كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُحَدِّثُوا فِيهَا كَنِيسَةً؛ مِثْلَ مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا وَأَبْقَوْا لَهُمْ كَنَائِسَهُمْ الْقَدِيمَةَ؛ بَعْدَ أَنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً فِي أَرْضِ الصُّلْحِ فَكَيْفَ فِي مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ إذَا كَانَ لَهُمْ كَنِيسَةٌ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ كَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَبَنَى الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةً عَلَيْهَا فَإِنَّ لَهُمْ أَخْذَ تِلْكَ الْكَنِيسَةِ؛ لِئَلَّا تُتْرَكَ فِي مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ كَنِيسَةٌ بِغَيْرِ عَهْدٍ؛ فَإِنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ بِأَرْضِ وَلَا جِزْيَةٌ عَلَى مُسْلِمٍ﴾ . وَالْمَدِينَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْقَرْيَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ وَفِيهَا مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شَعَائِرِ الْكُفْرِ؛ لَا كَنَائِسَ؛ وَلَا غَيْرَهَا؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَهْدٌ فَيُوَفَّى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ.
فَلَوْ كَانَ بِأَرْضِ الْقَاهِرَةِ وَنَحْوِهَا كَنِيسَةٌ قَبْلَ بِنَائِهَا لَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ عَنْوَةٌ فَكَيْفَ وَهَذِهِ الْكَنَائِسُ مُحْدَثَةٌ أَحْدَثَهَا النَّصَارَى فَإِنَّ الْقَاهِرَةَ بَقِيَ وُلَاةُ أُمُورِهَا نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ؛ وَكَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ رَافِضَةٌ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ: إسْمَاعِيلِيَّةٌ ونصيرية وَقَرَامِطَةٌ بَاطِنِيَّةٌ كَمَا قَالَ فِيهِمْ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ.
وَاتَّفَقَ طَوَائِفُ الْمُسْلِمِينَ: عُلَمَاؤُهُمْ وَمُلُوكُهُمْ وَعَامَّتُهُمْ مِنْ
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا خَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ جَائِزًا؛ بَلْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ نَسَبَهُمْ كَانَ بَاطِلًا وَأَنَّ جَدَّهُمْ كَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ لَمْ يَكُنْ مِنْ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَصَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ.
وَشَهِدَ بِذَلِكَ مِثْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ القدوري إمَامِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإسفرائيني إمَامِ الشَّافِعِيَّةِ وَمِثْلِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى إمَامِ الْحَنْبَلِيَّةِ وَمِثْلِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ إمَامِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الطَّيِّبِ فِيهِمْ كِتَابًا فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَسَمَّاهُ " كَشْفَ الْأَسْرَارِ وَهَتْكُ الْأَسْتَارِ " فِي مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ.
وَاَلَّذِينَ يُوجَدُونَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ الإسْماعيليَّة وَالْنُصَيْرِيَّة وَالدُّرْزِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ.
وَهُمْ الَّذِينَ أَعَانُوا التَّتَارَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ وَزِيرُ هُولَاكُو " النَّصِيرَ الطوسي مِنْ أَئِمَّتِهِمْ.
وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَمُلُوكِهِمْ ثُمَّ الرَّافِضَةُ بَعْدَهُمْ.
فَالرَّافِضَةُ يُوَالُونَ مَنْ حَارَبَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةَ وَيُوَالُونَ التَّتَارَ وَيُوَالُونَ النَّصَارَى.
وَقَدْ كَانَ بِالسَّاحِلِ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَبَيْنَ الفرنج مُهَادَنَةٌ حَتَّى صَارَتْ الرَّافِضَةُ تَحْمِلُ إلَى قُبْرُصَ خَيْلَ الْمُسْلِمِينَ وَسِلَاحَهُمْ وَغِلْمَانَ السُّلْطَانِ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْجُنْدِ وَالصِّبْيَانِ.
وَإِذَا انْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التَّتَارِ أَقَامُوا الْمَآتِمَ وَالْحُزْنَ وَإِذَا انْتَصَرَ التَّتَارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا
الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ.
وَهُمْ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَى التَّتَارِ بِقَتْلِ الْخَلِيفَةِ وَقَتْلِ أَهْلِ بَغْدَادَ.
وَوَزِيرِ بَغْدَادَ ابْنِ العلقمي الرَّافِضِي هُوَ الَّذِي خَامَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَاتَبَ التَّتَارَ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ أَرْضَ الْعِرَاقِ بِالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَنَهَى النَّاسَ عَنْ قِتَالِهِمْ.
وَقَدْ عَرَفَ الْعَارِفُونَ بِالْإِسْلَامِ: أَنَّ الرَّافِضَةَ تَمِيلُ مَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ.
وَلَمَّا كَانُوا مُلُوكَ الْقَاهِرَةِ كَانَ وَزِيرُهُمْ مَرَّةً يَهُودِيًّا وَمَرَّةً نَصْرَانِيًّا أَرْمِينِيًّا وَقَوِيَتْ النَّصَارَى بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّصْرَانِيِّ الْأَرْمِينِيِّ وَبَنَوْا كَنَائِسَ كَثِيرَةً بِأَرْضِ مِصْرَ فِي دَوْلَةِ أُولَئِكَ الرَّافِضَةِ الْمُنَافِقِينَ وَكَانُوا يُنَادُونَ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ: مَنْ لَعَنَ وَسَبَّ فَلَهُ دِينَارٌ وَإِرْدَبٌّ.
وَفِي أَيَّامِهِمْ أَخَذَتْ النَّصَارَى سَاحِلَ الشَّامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى فَتَحَهُ نُورُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الدِّينِ.
وَفِي أَيَّامِهِمْ جَاءَتْ الفرنج إلَى بلبيس وَغَلَبُوا مِنْ الفرنج؛ فَإِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ وَأَعَانَهُمْ النَّصَارَى وَاَللَّهُ لَا يَنْصُرُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هُمْ يُوَالُونَ النَّصَارَى فَبَعَثُوا إلَى نُورِ الدِّينِ يَطْلُبُونَ النَّجْدَةَ فَأَمَدَّهُمْ بِأَسَدِ الدِّينِ وَابْنِ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ.
فَلَمَّا جَاءَتْ الْغُزَاةُ الْمُجَاهِدُونَ إلَى دِيَارِ مِصْرَ قَامَتْ الرَّافِضَةُ مَعَ النَّصَارَى فَطَلَبُوا قِتَالَ الْغُزَاةِ الْمُجَاهِدِينَ الْمُسْلِمِينَ وَجَرَتْ فُصُولٌ يَعْرِفُهَا النَّاسُ حَتَّى قَتَلَ صَلَاحُ الدِّينِ مُقَدِّمَهُمْ شَاوَرَ.
وَمِنْ حِينَئِذٍ ظَهَرَتْ بِهَذِهِ الْبِلَادِ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَصَارَ يُقْرَأُ فِيهَا أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْبُخَارِيِّ
وَمُسْلِمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُذْكَرُ فِيهَا مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ وَيَتَرَضَّى فِيهَا عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ وَإِلَّا كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ.
فِيهِمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَرْصُدُونَهَا وَفِيهِمْ قَوْمٌ زَنَادِقَةٌ دَهْرِيَّةٌ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ وَلَا يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَخَيْرُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ الرَّافِضَةُ وَالرَّافِضَةُ شَرُّ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْقِبْلَةِ.
فَبِهَذَا السَّبَبِ وَأَمْثَالِهِ كَانَ إحْدَاثُ الْكَنَائِسِ فِي الْقَاهِرَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ كَانَ فِي بَرِّ مِصْرَ كَنَائِسُ قَدِيمَةٌ؛ لَكِنْ تِلْكَ الْكَنَائِسِ أَقَرَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ؛ لِأَنَّ الْفَلَّاحِينَ كَانُوا كُلُّهُمْ نَصَارَى وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ؛ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْجُنْدُ خَاصَّةً وَأَقَرُّوهُمْ كَمَا أَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ عَلَى خَيْبَرَ لَمَّا فَتَحَهَا؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا فَلَّاحِينَ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ مُشْتَغِلِينَ بِالْجِهَادِ.
ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَغْنَوْا عَنْ الْيَهُودِ أَجْلَاهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خَيْبَرَ كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ﴾ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي خَيْبَرَ يَهُودِيٌّ.
وَهَكَذَا الْقَرْيَةُ الَّتِي يَكُونُ أَهْلُهَا نَصَارَى وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مُسْلِمُونَ وَلَا مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا أَقَرَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ الَّتِي فِيهَا جَازَ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ: وَأَمَّا إذَا سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ
وَبَنَوْا بِهَا مَسَاجِدَهُمْ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ بِأَرْضِ﴾ وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: ﴿لَا يَجْتَمِعُ بَيْتُ رَحْمَةٍ وَبَيْتُ عَذَابٍ﴾ . وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ كَثُرُوا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَعَمُرَتْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى صَارَ أَهْلُهَا بِقَدْرِ مَا كَانُوا فِي زَمَنِ صَلَاحِ الدِّينِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَصَلَاحِ الدِّينِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَا كَانُوا يُوَالُونَ النَّصَارَى وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَعْمِلُونَ مِنْهُمْ أَحَدًا فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا؛ وَلِهَذَا كَانُوا مُؤَيِّدِينَ مَنْصُورِينَ عَلَى الْأَعْدَاءِ مَعَ قِلَّةِ الْمَالِ وَالْعَدَدِ؛ وَإِنَّمَا قَوِيَتْ شَوْكَةُ النَّصَارَى وَالتَّتَارِ بَعْدَ مَوْتِ الْعَادِلِ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ أَعْطَاهُمْ بَعْضَ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ وَحَدَثَ حَوَادِثُ بِسَبَبِ التَّفْرِيطِ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ . فَكَانَ وُلَاةُ الْأُمُورِ الَّذِينَ يَهْدِمُونَ كَنَائِسَهُمْ وَيُقِيمُونَ أَمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ كَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهَارُونَ الرَّشِيدِ وَنَحْوِهِمَا: مُؤَيِّدِينَ مَنْصُورِينَ.
وَكَانَ الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ.
وَإِنَّمَا كَثُرَتْ الْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَفَرَّقُوا عَلَى مُلُوكِهِمْ مِنْ حِينِ دَخَلَ
النَّصَارَى مَعَ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ؛ فِي دَوْلَةِ الْمُعِزِّ وَوِزَارَةِ الْفَائِزِ وَتَفَرُّقِ الْبَحْرِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ﴾ . وَكُلُّ مَنْ عَرَفَ سَيْرَ النَّاسِ وَمُلُوكَهُمْ رَأَى كُلَّ مَنْ كَانَ أَنْصَرَ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمَ جِهَادًا لِأَعْدَائِهِ وَأَقْوَمَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: أَعْظَمَ نُصْرَةً وَطَاعَةً وَحُرْمَةً: مِنْ عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِلَى الْآنَ.
وَقَدْ أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ كَنَائِسَ كَثِيرَةً مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَعْدَ أَنْ أَقَرُّوا عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَلَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
فَعُلِمَ أَنَّ هَدْمَ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ جَائِزٌ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَإِعْرَاضُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ كَانَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ كَمَا أَعْرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إجْلَاءِ الْيَهُودِ حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُكَاتِبُوا أَهْلَ دِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يُخْبِرُوهُمْ بِشَيْءِ مِنْ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَطْلُبُ مِنْ رَسُولِهِمْ أَنْ يُكَلِّفَ وَلِيَّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَجَبَتْ عُقُوبَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ قَدْ نَقَضَ عَهْدَهُ وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ.
وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْصُلُ لَهُمْ ضَرَرٌ إنْ لَمْ يُجَابُوا إلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ فَتَحُوا سَاحِلَ الشَّامِ وَكَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ الْمَصَائِبِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَلْزَمُوهُمْ بِلَبْسِ الْغِيَارِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ التَّتَارُ فِي بِلَادِهِمْ خَرَّبُوا جَمِيعَ كَنَائِسِهِمْ وَكَانَ نَوْرُوزُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَلْزَمُوهُمْ بِلَبْسِ الْغِيَارِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ.
. . فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عَلَيْهِمْ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ إلَّا كُلُّ خَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَغْنُونَ عَنْهُمْ وَهُمْ إلَى مَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَحْوَجُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَا فِي بِلَادِهِمْ؛ بَلْ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ لَا تَقُومُ إلَّا بِمَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمُونَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ أَغْنِيَاءُ عَنْهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
فَأَمَّا نَصَارَى الْأَنْدَلُسِ فَهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ وَإِنَّمَا يَتْرُكُونَهُمْ خَوْفًا مِنْ التَّتَارِ.
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ التَّتَارِ أَعَزُّ مِنْ النَّصَارَى وَأَكْرَمُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ
قَادِرُونَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْمُسْلِمُونَ أَقْدَرُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ النَّصَارَى.
وَالنَّصَارَى الَّذِينَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ مِنْ البتاركة وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَرُهْبَانِهِمْ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِمْ أُولَئِكَ النَّصَارَى وَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى مُسْلِمٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ مَعَ أَنَّ فِكَاكَ الْأَسَارَى مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ وَبَذْلَ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتَّجِرُونَ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا لِأَغْرَاضِهِمْ؛ لَا لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ مُلُوكُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ حِرْصُهُمْ عَلَى الْمَالِ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الطَّاعَةِ فَإِنَّهُمْ أَرْغَبُ النَّاسِ فِي الْمَالِ وَلِهَذَا يَتَقَامَرُونَ فِي الْكَنَائِسِ.
وَهُمْ طَوَائِفُ مُخْتَلِفُونَ وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَضَادُّ الْأُخْرَى.
وَلَا يُشِيرُ عَلَى وَلِيِّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا فِيهِ إظْهَارُ شَعَائِرِهِمْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ تَقْوِيَةُ أَمْرِهِمْ - بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ - إلَّا رَجُلٌ مُنَافِقٌ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ مِنْهُمْ فِي الْبَاطِنِ أَوْ رَجُلٌ لَهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ مِثْلَ أَنْ يَكُونُوا بَرْطَلُوهُ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ بِرَغْبَةِ أَوْ رَهْبَةٍ أَوْ رَجُلٌ جَاهِلٌ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ لَا يَعْرِفُ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي تَنْصُرُ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِ وَأَعْدَاءِ الدِّينِ؛ وَإِلَّا فَمَنْ كَانَ عَارِفًا نَاصِحًا لَهُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ نَصْرَهُ وَثَبَاتَهُ وَتَأْيِيدَهُ وَاجْتِمَاعَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَمَحَبَّتَهُمْ لَهُ وَدُعَاءَ النَّاسِ لَهُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ
إنَّمَا يَكُونُ بِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَإِظْهَارِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِذْلَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلْيَعْتَبِرْ الْمُعْتَبِرُ بِسِيرَةِ نُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ ثُمَّ الْعَادِلِ؛ كَيْفَ مَكَّنَهُمْ اللَّهُ وَأَيَّدَهُمْ وَفَتَحَ لَهُمْ الْبِلَادَ وَأَذَلَّ لَهُمْ الْأَعْدَاءَ؛ لَمَّا قَامُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَا قَامُوا بِهِ.
وَلْيَعْتَبِرْ بِسِيرَةِ مَنْ وَالَى النَّصَارَى كَيْفَ أَذَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَبَتَهُ.
وَلَيْسَ الْمُسْلِمُونَ مُحْتَاجِينَ إلَيْهِمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَقَدْ كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: " إنَّ بِالشَّامِ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا لَا يَقُومُ خَرَاجُ الشَّامِ إلَّا بِهِ " فَكَتَبَ إلَيْهِ: " لَا تَسْتَعْمِلْهُ ". فَكَتَبَ: " إنَّهُ لَا غِنَى بِنَا عَنْهُ " فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ " لَا تَسْتَعْمِلْهُ " فَكَتَبَ إلَيْهِ " إذَا لَمْ نُوَلِّهْ ضَاعَ الْمَالُ " فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ ". وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُشْرِكًا لَحِقَهُ لِيُقَاتِلَ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: إنِّي لَا أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكِ﴾ وَكَمَا أَنَّ اسْتِخْدَامَ الْجُنْدِ الْمُجَاهِدِينَ إنَّمَا يَصْلُحُ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ: فَكَذَلِكَ الَّذِينَ يُعَاوِنُونَ الْجُنْدَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ إنَّمَا تَصْلُحُ بِهِمْ أَحْوَالُهُمْ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ وَفِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ فِي جَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَدَخَلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَرَضَ عَلَيْهِ حِسَابَ الْعِرَاقِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: " اُدْعُ كَاتِبَك يَقْرَؤُهُ عَلَيَّ " فَقَالَ: " إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ " قَالَ: " وَلِمَ؟ " قَالَ: " لِأَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ " فَضَرَبَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالدِّرَّةِ فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ ثُمَّ قَالَ: لَا تُعِزُّوهُمْ بَعْدَ أَنْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ وَلَا تَأْمَنُوهُمْ بَعْدَ أَنْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ وَلَا تُصَدِّقُوهُمْ بَعْدَ أَنْ أَكْذَبَهُمْ اللَّهُ.
وَالْمُسْلِمُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا قُلُوبُهُمْ وَاحِدَةٌ مُوَالِيَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَادِيَةٌ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَعْدَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلُوبُهُمْ الصَّادِقَةُ وَأَدْعِيَتُهُمْ الصَّالِحَةُ هِيَ الْعَسْكَرُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ وَالْجُنْدُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ فَإِنَّهُمْ هُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْعَزِيزَةُ فِيهَا عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهَا بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْ كَانَ لَهُ عِزٌّ وَمَنَعَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَقْوَامٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ ضَعْفُ يَقِينٍ وَإِيمَانٍ وَفِيهِمْ مُنَافِقُونَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ وَأَمْثَالِهِ وَكَانُوا يَخَافُونَ أَنْ تَكُونَ لِلْكُفَّارِ دَوْلَةٌ فَكَانُوا يُوَالُونَهُمْ ويباطنونهم.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ نِفَاقٌ وَضَعْفُ إيمَانٍ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾
أَيْ فِي مُعَاوَنَتِهِمْ ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا﴾ أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُوَالُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ . فَقَدْ عَرَفَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ يُكَاتِبُونَ أَهْلَ دِينِهِمْ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَبِمَا يَطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَسْرَارِهِمْ حَتَّى أُخِذَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ التَّتَارِ وَسَبْي وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ بِمُطَالَعَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَهْلِ دِينِهِمْ.
وَمِنْ الْأَبْيَاتِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
كُلُّ الْعَدَاوَاتِ تُرْجَى مَوَدَّتُهَا ... إلَّا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاك فِي الدِّينِ
وَلِهَذَا وَغَيْرِهِ مُنِعُوا أَنْ يَكُونُوا عَلَى وِلَايَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةِ مَنْ يُقَوِّيهِمْ أَوْ يَفْضُلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخِبْرَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ اسْتِعْمَالُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الْكِفَايَةِ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَالْقَلِيلُ مِنْ الْحَلَالِ يُبَارَكُ فِيهِ وَالْحَرَامُ الْكَثِيرُ يَذْهَبُ وَيَمْحَقُهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ نَصْرَانِيٍّ قِسِّيسٍ بِجَانِبِ دَارِهِ سَاحَةٌ بِهَا كَنِيسَةٌ خَرَابٌ
لَا سَقْفَ لَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقْتَ خَرَابِهَا.
فَاشْتَرَى الْقِسِّيسُ السَّاحَةَ وَعَمَّرَهَا وَأَدْخَلَ الْكَنِيسَةَ فِي الْعِمَارَةِ وَأَصْلَحَ حِيطَانَهَا وَعَمَّرَهَا وَبَقِيَ يَجْمَعُ النَّصَارَى فِيهَا وَأَظْهَرُوا شِعَارَهُمْ وَطَلَبَهُ بَعْضُ الْحُكَّامِ فَتَقَوَّى وَاعْتَضَدَ بِبَعْضِ الْأَعْرَابِ وَأَظْهَرَ الشَّرَّ.
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَنِيسَةِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ آثَارُ كَنِيسَةٍ قَدِيمَةٍ بِبَرِّ الشَّامِ فَإِنَّ بَرَّ الشَّامِ فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً وَمَلَكُوا تِلْكَ الْكَنَائِسَ؛ وَجَازَ لَهُمْ تَخْرِيبُهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي وُجُوبِ تَخْرِيبِهَا.
وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَاوِنَهُ عَلَى إحْدَاثِ ذَلِكَ وَيَجِبُ عُقُوبَةُ مَنْ أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُحْدِثُ لِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ وَيُبَاحُ دَمُهُ وَمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الشُّرُوطَ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَشَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنَّ مَنْ نَقَضَهَا فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ مِنْهَا مَا يُبَاحُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَدْ قِيلَ: إنَّهَا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَتَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ لَمَّا بَعَثَهُ عَامِلًا عَلَى نَجْرَانَ وَكِتَابُ عَمْرٍو فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالدِّيَاتُ وَالسُّنَنُ الْوَاجِبَةُ بِالشَّرْعِ.
وَقَوْلُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مُبَايَعَتُهُ لِلْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاثَقَهُمْ عَلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ بِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ السَّمْعِ لَهُ وَالطَّاعَةِ وَذَكَّرَهُمْ اللَّهُ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ لِيُوفُوا بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ إلَّا مَا كَانَ وَاجِبًا بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَمَرَهُمْ فِيهَا بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَذِكْرِ مِيثَاقِهِ.
فَذَكَرَ سَبَبَيْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ الثَّابِتَ بِالشَّرْعِ ثَابِتٌ بِإِيجَابِ الرُّبُوبِيَّةِ وَهِيَ إنْعَامُهُ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ فِي " أُصُولِ الدِّينِ " أَوَّلَ مَا يَذْكُرُونَ أَوَّلَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَوَّلَ مَا وَجَبَ عَلَى عِبَادِهِ وَيَذْكُرُونَ
" مَسْأَلَةَ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ " هَلْ وَجَبَ مَعَ الشَّرْعِ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا وَلِهَذَا كَانَتْ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ تَذْكِيرُ الْعِبَادِ بِآلَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي شُكْرُهُمْ لَهُ وَهُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتُ الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الْآيَةَ.
إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وَالْمِيثَاقُ عَلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ مِنْ إقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَتَعْزِيرِهِمْ.
وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَأَقْسَى قُلُوبِهِمْ؛ لَا بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ لِلْأَمْرِ فَكَانَ فِي هَذَا أَنَّ عُقُوبَةَ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الْمُوَثَّقَةِ بِالْعُهُودِ مِنْ جِهَةِ النَّقْضِ أَوْكَدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ وَالْأَمْرُ فِيهِمْ كَذَلِكَ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فَإِنَّ كَوْنَهُ فِي الصَّالِحِينَ
وَاجِبٌ وَالصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ وَاجِبَةٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا هِيَ الْمَنْذُورَةُ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ فَإِذَا تَرَكَهُ عُوقِبَ لِإِخْلَافِ الْوَعْدِ الَّذِي هُوَ النَّذْرُ فَإِنَّ النَّذْرَ وَعْدٌ مُؤَكَّدٌ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَرَبِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تُسَمَّى النَّذْرَ وَعْدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ وَرَدُّهُ إلَى أَبِيهِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ بِلَا مَوْثِقٍ.
وَمِنْ الْحَرْبِ الْمُبَاحَةِ دَفْعُ الظَّالِمِ عَنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ الْمَعْصُومَةِ.
وَإِنَّمَا جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ خَاصَّةً لِأَنَّ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ مَبْنَاهُمَا عَلَى تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَتَنْفِيرِهَا فَإِذَا تَأَلَّفَتْ فَهِيَ الْمُسَالَمَةُ وَإِذَا تَنَافَرَتْ فَهِيَ الْمُحَارَبَةُ وَالتَّأْلِيفُ وَالتَّنْفِيرُ يَحْصُلُ بِالتَّوَهُّمَاتِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَقَائِقِ؛ وَلِهَذَا يُؤْثَرُ قَوْلُ الشِّعْرِ فِي التَّأْلِيفِ وَالتَّنْفِيرِ بِحَيْثُ يُحَرِّكُ النُّفُوسَ شَهْوَةً وَنُفْرَةً تَحْرِيكًا عَظِيمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ مُنْطَبِقًا عَلَى الْحَقِّ؛ لَكِنْ لِأَجْلِ تَخْيِيلٍ أَوْ تَمْثِيلٍ.
فَلَمَّا كَانَتْ الْمُسَالَمَةُ وَالْمُحَارَبَةُ الشَّرْعِيَّةُ يَقُومُ فِيهَا التَّوَهُّم لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ مُقَامَ تَوَهُّمِ مَا لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَعَارِضِ إلَّا الْإِيهَامُ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَالنَّاطِقُ لَمْ يَعْنِ إلَّا الْحَقَّ صَارَ ذَلِكَ حَقًّا وَصِدْقًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ وَمُوهِمًا لِلْمُسْتَمِعِ تَوَهُّمًا يُؤَلِّفُهُ تَأْلِيفًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ يُنَفِّرُهُ تَنْفِيرًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِمَنْزِلَةِ تَأْلِيفِهِ وَتَنْفِيرِهِ بِالْأَشْعَارِ الَّتِي فِيهَا تَخْيِيلٌ وَتَمْثِيلٌ وَبِمَنْزِلَةِ
الْحِكَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ.
فَإِنَّ الْأَمْثَالَ الْمَنْظُومَةَ وَالْمَنْثُورَةَ إذَا كَانَتْ حَقًّا مُطَابِقًا فَهِيَ مِنْ الشِّعْرِ الَّذِي هُوَ حِكْمَةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَشْبِيهَاتٌ شَدِيدَةٌ وَتَخْيِيلَاتٌ عَظِيمَةٌ أَفَادَتْ تَأْلِيفًا وَتَنْفِيرًا.
وَقَالَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
فِي شُرُوطِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ وشارطهم بِمَحْضَرِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ﴾ لِأَنَّ هَذَا صَارَ إجْمَاعًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ عَلَى مَا نَقَلُوهُ وَفَهِمُوهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مَرْوِيَّةٌ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَصَرَةٍ وَمَبْسُوطَةٍ.
مِنْهَا مَا رَوَاهُ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عتبة قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ كِتَابًا وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ: أَنْ لَا يُحْدِثُوا فِي مُدُنِهِمْ وَلَا مَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا صَوْمَعَةً وَلَا كَنِيسَةً وَلَا قلاية لِرَاهِبِ وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خُرِّبَ وَلَا يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ وَلَا يَأْوُوا جَاسُوسًا وَلَا يَكْتُمُوا غِشَّ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمْ الْقُرْآنَ وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا وَلَا يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَتِهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ إنْ أَرَادُوهُ وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَقُومُوا لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ: مِنْ قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شِعْرٍ وَلَا يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ وَلَا يَرْكَبُوا سُرُجًا وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا وَلَا يَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنْ سِلَاحِهِمْ وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ وَأَنْ يَجُزُّوا مقادم رُءُوسِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُ مَا كَانُوا وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ وَلَا يُظْهِرُوا صَلِيبًا وَلَا شَيْئًا مِنْ كُتُبِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ وَلَا يَضْرِبُوا بِالنَّاقُوسِ إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَتِهِمْ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ فِي حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَخْرُجُوا شَعَانِينَ وَلَا يَرْفَعُوا مَعَ مَوْتَاهُمْ أَصْوَاتَهُمْ وَلَا يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ وَلَا يَشْتَرُوا مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ
مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ.
وَأَمَّا مَا يَرْوِيهِ بَعْضُ الْعَامَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَقَدْ آذَانِي " فَهَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَيْفَ ذَلِكَ وَأَذَاهُمْ قَدْ يَكُونُ بِحَقِّ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ بَلْ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فَكَيْفَ يُحَرِّمُ أَذَى الْكُفَّارِ مُطْلَقًا؟ وَأَيُّ ذَنْبٍ أَعْظَمَ مِنْ الْكُفْرِ؟ . وَلَكِنْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ العرباض بْنِ سَارِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنِ وَلَا ضَرْبَ أَبِشَارِّهِمْ وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ﴾ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ.
وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ حَقَّهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ.
فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظبيان عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ وَلَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ بِأَرْضِ﴾ . وَهَذِهِ الشُّرُوطُ قَدْ ذَكَرَهَا أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ وَغَيْرِهَا فِي كُتُبِهِمْ وَاعْتَمَدُوهَا؛ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالتَّمَيُّزِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَكُنَاهُمْ وَرُكُوبِهِمْ: بِأَنْ يَلْبِسُوا أَثْوَابًا تُخَالِفُ ثِيَابَ الْمُسْلِمِينَ: كَالْعَسَلِيِّ وَالْأَزْرَقِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَدْكَنِ وَيَشُدُّوا الْخِرَقَ فِي قَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ وَالزَّنَانِيرِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ.
وَقَدْ أَطْلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ بِاللَّبْسِ وَشَدِّ الزَّنَانِيرِ جَمِيعًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا يَجِبُ إذَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِرَاطُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ وَلَا غَيْرِهَا: مِنْ عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ.
إلَى أَنْ قَالَ: وَيُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ حَيْثُ مَا كَانُوا وَيَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مَا زَالَ يُجَدِّدُهَا عَلَيْهِمْ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا جَدَّدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي خِلَافَتِهِ وَبَالَغَ فِي اتِّبَاعِ سُنَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
حَيْثُ كَانَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالْقِيَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَيَّزَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَجَدَّدَهَا هَارُونُ الرَّشِيدُ وَجَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَرُوا بِهَدْمِ الْكَنَائِسِ الَّتِي يَنْبَغِي هَدْمُهَا كَالْكَنَائِسِ الَّتِي بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كُلِّهَا فَفِي وُجُوبِ هَدْمِهَا قَوْلَانِ: وَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ هَدْمِ مَا كَانَ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ إذَا فُتِحَتْ.
وَلَوْ أَقَرَّتْ بِأَيْدِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ الْوَطَنِ كَمَا أَقَرَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كَنَائِسَ بِالشَّامِ وَمِصْرَ ثُمَّ ظَهَرَتْ شَعَائِرُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَعْدُ بِتِلْكَ الْبِقَاعِ بِحَيْثُ بُنِيَتْ فِيهَا الْمَسَاجِدُ: فَلَا يَجْتَمِعُ شَعَائِرُ الْكُفْرِ مَعَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَجْتَمِعُ قِبْلَتَانِ بِأَرْضِ﴾ وَلِهَذَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنْ لَا يُظْهِرُوا شَعَائِرَ دِينِهِمْ.
وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُحْبَسَ عَلَى الدِّيَارَاتِ وَالصَّوَامِعِ وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا بَلْ لَوْ وَقَفَهَا ذِمِّيٌّ وَتَحَاكَمَ إلَيْنَا لَمْ نَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ.
فَكَيْفَ بِحَبْسِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَعَابِدِ الْكُفَّارِ الَّتِي يُشْرَكُ فِيهَا بِالرَّحْمَنِ وَيُسَبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهَا أَقْبَحَ سَبٍّ.
وَكَانَ مِنْ سَبَبِ إحْدَاثِ هَذِهِ الْكَنَائِسِ وَهَذِهِ الْأَحْبَاسِ عَلَيْهَا
شَيْئَانِ.
" أَحَدُهُمَا ": أَنَّ بَنِي عُبَيْدٍ الْقَدَّاحَ - الَّذِينَ كَانَ ظَاهِرُهُمْ الرَّفْضَ وَبَاطِنُهُمْ النِّفَاقَ - يستوزرون تَارَةً يَهُودِيًّا وَتَارَةً نَصْرَانِيًّا وَاجْتَلَبَ ذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ خَلْقًا كَثِيرًا وَبَنَى كَنَائِسَ كَثِيرَةً.
" وَالثَّانِي ": اسْتِيلَاءُ الْكُتَّابِ مِنْ النَّصَارَى عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُدَلِّسُونَ فِيهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا يَشَاءُونَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
تَعْلَمُونَ أَنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ فِي نِعَمٍ عَظِيمَةٍ وَمِنَنٍ جَسِيمَةٍ وَآلَاءٍ مُتَكَاثِرَةٍ وَأَيَادٍ مُتَظَاهِرَةٍ.
لَمْ تَكُنْ تَخْطُرُ لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ بِبَالِ وَلَا تَدُورُ لَهُمْ فِي خَيَالٍ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى.
إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ دَائِمًا فِي انْتِصَارٍ وَعُلُوٍّ وَازْدِيَادٍ وَالْبَاطِلُ فِي انْخِفَاضٍ وَسَفَالٍ وَنَفَادٍ.
وَقَدْ أَخْضَعَ اللَّهُ رِقَابَ الْخُصُومِ وَأَذَلَّهُمْ غَايَةَ الذُّلِّ وَطَلَبَ أَكَابِرُهُمْ مِنْ السِّلْمِ وَالِانْقِيَادِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ.
وَنَحْنُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - قَدْ اشْتَرَطْنَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ مَا فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةُ وَانْقِمَاعُ الْبَاطِلِ وَالْبِدْعَةِ وَقَدْ دَخَلُوا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَامْتَنَعْنَا حَتَّى يَظْهَرُوا ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ.
فَلَمْ نَثِقْ لَهُمْ بِقَوْلِ
وَلَا عَهْدٍ وَلَمْ نُجِبْهُمْ إلَى مَطْلُوبِهِمْ.
حَتَّى يَصِيرَ الْمَشْرُوطُ مَعْمُولًا وَالْمَذْكُورُ مَفْعُولًا وَيَظْهَرُ مِنْ عِزِّ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو سَيِّئَاتِهِمْ.
وَقَدْ أَمَدَّ اللَّهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي فِيهَا عِزُّ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَقَمَعَ الْكُفْرَ وَالْبِدْعَةَ: بِأُمُورِ يَطُولُ وَصْفُهَا فِي كِتَابٍ.
وَكَذَلِكَ جَرَى مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَقَمَعَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ اسْتَطَالُوا وَحَصَلَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَأَعَانَهُمْ مَنْ أَعَانَهُمْ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ ذُلٌّ كَبِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَلَطَفَ اللَّهُ بِاسْتِعْمَالِنَا فِي بَعْضِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَجَرَى فِي ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ عِزُّ الْمُسْلِمِينَ.
وَتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ وَقِيَامُهُمْ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَذَلَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ مِمَّا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَوَصْفُ هَذَا يَطُولُ.
وَقَدْ أَرْسَلْت إلَيْكُمْ كِتَابًا أَطْلُبُ مَا صَنَّفْته فِي أَمْرِ الْكَنَائِسِ وَهِيَ كَرَارِيسُ بِخَطِّي قِطَعُ النِّصْفِ الْبَلَدِيِّ.
فَتُرْسِلُونَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَسْتَعِينُونَ عَلَى ذَلِكَ بِالشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ المزي فَإِنَّهُ يُقَلِّبُ الْكُتُبَ وَيُخْرِجُ الْمَطْلُوبَ.
وَتُرْسِلُونَ أَيْضًا مِنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الَّذِي بِخَطِّ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ إنْ أَمْكَنَ الْجَمِيعُ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ مُجَلَّدًا وَإِلَّا فَمَنْ أَوَّلُهُ مُجَلَّدًا أَوْ مُجَلَّدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.
وَذَكَرَ كُتُبًا يَطْلُبُهَا مِنْهُمْ.
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ: *
فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أُلْزِمُوا بِلِبَاسِ غَيْرِ لِبَاسِهِمْ الْمُعْتَادِ وَزِيٍّ غَيْرِ زِيِّهِمْ الْمَأْلُوفِ وَذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَلْزَمَهُمْ بِتَغْيِيرِ عَمَائِمِهِمْ وَأَنْ تَكُونَ خِلَافَ عَمَائِمِ الْمُسْلِمِينَ فَحَصَلَ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فِي الطَّرَقَاتِ وَالْفَلَوَاتِ وَتَجَرَّأَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ السُّفَهَاءُ وَالرَّعَاعُ وَآذَوْهُمْ غَايَةَ الْأَذَى وَطَمِعَ بِذَلِكَ فِي إهَانَتِهِمْ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ.
فَهَلْ يَسُوغُ لِلْإِمَامِ رَدُّهُمْ إلَى زِيِّهِمْ الْأَوَّلِ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِ التَّمْيِيزِ بِعَلَامَةِ يُعْرَفُونَ بِهَا؟ وَهَلْ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ أَمْ لَا؟ .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ:
فَأَجَابَهُمْ مِنْ مَنْعِ التَّوْفِيقِ وَصَدٍّ عَنْ الطَّرِيقِ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ إعَادَتَهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَجَاءَتْنِي الْفَتْوَى.
فَقُلْت: لَا تَجُوزُ إعَادَتُهُمْ وَيَجِبُ إبْقَاؤُهُمْ عَلَى الزِّيِّ الَّذِي يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.
فَذَهَبُوا ثُمَّ غَيَّرُوا الْفُتْيَا ثُمَّ جَاءُوا بِهَا فِي قَالَبٍ آخَرَ فَقُلْت: لَا تَجُوزُ إعَادَتُهُمْ.
فَذَهَبُوا ثُمَّ أَتَوْا بِهَا فِي قَالِبٍ آخَرَ فَقُلْت: هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُعَيَّنَةُ وَإِنْ خَرَجَتْ فِي عِدَّةِ قَوَالِبَ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: ثُمَّ ذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى السُّلْطَانِ وَتَكَلَّمَ عِنْدَهُ بِكَلَامِ عَجِبَ مِنْهُ الْحَاضِرُونَ فَأَطْبَقَ الْقَوْمُ عَلَى إبْقَائِهِمْ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.123456789
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
و
َسُئِلَ:
عَنْ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ يُشَارِكُونَ النَّاسَ فِي غَالِبِ الدُّنْيَا:
فَيَتَّجِرُونَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَزَارِعَ وَأَبْرَاجَ الْحَمَامِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا سَائِرُ النَّاسِ فِيمَا هُمْ فِيهِ الْآنَ.
وَإِنَّمَا تَرَهَّبَ أَحَدُهُمْ فِي اللِّبَاسِ وَتَرَكَ النِّكَاحَ وَأَكَلَ اللَّحْمَ وَالتَّعَبُّدَ بِالنَّجَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ صَارَ مَنْ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْجِزْيَةِ مِنْ النَّصَارَى يَتَرَهَّبُ هَذَا التَّرَهُّبَ لِسُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُ وَيَأْخُذُونَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَحْبُوسَةِ وَالْمَنْذُورَةِ مَا يَأْخُذُونَ.
فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ إسْكَانُهُمْ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَفْعِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الرُّهْبَانُ الَّذِينَ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَتْلِهِمْ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ: هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا بَعَثَهُ أَمِيرًا عَلَى فَتْحِ الشَّامِ فَقَالَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ: وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدْ
حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدْ فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ فَاضْرِبُوا مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ مُنْقَطِعُونَ عَنْ النَّاسِ مَحْبُوسُونَ فِي الصَّوَامِعِ يُسَمَّى أَحَدُهُمْ حَبِيسًا لَا يُعَاوِنُونَ أَهْلَ دِينِهِمْ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا وَلَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ؛ وَلَكِنْ يَكْتَفِي أَحَدُهُمْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَلَّغُ بِهِ.
فَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَتْلِهِمْ كَتَنَازُعِهِمْ فِي قَتْلِ مَنْ لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ لَا بِيَدِهِ وَلَا لِسَانِهِ؛ كَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِ؛ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
فَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: لَا يُقْتَلُ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْمُعَاوِنِينَ لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا كَانَ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ مُجَرَّدُ الْكُفْرِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلْقَتْلِ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَالٌ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي أَخْذُ الْجِزْيَةِ.
وَأَمَّا الرَّاهِبُ الَّذِي يُعَاوِنُ أَهْلَ دِينِهِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَأْيٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ أَوْ نَوْعٍ مِنْ التَّحْضِيضِ: فَهَذَا يُقْتَلُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَإِنْ كَانَ حَبِيسًا مُنْفَرِدًا فِي مُتَعَبَّدِهِ.
فَكَيْفَ بِمَنْ هُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى فِي مَعَايِشِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ النَّاسَ وَاكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ بِالتِّجَارَاتِ وَالزِّرَاعَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ؛
وَاِتِّخَاذِ الدِّيَارَاتِ الْجَامِعَاتِ لِغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا تَمَيَّزُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِمَا يُغَلِّظُ كُفْرَهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ أَئِمَّةً فِي الْكُفْرِ مِثْلَ التَّعَبُّدِ بِالنَّجَاسَاتِ وَتَرْكِ النِّكَاحِ وَاللَّحْمِ وَاللِّبَاسِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ الْكُفْرِ لَا سِيَّمَا وَهُمْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ دِينَ النَّصَارَى بِمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي صَنَّفَ الْفُضَلَاءُ فِيهَا مُصَنَّفَاتٍ وَمِنْ الْعِبَادَاتِ الْفَاسِدَةِ وَقَبُولِ نُذُورِهِمْ وَأَوْقَافِهِمْ.
وَالرَّاهِبُ عِنْدَهُمْ شَرْطُهُ تَرْكُ النِّكَاحِ فَقَطْ وَهُمْ مَعَ هَذَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ بتركا وبطرقا وَقِسِّيسًا وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ؛ وَلَهُمْ أَنْ يَكْتَسِبُوا الْأَمْوَالَ كَمَا لِغَيْرِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
فَهَؤُلَاءِ لَا يَتَنَازَعُ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُمْ مِنْ أَحَقِّ النَّصَارَى بِالْقَتْلِ عِنْدَ الْمُحَارَبَةِ وَبِأَخْذِ الْجِزْيَةِ عِنْدَ الْمُسَالَمَةِ وَأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا قَالَ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ . وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ قَالَ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فَهَلْ يَقُولُ عَالِمٌ: إنَّ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَوَامَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَرْضَوْنَ بِأَنْ يَتَّخِذُوا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ: لَا يُقَاتَلُونَ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ؛ مَعَ كَوْنِهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْعَامَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَقَلُّ مِنْهُمْ ضَرَرًا فِي الدِّينِ وَأَقَلُّ أَمْوَالًا.
لَا يَقُولُهُ مَنْ يَدْرِي مَا يَقُولُ.
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الشُّبْهَةُ لِمَا فِي لَفْظِ الرَّاهِبِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَثَرَ الْوَارِدَ مُقَيَّدٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمَرْفُوعَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ هُوَ مَا بَيَّنَّاهُ.
فَهَؤُلَاءِ الْمَوْصُوفُونَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ بِلَا رَيْبٍ وَلَا نِزَاعٍ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَنْتَزِعُ مِنْهُمْ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي فَتَحُوهَا عَنْوَةً وَضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهَا؛ وَلِهَذَا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ: مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَرْضَ مِصْرَ كَانَتْ خراجية وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِرْهَمَهَا وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ﴾ لَكِنْ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَثُرُوا نَقَلُوا أَرْضَ السَّوَادِ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ مِنْ الْمُخَارَجَةِ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَلِذَلِكَ نَقَلُوا مِصْرَ إلَى أَنْ اسْتَغَلُّوهَا هُمْ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ وَلِذَلِكَ رُفِعَ عَنْهَا الْخَرَاجُ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُجْعَلَ حَبْسًا عَلَى
مِثْلِ هَؤُلَاءِ يَسْتَغِلُّونَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ.
فَعُلِمَ أَنَّ انْتِزَاعَ هَذِهِ الْأَرْضِينَ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنَّمَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا بِكَثْرَةِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي الدَّوْلَةِ الرافضية وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَبِسَبَبِ كَثْرَةِ الْكُتَّابِ وَالدَّوَاوِينِ مِنْهُمْ وَمِنْ الْمُنَافِقِينَ: يَتَصَرَّفُونَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِمِثْلِ هَذَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ الدَّوَاوِينِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَلِهَذَا يُوجَدُ لِمَعَابِدِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مِنْ الْأَحْبَاسِ مَا لَا يُوجَدُ لِمَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَمَسَاكِنِهِمْ: لِلْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ؛ مَعَ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ خراجية بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ وَمَنْ لَبِسُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِذَا عَرَفَ وُلَاةُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْحَالَ عَمِلُوا فِي ذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ مَعَهُ كِتَابٌ يَدَّعِي أَنَّهُ خَطُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْ الْجِزْيَةِ وَلَهُ مُدَّةٌ لَمْ يُعْطَهَا.
فَأَجَابَ:
كَلُّ كِتَابٍ تَدَّعِيهِ الْيَهُودُ بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ مِنْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ كَذِبٌ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ مَعَ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ الْمَاضِيَةُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إذَا اتَّخَذُوا خُمُورًا.
هَلْ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ إرَاقَتُهَا عَلَيْهِمْ وَكَسْرُ أَوَانِيهِمْ وَهَجْمُ بُيُوتِهِمْ لِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ هَجْمُ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ إذَا عُلِمَ أَوْ ظُنَّ أَنَّ بِهَا خَمْرًا؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِتُرَاقَ وَتُكْسَرَ الْأَوَانِي وَيُتَجَسَّسَ عَلَى مَوَاضِعِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْفَاعِلِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ إذَا كَانَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ؟ أَمْ يَكُونُ مَعْذُورًا بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ دُونَ الْإِكْرَاهِ؟ . وَإِذَا
خَشِيَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وُقُوعُ مَحْذُورٍ بِهِ فَهَلْ يَكُونُ عُذْرًا لَهُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَقَرُّوا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ فِي دِينِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا الْمُسْلِمَ خَمْرًا وَلَا يَهْدُونَهَا إلَيْهِ وَلَا يُعَاوِنُوهُ عَلَيْهَا بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْصِرُوهَا لِمُسْلِمِ وَلَا يَحْمِلُوهَا لَهُ وَلَا يَبِيعُوهَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا هُوَ مَشْرُوطٌ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَمَتَى فَعَلُوا ذَلِكَ اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ الَّتِي تُرْدِعُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
وَهَلْ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِذَلِكَ وَتُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِجَاهِ أَحَدٍ مِمَّنْ يَخْدِمُونَهُ أَوْ مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مِنْهُمْ.
أَوْ غَيْرِهِمَا عَلَى إظْهَارِ شَيْءٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ؛ بَلْ كَمَا تَجِبُ عُقُوبَتُهُمْ تَجِبُ عُقُوبَةُ مَنْ يُعِينُهُمْ بِجَاهِهِ أَوْ غَيْرِ جَاهِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَإِذَا شَرِبَ الذِّمِّيُّ الْخَمْرَ.
فَهَلْ يُحَدُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ.
قِيلَ: يُحَدُّ.
وَقِيلَ: لَا يُحَدُّ.
وَقِيلَ يُحَدُّ إنْ سَكِرَ.
وَهَذَا إذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا مَا يَخْتَفُونَ بِهِ فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْمُسْلِمِينَ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانُوا لَا يَنْتَهُونَ عَنْ إظْهَارِ الْخَمْرِ أَوْ مُعَاوَنَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا أَوْ بَيْعِهَا وَهَدْيِهَا لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا بِإِرَاقَتِهَا
عَلَيْهِمْ فَإِنَّهَا تُرَاقُ عَلَيْهِمْ؛ مَعَ مَا يُعَاقَبُونَ بِهِ؛ إمَّا بِمَا يُعَاقَبُ بِهِ نَاقِضُ الْعَهْدِ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ الْيَهُودِ بِمِصْرِ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَثُرَ مِنْهُمْ بَيْعُ الْخَمْرِ
لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَبِيعُوهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَمَتَى فَعَلُوا ذَلِكَ حَلَّ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
فَمَاذَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْعُقُوبَةِ؟ وَهَلْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الْأَمْوَالَ الَّتِي اكْتَسَبُوهَا مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَسْتَحِقُّونَ عَلَى ذَلِكَ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تُرْدِعُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُمْ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَإِذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَحَلَّ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ الْمُحَارِبِينَ الْكُفَّارِ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ الَّتِي قَبَضُوهَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا يَرُدُّهَا إلَى مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ الْخَمْرَ فَإِنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ مَمْنُوعِينَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا وَبَيْعِهَا فَاشْتَرَوْهَا كَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَبِيعُ الْخَمْرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ بَاعَ خَمْرًا لَمْ يَمْلِكْ ثَمَنَهُ.
فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ أَخَذَ الْخَمْرَ فَشَرِبَهَا لَمْ
يُجْمَعْ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ؛ بَلْ يُؤْخَذُ هَذَا الْمَالُ فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قِيلَ فِي مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ عِوَضٌ عَنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ إذَا كَانَ الْعَاصِي قَدْ اسْتَوْفَى الْعِوَضَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاع ذِمِّيٌّ لِذِمِّيِّ خَمْرًا سِرًّا فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا تَقَابَضَا جَازَ أَنْ يُعَامِلَهُ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا مِنْهُمْ أَثْمَانَهَا؛ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَرِّبَ الْمَكَانَ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ كَالْحَانُوتِ وَالدَّارِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَيْثُ أَخْرَبَ حَانُوتَ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ وَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَسْت بِرُوَيْشِدِ وَكَمَا أَحْرَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَرْيَةً كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ يَهُودِيٍّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ الْكِلَابُ أَبْنَاءُ الْكِلَابِ يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْنَا
وَكَانَ قَدْ خَاصَمَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
إذَا كَانَ أَرَادَ بِشَتْمِهِ طَائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْعُمُومِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ وَيَجِبُ قَتْلُهُ.
آخِرُ الْمُجَلَّدِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ
الْجُزْءُ الْتَاسِعُ وَالْعِشْرُونَ
كِتَابُ الفِقْهِ
الْجُزْءُ التَاسِعُ: البَيْعُ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأَمَّا الْعُقُودُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ والْنِكَاحِيَة وَغَيْرِهَا فَنَذْكُرُ فِيهَا قَوَاعِدَ جَامِعَةً عَظِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْعِبَادَاتِ.
فَمِنْ ذَلِكَ " صِفَةُ الْعُقُودِ " فَالْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالصِّيغَةِ وَهِيَ الْعِبَارَاتُ الَّتِي قَدْ يَخُصُّهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِاسْمِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْهِبَةُ وَالنِّكَاحُ وَالْعِتْقُ وَالْوَقْفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد - يَكُونُ تَارَةً رِوَايَةً مَنْصُوصَةً فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، كَالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ وَيَكُونُ تَارَةً رِوَايَةً مُخَرَّجَةً، كَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ يُقِيمُونَ الْإِشَارَةَ مَقَامَ الْعِبَارَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا كَمَا فِي إشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَيُقِيمُونَ أَيْضًا الْكِتَابَةَ فِي مَقَامِ الْعِبَارَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ
وَقَدْ يَسْتَثْنُونَ مَوَاضِعَ دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى جَوَازِهَا إذَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا كَمَا فِي الْهَدْيِ إذَا عَطَبَ دُونَ مَحَلِّهِ فَإِنَّهُ يُنْحَرُ ثُمَّ يُضَمَّخُ نَعْلُهُ الْمُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِدَمِهِ عَلَامَةً لِلنَّاسِ، وَمَنْ أَخَذَهُ مَلَكَهُ وَكَذَلِكَ الْهَدِيَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
لَكِنْ الْأَصْلُ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّفْظُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ هُوَ التَّرَاضِي الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ وَالْمَعَانِي الَّتِي فِي النَّفْسِ لَا تَنْضَبِطُ إلَّا بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي قَدْ جُعِلَتْ لِإِبَانَةِ مَا فِي الْقَلْبِ إذْ الْأَفْعَالُ مِنْ الْمُعَاطَاةِ وَنَحْوِهَا تَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً؛ وَلِأَنَّ الْعُقُودَ مِنْ جِنْسِ الْأَقْوَالِ فَهِيَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهَا تَصِحُّ بِالْأَفْعَالِ فِيمَا كَثُرَ عَقْدُهُ بِالْأَفْعَالِ كَالْمَبِيعَاتِ بِالْمُعَاطَاةِ وَكَالْوَقْفِ فِي مِثْلِ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ سَبَّلَ أَرْضًا لِلدَّفْنِ فِيهَا أَوْ بَنَى مَطْهَرَةً وَسَبَّلَهَا لِلنَّاسِ وَكَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ: كَمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسَّالٍ أَوْ خَيَّاطٍ يَعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ أَوْ رَكِبَ سَفِينَةَ مَلَّاحٍ وَكَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِالْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا لَفَسَدَتْ أُمُورُ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّ النَّاسَ مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى يَوْمِنَا مَا زَالُوا يَتَعَاقَدُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِلَا لَفْظٍ؛ بَلْ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أُصُولِ
أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الْجَلِيلَةِ فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَمْ يَجْرِ بِهِ الْعُرْفُ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّهَا تَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَكُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا وَإِجَارَةً فَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ؛ وَإِنْ اخْتَلَفَ اصْطِلَاحُ النَّاسِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَفْعَالِ انْعَقَدَ الْعَقْدُ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ بِمَا يَفْهَمُونَهُ بَيْنَهُمْ مِنْ الصِّيَغِ وَالْأَفْعَالِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مُسْتَمِرٌّ؛ لَا فِي شَرْعٍ وَلَا فِي لُغَةٍ.
بَلْ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ اصْطِلَاحِ النَّاسِ كَمَا تَتَنَوَّعُ لُغَاتُهُمْ.
فَإِنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَيْسَ هُوَ اللَّفْظَ الَّذِي فِي لُغَةِ الْفُرْسِ أَوْ الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَوْ الْبَرْبَرِ أَوْ الْحَبَشَةِ؛ بَلْ قَدْ تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُ اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ الْتِزَامُ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّعَاقُدُ بِغَيْرِ مَا يَتَعَاقَدُ بِهِ غَيْرُهُمْ؛ إذَا كَانَ مَا تَعَاقَدُوا بِهِ دَالًّا عَلَى مَقْصُودِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَحَبُّ بَعْضُ الصِّفَاتِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَلِهَذَا يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ
وُجِدَ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْفِعْلُ مِنْ الْآخَرِ؛ بِأَنْ يَقُولَ: خُذْ هَذَا لِلَّهِ فَيَأْخُذَهُ.
أَوْ يَقُولَ: أَعْطِنِي خُبْزًا بِدِرْهَمٍ فَيُعْطِيَهُ.
أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ بِأَنْ يَضَعَ الثَّمَنَ وَيَقْبِضَ جِرْزَةَ الْبَقْلِ أَوْ الْحَلْوَاءَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
كَمَا يَتَعَامَلُ بِهِ غَالِبُ النَّاسِ، أَوْ يَضَعُ الْمَتَاعَ لِيُوضَعَ لَهُ بَدَلُهُ فَإِذَا وَضَعَ الْبَدَلَ الَّذِي يَرْضَى بِهِ أَخَذَهُ كَمَا يَجْلُبُهُ التُّجَّارُ عَلَى عَادَةِ بَعْضِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ.
فَكُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ مِثْلُ الْهَدِيَّةِ، وَمِثْلُ تَجْهِيزِ الزَّوْجَةِ بِمَالٍ يُحْمَلُ مَعَهَا إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِأَنَّهُ عَطِيَّةٌ لَا عَارِيَةٌ.
وَكَذَلِكَ الْإِجَارَاتُ: مِثْلُ رُكُوبِ سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ الْمُكَارِي وَرُكُوبِ دَابَّةِ الْجَمَّالِ؛ أَوْ الْحَمَّارِ أَوْ الْبَغَّالِ الْمُكَارِي عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ أَنَّهُ إجَارَةٌ وَمِثْلُ الدُّخُولِ إلَى حَمَّامِ الحمامي: يَدْخُلُهَا النَّاسُ بِالْأُجْرَةِ وَمِثْلُ دَفْعِ الثَّوْبِ إلَى غَسَّالٍ أَوْ خَيَّاطٍ يَعْمَلُ بِالْأَجْرِ أَوْ دَفْعِ الطَّعَامِ إلَى طَبَّاخٍ أَوْ شَوَّاءٍ يَطْبُخُ أَوْ يَشْوِي لِلْآخَرِ سَوَاءٌ شَوَى اللَّحْمَ مَشْرُوحًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوحٍ.
حَتَّى اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ يَقَعُ الْخُلْعُ بِالْمُعَاطَاةِ مِثْلَ أَنْ تَقُولَ اخْلَعْنِي بِهَذِهِ الْأَلْفِ أَوْ بِهَذَا الثَّوْبِ فَيَقْبِضُ الْعِوَضَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ أَنَّهُ رَضِيَ مِنْهُ بِالْمُعَاوَضَةِ فَذَهَبَ العكبريون: كَأَبِي حَفْصٍ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ شِهَابٍ إلَى أَنَّ ذَلِكَ خُلْعٌ صَحِيحٌ وَذَكَرُوا مِنْ كَلَامِ أَحْمَد وَمِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ
مِنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى نُصُوصِهِ؛ بَلْ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ بِالْكِتَابِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ﴾ قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ فَقَدْ عَمِلَ.
وَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ الَّذِينَ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ: أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِالْكَلَامِ وَذَكَرُوا مِنْ كَلَامِ أَحْمَد مَا اعْتَمَدُوهُ فِي ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ فَسْخُ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظٍ، فَكَذَلِكَ فَسْخُهُ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ: فَقَالَ هَؤُلَاءِ كَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ مِثْلَ أَبِي الْخَطَّابِ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ وَالشَّهَادَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ.
وَمَنَعُوا مِنْ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ الْعَطِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ - كَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي والمتأخرين - إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَعَلُّمِهَا انْعَقَدَ بِمَعْنَاهَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ؛
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَأَنَّ فِيهِ شَوْبَ التَّعَبُّدِ.
وَهَذَا - مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَنْ أَحْمَد - فَهُوَ مُخَالِفٌ لِأُصُولِهِ وَلَمْ يَنُصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ وَلَا نَقَلُوا عَنْهُ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا نَقَلُوا قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: إذَا وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ فَلَيْسَ بِنِكَاحِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ نَصٌّ عَلَى مَنْعِ مَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ مَهْرٍ؛ بَلْ قَدْ نَصَّ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُك وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك.
وَبِقَوْلِهِ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك أَوْ صَدَاقَك عِتْقَك ذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ جَوَابَاتِهِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: فَطَرَدَ قِيَاسَهُ وَقَالَ: لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَقُولَ: تَزَوَّجْتهَا أَوْ نَكَحْتهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ قَطُّ بِالْعَرَبِيَّةِ إلَّا بِهَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ: فَجَعَلُوا هَذِهِ الصُّورَةَ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْقِيَاسِ الَّذِي وَافَقُوا عَلَيْهِ ابْنَ حَامِدٍ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؛ لِنَصِّ أَحْمَد بِهَذَا.
وَهَذَا أَشْبَهُ بِنُصُوصِ أَحْمَد وَأُصُولِهِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِمَذْهَبِهِ.
فَإِنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؟ عَلَى