ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ . فَهَذَا الْخَلِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ إمَامَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْتَدُونَ بِأَمْرِهِ؛ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ بَعْدَهُ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ . وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِي أَشْرَكُوهُ: هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ لَيْسَ غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَتَبَرَّأُ مِنْ اللَّهِ الَّذِي وَجَّهَ وَجْهَهُ إلَيْهِ؟ وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِمْ؛ إمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْمَظَاهِرِ بِدُونِ تَقْيِيدٍ وَلَا اخْتِصَاصٍ - وَهُوَ حَالُ الْمُكَمَّلِ عِنْدَهُمْ - فَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْ شَيْءٍ وَإِمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ كَفِعْلِ النَّاقِصِينَ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا التَّبْرِيءُ مِنْ بَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ فَقَدْ قَالَ: إنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَوْ تَرَكُوهُمْ لَتَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بِقَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ تِلْكَ الْأَوْثَانِ وَالرُّسُلُ قَدْ تَبَرَّأَتْ مِنْ الْأَوْثَانِ فَقَدْ تَرَكَتْ الرُّسُلُ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا كَثِيرًا وَتَبَرَّءُوا مِنْ اللَّهِ الَّذِي دَعَوْا الْخَلْقَ إلَيْهِ وَالْمُشْرِكُونَ - عَلَى زَعْمِهِمْ - أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْمُرْسَلِينَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَلَمْ يَتَبَرَّءُوا مِنْ سَائِرِهَا وَالرُّسُلُ تَبَرَّءُوا مِنْهُ فِي عَامَّةِ الْمَظَاهِرِ.
ثُمَّ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِهِمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْطُرْهَا إذْ هِيَ لَيْسَتْ غَيْرَهُ فَمَا أَجْدَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾
الْآيَةَ.
ثُمَّ قَوْلُ الْخَلِيلِ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ.
وَهَذِهِ حُجَّةُ اللَّهِ الَّتِي آتَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ أَخَافُ مَا عَبَدْتُمُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الْمَعْبُودَةُ مَنْ دُونِهِ وَعِنْدَهُمْ لَيْسَتْ مَعْبُودَةً مَنْ دُونِهِ وَمَنْ لَمْ يَخَفْهَا فَلَمْ يَخَفْ اللَّهَ فَالرُّسُلُ لَمْ يَخَافُوا اللَّهَ.
وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: ﴿أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُ حَتَّى يُشْرِكُوهُ بِهِ بَلْ الْمَعْبُودُ الَّذِي عَبَدُوهُ هُوَ اللَّهُ وَأَكْثَرُ مَا فَعَلُوهُ: أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ جَعَلُوا غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ فِي الْعِبَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ؟} فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ وَأَنَّ الْأَمْنَ هُوَ لِمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَخْلِطْ إيمَانَهُ بِشِرْكِ وَعَلَى زَعْمِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ: فَإِيمَانُ الَّذِينَ خَلَطُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكِ: هُوَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ التَّامُّ وَهُوَ إيمَانُ الْمُحَقِّقِ الْعَارِفِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ فِي جَمِيعِ مَظَاهِرِهِ وَعَبَدَهُ فِي كُلِّ مَوْجُودٍ: هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يَعْبُدْهُ إلَّا مِنْ حَيْثُ لَا يُشْهَدُ وَلَا يُعْرَفُ وَعِنْدَهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ إلَّا فِي الْمَخْلُوقِ فَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ فِي شَيْءٍ
مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَصْلًا فَمَا عَبَدَهُ فِي الْحَقِيقَةِ أَصْلًا وَإِذَا أَطْلَقُوا أَنَّهُ عَبَدَهُ فَهُوَ لَفْظٌ لَا مَعْنَى لَهُ أَيْ إذَا فَسَّرُوهُ بِالتَّخْصِيصِ فَيَكُونُ بِالتَّخْصِيصِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَصَّصَ بَعْضَ الْمَظَاهِرِ بِالْعِبَادَةِ وَهَذَا عِنْدَهُمْ نَقْصٌ لَا مِنْ جِهَةِ مَا أَشْرَكَهُ وَعَبَدَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ مَا تَرَكَهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الشِّرْكِ ظُلْمٌ وَلَا نَقْصٌ إلَّا مِنْ جِهَةِ قِلَّتِهِ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ عَامًّا كَانَ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْخَلِيلِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تَبَرَّأَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ وَفِي آلِهَتِهِمْ وَكَذَلِكَ كُفْرُهُ بِهِ وَمُعَادَاتُهُ لَهُمْ كُفْرٌ بِالْحَقِّ عِنْدَهُمْ وَمُعَادَاةٌ لَهُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَتَرَكُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ بِهِ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا قَصَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِنْ مُعَادَاتِهِ لِمَا عَبَدَهُ أُولَئِكَ هُوَ عِنْدَهُمْ مُعَادَاةٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ مَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ كَمَا زَعَمَ الْمُلْحِدُونَ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ﴾ قَالُوا.
وَمَا قَضَى اللَّهُ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ.
وَهَذَا هُوَ الْإِلْحَادُ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَتَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ " قَضَى " هُنَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْقَدَرِ وَالتَّكْوِينِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَبِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ حَتَّى يُقَالَ: مَا قَدَّرَ اللَّهُ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَمَرَ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ؛ فَتَدَبَّرْ هَذَا التَّحْرِيفَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءِ إلَّا وَقَعَ كَلَامٌ مُجْمَلٌ؛ [فَإِنَّ الْحُكْمَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَهُوَ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الْآيَةَ] * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ وَيَكُونُ الْحُكْمُ حُكْمًا بِالْحَقِّ وَالتَّكْوِينِ وَالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقْرَءُونَ وَوَصَّى رَبُّك أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرُوا أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ وَلِهَذَا قَالَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ الْآيَةَ وَسَاقَ أَمْرَهُ وَوَصَايَاهُ إلَى أَنْ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ . فَخَتَمَ الْكَلَامَ بِمِثْلِ مَا فَتَحَهُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهْيِهِ عَنْ الشِّرْكِ لَيْسَ هُوَ إخْبَارًا أَنَّهُ مَا عَبَدَ أَحَدٌ إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ وَكَوَّنَهُ وَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ؟ وَعِنْدَهُمْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ يُجْعَلُ إلَهًا آخَرَ فَأَيُّ شَيْءٍ عُبِدَ فَهُوَ نَفْسُ الْإِلَهِ لَيْسَ آخَرَ غَيْرَهُ.
وَمِثْلُ مُعَادَاةِ إبْرَاهِيمَ وَالْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ - عَلَى زَعْمِهِمْ - حَيْثُ عَادَى الْعَابِدِينَ وَالْمَعْبُودِينَ وَمَا عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ وَمَا عَبَدَ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ عَيْنُ كُلِّ عَابِدٍ وَعَيْنُ كُلِّ مَعْبُودٍ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} وَعَلَى زَعْمِهِمْ مَا لِلَّهِ عَدُوٌّ أَصْلًا وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرُ وَلَا سِوَى بِحَيْثُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَدُوَّ نَفْسِهِ أَوْ عَدُوَّ الذَّوَاتِ الَّتِي لَا يَظْهَرُ إلَّا بِهَا.
السَّادِسُ: أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ دَعْوَةَ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ فَإِنَّهُ مَا عُدِمَ مِنْ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا صَاحِبُ الْفُصُوصِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ الَّذِينَ خَبَتْ نَارُ طَبِيعَتِهِمْ فَقَالُوا إلَهًا وَلَمْ يَقُولُوا طَبِيعَةً: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أَيْ حَيَّرُوهُمْ فِي تَعْدَادِ الْوَاحِدِ بِالْوُجُوهِ وَالنِّسَبِ: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ لِأَنْفُسِهِمْ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ فَهُمْ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ فَقَدَّمَهُ عَلَى الْمُقْتَصِدِ وَالسَّابِقِ: ﴿إلَّا ضَلَالًا﴾ أَيْ إلَّا حَيْرَةً وَفِي الْمُحَمَّدِيِّ زِدْنِي فِيك تَحَيُّرًا.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ لَهُ فَالْمُحَيِّرُ لَهُ الدَّوْرُ وَالْحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ حَوْلَ الْقُطْبِ فَلَا يَبْرَحُ مِنْهُ وَصَاحِبُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَطِيلِ مَائِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ طَالِبٌ مَا هُوَ فِيهِ صَاحِبُ خَيَالٍ إلَيْهِ غَايَتُهُ فَلَهُ " مِنْ " وَ " إلَى " وَمَا بَيْنَهُمَا وَصَاحِبُ الْحَرَكَةِ الدَّوْرِيَّةِ لَا بَدْءَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ " مِنْ " وَلَا غَايَةَ فَتَحْكُمُ عَلَيْهِ " إلَى " فَلَهُ الْوُجُودُ الْأَتَمُّ وَهُوَ الْمُؤْتَى جَوَامِعَ الْكَلِمِ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَائِهِمْ:
مَا بَالُ عِيسِك لَا يَقَرُّ قَرَارُهَا ... وَإلَام ضَلَّك لَا يَنِي مُتَنَقِّلًا؟
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُ أَنَّ سَيْرَك لَمْ يَكُنْ ... إلَّا إلَيْك إذَا بَلَغْت الْمَنْزِلَا
فَعِنْدَهُمْ الْإِنْسَانُ هُوَ غَايَةُ نَفْسِهِ وَهُوَ مَعْبُودُ نَفْسِهِ وَلَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَعْبُدُهُ أَوْ يَقْصِدُهُ أَوْ يَدْعُوهُ أَوْ يَسْتَجِيبُ لَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ حَقِيقَةَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
وَكُنْت أَقُولُ لِمَنْ أُخَاطِبُهُ إنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ حَتَّى حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ خَاطَبْته فِي ذَلِكَ مِنْ الثِّقَاتِ الْعَارِفِينَ: أَنَّ بَعْضَ كُبَرَائِهِمْ لَمَّا دَعَا هَذَا الْمُحَدِّثَ إلَى مَذْهَبِهِمْ وَكَشَفَ لَهُ حَقِيقَةُ سِرِّهِمْ.
قَالَ: فَقُلْت لَهُ هَذَا قَوْلُ فِرْعَوْنَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَنَحْنُ عَلَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَقُلْت لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اعْتَرَفُوا بِهَذَا فَإِنَّهُ مَعَ إقْرَارِ الْخَصْمِ لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ.
وَقَدْ جَعَلَ صَاحِبُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَطِيلِ: صَاحِبَ خَيَالٍ وَمَدَحَ الْحَرَكَةَ الْمُسْتَدِيرَةَ الْحَائِرَةَ وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَيَمْدَحُهُ وَيُثْنِي عَلَى أَهْلِهِ لَا عَلَى الْمُسْتَدِيرِ؛ فَفِي أُمِّ الْكِتَابِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الْآيَتَيْنِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي مُوسَى وَهَارُونَ: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ {وَهَدَيْنَاهُمَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ وَقَالَ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَهَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ مِنْ أَكَابِرِ مُتَّبِعِيهِ فَإِنَّهُ قَعَدَ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ فَصَدَّهُمْ عَنْهُ حَتَّى كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَآمَنُوا أَنَّ نُفُوسَهُمْ هِيَ مَعْبُودُهُمْ وَإِلَهُهُمْ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ خَاتَمِ الرُّسُلِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَرُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ مَا ثَمَّ إلَّا أَنْتَ وَأَنْتَ إلَى الْآنَ مَرْدُودٌ إلَى اللَّهِ وَمَا زِلْت مَرْدُودًا إلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ شَيْءٌ غَيْرُك حَتَّى تَرُدَّ إلَيْهِ أَوْ تَرْجِعَ إلَيْهِ أَوْ تَكْدَحَ إلَيْهِ أَوْ تُلَاقِيَهُ وَلِهَذَا حَدَّثُونَا أَنَّ ابْنَ الْفَارِضِ لَمَّا اُحْتُضِرَ أَنْشَدَ بَيْتَيْنِ:
إنْ كَانَ مَنْزِلَتِي فِي الْحُبِّ عِنْدَكُمْ ... مَا قَدْ لَقِيت: فَقَدْ ضَيَّعْت أَيَّامِي
أُمْنِيَّةٌ ظَفِرَتْ نَفْسِي بِهَا زَمَنًا ... وَالْيَوْمَ أَحْسَبُهَا أَضْغَاثَ أَحْلَامِ
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ مَرَدٌّ إلَيْهِ وَمَرْجِعٌ إلَيْهِ غَيْرُ مَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَتْهُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ تَنْزِعُ رُوحَهُ مِنْ جِسْمِهِ وَبَدَا لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَسِبُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ مِنْ الشَّيْطَانِ.
وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِ مَنْ أَعْرِفُهُ وَلَهُ اتِّصَالٌ بِهَؤُلَاءِ عَنْ الْفَاجِرِ التلمساني: أَنَّهُ وَقْتَ الْمَوْتِ تَغَيَّرَ وَاضْطَرَبَ قَالَ: دَخَلْت عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ فَوَجَدْته يَتَأَوَّهُ فَقُلْت لَهُ: مِمَّ تَتَأَوَّهُ؟ فَقَالَ: مِنْ خَوْفِ الْفَوْتِ فَقُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ وَمِثْلُك يَخَافُ الْفَوْتَ وَأَنْتَ تُدْخِلُ الْفَقِيرَ إلَى الْخَلْوَةِ فَتُوَصِّلُهُ إلَى اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: زَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَمَا وَجَدْت لِذَلِكَ حَقِيقَةً.
السَابِعُ: أَنَّ عِنْدَهُمْ مَنْ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ مِنْ الْبَشَرِ كَفِرْعَوْنَ وَالدَّجَّالِ الْمُنْتَظَرِ أَوْ اُدُّعِيَتْ فِيهِ وَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ نَبِيًّا كَالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ كَعَلِيِّ أَوْ لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَالْحَاكِمِ بِمِصْرِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ الْمُنَافِقِينَ يُصَحِّحُ هَذِهِ الدَّعْوَى.
وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْفُصُوصِ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الدَّعْوَى كَدَعْوَى فِرْعَوْن وَهُمْ كَثِيرًا مَا يُعَظِّمُونَ فِرْعَوْن فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُمْ رَأْسٌ فِي الْكُفْرِ مِثْلُهُ وَلَا يَأْتِي مُتَأَخِّرٌ لَهُمْ مِثْلُ الدَّجَّالِ الْأَعْوَرِ الْكَذَّابِ وَإِذَا نَافَقُوا الْمُؤْمِنِينَ وَأَظْهَرُوا الْإِيمَانَ قَالُوا: إنَّهُ مَاتَ مُؤْمِنًا وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَقَالُوا: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِ النَّارَ.
وَأَمَّا فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ فَمَا زَالَ عِنْدَهُمْ عَارِفًا بِاَللَّهِ بَلْ هُوَ اللَّهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ نَارٌ فِيهَا أَلَمٌ أَصْلًا كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ وَلَكِنْ يُتَفَطَّنُ بِهَذَا لِكَوْنِ الْبِدَعِ مَظَانَّ النِّفَاقِ كَمَا أَنَّ السُّنَنَ شَعَائِرُ الْإِيمَانِ.
قَالَ صَاحِبُ الْفُصُوصِ فِي فَصِّ الْحِكْمَةِ الَّتِي فِي " الْكَلِمَةِ الموسوية " لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: وَهُنَا سِرٌّ كَبِيرٌ فَإِنَّهُ أَجَابَ بِالْفِعْلِ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ الْحَدِّ الذَّاتِيِّ فَجَعَلَ الْحَدَّ الذَّاتِيَّ عَيْنَ إضَافَتِهِ إلَى مَا ظَهَرَ بِهِ مَنْ صُوَرِ الْعَالَمِ أَوْ مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنْ صُوَرِ الْعَالَمِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ صُوَرُ الْعَالَمِينَ مِنْ عُلْوٍ وَهُوَ السَّمَاءُ وَسُفْلٍ وَهُوَ الْأَرْضُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أَوْ يَظْهَرُ هُوَ بِهَا.
فَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ لِأَصْحَابِهِ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ - كَمَا قُلْنَا فِي مَعْنَى كَوْنِهِ مَجْنُونًا أَيْ لَمَسْتُورٌ عَنْهُ - عِلْمُ مَا سَأَلْته عَنْهُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْلَمَهُ أَصْلًا زَادَ مُوسَى فِي الْبَيَانِ لِيُعْلِمَ فِرْعَوْنَ رُتْبَتَهُ فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ فَجَاءَ بِمَا يَظْهَرُ وَيُسْتَرُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ إنْ كُنْتُمْ أَصْحَابَ تَقْيِيدٍ فَإِنَّ الْعَقْلَ لِلتَّقْيِيدِ.
وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ: جَوَابُ الْمُوقِنِينَ وَهُمْ أَهْلُ الْكَشْفِ وَالْوُجُودِ فَقَالَ لَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أَيْ أَهْلَ كَشْفٍ وَوُجُودٍ فَقَدْ أَعْلَمْتُكُمْ بِمَا تَيَقَّنْتُمُوهُ فِي كَشْفِكُمْ وَوُجُودِكُمْ.
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مِنْ هَذَا الصِّنْفِ فَقَدْ أَجَبْتُكُمْ بِالْجَوَابِ الثَّانِي إنْ كُنْتُمْ أَهْلَ عَقْلٍ وَتَقْيِيدٍ وَحَصَرْتُمْ الْحَقَّ فِيمَا تُعْطِيهِ أَدِلَّةُ عُقُولِكُمْ فَظَهَرَ مُوسَى بِالْوَجْهَيْنِ لِيُعْلِمَ فِرْعَوْنَ فَضْلَهُ وَصِدْقَهُ وَعَلِمَ مُوسَى أَنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ سَأَلَ عَنْ الْمَاهِيَّةِ فَعَلِمَ أَنَّ سُؤَالَهُ لَيْسَ عَلَى اصْطِلَاحِ الْقُدَمَاءِ فِي السُّؤَالِ؛ فَلِذَلِكَ أَجَابَ: فَلَوْ عَلِمَ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ لَخَطَّأَهُ فِي السُّؤَالِ.
فَلَمَّا جَعَلَ مُوسَى الْمَسْئُولَ عَنْهُ عَيْنَ الْعَالَمِ: خَاطَبَهُ فِرْعَوْنُ بِهَذَا اللِّسَانِ وَالْقَوْمُ لَا يَشْعُرُونَ فَقَالَ لَهُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ وَالسِّينُ فِي السِّجْنِ مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ أَيْ لَأَسْتُرَنَّكَ فَإِنَّك أَجَبْت بِمَا أَيَّدْتنِي بِهِ أَنْ أَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنْ قُلْت لِي بِلِسَانِ الْإِشَارَةِ: فَقَدْ جَهِلْت يَا فِرْعَوْنُ بِوَعِيدِك إيَّايَ وَالْعَيْنُ وَاحِدَةٌ فَكَيْفَ فَرَّقْت؟ فَيَقُولُ فِرْعَوْنُ: إنَّمَا فَرَّقَتْ الْمَرَاتِبُ الْعَيْنَ؛ مَا تَفَرَّقَتْ الْعَيْنُ وَلَا انْقَسَمَتْ فِي ذَاتِهَا؛ وَمَرْتَبَتِي الْآنَ التَّحَكُّمُ فِيك يَا مُوسَى بِالْفِعْلِ وَأَنَا أَنْتَ بِالْعَيْنِ وَأَنَا غَيْرُك بِالرُّتْبَةِ.
وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ الْحُكْمِ صَاحِبَ الْوَقْتِ وَأَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بِالسَّيْفِ وَأَنَّهُ جَارٍ فِي الْعُرْفِ الناموسي لِذَلِكَ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ أَرْبَابًا بِنِسْبَةِ مَا فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيته فِي الظَّاهِرِ مِنْ التَّحَكُّمِ فِيكُمْ.
وَلَمَّا عَلِمَتْ السَّحَرَةُ صِدْقَهُ فِيمَا قَالَ لَهُمْ: لَمْ يُنْكِرُوهُ وَأَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا لَهُ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ فَالدَّوْلَةُ لَك
فَصَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وَإِنْ كَانَ عَيْنَ الْحَقِّ: فَالصُّورَةُ لِفِرْعَوْنَ فَقَطَعَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ وَصَلَبَ بِعَيْنِ حَقٍّ فِي صُورَةِ بَاطِلٍ؛ لِنَيْلِ مَرَاتِبَ لَا تُنَالُ إلَّا بِذَلِكَ الْفِعْلِ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ لَا سَبِيلَ إلَى تَعْطِيلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ الثَّابِتَةَ اقْتَضَتْهَا فَلَا تَظْهَرُ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِصُورَةِ مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الثُّبُوتِ إذْ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ سِوَى أَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ.
فَصْلٌ: وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ الْمُدَّعُونَ لِلتَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ: مَا يَأْثُرُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ﴾ عِنْدَ الِاتِّحَادِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ﴾ كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ لَا كِبَارِهَا وَلَا صِغَارِهَا وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ: بَعْضُ مُتَأَخِّرِي مُتَكَلِّمَةِ الْجَهْمِيَّة فَتَلَقَّاهَا مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى آخِرِ التَّجَهُّمِ - وَهُوَ التَّعْطِيلُ وَالْإِلْحَادُ -. وَلَكِنَّ أُولَئِكَ قَدْ يَقُولُونَ: كَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانٌ وَلَا زَمَانٌ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ ابْنُ عَرَبِيٍّ فَقَالَ فِي كِتَابٍ: (مَا لَا بُدَّ لِلْمُرِيدِ مِنْهُ) وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي السُّنَّةِ ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ﴾ قَالَ: " وَزَادَ الْعُلَمَاءُ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ
مِنْ خَلْقِهِ الْعَالَمَ وَصْفٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَا عَالَمٌ مَوْجُودٌ فَاعْتَقِدْ فِيهِ مِنْ التَّنْزِيهِ مَعَ وُجُودِ الْعَالَمِ مَا تَعْتَقِدُهُ فِيهِ وَلَا عَالَمَ وَلَا شَيْءَ سِوَاهُ ".
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا لَكَانَ قَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غَيْرِهِ؛ لَكِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ وَلِهَذَا كَانَ مُقَدَّمُ الِاتِّحَادِيَّةِ الْفَاجِرُ التلمساني: يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ يَقْرَبُ فِيهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا إلَى الِاتِّحَادِ.
وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الْإِلْحَادِيَّةُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ قَصَدَ بِهَا الْمُتَكَلِّمَةُ الْمُتَجَهِّمَةُ نَفْيَ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ؛ مِنْ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَنُزُولِهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالُوا: كَانَ فِي الْأَزَلِ لَيْسَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَرْشِ لِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ التَّحَوُّلِ وَالتَّغَيُّرِ.
وَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ بِجَوَابَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَجَدِّدَ نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ: بِمَنْزِلَةِ الْمَعِيَّةِ
وَيُسَمِّيهَا ابْنُ عَقِيلٍ الْأَحْوَالَ.
وَتَجَدُّدُ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ إذْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَغَيُّرًا وَلَا اسْتِحَالَةً.
(وَالثَّانِي) أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ اقْتَضَى تَحَوُّلًا مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَمِنْ شَأْنٍ إلَى شَأْنٍ فَهُوَ مِثْلُ مَجِيئِهِ وَإِتْيَانِهِ وَنُزُولِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِمُوسَى وَإِتْيَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَهُوَ لَازِمٌ لِسَائِرِ الْفِرَقِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا نِزَاعَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فِي قَاعِدَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّفَاتِ وَالْمَخْلُوقَاتِ وَالصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة الِاتِّحَادِيَّةُ فَقَالُوا: وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَمَا كَانَ فِي الْأَزَلِ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ قَالُوا: إذْ الْكَائِنَاتُ لَيْسَتْ غَيْرَهُ وَلَا سِوَاهُ فَلَيْسَ إلَّا هُوَ: فَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ لَا أَزَلًا وَلَا أَبَدًا؛ بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ وَنَفْسُ الْكَائِنَاتِ وَجَعَلُوا الْمَخْلُوقَاتِ الْمَصْنُوعَاتِ: هِيَ نَفْسُ الْخَالِقِ الْبَارِئِ الْمُصَوِّرِ.
وَهُمْ دَائِمًا يَهْذُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ: ﴿وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ﴾ وَهِيَ أَجَلُّ عِنْدَهُمْ مِنْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَمِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاتِّحَادِ الَّذِي هُوَ إلْحَادُهُمْ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهَا مِنْ كَلَامِهِ وَمِنْ أَسْرَارِ مَعْرِفَتِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهَا؛ وَلَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا هِيَ شَيْءٌ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ؛
بَلْ اتَّفَقَ الْعَارِفُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ وَلَا تُنْقَلُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَنْ إمَامٍ مَشْهُورٍ فِي الْأُمَّةِ بِالْإِمَامَةِ وَإِنَّمَا مَخْرَجُهَا مِمَّنْ يُعْرَفُ بِنَوْعِ مِنْ التَّجَهُّمِ وَتَعْطِيلِ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وَهَذَا إنَّمَا يَنْفِي وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ؛ لَا يَنْفِي وُجُودَ الْعَرْشِ.
وَلِهَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إلَى أَنَّ الْعَرْشَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْقَلَمِ وَاللَّوْحِ.
مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ فَقَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اُكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ عَلَى هَذَا الْخَلْقِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . وَهَذَا نَظِيرُ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ العقيلي الْمَشْهُورِ فِي كُتُبِ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ فَقَالَ: كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ فَالْخَلْقُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْعَمَاءُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ السَّحَابُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ - وَهُوَ قَوْلُهُمْ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ - كَلَامٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارِ وُجُوهٌ: - (أَحَدُهَا) أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ مَعَ عِبَادِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْكِتَابِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فِي مَوْضِعَيْنِ وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ﴿وَقَالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَافَرَ يَقُولُ: ﴿اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا﴾ فَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ عُمُومًا وَخُصُوصًا لَيْسُوا غَيْرَهُ وَلَا هُمْ مَعَهُ بَلْ مَا مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ: امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَعَ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ تُوجِبُ شَيْئَيْنِ: كَوْنَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ مَعَ هَؤُلَاءِ عُلِمَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ: ﴿هُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ﴾ لَا شَيْءَ مَعَهُ؛ بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا الْمُقَارَنَةُ وَالْمُصَاحَبَةُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ مَعَ الْآخَرِ: امْتَنَعَ أَلَّا يَكُونَ الْآخَرُ مَعَهُ فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعَ خَلْقِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ وُجُودٌ مَعَهُ وَلَا حَقِيقَةٌ أَصْلًا بَلْ هُمْ هُوَ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ﴾ . فَنَهَاهُ أَنْ يَجْعَلَ أَوْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ وَلَمْ يَنْهَهُ أَنْ يُثْبِتَ مَعَهُ مَخْلُوقًا أَوْ يَقُولَ: إنَّ مَعَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا أَوْ مَرْبُوبًا فَقِيرًا أَوْ مَعَهُ شَيْئًا مَوْجُودًا خَلَقَهُ كَمَا قَالَ: ﴿لَا إلَهَ إلَّا هُوَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ لَا مَوْجُودَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا هُوَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا شَيْءَ مَعَهُ إلَّا هُوَ: بِمَعْنَى أَنَّهُ نَفْسُ الْمَوْجُودَاتِ وَعَيْنُهَا.
وَهَذَا كَمَا قَالَ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فَأَثْبَتَ وَحْدَانِيَّتَهُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الْمَوْجُودَاتِ وَاحِدٌ فَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ: هُوَ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ أَنْ لَا تَجْعَلَ مَعَهُ وَلَا تَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ الْوُجُودِ هُوَ إيَّاهُ؟ . وَأَيْضًا: فَنَهْيُهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ أَوْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ دَعَوْا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْآلِهَةُ هِيَ إيَّاهُ - وَلَا شَيْءَ مَعَهُ أَصْلًا - امْتَنَعَ أَنْ يُدْعَى مَعَهُ آلِهَةٌ أُخْرَى.
فَهَذِهِ النُّصُوصُ: تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعَهُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِآلِهَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ آلِهَةً وَلَا تُدَّعَى آلِهَةً وَأَيْضًا فَعِنْدَ الْمُلْحِدِينَ يَجُوزُ أَنْ يُعْبَدَ كُلُّ شَيْءٍ؛ وَيُدْعَى كُلُّ شَيْءٍ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَشْيَاءُ.
فَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ حِينَئِذٍ: أَنْ يَدْعُوَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ وَهُوَ عِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ مَا دَعَا مَعَهُ إلَهًا آخَرَ فَجَعَلَ نَفْسَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ شِرْكًا: جَعَلَهُ تَوْحِيدًا وَالشِّرْكُ عِنْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِحَالِ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا دَوَابُّ وَلَا شَجَرٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ وَلَا جِبَالٌ وَلَا بِحَارٌ.
فَإِنْ كَانَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ: فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ وَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْعِيَانِ وَكُفْرٌ بِالْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ.
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فِيمَا بَعْدُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ حَالِ الْكِتَابَةِ وَقَبْلَهَا وَهُوَ عَيْنُ الْكِتَابَةِ وَاللَّوْحُ عِنْدَ الْفَرَاعِنَةِ الْمَلَاحِدَةِ.
فَصْلٌ:
وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةِ - الَّذِينَ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ - أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مُؤْمِنًا وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَذَابِهِ بَلْ فِيهِ مَا يَنْفِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالُوا: فَإِنَّمَا أُدْخِلَ آلُهُ دُونَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ قَالُوا إنَّمَا أَوْرَدَهُمْ وَلَمْ يَدْخُلْهَا قَالُوا: وَلِأَنَّهُ قَدْ آمَنَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَوَضْعُ جِبْرِيلَ الطِّينَ فِي فَمِهِ لَا يَرُدُّ إيمَانَ قَلْبِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ كُفْرٌ مَعْلُومٌ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَسْبِقْ ابْنَ عَرَبِيٍّ إلَيْهِ - فِيمَا أَعْلَمُ - أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؛ بَلْ وَلَا مِنْ الْيَهُودِ وَلَا مِنْ النَّصَارَى؛ بَلْ جَمِيعُ أَهْلِ الْمِلَلِ مُطْبِقُونَ عَلَى كُفْرِ فِرْعَوْنَ.
فَهَذَا عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ أَحَدٌ بِاَللَّهِ وَيَدَّعِي لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ وَالْإِلَهِيَّةَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ.
وَلِهَذَا ثَنَّى اللَّهُ قِصَّتَهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ فَإِنَّ الْقِصَصَ إنَّمَا هِيَ أَمْثَالٌ
مَضْرُوبَةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَيْسَ فِي الْكُفَّارِ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِهِ وَالْقُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلَى كُفْرِهِ وَعَذَابِهِ فِي الْآخِرَةِ فِي مَوَاضِعَ: (أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى فِي الْقَصَصِ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ وَأَخْبَرَ أَنَّ فِرْعَوْنَ: قَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي﴾ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِاِتِّخَاذِ الصَّرْحِ لِيَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَأَنَّهُ يَظُنُّهُ كَاذِبًا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى اللَّهِ وَأَنَّهُ أَخَذَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ فَنَبَذَهُمْ فِي الْيَمِّ؛ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يُدْعَوْنَ إلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَنَّهُ أَتْبَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ.
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ فِرْعَوْنَ مِنْ الْفَاسِقِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِمُوسَى الظَّالِمِينَ الدَّاعِينَ إلَى النَّارِ الْمَلْعُونِينَ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ غَرَقِهِمْ الْمَقْبُوحِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ غَرَقِهِ مَلْعُونٌ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مَقْبُوحٌ غَيْرُ مَنْصُورٍ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ غَايَةِ الْعَذَابِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَوْضِعِ الثَّانِي فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ؛ أَنَّهُ حَاقَ بِهِمْ سُوءُ الْعَذَابِ فِي الْبَرْزَخِ وَأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ يَدْخُلُونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَهَذِهِ الْآيَةُ إحْدَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ.
وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ: لَمَّا سَمِعُوا آلَ فِرْعَوْنَ فَظَنُّوا أَنَّ فِرْعَوْنَ خَارِجٌ مِنْهُمْ؛ وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ بَلْ فِرْعَوْنُ دَاخِلٌ فِي آلِ فِرْعَوْنَ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِوُجُوهِ: - (أَحَدُهُمَا) أَنَّ لَفْظَ آلِ فُلَانٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَدْخُلُ فِيهَا ذَلِكَ الشَّخْصُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ ضَافُوا إبْرَاهِيمَ: ﴿إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إلَّا امْرَأَتَهُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي لُوطًا: ﴿إنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لُوطًا دَاخِلٌ فِي آلِ لُوطٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وكذلك فِرْعَوْنُ: دَاخِلٌ فِي آلِ فِرْعَوْنَ الْمُكَذِّبِينَ الْمَأْخُوذِينَ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ﴾
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ﴾ فَإِبْرَاهِيمُ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِلْحَسَنِ: ﴿إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ﴾ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: ﴿كَانَ الْقَوْمُ إذَا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَدَقَةِ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَأَتَى أَبِي بِصَدَقَةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى﴾ وَأَبُو أَوْفَى هُوَ صَاحِبُ الصَّدَقَةِ.
وَنَظِيرُ هَذَا الِاسْمِ أَهْلُ الْبَيْتِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ كَقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ آلَ الرَّجُلِ مَنْ يَئُولُ إلَيْهِ وَنَفْسُهُ مِمَّنْ يَئُولُ إلَيْهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ هُمْ مَنْ يَأْهُلُهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَأْهُلُ أَهْلَ بَيْتِهِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا حُجَّةٌ لَهُمْ: هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي تَعْذِيبِ فِرْعَوْنَ مَعَ سَائِرِ آلِ فِرْعَوْنَ فِي الْبَرْزَخِ وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْخِطَابَ فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا إخْبَارٌ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ {النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} إلَى قَوْلِهِ ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُلٌّ فِيهَا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ . فَأَخْبَرَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ عَنْ مُحَاجَّتِهِمْ فِي النَّارِ وَقَوْلُ الضُّعَفَاءِ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وَقَوْلُ الْمُسْتَكْبِرِينَ لِلضُّعَفَاءِ: ﴿إنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ رَأْسُ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَهُوَ الَّذِي اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ أَحَدٌ اسْتِكْبَارَ فِرْعَوْنَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَذَا النَّعْتِ وَالْحُكْمِ مِنْ جَمِيعِ قَوْمِهِ.
(الْمَوْضِعُ الثَّانِي) - وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ - قَوْله تَعَالَى تَعَالَى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ وَلَمْ يَقُلْ يَسُوقُهُمْ وَأَنَّهُ أَوْرَدَهُمْ النَّارَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ إذَا أَوْرَدَ الْمُتَأَخِّرِينَ النَّارَ: كَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ يَرِدُهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَادِمًا؛ بَلْ كَانَ سَائِقًا؛ يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَعُلِمَ أَنَّهُ وَهُمْ يَرِدُونَ النَّارَ وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا مَلْعُونُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمَا أُخْلِقَ الْمُحَاجُّ عَنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ يَقُولُ: هَلَّا آمَنَ قَوْمٌ فَنَفَعَهُمْ إيمَانُهُمْ إلَّا قَوْمَ يُونُسَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ فَأَخْبَرَ عَنْ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ حِينَئِذٍ وَأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ الْخَالِيَةُ فِي عِبَادِهِ.
وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ لِفِرْعَوْنَ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فَإِنَّ هَذَا الْخِطَابَ هُوَ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ أَيّ الْآنَ تُؤْمِنُ وَقَدْ عَصَيْت قَبْلُ؟ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِيمَانُ نَافِعًا أَوْ مَقْبُولًا فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ نَافِعٌ مَقْبُولٌ فَقَدْ خَالَفَ نَصَّ الْقُرْآنِ وَخَالَفَ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إيمَانُهُ حِينَئِذٍ مَقْبُولًا: لَدَفَعَ عَنْهُ الْعَذَابَ كَمَا دَفَعَ عَنْ قَوْمِ يُونُسَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا قُبِلَ إيمَانُهُمْ مُتِّعُوا إلَى حِينٍ فَإِنَّ الْإِغْرَاقَ هُوَ عَذَابٌ عَلَى كُفْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَافِرًا لَمْ يَسْتَحِقَّ عَذَابًا.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ يُوجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَ مَنْ خَلْفَهُ وَلَوْ كَانَ إنَّمَا مَاتَ مُؤْمِنًا لَمْ يَكُنْ الْمُؤْمِنُ مِمَّا يَعْتَبِرُ بِإِهْلَاكِهِ وَإِغْرَاقِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخْبَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ﴾ فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَثَلَ فِي رَأْسِ الْكُفَّارِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ بِرَأْسِ الْكُفَّارِ الْمُكَذِّبِينَ لِمُوسَى.
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ هُوَ الْغَايَةُ فِي الْكُفْرِ فَكَيْفَ يَكُونُ قَدْ مَاتَ مُؤْمِنًا؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُوسَمَ بِالْكُفْرِ وَلَا يُوصَفَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ: يَأْتِي مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وأبي بْنِ خَلَفٍ﴾ .
سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَحْرُ الْعُلُومِ إمَامُ الْأَئِمَّةِ نَاصِرُ السُّنَّةِ عَلَّامَةُ الْوَرَى وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ.
أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
عَنْ كَلِمَاتٍ وُجِدَتْ بِخَطِّ مَنْ يُوثَقُ بِهِ ذَكَرَهَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ فِيهِمْ مَنْ انْتَسَبَ إلَى الدِّينِ.
فَمِنْ ذَلِكَ: قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ اللَّهَ لَطَفَ ذَاتَه فَسَمَّاهَا حَقًّا وَكَشَفَهَا فَسَمَّاهَا خَلْقًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ ابْنُ إسْرَائِيلَ: أَنَّ اللَّهَ ظَهَرَ فِي الْأَشْيَاءِ حَقِيقَةً وَاحْتَجَبَ بِهَا مَجَازًا فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْجَمْعِ: شَهِدَهَا مَظَاهِرَ وَمَجَالِيَ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَجَازِ وَالْفَرْقِ: شَهِدَهَا سُتُورًا وَحُجُبًا قَالَ: وَقَالَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: -
لَقَدْ حَقَّ لِي رَفْضُ الْوُجُودِ وَأَهْلِهِ ... وَقَدْ عَلِقَتْ كَفَّايَ جَمْعًا بِمُوجِدِي
ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةِ غَيَّرَ الْبَيْتَ بِقَوْلِهِ:
لَقَدْ حَقَّ لِي عِشْقُ الْوُجُودِ وَأَهْلِهِ
فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَقَامُ الْبِدَايَةِ أَنْ يَرَى الْأَكْوَانَ حُجُبًا فَيَرْفُضُهَا ثُمَّ يَرَاهَا مَظَاهِرَ وَمَجَالِيَ فَيَحِقُّ لَهُ الْعِشْقُ لَهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَقْبَلُ أَرْضًا سَارَ فِيهَا جَمَالُهَا ... فَكَيْفَ بِدَارِ دَارَ فِيهَا جَمَالُهَا
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ عَقِيبَ إنْشَادِ بَيْتَيْ أَبِي نُوَاسٍ:
رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَاقَتْ الْخَمْرُ ... وَتَشَاكَلَا فَتَشَابَهَ الْأَمْرُ
فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلَا قَدَحٌ ... وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ
لَبِسَ صُورَةَ الْعَالَمِ؛ فَظَاهِرُهُ خَلْقُهُ وَبَاطِنُهُ حَقُّهُ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: عَيْنُ مَا تَرَى ذَاتٌ لَا تَرَى وَذَاتٌ لَا تَرَى عَيْنُ مَا تَرَى اللَّهُ فَقَطْ وَالْكَثْرَةُ وَهْمٌ.
قَالَ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ ابْنُ سَبْعِينَ: رَبٌّ مَالِكٌ وَعَبْدٌ هَالِكٌ وَأَنْتُمْ ذَلِكَ.
اللَّهُ فَقَطْ وَالْكَثْرَةُ وَهْمٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ابْنُ عَرَبِيٍّ:
يَا صُورَةَ أُنْسِ سِرُّهَا معنائي ... مَا خَلْقُك لِلْأَمْرِ تَرَى لِوَلَائِي
شِئْنَاك فَأَنْشَأْنَاك خَلْقًا بَشَرًا ... لِتَشْهَدَنَا فِي أَكْمَلِ الْأَشْيَاءِ
وَفِيهِ: طَلَبَ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمَشَايِخِ مِنْ وَالِدِهِ الْحَجَّ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا بُنَيَّ طُفْ بِبَيْتِ مَا فَارَقَهُ اللَّهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
قَالَ: وَقِيلَ عَنْ رَابِعَةَ العدوية: أَنَّهَا حَجَّتْ فَقَالَتْ: هَذَا الصَّنَمُ الْمَعْبُودُ فِي الْأَرْضِ وَاَللَّهِ مَا وَلَجَهُ اللَّهُ وَلَا خَلَا مِنْهُ.
وَفِيهِ لِلْحَلَّاجِ:
سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ ناسوته ... سِرُّ سَنَا لَاهُوتِهِ الثَّاقِبِ
ثُمَّ بَدَا مُسْتَتِرًا ظَاهِرًا ... فِي صُورَةِ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ
قَالَ وَلَهُ:
عَقَدَ الْخَلَائِقُ فِي الْإِلَهِ عقائدا ... وَأَنَا اعْتَقَدْت جَمْعَ مَا اعْتَقَدُوهُ
وَلَهُ أَيْضًا: بَيْنِي وَبَيْنَك إني تُزَاحِمُنِي ... فَارْفَعْ بِحَقِّك إنيي مِنْ الْبَيْنِ
قَالَ: وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السهروردي الْحَلَبِيُّ الْمَقْتُولُ: وَبِهَذِهِ الإنية الَّتِي طَلَبَ الْحَلَّاجُ رَفْعَهَا تَصَرَّفَتْ الْأَغْيَارُ فِي دَمِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ: الْحَلَّاجُ نِصْفُ رَجُلٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ تُرْفَعْ لَهُ الإنية بِالْمَعْنَى فَرُفِعَتْ لَهُ صُورَةً.
وَفِيهِ لِمُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِيٍّ:
وَاَللَّهِ مَا هِيَ إلَّا حَيْرَةٌ ظَهَرَتْ ... وَبِي حَلَفَتْ وَإِنَّ الْمُقْسِمَ اللَّهُ
وَقَالَ فِيهِ: الْمَنْقُولُ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ
وَتَعَالَى - اشْتَاقَ بِأَنْ يَرَى ذَاتَه الْمُقَدَّسَةَ فَخَلَقَ مِنْ نُورِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَهُ كَالْمِرْآةِ يَنْظُرُ إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِيهَا وَإِنِّي أَنَا ذَلِكَ النُّورُ وَآدَمُ الْمِرْآةُ.
قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ السُّلُوكِ:
وَشَاهِدْ إذَا اسْتَجْلَيْت نَفْسَك ... مَنْ تَرَى بِغَيْرِ مِرَاءٍ فِي الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ
أَغَيْرُك فِيهَا لَاحَ أَمْ أَنْتَ نَاظِرٌ ... إلَيْك بِهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأَشِعَّةِ؟
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ إسْرَائِيلَ الْأَمْرُ أَمْرَانِ: أَمْرٌ بِوَاسِطَةِ وَأَمْرٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ الَّذِي بِالْوَسَائِطِ رَدَّهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَبِلَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْأَمْرُ الَّذِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . فَقَالَ لَهُ فَقِيرٌ: إنَّ اللَّهَ قَالَ لِآدَمَ بِلَا وَاسِطَةٍ: لَا تَقْرَبُ الشَّجَرَةَ - فَقَرِبَ وَأَكَلَ.
فَقَالَ: صَدَقْت وَذَلِكَ أَنَّ آدَمَ إنْسَانٌ كَامِلٌ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ: آدَمَ صَفِيُّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَانَ قَوْلُهُ لِآدَمَ " لَا تَقْرَبْ الشَّجَرَةَ " ظَاهِرًا وَكَانَ أَمْرُهُ " كُلْ " بَاطِنًا فَأَكَلَ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى.
وَإِبْلِيسُ كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا فَأُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَرَآهُ غَيْرًا فَلَمْ يَسْجُدْ.
فَغَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ . وَقَالَ شَخْصٌ لِسَيِّدِي يَا سَيِّدِي حَسَنُ إذَا كَانَ اللَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أيش نَكُونُ نَحْنُ؟ فَقَالَ سَيِّدِي لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ أَوْ تَظُنُّ فَقَوْلُهُ لَهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ عَيْنُ الْإِثْبَاتِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ . وَفِيهِ لِأَوْحَدِ الدِّينِ الكرماني: مَا غِبْت عَنْ الْقَلْبِ وَلَا عَنْ عَيْنِي ... مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا مِنْ بَيْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَحْسَبْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ تَنَالُ ... قُرْبًا وَدُنُوًّا مِنْ جَمَالٍ وَجَلَالٍ فَارِقْ ظُلْمَ الطَّبْعِ وَكُنْ مُتَّحِدًا ... بِاَللَّهِ وَإِلَّا كَلُّ دَعْوَاك مُحَالِ وَغَيْرُهُ لِلْحَلَّاجِ: إذَا بَلَغَ الصَّبُّ الْكَمَالَ مِنْ الْهَوَى ... وَغَابَ عَنْ الْمَذْكُورِ فِي سَطْوَةِ الذِّكْرِ يُشَاهِدُ حَقًّا حِينَ يَشْهَدُهُ الْهَوَى ... بِأَنَّ صَلَاةَ الْعَارِفِينَ مِنْ الْكُفْرِ وَلِلشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ إسْرَائِيلَ: الْكَوْنُ يُنَادِيك أَلَا تَسْمَعُنِي ... مَنْ أَلَّفَ أَشْتَاتِي وَمَنْ فَرَّقَنِي اُنْظُرْ لِتَرَانِي مَنْظَرًا مُعْتَبَرًا ... مَا فِيَّ سِوَى وُجُودِ مَنْ أَوْجَدَنِي وَلَهُ أَيْضًا: ذَرَّاتُ وُجُودِ الْكَوْنِ لِلْحَقِّ شُهُودُ ... أَنْ لَيْسَ لِمَوْجُودِ سِوَى الْحَقِّ وُجُودُ وَالْكَوْنُ وَإِنْ تَكَثَّرَتْ عِدَّتُهُ ... مِنْهُ وَإِلَى عُلَاهُ يَبْدُو وَيَعُودُ
وَلَهُ أَيْضًا:
بَرِئْت إلَيْك مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي ... وَمِنْ ذَاتِي بَرَاءَةَ مُسْتَقِيلِ
وَمَا أَنَا فِي طِرَازِ الْكَوْنِ شَيْءٌ ... لِأَنِّي مِثْلُ ظِلٍّ مُسْتَحِيلِ
وَلِلْعَفِيفِ التلمساني:
أَحِنُّ إلَيْهِ وَهُوَ قَلْبِي وَهَلْ يَرَى ... سِوَايَ أَخُو وَجْدٍ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ؟
وَيَحْجُبُ طَرَفِي عَنْهُ إذْ هُوَ نَاظِرِي ... وَمَا بَعْدَهُ إلَّا لِإِفْرَاطِ قُرْبِهِ
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: التَّوْحِيدُ لَا لِسَانَ لَهُ وَالْأَلْسِنَةُ كُلُّهَا لِسَانُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: التَّوْحِيدُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْوَاحِدُ وَلَا تَصِحُّ الْعِبَارَةُ عَنْ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلَّا بِغَيْرِهِ وَمَنْ أَثْبَتَ غَيْرًا فَلَا تَوْحِيدَ لَهُ.
قَالَ: وَسَمِعْت الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ بِشْرٍ النواوي يَقُولُ: وَرَدَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ إلَى جَامِعِ نَوَى قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ: فَجِئْت إلَيْهِ فَقَبَّلْت الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَلَسْت فَقَالَ: يَا بُنَيَّ وَقَفْت مَعَ الْمَحَبَّةِ مُدَّةً فَوَجَدْتهَا غَيْرَ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَغَيْرُ مَا ثَمَّ ثُمَّ وَقَفْت مَعَ التَّوْحِيدِ مُدَّةً فَوَجَدْته كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْ عَبْدٍ لِرَبِّ وَلَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ مَا رَأَوْا عَبْدًا وَلَا مَعْبُودًا.
وَفِيهِ: سَمِعْت مِنْ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ إسْرَائِيلَ مِمَّا أَسَرَّ إلَيَّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ
شَيْخِنَا الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْحَرِيرِيِّ فِي الْعَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ قَالَ يَا نَجْمُ رَأَيْت لَهَاتِي الْفَوْقَانِيَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَحَنَكِي تَحْتَ الْأَرْضِينَ وَنَطَقَ لِسَانِي بِلَفْظَةِ لَوْ سُمِعَتْ مِنِّي مَا وَصَلَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ دَمِي قَطْرَةٌ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةِ قَالَ شَخْصٌ فِي حَضْرَةِ سَيِّدِي الشَّيْخِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرِيرِيِّ: يَا سَيِّدِي حَسَنُ مَا خَلَقَ اللَّهُ أَقَلَّ عَقْلًا مِمَّنْ ادَّعَى أَنَّهُ إلَهٌ مِثْلُ فِرْعَوْنَ ونمروذ وَأَمْثَالِهِمَا فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لَا يَقُولُهَا إلَّا أَجْهَلُ خَلْقِ اللَّهِ أَوْ أَعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ فَقُلْت لَهُ: صَدَقْت؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعْت جَدَّك يَقُولُ: رَأَيْت كَذَا وَكَذَا؛ فَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ عَنْ الشَّيْخِ.
وَفِيهِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ كَانَ عَيْنُ الْحِجَابِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا حِجَابَ وَلَا مَحْجُوبَ.
فَالْمَطْلُوبُ مِنْ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ: - أَنْ يُبَيِّنُوا هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَهَلْ هِيَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ؟ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ مَعْنَاهَا؟ وَمَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ؟ وَهَلْ الْوَاجِبُ إنْكَارُهَا أَوْ إقْرَارُهَا أَوْ التَّسْلِيمُ لِمَنْ قَالَهَا؟ وَهَلْ لَهَا وَجْهٌ سَائِغٌ؟ وَمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ اعْتَقَدَ مَعْنَاهَا إمَّا مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِيقَتِهَا؟ وَإِمَّا مَعَ التَّسْلِيمِ الْمُجْمَلِ لِمَنْ قَالَهَا.
وَالْمُتَكَلّمونَ بِهَا هَلْ أَرَادُوا مَعْنًى صَحِيحًا يُوَافِقُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا يُشْكِلُ مِنْهَا وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؟ وَهَلْ الْوَاجِبُ بَيَانُ مَعْنَاهَا وَكَشْفُ مَغْزَاهَا إذَا كَانَ هُنَاكَ نَاسٌ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَلَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهَا؟ أَمْ يَنْبَغِي السُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ وَتَرْكُ النَّاسِ يُعَظِّمُونَهَا وَيُؤْمِنُونَ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَعْنَاهَا؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ: تَشْتَمِلُ عَلَى أَصْلَيْنِ بَاطِلَيْنِ مُخَالِفَيْنِ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَعَ مُخَالَفَتِهِمَا لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ.
(أَحَدُهُمَا) الْحُلُولُ وَالِاتِّحَادُ وَمَا يُقَارِبُ ذَلِكَ كَالْقَوْلِ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ كَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ فَالْوُجُودُ الْوَاجِبُ لِلْخَالِقِ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُمْكِنُ لِلْمَخْلُوقِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَهْلُ الْوَحْدَةِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَصَاحِبِهِ القونوي وَابْنِ سَبْعِينَ وَابْنِ الْفَارِضِ صَاحِبِ الْقَصِيدَةِ التَّائِيَّةِ - نَظْمُ السُّلُوكِ - وَعَامِرٍ الْبَصْرِيِّ السيواسي الَّذِي لَهُ قَصِيدَةٌ تُنَاظِرُ قَصِيدَةَ ابْنِ الْفَارِضِ.
والتلمساني الَّذِي شَرَحَ (مَوَاقِفَ النِّفْرِي وَلَهُ شَرْحُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ وَسَعِيدٍ الفرغاني الَّذِي شَرَحَ قَصِيدَةَ ابْنِ الْفَارِضِ والششتري صَاحِبِ الْأَزْجَالِ الَّذِي هُوَ تِلْمِيذُ ابْنِ سَبْعِينَ وَعَبْدِ اللَّهِ البلياني وَابْنِ أَبِي الْمَنْصُورِ الْمُتَصَوِّفِ الْمِصْرِيِّ صَاحِبِ فَكِّ الْأَزْرَارِ عَنْ أَعْنَاقِ الْأَسْرَارِ وَأَمْثَالِهِمْ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ - كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ - وَيَزْعُمُ أَنَّ الْأَعْيَانَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ غَنِيَّةٌ عَنْ اللَّهِ فِي أَنْفُسِهَا وَوُجُودُ الْحَقِّ هُوَ وُجُودُهَا وَالْخَالِقُ مُفْتَقِرٌ إلَى الْأَعْيَانِ فِي ظُهُورِ وُجُودِهِ بِهَا وَهَى مُفْتَقِرَةٌ إلَيْهِ فِي حُصُولِ وُجُودِهَا الَّذِي هُوَ نَفْسُ وُجُودِهِ.
وَقَوْلُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ وَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: وُجُودُ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَيَقُولُ: فَالْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْوُجُودُ الْخَالِقُ وَالْوُجُودُ الْخَالِقُ هُوَ الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ كَمَا يَقُولُ القونوي وَنَحْوُهُ فَيَقُولُونَ: إنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ مُطْلَقًا إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَمَا هُوَ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ لَا يَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ إلَّا مُعَيَّنًا وَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنْ الْمُعَيَّنِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْخَالِقِ جُزْءًا مِنْ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ وَالْجُزْءُ لَا يُبْدِعُ الْجَمِيعَ وَيَخْلُقُهُ فَلَا يَكُونُ الْخَالِقُ مَوْجُودًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْبَارِئَ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ كَمَا يَقُولُ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ فَقَوْلُهُ أَشَدُّ فَسَادًا.
فَإِنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ؛ فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ بِمُوَافَقَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ - الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ التَّعْطِيلُ - شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الَّذِينَ يُشْبِهُونَ أَهْلَ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
وَآخَرُونَ يَجْعَلُونَ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ وَالْوُجُودَ الْمُمْكِنَ) بِمَنْزِلَةِ الْمَادَّةِ
وَالصُّورَةِ الَّتِي تَقُولُهَا الْمُتَفَلْسِفَةُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سَبْعِينَ وَأَمْثَالُهُ.
وَهَؤُلَاءِ أَقْوَالُهُمْ فِيهَا تَنَاقُضٌ وَفَسَادٌ وَهِيَ لَا تَخْرُجُ عَنْ وَحْدَةِ الْوُجُودِ وَالْحُلُولِ أَوْ الِاتِّحَادِ وَهُمْ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ الْمُطْلَقِ وَالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالِاتِّحَادِ الْمُطْلَقِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ بِالْمُعَيَّنِ كَالنَّصَارَى وَالْغَالِيَةِ (مِنْ الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ الْحَلَّاجِ أَوْ يُونُسَ القنيني أَوْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ ادَّعَيْت فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ: قَدْ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ الْمُقَيَّدِ الْخَاصِّ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّعْمِيمِ.
وَلِهَذَا يَقُولُونَ إنَّ النَّصَارَى إنَّمَا كَانَ خَطَؤُهُمْ فِي التَّخْصِيصِ وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ إنَّمَا كَانَ خَطَؤُهُمْ لِأَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى بَعْضِ الْمَظَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ وَهُمْ يُجَوِّزُونَ الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَصْنَامِ مُطْلَقًا عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ: مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَائِعٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَانَ طَوَائِفُ مِنْ الْجَهْمِيَّة يَقُولُونَ بِهِ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَبِيٍّ فِي فُصُوصِ الْحِكَمِ وَغَيْرِهِ وَكَلَامُ ابْنِ سَبْعِينَ
وَصَاحِبِهِ الششتري وَقَصِيدَةِ ابْنِ الْفَارِضِ (نُظُمُ السُّلُوكِ وَقَصِيدَةِ عَامِرٍ الْبَصْرِيِّ وَكَلَامِ الْعَفِيفِ التلمساني وَعَبْدِ اللَّهِ البلياني وَالصَّدْرِ القونوي وَكَثِيرٍ مِنْ شِعْرِ ابْنِ إسْرَائِيلَ وَمَا يَنْقُلُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ الْحَرِيرِيِّ؛ وَكَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْهُ يُوجَدُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ - مَذْهَبِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَوَحْدَةِ الْوُجُودِ -. وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّلُوكِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ: يَسْمَعُونَ شِعْرَ ابْنِ الْفَارِضِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ مَقْصُودَهُ هَذَا الْمَذْهَبَ فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالضَّلَالِ مَا حَيَّرَ كَثِيرًا مِنْ الرِّجَالِ.
وَأَصْلُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مُبَايَنَةَ اللَّهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَعُلُوَّهُ عَلَيْهَا وَعَلِمُوا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَظَنُّوا أَنَّ وُجُودَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ وُجُودِهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَأَى شُعَاعَ الشَّمْسِ فَظَنَّ أَنَّهُ الشَّمْسُ نَفْسُهَا.
وَلَمَّا ظَهَرَتْ الْجَهْمِيَّة - الْمُنْكِرَةُ لِمُبَايَنَةِ اللَّهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ - افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: - فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَكَمَا عُلِمَ الْمُبَايَنَةُ وَالْعُلُوُّ بِالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَكَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ خَلْقَهُ؛ مِنْ إقْرَارِهِمْ بِهِ وَقَصْدِهِمْ إيَّاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(وَالْقَوْلُ الثَّانِي) قَوْلُ مُعَطِّلَةِ الْجَهْمِيَّة وَنُفَتْهُمْ وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ.
لَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا مُبَايِنَ لَهُ وَلَا محايث لَهُ؛ فَيَنْفُونَ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو مَوْجُودٌ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
(وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ) قَوْلُ حُلُولِيَّةِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ النجارية - أَتْبَاعُ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ - وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ: مَنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْحُلُولَ أَغْلَبُ عَلَى عُبَّادِ الْجَهْمِيَّة وَصُوفِيَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ أَغْلَبُ عَلَى نُظَّارِهِمْ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ كَمَا قِيلَ: مُتَكَلِّمَةُ الْجَهْمِيَّة لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَمُتَصَوِّفَةُ الْجَهْمِيَّة يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَتَضَمَّنُ الطَّلَبَ وَالْقَصْدَ وَالْإِرَادَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومِ فَإِنَّ الْقَلْبَ يَطْلُبُ مَوْجُودًا فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ: طَلَبَ مَا هُوَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالْعِلْمُ وَالنَّظَرُ: فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْجُودِ وَمَعْدُومٍ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ يَصِفُونَ الرَّبَّ بِصِفَاتِ السَّلْبِ وَالنَّفْيِ - الَّتِي لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا الْمَعْدُومُ - لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ يُنَافِي عَدَمَ الْمَعْبُودِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يُنَافِي عَدَمَ الْمَعْبُودِ.
وَلِهَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ - عِنْدَ نَظَرِهِ وَبَحْثِهِ - يَمِيلُ إلَى النَّفْيِ وَعِنْدَ عِبَادَتِهِ وَتَصَوُّفِهِ يَمِيلُ إلَى الْحُلُولِ؛ وَإِذَا قِيلَ لَهُ هَذَا يُنَافِي ذَلِكَ قَالَ: هَذَا مُقْتَضًى
عَقْلِيٌّ وَنَظَرِيٌّ وَذَاكَ مُقْتَضًى ذَوْقِيٌّ ومعرفتي وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذَّوْقَ وَالْوَجْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ وَالنَّظَرِ وَإِلَّا لَزِمَ فَسَادُهُمَا أَوْ فَسَادُ أَحَدِهِمَا.
(وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ) قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَالَمِ وَهُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي مُعَاذٍ وَأَمْثَالِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي الْمَقَالَاتِ هَذَا عَنْ طَوَائِفَ وَيُوجَدُ فِي كَلَامِ - السالمية - كَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَأَتْبَاعِهِ: كَأَبِي الْحَكَمِ بْنِ برجان وَأَمْثَالِهِ - مَا يُشِيرُ إلَى نَحْوٍ مَنْ هَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُنَاقِضُ هَذَا.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِالْحُلُولِ أَوْ مَا يُنَاسِبُهُ: وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْهُ: كَمَا فِي قَوْلِ الْجُنَيْد - لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّوْحِيدِ - فَقَالَ: التَّوْحِيدُ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ فَبَيَّنَ أَنَّ التَّوْحِيدَ أَنْ يُمَيَّزَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَبِيٍّ - صَاحِبُ الْفُصُوصِ - وَادَّعَى أَنَّ الْجُنَيْد وَأَمْثَالَهُ مَاتُوا وَمَا عَرَفُوا التَّوْحِيدَ لَمَّا أَثْبَتُوا الْفَرْقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ إلَّا مَنْ لَيْسَ بِقَدِيمِ وَلَا مُحْدَثٍ وَهَذَا جَهْلٌ فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ ذَاكَ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْعَارِفُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَيْسَ هُوَ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ؛ بَلْ الْإِنْسَانُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الْآخَرُ مَعَ أَنَّهُ أَحَدُهُمَا فَكَيْفَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ رَبِّهِ؛ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَحَدَهُمَا؟ .
(الْأَصْلُ الثَّانِي) الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي وَعَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَحْظُورِ) فَإِنَّ الْقَدَرَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
وَالنَّاسُ - الَّذِينَ ضَلُّوا فِي الْقَدَرِ - عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ آمَنُوا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ؛ وَكَذَّبُوا بِالْقَدَرِ وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ الْحَوَادِثِ مَا لَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَقَوْمٌ آمَنُوا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَوَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ؛ لَكِنْ عَارَضُوا هَذَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَسَمَّوْا هَذَا حَقِيقَةً وَجَعَلُوا ذَلِكَ مُعَارِضًا لِلشَّرِيعَةِ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ مُشَاهَدَةَ الْقَدَرِ تَنْفِي الْمَلَامَ وَالْعِقَابَ وَإِنَّ الْعَارِفَ يَسْتَوِي عِنْدَهُ هَذَا وَهَذَا.
وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَنَاقِضُونَ مُخَالِفُونَ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالذَّوْقِ وَالْوَجْدِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُسَوُّونَ بَيْنَ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ وَبَيْنَ مَنْ ظَلَمَهُمْ وَلَا يُسَوُّونَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ وَالْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ وَلَا بَيْنَ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ وَلَا بَيْنَ الْعَادِلِ وَالظَّالِمِ؛ بَلْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقُونَ أَيْضًا بِمُوجِبِ أَهْوَائِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ لَا بِمُوجِبِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَا يَقِفُونَ لَا مَعَ الْقَدَرِ وَلَا مَعَ الْأَمْرِ؛ بَلْ كَمَا