ - تَدُلُّ بِنَفْسِهَا عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ كَسَائِرِ الْحَوَادِثِ بَلْ هِيَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ الْمُعْتَادَةَ لَيْسَتْ فِي الدَّلَالَةِ كَالْحَوَادِثِ الْغَرِيبَةِ؛ وَلِهَذَا يُسَبَّحُ الرَّبُّ عِنْدَهَا وَيُمَجَّدُ وَيُعَظَّمُ مَا لَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُعْتَادِ وَيَحْصُلُ فِي النُّفُوسِ ذِلَّةٌ مِنْ ذِكْرِ عَظَمَتِهِ مَا لَا يَحْصُلُ لِلْمُعْتَادِ إذْ هِيَ آيَاتٌ جَدِيدَةٌ فَتُعْطَى حَقَّهَا وَتَدُلُّ بِظُهُورِهَا عَلَى الرَّسُولِ وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا تَدْعُو إلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
فَتَتَقَرَّرُ بِهَا الرُّبُوبِيَّةُ وَالرِّسَالَةُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ضَرُورِيَّةٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ: كَالْجَاحِظِ وَطَوَائِفَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ وَالْكَرَامَةِ بِالضَّرُورَةِ.
وَمَنْ يَقُولُ: إنَّ شَهَادَةَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ وَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: لِأَنَّ عَدَمَ دَلَالَتِهَا عَلَى الصِّدْقِ مُسْتَلْزِمٌ عَجْزَ الْبَارِئِ إذْ لَا طَرِيقَ سِوَاهَا.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ: فَلِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ قَبِيحٌ لَا يَجُوزُ مِنْ الْبَارِّي فِعْلُهُ.
وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: لَيْسَ.
. . (1) كَأُمُورِ كَثِيرَةٍ جِدًّا وَقَدْ بَيَّنْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْعِلْمَ مَوْجُودٌ ضَرُورِيٌّ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ.
. . (2)
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
(1، 2) بياض بالأصل
وَسُئِلَ:
أَيُّمَا أَوْلَى مُعَالَجَةُ مَا يَكْرَهُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِك مِثْلُ.
الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَرُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ.
وَغَيْرِ ذَلِكَ.
مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْقَلْبِ مِنْ دَرَنِهِ وَخُبْثِهِ؟ أَوْ الِاشْتِغَالُ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ: مَنْ النَّوَافِلِ وَالْمَنْذُورَاتِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الْأُمُورِ فِي قَلْبِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ: وَأَنَّ لِلْأَوْجَبِ فَضْلًا وَزِيَادَةً.
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيمَا يَرْوِيه عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ﴾ . ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾ وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لَا تَكُونُ صَالِحَةً مَقْبُولَةً إلَّا بِتَوَسُّطِ عَمَلِ الْقَلْبِ فَإِنَّ الْقَلْبَ مَلِكٌ وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ.
فَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ﴾ وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْقَلْبِ لَا بُدَّ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي عَمَلِ الْجَسَدِ وَإِذَا كَانَ الْمُقَدَّمُ هُوَ الْأَوْجَبُ، سَوَاءٌ سُمِّيَ
بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا فَقَدْ يَكُونُ مَا يُسَمَّى بَاطِنًا أَوَجَبَ مِثْلُ تَرْكِ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ فَإِنَّهُ أَوَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَوَافِلِ الصِّيَامِ وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا سُمِّيَ ظَاهِرًا أَفْضَلَ: مِثْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ تَرْكِ بَعْضِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي تَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ جِنْسِ الْغِبْطَةِ وَنَحْوِهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَمَلِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ يُعِينُ الْآخَرَ وَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَتُورِثُ الْخُشُوعَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ الْعَظِيمَةِ: هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَالصَّدَقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ هَلْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿زِدْنِي فِيك تَحَيُّرًا؟﴾ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَوَّلُ الْمَعْرِفَةِ الْحَيْرَةُ وَآخِرُهَا الْحَيْرَةُ.
قِيلَ: مِنْ أَيْنَ تَقَعُ الْحَيْرَةُ.
قِيلَ: مِنْ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا كَثْرَةُ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ شِدَّةُ الشَّرِّ وَحَذَرُ الْإِيَاسِ.
وَقَالَ الواسطي: نَازِلَةٌ تَنْزِلُ بِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ بَيْنَ الْإِيَاسِ وَالطَّمَعِ لَا تُطْمِعُهُمْ فِي الْوَصْلِ فَيَسْتَرِيحُونَ وَلَا تُؤَيِّسُهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فَيَسْتَرِيحُونَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَتَى أَصِلُ إلَى طَرِيقِ الرَّاجِينَ وَأَنَا مُقِيمٌ فِي حَيْرَةِ الْمُتَحَيِّرِينَ؟ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْعَارِفُ: كُلَّمَا انْتَقَلَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ اسْتَقْبَلَتْهُ الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ.
وَقَالَ: أَعْرَفُ النَّاسِ بِاَللَّهِ أَشَدُّهُمْ فِيهِ تَحَيُّرًا وَقَالَ الْجُنَيْد: انْتَهَى عَقْلُ الْعُقَلَاءِ إلَى الْحَيْرَةِ وَقَالَ ذُو النُّونِ: غَايَةُ الْعَارِفِينَ التَّحَيُّرُ.
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
قَدْ تَحَيَّرْت فِيك خُذْ بِيَدِي ... يَا دَلِيلًا لِمَنْ تَحَيَّرَ فِيهِ
فَبَيِّنُوا لَنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا؟.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ ﴿زِدْنِي فِيك تَحَيُّرًا﴾ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يَرْوِيه جَاهِلٌ أَوْ مُلْحِدٌ؛ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ حَائِرًا وَأَنَّهُ سَأَلَ الزِّيَادَةَ فِي الْحَيْرَةِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاهُ بِمَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ وَأَمَرَهُ بِسُؤَالِ الزِّيَادَةِ مِنْ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا وَأَنَّهُ أَمَرَ بِطَلَبِ الْمَزِيدِ مِنْ الْعِلْمِ وَلِذَلِكَ أُمِرَ هُوَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِطَلَبِ الْهِدَايَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَمَنْ يَهْدِي الْخَلْقَ كَيْفَ يَكُونُ حَائِرًا.
وَاَللَّهُ قَدْ ذَمَّ الْحَيْرَةَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ . وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْحَيْرَةُ مِنْ جِنْسِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عِلْمًا بِاَللَّهِ وَبِأَمْرِهِ وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ اهْتِدَاءً فِي نَفْسِهِ وَهَدْيًا لِغَيْرِهِ وَأَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَاَللَّهُ قَدْ هَدَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَقَدْ كَفَلَ اللَّهُ لِمَنْ آمَنَ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.
وَلَمْ يَمْدَحْ الْحَيْرَةَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَدَحَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ: كَصَاحِبِ " الْفُصُوصِ " ابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ هُمْ حَيَارَى فَمَدَحُوا الْحَيْرَةَ وَجَعَلُوهَا أَفْضَلَ مِنْ الِاسْتِقَامَةِ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ مِنْهُمْ يَكُونُ أَفْضَلَ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاَللَّهِ مِنْهُمْ وَكَانُوا فِي
ذَلِكَ.
كَمَا يُقَالُ فِيمَنْ قَالَ: فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ تَحْتِهِمْ لَا عَقْلَ وَلَا قُرْآنَ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَقْدَمُ فَكَيْفَ يَسْتَفِيدُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ وَهُمْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسُوا أَفْضَلَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَخَرَجَ هَؤُلَاءِ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ: دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ بَسَطْنَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلَهُمْ فِي " وَحْدَةِ الْوُجُودِ وَالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ " كَلَامٌ مِنْ شَرِّ كَلَامِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الْحَيْرَةَ: فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ حَيْرَتِهِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي مَدْحَ الْحَيْرَةِ؛ بَلْ الْحَائِرُ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الْهُدَى كَمَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَدْعُوَ يَقُولُ: يَا دَلِيلَ الْحَائِرِينَ دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِك الصَّالِحِينَ.
فَأَمَّا الَّذِي قَالَ: أَوَّلُ الْمَعْرِفَةِ الْحَيْرَةُ وَآخِرُهَا الْحَيْرَةُ.
فَقَدْ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَعْنًى صَحِيحًا مِثْلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الطَّالِبَ السَّالِكَ يَكُونُ حَائِرًا قَبْلَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ وَالْهُدَى فَإِنَّ كُلَّ طَالِبٍ لِلْعِلْمِ وَالْهُدَى هُوَ قَبْلَ حُصُولِ مَطْلُوبِهِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْحَيْرَةِ وَقَوْلُهُ آخِرُهَا الْحَيْرَةُ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَزَالُ طَالِبُ الْهُدَى وَالْعِلْمِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَائِرًا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحُ الْحَيْرَةِ وَلَكِنْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِيَ الْإِنْسَانَ نَوْعٌ مِنْ الْحَيْرَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ مَعَهَا إلَى الْعِلْمِ وَالْهُدَى.
وَقَوْلُهُ: وَالْحَيْرَةُ مِنْ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: كَثْرَةُ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَ " الْآخَرُ " شِدَّةُ الشَّرِّ وَحَذَرُ الْإِيَاسِ - إخْبَارٌ عَنْ سُلُوكٍ مُعَيَّنٍ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَالِكٍ يَعْتَرِيه هَذَا وَلَكِنْ مِنْ السَّالِكِينَ مَنْ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَا يَقْبَلُ وَمَا يَرُدُّ وَمَا يَفْعَلُ وَمَا يَتْرُكُ وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ دَوَامَ الدُّعَاءِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالتَّضَرُّعُ إلَيْهِ وَالِاسْتِهْدَاءُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ بِشِدَّةِ الشَّرِّ وَحَذِرِ الْإِيَاسِ فَإِنَّ فِي السَّالِكِينَ مَنْ يُبْتَلَى بِأُمُورِ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ يَخَافُ مَعَهَا أَنْ يَصِيرَ إلَى الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِقُوَّةِ خَوْفِهِ وَكَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ نَفْسِهِ وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ سَعَةَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَقَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْ عِبَادِهِ وَفَرَحَهُ بِذَلِكَ وَقَوْلُ الْآخَرِ: نَازِلَةٌ تَنْزِلُ بِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ بَيْنَ الْيَأْسِ وَالطَّمَعِ فَلَا تُطْمِعُهُمْ فِي الْوُصُولِ فَيَسْتَرِيحُونَ وَلَا تُؤَيِّسُهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فَيَسْتَرِيحُونَ فَيُقَالُ: هَذَا أَيْضًا حَالٌ عَارِضٌ لِبَعْضِ السَّالِكِينَ لَيْسَ هَذَا أَمْرًا لَازِمًا لِكُلِّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ اللَّهِ وَلَا هُوَ أَيْضًا غَايَةٌ مَحْمُودَةٌ " وَلَكِنَّ بَعْضَ السَّالِكِينَ يَعْرِضُ لَهُ هَذَا.
كَمَا يُذْكَرُ عَنْ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَنْشُدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
أَظَلَّتْ عَلَيْنَا مِنْك يَوْمًا سَحَابَةٌ ... أَضَاءَتْ لَنَا بَرْقًا وَأَبْطَأَ رَشَاشُهَا
فَلَا غَيْمُهَا يَجْلُو فَيَيْأَسُ طَامِعٌ ... وَلَا غَيْثُهَا يَأْتِي فَيَرْوِي عِطَاشَهَا
وَصَاحِبُ هَذَا الْكَلَامِ إلَى أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَغْفِرَ لَهُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى أَنْ يُمْدَحَ عَلَيْهِ أَوْ يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لَمَّا تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا يَعْرِضُ لِطَائِفَةٍ مِنْ كَلَامٍ فِيهِ مُعَاتَبَةٌ لِجَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَإِقَامَةُ حُجَّةٍ عَلَيْهِ بِالْمَجْنُونِ الْمُتَحَيِّرِ وَإِقَامَةُ عُذْرِ الْمُحِبِّ وَأُمُورٌ تُشْبِهُ هَذَا.
قَدْ تَحَيَّزَ مَنْ قَالَ بِمُوجِبِهَا إلَى الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ؛ إذْ الْوَاجِبُ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ بِفَضْلِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ وَلِلنَّفْسِ بِالتَّقْصِيرِ وَالذَّنْبِ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ مَنْ قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
﴿يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت مِنْهُ ذِرَاعًا.
وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي﴾ وَقَدْ ثَبَتَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ مَا يَبْهَرُ الْعُقُولَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ كِبَارٍ مِنْ مَسَائِلِ " الْقَدَرِ " وَ " الْأَمْرِ " وَ " الْوَعْدِ " وَ " الْوَعِيدِ ". وَ " الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: الْكَلَامُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَا تُطْمِعُهُمْ فِي الْوُصُولِ فَيَسْتَرِيحُونَ وَلَا تُؤَيِّسُهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فَيَسْتَرِيحُونَ.
هِيَ حَالٌ عَارِضٌ لِشَخْصِ قَدْ تَعَلَّقَتْ هِمَّتُهُ بِمَطْلُوبِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ يَتَرَدَّدُ فِيهِ بَيْنَ الْيَأْسِ وَالطَّمَعِ وَهَذَا حَالٌ مَذْمُومٌ؟ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْتَرِحَ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا مُعَيَّنًا؛ بَلْ تَكُونُ هِمَّتُهُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ وَالصَّبْرَ عَلَى الْمَقْدُورِ.
فَمَتَى أُعِينَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَطَالِبِ: مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وَلَوْ تَعَلَّقَتْ هِيَ بِمَطْلُوبِ فَدَعَا اللَّهَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِيه إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ مِثْلَهَا وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ الشَّرِّ مِثْلَهَا.
وَلَفْظُ " الْوُصُولِ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ سَالِكٍ إلَّا وَلَهُ غَايَةٌ
يَصِلُ إلَيْهَا.
وَإِذَا قِيلَ: وَصَلَ إلَى اللَّهِ أَوْ إلَى تَوْحِيدِهِ أَوْ مَعْرِفَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
فَفِي ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالدَّرَجَاتِ الْمُتَبَايِنَةِ مَا لَا يُحْصِيه إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَأْسُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ.
كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجُوَ ذَلِكَ وَيَطْمَعَ فِيهِ.
لَكِنْ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ وَإِذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَعَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَازَمَ الِاسْتِغْفَارَ وَالِاجْتِهَادَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ وَنُورُ الْهِدَايَةِ فَلْيُكْثِرْ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ وَلْيُلَازِمْ الِاجْتِهَادَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وَعَلَيْهِ بِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ وَلُزُومِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ؛ مُتَبَرِّئًا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَيْأَسَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ اللَّهِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ لَا يَيْأَسَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ عَذَابَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ . قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ فَهُوَ
حروري وَمَنْ عَبَدَهُ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُرْجِئٌ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَتَى أَصِلُ إلَى طَرِيقِ الرَّاجِينَ؟ وَأَنَا مُقِيمٌ فِي حَيْرَةِ الْمُتَحَيِّرِينَ؛ فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ عَنْ حَالٍ مَذْمُومٍ هُوَ فِيهَا كَمَا يُخْبِرُ الرَّجُلُ عَنْ نَقْصِ إيمَانِهِ وَضَعْفِ عِرْفَانِهِ وَرَيْبٍ فِي يَقِينِهِ؛ وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا مِمَّا يُطْلَبُ؛ بَلْ هُوَ مِمَّا يُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ: إنَّهُ قَالَ: الْعَارِفُ كُلَّمَا انْتَقَلَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ اسْتَقْبَلَتْهُ الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ.
فَهَذَا قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا انْتَقَلَ إلَى مَقَامٍ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ حَصَلَ لَهُ تَشَوُّقٌ إلَى مَقَامٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ؛ فَهُوَ حَائِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ دُونَ مَا وَصَلَ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: أَعْرَفُ النَّاسِ بِاَللَّهِ أَشَدُّهُمْ فِيهِ تَحَيُّرًا؛ أَيْ أطلبهم لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ تُوجِبُ لَهُ الشُّعُورَ بِأُمُورِ لَمْ يَعْرِفْهَا بَعْدُ؛ بَلْ هُوَ حَائِرٌ فِيهَا طَالِبٌ لِمَعْرِفَتِهَا وَالْعِلْمِ بِهَا وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ قَدْ قَالَ: ﴿لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك﴾ وَالْخَلْقُ مَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا.
وَمَا نُقِلَ عَنْ " الْجُنَيْد " أَنَّهُ قَالَ: انْتَهَى عَقْلُ الْعُقَلَاءِ إلَى الْحَيْرَةِ؛
فَهَذَا مَا أَعْرِفُهُ مِنْ كَلَامِ الْجُنَيْد.
وَفِيهِ نَظَرٌ هَلْ قَالَهُ وَلَعَلَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ الْمَعْهُودِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ هَذَا فَأَرَادَ عَدَمَ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ؛ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَمْ يَحْصُلْ يَقِينٌ وَمَعْرِفَةٌ وَهُدًى وَعِلْمٌ؛ فَإِنَّ الْجُنَيْد أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ هَذَا وَهَذَا الْكَلَامُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ قَالَهُ.
لَكِنْ إذَا قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ مَهْمَا حَصَّلُوا مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ وَالْهُدَى فَهُنَاكَ أُمُورٌ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهَا فَهَذَا صَحِيحٌ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَأَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ: ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي﴾ قَالَ: ﴿مَنْ قَالَ هَذَا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا﴾ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ وَهَذِهِ لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ وَلَا بَشَرٌ.
فَإِذَا أَرَادَ الْمُرِيدُ أَنَّ عُقُولَ الْعُقَلَاءِ لَمْ تَصِلْ إلَى مَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَهَذَا صَحِيحٌ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنَّ الْعُقَلَاءَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَلَا يَقِينٌ بَلْ حَيْرَةٌ وَرَيْبٌ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَمَا ذُكِرَ عَنْ ذِي النُّونِ " فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّ ذَا النُّونِ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ كَلَامٌ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَعَزَّرَهُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ وَطَلَبَهُ
الْمُتَوَكِّلُ إلَى بَغْدَادَ وَاتُّهِمَ بِالزَّنْدَقَةِ وَجَعَلَهُ النَّاسُ مَنْ الْفَلَاسِفَةِ فَمَا أَدْرِي هَلْ قَالَ هَذَا أَمْ لَا؟ بِخِلَافِ الْجُنَيْد فَإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ وَالْمُتَابَعَةَ غَالِبَةٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ثَمَّ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ غَيْرِ الرَّسُولِ؛ لَكِنَّ الشُّيُوخَ الَّذِينَ عُرِفَ صِحَّةُ طَرِيقَتِهِمْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَهَذَا قَدْرُ مَا احْتَمَلَتْهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
سُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ يُحِبُّ رَجُلًا عَالِمًا.
فَإِذَا الْتَقَيَا ثُمَّ افْتَرَقَا حَصَلَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ شِبْهُ الْغَشْيِ مِنْ أَجْلِ الِافْتِرَاقِ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الْعَالِمُ مَشْغُولًا بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الْحَالُ.
فَهَلْ هَذَا مِنْ الرَّجُلِ الْمُحِبِّ؟ . أَمْ هُوَ تَأْثِيرُ الرَّجُلِ الْعَالِمِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، سَبَبُهُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هَذَا مِثْلُ الْمَاءِ إذَا شَرِبَهُ الْعَطْشَانُ حَصَلَ لَهُ لَذَّةٌ وَطِيبٌ وَسَبَبُهَا عَطَشُهُ وَبَرْدُ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ النَّارُ إذَا وَقَعَتْ فِي الْقُطْنِ سَبَبُهُ مِنْهَا وَمِنْ الْقُطْنِ.
وَالْعَالِمُ الْمُقْبِلُ عَلَى الطَّالِبِ يَحْصُلُ لَهُ لَذَّةٌ وَطِيبٌ وَسُرُورٌ بِسَبَبِ إقْبَالِ هَذَا وَتَوَجُّهِهِ وَهَذَا حَالُ الْمُحِبِّ مَعَ الْمَحْبُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
سُئِلَ:
مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْمُشْتَغِلِينَ بِالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَالرِّيَاضَةِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَمَا أَشْبَهَهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكُشُوفَاتِ وَالْكَرَامَاتِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ - مَعَ قِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَجَهْلِ بَعْضِهِمْ - مَا لَا يُفْتَحُ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ وَدَرْسِهِ؟ . وَالْبَحْثُ عَنْهُ؟ حَتَّى لَوْ بَاتَ الْإِنْسَانُ مُتَوَجِّهًا مُشْتَغِلًا بِالذِّكْرِ وَالْحُضُورِ لَا بُدَّ أَنْ يَرَى وَاقِعَةً أَوْ يُفْتَحَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ بَاتَ لَيْلَةً يُكَرِّرُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ لَا يَجِدُ ذَلِكَ حَتَّى إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ يَجِدُ لِلذِّكْرِ حَلَاوَةً وَلَذَّةً وَلَا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْعَابِدُ مُحْتَاجًا إلَى عِلْمٍ هُوَ مُشْتَغِلٌ بِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ.
فَفِي الْحَدِيثِ ﴿إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْعَابِدِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ: اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ الْعُلَمَاءُ بِفَضْلِ عِلْمِنَا عَبَدُوا وَجَاهَدُوا فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
لَهُمْ: أَنْتُمْ عِنْدِي كَمَلَائِكَتِي اشْفَعُوا فَيُشَفَّعُونَ.
ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ.
ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ يُؤْثِرُ الْعِبَادَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ مَعَ جَهْلِهِ بِمَا يُبْطِلُ كَثِيرًا مِنْ عِبَادَتِهِ كَنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ أَوْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَرُبَّمَا يَحْكِي بَعْضُهُمْ حِكَايَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى: بِأَنْ " رَابِعَةَ العدوية " - رَحِمَهَا اللَّهُ - أَتَتْ لَيْلَةً بِالْقُدُسِ تُصَلِّي حَتَّى الصَّبَاحِ وَإِلَى جَانِبِهَا بَيْتٌ فِيهِ فَقِيهٌ يُكَرِّرُ عَلَى بَابِ الْحَيْضِ إلَى الصَّبَاحِ فَلَمَّا أَصْبَحَتْ رَابِعَةُ قَالَتْ لَهُ: يَا هَذَا وَصَلَ الْوَاصِلُونَ إلَى رَبِّهِمْ وَأَنْتَ مُشْتَغِلٌ بِحَيْضِ النِّسَاءِ.
أَوْ نَحْوِهَا فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِبَادَةِ مَعَ فَضْلِهِ عَلَيْهِ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا رَيْبَ أَنَّ الَّذِي أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْإِيمَانَ فَقَطْ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعِلْمُ الْمَمْدُوحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي وَرِثَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ؛ إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّ وَافِرٍ﴾ . وَهَذَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
" عِلْمٌ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ " وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ وَفِي مِثْلِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوَهُمَا.
وَ " الْقِسْمُ الثَّانِي ": الْعِلْمُ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَمَا هُوَ كَائِنُ الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ وَفِي مِثْلِ هَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَاتِ الْقَصَصِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَصِفَةَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَ " الْقِسْمُ الثَّالِثُ ": الْعِلْمُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ مِنْ مَعَارِفِ الْقُلُوبِ وَأَحْوَالِهَا وَأَقْوَالِ الْجَوَارِحِ وَأَعْمَالِهَا وَهَذَا الْعِلْمُ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأُصُولِ الْإِيمَانِ وَقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ وَهَذَا الْعِلْمُ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ جُزْءٍ مِنْ جُزْءٍ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ كَمَا أَنَّ الْمُكَاشَفَاتِ الَّتِي يَكُونُ لِأَهْلِ الصَّفَا جُزْءٌ مِنْ جُزْءٍ مِنْ جُزْءٍ مِنْ عِلْمِ الْأُمُورِ الْكَوْنِيَّةِ.
وَالنَّاسُ إنَّمَا يَغْلَطُونَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مُسَمَّيَاتِ الْأَسْمَاءِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَعْرِفُونَ حَقَائِقَ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فَرُبَّ رَجُلٍ يَحْفَظُ حُرُوفَ الْعِلْمِ الَّتِي أَعْظَمُهَا حِفْظُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْفَهْمِ؛ بَلْ وَلَا مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَلَى مَنْ أُوتِيَ
الْقُرْآنَ وَلَمْ يُؤْتَ حِفْظَ حُرُوفِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ﴿مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ.
وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ: مَثَلُ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا.
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ: كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ.
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا﴾ . فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَافِظًا لِحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَسُوَرِهِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بَلْ يَكُونُ مُنَافِقًا.
فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَحْفَظُ حُرُوفَهُ وَسُوَرَهُ خَيْرٌ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْغَيْرُ كَمَا يُنْتَفَعُ بِالرَّيْحَانِ.
وَأَمَّا الَّذِي أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عَلِيمٌ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ مِثْلَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَانِ؛ فَهَذَا أَصْلٌ تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ.
وَهَهُنَا " أَصْلٌ آخَرُ ": وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ أَوْرَثَ كُشُوفًا أَوْ تَصَرُّفًا فِي الْكَوْنِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُورِثُ كَشْفًا وَتَصَرُّفًا؛ فَإِنَّ الْكَشْفَ وَالتَّصَرُّفَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَإِلَّا كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؟ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ.
فَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ وَدَرَجَاتِهَا لَا تُتَلَقَّى مِنْ مِثْلِ هَذَا؛ وَإِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا رِئَاسَةٌ وَمَالٌ فَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ.
وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ أَفْسَدَ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ كَشْفٌ وَتَصَرُّفٌ؛ وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْعَامَّةِ؛ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَوَاضِعِهِ؟ فَهَذَا " أَصْلٌ ثَانٍ ". وَ " أَصْلٌ ثَالِثٌ " إنَّ تَفْضِيلَ الْعَمَلِ عَلَى الْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا مِثْلُ تَفْضِيلِ أَصْلِ الدِّينِ عَلَى فَرْعِهِ وَقَدْ يَكُونُ مُقَيَّدًا.
فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعَمَلَيْنِ فِي حَقِّ زَيْدٍ أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ وَالْآخَرُ فِي حَقِّ عَمْرٍو أَفْضَلَ وَقَدْ يَكُونَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ وَقَدْ يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِي وَقْتٍ أَفْضَلَ مِنْ الْفَاضِلِ؛ وَقَدْ يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْفَاضِلِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ - وَلَا اعْتِبَارَ بِمَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ جُهَّالِ الْعِبَادِ - ثُمَّ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ يُنْهَى فِيهِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالذِّكْرِ وَكَذَلِكَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي الطَّوَافِ وَعَرَفَةَ وَنَحْوِهِمَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ: مِثْلُ مَا يُقَالُ عِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُمَا وَعِنْدَ سَمَاعِ
الدِّيَكَةِ وَالْحُمُرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَأَيْضًا فَأَكْثَرُ السَّالِكِينَ إذَا قَرَءُوا الْقُرْآنَ لَا يَفْهَمُونَهُ.
وَهُمْ بَعْدُ لَمْ يَذُوقُوا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَزِيدُهُمْ بِهَا الْقُرْآنُ إيمَانًا فَإِذَا أَقْبَلُوا عَلَى الذِّكْرِ أَعْطَاهُمْ الذِّكْرُ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَجِدُونَ حَلَاوَتَهُ وَلَذَّتَهُ فَيَكُونُ الذِّكْرُ أَنْفَعَ لَهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ قِرَاءَةٍ لَا يَفْهَمُونَهَا وَلَا مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَزْدَادُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَمَّا إذَا أُوتِيَ الرَّجُلُ الْإِيمَانَ فَالْقُرْآنُ يَزِيدُهُ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ فَهَذَا " أَصْلٌ ثَالِثٌ " وَ " أَصْلٌ رَابِعٌ ": وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَأْتِي بِالْعَمَلِ الْفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ بِشُرُوطِهِ وَلَا إخْلَاصٍ فِيهِ فَيَكُونُ بِتَفْوِيتِ شَرَائِطِهِ دُونَ مَنْ أَتَى بِالْمَفْضُولِ الْمُكَمِّلِ.
فَهَذِهِ الْأُصُولُ وَنَحْوُهَا تُبَيِّنُ جَوَابَ هَذَا السَّائِلِ وَإِنْ كَانَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ لَا تَتَّسِعُ لَهُ الْوَرَقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
سُئِلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْمٍ دَاوَمُوا عَلَى " الرِّيَاضَةِ " مَرَّةً فَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ تجوهروا فَقَالُوا: لَا نُبَالِي الْآنَ مَا عَمِلْنَا وَإِنَّمَا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي رُسُومُ الْعَوَامِّ وَلَوْ تجوهروا لَسَقَطَتْ عَنْهُمْ وَحَاصِلُ النُّبُوَّةِ يَرْجِعُ إلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا ضَبْطُ الْعَوَامِّ وَلَسْنَا نَحْنُ مِنْ الْعَوَامِّ فَنَدْخُلُ فِي حِجْرِ التَّكْلِيفِ لِأَنَّا قَدْ تجوهرنا وَعَرَفْنَا الْحِكْمَةَ.
فَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ كُفْرٌ مِنْ قَائِلِهِ؟ أَمْ يُبَدَّعُ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ.
وَهَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ عَمَّنْ فِي قَلْبِهِ خُضُوعٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ .
فَأَجَابَ:
لَا رَيْبَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَأَغْلَظِهِ.
وَهُوَ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ آمَنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرَ بِبَعْضِ.
وَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا كَمَا ذُكِرَ أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ لِلَّهِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَوَعْدًا وَوَعِيدًا وَأَنَّ ذَلِكَ مُتَنَاوِلٌ لَهُمْ إلَى حِينِ الْمَوْتِ.
هَذَا إنْ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالْيَهُودِيَّةِ والنصرانية الْمُبَدَّلَةِ الْمَنْسُوخَةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانُوا مِنْ مُنَافِقِي أَهْلِ مِلَّتِهِمْ - كَمَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى مُتَكَلِّمِهِمْ
وَمُتَفَلْسِفِهِمْ - كَانُوا شَرًّا مِنْ مُنَافِقِي هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ كَانُوا مُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ وَمُبْطِنِينَ لِلنِّفَاقِ فَهُمْ شَرٌّ مِمَّنْ يُظْهِرُ إيمَانًا وَيُبْطِنُ نِفَاقًا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُتَمَسِّكِينَ بِجُمْلَةِ مَنْسُوخَةٍ فِيهَا تَبْدِيلٌ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ سُقُوطَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ خَارِجُونَ فِي هَذِهِ الْحَالِ عَنْ جَمِيعِ الْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ؛ لَا يَلْتَزِمُونَ لِلَّهِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا بِحَالِ؛ بَلْ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِبَقَايَا مِنْ الْمِلَلِ: كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِبَقَايَا مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ أُولَئِكَ مَعَهُمْ نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ يَلْتَزِمُونَهُ وَإِنْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُشْرِكِينَ وَهَؤُلَاءِ خَارِجُونَ عَنْ الْتِزَامِ شَيْءٍ مِنْ الْحَقِّ بِحَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا سُدًى لَا أَمْرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهْيٌ.
فَمَنْ كَانَ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ أَنَّهُ أَوْ طَائِفَةٌ غَيْرُهُ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا شَيْءٌ فَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ جِنْسِ فِرْعَوْنَ وَذَوِيهِ وَهُمْ مَعَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَلْتَزِمُوا بِشَيْءِ يَعِيشُونَ بِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ أَنْ يَعِيشَ إلَّا بِنَوْعِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ فَيَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَعِبَادَتِهِ إلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَعِبَادَتِهِ؛ فَفِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي قَالَ لِمُوسَى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ثُمَّ كَانَتْ لَهُ آلِهَةٌ يَعْبُدُهَا.
كَمَا قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ .
وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يُطْلِقُونَ السَّلْبَ الْعَامَّ وَيَخْرُجُونَ عَنْ رِبْقَةِ الْعُبُودِيَّةِ مُطْلَقًا بَلْ يَزْعُمُونَ سُقُوطَ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ عَنْهُمْ أَوْ حِلَّ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ لَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لِوُصُولِهِ إلَى الْمَقْصُودِ وَرُبَّمَا قَدْ يَزْعُمُ سُقُوطُهَا عَنْهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ مُشَاهَدَةٍ وَحُضُورٍ وَقَدْ يَزْعُمُونَ سُقُوطَ الْجَمَاعَاتِ عَنْهُمْ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ التَّوَجُّهِ وَالْحُضُورِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ سُقُوطَ الْحَجِّ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ تَطُوفُ بِهِ أَوْ لِغَيْرِ هَذَا مِنْ الْحَالَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ زَعْمًا مِنْهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الصِّيَامِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ زَعْمًا مِنْهُ أَنَّهَا إنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى الْعَامَّةِ الَّذِينَ إذَا شَرِبُوهَا تَخَاصَمُوا وَتَضَارَبُوا دُونَ الْخَاصَّةِ الْعُقَلَاءِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فَأَمَّا أَهْلُ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: فَتُبَاحُ لَهُمْ دُونَ الْعَامَّةِ.
وَهَذِهِ " الشُّبْهَةُ " كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَوَّلِينَ فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِمْ إنْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَضْعُونٍ شَرِبَهَا هُوَ وَطَائِفَةٌ وَتَأَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ اتَّفَقَ هُوَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ اعْتَرَفُوا بِالتَّحْرِيمِ جُلِدُوا وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى اسْتِحْلَالِهَا قُتِلُوا.
وَقَالَ عُمَرُ
لقدامة: أَخْطَأَتْ اسْتُك الْحُفْرَةَ.
أَمَّا إنَّك لَوْ اتَّقَيْت وَأَمِنْت وَعَمِلْت الصَّالِحَاتِ لَمْ تَشْرَبْ الْخَمْرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ - وَكَانَ تَحْرِيمُهَا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ - قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُبَيِّنُ فِيهَا أَنَّ مَنْ طَعِمَ الشَّيْءَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ تُحَرَّمْ فِيهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الْمُصْلِحِينَ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَمَّا صَرَفَ الْقِبْلَةَ وَأَمَرَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ أَيْ صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَمَنْ اسْتَحَلَّ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جُنَاحٌ إذَا كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ وَإِنْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ آخَرَ.
فَأَمَّا بَعْدُ أَنْ حَرَّمَ الْخَمْرَ فَاسْتِحْلَالُهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ إلَى الصَّخْرَةِ بَعْدَ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَبِمَنْزِلَةِ التَّعَبُّدِ بِالسَّبْتِ وَاسْتِحْلَالِ الزِّنَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ مِنْ شَرْعٍ مَنْسُوخٍ بِأَمْرِ.
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَمْسِكِ بِمَا نُسِخَ مِنْ الشَّرَائِعِ؛ فَلِهَذَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْخَمْرَ قَتَلُوهُ ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ نَدِمُوا وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا وأيسوا مِنْ التَّوْبَةِ.
فَكَتَبَ
عُمَرُ إلَى قدامة يَقُولُ لَهُ: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ مَا أَدْرِي أَيَّ ذَنْبَيْك أَعْظَمَ اسْتِحْلَالَك الْمُحَرَّمَ أَوَّلًا؟ أَمْ يَأْسَك مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ثَانِيًا؟ وَهَذَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يَتَنَازَعُونَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ جَحْدِ تَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: كَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالزِّنَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أَوْ جَحْدِ حِلِّ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالنِّكَاحِ.
فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ أَضْمَرَ ذَلِكَ كَانَ زِنْدِيقًا مُنَافِقًا لَا يُسْتَتَابُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَسْتَحِلُّ بَعْضَ الْفَوَاحِشِ: كَاسْتِحْلَالِ مُؤَاخَاةِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَالْخُلُوِّ بِهِنَّ زَعْمًا مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُنَّ الْبَرَكَةُ بِمَا يَفْعَلُهُ مَعَهُنَّ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا فِي الشَّرِيعَةِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ مِنْ المردان وَيَزْعُمُ أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمْ وَمُبَاشَرَتَهُمْ هُوَ طَرِيقٌ لِبَعْضِ السَّالِكِينَ حَتَّى يَتَرَقَّى مِنْ مَحَبَّةِ الْمَخْلُوقِ إلَى مَحَبَّةِ الْخَالِقِ وَيَأْمُرُونَ بِمُقَدِّمَاتِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى وَقَدْ يَسْتَحِلُّونَ الْفَاحِشَةَ الْكُبْرَى كَمَا يَسْتَحِلُّهَا مَنْ يَقُولُ: إنَّ التلوط مُبَاحٌ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ
مَنْ يَسْتَحِلُّ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَيَسْبِي حَرِيمَهُمْ وَيَغْنَمُ أَمْوَالَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا ظَاهِرًا مُتَوَاتِرًا.
لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ جَاهِلًا بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ جَهْلًا يُعْذَرُ بِهِ ف
َلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِ أَحَدٍ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ
مِنْ جِهَةِ بَلَاغِ الرِّسَالَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ؛ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْخَمْرَ يَحْرُمُ لَمْ يَكْفُرْ بِعَدَمِ اعْتِقَادِ إيجَابِ هَذَا وَتَحْرِيمِ هَذَا؛ بَلْ وَلَمْ يُعَاقَبْ حَتَّى تَبْلُغَهُ الْحُجَّةُ النَّبَوِيَّةُ.
بَلْ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ ثُمَّ عَلِمَ.
هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ فِي حَالِ الْجَهْلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بَلْ النِّزَاعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الْحِجَّةِ: مِثْلُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِتَيَمُّمِ أَوْ مِنْ أَكْلٍ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وَيَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ كَمَا جَرَى ذَلِكَ
لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أَكَلَ لَحْمَ الْإِبِلِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ وُجُوبُ ذَلِكَ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ هَلْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ سَمَاعِهِ؟ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ " فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
قِيلَ: يَثْبُتُ مُطْلَقًا وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا؛ وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْخِطَابِ النَّاسِخِ؛ وَالْخِطَابِ الْمُبْتَدَأِ.
كَأَهْلِ الْقِبْلَةِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ أَحَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ سَمَاعِهِ؛ فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ وَنَظَائِرِهَا مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى انْتِفَاءِ الْإِثْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَفَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي التَّأْثِيمِ فَكَيْفَ فِي التَّكْفِيرِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ يَنْشَأُ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ الَّذِي يَنْدَرِسُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّاتِ حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُبَلِّغُ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ فَلَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا يَبْعَثُ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ يُبَلِّغُهُ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ فَأَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ {يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَعْرِفُونَ فِيهِ صَلَاةً وَلَا زَكَاةً وَلَا
صَوْمًا وَلَا حَجًّا إلَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ يَقُولُ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ صَلَاةً وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا.
فَقَالَ: وَلَا صَوْمَ يُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ} . وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿قَالَ رَجُلٌ - لَمْ يُعَجِّلْ حَسَنَةً قَطُّ - لِأَهْلِهِ إذَا مَاتَ فَحَرَقُوهُ ثُمَّ أَذَرُّوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ.
فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْت هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ؛ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ﴾ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ ﴿أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ أَذْرُونِي فِي الْبَحْرِ.
فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا.
قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ.
فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّ مَا أَخَذْت فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ.
فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت.
قَالَ: خَشْيَتُك يَا رَبِّ.
أَوْ قَالَ: مَخَافَتُك فَغُفِرَ لَهُ بِذَلِكَ﴾ وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ ﴿قَالَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْت مِنْهُ﴾ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كَانَ
رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ.
فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إذَا أَنَا مُتّ فَخُذُونِي فذروني فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى الَّذِي فَعَلْت؟ فَقَالَ: مَا حَمَلَنِي إلَّا مَخَافَتُك.
فَغُفِرَ لَهُ} . وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ: ﴿أَنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إذَا أَنَا مُتّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَوَصَلَتْ إلَى عَظْمِي فَامْتَحَشَتْ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا ثُمَّ اُنْظُرُوا يَوْمًا فذروني فِي الْيَمِّ.
فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ: لَهُ لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِك.
فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ﴾ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو أَنَا سَمِعْته - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ.
وَكَانَ نَبَّاشًا.
فَهَذَا الرَّجُلُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا تَفَرَّقَ هَذَا التَّفَرُّقَ فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ إنْكَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْكَارِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ كَفَرَ.
لَكِنَّهُ كَانَ مَعَ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَإِيمَانِهِ بِأَمْرِهِ وَخَشْيَتِهِ مِنْهُ جَاهِلًا بِذَلِكَ ضَالًّا فِي هَذَا الظَّنِّ مُخْطِئًا.
فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ.
وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّجُلَ طَمِعَ أَنْ لَا يُعِيدَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَأَدْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ شَاكًّا فِي الْمَعَادِ وَذَلِكَ كُفْرٌ - إذَا قَامَتْ حُجَّةُ النُّبُوَّةِ عَلَى مُنْكِرِهِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ - هُوَ بَيِّنٌ فِي عَدَمِ إيمَانِهِ
بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ بِمَعْنَى قَضَى أَوْ بِمَعْنَى ضَيَّقَ فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ وَحَرَّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ وَتَفْرِيقِهِ لِئَلَّا يُجْمَعَ وَيُعَادَ.
وَقَالَ: إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذروني فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا.
فَذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ بِحَرْفِ الْفَاءِ عَقِيبَ الْأُولَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَهَا وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ لَهُ؛ وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ عَلَيْهِ وَالتَّضْيِيقَ مُوَافِقَانِ لِلتَّعْذِيبِ وَهُوَ قَدْ جَعَلَ تَفْرِيقَهُ مُغَايِرًا لِأَنْ يَقْدِرَ الرَّبُّ.
قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ.
فَلَا يَكُونُ الشَّرْطُ هُوَ الْجَزَاءُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَقَالَ: فَوَاَللَّهِ لَئِنْ جَازَانِي رَبِّي أَوْ لَئِنْ عَاقَبَنِي رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا كَمَا هُوَ الْخِطَابُ الْمَعْرُوفُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: وَلِأَنَّ لَفْظَ " قَدَرَ " بِمَعْنَى ضَيَّقَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي اللُّغَةِ.
وَمَنْ اسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ فَقَدْ اسْتَشْهَدَ بِمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ.
فَإِنَّ اللَّفْظَ كَانَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أَيْ اجْعَلْ ذَلِكَ بِقَدْرِ وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَيْ جَعَلَ رِزْقَهُ قُدِرَ مَا يُغْنِيه
مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ إذْ لَوْ يَنْقُصُ الرِّزْقُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَعِشْ.
وَأَمَّا " قَدَرَ " بِمَعْنَى قَدَّرَ.
أَيْ أَرَادَ تَقْدِيرَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنْ قَدَّرَ عَلَيَّ رَبِّي الْعَذَابَ بَلْ قَالَ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ رَبِّي وَالتَّقْدِيرُ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ؛ لَئِنْ قَضَى اللَّهُ عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّقْدِيرَ أَوْ التَّضْيِيقَ لَمْ يَكُنْ مَا فَعَلَهُ مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ فِي ظَنِّهِ.
وَدَلَائِلُ فَسَادِ هَذَا التَّحْرِيفِ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا فَغَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجَمِيعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَبِتَفْصِيلِ أَنَّهُ الْقَادِرُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ يَجْهَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ كَافِرًا.
وَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَجَدَ فِيهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يُوَافِقُهُ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: {أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: بَلَى قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَبَسَطَ طَرَفَ إزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ وَاضْطَجَعَ فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي رَقَدْت فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا وَانْتَقَلَ رُوَيْدًا وَفَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا فَخَرَجَ ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا فَجَعَلْت دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْت وَتَقَنَّعْت إزَارِي ثُمَّ انْطَلَقْت عَلَى إثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ.
فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْت وَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْت فَهَرْوَلَ وَهَرْوَلْت وَأَحْضَرَ وَأَحْضَرْت فَسَبَقْته فَدَخَلْت فَلَيْسَ إلَّا أَنْ اضْطَجَعْت فَقَالَ: مَا لَك يَا عَائِشَةُ حشيا رَابِيَةً؟ قَالَتْ: لَا شَيْءَ.
قَالَ: لِتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَأَخْبَرْته.
قَالَ: فَأَنْتَ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْت أَمَامِي؟ قُلْت: نَعَمْ فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً أَوْجَعَتْنِي.
ثُمَّ قَالَ: أَظْنَنْت أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْك وَرَسُولُهُ قَالَتْ: قُلْت مَهْمَا يَكْتُمْ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَانِي حِينَ رَأَيْت فَنَادَانِي - فَأَخْفَاهُ مِنْك فَأَجَبْته وَأَخْفَيْته مِنْك وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْك وَقَدْ وَضَعْت ثِيَابَك وَظَنَنْت أَنَّك رَقَدْت وَكَرِهْت أَنْ أُوقِظَك وَخَشِيت أَنْ تَسْتَوْحِشِي - فَقَالَ: إنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ.
قُلْت: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ} . فَهَذِهِ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ كُلَّ مَا يَكْتُمُ النَّاسُ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهَا بِأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ يَكْتُمُهُ النَّاسُ كَافِرَةً وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِذَلِكَ
بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ وَإِنْكَارِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَإِنْكَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هَذَا مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَى الذَّنْبِ وَلِهَذَا لَهَزَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: أَتَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْك وَرَسُولُهُ وَهَذَا الْأَصْلُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ وَلَكِنَّ تَكْفِيرَ قَائِلِهِ لَا يُحْكَمُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ قَدْ بَلَغَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا وَدَلَائِلُ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَشَايِخِهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَسْطِهَا.
بَلْ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْعِبَادِ إلَى الْمَوْتِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: هَلْ يَصْدُرُ ذَلِكَ عَمَّنْ فِي قَلْبِهِ خُضُوعٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ . فَيُقَالُ: هَذَا لَا يَصْدُرُ عَمَّنْ هُوَ مُقِرٌّ بِالنُّبُوَّاتِ مُطْلَقًا بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرٌ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا أَتَوْا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلْعِبَادِ إلَى حِينِ الْمَوْتِ بَلْ لَا يَصْدُرُ هَذَا الْقَوْلُ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ خُضُوعٌ لِلَّهِ وَإِقْرَارٌ بِأَنَّهُ إلَهُ الْعَالَمِ فَإِنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَبْدًا لِلَّهِ خَاضِعًا لَهُ وَمَنْ سَوَّغَ لِإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّدٍ بِعِبَادَةِ اللَّهِ فَقَدْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ إلَهَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُمْ قَدْ تجوهروا فَقَالُوا: لَا نُبَالِي الْآنَ مَا عَمِلْنَا؟ . فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَعْنُونَ بِقَوْلِكُمْ؟ فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ النَّفْسَ بَقِيَتْ صَافِيَةً طَاهِرَةً لَا تُنَازِعُ إلَى الشَّهَوَاتِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُرْدِيَةِ فَهَذَا لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ صَارَتْ مُطِيعَةً لَيْسَ فِيهَا دَوَاعِي الْمَعْصِيَةِ فَتَكُونُ مُنْقَادَةً إلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَلَا تَمِيلُ إلَى الْمَحْظُورِ وَهَذَا غَايَتُهُ أَنْ تَكُونَ مَعْصُومَةً لَا تَطْلُبُ فِعْلَ الْقَبِيحِ وَهَذَا مَا يُخْرِجُهَا أَنْ تَكُونَ مَأْمُورَةً مَنْهِيَّةً كَالْمَلَائِكَةِ.
وَإِذَا قَالَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ: لَا يُنَافِي مَا عَمِلْنَا قِيلَ لَهُمْ: الَّذِي تَعْمَلُونَهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَهْوَاءِ الْمُرْدِيَةِ فَقَدْ تَنَاقَضْتُمْ فِي زَعْمِكُمْ أَنَّ نُفُوسَكُمْ لَمْ يَبْقَ لَهَا هَوًى.
وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهَذَا جِنْسٌ لَا يُنْكَرُ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ فِي هَذَا الْكَلَامِ إذَا أَرَادُوا بتجوهر النَّفْسِ صَفَاءَهَا وَطَهَارَتَهَا عَنْ الْأَكْدَارِ الْبَشَرِيَّةِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْكَمَالَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الْبَشَرِ مَا دَامَتْ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَجْسَامِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْمَشَايِخُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ ادَّعَاهُ كَالْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ فِي ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الروذباري وَغَيْرِهِمْ وَأَعْظَمُ النَّاسِ دَرَجَةً الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَقَدْ أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ حَتَّى خَاتَمَ الرُّسُلِ أَمَرَهُ اللَّهُ فِي أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَمَرَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .
وَلِهَذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إنَّمَا هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ وَأَنَّ اللَّهَ يَسْتَدْرِكُهُمْ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ - ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ - وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتِ الْمُقَرَّبِينَ.
وَأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِكَمَالِ النِّهَايَةِ بِالتَّوْبَةِ لَا لِنَقْصِ الْبِدَايَةِ بِالذَّنْبِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْعِصْمَةَ الْمُطْلَقَةَ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ: الْجُهَّالُ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَالِيَةِ النُّسَّاكِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: حَاصِلُ النُّبُوَّةِ يَرْجِعُ إلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الْأَنْبِيَاءَ لِمَا فِيهِ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهَا كَمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لَكِنْ أَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يُوجِبُ سُقُوطَهَا عَنْ بَعْضِ الْعِبَادِ؟ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ مَنْ يَكُونُ سَفِيهًا مُفْسِدًا ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْهَا ضَبْطُ الْعَوَامِّ وَلَسْنَا نَحْنُ مِنْ الْعَوَامِّ.
فَالْكَلِمَةُ الْأُولَى: زَنْدَقَةٌ وَنِفَاقٌ وَالثَّانِيَةُ كَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الشَّرَائِعِ مُجَرَّدُ ضَبْطِ الْعَوَامِّ؛ بَلْ الْمُرَادُ مِنْهَا الصَّلَاحُ بَاطِنًا
وَظَاهِرًا لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَلَكِنْ فِي بَعْضِ فَوَائِدِ الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الدُّنْيَا ضَبْطُ الْعَوَامِّ.
كَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ " فَإِنَّ مَنْ يَكُونُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْفُجَّارِ فَإِنَّهُ يَنْزَجِرُ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَيَنْضَبِطُ عَنْ انْتِهَاكِ الْمُحَرَّمَاتِ فَهَذَا بَعْضُ فَوَائِدِ الْعُقُوبَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ.
وَأَمَّا فَوَائِدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ: فَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا خِطَابٌ أَوْ كِتَابٌ؛ بَلْ هِيَ الْجَامِعَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ يُطْلَبُ وَيُرَادُ وَفِي الْخُرُوجِ عَنْهَا كُلُّ شَرٍّ وَفَسَادٍ.
وَدَعْوَى هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ مِنْ الْخَوَاصِّ يُوجِبُ أَنَّهُمْ مِنْ حُثَالَةِ مُنَافِقِي الْعَامَّةِ وَهُمْ دَاخِلُونَ فِيمَا نَعَتَ اللَّهُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿أَلَا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ . وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ
أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ﴿فَكَيْفَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلَّا إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَلِبَسْطِ الْكَلَامِ عَلَى أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مَوْضِعٌ غَيْرِ هَذَا.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وَيَقُولُ مَعْنَاهَا: اُعْبُدْ رَبَّك حَتَّى يَحْصُلَ لَك الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ سَقَطَتْ الْعِبَادَةُ.
وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: اعْمَلْ حَتَّى يَحْصُلَ لَك حَالٌ فَإِذَا حَصَلَ لَك حَالٌ تَصَوُّفِيٌّ سَقَطَتْ عَنْك الْعِبَادَةُ وَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ مَنْ إذَا ظَنَّ حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْحَالِ اسْتَحَلَّ تَرْكَ الْفَرَائِضِ وَارْتِكَابَ الْمَحَارِمِ وَهَذَا كُفْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ اسْتِغْنَاءَهُ عَنْ النَّوَافِلِ حِينَئِذٍ وَهَذَا مَغْبُونٌ مَنْقُوصٌ جَاهِلٌ ضَالٌّ خَاسِرٌ بِاعْتِقَادِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ النَّوَافِلِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِهَا حِينَئِذٍ