مجموع الفتاوىصفحات 138-177

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 138-177
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَالْقَوْمُ لَوْلَا الْأَنْبِيَاءُ لَكَانُوا أَعْقَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
لَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَاءُوا بِالْحَقِّ وَبَقَايَاهُ فِي الْأُمَمِ وَإِنْ كَفَرُوا بِبَعْضِهِ.
حَتَّى مُشْرِكُو الْعَرَبِ كَانَ عِنْدَهُمْ بَقَايَا مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ فَكَانُوا خَيْرًا مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُوَافِقُونَ أَرِسْطُو وَأَمْثَالَهُ عَلَى أُصُولِهِمْ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ بِقِيَاسِهِمْ الْبُرْهَانِيِّ مَعْرِفَةَ الْمَوْجُودَاتِ الْمُمْكِنَةِ فَتِلْكَ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ وَاجِبُ الْبَقَاءِ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ أَزَلًا وَأَبَدًا بَلْ هِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّغَيُّرِ وَالِاسْتِحَالَةِ وَمِمَّا قُدِّرَ أَنَّهُ مِنْ اللَّازِمِ لِمَوْصُوفِهِ فَنَفْسُ الْمَوْصُوفِ لَيْسَ وَاجِبَ الْبَقَاءِ فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِهِ عِلْمًا بِمَوْجُودِ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَى أَزَلِيَّةِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنَّمَا غَايَةُ أَدِلَّتِهِمْ تَسْتَلْزِمُ دَوَامَ نَوْعِ الْفَاعِلِيَّةِ وَنَوْعِ الْمَادَّةِ وَالْمُدَّةِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِوُجُودِ عَيْنٍ بَعْدَ عَيْنٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ أَبَدًا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مَفْعُولٍ مُحْدَثٍ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُعَيَّنَ مُقَارِنٌ لِفَاعِلِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا مِمَّا يَقْضِي صَرِيحُ الْعَقْلِ بِامْتِنَاعِهِ.
أَيُّ شَيْءٍ قُدِّرَ فَاعِلُهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فَاعِلًا بِاخْتِيَارِهِ.
كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ الْيَقِينِيَّةُ لَيْسَتْ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُقَصِّرُونَ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ: كالرَّازِي وَأَمْثَالِهِ كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَمَا يَذْكُرُونَ مِنْ اقْتِرَانِ الْمَعْلُولِ بِعِلَّتِهِ فَإِذَا أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ مَا يَكُونُ مُبْدِعًا لِلْمَعْلُولِ فَهَذَا بَاطِلٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
وَلِهَذَا تُقِرُّ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ الَّتِي

لَمْ تَفْسُدْ بِالتَّقْلِيدِ الْبَاطِلِ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُسْتَقَرًّا فِي الْفِطَرِ كَانَ نَفْسُ الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مُوجِبًا لِأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثًا مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَإِنْ قُدِّرَ دَوَامُ الخالقية لِمَخْلُوقِ بَعْدَ مَخْلُوقٍ فَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَمَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ سِوَاهُ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ؛ بَلْ ذَلِكَ أَعْظَمُ فِي الْكَمَالِ وَالْجُودِ وَالْإِفْضَالِ.
وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
كَمَا يُمَثِّلُونَ بِهِ مِنْ حَرَكَةِ الْخَاتَمِ بِحَرَكَةِ الْيَدِ وَحُصُولِ الشُّعَاعِ عَنْ الشَّمْسِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْفَاعِلِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ مِنْ بَاب الْمَشْرُوطِ وَالشَّرْطُ قَدْ يُقَارِنُ الْمَشْرُوطَ وَأَمَّا الْفَاعِلُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَارِنَهُ مَفْعُولُهُ الْمُعَيَّنُ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِشَيْءِ بَعْدَ شَيْءٍ فَقِدَمُ نَوْعِ الْفِعْلِ كَقِدَمِ نَوْعِ الْحَرَكَةِ.
وَذَلِكَ لَا يُنَافِي حُدُوثَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا؛ بَلْ يَسْتَلْزِمُهُ لِامْتِنَاعِ قِدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ.
وَهَذَا مِمَّا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ حَتَّى أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ قَالُوا: بِقِدَمِ الْعَالَمِ فَهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ مُبْدِعًا وَلَا عِلَّةً فَاعِلِيَّةً؛ بَلْ عِلَّةً غائية يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا لِأَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ إرَادِيَّةٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَهُوَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ مُبْدِعًا لِلْعَالَمِ وَإِنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ غائية لِلتَّشَبُّهِ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ وَافَقُوا سَائِرَ الْعُقَلَاءِ فِي أَنَّ الْمُمْكِنَ الْمَعْلُولَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا بِقِدَمِ عِلَّتِهِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَمُوَافِقُوهُ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا طَرِيقَةَ

أَرِسْطُو وَسَائِرَ الْعُقَلَاءِ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنُوا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا مِمَّا خَالَفَ بِهِ سَلَفَهُ وَجَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءِ وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُرَكِّبَ مَذْهَبًا مِنْ مَذَاهِبِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَذْهَبِ سَلَفِهِ فَيَجْعَلُ الْمَوْجُودَ الْمُمْكِنَ مَعْلُولَ الْوَاجِبِ.
مَعَ كَوْنِهِ أَزَلِيًّا قَدِيمًا بِقِدَمِهِ.
وَاتَّبَعَهُ عَلَى إمْكَانِ ذَلِكَ أَتْبَاعُهُ فِي ذَلِكَ كالسهروردي الْحَلَبِيِّ وَالرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ والطوسي وَغَيْرِهِمْ.
وَزَعَمَ الرَّازِيَّ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي مُحَصِّلِهِ أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْمَفْعُولِ الْمَعْلُولِ يَكُونُ قَدِيمًا لِلْمُوجَبِ بِالذَّاتِ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ الْمُتَقَدِّمُونَ الَّذِينَ نُقِلَتْ إلَيْنَا أَقْوَالُهُمْ كَأَرِسْطُو وَأَمْثَالِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ.
والمتكلمون إذْ قَالُوا: بِقِدَمِ مَا يَقُومُ بِالْقَدِيمِ مِنْ الصِّفَاتِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَقُولُونَ إنَّهَا مَفْعُولَةٌ وَلَا مَعْلُولَةٌ لِعِلَّةِ فَاعِلَةٍ؛ بَلْ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عِنْدَهُمْ فَصِفَاتُهَا مِنْ لَوَازِمِهَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ كَوْنِ الْوَاجِبِ وَاجِبًا قَدِيمًا إلَّا بِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَيَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ قِدَمٌ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهِ.
وَكَذَلِكَ أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ قَدِيمٌ يَقْبَلُ الْعَدَمَ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُمْكِنُ لَمْ يَزَلْ وَاجِبًا سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ فِي أَنَّ الْمُمْكِنَ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا وَاجِبًا بِغَيْرِهِ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا - كَمَا يَقُولُونَهُ فِي الْفَلَكِ هُوَ الَّذِي فَتَحَ عَلَيْهِمْ فِي " الْإِمْكَانِ " - مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْقَادِحَةِ فِي قَوْلِهِمْ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنْهُ كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ

تَقْرِيرِ هَذَا؛ وَلَكِنْ نَبَّهْنَا بِهِ عَلَى أَنَّ بُرْهَانَهُمْ الْقِيَاسِيَّ لَا يُفِيدُ أُمُورًا كُلِّيَّةً وَاجِبَةَ الْبَقَاءِ فِي الْمُمْكِنَاتِ.
وَأَمَّا وَاجِبُ الْوُجُودِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فَالْقِيَاسُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ كُلِّيٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
إذْ كَانَ مَدْلُولُ الْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ عِنْدَهُمْ لَيْسَ إلَّا أُمُورًا كُلِّيَّةً مُشْتَرَكَةً وَتِلْكَ لَا تَخْتَصُّ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ - رَبِّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَلَمْ يَعْرِفُوا بِبُرْهَانِهِمْ شَيْئًا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ دَوَامُهَا لَا مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا مِنْ الْمُمْكِنَاتِ.
وَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ إنَّمَا تَكْمُلُ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَبْقَى بِبَقَاءِ مَعْلُومِهِ.
لَمْ يَسْتَفِيدُوا بِبُرْهَانِهِمْ مَا تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ مِنْ الْعِلْمِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسَ مِنْ الْعِلْمِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِبُرْهَانِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ طَرِيقَةُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِذِكْرِ آيَاتِهِ.
وَإِنْ اسْتَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ " الْقِيَاسَ " اسْتَعْمَلُوا قِيَاسَ الْأَوْلَى؛ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا قِيَاسَ شُمُولٍ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ وَلَا قِيَاسَ تَمْثِيلٍ مَحْضٍ.
فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَا مَثِيلَ لَهُ وَلَا يَجْتَمِعُ هُوَ وَغَيْرُهُ تَحْتَ كُلِّيٍّ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ؛ بَلْ مَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مِنْ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ فَثُبُوتُهُ لَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَا تَنَزَّهَ غَيْرُهُ عَنْهُ مِنْ النَّقَائِصِ فَتَنَزُّهُهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ الْبُرْهَانِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ

فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَمَا يَذْكُرُهُ فِي دَلَائِلِ رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِمْكَانِ الْمَعَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ السَّنِيَّةِ وَالْمَعَالِمِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَعْظَمُ مَا تَكْمُلُ بِهِ النُّفُوسُ مِنْ الْمَعَارِفِ.
وَإِنْ كَانَ كَمَالُهَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَمَالِ عِلْمِهَا وَقَصْدِهَا جَمِيعًا.
فَلَا بُدَّ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالذُّلِّ لَهُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ تَعَالَى بِالْآيَاتِ فَكَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآيَاتِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ " الْآيَةَ " هِيَ الْعَلَامَةُ وَهِيَ الدَّلِيلُ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ عَيْنَ الْمَدْلُولِ.
لَا يَكُونُ مَدْلُولُهُ أَمْرًا كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَطْلُوبِ وَغَيْرِهِ.
بَلْ نَفْسُ الْعِلْمِ بِهِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِعَيْنِ الْمَدْلُولِ.
كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ آيَةُ النَّهَارِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ . فَنَفْسُ الْعِلْمِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِوُجُودِ النَّهَارِ.
وَكَذَلِكَ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِلْمُ بِنُبُوَّتِهِ بِعَيْنِهِ لَا يُوجِبُ أَمْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ آيَاتُ الرَّبِّ تَعَالَى نَفْسُ الْعِلْمِ بِهَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ تَعَالَى لَا يُوجِبُ عِلْمًا كُلِّيًّا مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ هَذَا مُسْتَلْزِمًا لِهَذَا هُوَ جِهَةُ الدَّلِيلِ فَكُلُّ دَلِيلٍ فِي الْوُجُودِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَدْلُولِ وَالْعِلْمُ بِاسْتِلْزَامِ الْمُعَيِّنِ لِلْمُعَيَّنِ الْمَطْلُوبِ أَقْرَبُ إلَى الْفِطْرَةِ مِنْ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ مُعَيَّنٍ

مِنْ مُعَيَّنَاتِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ النَّتِيجَةَ وَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ هَذَا شَأْنُهَا.
فَإِنَّ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةَ إنْ لَمْ تُعْلَمْ مُعَيَّنَاتُهَا بِغَيْرِ التَّمْثِيلِ وَإِلَّا لَمْ تُعْلَمْ إلَّا بِالتَّمْثِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ لُزُومِ الْمَدْلُولِ لِلدَّلِيلِ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ فَإِذَا كَانَ كُلِّيًّا فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ الْمَطْلُوبِ يَلْزَمُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الدَّلِيلِ كَمَا إذَا قِيلَ: كُلُّ أبـ وَكُلُّ بـ ج فَكُلُّ ج أفَلَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجِيمِ يَلْزَمُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبَاءِ وَكُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبَاءِ يَلْزَمُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأَلِفِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ بِلُزُومِ الْجِيمِ الْمُعَيَّنِ لِلْبَاءِ الْمُعَيَّنِ وَالْبَاءِ الْمُعَيَّنِ لِلْأَلِفِ الْمُعَيَّنِ أَقْرَبُ إلَى الْفِطْرَةِ مِنْ هَذَا.
وَإِذَا قِيلَ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ تَحْصُلُ فِي الذِّهْنِ ضَرُورَةً أَوْ بَدِيهَةً مِنْ وَاهِبِ الْعَقْلِ.
قِيلَ حُصُولُ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الذِّهْنِ مِنْ وَاهِبِ الْعَقْلِ أَقْرَبُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى.
يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ بِدُونِ وُجُودِ ذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ.
وَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا أَيْضًا لِأُمُورِ كُلِّيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ لَوَازِمِهِ.
وَتِلْكَ الْكُلِّيَّاتُ الْمُشْتَرَكَةُ مِنْ لَوَازِمَ الْمُعَيَّنِ: أَعْنِي يَلْزَمُهُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ وَالْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ يَلْزَمُهُ بِشَرْطِ وُجُودِهِ.
وَوُجُودُ الْعَالَمِ الَّذِي يَتَصَوَّرُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَيَعْلَمُ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ بِمَا يَخُصُّهَا وَيَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ أَنَّهَا كُلِّيَّاتٌ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْخَاصِّ وُجُودُ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ كَمَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ هَذَا الْإِنْسَانِ وُجُودُ الْإِنْسَانِيَّةِ والحيوانية.
فَكُلُّ مَا

سِوَى الرَّبِّ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ بِعَيْنِهَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ شَيْءٍ سِوَاهُ بِدُونِ وُجُودِ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ الْكُلِّيَّ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ.
فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لَهَا مُبْدِعًا.
ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمُعَيَّنِ وُجُودُ الْمُطْلَقِ الْمُطَابِقِ فَإِذَا تَحَقَّقَ الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ تَحَقَّقَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْمُطَابِقُ وَإِذَا تَحَقَّقَ الْفَاعِلُ لِكُلِّ شَيْءٍ تَحَقَّقَ الْفَاعِلُ الْمُطْلَقُ الْمُطَابِقُ وَإِذَا تَحَقَّقَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ تَحَقَّقَ الْقَدِيمُ الْمُطْلَقُ الْمُطَابِقُ وَإِذَا تَحَقَّقَ الْغِنَى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَحَقَّقَ الْغِنَى الْمُطْلَقُ الْمُطَابِقُ وَإِذَا تَحَقَّقَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ تَحَقَّقَ الرَّبُّ الْمُطَابِقُ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا الْحَيَوَانُ تَحَقَّقَ الْإِنْسَانُ الْمُطْلَقُ الْمُطَابِقُ وَالْحَيَوَانُ الْمُطْلَقُ الْمُطَابِقُ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ مُطْلَقًا إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَإِذَا عَلِمَ إنْسَانٌ وُجُودَ إنْسَانٍ مُطْلَقٍ وَحَيَوَانٍ مُطْلَقٍ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِنَفْسِ الْعَيْنِ.
كَذَلِكَ إذَا عَلِمَ وَاجِبًا مُطْلَقًا وَفَاعِلًا مُطْلَقًا وَغَنِيًّا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِنَفْسِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ آيَاتِهِ تَعَالَى.
فَآيَاتُهُ تَسْتَلْزِمُ عَيْنَهُ الَّتِي يَمْنَعُ تَصَوُّرُهَا مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهَا.
وَكُلُّ مَا سِوَاهُ دَلِيلٌ عَلَى عَيْنِهِ وَآيَةٌ لَهُ.
فَإِنَّهُ مَلْزُومٌ لِعَيْنِهِ وَكُلُّ مَلْزُومٍ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى مَلْزُومٍ وَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ شَيْءٍ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ إلَّا مَعَ تَحَقُّقِ عَيْنِهِ فَكُلُّهَا لَازِمَةٌ لِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ آيَةٌ لَهُ وَدِلَالَتُهَا بِطَرِيقِ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْكُلِّيِّ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الذِّهْنِ فَلَمْ يَعْلَمُوا بِبُرْهَانِهِمْ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ تَعَالَى.

وَأَمَّا

" قِيَاسُ الْأَوْلَى " الَّذِي كَانَ يَسْلُكُهُ السَّلَفُ

اتِّبَاعًا لِلْقُرْآنِ: فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا نَقْصَ فِيهَا أَكْمَلُ مِمَّا عَلِمُوهُ ثَابِتًا لِغَيْرِهِ مَعَ التَّفَاوُتِ الَّذِي لَا يَضْبِطُهُ الْعَقْلُ كَمَا لَا يَضْبِطُ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ بَلْ إذَا كَانَ الْعَقْلُ يُدْرِكُ مِنْ التَّفَاضُلِ الَّذِي بَيْنَ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ مَا لَا يَنْحَصِرُ قَدْرُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ أَعْظَمُ مِنْ فَضْلِ مَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ كَانَ هَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَهُ أَنَّ مَا يَثْبُتُ لِلرَّبِّ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَا يَثْبُتُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ بِمَا لَا يُدْرَكُ قَدْرُهُ.
فَكَأَنَّ " قِيَاسَ الْأَوْلَى " يُفِيدُهُ أَمْرًا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ مَعَ عِلْمِهِ بِجِنْسِ ذَلِكَ الْأَمْرِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْحُذَّاقُ يَخْتَارُونَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَقُولَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مَقُولَةٌ بِطْرِيقِ التَّشْكِيكِ لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَلَا بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي تَتَمَاثَلُ أَفْرَادُهُ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي تَتَفَاضَلُ أَفْرَادُهُ كَمَا يُطْلَقُ لَفْظُ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ عَلَى الشَّدِيدِ كَبَيَاضِ الثَّلْجِ وَعَلَى مَا دُونَهُ كَبَيَاضِ الْعَاجِ.
فَكَذَلِكَ لَفْظُ الْوُجُودِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَهُوَ فِي الْوَاجِبِ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ مِنْ فَضْلِ هَذَا الْبَيَاضِ عَلَى هَذَا الْبَيَاضِ؛ لَكِنَّ هَذَا التَّفَاضُلَ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشَكَّكَةِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمَعْنَى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا فَلَا بُدَّ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشَكَّكَةِ مِنْ مَعْنًى كُلِّيٍّ مُشْتَرَكٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الذِّهْنِ.
وَذَلِكَ هُوَ مَوْرِدُ " التَّقْسِيمِ ": تَقْسِيمُ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ إذَا قِيلَ الْمَوْجُودُ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ؛ فَإِنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْأَقْسَامِ.
ثُمَّ كَوْنُ

وُجُودِ هَذَا الْوَاجِبِ أَكْمَلَ مِنْ وُجُودِ الْمُمْكِنِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى الْوُجُودِ مَعْنًى كُلِّيًّا مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ: كَاسْمِ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَكَذَلِكَ فِي صِفَاتِهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفَرَحِهِ وَسَائِرِ مَا نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَالنَّاسُ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْبَابِ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَأَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِئِ مِنْ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ كَانُوا أَسْبَقَ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ: هِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْخَالِقِ مَجَازٌ فِي الْمَخْلُوقِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ: بِالْعَكْسِ هِيَ مَجَازٌ فِي الْخَالِقِ حَقِيقَةٌ فِي الْمَخْلُوقِ وَقَالَ جَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا.
وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفِ النُّظَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ؛ لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَنَاقَضُ فَيُقِرُّ فِي بَعْضِهَا بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ كَاسْمِ الْمَوْجُودِ وَالنَّفْسِ وَالذَّاتِ وَالْحَقِيقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيُنَازِعُ فِي بَعْضِهَا لِشُبَهِ نفاة الْجَمِيعِ.
وَالْقَوْلُ فِيمَا نَفَاهُ نَظِيرُ الْقَوْلِ فِيمَا أَثْبَتَهُ؛ وَلَكِنْ هُوَ لِقُصُورِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَنَفْيُ الْجَمِيعِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَوْجُودَ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَقَدِيمٍ وَحَادِثٍ وَغَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَمَفْعُولٍ وَغَيْرِ مَفْعُولٍ وَأَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْوَاجِبِ.
وَوُجُودَ الْمُحْدَثِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْقَدِيمِ وَوُجُودَ الْفَقِيرِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْغَنِيِّ وَوُجُودَ الْمَفْعُولِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ

غَيْرِ الْمَفْعُولِ.
وَحِينَئِذٍ فَبَيْنَ الْوُجُودَيْنِ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ وَالْوَاجِبُ يَخْتَصُّ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجَمِيعِ.
وَالْأَسْمَاءُ الْمُشَكَّكَةُ هِيَ مُتَوَاطِئَةٌ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ نُظَّارِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَخُصُّونَ الْمُشَكَّكَةَ بِاسْمِ؛ بَلْ لَفْظُ الْمُتَوَاطِئَةِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَالْمُشَكَّكَةُ قِسْمٌ مِنْ الْمُتَوَاطِئَةِ الْعَامَّةِ وَقَسِيمُ الْمُتَوَاطِئَةِ الْخَاصَّةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ كُلِّيٍّ وَهُوَ مُسَمَّى الْمُتَوَاطِئَةِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُطْلَقًا إلَّا فِي الذِّهْنِ وَهَذَا مَدْلُولُ قِيَاسِهِمْ الْبُرْهَانِيِّ.
وَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ التَّفَاضُلِ وَهُوَ مَدْلُولُ الْمُشَكَّكَةِ الَّتِي هِيَ قَسِيمُ الْمُتَوَاطِئَةِ الْخَاصَّةِ وَذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ الْأَقْيِسَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَهِيَ قِيَاسُ الْأَوْلَى.
وَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ خَاصَّةِ الرَّبِّ الَّتِي بِهَا يَتَمَيَّزُ عَمَّا سِوَاهُ وَذَلِكَ مَدْلُولُ آيَاتِهِ سُبْحَانَهُ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتُهَا ثُبُوتَ نَفْسِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ قِيَاسٌ لَا بُرْهَانِيٌّ وَلَا غَيْرُ بُرْهَانِيٍّ.
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ قِيَاسَهُمْ الْبُرْهَانِيَّ لَا يُحَصِّلُ الْمَطْلُوبَ الَّذِي بِهِ تَكْمُلُ النَّفْسُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَعْرِفَةِ خَالِقِهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: لَا تُعْلَمُ الْمَطَالِبُ إلَّا بِهِ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذَا الْمَقَامِ التَّنْبِيهُ عَلَى بُطْلَانِ " قَضِيَّتِهِمْ السَّالِبَةِ " وَهِيَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعُلُومَ النَّظَرِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِوَاسِطَةِ بُرْهَانِهِمْ.

ثُمَّ لَمْ يَكْفِهِمْ هَذَا السَّلْبُ الْعَامُّ الَّذِي تَحَجَّرُوا فِيهِ وَاسِعًا؛ وَقَصَرُوا الْعُلُومَ عَلَى طَرِيقٍ ضَيِّقَةٍ لَا تُحَصِّلُ إلَّا مَطْلُوبًا لَا طَائِلَ فِيهِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ؛ إنَّمَا يَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحَدِّ الْأَوْسَطِ؛ كَمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ.
وَهُمْ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمَّنْ نَفَى عِلْمَهُ وَعِلْمَ أَنْبِيَائِهِ مِنْ سَلَفِهِمْ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْبِيَائِهِ وَكُتُبِهِ.
فَابْنُ سِينَا لَمَّا تَمَيَّزَ عَنْ أُولَئِكَ؛ بِمَزِيدِ عِلْمٍ وَعَقْلٍ؛ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ الْمَنْطِقِيَّ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ.
وَصَارَ سَالِكُو هَذِهِ الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْ سَلَفِهِمْ وَأَكْمَلَ فَهُمْ أَضَلُّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَجْهَلُ إذْ كَانَ أُولَئِكَ حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَصِفَاتِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِهَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ لِمَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ الْكِبْرِ وَالْخَيَالِ وَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ لِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مَنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ متنقصين أَوْ مُعَادِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وَقَالَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ .

وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ وَمُتَابَعَةِ هَؤُلَاءِ لَهُ والنمرود بْنِ كَنْعَانَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَمُخَالَفَتِهِمْ لِمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاضِعَ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ آلَ إبْرَاهِيمَ أَئِمَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَآلَ فِرْعَوْنَ أَئِمَّةً لِأَهْلِ النَّارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وَقَالَ فِي آلِ إبْرَاهِيمَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُتَأَخِّرِيهِمْ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ جَعَلُوا عِلْمَ الرَّبِّ يَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ وَكَذَلِكَ عِلْمُ أَنْبِيَائِهِ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إلَّا بِالْبُرْهَانِ الَّذِي وَصَفُوهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا السَّلْبُ بَاطِلًا فِي عِلْمِ آحَادِ النَّاسِ كَانَ بُطْلَانُهُ

أَوْلَى فِي عِلْمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثُمَّ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا جِنْسَ الدَّلِيلِ إلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّمْثِيلِ قَالُوا: لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ؛ أَوْ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ؛ أَوْ بِأَحَدِ الْجُزْئِيَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
فَقَالُوا: إمَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ أَوْ بِأَحَدِ الْخَاصَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
قَالُوا: وَالْأَوَّلُ هُوَ " الْقِيَاسُ " يَعْنُونَ بِهِ قِيَاسَ الشُّمُولِ فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْقِيَاسِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ يَخُصُّونَ بِاسْمِ الْقِيَاسِ التَّمْثِيلَ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ فَاسْمُ الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا.
قَالُوا: وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْجُزْئِيَّاتِ عَلَى الْكُلِّيِّ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ فَإِنْ كَانَ تَامًّا فَهُوَ الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ وَهُوَ يُفِيدُ الْيَقِينَ؛ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا لَمْ يُفِدْ الْيَقِينَ.
فَالْأَوَّلُ هُوَ اسْتِقْرَاءُ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا وُجِدَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ.
وَالثَّانِي اسْتِقْرَاءُ أَكْثَرِهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: الْحَيَوَانُ إذَا أَكَلَ حَرَّكَ فَكَّهُ الْأَسْفَلَ لِأَنَّا اسْتَقْرَيْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا هَكَذَا فَيُقَالُ لَهُ التِّمْسَاحُ يُحَرِّكُ الْأَعْلَى.

ثُمَّ قَالُوا: إنَّ الْقِيَاسَ يَنْقَسِمُ إلَى " اقْتِرَانِيٍّ وَاسْتِثْنَائِيٍّ " فالاستثنائي مَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ أَوْ نَقِيضُهَا مَذْكُورَةً فِيهِ بِالْفِعْلِ.
وَالِاقْتِرَانِيُّ مَا تَكُونُ فِيهِ بِالْقُوَّةِ: كَالْمُؤَلَّفِ مِنْ الْقَضَايَا الْحَمْلِيَّةِ.
كَقَوْلِنَا كُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
والاستثنائي مَا يُؤَلَّفُ مِنْ الشَّرْطِيَّاتِ وَهُوَ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا مُتَّصِلَةٌ - كَقَوْلِنَا إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً فَالْمُصَلِّي مُتَطَهِّرٌ - وَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ الْمُقَدَّمِ يُنْتِجُ عَيْنَ التَّالِي وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي يُنْتِجُ نَقِيضَ الْمُقَدَّمِ.
وَ (الثَّانِي الْمُنْفَصِلَةُ وَهِيَ: إمَّا مَانِعَةُ الْجَمْعِ وَالْخُلُوِّ كَقَوْلِنَا الْعَدَدُ إمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا فَرْدٌ؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ؛ وَلَا يَخْلُو الْعَدَدُ عَنْ أَحَدِهِمَا وَإِمَّا مَانِعَةُ الْجَمْعِ فَقَطْ: كَقَوْلِنَا هَذَا إمَّا أَسْوَدُ وَإِمَّا أَبْيَضُ أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ.
وَقَدْ يَخْلُو الْمَحَلُّ عَنْهُمَا وَأَمَّا مَانِعَةُ الْخُلُوِّ فَهِيَ الَّتِي يَمْتَنِعُ فِيهَا عَدَمُ الْجُزْأَيْنِ جَمِيعًا وَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمَا وَقَدْ يَقُولُونَ مَانِعَةُ الْجَمْعِ وَالْخُلُوِّ هِيَ الشَّرْطِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ؛ وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِلنَّقِيضَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَمَانِعَةُ الْجَمْعِ؛ هِيَ أَخَصُّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ؛ فَإِنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَرْتَفِعَانِ وَهُمَا أَخَصُّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ.
وَأَمَّا مَانِعَةُ الْخُلُوِّ فَإِنَّهَا أَعَمُّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ وَقَدْ يَصْعُبُ عَلَيْهِمْ تَمْثِيلُ ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ؛ فَإِنَّ أَمْثَالَهُمَا كَثِيرَةٌ.
وَيُمَثِّلُونَهُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا رَكِبَ الْبَحْرَ أَوْ لَا يَغْرَقُ فِيهِ أَيْ لَا يَخْلُو

مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَغْرَقُ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْبَحْرِ فَإِمَّا أَنْ لَا يَغْرَقَ فِيهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ رَاكِبَهُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبَهُ وَقَدْ يَجْتَمِعُ أَنْ يَرْكَبَ وَيَغْرَقَ.
وَالْأَمْثَالُ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِنَا هَذَا حَيٌّ أَوْ لَيْسَ بِعَالِمِ أَوْ قَادِرٍ أَوْ سَمِيعٍ أَوْ بَصِيرٍ أَوْ مُتَكَلِّمٍ فَإِنَّهُ إنْ وُجِدَتْ الْحَيَاةُ فَهُوَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ عُدِمَتْ عُدِمَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ.
وَقَدْ يَكُونُ حَيًّا مَنْ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ هَذَا مُتَطَهِّرٌ أَوْ لَيْسَ بِمُصَلٍّ فَإِنَّهُ إنْ عُدِمَتْ الصَّلَاةُ عُدِمَتْ الطَّهَارَةُ وَإِنْ وُجِدَتْ الطَّهَارَةُ فَهُوَ الْقِسْمُ الْآخَرُ فَلَا يَخْلُو الْأَمْرُ مِنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ عَدَمِ شَرْطٍ وَوُجُودِ مَشْرُوطِهِ فَإِنَّهُ إذَا رُدِّدَ الْأَمْرُ بَيْنَ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ وَعَدَمِ الشَّرْطِ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ الْخُلُوِّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو الْأَمْرُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ وَإِذَا عُدِمَ عُدِمَ الشَّرْطُ فَصَارَ الْأَمْرُ لَا يَخْلُو مِنْ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ وَعَدَمِ الشَّرْطِ.
ثُمَّ قَسَّمُوا الِاقْتِرَانِيَّ إلَى الْأَشْكَالِ الْأَرْبَعَةِ - لِكَوْنِ الْحَدِّ الْأَوْسَطِ إمَّا مَحْمُولًا فِي الْكُبْرَى مَوْضُوعًا فِي الصُّغْرَى - وَهُوَ الشَّكْلُ الطَّبِيعِيُّ وَهُوَ يُنْتِجُ الْمَطَالِبَ الْأَرْبَعَةَ الْجُزْئِيَّ وَالْكُلِّيَّ وَالْإِيجَابِيَّ وَالسَّلْبِيَّ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوْسَطُ مَحْمُولًا فِيهِمَا وَهُوَ الثَّانِي وَلَا يُنْتِجُ إلَّا السَّلْبَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا فِيهِمَا وَلَا يُنْتِجُ إلَّا الْجُزْئِيَّاتِ وَالرَّابِعُ يُنْتِجُ الْجُزْئِيَّاتِ وَالسَّلْبَ الْكُلِّيَّ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الطَّبْعِ.
ثُمَّ إذَا أَرَادُوا بَيَانَ الْإِنْتَاجِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَطَالِبِ احْتَاجُوا إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّقِيضِ وَالْعَكْسِ وَعَكْسِ النَّقِيضِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ

الْقَضِيَّةِ كَذِبُ نَقْضِهَا وَصِدْقُ عَكْسِهَا الْمُسْتَوِي وَعَكْسُ نَقِيضِهَا فَإِذَا صَدَقَ قَوْلُنَا: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْحُجَّاجِ بِكَافِرِ صَحَّ قَوْلُنَا لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْكُفَّارِ بِحَاجِّ.
فَنَقُولُ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَطْوِيلًا يُبْعِدُ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ.
فَلَا يَخْلُو عَنْ خَطَأٍ يَصُدُّ عَنْ الْحَقِّ أَوْ طَرِيقٍ طَوِيلٍ يُتْعِبُ صَاحِبَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْحَقِّ مَعَ إمْكَانِ وُصُولِهِ بِطَرِيقِ قَرِيبٍ كَمَا كَانَ يُمَثِّلُهُ بَعْضُ سَلَفِنَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ أُذُنُك فَرَفَعَ [يَدَهُ رَفْعًا] * شَدِيدًا ثُمَّ أَدَارَهَا إلَى أُذُنِهِ الْيُسْرَى وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْإِشَارَةُ إلَى الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى مِنْ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فَأَقْوَمُ الطَّرِيقِ إلَى أَشْرَفِ الْمَطَالِبِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَمَّا طَرِيقُ هَؤُلَاءِ فَهِيَ مَعَ ضَلَالِهِمْ فِي الْبَعْضِ وَاعْوِجَاجِ طَرِيقِهِمْ وَطُولِهَا فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ إنَّمَا تُوصِلُهُمْ إلَى أَمْرٍ لَا يُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجِبَ لَهُمْ السَّعَادَةَ فَضْلًا عَنْ حُصُولِ الْكَمَالِ لِلْأَنْفُسِ الْبَشَرِيَّةِ بِطَرِيقِهِمْ.
بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَصْرِ الدَّلِيلِ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّمْثِيلِ حَصْرٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ.
فَقَوْلُهُمْ أَيْضًا: إنَّ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ.
وَاسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى الْحَصْرِ بِقَوْلِهِمْ: إمَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ أَوْ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

أَوْ بِأَحَدِ الْجُزْأَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ وَالثَّانِي هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ وَالثَّالِثُ هُوَ التَّمْثِيلُ.
فَيُقَالُ: لَمْ تُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى انْحِصَارِ الِاسْتِدْلَالِ فِي الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّكُمْ إذَا عَنَيْتُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ بِجُزْئِيٍّ عَلَى جُزْئِيٍّ قِيَاسَ التَّمْثِيلِ لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرْتُمُوهُ حَاصِرًا.
وَقَدْ بَقِيَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ الْمُلَازِمِ لَهُ وَهُوَ الْمُطَابِقُ لَهُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَكَذَاكَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ الْمُلَازِمِ لَهُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخَرِ وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ.
فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا سَمَّيْتُمُوهُ قِيَاسًا وَلَا اسْتِقْرَاءً وَلَا تَمْثِيلًا وَهَذِهِ هِيَ الْآيَاتُ.
وَهَذَا كَالِاسْتِدْلَالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى النَّهَارِ وَبِالنَّهَارِ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَيْسَ هَذَا اسْتِدْلَالًا بِكُلِّيٍّ عَلَى جُزْئِيٍّ بَلْ الِاسْتِدْلَالُ بِطُلُوعِ مُعَيَّنٍ عَلَى نَهَارٍ مُعَيَّنٍ اسْتِدْلَالٌ بِجُزْئِيٍّ عَلَى جُزْئِيٍّ وَبِجِنْسِ النَّهَارِ عَلَى جِنْسِ الطُّلُوعِ اسْتِدْلَالٌ بِكُلِّيٍّ عَلَى كُلِّيٍّ وَكَذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ - بِالْكَوَاكِبِ عَلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ اسْتِدْلَالٌ بِجُزْئِيٍّ عَلَى جُزْئِيٍّ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْجَدْيِ وَبَنَاتِ نَعْشٍ وَالْكَوْكَبِ الصَّغِيرِ الْقَرِيبِ مِنْ الْقُطْبِ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ الْقُطْبَ وَكَذَلِكَ بِظُهُورِ كَوْكَبٍ عَلَى ظُهُورِ نَظِيرِهِ فِي الْعَرْضِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِطُلُوعِهِ عَلَى غُرُوبِ آخَرَ وَتَوَسُّطِ آخَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا النَّاسُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .

وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ وَالْأَمْكِنَةِ بِالْأَمْكِنَةِ أَمْرٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ وَأَهْلُ الْمِلَلِ وَالْفَلَاسِفَةُ فَإِذَا اُسْتُدِلَّ بِظُهُورِ الثُّرَيَّا عَلَى ظُهُورِ مَا قَرُبَ مِنْهَا مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا وَيَمِينًا وَشِمَالًا مِنْ الْكَوَاكِبِ كَانَ اسْتِدْلَالًا بِجُزْئِيٍّ عَلَى جُزْئِيٍّ لِتَلَازُمِهِمَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
فَإِنْ قُضِيَ بِهِ قَضَاءً كُلِّيًّا كَانَ اسْتِدْلَالًا بِكُلِّيٍّ عَلَى كُلِّيٍّ وَلَيْسَ اسْتِدْلَالًا بِكُلِّيٍّ عَلَى جُزْئِيٍّ بَلْ بِأَحَدِ الْكُلِّيَّيْنِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَمَنْ عَرَفَ مِقْدَارَ أَبْعَادِ الْكَوَاكِبِ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ وَعَلِمَ مَا يُقَارِنُ مِنْهَا طُلُوعَ الْفَجْرِ اسْتَدَلَّ بِمَا رَآهُ مِنْهَا عَلَى مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ وَمَا بَقِيَ مِنْهُ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَمَنْ عَلِمَ الْجِبَالَ وَالْأَنْهَارَ وَالرِّيَاحَ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى مَا يُلَازِمُهَا مِنْ الْأَمْكِنَةِ.
ثُمَّ اللُّزُومُ إنْ كَانَ دَائِمًا لَا يُعْرَفُ لَهُ ابْتِدَاءٌ.
بَلْ هُوَ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ: كَوُجُودِ الْجِبَالِ وَالْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ: النِّيلِ وَالْفُرَاتِ وسيحان وجيحان وَالْبَحْرِ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ مُطَّرِدًا.
وَإِنْ كَانَ اللُّزُومُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةً مِثْلَ الْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّ الْخَلِيلَ بَنَاهَا وَلَمْ تَزَلْ مُعَظَّمَةً لَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا جَبَّارٌ قَطُّ اسْتَدَلَّ بِهَا بِحَسَبِ ذَلِكَ فَيَسْتَدِلُّ بِهَا وَعَلَيْهَا فَإِنَّ أَرْكَانَ الْكَعْبَةِ مُقَابِلَةٌ لِجِهَاتِ الْأَرْضِ الْأَرْبَعِ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يُقَابِلُ الْمُشْرِقَ وَالْغَرْبِيُّ - الَّذِي يُقَابِلُهُ وَيُقَالُ لَهُ: الشَّامِيُّ - يُقَابِلُ الْمَغْرِبَ وَالْيَمَانِيُّ يُقَابِلُ الْجَنُوبَ وَمَا يُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ الْعِرَاقِيُّ - إذَا قِيلَ

لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ الشَّامِيِّ وَإِنْ قِيلَ لِذَاكَ الشَّامِيُّ قِيلَ لِهَذَا الْعِرَاقِيُّ فَهَذَا الشَّامِيُّ الْعِرَاقِيُّ يُقَابِلُ الشَّمَالَ وَهُوَ يُقَابِلُ الْقُطْبَ وَحِينَئِذٍ فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْجِهَاتِ وَيُسْتَدَلُّ بِالْجِهَاتِ عَلَيْهَا.
وَمَا كَانَ مُدَّتُهُ أَقْصَرَ مِنْ مُدَّةِ الْكَعْبَةِ كَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَشْجَارِ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا بِحَسَبِ ذَلِكَ.
فَيُقَالُ عَلَامَةُ الدَّارِ الْفُلَانِيَّةِ أَنَّ عَلَى بَابِهَا شَجَرَةً مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ اسْتِدْلَالٌ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَكِلَاهُمَا مُعَيَّنٌ جُزْئِيٌّ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
وَلِهَذَا عَدَلَ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَقَالُوا: الدَّلِيلُ هُوَ الْمُرْشِدُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَهُوَ الْمُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ؛ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْعِلْمِ بِالْمَطْلُوبِ أَوْ مَا يَكُونُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ فِيهِ مُوَصِّلًا إلَى عِلْمٍ أَوْ إلَى اعْتِقَادٍ رَاجِحٍ.
وَلَهُمْ نِزَاعٌ اصْطِلَاحِيٌّ هَلْ يُسَمَّى هَذَا الثَّانِي دَلِيلًا أَوْ يُخَصُّ بِاسْمِ الْأَمَارَةِ وَالْجُمْهُورُ يُسَمُّونَ الْجَمِيعَ دَلِيلًا.
وَمِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مَنْ لَا يُسَمِّي بِالدَّلِيلِ إلَّا الْأَوَّلَ.
ثُمَّ الضَّابِطُ فِي الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَدْلُولِ فَكُلَّمَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِغَيْرِهِ أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ التَّلَازُمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِكُلِّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَسْتَدِلُّ الْمُسْتَدِلُّ بِمَا عَلِمَهُ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ.
ثُمَّ إنْ كَانَ اللُّزُومُ قَطْعِيًّا كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا

  • وَقَدْ يَتَخَلَّفُ - كَانَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا.
    فَالْأَوَّلُ كَدَلَالَةِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى خَالِقِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ فَإِنَّ وُجُودَهَا مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ وَوُجُودَهَا بِدُونِ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَلَا تُوجَدُ إلَّا دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ وَمِثْلُ دَلَالَةِ خَبَرِ الرَّسُولِ عَلَى ثُبُوتِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَقَّ إذْ كَانَ مَعْصُومًا فِي خَبَرِهِ عَنْ اللَّهِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي خَبَرِهِ عَنْهُ خَطَأٌ أَلْبَتَّةَ.
    فَهَذَا دَلِيلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِمَدْلُولِهِ لُزُومًا وَاجِبًا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحَالِ.
    وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَلْزُومُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا فَقَدْ يَكُونُ الدَّلِيلُ وُجُودًا وَعَدَمًا وَيُسْتَدَلُّ بِكُلِّ مِنْهُمَا عَلَى وُجُودٍ وَعَدَمٍ فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ عَلَى انْتِفَاءِ نَقِيضِهِ وَضِدِّهِ وَيُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ نَقِيضِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَيُسْتَدَلُّ بِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ عَلَى ثُبُوتِ اللَّازِمِ وَبِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ.
    بَلْ كُلُّ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ فَإِنَّهُ مَلْزُومٌ لِمَدْلُولِهِ.
    وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ وَمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ.
    فَإِنَّ مَا يُسَمُّونَهُ الشَّرْطِيَّ الْمُتَّصِلَ مَضْمُونُهُ الِاسْتِدْلَالُ بِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ عَلَى ثُبُوتِ اللَّازِمِ وَبِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ سَوَاءٌ عَبَّرَ عَنْ هَذَا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ أَوْ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ؛ فَاخْتِلَافُ صِيَغِ الدَّلِيلِ مَعَ اتِّحَادِ مَعْنَاهُ.
    لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَتَهُ.
    وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةِ لَا فِي الْأَلْفَاظِ.
    فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً فَالْمُصَلِّي مُتَطَهِّرٌ وَإِنْ كَانَتْ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالنَّهَارُ مَوْجُودٌ وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ عَالِمًا قَادِرًا فَهُوَ حَيٌّ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ تَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ وَقَوْلِهِ: يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ ثُبُوتُ الطَّهَارَةِ.
وَقَوْلِهِ: لَا يَكُونُ مُصَلِّيًا إلَّا مَعَ الطَّهَارَةِ.
وَقَوْلِهِ: الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ عُدِمَ الْمَشْرُوطُ.
وَقَوْلِهِ: كُلُّ مُصَلٍّ مُتَطَهِّرٌ فَمَنْ لَيْسَ بِمُتَطَهِّرِ فَلَيْسَ بِمُصَلٍّ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّأْلِيفِ لِلْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي الَّتِي تَتَضَمَّنُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مِنْ حَصْرِ النَّاسِ فِي عِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِذَا اتَّسَعَتْ الْعُقُولُ وَتَصَوُّرَاتُهَا.
اتَّسَعَتْ عِبَارَاتُهَا.
وَإِذَا ضَاقَتْ الْعُقُولُ وَالْعِبَارَاتُ وَالتَّصَوُّرَاتُ بَقِيَ صَاحِبُهَا كَأَنَّهُ مَحْبُوسُ الْعَقْلِ وَاللِّسَانِ كَمَا يُصِيبُ أَهْلَ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ: تَجِدُهُمْ مِنْ أَضْيَقِ النَّاسِ عِلْمًا وَبَيَانًا وَأَعْجَزِهِمْ تَصَوُّرًا وَتَعْبِيرًا.
وَلِهَذَا مَنْ كَانَ ذَكِيًّا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْعُلُومِ وَسَلَكَ مَسْلَكَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ: طَوَّلَ وَضَيَّقَ وَتَكَلَّفَ وَتَعَسَّفَ وَغَايَتُهُ بَيَانُ الْبَيِّنِ وَإِيضَاحُ الْوَاضِحِ مِنْ الْعِيِّ وَقَدْ يُوقِعُهُ ذَلِكَ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ السَّفْسَطَةِ الَّتِي عَافَى اللَّهُ مِنْهَا مَنْ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَهُمْ.
وَكَذَلِكَ تَكَلُّفَاتُهُمْ فِي حُدُودِهِمْ: مِثْلَ حَدِّهِمْ لِلْإِنْسَانِ وَلِلشَّمْسِ بِأَنَّهَا كَوْكَبٌ يَطْلُعُ نَهَارًا وَهَلْ مَنْ يَجِدُ الشَّمْسَ مِثْلَ هَذَا الْحَدِّ وَنَحْوَهُ إلَّا مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ.
وَهَلْ عِنْدَ النَّاسِ شَيْءٌ أَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّمْسَ فَإِمَّا أَنْ يَجْهَلَ اللَّفْظَ فَيُتَرْجِمَ لَهُ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ رَآهَا لِعَمَاهُ فَهَذَا لَا يَرَى النَّهَارَ وَلَا الْكَوَاكِبَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى

مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ النَّاسِ مَا يُعَرِّفُ ذَلِكَ بِدُونِ طَرِيقِهِمْ.
وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الشَّكْلَ الْأَوَّلَ مِنْ الْحَمْلِيَّاتِ يُغْنِي عَنْ جَمِيعِ صُوَرِ الْقِيَاسِ.
وَتَصْوِيرُهُ فِطْرِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمِهِ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَصَوُّرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الِاسْتِدْلَالُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ طَرْدًا وَعَكْسًا وَذَلِكَ أَنَّ احْتِيَاجَ الْمُسْتَدِلِّ إلَى الْمُقَدِّمَاتِ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ حَالُ النَّاسِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَّا إلَى مُقَدِّمَةٍ وَاحِدَةٍ لِعِلْمِهِ بِمَا سِوَى ذَلِكَ.
كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ فِي عِلْمِهِ بِذَلِكَ إلَى اسْتِدْلَالٍ بَلْ قَدْ يَعْلَمُهُ بِالضَّرُورَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعٍ وَأَكْثَرَ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ هَذَا الْمُسْكِرَ الْمُعَيَّنَ مُحَرَّمٌ.
فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ مُحَرَّمٌ وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُ هَلْ هَذَا الْمُسْكِرُ الْمُعَيَّنُ يُسْكِرُ أَمْ لَا لَمْ يَحْتَجْ إلَّا إلَى مُقَدِّمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا مُسْكِرٌ فَإِذَا قِيلَ لَهُ هَذَا حَرَامٌ فَقَالَ مَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُسْكِرٌ تَمَّ الْمَطْلُوبُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ: هَلْ هُوَ مُسْكِرٌ أَمْ لَا؟

كَمَا يَسْأَلُ النَّاسُ كَثِيرًا عَنْ بَعْضِ الْأَشْرِبَةِ وَلَا يَكُونُ السَّائِلُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُسْكِرُ أَوْ لَا تُسْكِرُ وَلَكِنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِخَبَرِ مَنْ يُصَدِّقُهُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ عُلِمَ تَحْرِيمُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَقَعُ الشَّكُّ فِي انْدِرَاجِهِ تَحْتَ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ وَالْأَعْيَانِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُكْمِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ كَتَنَازُعِ النَّاسِ فِي النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ: هَلْ هُمَا مِنْ الْمَيْسِرِ أَمْ لَا؟ وَتَنَازُعِهِمْ فِي النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ الْخَمْرِ أَمْ لَا؟ وَتَنَازُعِهِمْ فِي الْحَلِفِ بِالنَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أَمْ لَا؟ وَتَنَازُعِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هَلْ هُوَ الزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ الْمُسْتَقِلُّ؟ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَحْتَاجُ الِاسْتِدْلَالُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيذَ الْمُسْكِرَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مُحَرَّمٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ مُسْكِرٌ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْكِرٌ وَيَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
وَقَدْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُسْكِرٌ وَيَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ الْخَمْرَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لِنَشْأَتِهِ بَيْنَ جُهَّالٍ أَوْ زَنَادِقَةٍ يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ.
أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ﴾ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا خَمْرٌ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ الْخَمْرَ؛ لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرَّمَهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ؛ بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ أَبَاحَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْهُمْ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَبَاحَ شُرْبَهَا لِلتَّدَاوِي أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَهَذَا لَا يَكْفِيهِ فِي الْعِلْمِ

بِتَحْرِيمِ هَذَا النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ تَحْرِيمًا عَامًّا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْكِرٌ وَأَنَّهُ خَمْرٌ.
وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ كُلَّ مُسْكِرٍ.
وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَمَا حَرَّمَهُ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ حَرَّمَهُ تَحْرِيمًا عَامًّا لَمْ يُبِحْهُ لِلتَّدَاوِي أَوْ لِلتَّلَذُّذِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ تَخْصِيصَ الِاسْتِدْلَالِ بِمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلٌ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي حَدِّ الْقِيَاسِ الَّذِي يَشْمَلُ الْبُرْهَانِيَّ وَالْخَطَابِيّ وَالْجَدَلِيَّ وَالشِّعْرِيَّ والسوفسطائي: إنَّهُ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ أَوْ عِبَارَةٌ عَمَّا أُلِّفَ مِنْ أَقْوَالٍ إذَا سَلِمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ.
قَالُوا: وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا: مِنْ أَقْوَالٍ عَنْ الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ لِذَاتِهَا صِدْقَ عَكْسِهَا وَعَكْسِ نَقِيضِهَا وَكَذِبَ نَقِضْهَا وَلَيْسَتْ قِيَاسًا.
قَالُوا: وَلَمْ نَقُلْ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ لِأَنَّا لَا يُمْكِنُنَا تَعْرِيفُ الْمُقَدِّمَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُقَدِّمَةٌ إلَّا بِكَوْنِهَا جُزْءَ الْقِيَاسِ فَلَوْ أَخَذْنَاهَا فِي حَدِّ الْقِيَاسِ كَانَ دَوْرًا.
وَالْقَضِيَّةُ الْخَبَرِيَّةُ إذَا كَانَتْ جُزْءَ الْقِيَاسِ سَمَّوْهَا مُقَدِّمَةً وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَفَادَةً بِالْقِيَاسِ سَمَّوْهَا نَتِيجَةً وَإِنْ كَانَتْ مُجَرَّدَةً عَنْ ذَلِكَ سَمَّوْهَا قَضِيَّةً وَتُسَمَّى أَيْضًا قَضِيَّةٌ مَعَ تَسْمِيَتِهَا نَتِيجَةً وَمُقَدِّمَةً.
وَهِيَ الْخَبَرُ وَلَيْسَتْ هِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ فِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ.
بَلْ أَعَمُّ مِنْهُ.
فَإِنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ لَا يَكُونُ إلَّا جُمْلَةً اسْمِيَّةً وَالْقَضِيَّةُ تَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً وَفِعْلِيَّةً كَمَا لَوْ قِيلَ قَدْ كَذَبَ زَيْدٌ وَمَنْ كَذَبَ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْقَوْلِ - فِي قَوْلِهِمْ الْقِيَاسُ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ - الْقَضِيَّةُ الَّتِي هِيَ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ خَبَرِيَّةٌ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الْمُفْرَدَ الَّذِي هُوَ

الْحَدُّ فَإِنَّ الْقِيَاسَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ حُدُودٍ: أَصْغَرُ وَأَوْسَطُ وَأَكْبَرُ كَمَا إذَا قِيلَ: النَّبِيذُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَالنَّبِيذُ وَالْمُسْكِرُ وَالْحَرَامُ كُلٌّ مِنْهَا مُفْرَدٌ وَهِيَ الْحُدُودُ فِي الْقِيَاسِ.
فَلَيْسَ مُرَادُهُمْ بِالْقَوْلِ هَذَا بَلْ مُرَادُهُمْ أَنَّ كُلَّ قَضِيَّةٍ قَوْلٌ؛ كَمَا فَسَّرُوا مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالُوا: الْقِيَاسُ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ؛ إذَا سَلِمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ.
وَاللَّازِمُ إنَّمَا هِيَ النَّتِيجَةُ وَهِيَ قَضِيَّةٌ وَخَبَرٌ وَجُمْلَةٌ تَامَّةٌ وَلَيْسَتْ مُفْرَدًا.
وَلِذَلِكَ قَالُوا: الْقِيَاسُ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ؛ فَسَمَّوْا مَجْمُوعَ الْقَضِيَّتَيْنِ قَوْلًا.
وَإِذَا كَانُوا قَدْ جَعَلُوا الْقِيَاسَ مُؤَلَّفًا مِنْ أَقْوَالٍ وَهِيَ الْقَضَايَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ قَوْلَانِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا وَهُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَلَكِنْ قَدْ يُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْعَدَدِ فَيَتَنَاوَلُ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَا يَكُونُ الْجَمْعُ مُخْتَصًّا بِاثْنَيْنِ.
فَإِذَا قَالُوا: هُوَ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ إنْ أَرَادُوا جِنْسَ الْعَدَدِ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَلَّفًا مِنْ ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ وَأَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ فَلَا يَخْتَصُّ بِالِاثْنَيْنِ.
وَإِنْ أَرَادُوا الْجَمْعَ الْحَقِيقِيَّ.
لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفًا إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا وَهُمْ قَطْعًا مَا أَرَادُوا هَذَا.
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْأَوَّلُ.
فَإِذَا قِيلَ: هُمْ يَلْتَزِمُونَ ذَلِكَ.
وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَقُولُ أَقَلُّ مَا يَكُونُ الْقِيَاسُ

مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ.
وَقَدْ يَكُونُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ.
فَيُقَالُ: هَذَا خِلَافُ مَا فِي كُتُبِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَلْتَزِمُونَ إلَّا مُقَدِّمَتَيْنِ فَقَطْ.
وَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُوَصِّلَ إلَى الْمَطْلُوبِ سَوَاءٌ كَانَ اقْتِرَانِيًّا أَوْ اسْتِثْنَائِيًّا لَا يَنْقُصُ عَنْ مُقَدِّمَتَيْنِ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُتَّحِدَ لَا يَزِيدُ عَلَى جُزْأَيْنِ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ.
فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ اقْتِرَانِيًّا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْأَيْ الْمَطْلُوبِ لَا بُدَّ وَأَنْ يُنَاسِبَ مُقَدِّمَةً مِنْهُ: أَيْ يَكُونُ فِيهَا إمَّا مُبْتَدَأً وَإِمَّا خَبَرًا وَلَا يَكُونُ هُوَ نَفْسَ الْمُقَدِّمَةِ.
قَالُوا: وَلَيْسَ لِلْمَطْلُوبِ أَكْثَرُ مِنْ جُزْأَيْنِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ اسْتِثْنَائِيًّا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُقَدِّمَةٍ شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ أَوْ مُنْفَصِلَةٍ تَكُونُ مُنَاسِبَةً لِكُلِّ الْمَطْلُوبِ أَوْ نَقِيضِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى ثَالِثَةٍ.
قَالُوا: لَكِنْ رُبَّمَا أُدْرِجَ فِي الْقِيَاسِ قَوْلٌ زَائِدٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْ الْقِيَاسِ إمَّا غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْقِيَاسِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْقِيَاسِ إمَّا لِتَرْوِيجِ الْكَلَامِ وَتَحْسِينِهِ أَوْ لِبَيَانِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا.
وَيُسَمُّونَ هَذَا الْقِيَاسَ الْمُرَكَّبَ.
قَالُوا: وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ سِيقَتْ لِبَيَانِ مَطْلُوبٍ وَاحِدٍ؛ إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُبَيِّنَ لِلْمَطْلُوبِ بِالذَّاتِ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا وَاحِدًا وَالْبَاقِي

لِبَيَانِ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ.
قَالُوا: رُبَّمَا حَذَفُوا بَعْضَ مُقْدِمَاتِ الْقِيَاسِ إمَّا تَعْوِيلًا عَلَى فَهْمِ الذِّهْنِ لَهَا أَوْ لِتَرْوِيجِ الْمُغَلِّطَةِ حَتَّى لَا يَطَّلِعَ عَلَى كَذِبِهَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهَا.
قَالُوا: ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْأَقْيِسَةُ لِبَيَانِ الْمُقَدِّمَاتِ قَدْ صُرِّحَ فِيهَا بِنَتَائِجِهَا فَيُسَمَّى الْقِيَاسُ مَفْصُولًا وَإِلَّا فَمَوْصُولٌ.
وَمَثَّلُوا الْمَوْصُولَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَكُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ وَكُلُّ جِسْمٍ جَوْهَرٌ.
فَكُلُّ إنْسَانٍ جَوْهَرٌ.
وَالْمَفْصُولُ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَكُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ فَكُلُّ إنْسَانٍ جِسْمٌ ثُمَّ يَقُولُ كُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ وَكُلُّ جِسْمٍ جَوْهَرٌ فَكُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ فَيَلْزَمُ مِنْهُمَا أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ جَوْهَرٌ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَمَّا الْمَطْلُوبُ الَّذِي لَا يَزِيدُ عَلَى جُزْأَيْنِ فَذَاكَ فِي الْمَنْطُوقِ بِهِ.
وَالْمَطْلُوبُ فِي الْعَقْلِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ وَهُوَ ثُبُوتُ النِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ أَوْ انْتِفَاؤُهَا.
وَإِنْ شِئْت قُلْت: اتِّصَافُ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا وَإِنْ شِئْت قُلْت: نِسْبَةُ الْمَحْمُولِ إلَى الْمَوْضُوعِ وَالْخَبَرِ إلَى الْمُبْتَدَأِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ الْمَقْصُودِ بِالْقَضِيَّةِ.
فَإِذَا كَانَتْ النَّتِيجَةُ أَنَّ النَّبِيذَ حَرَامٌ أَوْ لَيْسَ بِحَرَامِ؛ أَوْ الْإِنْسَانَ حَسَّاسٌ أَوْ لَيْسَ بِحَسَّاسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَالْمَطْلُوبُ ثُبُوتُ التَّحْرِيمِ لِلنَّبِيذِ أَوْ انْتِفَاؤُهُ وَكَذَلِكَ ثُبُوتُ الْحِسِّ لِلْإِنْسَانِ أَوْ انْتِفَاؤُهُ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الْوَاحِدَةُ إذَا نَاسَبَتْ ذَلِكَ

الْمَطْلُوبَ حَصَلَ بِهَا الْمَقْصُودُ.
وَقَوْلُنَا النَّبِيذُ خَمْرٌ يُنَاسِبُ الْمَطْلُوبَ وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ.
فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ وَلَكِنْ يَشُكُّ فِي النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ هَلْ يُسَمَّى فِي لُغَةِ الشَّارِعِ خَمْرًا؟ فَقِيلَ النَّبِيذُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ كَانَتْ الْقَضِيَّةُ وَهِيَ قَوْلُنَا: قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ يُفِيدُ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ؛ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ قَوْلِهِ قَدْ تَضَمَّنَ قَضِيَّةً أُخْرَى.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ الْمُسْتَمِعِ وَهِيَ أَنَّ مَا صَحَّحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فَقَدْ وَجَبَ التَّصْدِيقُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ وَأَنَّ مَا حَرَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَلَوْ لَزِمَ أَنْ نَذْكُرَ كُلَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا كَانَتْ الْمُقَدِّمَاتُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ.
وَعَلَى مَا قَالُوهُ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: النَّبِيُّ حَرَّمَ ذَلِكَ وَمَا حَرَّمَهُ فَهُوَ حَرَامٌ.
فَهَذَا حَرَامٌ وَكَذَلِكَ: يَقُولُ النَّبِيُّ أَوْجَبَهُ وَمَا أَوْجَبَهُ النَّبِيُّ فَقَدْ وَجَبَ فَإِذَا احْتَجَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَهُوَ حَرَامٌ.
وَإِذَا احْتَجَّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ بِمِثْلِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْحَجَّ فِي

كِتَابِهِ وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَبِرُهُ الْعُقَلَاءُ لُكْنَةً وَعِيًّا وَإِيضَاحًا لِلْوَاضِحِ وَزِيَادَةَ قَوْلٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا.
وَهَذَا التَّطْوِيلُ الَّذِي لَا يُفِيدُ فِي قِيَاسِهِمْ نَظِيرُ تَطْوِيلِهِمْ فِي حُدُودِهِمْ: كَقَوْلِهِمْ فِي حَدِّ الشَّمْسِ: إنَّهَا كَوْكَبٌ تَطْلُعُ نَهَارًا.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا تَضْيِيعَ الزَّمَانِ وَإِتْعَابَ الْأَذْهَانِ وَكَثْرَةَ الْهَذَيَانِ.
ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُمْ فِي حُدُودِهِمْ وَبَرَاهِينِهِمْ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي تَحْدِيدِ الْأُمُورِ الْمَعْرُوفَةِ بِدُونِ تَحْدِيدِهِمْ وَيَتَنَازَعُونَ فِي الْبُرْهَانِ عَلَى أُمُورٍ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ بَرَاهِينِهِمْ.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ لِلْمَطْلُوبِ أَكْثَرُ مِنْ جُزْأَيْنِ.
فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ فَيُقَالُ: إنْ أَرَدْتُمْ لَيْسَ لَهُ إلَّا اسْمَانِ مُفْرَدَانِ؛ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِأَسْمَاءِ مُتَعَدِّدَةٍ مِثْلَ مَنْ شَكَّ فِي النَّبِيذِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ أَمْ لَيْسَ حَرَامًا لَا بِنَصِّ وَلَا قِيَاسٍ.
فَإِذَا قَالَ الْمُجِيبُ؛ النَّبِيذُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ كَانَ الْمَطْلُوبُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلَ هَلْ الْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ؟ فَقَالَ: الْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ كَانَ الْمَطْلُوبُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ.
وَإِذَا قَالَ: هَلْ الْإِنْسَانُ جِسْمٌ حَسَّاسٌ نَامٍ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ أَمْ لَا؟ فَالْمَطْلُوبُ هُنَا سِتَّةُ أَجْزَاءٍ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْمَوْضُوعُ وَالْمَحْمُولُ الَّذِي هُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَهُوَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ قَدْ تَكُونُ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِنْ لَفْظَيْنِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ إذَا كَانَ

مَضْمُونُهَا مُقَيَّدًا بِقُيُودٍ كَثِيرَةٍ.
مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْقُيُودِ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ الصِّفَاتِ وَالْعَطْفَ وَالْأَحْوَالَ وَظَرْفَ الْمَكَانِ وَظَرْفَ الزَّمَانِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَتْ الْقَضِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِقُيُودِ كَثِيرَةٍ لَمْ تَكُنْ مُؤَلَّفَةً مِنْ لَفْظَيْنِ بَلْ مِنْ أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَيْسَ إلَّا مَعْنَيَانِ سَوَاءٌ عَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظَيْنِ أَوْ أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ قِيلَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
بَلْ قَدْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَعْنًى وَاحِدًا وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَيَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةً فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ بِحَسَبِ طَلَبِ الطَّالِبِ وَهُوَ النَّاظِرُ الْمُسْتَدِلُّ وَالسَّائِلُ الْمُتَعَلِّمُ الْمُنَاظِرُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ يَطْلُبُ مَعْنًى وَاحِدًا وَقَدْ يَطْلُبُ مَعْنَيَيْنِ وَقَدْ يَطْلُبُ مَعَانِيَ وَالْعِبَارَةُ عَنْ مَطْلُوبِهِ قَدْ تَكُونُ بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَقَدْ يَكُونُ بِلَفْظَيْنِ وَقَدْ تَكُونُ بِأَكْثَرَ.
فَإِذَا قَالَ: النَّبِيذُ حَرَامٌ فَقِيلَ: لَهُ نَعَمْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي جَوَابِهِ كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ: هُوَ حَرَامٌ.
فَإِنْ قَالُوا: الْقَضِيَّةُ الْوَاحِدَةُ قَدْ تَكُونُ فِي تَقْدِيرِ قَضَايَا كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ التَّمْثِيلِ بِالْإِنْسَانِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الْوَاحِدَةَ فِي تَقْدِيرِ خَمْسِ قَضَايَا وَهِيَ خَمْسُ مَطَالِبَ وَالتَّقْدِيرُ: هَلْ هُوَ جِسْمٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ حَسَّاسٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ

هُوَ نَامٍ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ مُتَحَرِّكٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ نَاطِقٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ هَلْ النَّبِيذُ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ حَرَامًا فَهَلْ تَحْرِيمُهُ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْقِيَاسِ؟ فَيُقَالُ: إذَا رَضِيتُمْ بِمِثْلِ هَذَا وَهُوَ أَنْ تَجْعَلُوا الْوَاحِدَ فِي تَقْدِيرِ عَدَدٍ فَالْمُفْرَدُ قَدْ يَكُونُ فِي مَعْنَى قَضِيَّةٍ فَإِذَا قَالَ: النَّبِيذُ الْمُسْكِرُ حَرَامٌ فَقَالَ الْمُجِيبُ: نَعَمْ؛ فَلَفْظُ نَعَمْ فِي تَقْدِيرِ قَوْلِهِ: هُوَ حَرَامٌ: وَإِنْ قَالَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ أَوْ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الَّتِي جُعِلَ الدَّلِيلُ فِيهَا اسْمًا مُفْرَدًا وَهُوَ جُزْءٌ وَاحِدٌ لَمْ يَجْعَلْهُ قَضِيَّةً مُؤَلَّفَةً مِنْ اسْمَيْنِ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ اسْمٌ مُضَافٌ.
وَقَوْلَهُ: إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ بِالْفَتْحِ مُفْرَدٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ أَنَّ وَمَا فِي خَبَرِهَا فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ الْمُفْرَدِ وَإِنَّ الْمَكْسُورَةَ وَمَا فِي خَبَرِهَا جُمْلَةٌ تَامَّةٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ النَّصُّ أَوْ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْفُلَانِيَّةُ أَوْ الْحَدِيثُ الْفُلَانِيُّ؛ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِيَامُ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِخَمْرِ الْعِنَبِ فِيمَا يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فِيمَا يُعَبَّرُ فِيهِ عَنْ الدَّلِيلِ بَاسِمٍ مُفْرَدٍ لَا بِالْقَضِيَّةِ الَّتِي هِيَ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ.
ثُمَّ هَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ مُفْرَدٍ هُوَ إذَا فُصِلَ عُبِّرَ عَنْهُ بِأَلْفَاظِ مُتَعَدِّدَةٍ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَكُمْ: إنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ لَا يَكُونُ إلَّا جُزْأَيْنِ فَقَطْ؛ إنْ أَرَدْتُمْ لَفْظَيْنِ فَقَطْ وَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى لَفْظَيْنِ فَهُوَ أَدِلَّةٌ لَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ الْمَوْصُوفَ بِصِفَاتِ تَحْتَاجُ كُلُّ صِفَةٍ إلَى دَلِيلٍ.
قِيلَ لَكُمْ: وَكَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي اللَّفْظَيْنِ: هُمَا دَلِيلَانِ لَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُقَدِّمَةٍ تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُ الْعَدَدِ بِاثْنَيْنِ دُونَ مَا زَادَ تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ قَدْ يَحْصُلُ بِلَفْظِ مُفْرَدٍ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِلَفْظَيْنِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ أَوْ بِأَرْبَعَةٍ وَأَكْثَرَ فَجَعْلُ الْجَاعِلِ اللَّفْظَيْنِ هُمَا الْأَصْلَ الْوَاجِبَ دُونَ مَا زَادَ وَمَا نَقَصَ وَأَنَّ الزَّائِدَ إنْ كَانَ فِي الْمَطْلُوبِ جُعِلَ مَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةً وَإِنْ كَانَ فِي الدَّلِيلِ تُذْكَرُ مُقَدِّمَاتُ جَعْلِ ذَلِكَ فِي تَقْدِيرِ أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ: بَلْ الْأَصْلُ فِي الْمَطْلُوبِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَدَلِيلَهُ جُزْءًا وَاحِدًا فَإِذَا زَادَ الْمَطْلُوبُ عَلَى ذَلِكَ جَعَلَ مَطْلُوبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً بِحَسَبِ دَلَالَتِهِ وَهَذَا إذَا قِيلَ فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّلِيلِ مُفْرَدٌ فَيُجْعَلُ مَعْنَاهُ مُفْرَدًا وَالْقِيَاسُ هُوَ الدَّلِيلَ.
وَلَفْظُ " الْقِيَاسِ " يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ كَمَا يُقَالُ قِسْت هَذَا بِهَذَا وَالتَّقْدِيرُ يَحْصُلُ بِوَاحِدِ؛ وَإِذَا قُدِّرَ بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ يَكُونُ تَقْدِيرَيْنِ وَثَلَاثَةً لَا تَقْدِيرًا وَاحِدًا فَتَكُونُ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتُ أَقْيِسَةً لَا قِيَاسًا وَاحِدًا فَجَعْلُهُمْ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَيْنِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي مَعْنَى أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمَا نَقَصَ عَنْ الِاثْنَيْنِ نِصْفَ

قِيَاسٍ لَا قِيَاسٌ تَامٌّ؛ اصْطِلَاحٌ مَحْضٌ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ اللَّازِمَةِ لِلْمَاهِيَّةِ وَالْوُجُودِ بِمِثْلِ هَذَا التَّحَكُّمِ.
وَحِينَئِذٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَرْجِعُوا فِيمَا سَمَّوْهُ حَدًّا وَبُرْهَانًا إلَى حَقِيقَةٍ مَوْجُودَةٍ وَلَا أَمْرٍ مَعْقُولٍ بَلْ إلَى اصْطِلَاحٍ مُجَرَّدٍ ك

َتَنَازُعِ النَّاسِ فِي " الْعِلَّةِ "

هَلْ هِيَ اسْمٌ لِمَا يَسْتَلْزِمُ الْمَعْلُولَ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا بِحَالِ فَلَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ وَالتَّخْصِيصَ أَوْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْمَعْلُولِ؛ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْمَعْلُولُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ وَكَاصْطِلَاحِ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ فِي تَسْمِيَةِ أَحَدِهِمْ " الدَّلِيلَ " لِمَا هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَدْلُولِ مُطْلَقًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ عَدَمُ الْمُعَارِضِ وَالْآخَرُ يُسَمِّي الدَّلِيلَ لِمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتَلْزِمَ الْمَدْلُولَ وَإِنَّمَا يَتَخَلَّفُ اسْتِلْزَامُهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ.
وَتَنَازَعَ أَهْلُ الْجَدَلِ هَلْ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي ذِكْرِ الدَّلِيلِ لِتَبْيِينِ الْمُعَارِضِ جُمْلَةً أَوْ تَفْصِيلًا حَيْثُ يُمْكِنُ التَّفْصِيلُ أَوْ لَا يَتَعَرَّضُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا أَوْ يَتَعَرَّضُ لِتَبْيِينِهِ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا.
وَهَذِهِ أُمُورٌ وَضْعِيَّةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَصْطَلِحُ عَلَيْهَا النَّاسُ لِلتَّعْبِيرِ عَمَّا فِي أَنْفُسِهِمْ لَيْسَتْ حَقَائِقَ ثَابِتَةً فِي أَنْفُسِهَا لِأُمُورِ مَعْقُولَةٍ تَتَّفِقُ فِيهَا الْأُمَمُ كَمَا يَدَّعِيهِ هَؤُلَاءِ فِي مَنْطِقِهِمْ.
بَلْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْعِلَّةَ وَالدَّلِيلَ يُرَادُ بِهِ هَذَا أَوْ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ جَعْلِ هَؤُلَاءِ الدَّلِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ فَإِنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِعَدَدِ دُونَ عَدَدٍ بِلَا مُوجِبٍ وَأُولَئِكَ

لَحَظُوا صِفَاتٍ ثَابِتَةً فِي الْعِلَّةِ وَالدَّلِيلِ.
وَهُوَ وَصْفُ التَّمَامِ أَوْ مُجَرَّدُ الِاقْتِضَاءِ فَكَانَ مَا اعْتَبَرَهُ أُولَئِكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَالْعَقْلِ مِمَّا اعْتَبَرَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَرْجِعُوا إلَّا إلَى مُجَرَّدِ التَّحَكُّمِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْعُقَلَاءُ الْعَارِفُونَ يَصِفُونَ مَنْطِقَهُمْ بِأَنَّهُ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَضَعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْيُونَانِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعُقَلَاءُ؛ وَلَا طَلَبُ الْعُقَلَاءِ لِلْعِلْمِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَمَا لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى التَّعْبِيرِ بِلُغَاتِهِمْ مِثْلَ: فيلاسوفيا؛ وسوفسطيقا وأنولوطيقا وأثولوجيا وقاطيغورياس وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ لُغَاتِهِمْ الَّتِي يُعَبِّرُونَ بِهَا عَنْ مَعَانِيهِمْ فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ سَائِرَ الْعُقَلَاءِ مُحْتَاجُونَ إلَى هَذِهِ اللُّغَةِ.
لَا سِيَّمَا مَنْ كَرَّمَهُ اللَّهُ بِأَشْرَفِ اللُّغَاتِ الْجَامِعَةِ لِأَكْمَلِ مَرَاتِبِ الْبَيَانِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَا تَتَصَوَّرُهُ الْأَذْهَانُ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَكْمَلِ تَعْرِيفٍ.
وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَبُو سَعِيدٍ السيرافي فِي مُنَاظَرَتِهِ الْمَشْهُورَةِ " لمتى " الْفَيْلَسُوفِ؛ لَمَّا أَخَذَ " متى " يَمْدَحُ الْمَنْطِقَ وَيَزْعُمُ احْتِيَاجَ الْعُقَلَاءِ إلَيْهِ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَأَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَدْعُو إلَى تَعَلُّمِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ فِطْرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى اصْطِلَاحٍ خَاصٍّ بِخِلَافِ اللُّغَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعَلُّمِ؛ وَلِهَذَا كَانَ تَعَلُّمُ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَلَيْهَا فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ بِخِلَافِ الْمَنْطِقِ.

وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ تَعَلُّمَ الْمَنْطِقِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ أَوْ إنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِالشَّرْعِ وَجَهْلِهِ بِفَائِدَةِ الْمَنْطِقِ.
وَفَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَرَفُوا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَيُكْمِلُ عِلْمَهُمْ وَإِيمَانَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ الْمَنْطِقُ الْيُونَانِيُّ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يُوثَقُ بِالْعِلْمِ إنْ لَمْ يُوزَنْ بِهِ أَوْ يُقَالُ إنَّ فِطَرَ بَنِي آدَمَ فِي الْغَالِبِ لَمْ تَسْتَقِمْ إلَّا بِهِ فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ لَا نَقُولُ إنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ بَلْ إلَى الْمَعَانِي الَّتِي تُوزَنُ بِهَا الْعُلُومُ.
قِيلَ لَا رَيْبَ أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْمَعْلُومَاتِ؛ وَالنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يَزِنُوا مَا جَهِلُوهُ بِمَا عَلِمُوهُ وَهَذَا مِنْ الْمَوَازِينِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ وَقَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ . وَهَذَا مَوْجُودٌ عِنْدَ أُمَّتِنَا وَغَيْرِ أُمَّتِنَا؛ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِمَنْطِقِ الْيُونَانِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْأُمَمَ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى الْمَعَانِي الْمَنْطِقِيَّةِ الَّتِي عَبَّرُوا عَنْهَا بِلِسَانِهِمْ؛ وَهُوَ كَلَامُهُمْ فِي الْمَعْقُولَاتِ الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّ " مَوْضُوعَ الْمَنْطِقِ " هُوَ الْمَعْقُولَاتُ مِنْ حَيْثُ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى عِلْمِ مَا لَمْ يُعْلَمْ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ - الْمَعْقُولَاتِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ النِّسَبُ الثَّانِيَةُ لِلْمَاهِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُطْلَقَةٌ عَرَضَ لَهَا إنْ كَانَتْ مُوصِلَةً إلَى تَحْصِيلِ مَا لَيْسَ بِحَاصِلِ أَوْ مُعِينَةً فِي ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهٍ جُزْئِيٍّ بَلْ عَلَى قَانُونٍ كُلِّيٍّ وَيَدَّعُونَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْطِقِ يَنْظُرُ فِي جِنْسِ الدَّلِيلِ؛ كَمَا

أَنَّ صَاحِبَ أُصُولِ الْفِقْهِ يَنْظُرُ فِي الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَمَرْتَبَتِهِ فَيُمَيِّزُ مَا هُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَمَا لَيْسَ بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ.
وَيَنْظُرُ فِي مَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ حَتَّى يُقَدِّمَ الرَّاجِحَ عَلَى الْمَرْجُوحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْطِقِ يَنْظُرُ فِي الدَّلِيلِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الشَّرْعِيِّ؛ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ مَا هُوَ دَلِيلٌ وَمَا لَيْسَ بِدَلِيلِ؛ وَيَدَّعُونَ أَنَّ نِسْبَةَ مَنْطِقِهِمْ إلَى الْمَعَانِي؛ كَنِسْبَةِ الْعَرُوضِ إلَى الشِّعْرِ وَمَوَازِينِ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَمْوَالِ؛ وَمَوَازِينِ الْأَوْقَاتِ إلَى الْأَوْقَاتِ؛ وَكَنِسْبَةِ الذِّرَاعِ إلَى الْمَذْرُوعَاتِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُقَلَاءِ إنَّهُ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ مَنْطِقَهُمْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَغَيْرِ الدَّلِيلِ؛ لَا فِي صُورَةِ الدَّلِيلِ وَلَا فِي مَادَّتِهِ؛ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ تُوزَنَ بِهِ الْمَعَانِي؛ بَلْ وَلَا يَصِحُّ وَزْنُ الْمَعَانِي بِهِ؛ بَلْ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ أَكْذَبِ الدَّعَاوَى.
وَالْكَلَامُ مَعَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَعَانِي الَّتِي وَضَعُوهَا فِي الْمَنْطِقِ وَزَعَمُوا أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ الْمَطْلُوبَةَ لَا تُنَالُ إلَّا بِهَا.
وَالتَّصْدِيقَاتُ الْمَطْلُوبَةُ لَا تُنَالُ إلَّا بِهَا.
فَذَكَرُوا لِمَنْطِقِهِمْ " أَرْبَعَ دَعَاوَى ": دَعْوَتَانِ سَالِبَتَانِ وَدَعْوَتَانِ مُوجَبَتَانِ.
ادَّعَوْا أَنَّهُ لَا تُنَالُ التَّصَوُّرَاتُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ فِيهِ مِنْ الطَّرِيقِ وَأَنَّ التَّصْدِيقَاتِ لَا تُنَالُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ فِيهِ مِنْ الطَّرِيقِ وَهَاتَانِ الدَّعْوَتَانِ مِنْ أَظْهَرِ الدَّعَاوَى كَذِبًا وَادَّعَوْا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الطَّرِيقِ يَحْصُلُ بِهِ تَصَوُّرُ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُتَصَوِّرَةً وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعَاوَى الثَّلَاثَةِ وَسَيَأْتِي

الْكَلَامُ عَلَى دَعْوَاهُمْ الرَّابِعَةِ الَّتِي هِيَ أَمْثَلُ مِنْ غَيْرِهَا وَهِيَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ بُرْهَانَهُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ التصديقي.
وَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعِلْمَ التصديقي أَوْ التصوري أَيْضًا لَا يُنَالُ بِدُونِهِ.
فَهُمْ ادَّعَوْا أَنَّ طُرُقَ الْعِلْمِ عَلَى عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ مَسْدُودَةٌ إلَّا مِنْ الطَّرِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوهُمَا مِنْ الْحَدِّ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقِيَاسِ.
وَادَّعَوْا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الطَّرِيقَتَيْنِ تُوصِلَانِ إلَى الْعُلُومِ الَّتِي يَنَالُهَا بَنُو آدَمَ بِعُقُولِهِمْ بِمَعْنَى أَنَّ مَا يُوصِلُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَمَا ذَكَرُوهُ آلَةٌ قَانُونِيَّةٌ بِهَا تُوزَنُ الطُّرُقُ الْعِلْمِيَّةُ وَيُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ الطَّرِيقِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ.
فَمُرَاعَاةُ هَذَا الْقَانُونِ تَعْصِمُ الذِّهْنَ أَنْ يَزِلَّ فِي الْفِكْرِ الَّذِي يُنَالُ بِهِ تَصَوُّرٌ أَوْ تَصْدِيقٌ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالُوهُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الدَّعَاوَى كَذِبٌ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ: فَلَا مَا نَفَوْهُ مِنْ طُرُقِ غَيْرِهِمْ كُلُّهَا بَاطِلٌ وَلَا مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ طُرُقِهِمْ كُلِّهَا حَقٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي طُرُقِهِمْ مَا هُوَ حَقٌّ كَمَا أَنَّ فِي طُرُقِ غَيْرِهِمْ مَا هُوَ بَاطِلٌ فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ يُصَنِّفُ كَلَامًا إلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ مَا هُوَ حَقٌّ.
فَمَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ الْحَقِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ مَا مَعَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا مَعَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْحَقِّ بَلْ وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ مِنْ الْعَرَبِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْحَقِّ أَكْثَرُ مِمَّا مَعَ

هَؤُلَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا مَعَهُمْ فِي مَجْمُوعِ فَلْسَفَتِهِمْ النَّظَرِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ لِلْأَخْلَاقِ وَالْمَنَازِلِ وَالْمَدَائِنِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْيُونَانُ مُشْرِكِينَ كُفَّارًا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ شَرًّا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ بِكَثِيرِ وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ دِينِ الْمَسِيحِ إلَيْهِمْ فَحَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْهُدَى وَالتَّوْحِيدِ مَا اسْتَفَادُوهُ مِنْ دِينِ الْمَسِيحِ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَتِهِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَكَانُوا مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
ثُمَّ لَمَّا غُيِّرَتْ مِلَّةُ الْمَسِيحِ صَارُوا فِي دِينٍ مُرَكَّبٍ مِنْ حَنِيفِيَّةٍ وَشِرْكٍ: بَعْضُهُ حَقٌّ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَسْلَافُهُمْ.
وَكَلَامُنَا هُنَا فِي " بَيَانِ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ " الَّذِينَ يَبْنُونَ ضَلَالَهُمْ بِضَلَالِ غَيْرِهِمْ فَيَتَعَلَّقُونَ بِالْكَذِبِ فِي الْمَنْقُولَاتِ وَبِالْجَهْلِ فِي الْمَعْقُولَاتِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ أَرِسْطُو وَزِيرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ وَزِيرَ الْإِسْكَنْدَرِ وَذُو الْقَرْنَيْنِ يُقَالُ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ.
وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِمْ؛ فَإِنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الَّذِي وُزِرَ لَهُ أَرِسْطُو هُوَ ابْنُ فَيَلْبَس الْمَقْدُونِيِّ.
الَّذِي يُؤَرَّخُ لَهُ تَارِيخُ الرُّومِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهُوَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى أَرْضِ الْقُدْسِ لَمْ يَصِلْ إلَى السَّدِّ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ أَخْبَارَهُ وَكَانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ.
وَكَذَلِكَ أَرِسْطُو وَقَوْمُهُ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَكَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى هَذَا وَمَنْ يُسَمِّيهِ الْإِسْكَنْدَرَ يَقُولُ: هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ دَارًا.

وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ إنَّمَا رَاجُو عَلَى أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ " كَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ " الَّذِينَ رَكَّبُوا مَذْهَبَهُمْ مِنْ فَلْسَفَةِ الْيُونَانِ وَدِينِ الْمَجُوس وَأَظْهَرُوا الرَّفْضَ وَكَجُهَّالِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا ينفقون فِي دَوْلَةٍ جَاهِلِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إمَّا كُفَّارًا وَإِمَّا مُنَافِقِينَ كَمَا نَفَّقَ مَنْ نَفَّقَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْمَلَاحِدَةِ.
ثُمَّ نَفَّقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ التُّرْكُ.
وَكَذَلِكَ إنَّمَا ينفقون دَائِمًا عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَكَلَامُنَا الْآنَ فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدَّلِيلِ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ وَقَدْ عُلِمَ ضَعْفُهُ.
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَاتٍ وَقَدْ تَكْفِي فِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَاحِدَةٌ قَالُوا: إنَّهُ رُبَّمَا أُدْرِجَ فِي الْقِيَاسِ قَوْلٌ زَائِدٌ: أَيْ مُقَدِّمَةٌ ثَالِثَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ لِغَرَضِ فَاسِدٍ أَوْ صَحِيحٍ كَبَيَانِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَيُسَمُّونَهُ الْمُرَكَّبَ.
قَالُوا: وَمَضْمُونُهُ أَقْيِسَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ - سِيقَتْ لِبَيَانِ أَكْثَرَ مِنْ مَطْلُوبٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا - بِالذَّاتِ لَيْسَ إلَّا وَاحِدًا.
قَالُوا: وَرُبَّمَا حُذِفَتْ إحْدَى الْمُقَدِّمَاتِ إمَّا لِلْعِلْمِ بِهَا أَوْ لِغَرَضِ فَاسِدٍ وَقَسَّمُوا الْمُرَكَّبَ إلَى مَفْصُولٍ وَمَوْصُولٍ.
فَيُقَالُ هَذَا اعْتِرَافٌ مِنْكُمْ بِأَنَّ مِنْ الْمَطَالِبِ مَا يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَاتٍ وَمَا يَكْفِي فِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَاتٍ هُوَ فِي مَعْنَى

أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
فَيُقَالُ لَكُمْ: إذَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ وَاحِدٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ فِي مَعْنَى أَقْيِسَةٍ كُلُّ قِيَاسٍ لِبَيَانِ مُقَدِّمَةٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ.
فَقُولُوا إنَّ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ هُوَ مُقَدِّمَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ.
فَإِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ.
وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ.
فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ أَوْ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ إلَّا بِوَسَطِ بَيْنَهُمَا هُوَ الدَّلِيلُ فَاَلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ هُوَ مُقَدِّمَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَقَدْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا دَعْوَى الْحَاجَةِ إلَى الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ الْمُقَدِّمَتَانِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَطَالِبِ فَهُوَ كَدَعْوَى الِاحْتِيَاجِ فِي بَعْضِهَا إلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ وَأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ؛ لِلِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَطَالِبِ وَلَيْسَ تَقْدِيرُ عَدَدٍ بِأَوْلَى مِنْ عَدَدٍ.
وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ حَذْفِ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِوُضُوحِهَا أَوْ لِتَغْلِيطِ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي حَذْفِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.
وَمَنْ احْتَجَّ عَلَى مَسْأَلَةٍ بِمُقَدِّمَةٍ لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِبَيَانِ الْمَطْلُوبِ أَوْ مُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ لَا تَكْفِي.
طُولِبَ بِالتَّمَامِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ كِفَايَةٌ.
وَإِذَا ذُكِرَتْ الْمُقَدِّمَاتُ مُنِعَ مِنْهَا مَا يَقْبَلُ الْمَنْعَ وَعُورِضَ مِنْهَا مَا يَقْبَلُ الْمُعَارَضَةَ حَتَّى يَتِمَّ الِاسْتِدْلَالُ فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ الدَّلِيلَ عَلَى تَحْرِيمِ شَرَابٍ خَاصٍّ قَالَ: هَذَا حَرَامٌ فَقِيلَ لَهُ لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ نَبِيذٌ مُسْكِرٌ فَهَذِهِ

جارٍ التحميل