مجموع الفتاوىصفحات 343-382

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 343-382
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَأَيُّ شَيْءٍ أَثْبَتُوهُ؛ لَزِمَهُمْ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ وُجُودُ وَاجِبِ الْوُجُودِ مُمْكِنًا وَقَدِيمًا وَمُحْدَثًا وَأَنَّ الْمُحْدَثَ وَالْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْوُجُودَ فِيهِ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ وَأَنَّ الْمُحْدَثَ الْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ؛ فَثُبُوتُ النَّوْعَيْنِ ضَرُورِيٌّ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لَفْظَ الْمُطْلَقِ قَدْ يُعْنَى بِهِ مَا هُوَ كُلِّيٌّ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُ مَعْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ.
وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَوْ صِفَةً لِغَيْرِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ كَذَلِكَ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْمُطْلَقِ: الْمُجَرَّدُ عَنْ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ أَوْ عَنْ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ جَمِيعًا؛ وَالْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ.
وَهَذَا إذَا قُدِّرَ جُعِلَ مُعَيَّنًا خَاصًّا لَا كُلِّيًّا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ أَعْظَمُ مِنْ امْتِنَاعِ الْكُلِّيَّاتِ الْمُطْلَقَةِ بِشَرْطِ لِكَوْنِهَا كُلِّيَّةً.
فَإِنَّ تِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ لَهَا جُزْئِيَّاتٌ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ وَالْكُلِّيَّاتُ مُطَابِقَةٌ لَهَا.
وَأَمَّا وُجُودُ شَيْءٍ مُجَرَّدٍ عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ وَسَلْبِيَّةٍ؛ فَهَذَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا.
وَكَذَلِكَ الْمُجَرَّدُ عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا قَدْ شَارَكَ سَائِرَ الْمَوْجُودَاتِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَلَمْ يُمَيَّزْ عَنْهَا إلَّا بِالْقُيُودِ السَّلْبِيَّةِ وَهِيَ قَدْ امْتَازَتْ عَنْهُ بِالْقُيُودِ الْوُجُودِيَّةِ؛

كَانَ كُلُّ مُمْكِنٍ فِي الْوُجُودِ أَكْمَلَ مِنْ هَذَا الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَإِنَّ الْوُجُودَ الْكُلِّيَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَمْ يُمَيَّزْ عَنْهَا إلَّا بِعَدَمِ وَامْتَازَتْ عَنْهُ بِوُجُودِ فَكَانَ مَا امْتَازَتْ بِهِ عَنْهُ أَكْمَلَ مِمَّا امْتَازَ بِهِ هُوَ عَنْهَا إذْ الْوُجُودُ أَكْمَلُ مِنْ الْعَدَمِ.
وَأَمَّا إذَا قِيلَ: هُوَ الْوُجُودُ لَا بِشَرْطِ.
فَهَذَا هُوَ الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ وَالطَّبِيعِيُّ الْمُطَابِقُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَهَذَا لَا يَكُونُ كُلِّيًّا إلَّا فِي الذِّهْنِ.
وَأَمَّا فِي الْخَارِجِ؛ فَلَا يُوجَدُ إلَّا مُعَيَّنًا.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا الْكُلِّيَّ جُزْءٌ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابَ؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ مَعْدُومًا فِي الْخَارِجِ أَوْ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ الْوَاجِبِ عَيْنَ الْمُمْكِنِ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابَ؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ جُزْءًا مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ؛ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ جُزْءًا مِنْ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ لَهُ كُلِّهِ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِمَا هُوَ بَعْضُهُ إذْ الْكُلُّ أَعْظَمُ مِنْ الْجُزْءِ فَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِلْجُزْءِ؛ فَامْتِنَاعُ كَوْنِهِ خَالِقًا لِلْكُلِّ أَظْهَرُ وَأَظْهَرُ.
فَصَحِيحُ الْمَنْطِقِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَبَاطِلُ الْمَنْطِقِ أَوْقَعَهُمْ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ وَالْجَهْلِ بِاَللَّهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ وَ {اللَّهُ وَلِيُّ

الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ} . وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّ جبرائيل وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

فَصْلٌ: وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّك تَعْلَمُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا غَابَ عَنَّا إلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا شَهِدْنَاهُ فَنَحْنُ نَعْرِفُ أَشْيَاءَ بِحِسِّنَا الظَّاهِرِ أَوْ الْبَاطِنِ وَتِلْكَ مَعْرِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مَخْصُوصَةٌ ثُمَّ إنَّا بِعُقُولِنَا نَعْتَبِرُ الْغَائِبَ بِالشَّاهِدِ فَيَبْقَى فِي أَذْهَانِنَا قَضَايَا عَامَّةٌ كُلِّيَّةٌ ثُمَّ إذَا خُوطِبْنَا بِوَصْفِ مَا غَابَ عَنَّا لَمْ نَفْهَمْ مَا قِيلَ لَنَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ لَنَا.
فَلَوْلَا أَنَّا نَشْهَدُ مِنْ أَنْفُسِنَا جُوعًا وَعَطَشًا وَشِبَعًا وَرِيًّا وَحُبًّا وَبُغْضًا وَلَذَّةً وَأَلَمًا وَرِضًى وَسُخْطًا لَمْ نَعْرِفْ حَقِيقَةَ مَا نُخَاطَبُ بِهِ إذَا وُصِفَ لَنَا ذَلِكَ وَأُخْبِرْنَا بِهِ عَنْ غَيْرِنَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ نَعْلَمْ مَا فِي الشَّاهِدِ: حَيَاةً وَقُدْرَةً وَعِلْمًا وَكَلَامًا لَمْ نَفْهَمْ مَا نُخَاطَبُ بِهِ إذَا وُصِفَ الْغَائِبُ عَنَّا بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ نَشْهَدْ مَوْجُودًا لَمْ نَعْرِفْ وُجُودَ الْغَائِبِ عَنَّا فَلَا بُدَّ فِيمَا شَهِدْنَاهُ وَمَا غَابَ عَنَّا مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ هُوَ مُسَمَّى اللَّفْظِ الْمُتَوَاطِئِ.
فَبِهَذِهِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُشَارَكَةِ وَالْمُشَابَهَةِ وَالْمُوَاطَأَةِ نَفْهَمُ الْغَائِبَ وَنُثْبِتُهُ وَهَذَا خَاصَّةُ الْعَقْلِ.
وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ نَعْلَمْ إلَّا مَا نُحِسُّهُ وَلَمْ نَعْلَمْ أُمُورًا عَامَّةً وَلَا أُمُورًا غَائِبَةً عَنْ إحْسَاسِنَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَلِهَذَا مَنْ لَمْ يُحِسَّ الشَّيْءَ وَلَا نَظِيرَهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا بِمَا وَعَدَنَا بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَة مِنْ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَأَخْبَرَنَا بِمَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ وَيُنْكَحُ وَيُفْرَشُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَلَوْلَا مَعْرِفَتُنَا بِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا؛ لَمْ نَفْهَمْ مَا وَعَدَنَا بِهِ؛ وَنَحْنُ نَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْحَقَائِقَ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ؛ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ.
فَبَيْنَ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ فِي الدُّنْيَا وَتِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْآخِرَةِ مُشَابَهَةٌ وَمُوَافَقَةٌ وَاشْتِرَاكٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَبِهِ فَهِمْنَا الْمُرَادَ وَأَحْبَبْنَاهُ وَرَغِبْنَا فِيهِ أَوْ أَبْغَضْنَاهُ وَنَفَرْنَا عَنْهُ وَبَيْنَهُمَا مُبَايَنَةٌ وَمُفَاضَلَةٌ لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهَا فِي الدُّنْيَا.
وَهَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ بَلْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: " إنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ " حَقًّا وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: " إنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ " حَقًّا.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ.
فَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَهُ وَمَعْنَاهُ وَإِلَّا فَهَلْ يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَعْرِفُ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ وَيُبَلِّغُهُ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ بَلْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَلْفَاظِ لَهَا مَعَانٍ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا وَمَنْ قَالَ: إنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَهُ؛ أَرَادُوا بِهِ الْكَيْفِيَّةَ الثَّابِتَةَ الَّتِي اُخْتُصَّ

اللَّهُ بِعِلْمِهَا: وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ: كَرَبِيعَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا يَقُولُونَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ.
وَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ السَّلَفِ كَابْنِ الماجشون وَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ.
فَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ مَعْلُومٌ وَهُوَ التَّأْوِيلُ وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ وَالْكَيْفِيَّةُ هِيَ التَّأْوِيلُ الْمَجْهُولُ لِبَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِمْ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَكَذَلِكَ مَا وَعَدَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ تَعْلَمُ الْعِبَادُ تَفْسِيرَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ ". فَمَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ: نَعْلَمُ تَفْسِيرَهُ وَمَعْنَاهُ وَنَفْهَمُ الْكَلَامَ الَّذِي خُوطِبْنَا بِهِ وَنَعْلَمُ مَعْنَى الْعَسَلِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنُفَرِّقُ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا حَقَائِقُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْلَمَهَا نَحْنُ وَلَا نَعْلَمَ مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ.
وَتَفْصِيلُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
بَلْ هَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذَيْنِ الْمَخْلُوقَيْنِ فَالْأَمْرُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ أَعْظَمُ؛

فَإِنَّ مُبَايَنَةَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ وَعَظَمَتَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ وَفَضْلَهُ: أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِمَّا بَيْنَ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ.
فَإِذَا كَانَتْ صِفَاتُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ مَعَ مُشَابَهَتِهَا لِصِفَاتِ هَذَا الْمَخْلُوقِ: بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاضُلِ وَالتَّبَايُنِ مَا لَا نَعْلَمُهُ فِي الدُّنْيَا - وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْلَمَهُ؛ بَلْ هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فَصِفَاتُ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ مِنْ التَّبَايُنِ وَالتَّفَاضُلِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمَهُ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ مِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَمِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ التَّفْسِيرَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ مَنْ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.
وَلَفْظُ " التَّأْوِيلِ " فِي كَلَامِ السَّلَفِ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا التَّفْسِيرُ أَوْ الْحَقِيقَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ الَّتِي يُؤَوَّلُ إلَيْهَا: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ الْآيَةَ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ التَّأْوِيلِ: بِمَعْنَى أَنَّهُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلِ يَقْتَرِنُ بِهِ أَوْ مُتَأَخِّرٍ أَوْ لِمُطْلَقِ الدَّلِيلِ؛ فَهَذَا اصْطِلَاحُ

بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ مَا يُرَادُ مِنْهُ بِالتَّأْوِيلِ هَذَا الْمَعْنَى.
ثُمَّ لَمَّا شَاعَ هَذَا بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ: صَارُوا يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ﴾ . ثُمَّ طَائِفَةٌ تَقُولُ: لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ.
وَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ غالطة؛ فَإِنَّ هَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ انْتِفَاءَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ.
وَهَذَا مِثْلُ تَأْوِيلَاتِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ.
وَتِلْكَ التَّأْوِيلَاتُ بَاطِلَةٌ وَاَللَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِكَلَامِهِ وَمَا لَمْ يُرِدْهُ لَا نَقُولُ إنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُرَادُهُ فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْكَذِبَ؛ وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمْنَا بِطَرِيقِ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَفْسِهِ - بَلْ وَبِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - أَنَّ اللَّهَ يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ: مَوْصُوفٌ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَهَذِهِ صِفَاتُ كَمَال.
وَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِ.
فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّصِفَ الْمَخْلُوقُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ دُونَ الْخَالِقِ.
وَلَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مُشْتَرَكٍ كُلِّيٍّ: يَقْتَضِي مِنْ الْمُوَاطَأَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْمُشَابَهَةِ مَا بِهِ تُفْهَمُ وَتُثْبَتُ هَذِهِ الْمَعَانِي لِلَّهِ؛ لَمْ نَكُنْ قَدْ عَرَفْنَا عَنْ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا صَارَ فِي قُلُوبِنَا إيمَانٌ بِهِ وَلَا عِلْمٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ

وَلَا إرَادَةٌ لِعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ.
فَإِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَلَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ إلَّا بِإِثْبَاتِ " تِلْكَ الْمَعَانِي " الَّتِي فِيهَا مِنْ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُوَاطَأَةِ مَا بِهِ حَصَلَ لَنَا مَا حَصَلَ مِنْ الْعِلْمِ لِمَا غَابَ عَنْ شُهُودِنَا.
وَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ الْحَقَائِقَ الشَّرِيفَةَ وَالْقَوَاعِدَ الْجَلِيلَةَ النَّافِعَةَ؛ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَانْجَابَ عَنْهُ مِنْ الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ وَالْحَيْرَةِ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَفْضَلِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ وَمِنْ سَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي بَعْضِ " صِفَاتِ اللَّهِ " كَالْقَوْلِ فِي سَائِرِهَا وَأَنَّ الْقَوْلَ فِي صِفَاتِهِ كَالْقَوْلِ فِي " ذَاتِهِ " وَأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ صِفَةً دُونَ صِفَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مُشَارَكَةِ أَحَدِهِمَا الْأُخْرَى فِيمَا بِهِ نَفَاهَا؛ كَانَ مُتَنَاقِضًا.
فَمَنْ نَفَى النُّزُولَ وَالِاسْتِوَاءَ أَوْ الرِّضَى وَالْغَضَبَ أَوْ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ أَوْ اسْمَ الْعَلِيمِ أَوْ الْقَدِيرِ أَوْ اسْمَ الْمَوْجُودِ فِرَارًا بِزَعْمِهِ مِنْ تَشْبِيهِ تَرْكِيبٍ وَتَجْسِيمٍ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيمَا أَثْبَتَهُ نَظِيرُ مَا أَلْزَمَهُ لِغَيْرِهِ فِيمَا نَفَاهُ هُوَ وَأَثْبَتَ الْمُثْبِتُ.
فَكُلُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَفْيِ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالرِّضَى وَالْغَضَبِ: يُمْكِنُ مُنَازِعَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِنَظِيرِهِ عَلَى نَفْيِ الْإِرَادَةِ؛ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ.
وَكُلُّ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ: يُمْكِنُ مُنَازِعَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِنَظِيرِهِ عَلَى نَفْيِ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ.
وَكُلُّ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: يُمْكِنُ مُنَازِعَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْمَوْجُودِ وَالْوَاجِبِ.

وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ؛ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ: إمَّا مُمْكِنٌ وَمُحْدَثٌ؛ وَإِمَّا وَاجِبٌ وَقَدِيمٌ.
وَالْمُمْكِنُ الْمُحْدَثُ لَا يُوجَدُ إلَّا بِوَاجِبِ قَدِيمٍ فَإِذَا كَانَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ الْقَدِيمِ وَنَفْيُ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْجُودِ مُطْلَقًا؛ عُلِمَ أَنَّ مَنْ عَطَّلَ شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ كَانَ قَوْلُهُ مُسْتَلْزِمًا تَعْطِيلَ الْمَوْجُودِ الْمَشْهُودِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا قَالَ: النُّزُولُ وَالِاسْتِوَاءُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ النُّزُولُ وَالِاسْتِوَاءُ إلَّا لِجِسْمِ مُرَكَّبٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ؛ فَيَلْزَمُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْمَلْزُومِ.
أَوْ قَالَ؛ هَذِهِ حَادِثَةٌ وَالْحَوَادِثُ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ مُرَكَّبٍ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: الرِّضَا وَالْغَضَبُ وَالْفَرَحُ وَالْمَحَبَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ.
فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ: مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّا كَمَا لَا نَعْقِلُ مَا يَنْزِلُ وَيَسْتَوِي وَيَغْضَبُ وَيَرْضَى إلَّا جِسْمًا؛ لَمْ نَعْقِلْ مَا يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيُرِيدُ وَيَعْلَمُ وَيُقَدِّرُ إلَّا جِسْمًا.
فَإِذَا قِيلَ: سَمْعُهُ لَيْسَ كَسَمْعِنَا وَبَصَرُهُ لَيْسَ كَبَصَرِنَا وَإِرَادَتُهُ لَيْسَتْ كَإِرَادَتِنَا وَكَذَلِكَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ: قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ رِضَاهُ لَيْسَ كَرِضَانَا وَغَضَبُهُ لَيْسَ كَغَضَبِنَا وَفَرَحُهُ لَيْسَ كَفَرَحِنَا وَنُزُولُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ لَيْسَ كَنُزُولِنَا وَاسْتِوَائِنَا.

فَإِذَا قَالَ: لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ غَضَبٌ إلَّا غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ وَلَا يُعْقَلُ نُزُولٌ إلَّا الِانْتِقَالُ وَالِانْتِقَالُ يَقْتَضِي تَفْرِيغَ حَيِّزٍ وَشَغْلَ آخَرَ فَلَوْ كَانَ يَنْزِلُ؛ لَمْ يَبْقَ فَوْقَ الْعَرْشِ رَبٌّ.
قِيلَ: وَلَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ إرَادَةٌ إلَّا مَيْلُ الْقَلْبِ إلَى جَلْبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَنْفَعُهُ وَيَفْتَقِرُ فِيهِ إلَى مَا سِوَاهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِي حَدِيثِهِ الْإِلَهِيِّ: ﴿يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي﴾ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْإِرَادَةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ.
إلَّا هِيَ.
وَكَذَلِكَ السَّمْعُ لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ إلَّا بِدُخُولِ صَوْتٍ فِي الصِّمَاخِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي أَجْوَفَ؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بَلْ وَكَذَلِكَ الْبَصَرُ وَالْكَلَامُ لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ إلَّا فِي مَحَلٍّ أَجْوَفَ؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَخَلْقٌ مِنْ السَّلَفِ: " الصَّمَدُ " الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ؛ فَإِنَّ لَفْظَ " الصَّمَدِ " فِي اللُّغَةِ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا وَالصَّمَدُ فِي اللُّغَةِ السَّيِّدُ؛ " وَالصَّمَدُ " أَيْضًا الْمُصَمَّدُ وَالْمُصَمَّدُ الْمُصْمَتُ وَكِلَاهُمَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ.

وَلِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: الْمَلَائِكَةُ صَمَدٌ وَالْآدَمِيُّونَ جَوْفٌ.
وَهَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ آخَرُ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ - وَهُمْ مَخْلُوقُونَ مِنْ النُّورِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " ﴿خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ نَارٍ؛ وَخُلِقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ﴾ " فَإِذَا كَانُوا مَخْلُوقِينَ مِنْ نُورٍ؛ وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ؛ بَلْ هُمْ صَمَدٌ لَيْسُوا جَوْفًا كَالْإِنْسَانِ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ وَيَسْمَعُونَ وَيُبْصِرُونَ وَيَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا تُمَاثِلُ صِفَاتُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ وَفِعْلَهُ؛ فَالْخَالِقُ تَعَالَى أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لِمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ مُبَايَنَةِ الْمَلَائِكَةِ لِلْآدَمِيِّينَ؛ فَإِنَّ كِلَيْهِمَا مَخْلُوقٌ.
وَالْمَخْلُوقُ أَقْرَبُ إلَى مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِ مِنْ الْمَخْلُوقِ إلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَكَذَلِكَ " رُوحُ ابْنِ آدَمَ " تَسْمَعُ وَتُبْصِرُ وَتَتَكَلَّمُ وَتَنْزِلُ وَتَصْعَدُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ صِفَاتُهَا وَأَفْعَالُهَا كَصِفَاتِ الْبَدَنِ وَأَفْعَالِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ صِفَاتِ الرُّوحِ وَأَفْعَالَهَا مِثْلُ صِفَاتِ الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ الْجَسَدُ وَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِهِ وَهُمَا جَمِيعًا الْإِنْسَانُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رُوحُ الْإِنْسَانِ مُمَاثِلًا لِلْجِسْمِ الَّذِي هُوَ بَدَنُهُ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ مِثْلَ الْجِسْمِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؟! فَإِنْ أَرَادَ النَّافِي الْتِزَامَ أَصْلِهِ؛ وَقَالَ: أَنَا أَقُولُ لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ؛ بَلْ

كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ؛ قِيلَ لَهُ: فَيَلْزَمُك فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ يُثْبِتُونَ الْإِدْرَاكَ.
فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَقُولُ بِقَوْلِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْهُمْ - فَلَا أُثْبِتُ لَهُ سَمْعًا وَلَا بَصَرًا وَلَا كَلَامًا يَقُومُ بِهِ؛ بَلْ أَقُولُ كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّ إثْبَاتَ ذَلِكَ تَجْسِيمٌ وَتَشْبِيهٌ بَلْ وَلَا أُثْبِتُ لَهُ إرَادَةً كَمَا لَا يُثْبِتُهَا الْبَغْدَادِيُّونَ؛ بَلْ أَجْعَلُهَا سَلْبًا أَوْ إضَافَةً فَأَقُولُ: مَعْنَى كَوْنِهِ مُرِيدًا أَنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ وَلَا مُكْرَهٍ أَوْ بِمَعْنَى كَوْنِهِ خَالِقًا وَآمِرًا - قِيلَ لَهُ: فَيَلْزَمُك ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مُطْبِقَةٌ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ لَا تَعْرِفُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إلَّا جِسْمًا؛ فَإِذَا جَعَلْته حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا؛ لَزِمَك التَّجْسِيمُ وَالتَّشْبِيهُ.
فَإِنْ زَادَ فِي التَّعْطِيلِ وَقَالَ: أَنَا لَا أَقُولُ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ بَلْ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ فَأَنْفِي الْأَسْمَاءَ مَعَ الصِّفَاتِ وَلَا أُسَمِّيهِ حَيًّا وَلَا عَالِمًا وَلَا قَادِرًا وَلَا مُتَكَلِّمًا إلَّا مَجَازًا بِمَعْنَى السَّلْبِ وَالْإِضَافَةِ: أَيْ هُوَ لَيْسَ بِجَاهِلِ وَلَا عَاجِزٍ وَجَعَلَ غَيْرَهُ عَالِمًا قَادِرًا - قِيلَ لَهُ: فَيَلْزَمُك ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ مَوْجُودًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ قَدِيمًا فَاعِلًا؛ فَإِنَّ جَهْمًا قَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يُثْبِتُ كَوْنَهُ فَاعِلًا قَادِرًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقَادِرِ وَلَا فَاعِلٍ فَلَا تَشْبِيهَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ.
وَإِذَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْمَقَامِ؛ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ بِقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَيَقُولَ:

أَنَا لَا أَصِفُهُ بِصِفَةِ وُجُودٍ وَلَا عَدَمٍ فَلَا أَقُولُ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ أَوْ لَا مَوْجُودٌ وَلَا غَيْرُ مَوْجُودٍ بَلْ أُمْسِكُ عَنْ النَّقِيضَيْنِ فَلَا أَتَكَلَّمُ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ.
وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: أَنَا لَا أَصِفُهُ قَطُّ بِأَمْرِ ثُبُوتِيٍّ بَلْ بِالسَّلْبِيِّ؛ فَلَا أَقُولُ مَوْجُودٌ بَلْ أَقُولُ لَيْسَ بِمَعْدُومِ.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: بَلْ هُوَ مَعْدُومٌ؛ فَالْقِسْمَةُ حَاصِرَةٌ.
فَإِنَّهُ؛ إمَّا أَنْ يَصِفَهُ بِأَمْرِ ثُبُوتِيٍّ فَيَلْزَمَهُ مَا أَلْزَمَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَصِفُهُ بِالثُّبُوتِ بَلْ بِسَلْبِ الْعَدَمِ فَلَا أَقُولُ مَوْجُودٌ بَلْ لَيْسَ بِمَعْدُومِ.
وَإِمَّا أَنْ يَلْتَزِمَ التَّعْطِيلَ الْمَحْضَ فَيَقُولَ: مَا ثَمَّ وُجُودٌ وَاجِبٌ؛ فَإِنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ وَقَالَ لَا أُثْبِتُ وَاحِدًا مِنْ النَّقِيضَيْنِ: لَا الْوُجُودَ وَلَا الْعَدَمَ.
قِيلَ: هَبْ أَنَّك تَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ بِلِسَانِك؛ وَلَا تَعْتَقِدُ بِقَلْبِك وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ بَلْ تَلْتَزِمُ الْإِعْرَاضَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَذِكْرِهِ فَلَا تَذْكُرُهُ قَطُّ وَلَا تَعْبُدُهُ وَلَا تَدْعُوهُ وَلَا تَرْجُوهُ وَلَا تَخَافُهُ؛ فَيَكُونُ جَحْدُك لَهُ أَعْظَمَ مَنْ جَحْدِ إبْلِيسَ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ فَامْتِنَاعُك مِنْ إثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ النَّقِيضَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُمَا؛ بَلْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ - أَيَّ شَيْءٍ كَانَ - إمَّا مَوْجُودًا وَإِمَّا مَعْدُومًا إمَّا أَنْ يَكُونَ وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ وَلَيْسَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَاسِطَةٌ أَصْلًا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَوَاءٌ جَحَدْته أَنْتَ أَوْ اعْتَرَفْت بِهِ وَسَوَاءٌ

ذَكَرْته أَوْ أَعَرَضْت عَنْهُ؛ فَإِعْرَاضُ الْإِنْسَانِ عَنْ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالسَّمَاءِ لَا يَدْفَعُ وُجُودَهَا وَلَا يَدْفَعُ ثُبُوتَ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ؛ بَلْ بِالضَّرُورَةِ " الشَّمْسُ " إمَّا مَوْجُودَةٌ وَإِمَّا مَعْدُومَةٌ فَإِعْرَاضُ قَلْبِك وَلِسَانِك عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَيْفَ يَدْفَعُ وُجُودَهُ وَيُوجِبُ رَفْعَ النَّقِيضَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إمَّا مَوْجُودًا وَإِمَّا مَعْدُومًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: أَنَا لَا أَقُولُ مَوْجُودٌ؛ بَلْ أَقُولُ لَيْسَ بِمَعْدُومِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ: سَلْبُ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ إثْبَاتٌ لِلْآخَرِ فَأَنْتَ غَيَّرْت الْعِبَارَةَ؛ إذْ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَيْسَ بِمَعْدُومِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا؛ وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ لَا مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا.
وَهَذَا " الْقِسْمُ الثَّالِثُ " يُوجِبُ رَفْعَ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ فَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا.
وَإِنْ قَالَ: بَلْ أَلْتَزِمُ أَنَّهُ مَعْدُومٌ؛ قِيلَ لَهُ: فَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَقْلِ وُجُودُ مَوْجُودَاتٍ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَيْضًا أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ - كَمَا نَعْلَمُ نَحْنُ أَنَّا حَادَثُونِ بَعْدَ عَدَمِنَا وَأَنَّ السَّحَابَ حَادِثٌ وَالْمَطَرَ وَالنَّبَاتَ حَادِثٌ وَالدَّوَابَّ حَادِثَةٌ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ

مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وَهَذِهِ الْحَوَادِثُ الْمَشْهُورَةُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةَ الْوُجُودِ بِذَاتِهَا؛ فَإِنَّ مَا وَجَبَ وُجُودُهُ بِنَفْسِهِ امْتَنَعَ عَدَمُهُ وَوَجَبَ قِدَمُهُ وَهَذِهِ كَانَتْ مَعْدُومَةً ثُمَّ وُجِدَتْ؛ فَدَلَّ وُجُودُهَا بَعْدَ عَدَمِهَا عَلَى أَنَّهَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا وَيُمْكِنُ عَدَمُهَا فَإِنَّ كِلَيْهِمَا قَدْ تَحَقَّقَ فِيهَا؛ فَعُلِمَ بِالضَّرُورَةِ اشْتِمَالُ الْوُجُودِ عَلَى مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ مُمْكِنٍ.
فَنَقُولُ حِينَئِذٍ: الْمَوْجُودُ وَالْمُحْدَثُ الْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمُحْدَثِ بِنَفْسِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلُقَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْمَعَارِفِ الضَّرُورِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَوُجُودِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَاتِهِ عُضْوًا وَلَا قَدْرًا فَلَا يُقَصِّرُ الطَّوِيلَ وَلَا يُطَوِّلُ الْقَصِيرَ وَلَا يَجْعَلُ رَأْسَهُ أَكْبَرَ مِمَّا هُوَ وَلَا أَصْغَرَ وَكَذَلِكَ أَبَوَاهُ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ عَدَمِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ بِالْفِطْرَةِ حَتَّى لِلصِّبْيَانِ؛ فَإِنَّ الصَّبِيَّ لَوْ ضَرَبَهُ ضَارِبٌ وَهُوَ غَافِلٌ لَا يُبْصِرُهُ لَقَالَ: مَنْ ضَرَبَنِي؟ فَلَوْ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَضْرِبْك أَحَدٌ؛ لَمْ يَقْبَلْ عَقْلُهُ أَنْ تَكُونَ الضَّرْبَةُ حَدَثَتْ مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ؛ بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحَادِثِ مِنْ مُحْدِثٍ؛ فَإِذَا قِيلَ: فُلَانٌ ضَرَبَك؛ بَكَى حَتَّى يَضْرِبَ ضَارِبَهُ؛ فَكَانَ فِي فِطْرَتِهِ الْإِقْرَارُ

بِالصَّانِعِ وَبِالشَّرْعِ الَّذِي مَبْنَاهُ عَلَى الْعَدْلِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ . " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ فِي فِدَاءِ أُسَارَى بَدْرٍ قَالَ: وَجَدْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْت هَذِهِ الْآيَةَ {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ؟ أَحْسَسْت بِفُؤَادِي قَدْ انْصَدَعَ} . وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ ذَكَرَهُ اللَّهُ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ مَعْلُومَةٌ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ جَحْدُهَا يَقُولُ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ؛ أَمْ هُمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ كِلَا النَّقِيضَيْنِ بَاطِلٌ؛ فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَهُنَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: الْوُجُودُ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ وَالْمَوْجُودُ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَدْ لَزِمَ أَنَّ الْوُجُودَ فِيهِ مَوْجُودٌ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَمَوْجُودٌ مُمْكِنٌ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَهَذَانِ قَدْ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ مَوْجُودًا فِي الشَّاهِدِ إلَّا جِسْمًا؛ فَلَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ الَّذِي ادَّعَاهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَإِنَّ نَفْيَهُ بَاطِلٌ

وَلَوْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا دَلَّ أَيْضًا عَلَيْهِ الْعَقْلُ.
فَكَيْفَ يُنْفَى بِمِثْلِ ذَلِكَ مَا دَلَّ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ عَلَى ثُبُوتِهِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ - لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ - لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَ بِهِ غَيْرَهُ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْجَوَابُ مُشَارِكًا.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ هَذَا لَازِمًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَلْزُومَ مَوْجُودٌ لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ بِحَالِ؛ وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ الِاسْتِدْلَالُ بِمِثْلِ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا أَحْدَثَتْهُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: يَنْفِي عَنْ الرَّبِّ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ الرَّبِّ؛ مِثْلُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ النَّقَائِصَ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا: كَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا تَنْزِيهٌ صَحِيحٌ؛ وَلَكِنْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ فَيُعَارَضُ بِمَا أَثْبَتَهُ؛ فَيَلْزَمُهُ التَّنَاقُضُ.
وَمِنْ هُنَا دَخَلَتْ " الْمَلَاحِدَةُ الْبَاطِنِيَّةُ " عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ خَلْقًا عَظِيمًا صَارُوا يَقُولُونَ لِمَنْ نَفَى شَيْئًا عَنْ الرَّبِّ - مِثْلُ مَنْ يَنْفِي بَعْضَ الصِّفَاتِ أَوْ جَمِيعَهَا أَوْ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى - أَلَمْ تَنْفِ هَذَا؟ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ فَيَقُولُ: بَلَى فَيَقُولُ: وَهَذَا اللَّازِمُ يَلْزَمُك فِيمَا أَثْبَتَّهُ؛ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى النَّفْيِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ أَمْرُهُ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ؛ وَلَا يَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ وَلَا يَعْبُدَهُ وَلَا يَدْعُوَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَجْزِمُ بِعَدَمِهِ بَلْ يُعَطِّلُ نَفْسَهُ عَنْ الْإِيمَانِ بِهِ وَقَدْ عُرِفَ تَنَاقُضُ هَؤُلَاءِ.

وَإِنْ الْتَزَمَ تَعْطِيلَهُ وَجَحْدَهُ مُوَافَقَةً لِفِرْعَوْنَ؛ كَانَ تَنَاقُضُهُ أَعْظَمَ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: فَهَذَا الْعَالَمُ الْمَوْجُودُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَانِعٌ كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ - وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِيهِ حَوَادِثَ كَثِيرَةً كَمَا تَقَدَّمَ - وَحِينَئِذٍ فَفِي الْوُجُودِ قَدِيمٌ وَمُحْدَثٌ وَوَاجِبٌ وَمُمْكِنٌ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُك أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَوْجُودَانِ: أَحَدُهُمَا قَدِيمٌ وَاجِبٌ.
وَالْآخَرُ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ؛ فَيَلْزَمُك مَا فَرَرْت مِنْهُ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ بَلْ هَذَا يَلْزَمُك بِصَرِيحِ قَوْلِك فَإِنَّ الْعَالَمَ الْمَشْهُودَ جِسْمٌ تَقُومُ بِهِ الْحَرَكَاتُ فَإِنَّ الْفُلْكَ جِسْمٌ وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ أَجْسَامٌ تَقُومُ بِهَا الْحَرَكَاتُ وَالصِّفَاتُ؛ فَجَحَدْت رَبَّ الْعَالَمِينَ لِئَلَّا تَجْعَلَ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ جِسْمًا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْحَرَكَاتُ ثُمَّ فِي آخِرِ أَمْرِك جَعَلْت الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ الْوَاجِبَ الْوُجُودَ بِنَفْسِهِ أَجْسَامًا مُتَعَدِّدَةً تُشْبِهُ غَيْرَهَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ تَقُومُ بِهَا الصِّفَاتُ وَالْحَرَكَاتُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الِافْتِقَارِ وَالْحَاجَةِ.
فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ مُحْتَاجَةٌ إلَى مَحَالِّهَا الَّتِي هِيَ فِيهَا وَمَوَاضِعِهَا الَّتِي تَحْمِلُهَا وَتَدُورُ بِهَا وَالْأَفْلَاكُ كُلٌّ مِنْهَا مُحْتَاجٌ إلَى مَا سِوَاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ نَقْصِهَا وَحَاجَتِهَا.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ هَذَا الَّذِي فَرَّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ مَوْجُودًا - وَمَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لِئَلَّا يَلْزَمَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَجَعَلَ نَفْيَ هَذَا اللَّازِمِ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ مَا جَعَلَهُ مَلْزُومًا لَهُ - لَزِمَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ مَا فَرَّ مِنْهُ مِنْ جَعْلِهِ الْمَوْجُودَ الْوَاجِبَ جِسْمًا يُشْبِهُ غَيْرَهُ مَعَ أَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَاتِ النَّقْصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا وَمَعَ أَنَّهُ جَحَدَ الْخَالِقَ جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَلَزِمَهُ مَعَ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ عَامَّةِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ مَعَ عِبَادَتِهِمْ لِمَا سِوَاهُ وَلَزِمَهُ مَعَ هَذَا أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ بَنِي آدَمَ وَأَفْسَدِهِمْ عَقْلًا وَنَظَرًا وَأَشَدِّهِمْ تَنَاقُضًا.
وَهَكَذَا يَفْعَلُ اللَّهُ بالذين يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ - مَعَ دَعْوَى النَّظَرِ وَالْمَعْقُولِ وَالْبُرْهَانِ وَالْقِيَاسِ كَفِرْعَوْنَ وَأَتْبَاعِهِ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ﴿وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ

فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ ﴿وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلَّا فِي تَبَابٍ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .

وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْجِسْمِ " وَ " التَّشْبِيهِ " فِيهِ إجْمَالٌ وَاشْتِبَاهٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْنُّفَاةِ لَا يُرِيدُونَ بِالْجِسْمِ الَّذِي نَفَوْهُ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْجِسْمِ فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ بِالصِّفَاتِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْجِسْمَ الَّذِي فِي اللُّغَةِ كَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَسَنَأْتِي بِذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِالْجِسْمِ مَا اعْتَقَدُوهُ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ مَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ وَهَذَا الِاعْتِقَادُ بَاطِلٌ.
بَلْ الرَّبُّ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَلَيْسَ جِسْمًا مُرَكَّبًا لَا مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ وَلَا مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ كَمَا يَدَّعُونَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الصِّفَاتِ لُزُومُ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْمُحَالِ بَلْ غَلِطُوا فِي هَذَا التَّلَازُمِ.
وَأَمَّا مَا هُوَ لَازِمٌ لَا رَيْبَ فِيهِ؛ فَذَاكَ يَجِبُ إثْبَاتُهُ لَا يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى.
فَكَانَ غَلَطُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ لَفْظٍ مُجْمَلٍ وَإِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةٌ: إمَّا الْأُولَى وَإِمَّا الثَّانِيَةُ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذِهِ قَوَاعِدُ مُخْتَصَرَةٌ جَامِعَةٌ وَهِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.

فَصْلٌ: إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَقَوْلُ السَّائِلِ: كَيْفَ يَنْزِلُ؟ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: كَيْفَ اسْتَوَى؟ وَقَوْلُهُ: كَيْفَ يَسْمَعُ؟ وَكَيْفَ يُبْصِرُ؟ وَكَيْفَ: يَعْلَمُ وَيُقَدِّرُ؟ وَكَيْفَ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مِثْلِ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَشَيْخِهِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَأَطْرَقَ مَالِكٌ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وَمَا أُرَاك إلَّا رَجُلُ سَوْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ.
وَمِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ ثَابِتٌ عَنْ رَبِيعَةَ شَيْخِ مَالِكٍ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْجَوَابُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَلَكِنْ لَيْسَ إسْنَادُهُ مِمَّا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَئِمَّةِ قَوْلُهُمْ يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ: فِي أَنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ اسْتِوَائِهِ كَمَا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَاتِهِ وَلَكِنْ نَعْلَمُ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ فَنَعْلَمُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ وَكَذَلِكَ نَعْلَمُ مَعْنَى النُّزُولِ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ وَنَعْلَمُ مَعْنَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ وَنَعْلَمُ مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْفَرَحِ وَالضَّحِكِ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ.

وَأَمَّا سُؤَالُ السَّائِلِ: هَلْ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَمْ لَا يَخْلُو مِنْهُ؟ - وَإِمْسَاكُ الْمُجِيبِ عَنْ هَذَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا يُجِيبُ بِهِ فَإِنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الْجَوَابِ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ - وَسُؤَالُ السَّائِلِ لَهُ عَنْ هَذَا إنْ كَانَ نَفْيًا لِمَا أَثْبَتَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَأٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ اسْتِرْشَادًا فَحَسَنٌ وَإِنْ كَانَ تَجْهِيلًا لِلْمَسْئُولِ؛ فَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ.
فَإِنَّ الْمُثْبِتَ الَّذِي لَمْ يُثْبِتْ إلَّا مَا أَثْبَتَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَفَى عِلْمَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ؛ فَقَوْلُهُ سَدِيدٌ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ سُؤَالُهُ وَالْمُعْتَرِضُ الَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِهَذَا السُّؤَالِ؛ اعْتِرَاضُهُ بَاطِلٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي جَوَابِ الْمُجِيبِ.
وَقَوْلُ الْمَسْئُولِ: هَذَا قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ وَرَأْيٌ مُخْتَرَعٌ - حَيْدَةٌ مِنْهُ عَنْ الْجَوَابِ - يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِالْجَوَابِ السَّدِيدِ؛ وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ نَفْيَ الْمُعْتَرِضِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ وَلَا عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ بِنُزُولِ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا الْمُعْتَرِضَ إمَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُقِرًّا بِذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِذَلِكَ؛ كَانَ قَوْلُهُ: هَلْ يَخْلُو الْعَرْشُ مِنْهُ أَمْ لَا يَخْلُو؟ كَلَامًا بَاطِلًا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ فَرْعُ ثُبُوتِ كَوْنِهِ عَلَى الْعَرْشِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: أَنَا ذَكَرْت هَذَا التَّقْسِيمَ لِأَنْفِيَ نُزُولَهُ وَأَنْفِيَ الْعُلُوَّ - لِأَنَّهُ إنْ قَالَ: يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ لَزِمَ أَنْ يَخْلُوَ مِنْ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَعُلُوِّهِ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَقْتَ النُّزُولِ هُوَ الْعَلِيَّ الْأَعْلَى بَلْ يَكُونُ فِي جَوْفِ الْعَالَمِ وَالْعَالَمُ مُحِيطٌ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: إنَّ الْعَرْشَ لَا يَخْلُو مِنْهُ قِيلَ لَهُ: فَإِذَا لَمْ يَخْلُ الْعَرْشُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ فَإِنَّ نُزُولَهُ بِدُونِ خُلُوِّ الْعَرْشِ مِنْهُ لَا يُعْقَلُ - فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعْتَرِضِ:

هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ لَا يَنْفَعُك لِأَنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالِاتِّفَاقِ.
فَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ فَوْقَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُدَاخِلًا لِلْعَالَمِ محايثا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ محايث لِلْعَالَمِ بَطَلَ قَوْلُك فَإِنَّك إذَا جَوَّزْت نُزُولَهُ وَهُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ لَمْ يَمْتَنِعْ عِنْدَك خُلُوُّ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ مِنْهُ بَلْ هُوَ دَائِمًا خَالٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ هُنَاكَ لَيْسَ عِنْدَك شَيْءٌ ثُمَّ يُقَالُ لَك: وَهَلْ يُعْقَلُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَأَنَّهُ مَعَ هَذَا يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ فَإِنْ قُلْت: نَعَمْ؛ قِيلَ لَك: فَإِذَا نَزَلَ هَلْ يَخْلُو مِنْهُ بَعْضُ الْأَمْكِنَةِ أَوْ لَا يَخْلُو؟ فَإِنْ قُلْت: يَخْلُو مِنْهُ بَعْضُ الْأَمْكِنَةِ؛ كَانَ هَذَا نَظِيرَ خُلُوِّ الْعَرْشِ مِنْهُ.
فَإِنْ قُلْت: لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ؛ كَانَ هَذَا نَظِيرَ كَوْنِ الْعَرْشِ لَا يَخْلُو مِنْهُ.
فَإِنْ جَوَّزْت هَذَا؛ كَانَ لِخَصْمِك أَنْ يُجَوِّزَ هَذَا.
فَقَدْ لَزِمَك عَلَى قَوْلِك مَا يَلْزَمُ مُنَازِعَك بَلْ قَوْلُك أَبْعَدُ عَنْ الْمَعْقُولِ لِأَنَّ نُزُولَ مَنْ هُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ نُزُولِ مَنْ هُوَ حَالٌّ فِي جَمِيعِ الْعَالَمِ فَإِنَّ نُزُولَ هَذَا لَا يُعْقَلُ بِحَالِ وَمَا فَرَرْت مِنْهُ مِنْ الْحُلُولِ وَقَعْت فِي نَظِيرِهِ بَلْ مُنَازِعُك الَّذِي يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعَالَمِ وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَهُ مِنْ الْعَالَمِ وَيَنْزِلُ إلَى الْعَالَمِ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلَّهِ مِنْك وَيُقَالُ لَهُ: هَلْ يُعْقَلُ مَوْجُودَانِ قَائِمَانِ بِأَنْفُسِهِمَا أَحَدُهُمَا محايث لِلْآخَرِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا؛ بَطَلَ قَوْلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ؛ قِيلَ لَهُ: فَلْيُعْقَلْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ فَإِنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْعَقْلِ مِمَّا إذَا قُلْت: إنَّهُ حَالٌّ فِي الْعَالَمِ.

وَإِنْ قُلْت؛ إنَّهُ لَا مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ وَلَا مُدَاخِلٌ لَهُ؛ قِيلَ لَك: فَهَلْ يُعْقَلُ مَوْجُودَانِ قَائِمَانِ بِأَنْفُسِهِمَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا مُبَايِنًا لِلْآخَرِ وَلَا محايثا لَهُ؟ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ يُعْقَلُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ جَازَ وُجُودُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ وَلَا محايثا لَهُ فَوُجُودُ مُبَايِنٍ لِلْعَالَمِ يَنْزِلُ إلَى الْعَالَمِ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ؛ فَإِنَّك إنْ كُنْت لَا تُثْبِتُ مِنْ الْوُجُودِ إلَّا مَا تَعْقِلُ لَهُ حَقِيقَةً فِي الْخَارِجِ فَأَنْتَ لَا تَعْقِلُ فِي الْخَارِجِ مَوْجُودَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا فِي الْآخَرِ وَلَا محايثا لَهُ وَإِنْ كُنْت تُثْبِتُ مَا لَا تَعْقِلُ حَقِيقَتَهُ فِي الْخَارِجِ فَوُجُودُ مَوْجُودَيْنِ أَحَدُهُمَا مُبَايِنٌ لِلْآخَرِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ؛ وَنُزُولُ هَذَا مِنْ غَيْرِ خُلُوِّ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ مِنْهُ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ كَوْنِهِ لَا فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَا دَاخِلَ الْعَالَمِ فَإِنْ حَكَمْت بِالْقِيَاسِ؛ فَالْقِيَاسُ عَلَيْك لَا لَك؛ وَإِنْ لَمْ تَحْكُمْ بِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُك عَلَى مُنَازِعِك بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: لَيْسَ هَذَا جَوَابِي بَلْ هُوَ حَيْدَةٌ عَنْ الْجَوَابِ: فَيُقَالُ لَهُ: الْجَوَابُ عَلَى " وَجْهَيْنِ " جَوَابِ مُعْتَرِضٍ نَافٍ لِنُزُولِهِ وَعُلُوِّهِ وَجَوَابِ مُثْبِتٍ لِنُزُولِهِ وَعُلُوِّهِ وَأَنْتَ لَمْ تَسْأَلْ سُؤَالَ مُسْتَفْتٍ بَلْ سَأَلْت سُؤَالَ مُعْتَرِضٍ نَافٍ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ سَاقِطٌ لَا يَنْفَعُك فَإِنَّهُ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّهُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَوْ قِيلَ لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُصَحِّحُ قَوْلَك إنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا قَوْلَك إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
وَإِذَا

بَطَلَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ تَعَيَّنَ " الثَّالِثُ " وَهُوَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ بَطَلَ قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ.
هَذَا إنْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ غَيْرَ مُقِرٍّ بِأَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ أَئِمَّةِ نفاة الْعُلُوِّ عَنْ النُّزُولِ فَقَالَ: يَنْزِلُ أَمْرُهُ.
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَمَنْ يَنْزِلُ؟ مَا عِنْدَك فَوْقَ الْعَالَمِ شَيْءٌ فَمِمَّنْ يَنْزِلُ الْأَمْرُ؟ . مِنْ الْعَدَمِ الْمَحْضِ فَبُهِتَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ لِلْعُلُوِّ وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ؛ لَكِنْ لَا يُقِرُّ بِنُزُولِهِ؛ بَلْ يَقُولُ بِنُزُولِ مَلَكٍ أَوْ يَقُولُ بِنُزُولِ أَمْرِهِ الَّذِي هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ؛ فَيَجْعَلُ النُّزُولَ مَفْعُولًا مُحْدَثًا يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ كَمَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ؛ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا التَّقْسِيمُ يَلْزَمُك فَإِنَّك إنْ قُلْت: إذَا نَزَلَ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ؛ لَزِمَ الْمَحْذُورُ الْأَوَّلُ وَإِنْ قُلْت: لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ؛ أَثْبَتَ نُزُولًا مَعَ عَدَمِ خُلُوِّ الْعَرْشِ مِنْهُ وَهَذَا لَا يُعْقَلُ عَلَى أَصْلِك.
وَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أُثْبِتُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ قِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ أَثْبَتَّهُ مَعَ عَدَمِ فِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ يَقُومُ بِنَفْسِهِ كَانَ غَيْرَ مَعْقُولٍ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ؛ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَصْلًا مَعَ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ؛ فَجَمَعْت بَيْنَ شَيْئَيْنِ: بَيْنَ أَنَّ مِمَّا أَثْبَتَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْقَلَ مِنْ خِطَابِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنَّك حَرَّفْت كَلَامَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ قُلْت: الَّذِي يَنْزِلُ مَلَكٌ.
قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

مِنْهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَزَالُ تَنْزِلُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَى الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ﴾ . وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ.
فَإِذَا مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى يُنَادُونَ: هَلُمُّوا إلَى حَاجَتِكُمْ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالَ فَيَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَك وَيُكَبِّرُونَك وَيَحْمَدُونَك وَيُمَجِّدُونَك﴾ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: {إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ يَتَّبِعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ؛ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا أَوْ صَعِدُوا إلَى السَّمَاءِ.
قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا

مِنْ عِنْدِ عِبَادِك فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَك وَيُكَبِّرُونَك ويهللونك وَيَحْمَدُونَك وَيَسْأَلُونَك} . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: ﴿مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟﴾ . وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهَا مَلَكٌ عَنْ اللَّهِ بَلْ الَّذِي يَقُولُ الْمَلَكُ: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلُ إنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ؛ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ﴾ وَذُكِرَ فِي الْبُغْضِ مِثْلُ ذَلِكَ.
فَالْمَلَكُ إذَا نَادَى عَنْ اللَّهِ لَا يَتَكَلَّمُ بِصِيغَةِ الْمُخَاطِبِ؛ بَلْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكَذَا أَوْ قَالَ كَذَا.
وَهَكَذَا إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ مُنَادِيًا يُنَادِي فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا وَرَسَمَ بِهَذَا لَا يَقُولُ أَمَرْت بِكَذَا وَنَهَيْت عَنْ كَذَا بَلْ لَوْ قَالَ ذَلِكَ بُودِرَ إلَى عُقُوبَتِهِ.
وَهَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ الْقَدِيمَةِ للجهمية فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ أَمَرَ مَلَكًا فَكَلَّمَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ: لَوْ كَلَّمَهُ مَلَكٌ لَمْ يَقُلْ ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ بَلْ كَانَ يَقُولُ كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ . فَالْمَلَائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ تَقُولُ كَمَا كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ

لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك بِكَذَا وَيَقُولُ كَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وَلَا يَقُولَ ﴿مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟﴾ وَلَا يَقُولَ ﴿لَا يَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي﴾ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِي وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمَا وَسَنَدُهُمَا صَحِيحٌ أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي﴾ . وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُبْطِلُ حُجَّةَ بَعْضِ النَّاسِ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِي فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَأْمُرُ مُنَادِيًا فَيُنَادِي فَإِنَّ هَذَا إنْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الرَّبَّ يَقُولُ ذَلِكَ وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا بِذَلِكَ؛ لَا أَنَّ الْمُنَادِيَ يَقُولُ ﴿مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟﴾ وَمَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُنَادِيَ يَقُولُ ذَلِكَ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنَّهُ - مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ اللَّفْظِ الْمُسْتَفِيضِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي نَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ - فَاسِدٌ فِي الْمَعْقُولِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ كَذِبِ بَعْضِ الْمُبْتَدِعِينَ كَمَا رَوَى بَعْضُهُمْ يُنْزِلُ بِالضَّمِّ وَكَمَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ ( ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى.
وَإِنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِنُزُولِ رَحْمَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي تُثْبِتُهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ صِفَةً قَائِمَةً فِي غَيْرِهَا.

فَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا وَقَدْ نَزَلَتْ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَقُولَ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ كَمَا لَا يُمْكِنُ الْمَلَكُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً مِنْ الصِّفَاتِ فَهِيَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا؛ بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ.
ثُمَّ لَا يُمْكِنُ الصِّفَةُ أَنْ تَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ وَلَا مَحَلَّهَا.
ثُمَّ إذَا نَزَلَتْ الرَّحْمَةُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَمْ تَنْزِلْ إلَيْنَا فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لَنَا فِي ذَلِكَ؟ وَإِنْ قَالَ: بَلْ الرَّحْمَةُ مَا يُنْزِلُهُ عَلَى قُلُوبِ قُوَّامِ اللَّيْلِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ حَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ وَالْعِبَادَةِ وَطِيبِ الدُّعَاءِ وَالْمَعْرِفَةِ وَمَا يَحْصُلُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ مَزِيدِ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَذِكْرِهِ وَتَجَلِّيهِ لِقُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ يَعْرِفُهُ قُوَّامُ اللَّيْلِ قِيلَ لَهُ: حُصُولُ هَذَا فِي الْقُلُوبِ حَقٌّ لَكِنَّ هَذَا يَنْزِلُ إلَى الْأَرْضِ إلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ لَا يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَا يَصْعَدُ بَعْدَ نُزُولِهِ وَهَذَا الَّذِي يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ يَبْقَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لَكِنَّ هَذَا النُّورَ وَالْبَرَكَةَ وَالرَّحْمَةَ الَّتِي فِي الْقُلُوبِ هِيَ مِنْ آثَارِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ نُزُولِهِ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ " بِالنُّزُولِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ " فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ وَبَعْضُهَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟﴾ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا

ضاحين مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ الْمَلَائِكَةَ وَيَقُولُ: اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا﴾ فَوُصِفَ أَنَّهُ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَيُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِالْحَجِيجِ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَجِيجَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَنْزِلُ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالنُّورِ وَالْبَرَكَةِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ هُوَ الَّذِي يَدْنُو إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَيُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِالْحَجِيجِ.
وَالْجَهْمِيَّة وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْمُعَطِّلَةِ: إنَّمَا يُثْبِتُونَ مَخْلُوقًا بِلَا خَالِقٍ وَأَثَرًا بِلَا مُؤَثِّرٍ وَمَفْعُولًا بِلَا فَاعِلٍ وَهَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِهِمْ وَهَذَا مِنْ فُرُوعِ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّة.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُ: وَصْفُ نَفْسِهِ بِالنُّزُولِ كَوَصْفِهِ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَبِأَنَّهُ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ وَبِأَنَّهُ نَادَى مُوسَى وَنَاجَاهُ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ وَبِالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ . وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إتْيَانِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَثِيرَةٌ وَكَذَلِكَ إتْيَانُهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ السَّلَفُ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْحَدِيثَ فَبَيَّنُوا لَهُ أَنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا احْتَجَّ بِهِ إسْحَاقُ

بْنُ رَاهَوَيْه عَلَى بَعْضِ الْجَهْمِيَّة بِحَضْرَةِ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ: أَمِيرِ خُرَاسَانَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرباطي: حَضَرْت مَجْلِسَ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ذَاتَ يَوْمٍ وَحَضَرَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه فَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ قُوَّادِ عَبْدِ اللَّهِ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ يَنْزِلُ؟ قَالَ أَثْبَتَهُ فَوْقُ حَتَّى أَصِفَ لَك النُّزُولَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَثْبَتَهُ فَوْقُ فَقَالَ لَهُ إسْحَاقُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فَقَالَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَقَالَ إسْحَاقُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ وَمَنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَمْنَعُهُ الْيَوْمَ.
ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إذَا نَزَلَ هَلْ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَوْ لَا يَخْلُو؟ " هَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى " تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ الْإِثْبَاتِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُسَدَّدٍ وَعَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَطَعَنَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ وَقَالَ: رَاوِيهَا عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ كَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه

وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ ": حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفريابي ثَنَا أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدٍ المقدمي ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَأَلَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أَبَا إسْمَاعِيلَ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: ﴿يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا﴾ يَتَحَوَّلُ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ؟ فَسَكَتَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ: هُوَ فِي مَكَانِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ " الْإِبَانَةِ " فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الأردبيلي حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ سَأَلَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أَبَا إسْمَاعِيلَ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ ﴿يَنْزِلُ اللَّهُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا﴾ أَيَتَحَوَّلُ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ؟ فَسَكَتَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ: هُوَ فِي مَكَانِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ ثَنَا أَحْمَد بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: قَالَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه: دَخَلْت عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوُونَهَا قُلْت: أَيُّ شَيْءٍ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ؟ قَالَ: تَرْوُونَ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قُلْت: نَعَمْ رَوَاهَا الثِّقَاتُ الَّذِينَ يَرْوُونَ الْأَحْكَامَ.
قَالَ: أَيَنْزِلُ وَيَدَعُ عَرْشَهُ؟ قَالَ: فَقُلْت: يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الْعَرْشُ مِنْهُ.
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: وَلِمَ تَتَكَلَّمُ فِي هَذَا وَقَدْ رَوَاهَا اللكائي أَيْضًا بِإِسْنَادِ مُنْقَطِعٍ وَاللَّفْظُ مُخَالِفٌ لِهَذَا.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ أَصَحُّ وَهَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا حِكَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ رُوَاتُهُمَا أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ.
فَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ يَقُولُ: هُوَ فِي مَكَانِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ فَأَثْبَتَ قُرْبَهُ إلَى خَلْقِهِ مَعَ

كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ - وَهُوَ مِنْ خِيَارِ مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ بِخُرَاسَانَ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ الْعَرْشُ فَأَقَرَّهُ الْإِمَامُ إسْحَاقُ عَلَى أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَقَالَ لَهُ: يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ الْعَرْشُ؟ فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ: نَعَمْ فَقَالَ لَهُ إسْحَاقُ: لِمَ تَتَكَلَّمُ فِي هَذَا؟ يَقُولُ: فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نُزُولِهِ خُلُوُّ الْعَرْشِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَى النُّزُولِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ خُلُوُّ الْعَرْشِ وَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ مِنْ اعْتِرَاضِ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ فَيُنْكِرُ هَذَا وَهَذَا.
وَنَظِيرُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ فِي " السُّنَّةِ " قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ يَعْنِي الْعَبَّادِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْت إبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْعَثِ يَقُولُ: سَمِعْت الْفُضَيْل بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: إذَا قَالَ الجهمي أَنَا أَكْفُرُ بِرَبِّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ فَقُلْ: أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبِّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
أَرَادَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مُخَالَفَةَ الجهمي الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إتْيَانٌ وَلَا مَجِيءٌ وَلَا نُزُولٌ وَلَا اسْتِوَاءٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ.
فَقَالَ الْفُضَيْل: إذَا قَالَ لَك الجهمي: أَنَا أَكْفُرُ بِرَبِّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ فَقُلْ: أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبِّ يَفْعَلُ مَا شَاءَ.
فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِالرَّبِّ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ الَّتِي يَشَاؤُهَا لَمْ يَرُدَّ مِنْ الْمَفْعُولَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ الأوزاعي وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي حَدِيثِ النُّزُولِ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
قَالَ اللالكائي: حَدَّثَنَا الْمُسَيَّرُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا

أَحْمَد بْنُ الْحُسَيْنِ: ثَنَا أَحْمَد بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ قَالَ: سَمِعْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: إذَا سَمِعْت الجهمي يَقُولُ: أَنَا أَكْفُرُ بِرَبِّ يَنْزِلُ؛ فَقُلْ: أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبِّ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ: فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ وَيَنْفِي قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِهِ - كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِمْ - يُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: " يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ " أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ مِنْ دُونِ أَنْ يَقُومَ بِهِ هُوَ فِعْلٌ أَصْلًا.
وَهَذَا أَوْجَبَهُ أَصْلَانِ لَهُمْ: (أَحَدُهُمَا أَنَّ الْفِعْلَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ، فَهُمْ يُفَسِّرُونَ أَفْعَالَهُ الْمُتَعَدِّيَةَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وَأَمْثَالِهِ: إنَّ ذَلِكَ وُجِدَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِعْلٌ قَامَ بِذَاتِهِ بَلْ حَالُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ وَبَعْدَ مَا خَلَقَ سَوَاءٌ لَمْ يَتَجَدَّدْ عِنْدَهُمْ إلَّا إضَافَةٌ وَنِسْبَةٌ وَهِيَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ؛ لَا وُجُودِيٌّ كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَيَرَى أَعْمَالَهُمْ وَفِي كَوْنِهِ كَلَّمَ مُوسَى وَغَيْرَهُ وَكَوْنِهِ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ أَوْ نَسَخَ مِنْهُ مَا نَسَخَ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ عِنْدَهُمْ إلَّا مُجَرَّدُ " نِسْبَةِ " وَ " إضَافَةِ " الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَهِيَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَا وُجُودِيٌّ.
وَهَكَذَا يَقُولُونَ: فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ إذَا قَالُوا: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَوَّلُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
وَيُسَمِّي ابْنُ عَقِيلٍ هَذِهِ " النِّسْبَةَ " الْأَحْوَالَ؛ وَلَعَلَّهُ يُشَبِّهُهَا " بِالْأَحْوَالِ " الَّتِي يُثْبِتُهَا مَنْ يُثْبِتُهَا مِنْ النُّظَّارِ

وَيَقُولُونَ هِيَ لَا مَوْجُودَةٌ وَلَا مَعْدُومَةٌ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو هَاشِمٍ وَالْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ.
وَأَكْثَرُ النَّاسِ خَالَفُوهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَأَثْبَتُوا لَهُ تَعَالَى فِعْلًا قَائِمًا بِذَاتِهِ وَخَلْقًا غَيْرَ الْمَخْلُوقِ - وَيُسَمَّى التَّكْوِينَ - وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ بِهِ قُدَمَاءُ الْكُلَّابِيَة كَمَا ذَكَرَهُ الثَّقَفِيُّ والضبعي وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَة فِي الْعَقِيدَةِ الَّتِي كَتَبُوهَا وَقَرَءُوهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة لَمَّا وَقَعَ بَيْنَهُمْ النِّزَاعُ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ ". وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَأَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ البغوي فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ كَمَا بُسِطَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
وَ " الْأَصْلُ الثَّانِي ": نَفْيُهُمْ أَنْ تَقُومَ بِهِ أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ " حُلُولَ الْحَوَادِثِ ". فَلَمَّا كَانُوا نفاة لِهَذَا امْتَنَعَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُومَ بِهِ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ؛ لَا لَازِمٌ وَلَا مُتَعَدٍّ؛ لَا نُزُولٌ وَلَا مَجِيءٌ وَلَا اسْتِوَاءٌ وَلَا إتْيَانٌ وَلَا خَلْقٌ وَلَا إحْيَاءٌ وَلَا إمَاتَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ.
فَلِهَذَا فَسَّرُوا قَوْلَ السَّلَفِ بِالنُّزُولِ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ حُصُولُ مَخْلُوقٍ مُنْفَصِلٍ؛ لَكِنَّ كَلَامَ السَّلَفِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ الَّذِي يَقُومُ بِهِ.

والْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ؛ بَلْ أَرَادَ مُخَالَفَةَ الْجَهْمِيَّة؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: " يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ " لَا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْعَرْشِ بَلْ كَلَامُهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ أَمْثَالِهِ مِنْ السَّلَفِ: كالأوزاعي وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَد فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُسَدَّدٍ وَقَالَ: رَاوِيهَا عَنْ أَحْمَد مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَد مَنْ اسْمُهُ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدٍ البردعي.
وَأَهْلُ الْحَدِيثِ فِي هَذَا عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ": مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ يُقَالَ: يَخْلُو أَوْ لَا يَخْلُو كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ المقدسي وَغَيْرُهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ منده مُصَنَّفًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ وَسَمَّاهُ: " الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَعَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ وَعَلَى مَنْ تَأَوَّلَ النُّزُولَ عَلَى غَيْرِ النُّزُولِ ". وَذَكَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي " أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ " عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الدِّينَوَرِيّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ البردعي التَّمِيمِيِّ قَالَ: لَمَّا أُشْكِلَ عَلَى مُسَدَّدِ بْنِ مسرهد أَمْرُ السُّنَّةِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ " الْقَدَرِ "

وَ " الرَّفْضِ " وَ " الِاعْتِزَالِ " وَ " الْإِرْجَاءِ " وَ " الْقُرْآنِ " كَتَبَ إلَى " أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ ": أَنْ اُكْتُبْ إلَيَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَ إلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهَا؛ وَيَنْزِلُ اللَّهُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ وَعَنْ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَزَعَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَفْظٌ مُنْكَرٌ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمَا وَعَنْ غَيْرِهِمَا وَحُكْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ حُكْمُ حَدِيثٍ مُنْكَرٍ وَقَالَ: أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدٍ البردعي مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَد مَنْ اسْمُهُ " أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدٍ ": فِيمَنْ رَوَى عَنْ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ كَأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَأَبِي بَكْرٍ المروذي * وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى البراني الْقَاضِي وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّائِغِ وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْقَاصِّ غُلَامِ خَلِيلٍ وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَزِيدٍ الْوَرَّاقِ.
وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ أَبَا بَكْرٍ الْقَاضِيَ وَأَحْمَد بْنَ خَالِدٍ أَبَا الْعَبَّاسِ البراني وَأَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَدَقَةَ وَأَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الأسدي وَأَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْكُوفِيَّ وَأَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْكَحَّالَ وَأَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَد بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

وَذَكَرَ أَحْمَد بْنُ الْحَسَنِ أَبَا الْحَسَنِ التِّرْمِذِيَّ؛ وَأَحْمَد بْنَ سَعِيدٍ وَقِيلَ: أَبُو الأشعبة التِّرْمِذِيُّ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحَمَّدِينَ: مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: وَلَمْ يُعَدَّ هَذَا فِيمَنْ رَوَى عَنْ مُسَدَّدٍ أَيْضًا.
قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي العاص وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو أمامة وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ المروذي وَرِفَاعَةُ بْنُ عَرَابَةَ الجهني وعبادة بْنُ الصَّامِتِ وَعُمَرُ بْنُ عبسة وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا اللَّفْظَ؛ وَلَا مَنْ رَوَاهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ.
ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ بِأَلْفَاظِهَا؛ وَذَكَرَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَقُلْ هَذَا اللَّفْظَ.
قَالَ: وَهُوَ لَفْظٌ مُوَافِقٌ لِرَأْيِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَرَأَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ.
قَالَ: وَتَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ النُّزُولَ عَلَى غَيْرِ النُّزُولِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ وَلِقَوْلِهِ: فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ إلَى الْفَجْرِ.
قُلْت: الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا: إنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْحَدِيثِ؛ وَلَيْسَ فِي

جارٍ التحميل