كِتَابُ النِكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الْآيَةَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ وَاَلَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ﴿يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حِجْرِهِ حَيْثُ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْحَالِ.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا فِي إكْمَالِ الصَّدَاقِ؛ وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبًا عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ رَغِبُوا عَنْهَا؛ وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ.
قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حَتَّى يَرْغَبُوا عَنْهَا؛ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إذَا رَغِبُوا فِيهَا؛ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا مِنْ الصَّدَاقِ.
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُمْ أَنَّ يُزَوِّجُوا الْيَتَامَى مِنْ النِّسَاءِ إذَا فَرَضُوا لَهُنَّ صَدَاق مِثْلِهِنَّ؛ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي تَزْوِيجِهِنَّ بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ؛ وَدَلَائِلَ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ.
ثُمَّ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ جَوَّزُوا إنْكَاحَهَا لَهُمْ قَوْلَانِ: " أَحَدُهُمَا " وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِدُونِ إذْنِهَا؛ وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ.
و " الثَّانِي " وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {تُسْتَأْذَنُ
الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا؛ فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا؛ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا} رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ؛ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا﴾ . فَهَذِهِ السُّنَّةُ نَصٌّ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا تُزَوَّجُ؛ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهَا لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَبْلُغَ فَلَا تَصِيرُ " يَتِيمَةً ". وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ صَرِيحٌ فِي دُخُولِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي ذَلِكَ؛ إذْ الْبَالِغَةُ الَّتِي لَهَا أَمْرٌ فِي مَالِهَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرْضَى بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَحَقِيقَتُهُ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنَّ سُمِّيَ صَاحِبُهُ يَتِيمًا مَجَازًا فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ.
وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْيَتِيمَةِ الْبَالِغَةَ دُونَ الَّتِي لَمَّ تَبْلُغْ: فَهَذَا لَا يَسُوغُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بِحَالِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ بِنْتٍ يَتِيمَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبٌ؛ وَلَا لَهَا وَلِيٌّ إلَّا أَخُوهَا وَسِنُّهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ تَبْلُغْ الْحُلُمَ؛ وَقَدْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَخُوهَا بِإِذْنِهَا: فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
هَذَا الْعَقْدُ صَحِيحٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد الْمَنْصُوصِ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ أَجْوِبَتِهِ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
لَكِنَّ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ يَقُولُ: إذَا زُوِّجَتْ بِإِذْنِهَا وَإِذْنِ أَخِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ إذَا
بَلَغَتْ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ يَقُولُ: تُزَوَّجُ بِلَا إذْنِهَا وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ.
وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا.
ثُمَّ عَنْهُ رِوَايَةٌ: إنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى نِكَاحِهَا وَمِثْلُهَا يُوطَأُ جَازَ.
وَقِيلَ: تُزَوَّجُ وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ.
وَالْقَوْلُ " الثَّالِثُ " وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَبْلُغَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَجَدٌّ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ يَجْبُرُ وَفِي نَفْسِهَا لَا إذْنَ لَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ فَتَعَذَّرَ تَزْوِيجُهَا بِإِذْنِهَا وَإِذْنِ وَلَيِّهَا.
و " الْقَوْلُ الْأَوَّلُ " أَصَحُّ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِين مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلَيِّهَا فَإِنْ كَانَ لَهَا مَالٌ وَجَمَالٌ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُقْسِطْ فِي صَدَاقِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَنُهِيَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِ عَنْ نِكَاحِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يُفْتِيكُمْ وَنُفْتِيكُمْ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ.
فَقَدْ أَخْبَرَتْ
عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلَيِّهَا وَأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا إذَا أَقْسَطَ فِي صَدَاقِهَا وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهَا فِي حِجْرِهِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهَا.
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا﴾ فَيَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِإِذْنِهَا وَمَنْعُهُ بِدُونِ إذْنِهَا.
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ﴾ وَلَوْ أُرِيدُ " بِالْيَتِيمِ " مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ: فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعُمَّ مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَمَا بَعْدَهُ.
أَمَّا تَخْصِيصُ لَفْظِ " الْيَتِيمِ " بِمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ بِحَالِ؛ وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ يَصِحُّ لَفْظُهُ مَعَ إذْنِ وَلِيِّهِ كَمَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَكَمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الْآيَةَ.
فَأَمَرَ بِالِابْتِلَاءِ قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ وَذَلِكَ قَدْ لَا يَأْتِي إلَّا بِالْبَيْعِ - وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ وَتَدْبِيرُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - وَكَذَلِكَ إسْلَامُهُ؛ كَمَا يَصِحُّ صَوْمُهُ وَصَلَاتُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ.
فَإِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بِإِذْنِهَا مِنْ كُفُؤٍ جَازَ وَكَانَ هَذَا تَصَرُّفًا بِإِذْنِهَا وَهُوَ مَصْلَحَةٌ لَهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ مُصَحِّحٌ لِتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ بِنْتٍ دُونَ الْبُلُوغِ وَحَضَرَ مَنْ يَرْغَبُ فِي تَزْوِيجِهَا: فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَ الْخَاطِبُ لَهَا كُفُؤًا جَازَ تَزْوِيجُهَا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تُزَوَّجُ بِلَا أَمْرِهَا وَلَهَا الْخِيَارُ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَد.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ؛ إذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ زُوِّجَتْ بِإِذْنِهَا وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَغَيْرُهُمَا.
وَتَزْوِيجُ " الْيَتِيمَةِ " ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِين مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي يَرْغَبُ وَلِيُّهَا أَنْ يَنْكِحَهَا إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ وَلَا يَنْكِحَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ حَتَّى يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي الصَّدَاقِ.
فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُنْكِحَ الْيَتِيمَةَ؛ إذَا أَصْدَقَهَا صَدَاقَ الْمِثْلِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ يَتِيمَةً صَغِيرَةً وَعَقَدَ عَقْدَهَا الشَّافِعِيُّ الْمَذْهَبِ وَلَمْ تُدْرِكْ إلَّا بَعْدَ الْعَقْدِ بِشَهْرَيْنِ: فَهَلْ هَذَا الْعَقْدُ جَائِزٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا " الْيَتِيمَةُ " الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ قَبْلُ لَا يُجْبِرُهَا عَلَى تَزْوِيجِهَا غَيْرُ الْأَبِ.
وَالْجَدِّ.
وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالسُّلْطَانِ الَّذِي هُوَ الْحَاكِمُ أَوْ نُوَّابِ الْحَاكِمِ فِي الْعُقُودِ: لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
" أَحَدُهَا " لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ؛ وَالْإِمَامُ أَحْمَد فِي رِوَايَةٍ.
" وَالثَّانِي " يَجُوزُ النِّكَاحُ بِلَا إذْنِهَا وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد.
و " الثَّالِثُ " أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا؛ وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَد.
فَهَذِهِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَلَوْ زَوَّجَهَا حَاكِمٌ يَرَى ذَلِكَ: فَهَلْ يَكُونُ تَزْوِيجَهُ
حُكْمًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ؟ أَوْ يَفْتَقِرُ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِهِ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
لَكِنَّ الْحَاكِمَ الْمُزَوِّجَ هنا شَافِعِيٌّ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَلَّدَ قَوْلَ مَنْ يُصَحِّحُ هَذَا النِّكَاحَ وَرَاعَى سَائِرَ شُرُوطِهِ وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ: جَازَ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقْدَمَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ جَائِزٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَنَّهَا بَالِغًا فَزَوَّجَهَا فَكَانَتْ غَيْرَ بَالِغٍ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ قَدْ زَوَّجَهَا؛ وَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ صَغِيرَةً فَرَبَّاهَا فَلَمَّا بَلَغَتْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لَهُ وَرُزِقَ مِنْهَا أَوْلَادًا؛ ثُمَّ وُجِدَ لَهَا أَخٌ بَعْدَ ذَلِكَ: فَهَلْ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحٌ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ لَهَا أَخٌ غَائِبٌ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ حِينَئِذٍ لَهَا أَخٌ لِكَوْنِهَا ضَاعَتْ مِنْ أَهْلِهَا حِينَ صِغَرِهَا إلَى مَا بَعْدَ النِّكَاحِ: لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ الْمَذْكُورُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ بِنْتٍ يَتِيمَةٍ وَقَدْ طَلَبَهَا رَجُلٌ وَكِيلٌ عَلَى جِهَاتِ الْمَدِينَةِ وَزَوْجُ أُمِّهَا كَارِهٌ فِي الْوَكِيلِ.
فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا عَمُّهَا وَأَخُوهَا بِلَا إذْنٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْمَرْأَةُ الْبَالِغُ لَا يُزَوِّجُهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ بِغَيْرِ إذْنِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَلْ وَكَذَلِكَ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَبُ إلَّا بِإِذْنِهَا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ فِي أَصَحِّهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي؟ قَالَ: إذْنُهَا صُمَاتُهَا﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا﴾ وَأَمَّا الْعَمُّ وَالْأَخُ فَلَا يُزَوِّجَانِهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَإِذَا رَضِيَتْ رَجُلًا وَكَانَ كُفُؤًا لَهَا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهَا - كَالْأَخِ ثُمَّ الْعَمِّ - أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ فَإِنْ عَضَلَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ مِنْهُ أَوْ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى نِكَاحِ مَنْ لَا تَرْضَاهُ؛ وَلَا يَعْضُلُهَا عَنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْضَاهُ إذَا كَانَ كُفُؤًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ وَإِنَّمَا يُجْبِرُهَا وَيَعْضُلُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَالظَّلَمَةُ الَّذِينَ يُزَوِّجُونَ نِسَاءَهُمْ لِمَنْ يَخْتَارُونَهُ لِغَرَضِ؛ لَا لِمَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ وَيُكْرِهُونَهَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُخْجِلُونَهَا حَتَّى تَفْعَلَ.
وَيَعْضُلُونَهَا عَنْ نِكَاحِ مَنْ يَكُونُ كُفُؤًا لَهَا لِعَدَاوَةِ
أَوْ غَرَضٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَهُوَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ النِّسَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ؛ لَا فِي أَهْوَائِهِمْ كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْوُكَلَاءِ مِمَّنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ مَصْلَحَةَ مَنْ تَصَرَّفَ لَهُ لَا يَقْصِدُ هَوَاهُ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْأَمَانَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُؤَدَّى إلَى أَهْلِهَا فَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وَهَذَا مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ.
قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ﴾ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَعَدَتْ مَعَهُ أَيَّامًا وَجَاءَ أُنَاسٌ ادَّعَوْا أَنَّهَا فِي مِلْكِهِمْ وَأَخَذُوهَا مِنْ بَيْتِهِ وَنَهَبُوهُ؛ وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا: فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا وَهِيَ حَامِلٌ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ يَبِنْ لِلزَّوْجِ أَنَّهَا أَمَةٌ؛ بَلْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ وَظَنَّ أَنَّهَا حُرَّةٌ؛ وَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا حُرَّةٌ: فَهُوَ مَغْرُورٌ وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ؛ لَا رَقِيقٌ.
وَأَمَّا " النِّكَاحُ " فَبَاطِلٌ إذَا لَمْ يُجِزْهُ السَّيِّدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ صَحَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى؛ بَلْ يَحْتَاجُ
إلَى نِكَاحٍ جَدِيدٍ.
وَأَمَّا إنْ ظَهَرَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ: فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ؛ وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بَلْ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ رُدَّ إلَيْهِ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ تَزْوِيجِ الْمَمَالِيكِ بِالْجَوَارِي مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ إذَا كَانُوا لِمَالِكِ وَاحِدٍ؟ وَمَنْ يَعْقِدُ طَرَفَيْ النِّكَاحَ فِي الطَّرَفَيْنِ لَهُمَا؟ وَلِأَوْلَادِهِمَا؟ وَهَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهِنَّ؟
فَأَجَابَ:
تَزْوِيجُ الْمَمَالِيكِ بِالْإِمَاءِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانُوا لِمَالِكِ وَاحِدٍ أَوْ لِمَالِكَيْنِ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى الرِّقِّ.
وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ.
وَاَلَّذِي يُزَوِّجُ الْأَمَةَ سَيِّدُهَا أَوْ وَكِيلُهُ.
وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَهُوَ يَقْبَلُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا أَوْ يَقْبَلُ لَهُ وَكِيلُهُ.
وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَسَيِّدُهُ يَقْبَلُ لَهُ.
فَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ لَهُ قَالَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ: زَوَّجْت مَمْلُوكِي فُلَانٌ بِأَمَتِي فُلَانَةٍ وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ الْبَالِغُ: فَهَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيُكْرِهَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ " أَحَدُهُمَا " لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
" وَالثَّانِي " يُجْبِرُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَالْأَمَةُ فِي الْمَمْلُوكِ الصَّغِيرِ يُزَوِّجُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا " الْأَوْلَادُ " فَهُمْ تَبَعٌ لِأُمِّهِمْ فِي " الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ " وَهُمْ تَبَعٌ لِأَبِيهِمْ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَمَنْ كَانَ سَيِّدَ الْأُمِّ كَانَ أَوْلَادُهَا لَهُ سَوَاءً وُلِدُوا مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ زِنًا.
كَمَا أَنَّ الْبَهَائِمَ مِنْ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْحَمِيرِ إذَا نَزَا ذَكَرُهَا عَلَى أُنْثَاهَا كَانَ الْأَوْلَادُ لِمَالِكِ الْأُمِّ.
وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ مُعْتَقَةً أَوْ حُرَّةَ الْأَصْلِ وَالْأَبُ مَمْلُوكًا كَانَ الْأَوْلَادُ أَحْرَارًا.
وَأَمَّا " النَّسَبُ " فَإِنَّهُمْ يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبِيهِمْ.
وَإِذَا كَانَ الْأَبُ عَتِيقًا وَالْأُمُّ عَتِيقَةً كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إلَى مَوَالِي الْأَبِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَمْلُوكًا انْتَسَبُوا إلَى مَوَالِي الْأُمِّ فَإِنْ عَتَقَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ انْجَرَّ الْوَلَاءُ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمَنْ كَانَ مَالِكًا لِلْأُمِّ مَلَكَ أَوْلَادَهَا وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِالْبَنَاتِ مِنْ أَوْلَادِ إمَائِهِ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَمْتِعُ بِالْأُمِّ فَإِنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِبَنَاتِهَا؛ فَإِنْ اسْتَمْتَعَ بِالْأُمِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِبَنَاتِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ شَرِيفٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ بَالِغٌ لِرَجُلِ غَيْرِ شَرِيفٍ مَغْرِبِيٍّ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ بِالصَّلَاحِ بِرِضَا ابْنَتِهِ وَإِذْنِهَا وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا الْأَبُ بِالرِّضَا: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْعَقْدِ أَمْ لَا؟ مَعَ اسْتِمْرَارِ الزَّوْجَةِ بِالرِّضَا وَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَقَدَحَ قَادِحٌ فَأَشْهَدَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّ الرِّضَا وَالْإِذْنَ صَدَرَا مِنْهَا: فَهَلْ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ؟
فَأَجَابَ: لَا تَفْتَقِرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ إلَى الْإِشْهَادِ عَلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ النِّكَاحِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا وَجْهًا ضَعِيفًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ بَلْ قَالَ: إذَا قَالَ الْوَلِيُّ: أَذِنَتْ لِي جَازَ عَقْدُ النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ.
ثُمَّ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَنْكَرَتْ: فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ.
هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إذَا لَمْ تَأْذَنْ حَتَّى عُقِدَ النِّكَاحُ جَازَ وَتُسَمَّى: " مَسْأَلَةُ وَقْفِ الْعُقُودِ " كَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا تَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِ مَوَالِيهِ؛ فَهُوَ عَلَى هَذَا النِّزَاعِ.
أَمَّا " الْكَفَاءَةُ فِي النَّسَبِ " فَالنَّسَبُ مُعْتَبَرٌ عِنْد مَالِكٍ.
أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: فَهِيَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ فَإِذَا رَضُوا بِدُونِ كُفْءٍ جَازَ وَعِنْدَ أَحْمَد هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ فِرَاقِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ ابْنِهِ وَالزَّوْجُ فَاسِقٌ لَا يُصَلِّي وَخَوَّفُوهَا حَتَّى أَذِنَتْ فِي النِّكَاحِ وَقَالُوا: إنْ لَمْ تَأْذَنِي وَإِلَّا زَوَّجَك الشَّرْعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِك وَهُوَ الْآنَ يَأْخُذُ مَالَهَا؛ وَيَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا لِكَشْفِ حَالِهَا: كَأُمِّهَا وَغَيْرِهَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ لِلْعَمِّ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ بِغَيْرِ كُفْءٍ إذَا لَمْ تَكُنْ رَاضِيَةً بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؛ بَلْ لَوْ رَضِيَتْ هِيَ بِغَيْرِ كُفْءٍ كَانَ لِوَلِيِّ آخَرَ غَيْرَ الْمُزَوِّجِ أَنْ يَفْسَخَ النِّكَاحَ؛ وَلَيْسَ لِلْعَمِّ أَنْ يُكْرِهَ الْمَرْأَةَ الْبَالِغَةَ عَلَى النِّكَاحِ بِكُفْءِ.
فَكَيْفَ إذَا أَكْرَهَهَا عَلَى التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ بَلْ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِمَنْ تَرْضَاهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا قَالَ لَهَا: إنْ لَمْ تَأْذَنِي وَإِلَّا زَوَّجَك الشَّرْعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِك.
فَأَذِنَتْ بِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْإِذْنُ وَلَا النِّكَاحُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَا يُمَكِّنُ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ إجْبَارِ الصَّغِيرَةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي " الْأَبِ وَالْجَدِّ " فِي الْكَبِيرَةِ وَفِي الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا.
وَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحِ صَحِيحٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِمَا يَجِبُ لَهَا وَلَا يَتَعَدَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا.
وَمَا أَخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَكْشِفُ حَالَهَا إذَا اشْتَكَتْ بَلْ إمَّا أَنْ يُمَكِّنَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَكْشِفُ حَالَهَا: كَالْأُمِّ وَغَيْرِهَا.
وَإِمَّا أَنْ تُسَكَّنَ بِجَنْبِ جِيرَانٍ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّينُ يَكْشِفُونَ حَالَهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَبْدٌ وَقَدْ حَبَسَ نَفْسَهُ وَقَصَدَ الزَّوَاجَ: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
نَعَمْ لَهُ التَّزَوُّجُ عَلَى أَصْلِ مَنْ يُجْبِرُ السَّيِّدُ عَلَى تَزْوِيجِهِ كَمَذْهَبِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَزْوِيجَهُ كَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فَأَمَرَ بِتَزْوِيجِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ كَمَا أَمَرَ بِتَزْوِيجِ الْأَيَامَى.
وَتَزْوِيجُ الْأَمَةِ إذَا طَلَبَتْ النِّكَاحَ مِنْ كُفْءٍ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَاَلَّذِي يَأْذَنُ لَهُ فِي النِّكَاحِ مَالِكُ نِصْفَهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَنَاظِرُ النَّصِيبِ الْمُحْبَسِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ عَتِيقَةَ بَعْضِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الرَّقِيقَ مِنْ مَالِهِمْ وَمَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنِ مُعْتِقِهَا: فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا إذَا أَعْتَقَهَا مِنْ مَالِهَا عِتْقًا شَرْعِيًّا فَالْوِلَايَةُ لَهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَهِيَ الَّتِي تَرِثُهَا ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهَا مِنْ بَعْدِهَا.
وَأَمَّا تَزْوِيجُ هَذِهِ " الْعَتِيقَةِ " بِدُونِ إذْنِ الْمُعْتِقَةِ؟ فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ إذْنَ الْوَلِيِّ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَقُولُ بِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ يَصِحُّ عِنْدَهُ؛ لَكِنْ مَنْ يَشْتَرِطُ إذْنَ الْوَلِيِّ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد لَهُمْ قَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد " إحْدَاهُمَا " أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُعْتِقَةِ فَإِنَّهَا عَصَبَتُهَا.
وَعَلَى هَذَا: فَهَلْ لِلْمَرْأَةِ نَفْسِهَا أَنْ تُزَوِّجَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد.
و " الثَّانِي " أَنَّ تَزْوِيجَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْمُعْتِقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلِيَّةً لِنَفْسِهَا فَلَا تَكُونُ وَلِيَّةً لِغَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا عِنْدَهُمْ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهَا فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُ هَذِهِ الْمُعْتِقَةِ مَنْ يُزَوِّجُ مُعْتَقِهَا بِإِذْنِ الْعَتِيقَةِ: مِثْلُ أَخ الْمُعْتِقَةِ وَنَحْوِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ جَازَ؛ وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ كَانُوا أَهْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْوَلَاءُ لَهُمْ وَالْحَاكِمُ يُزَوِّجُهَا.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَة فَسُئِلَ عَنْ نَفَقَتِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: مِنْ الْجِهَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ شَيْءٌ فَأَبَى الْوَلِيُّ تَزْوِيجَهَا فَذَكَرَ الْخَاطِبُ أَنَّ فُقَهَاءَ الْحَنَفِيَّةِ جَوَّزُوا تَنَاوُلَ ذَلِكَ: فَهَلْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ فِي جَوَازِ تَنَاوُلِهِ مِنْ الْجِهَاتِ؟ وَهَلْ لِلْوَلِيِّ الْمَذْكُورِ دَفْعُ الْخَاطِبِ بِهَذَا السَّبَبِ مَعَ رِضَاءِ الْمَخْطُوبَةِ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا الْفُقَهَاءُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُفْتَى بِقَوْلِهِمْ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَوَازَ ذَلِكَ؛ وَلَكِنْ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ " السَّلْجُوقِيَّةِ " أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي " كِتَابِهِ " إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ " نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ الشَّهِيدُ التُّرْكِيُّ " قَدْ أَبْطَلَ جَمِيعَ الْوَظَائِفِ الْمُحْدَثَةِ بِالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ.
وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَكَانَ أَعْرَفَ النَّاسِ بِالْجِهَادِ.
وَهُوَ الَّذِي أَقَامَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ اسْتِيلَاءِ " الْإِفْرِنْجِ وَالْقَرَامِطَةِ " عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَنْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ حُكْمَهُ مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا سَائِغًا - لَا سِيَّمَا مَعَ حَاجَتِهِ - لَمْ يُجْعَلْ فَاسِقًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ بِكُلِّ حَالٍ فَالْوَلِيُّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مُوَلِّيَتَهُ مِمَّنْ يَتَنَاوَلُ مِثْلَ هَذَا الرِّزْقِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا؛ لَا سِيَّمَا أَنَّ رِزْقَهَا مِنْهُ فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ يُطْعِمُهَا مَنْ غَيْرِهِ أَوْ تَأْكُلُ هِيَ مَنْ غَيْرِهِ: فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُتَأَوِّلًا فِيمَا يَأْكُلُهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَأَقَامَ فِي صُحْبَةِ الزَّوْجَةِ سِنِينَ فَعَلِمَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجَةُ مَا الزَّوْجُ عَلَيْهِ: مِنْ النَّجَسِ وَالْفَسَادِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْأَيْمَانِ الْخَائِنَةِ فَبَانَتْ الزَّوْجَةُ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ: فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْإِقْدَامُ عَلَى تَزْوِيجِهِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إنَّ الْوَلِيَّ استتوب الزَّوْجَ مِرَارًا عَدِيدَةً وَنَكَثَ وَلَمْ يَرْجِعْ: فَهَلْ يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا لَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنَّ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاجِرٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا.
لَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ فَتُزَوَّجُ بِهِ إذَا كَانَ كُفُؤًا لَهَا وَهِيَ رَاضِيَةٌ بِهِ.
وَأَمَّا " نِكَاحُ التَّحْلِيلِ " فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى نِكَاحِ التَّحْلِيلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ " الرَّافِضَةِ " هَلْ تُزَوَّجُ؟
فَأَجَابَ:
الرَّافِضَةُ الْمَحْضَةُ هُمْ أَهْلُ أَهْوَاءٍ وَبِدَعٍ وَضَلَالٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ رافضي وَإِنْ تَزَوَّجَ هُوَ رافضية صَحَّ النِّكَاحُ إنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ تَتُوبَ وَإِلَّا فَتَرْكُ نِكَاحِهَا أَفْضَلُ لِئَلَّا تُفْسِدَ عَلَيْهِ وَلَدَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الرافضي وَمَنْ يَقُولُ لَا تَلْزَمُهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ: هَلْ يَصِحُّ نِكَاحُهُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؟ فَإِنْ تَابَ مِنْ الرَّفْضِ وَلَزِمَ الصَّلَاةَ حِينًا ثُمَّ عَادَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ: هَلْ يُقَرُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يُنْكِحَ مُوَلِّيَتَهُ رافضيا وَلَا مَنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ.
وَمَتَى زَوَّجُوهُ عَلَى أَنَّهُ سُنِّيٌّ فَصَلَّى الْخَمْسَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ رافضي لَا يُصَلِّي أَوْ عَادَ إلَى الرَّفْضِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ: فَإِنَّهُمْ يَفْسَخُونَ النِّكَاحَ.
بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ
قَاعِدَةٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ نَسَبًا وَصِهْرًا
سُئِلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ بَيَانِهَا مُخْتَصِرًا؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ " بِالنَّسَبِ " فَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ أَقَارِبِ الرَّجُلِ مِنْ النَّسَبِ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ إلَّا بَنَاتَ أَعْمَامِهِ؛ وَأَخْوَالِهِ وَعَمَّاتِهِ وَخَالَاتِهِ.
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ هُنَّ اللَّاتِي أَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ.
فَأَحَلَّ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّسَاءِ أَجْنَاسًا أَرْبَعَةً؛ وَلَمْ يَجْعَلْ خَالِصًا لَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إلَّا الْمَوْهُوبَةَ؛ الَّتِي تَهَبُ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ؛ فَجَعَلَ هَذِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَوْهُوبَةَ بِلَا مَهْرٍ وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
بَلْ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْتَحِلَّ بُضْعَ امْرَأَةٍ إلَّا مَعَ وُجُوبِ مَهْرٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهَا مَهْرًا: صَحَّ النِّكَاحُ وَوَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ إذَا دَخَلَ بِهَا؛ وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ لَهَا مَهْرٌ؛ بَلْ
لَهَا الْمُتْعَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ.
وَهِيَ " مَسْأَلَةُ ﴿بروع بِنْتِ وَاشِقٍ الَّتِي اُسْتُفْتِيَ عَنْهَا ابْنُ مَسْعُودٍ شَهْرًا ثُمَّ قَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي؛ فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ؛ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ: لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ أَشْجَعَ فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي بروع بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ مَا قَضَيْت بِهِ فِي هَذِهِ﴾ قَالَ عَلْقَمَةُ: فَمَا رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ فَرِحَ بِشَيْءِ كَفَرَحِهِ بِذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي أَجَابَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَتَنَازَعُوا فِي " النِّكَاحِ إذَا شُرِطَ فِيهِ نَفْيُ الْمَهْرِ " هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: " أَحَدُهُمَا " يَبْطُلُ النِّكَاحُ كَقَوْلِ مَالِكٍ.
و " الثَّانِي " يَصِحُّ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: هُوَ " نِكَاحُ الشَّغَارِ " الَّذِي أَبْطَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ نَفَى فِيهِ الْمَهْرَ وَجَعَلَ الْبُضْعَ مَهْرًا لِلْبُضْعِ.
وَهَذَا تَعْلِيلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ؛ وَهَذَا تَعْلِيلُ أَكْثَرِ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ.
وَالْآخَرُونَ: مِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ نِكَاحَ الشِّغَارِ كَأَبِي حَنِيفَةَ؛ وَقَوْلُهُ أَقْيَسُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ؛ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا نِكَاحَ الشِّغَارِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُبْطِلُهُ
وَيُعَلِّلُ الْبُطْلَانَ إمَّا بِدَعْوَى التَّشْرِيكِ فِي الْبُضْعِ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِلَلِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ.
" وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ " أَشْبَهُ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَتَنَازَعُوا أَيْضًا فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ مَعَ الْمَهْرِ بِلَفْظِ " التَّمْلِيكِ " و " الْهِبَةِ " وَغَيْرِهِمَا: فَجَوَّزَ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ؛ كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ نُصُوصُ أَحْمَد؛ وَكَلَامُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ.
وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَد كَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُمَا؛ وَلَمْ أَعْلَمِ أَحَدًا قَالَ هَذَا قَبْلَ ابْنِ حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِنِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَائِرَ مَا أَحَلَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالٌ لِأُمَّتِهِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فَلَمَّا أَحَلَّ امْرَأَةَ الْمُتَبَنِّي لَا سِيَّمَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ إحْلَالًا لِلْمُؤْمِنِينَ: دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِحْلَالَ لَهُ إحْلَالٌ لِأُمَّتِهِ وَقَدْ أَبَاحَ لَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ بَنَاتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْخَالِ وَالْخَالَاتِ وَتَخْصِيصُهُنَّ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا سِوَاهُنَّ؛ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أَيْ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ
اللَّاتِي أَحْلَلْنَاهُنَّ لَك وَهُنَّ الْمَذْكُورَاتُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فَدَخَلَ فِي " الْأُمَّهَاتِ " أُمُّ أَبِيهِ وَأُمُّ أُمِّهِ وَإِنْ عَلَتْ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَكَذَلِكَ دَخَلَ فِي " الْبَنَاتِ " بِنْتُ ابْنِهِ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنَتِهِ وَإِنْ سَفَلَتْ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.
وَكَذَلِكَ دَخَلَ فِي " الْأَخَوَاتِ " الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَبُ وَالْأُمِّ.
وَدَخَلَ فِي " الْعَمَّاتِ " و " الْخَالَاتِ " عَمَّاتُ الْأَبَوَيْنِ وَخَالَاتُ الْأَبَوَيْنِ.
وَفِي " بَنَاتِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ " وَلَدُ الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفُلْنَ فَإِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ أُصُولُهُ وَفُرُوعُهُ وَفُرُوعُ أُصُولِهِ الْبَعِيدَةِ؛ دُونَ بَنَاتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْخَالِ وَالْخَالَاتِ.
وَأَمَّا " الْمُحَرَّمَاتُ بِالصِّهْرِ " فَيَقُولُ: كُلُّ نِسَاءِ الصِّهْرِ حَلَالٌ لَهُ إلَّا أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ بِخِلَافِ الْأَقَارِبِ.
فَأَقَارِبُ الْإِنْسَانِ كُلُّهُنَّ حَرَامٌ؛ إلَّا أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ.
وَأُقَارِبُ الزَّوْجَيْنِ كُلُّهُنَّ حَلَالٌ؛ إلَّا أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ وَهُنَّ حَلَائِلُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُهُنَّ.
فَيَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أُصُولُ الْآخَرِ وَفُرُوعُهُ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُمُّ امْرَأَتِهِ؛ وَأُمُّ أُمِّهَا وَأَبِيهَا وَإِنْ عَلَتْ.
وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنْتُ امْرَأَتِهِ وَهِيَ الرَّبِيبَةُ وَبِنْتُ بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ وَبِنْتُ الرَّبِيبِ أَيْضًا حَرَامٌ؛ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا.
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا؛ وَامْرَأَةِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ.
فَهَؤُلَاءِ " الْأَرْبَعَةُ " هُنَّ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ وَكُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ
يَكُونُ أَقَارِبُ الْآخَرِ أَصْهَارًا لَهُ وَأَقَارِبُ الرَّجُلِ أَحْمَاءُ الْمَرْأَةِ؛ وَأَقَارِبُ الْمَرْأَةِ أَخْتَانُ الرَّجُلِ.
وَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ يَحْرُمْنَ بِالْعَقْدِ؛ إلَّا الرَّبِيبَةَ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ حَتَّى يَدْخُلَ بِأُمِّهَا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الشَّرْطَ إلَّا فِي الرَّبِيبَةِ وَالْبَوَاقِي أَطْلَقَ فِيهِنَّ التَّحْرِيمَ.
فَلِهَذَا قَالَ الصَّحَابَةُ: أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ.
وَعَلَى هَذَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا بَنَاتُ هَاتَيْنِ وَأُمَّهَاتُهُمَا فَلَا يَحْرُمْنَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ حَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ فَإِنَّ " الْحَلِيلَةَ " هِيَ الزَّوْجَةُ.
وَبِنْتُ الزَّوْجَةِ وَأُمُّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً؛ بِخِلَافِ الرَّبِيبَةِ فَإِنَّ وَلَدَ الرَّبِيبِ رَبِيبٌ؛ كَمَا أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدٌ وَكَذَلِكَ أُمُّ أُمِّ الزَّوْجَةِ أُمٌّ لِلزَّوْجَةِ وَبِنْتُ أُمِّ الزَّوْجَةِ لَمْ تَحْرُمْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ أُمًّا.
فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ: بَنَاتُ الْمُحَرَّمَاتِ مُحَرَّمَاتٌ؛ إلَّا بَنَاتُ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَحَلَائِلُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ.
فَجَعَلَ بِنْتَ الرَّبِيبَةِ مُحَرَّمَةً؛ دُونَ بَنَاتِ الثَّلَاثَةِ.
وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا.
وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمَا يَعْتَقِدُهُ نِكَاحًا فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَيَثْبُتُ فِيهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا أَعْلَمُ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ النِّكَاحُ بَاطِلًا عِنْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: مِثْلُ الْكَافِرِ إذَا تَزَوَّجَ نِكَاحًا مُحَرَّمًا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ هَذَا يَلْحَقُهُ فِيهِ النَّسَبُ وَتَثْبُتُ بِهِ الْمُصَاهَرَةُ.
فَيَحْرُمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُصُولُ الْآخَرِ وَفُرُوعُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ كُلُّ وَطْءٍ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ حَرَامًا وَهُوَ حَرَامٌ: مِثْلَ
مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا وَطَلَّقَهَا وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ لِخَطَئِهِ أَوْ لِخَطَأِ مَنْ أَفْتَاهُ فَوَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَجَاءَهُ وَلَدٌ: فَهُنَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ وَتَكُونُ هَذِهِ مَدْخُولًا بِهَا: فَتَحْرُمُ؛ وَإِنْ كَانَتْ لَهَا أُمٌّ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
فَالْكُفَّارُ إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ امْرَأَةً نِكَاحًا يَرَاهُ فِي دِينِهِ وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُهُ - كَمَا جَرَى لِلْعَرَبِ الَّذِينَ أَسْلَمَ أَوْلَادُهُمْ وَكَمَا يَجْرِي فِي هَذَا الزَّمَانِ كَثِيرًا - فَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ؛ وَإِنْ كَانَ نِكَاحُهَا فَاسِدًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
فَالنَّسَبُ يَتْبَعُ بِاعْتِقَادِ الْوَطْءِ لِلْحِلِّ؛ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ.
وَالْمُصَاهَرَةُ تَتْبَعُ النَّسَبَ.
فَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فَالْمُصَاهَرَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَكَذَلِكَ " حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ " يَتْبَعُ اعْتِقَادَ أَبِيهِ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي " النَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ " وَيَتْبَعُ أُمَّهُ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَيَتْبَعُ فِي الدِّينِ خَيْرَهُمَا دِينًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.
فَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحِ أَوْ زِنًا كَانَ وَلَدُهُ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا؛ وَإِنْ اشْتَرَاهَا مِمَّنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا أَوْ تَزَوَّجَهَا يَظُنُّهَا حُرَّةً فَهَذَا يُسَمَّى " الْمَغْرُورَ " وَوَلَدُهَا حُرٌّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَطَأُ مَنْ يَصِيرُ الْوَلَدُ بِوَطْئِهَا حُرًّا فَالنَّسَبُ وَالْحُرِّيَّةُ يَتْبَعُ اعْتِقَادَ الْوَاطِئِ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا؛ فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الزِّنَا الْمَحْضِ هَلْ يَنْشُرُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
التَّحْرِيمُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَالْجَوَازُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ سُرِّيَّةٌ بِكِتَابِ؛ ثُمَّ تُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ؛ وَلَهُ ابْنُ ابْنٍ وَقَدْ تَزَوَّجَ سُرِّيَّةَ جَدِّهِ الْمَذْكُورِ: فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُ سُرِّيَّةِ جَدِّهِ الَّتِي كَانَ يَطَؤُهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ وَلَا يَحِلُّ إبْقَاؤُهُ مَعَهَا؛ وَإِنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا تَحْرِيمُ " الْجَمْعِ " فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؛ وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا؛ وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا.
لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى؛ وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ بَيْنَ أَرْحَامِكُمْ﴾ . وَلَوْ رَضِيَتْ إحْدَاهُمَا بِنِكَاحِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ؛ فَإِنَّ الطَّبْعَ يَتَغَيَّرُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا {عَرَضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ:
لَسْت لَك بِمُخَلِّيَةِ وَأَحَقُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي فَقَالَ: إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي.
فَقِيلَ لَهُ: إنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّك نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي لَمَا حَلَّتْ لِي.
فَإِنَّهَا بِنْتُ أَخِي مِنْ الرِّضَاعِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا أَبَا سَلَمَةَ ثويبة أَمَةُ أَبِي لَهَبٍ فَلَا تَعْرِضُنَّ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ} وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
و" الضَّابِطُ " فِي هَذَا: أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرَّمٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأُخْرَى؛ لِأَجْلِ النَّسَبِ.
فَإِنَّ الرَّحِمَ الْمُحَرَّمَ لَهَا " أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ " حُكْمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَحُكْمَانِ مُتَنَازَعٌ فِيهِمَا فَلَا يَجُوزُ مِلْكُهُمَا بِالنِّكَاحِ وَلَا وَطْؤُهُمَا.
فَلَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ ذَاتَ رَحِمَهُ الْمُحَرَّمِ؛ وَلَا يَتَسَرَّى بِهَا.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُنَا يَحْرُمُ مِنْ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِنِكَاحِ؛ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ؛ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ النِّكَاحِ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛ وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا.
وَهَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُمَا؛ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّاهُمَا.
فَمَنْ حَرَّمَ جَمْعَهُمَا فِي النِّكَاحِ حَرَّمَ جَمْعَهُمَا فِي التَّسَرِّي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى الْأُخْتَيْنِ وَلَا الْأَمَةَ وَعَمَّتَهَا؛ وَالْأَمَةَ وَخَالَتَهَا.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَسَرَّى مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَسَبِ أَوْ رَضَاعٍ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْجَمْعِ فَتَوَقَّفَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِيهَا وَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ؛ وَحَرَّمَتْهُمَا
آيَةٌ وَظَنَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ قَدْ يَكُونُ كَتَحْرِيمِ الْعَدَدِ؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى مَا شَاءَ مِنْ الْعَدَدِ وَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِأَرْبَعِ.
فَهَذَا تَحْرِيمٌ عَارِضٌ وَهَذَا عَارِضٌ بِخِلَافِ تَحْرِيمِ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ؛ وَلِهَذَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِهَذَا وَلَا تَصِيرُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِذَلِكَ؛ بَلْ أُخْتُ امْرَأَتِهِ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ لَا يَخْلُو بِهَا وَلَا يُسَافِرُ بِهَا كَمَا لَا يَخْلُو بِمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِتَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْعَدَدِ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَطَعُوا بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالُوا: لِأَنَّ كُلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْآيَةِ بِمِلْكِ النِّكَاحِ حَرَّمَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَآيَةُ التَّحْلِيلِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إنَّمَا أُبِيحَ فِيهَا جِنْسُ الْمَمْلُوكَاتِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا مَا يُبَاحُ وَيَحْرُمُ مِنْ التَّسَرِّي كَمَا لَمْ يُذْكَرْ مَا يُبَاحُ وَيَحْرُمُ مِنْ الْمَمْهُورَاتِ وَالْمَرْأَةُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً وَمُحْرِمَةً وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً.
وَتَحْرِيمُ الْعَدَدِ كَانَ لِأَجْلِ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ فِي الْقِسْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أَيْ: لَا تَجُورُوا فِي الْقَسْمِ هَكَذَا قَالَ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ.
وَقَالُوا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
وَغَلِطَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَفْظًا وَمَعْنًى.
أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّهُ يُقَالُ: عَالَ يَعُولُ إذَا جَارَ.
وَعَالَ يُعِيلُ إذَا افْتَقَرَ.
وَأَعَالَ يُعِيلُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿تَعُولُوا﴾ لَمْ يَقُلْ: تُعِيلُوا.
وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّفَقَةِ وَالْعِيَالِ يَحْصُلُ بِالتَّسَرِّي كَمَا يَحْصُلُ بِالزَّوْجَاتِ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ أَبَاحَ
مِمَّا مَلَكَتْ الْيَمِينُ مَا شَاءَ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِ عَدَدٍ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَاتِ لَا يَجِبُ لَهُنَّ قَسْمٌ وَلَا يَسْتَحْقِقْنَ عَلَى الرَّجُلِ وَطْئًا؛ وَلِهَذَا يَمْلِكُ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا كَأُمِّ امْرَأَتِهِ وَبِنْتِهَا وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَلَوْ كَانَ عِنِّينًا أَوْ مُولِيًا لَمْ يَجِبْ أَنْ يُزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا.
وَالزَّوْجَاتُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ " وَخَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ " فَالْعَدْلُ الَّذِي يُطِيقُهُ عَامَّةُ النَّاسِ يَنْتَهِي إلَى الْأَرْبَعَةِ.
وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَوَّاهُ عَلَى الْعَدْلِ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ - عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ - وَهُوَ وُجُوبُ الْقَسْمِ عَلَيْهِ وَسُقُوطَ الْقَسْمِ عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَحَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِلَا مَهْرٍ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ " تَحْرِيمُ جَمْعِ الْعَدَدِ " إنَّمَا حَرُمَ لِوُجُوبِ الْعَدْلِ فِي الْقَسْمِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي الْمَمْلُوكَةِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَسَرَّى بِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ؛ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ دَفْعًا لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ بَيْنَهُمَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ بَيْنَ الْمَمْلُوكَتَيْنِ كَمَا يُوجَدُ فِي الزَّوْجَتَيْنِ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِالتَّسَرِّي حَصَلَ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّغَايُرِ مَا يَحْصُلُ إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ فَيُفْضِي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الشَّرْعِ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حُرْمَةٌ بِلَا نَسَبٍ أَوْ نَسَبٌ بِلَا حُرْمَةٍ.
فَالْأَوَّلُ مِثْلَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَةِ زَوْجِهَا.
كَمَا جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ امْرَأَةِ عَلِيٍّ وَابْنَتِهِ.
وَهَذَا يُبَاحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَحْرُمُ عَلَى الْأُخْرَى فَذَاكَ تَحْرِيمٌ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا بِالرَّحِمِ؛ وَالْمَعْنَى إنَّمَا كَانَ بِتَحْرِيمِ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ: مِثْلَ بِنْتِ الْعَمِّ وَالْخَالِ: فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَحِمًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَأَمَّا " الْحُكْمَانِ الْمُتَنَازَعُ فِيهِمَا " فَهَلْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ ذَا الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكٍ فَيَبِيعُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ؟ هَاتَانِ فِيهِمَا نِزَاعٌ وَأَقْوَالٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
" وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ " يَزُولُ بِزَوَالِ النِّكَاحِ فَإِذَا مَاتَتْ إحْدَى الْأَرْبَعِ أَوْ الْأُخْتَيْنِ أَوْ طَلَّقَهَا أَوْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا: كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَابِعَةً وَيَتَزَوَّجَ الْأُخْتَ الْأُخْرَى بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَزَوُّجُ الْأُخْرَى عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ رَوَى عبيدة السلماني قَالَ: لَمْ يَتَّفِقْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْخَامِسَةَ لَا تُنْكَحُ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ وَلَا تُنْكَحُ الْأُخْتُ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ بِمَنْزِلَةِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ لَكِنَّهَا صَائِرَةٌ إلَى الْبَيْنُونَةِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا زَوْجَةً كَمَا لَوْ أَحَالَهَا إلَى أَجَلٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فِي رَأْسِ الْحَوْلِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّ هَذِهِ صَائِرَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ
صُغْرَى؛ وَمَعَ هَذَا فَهِيَ زَوْجَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا قِيلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُعْطِيَهُ الْعِوَضَ الْمُعَلَّقَ بِهِ فَيَدُومُ النِّكَاحُ؟ قِيلَ: وَالرَّجْعِيَّةُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَيَدُومُ النِّكَاحُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تَلِدِي فِي هَذَا الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَكَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ عَلَى وَاحِدَةٍ فَهَاهُنَا هِيَ زَوْجَةٌ لَا يَزُولُ نِكَاحُهَا إلَّا إذَا انْقَضَى الشَّهْرُ وَلَمْ تَلِدْ وَإِنْ كَانَتْ صَائِرَةً إلَى بَيْنُونَةٍ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا تَنَازَعُوا فِي وَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ؟ وَأَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا: فَهَلْ يَتَزَوَّجُ الْخَامِسَةَ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ؟ وَالْأُخْتَ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَالْجَوَازُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَالتَّحْرِيمُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ قَوْمٍ يَتَزَوَّجُ هَذَا أُخْتَ هَذَا؛ وَهَذَا أُخْتَ هَذَا أَوْ ابْنَتَهُ وَكُلَّمَا أَنْفَقَ هَذَا أَنْفَقَ هَذَا؛ وَإِذَا كَسَا هَذَا كَسَا هَذَا وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَفِي الْإِرْضَاءِ وَالْغَضَبِ: إذَا رَضِيَ هَذَا رَضِيَ هَذَا وَإِذَا أَغْضَبَ هَذَا أَغْضَبَ الْآخَرَ: فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُمْسِكَ زَوْجَتَهُ بِمَعْرُوفِ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانِ؛ وَلَا لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجِ الْآخَرِ.
فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا؛ وَحَقُّهَا لَا يَسْقُطُ بِظُلْمِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ وَجَبَ إقَامَةُ الْحَقِّ عَلَيْهِ؛ وَلَمْ يَحِلَّ لِلْآخَرِ أَنْ يَظْلِمَ زَوْجَتَهُ لِكَوْنِهَا بِنْتًا لِلْأَوَّلِ.
وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ لِأَجْلِ ظُلْمِ الْآخَرِ فَيَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْعُقُوبَةَ؛ وَكَانَ لِزَوْجَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ تَطْلُبَ حَقَّهَا مِنْ زَوْجِهَا؛ وَلَوْ شَرَطَ هَذَا فِي النِّكَاحِ لَكَانَ هَذَا شَرْطًا بَاطِلًا مِنْ جِنْسِ " نِكَاحِ الشَّغَارِ " وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَه فَكَيْفَ إذَا زَوَّجَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَنْصَفَهَا أَنْصَفَ الْآخَرُ وَإِنْ ظَلَمَهَا ظَلَمَ الْآخَرُ زَوْجَتَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِخَالَةِ إنْسَانٍ وَلَهُ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَ بِهَا فَجَمَعَ بَيْنَ خَالَتِهِ وَابْنَتِهِ: فَهَلْ يَصِحُّ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَالَةَ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿نَهَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا﴾ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ خَالَةَ الْأَبِ وَخَالَةَ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ وَيَتَنَاوَلُ عَمَّةَ كُلٍّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَيْضًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أَبِيهَا وَلَا خَالَةِ أُمِّهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ جَمَعَ فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ بَيْنَ خَالَةِ رَجُلٍ وَابْنَةِ أَخ لَهُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ: فَهَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الْأُخْرَى هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ خَالَةِ أَبِيهَا؛ فَإِنَّ أَبَاهَا إذَا كَانَ أَخًا لِهَذَا الْآخَرِ مِنْ أُمِّهِ أَوْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ: كَانَتْ
خَالَةُ هَذَا خَالَةَ هَذَا؛ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَخَاهُ مِنْ أَبِيهِ فَقَطْ؛ فَإِنَّهُ لَا تَكُونُ خَالَةُ أَحَدِهِمَا خَالَةَ الْآخَرِ؛ بَلْ تَكُونُ عَمَّتَهُ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أَبِيهَا وَخَالَةِ أُمِّهَا أَوْ عَمَّةِ أَبِيهَا أَوْ عَمَّةِ أُمِّهَا: كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِهِمْ.
وَإِذَا تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى كَانَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلًا لَا يَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ وَلَا يَجِبُ بِعَقْدِهِ مَهْرٌ وَلَا مِيرَاثٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ بِهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَارَقَهَا كَمَا تُفَارَقُ الْأَجْنَبِيَّةُ فَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَ الثَّانِيَةَ فَارَقَ الْأُولَى فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَ الثَّانِيَةَ؛ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ الثَّانِي بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَمْ يَجُزْ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَجَازَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيّ.
فَإِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ بِلَا عِوَضٍ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُولَى بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَهَا فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُولَى الْمُطَلَّقَةُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْمَوْطُوءَةَ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: " أَحَدُهُمَا " يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
" وَالثَّانِي " لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَد الْقَوْلَانِ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا ثُمَّ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ.
فَهَلْ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ وَطْؤُهَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ اللَّه، لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ وَطْءِ أَبِيهِ وَالْحَالُ هَذِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَفِي السُّنَنِ ﴿عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْت خَالِي أَبَا بُرْدَةَ وَمَعَهُ رَايَتُهُ فَقُلْت: إلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ﴾ وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَطْئِهَا بِالنِّكَاحِ وَبَيْنَ وَطْئِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ مُدَّةٍ سَنَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِالْأُمِّ بَعْدَ طَلَاقِ الْبِنْتِ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ أُمِّ امْرَأَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعَةٌ لِوَلَدِهِ فَلَبِثَتْ مُطَلَّقَةً ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلِ آخَرَ فَلَبِثَتْ مَعَهُ دَوْرَةَ شَهْرٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَبِثَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَحِضْ؛ لَا فِي الثَّمَانِيَةِ الْأُولَى وَلَا فِي مُدَّةِ عِصْمَتِهَا مَعَ الرَّجُلِ الثَّانِي وَلَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا الْمُطَلِّقُ الْأَوَّلُ أَبُو الْوَلَدِ: فَهَلْ يَصِحُّ هَذَانِ الْعَقْدَانِ؟ أَوْ أَحَدُهُمَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي؛ بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ تَقْضِي عِدَّةَ الثَّانِي.
ثُمَّ بَعُدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُل تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ رُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا لَهُ مِنْ الْعُمْرِ سَنَتَانِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ لَمْ تَحِضْ إلَّا حَيْضَتَيْنِ وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ وَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثَانِيًا عَلَى هَذَا الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ: فَهَلْ يَجُوزُ الطَّلَاقُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ الْمَفْسُوخِ؟
فَأَجَابَ:
إنْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ فِي كَوْنِهَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ: فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي.
فَإِنْ كَانَتْ حَاضَتْ الثَّالِثَةَ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا الثَّانِي فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ثُمَّ إذَا فَارَقَهَا الثَّانِي اعْتَدَّتْ لَهُ ثَلَاثَ حِيَضٍ ثُمَّ تُزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ بِنِكَاحِ جَدِيدٍ وَوَلَدُهُ وَلَدُ حَلَالٍ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُلِدَ بِوَطْءِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ لَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ مُطَلَّقَةٍ ادَّعَتْ وَحَلَفَتْ أَنَّهَا قَضَتْ عِدَّتَهَا فَتَزَوَّجَهَا زَوْجٌ ثَانٍ ثُمَّ حَضَرَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى وَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
إذَا لَمْ تَحِضْ إلَّا حَيْضَتَيْنِ فَالنِّكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُصَدِّقًا لَهَا وَجَبَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا: فَتُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ بِحَيْضَةِ ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي عِدَّةً كَامِلَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا تَزَوَّجَهَا.
و
َسُئِلَ:
عَنْ امْرَأَةٍ بَانَتْ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ شَهْرٍ وَنِصْفٍ بِحَيْضَةِ وَاحِدَةٍ؟
فَأَجَابَ: تُفَارِقُ هَذَا الثَّانِيَ وَتُتِمُّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ بِحَيْضَتَيْنِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْتَدُّ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي بِثَلَاثِ حَيْضَاتٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَزَوَّجُهَا بِعَقْدِ جَدِيدٍ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ عَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَالِغًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يُصِبْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا شَخْصٌ آخَرُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يُصِبْهَا؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا: فَهَلْ يَجُوزُ لِلَّذِي طَلَّقَهَا أَوَّلًا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيَدْخُلُ بِهَا فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِنْتًا بِكْرًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ يُصِبْهَا: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا ثَانِيًا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
طَلَاقُ الْبِكْرِ ثَلَاثًا كَطَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَمَّنْ يَقُولُ: إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ تُبَاحُ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ وَمَنْ اسْتَحَلَّهَا بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ وَمَا صِفَةُ النِّكَاحِ الثَّانِي الَّذِي يُبِيحُهَا لِلْأَوَّلِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ مُثَابِينَ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ.
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إذَا وَقَعَ بِالْمَرْأَةِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِدُونِ زَوْجٍ ثَانٍ وَمَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَقَدْ كَذَبَ.
وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ أَوْ اسْتَحَلَّ وَطْأَهَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِدُونِ نِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ - مِثْلَ أَنْ يَكُونَ نَشَأَ بِمَكَانِ قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَ فِيهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ أَوْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ دِينَ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ أَوْ عَلَى اسْتِحْلَالِ هَذَا الْفِعْلِ: فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَأَمْثَالِهِ مِنْ
الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وُجُوبَ الْوَاجِبَاتِ وَتَحْرِيمَ الْمُحَرَّمَاتِ وَحِلَّ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي عُلِمَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْأُمَّةِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ نَبِيِّهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَظَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَمَنْ يَجْحَدُ وُجُوبَ " مَبَانِي الْإِسْلَامِ " مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحِجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ جَحَدَ " تَحْرِيمَ الظُّلْمِ وَأَنْوَاعِهِ " كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ أَوْ تَحْرِيمَ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِ " نِكَاحِ الْأَقَارِبِ " سِوَى بَنَاتِ الْعُمُومَةِ وَالْخُؤُولَةِ وَتَحْرِيمَ " الْمُحَرَّمَاتِ بِالْمُصَاهَرَةِ " وَهُنَّ أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُهُنَّ وَحَلَائِلُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ حِلَّ الْخُبْزِ.
وَاللَّحْمِ وَالنِّكَاحِ وَاللِّبَاسِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَتْ إبَاحَتُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ: فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِمَّا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ لَا سُنِّيُّهُمْ وَلَا بِدْعِيُّهُمْ.
وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ " مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ: كَتَنَازُعِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ فِي " الْحَرَامِ " هَلْ هُوَ طَلَاقٌ أَوْ يَمِينٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي " الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ " كَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَتَّةِ: هَلْ يَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ ثَلَاثٌ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي " الْمُولِي ": هَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يَفِ فِيهَا؟ أَمْ يُوقَفُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ؟ وَكَتَنَازُعِ الْعُلَمَاءِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ.
وَالْمُكْرَهُ وَفِي الطَّلَاقِ بِالْخَطِّ وَطَلَاقِ
الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَطَلَاقِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ وَطَلَاقِ الْحَكَمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجِ بِدُونِ تَوْكِيلِهِ.
كَمَا تَنَازَعُوا فِي بَذْلِ أَجْرِ الْعِوَضِ بِدُونِ تَوْكِيلِهَا.
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الْعُلَمَاءُ.
وَتَنَازَعُوا أَيْضًا فِي مَسَائِلِ " تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ " وَمَسَائِلِ " الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالنَّذْرِ " كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ الصَّدَقَةُ بِأَلْفِ.
وَتَنَازَعُوا أَيْضًا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ " الْأَيْمَانِ " مُطْلَقًا فِي مُوجَبِ الْيَمِينِ وَهَذَا كَتَنَازُعِهِمْ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ: هَلْ يَقَعُ أَوْ لَا يَقَعُ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ؟ أَوْ بَيْنَ مَا يَكُونُ فِيهِ مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ فِي نَوْعِ مِلْكٍ أَوْ غَيْرِ مِلْكٍ؟ وَتَنَازَعُوا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ بَعْدَ النِّكَاحِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
فَقِيلَ: يَقَعُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: لَا يَقَعُ.
وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُقْصَدُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ كَوْنِهِ وَبَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُقْصَدُ عَدَمُهُ.
وَعَدَمُ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ.
" فَالْأَوَّلُ " كَقَوْلِهِ: إنْ أعطيتيني أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
" وَالثَّانِي " كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ وَنِسَائِي طَوَالِقُ وَعَلَيَّ الْحَجُّ.
وَأَمَّا النَّذْرُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِي الْغَائِبَ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ الصَّدَقَةُ بِمِائَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ.
وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ؛ بَلْ مَقْصُودُهُ عَدَمُ الشَّرْطِ وَهُوَ حَالِفٌ بِالنَّذْرِ كَمَا إذَا قَالَ: لَا أُسَافِرُ وَإِنْ سَافَرْت
فَعَلَيَّ الصَّوْمُ أَوْ الْحَجُّ أَوْ الصَّدَقَةُ أَوْ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالصَّحَابَةُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ يَجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: كَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ أَبِي الْعُمَرِ وَغَيْرِهِمَا.
وَهَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ أَمْ يَجْزِيهِ الْوَفَاءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْوَفَاءُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِهِ.
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِحَالِ كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَابْنِ حَزْمٍ.
وَهَكَذَا تَنَازَعُوا عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْعِتَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ.
هَلْ يَقَعُ ذَلِكَ إذَا حَنِثَ أَوْ يَجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؛ بَلْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً؛ وَلَكِنْ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
" أَحَدُهُمَا " يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخِطَابَيْ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الَّذِي وَصَلَ إلَيْنَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ و " الثَّانِي " لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.