كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَقِيلَ: نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَالْقَرْضُ إذَا جَرَّ مَنْفَعَةً كَانَ رِبًا وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ رَأَى النَّفْعَ بِأَمْنِ خَطَرِ الطَّرِيقِ فِي نَقْلِ دَرَاهِمِهِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَقَدْ انْتَفَعَ الْمُقْتَرِضُ أَيْضًا بِالْوَفَاءِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَأَمِنَ خَطَرَ الطَّرِيقِ، فَكِلَاهُمَا مُنْتَفِعٌ بِهَذَا الِاقْتِرَاضِ وَالشَّارِعُ لَا يَنْهَى عَمَّا يَنْفَعُهُمْ وَيُصْلِحُهُمْ وَإِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يَضُرُّهُمْ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ يَجُوزُ قَرْضُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ، وَيَأْخُذُهَا عَدَدًا؟
فَأَجَابَ:
يَجُوزُ قَرْضُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ إذَا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْغِشِّ: مِثْلَ دَرَاهِمِ النَّاسِ الَّتِي يَتَعَامَلُونَ بِهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْغِشُّ مُتَفَاوِتًا يَسِيرًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُهَا بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي يُقَالُ عِيَارُهَا سَبْعُونَ وَعِيَارُ غَيْرِهَا تِسْعَةٌ وَسِتُّونَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحُبُوبِ وَإِنْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً بِالتُّرَابِ وَالشَّعِيرِ فَإِنَّ " بَابَ الْقَرْضِ " أَسْهَلُ مِنْ " بَابِ الْبَيْعِ ". وَلِهَذَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ قَرْضُ الْخُبْزِ عَدَدًا وَقَرْضُ الْخَمِيرِ
وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ عَدَدًا.
وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِمَّا اقْتَرَضَ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا ﴿اسْتَلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا وَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ.
وَقَالَ: خَيْرُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً﴾ . وَكَذَلِكَ يَجُوزُ قَرْضُ الْبَيْضِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَعْدُودَاتِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ حَيَوَانًا وَالْحَيَوَانُ أَكْثَرُ اخْتِلَافًا مِنْ الْبَيْضِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ جُنْدِيٍّ لَهُ إقْطَاعٌ وَيَجِيءُ إلَيَّ عِنْدَ فَلَّاحِيهِ فَيُطْعِمُوهُ هَلْ يَأْكُلُ؟
فَأَجَابَ:
إذَا أَكَلَ وَأَعْطَاهُمْ عِوَضَ مَا أَكَلَ فَلَا بَأْسَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ مُعَلِّمٍ لَهُ دَيْنٌ عِنْدَ صَانِعٍ يَسْتَعْمِلُهُ لِأَجْلِهِ يَأْكُلُ مِنْ أُجْرَتِهِ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ لِلْأُسْتَاذِ أَنْ يُنْقِصَ الصَّانِعَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ؛ لِأَجْلِ مَالِهِ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرْضِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِرِضَاهُ كَانَ مُرَابِيًا ظَالِمًا عَاصِيًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْزِيرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْسِفَهُ فِي اقْتِضَاءِ دَيْنِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ إقْطَاعُ أَرْضٍ يَعْمَلُ لَهُ أَرْبَعَمِائَةِ إرْدَبٍّ فَأَعْطَى الْفَلَّاحِينَ قُوَّةً تُقَارِبُ مِائَتَيْ إرْدَبٍّ فَيُسَجِّلُوهُ بسبعمائة دِرْهَمٍ فَهَلْ ذَلِكَ رِبًا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا؛ مِثْلَ أَنْ يُبَايِعَهُ أَوْ يُؤَاجِرَهُ وَيُحَابِيَهُ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ لِأَجْلِ قَرْضِهِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ﴾ . فَإِنَّهُ إذَا أَقْرَضَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي مِائَةً بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ رِبًا.
وَكَذَلِكَ إذَا أَقْرَضَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَاسْتَأْجَرَهُ بِدِرْهَمَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ أُجْرَتُهُ تُسَاوِي ثَلَاثَةً؛ بَلْ مَا يَصْنَعُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ بِصَنَائِعِهِمْ يُقْرِضُونَهُمْ لِيُحَابُوهُمْ فِي الْأُجْرَةِ فَهُوَ رِبًا.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ أَوْ الدَّارُ أَوْ الْحَانُوتُ تُسَاوِي أُجْرَتَهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَأَكْرَاهَا بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ؛ لِأَجْلِ الْمِائَةِ الَّتِي أَقْرَضَهَا إيَّاهُ فَهُوَ رِبًا.
وَأَمَّا " الْقُوَّةُ " فَلَيْسَتْ قَرْضًا مَحْضًا؛ فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ فِيهَا أَنْ
يَبْذُرَهَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ عَامِلًا وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا.
فَكَأَنَّهُ أَجَّرَهُ أَرْضًا يُقَوِّيهَا بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ فَإِذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ اسْتَرْجَعَ الْأَرْضَ وَنَظِيرُهُ الْقُوَّةُ.
وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَنْفَعَةُ هُنَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُقْرِضِ وَالْمُقْرَضِ: فَإِنَّ الْمُقْرِضَ لَهُ غَرَضٌ فِي عِمَارَةِ أَرْضِهِ مِثْلَ " السَّفْتَجَةِ " وَهُوَ أَنْ يُقْرِضَهُ بِبَلَدٍ لِيَسْتَوْفِيَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَيَرْبَحُ الْمُقْرِضُ خَطَرَ الطَّرِيقِ وَمَئُونَةَ الْحَمْلِ وَيَرْبَحُ الْمُقْرَضُ مَنْفَعَةَ الِاقْتِرَاضِ.
وَكَذَلِكَ " الْقُوَّةُ " لَيْسَ مَقْصُودُ الْمُقَوِّي يَأْخُذُ زِيَادَةً عَلَى قُوَّتِهِ؛ بَلْ مُحْتَاجٌ إلَى إجَارَةِ أَرْضِهِ وَذَلِكَ مُحْتَاجٌ إلَى اسْتِئْجَارِهَا فَلَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهَا إلَّا بِقُوَّةٍ مِنْ الْمُؤَجِّرِ لِحَاجَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَفِي التَّحْقِيقِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْقُوَّةِ الْقَرْضَ بَلْ تَقْوِيَتُهُ بِالْبَذْرِ كَمَا لَوْ قَوَّاهُ بِالْبَقَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ بَابِ الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً إنَّمَا الْقُوَّةُ مِنْ تَمَامِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ الْأَرْضِ بَقَرٌ لِيَحْرُثَ عَلَيْهَا فَيَكُونُ قَدْ أَجَّرَ أَرْضًا وَبَقَرًا: فَهَذَا جَائِزٌ بِلَا رَيْبٍ وَلَكِنَّ الْقُوَّةَ نَفْسَهَا لَا تَبْقَى وَلَكِنْ يَرْجِعُ فِي نَظِيرِهَا كَمَا يَرْجِعُ فِي الْمُضَارَبَةِ فِي نَظِيرِ رَأْسِ الْمَالِ.
فَلِهَذَا مَنَعَ مَنْ مَنَعَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُرْجِعُ نَفْسَ الْعَيْنِ فِيهَا إلَى الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرُ قَدْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي
الْقَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا رَدُّ الْمِثْلِ بِلَا زِيَادَةٍ.
وَلَوْ أَجَّرَهُ حِنْطَةً أَوْ نَحْوَهَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا ثُمَّ يَرُدَّ إلَيْهِ مِثْلَهَا مَعَ الْأُجْرَةِ: فَهَذَا هُوَ الْقَرْضُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى الْمِثْلِ.
وَهَذَا النِّزَاعُ إذَا أَكْرَاهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ وَأَقْرَضَهُ الْقُوَّةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ الْمُكْتَرِي كَمَا لَوْ أَكْرَاهُ حَانُوتًا لِيَعْمَلَ فِيهِ صِنَاعَةً أَوْ تِجَارَةً وَأَقْرَضَهُ مَا يُقِيمُ بِهِ صِنَاعَتَهُ أَوْ تِجَارَتَهُ.
فَأَمَّا إنْ أَكْرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمِثْلِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ فَهَذَا لَا خَيْرَ فِيهِ؛ بَلْ هُوَ الْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ الرِّبَا.
بَابُ الرَّهْنِ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَرْهَنَ دَارَهُ عِنْدَ رَجُلٍ عَلَى مَالٍ إلَى أَجَلٍ، فَحَلَّ الْأَجَلُ وَهُوَ عَاجِزٌ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بِعْنِي الدَّارَ بِشَرْطِ إنْ وَفَّيْتِنِي أَخَذْتهَا بِالثَّمَنِ وَإِنْ سَكَنْتهَا لَمْ آخُذْ مِنْك أُجْرَةً فَهَلْ الْبَيْعُ صَحِيحٌ؟ وَقَدْ عَمَّرَ الْمُشْتَرِي فَوْقَهَا بِنَاءً، فَمَا حُكْمُهُ؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ هَذَا بَيْعًا صَحِيحًا؛ بَلْ تُعَادُ الدَّارُ إلَى صَاحِبِهَا وَيُوَفِّي الدَّيْنَ الْمُسْتَحَقَّ، وَالْعِمَارَةُ الَّتِي عَمَّرَهَا الْمُشْتَرِي تُحْسَبُ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ نِصْفُ بُسْتَانٍ وَالْبَاقِي لِرَجُلٍ آخَرَ وَاسْتَعَارَ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَهُ لِيَرْهَنَهُ بِدَيْنِ إلَى أَجَلٍ وَعَرَّفَهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ وَالْأَجْلِ فَأَعَارَهُ وَرَهَنَ الْبُسْتَانَ عِنْدَ صَاحِبِ الدَّيْنِ ثُمَّ إنَّهُ فَكَّ نَصِيبَهُ وَبَاعَهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَتَقَاصَّا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَبْقَى نَصِيبُ
الْمُعِيرِ مَرْهُونًا عَلَى بَاقِي الدَّيْنِ؟ أَمْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي كُلِّ وَقْتٍ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ يَجُوزُ لِلْمَدِينِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ كَمَا ذَكَرُوا وَإِذَا بَاعَهُ وَكَانَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَلِلشَّرِيكِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ.
وَأَمَّا نَصِيبُ الْمُعِيرِ فَيَبْقَى مَرْهُونًا عَلَى بَاقِي الدَّيْنِ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعَارِيَةِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رَهْنٌ عَلَى مَبْلَغٍ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَمَّا انْقَضَى الْأَجَلُ دَفَعَ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ حَقَّهُ إلَّا مِائَةً ثُمَّ قُطِعَتْ الْقُبَالَةَ الْأُولَى وَكَتَبَ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ حُجَّةً وَلَمْ يُعِدْ فِيهِ ذِكْرَ الرَّهْنِ، فَهَلْ لِهَذِهِ الْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ بِالرَّهْنِ الْمَذْكُورِ تَعَلُّقٌ؟
فَأَجَابَ:
إذَا أَوْفَى الْغَرِيمُ بَعْضَ الدَّيْنِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَالرَّهْنُ بَاقٍ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْحَقِّ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَا يُوجِبُ فِكَاكَهُ: مِثْلَ فَكِّ الْمُرْتَهِنِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ أَرْهَنَ دَارَهُ ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ عِوَضُ امْرَأَتِهِ بِالدَّارِ عَنْ حَقِّهَا مِنْ مُدَّةِ عَشْرِ سِنِينَ فَهَلْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُؤَجِّرَ الدَّارَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الرَّاهِنِ بِمَا يُبْطِلُ الرَّهْنَ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالرَّهْنِ فَلِلْمُقِرِّ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ رَهَنَهُ بِدُونِ إذْنِهِ لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَمَّنْ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ وَأَرْهَنَ عَلَيْهِ رَهْنًا وَالدَّيْنُ حَالٌّ وَرَبُّ الدَّيْنِ مُحْتَاجٌ إلَى دَرَاهِمِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الرَّهْنِ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ جَازَ وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ إنْ أَمْكَنَ وَوَفَّاهُ حَقَّهُ مِنْهُ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ دَفَعَهُ إلَى ثِقَةٍ يَبِيعُهُ وَيَحْتَاطُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ أَمَرَ أَجِيرَهُ أَنْ يَرْهَنَ شَيْئًا عِنْدَ شَخْصٍ فَرَهَنَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَعَدِمَ الرَّهْنَ فَحَلَفَ صَاحِبُ الرَّهْنِ إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَمْ يَعْدَمْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَ حِينَ حَلَفَ مُعْتَقِدًا أَنَّ الرَّهْنَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يُعْدَمْ فَحَلَفَ لِيُحْضِرَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَهْنٍ عِنْدَ رَجُلٍ عَلَى مَبْلَغٍ إلَى مُدَّةٍ وَقَدْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ثُمَّ إنَّهُ أَرْهَنَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ عَلَى الْمَبْلَغِ عِنْدَ إنْسَانٍ آخَرَ وَقَدْ طَلَبَ الرَّاهِنُ الثَّانِي مَا عَلَى الرَّهْنِ وَحَبَسَ لِأَجْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يستفكه، فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
نَعَمْ يَجُوزُ بَيْعُ الرَّهْنِ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَذِنَ الرَّاهِنُ الْأَوَّلُ فِي الرَّهْنِ عَلَى الدَّيْنِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ
حِينَئِذٍ لِاسْتِيفَاءِ هَذَا الْحَقِّ مِنْهُ فَإِذَا أَمْكَنَ بَيْعُهُ وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ حَبْسُ الْغَرِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ امْرَأَةٍ أُسِرَتْ وَلَهَا مِلْكٌ وَزَوْجٌ وَأَخٌ فأرهنوا مِلْكَهَا عَلَى دَرَاهِمَ لِأَجْلِ فِكَاكِهَا وَرَاحَ أَخُوهَا بِالدَّرَاهِمِ فِي طَلَبِهَا فَوَجَدَهَا حَصَلَتْ بِلَا ثَمَنٍ فَرَجَعَتْ إلَى بَلَدِهَا وَتَخَلَّفَ أَخُوهَا فِي حَوَائِجِهِ فَلَمَّا وَصَلَتْ وَوَجَدَتْ مِلْكَهَا مَرْهُونًا عَلَى الدَّرَاهِمِ فَقَالَتْ: يَرْهَنُ مَالِي بِغَيْرِ أَمْرِي؟ وَأَنْكَرَتْ أَنَّ أَخَاهَا سَلَّمَ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الدَّرَاهِمِ، فَهَلْ يَلْزَمُهَا الرَّهْنُ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بَلْ يُعَادُ إلَيْهَا مَا قَبَضَهُ أَخُوهَا وَيُفَكُّ الرَّهْنُ عَلَى مِلْكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَقْرَضَ عَمَّهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إنَّ ابْنَ عَمِّهِ تَدَيَّنَ دَرَاهِمَ مِنْ نَاسٍ آخَرِينَ وَاشْتَرَى خَمْسَةَ غِلْمَانٍ وَجَارِيَةً وَكَتَبَ مَكْتُوبًا أَنَّ الْخَمْسَةَ الْغِلْمَانَ دُونَ الْجَارِيَةِ رَهْنٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الدَّيْنِ ثُمَّ إنَّهُ بَاعَ الْغِلْمَانَ وَأَوْصَلَهُمَا لِمَنْ كَانُوا رَهْنًا عِنْدَهُ ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْخَمْسَةِ آلَافٍ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَمَسَكُوهُ أَصْحَابُ الدَّيْنِ الَّذِينَ أَخَذُوا ثَمَنَ الْغِلْمَانِ؛ لِيَأْخُذُوهَا مِنْ دَيْنِهِمْ أَيْضًا.
فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا وَلَا كَفِيلًا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ تَكُنْ الْجَارِيَةُ مَرْهُونَةً عِنْدَ أَهْلِ الدَّيْنِ الثَّانِي: لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ هَذَا الدَّيْنِ اخْتِصَاصٌ بِهَا دُونَ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إذَا كَانَ قَدْ وَفَّاهَا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ فِي الْوَفَاءِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْحَجْرِ فَفِيهِ نِزَاعٌ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ فَوَجَدَ وَلَدَهُ رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُ فَحَضَرَ الْمَدْيُونُ إلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ فَطَالَبَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِدَيْنِهِ فَقَالَ لَهُ: خُذْ هَذِهِ الْفَرَسَ عِنْدَك حَتَّى أُوَفِّيَك دَيْنَك فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ: لِي عِنْدَك فِضَّةٌ مَالِي عِنْدَك فَرَسٌ وَهَذَا حَيَوَانٌ وَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ لَهُ الْمَدْيُونُ: أَبْرَأَك اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْفِضَّةِ فَمَهْمَا حَدَثَ كَانَ فِي دَرْكِي فَقَعَدَتْ عِنْدَ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَيَّامًا يَعْلِفُهَا وَيَسْقِيهَا وَلَا يَرْكَبُهَا فَأُسْقِطَتْ الْفَرَسُ مَيِّتَةً لَمْ تَسْتَهِلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَدْيُونِ ادَّعَى أَنَّ الْفَرَسَ لَهُ وَطَالَبَ بِسِقْطِ الْفَرَسِ.
فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: أَنَا لَا أَعْرِفُك وَلَا لَك مَعِي كَلَامٌ وَأَحْلِفُ لَك أَنِّي مَا رَكِبْت الْفَرَسَ وَلَا رَكِبَهَا أَحَدٌ عِنْدِي وَلَا ضَرَبْتهَا.
فَهَلْ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ؟ أَوْ عَلَى الَّذِي أَرْهَنَ الْفَرَسَ قِيمَةَ السِّقْطِ أَمْ لَا؟ وَكَمْ يَكُونُ قِيمَةُ السِّقْطِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا قَبَضْت الْفَرَسَ مِنْ مَالِكِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُ ضَمَانُ مَا نَقَصَتْ وَهُوَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْقِيمَاتِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا غَاصِبًا مُتَعَدِّيًا
فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَغْرُورًا وَلَمْ يُتْلَفْ بِسَبَبٍ مِنْهُ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي غَرَّهُ وَضَمِنَ لَهُ الدَّرْكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ رَهْنٌ عَلَى دَيْنٍ ثُمَّ بَاعَهُ مَالِكُهُ فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُثْبِتَ عَقْدَ الرَّهْنِ وَيَفْسَخَ الْبَيْعَ فَعَلَى مَنْ يَدَّعِي؟
فَأَجَابَ:
بَيْعُ الرَّهْنِ اللَّازِمِ بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَجُوزُ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَطْلُبَ دَيْنَهُ مِنْ الرَّاهِنِ الْمَدِينِ إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ عَوْدَ الرَّهْنِ أَوْ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ مِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْبَائِعَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ لَهُ لَكِنَّ؛ الْمُشْتَرِيَ إنْ كَانَ مَغْرُورًا فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ أُجْرَةِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِصُورَةِ الْحَالِ فَهُوَ ظَالِمٌ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ أَرْهَنَ حِيَاصَةً فَاسْتَعْمَلَهَا الْمُرْتَهِنُ فَقَطَعَ سَيْرَهَا وَعَدِمَ طَلْيَهَا؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَتْ نَقَصَتْ بِاسْتِعْمَالِ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ بِالِاسْتِعْمَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الضَّمَانِ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ ضَامِنٍ مُعَيَّنًا وَقَدْ طَلَبَهُ غَرِيمُهُ بِالْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ لِلضَّامِنِ مَقْدِرَةٌ وَقَدْ ادَّعَى غَرِيمُهُ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ؟ أَوْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ الضَّامِنُ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا ذَكَرُوهُ عَنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَحَكَى مَنْعَ ذَلِكَ أَيْضًا بَلْ هُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِهِ فَإِنَّهُ لَا يحوجه إلَى بَيِّنَةٍ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَالَ عَلَى مَا ذَكَرُوا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ ضَمِنَ آخَرَ بِدَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
نَعَمْ يَصِحُّ ضَمَانُ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَيُطَالَبُ الْمُسْتَحِقُّ لِلضَّامِنِ.
لَكِنْ إذَا قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْغَرِيمِ.
فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَدِينِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
قِيلَ: يَرْجِعُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَالشَّافِعِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ حِجْرِ وَالِدِهِ وَضَمِنَ بِغَيْرِ رِضَا وَالِدِهِ ضَمِنَ أَقْوَامًا مُسْتَأْجِرِينَ بُسْتَانًا أَرْبَعَ سِنِينَ وَتَفَاصَلُوا مِنْ الْإِجَارَةِ الَّتِي ضَمِنَهُمْ وَقَدْ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا كَتَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ حُجَّةً بِغَيْرِ الْإِجَارَةِ وَقَدْ طَلَبَ الضَّامِنُ لَهُمْ، فَهَلْ يَجُوزُ طَلَبُهُ بَعْدَ فَسْخِ الْإِجَارَةِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إنْ كَانَ ضَمِنَهُمْ ضَمَانًا شَرْعِيًّا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ
الدَّيْنِ فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُطَالِبَ الضَّامِنَ بِذَلِكَ الْحَقِّ أَوْ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِغَيْرِ مَا ضَمِنَهُ.
وَإِنْ كَانَ تَحْتَ حِجْرِ أَبِيهِ لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، وَلِلضَّامِنِ أَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءَ إذَا طَلَبَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ ضَمِنَ أَمْلَاكًا فِي ذِمَّتِهِ وَقَدْ اُسْتُحِقَّتْ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَرَاهِمُ وَلَهُ مَوْجُودٌ مِلْكٌ يُحْرِزُ الْقِيمَةَ وَزِيَادَةً فَهَلْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَعْتَقِلَ الضَّامِنَ قَبْلَ بَيْعِ الْمَوْجُودِ؟ أَمْ لَا؟ وَإِذَا اعْتَقَلَ الضَّامِنَ وَسَأَلَ خُرُوجَهُ مَعَ تَرْسِيمٍ أَوْ تَسْلِيمِ الْمِلْكِ لِمَنْ يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْغَرِيمُ؟
فَأَجَابَ:
إذَا بَذَلَ بَيْعَ مَالِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَجُزْ عُقُوبَتُهُ بِحَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ وَهُوَ إذَا بَذَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْوَفَاءِ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَرَكَ وَاجِبًا؛ لَكِنْ إنْ خَافَ الْغَرِيمُ أَنْ يَغِيبَ أَوْ لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَيْهِ؛ إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ وَإِمَّا بِعَائِنٍ فِي وَجْهِهِ.
وَالتَّرْسِيمُ عَلَيْهِ مُلَازَمَةٌ.
وَمَتَى اعْتَقَلَهُ الْحَاكِمُ ثُمَّ بَذَلَ بَيْعَ مَالِهِ وَسَأَلَ التَّمْكِينَ مِنْ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَ تَرْسِيمٍ وَإِمَّا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَبِيعُ
الْمِلْكَ وَيُسَلِّمُهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ إلَّا بِخُرُوجِهِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ بِحَبْسٍ مَعَ عَدَمِ تَرْكِهِ الْوَاجِبَ؛ لَكِنْ يَحْتَاطُ بِالْمُلَازَمَةِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ ضَامِنٍ عَلَى أَنَّ دَوَابَّ قَوْمٍ تَنْزِلُ فِي خَانِ البراة وَلَهُ عَلَى النَّاسِ وَظِيفَةٌ عَلَى نُزُولِهِمْ وَعَلَفِهِمْ، فَزَادَ فِي الْوَظِيفَةِ؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لِلضَّامِنِ؛ لَا فِي الشَّرِيعَةِ النَّبَوِيَّةِ وَلَا فِي السِّيَاسَةِ السُّلْطَانِيَّةِ تَغْيِيرُ الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَا أَنْ يُحْدِثَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَوْضُوعًا بِأَمْرِ وُلَاةِ الْأُمُورِ؛ بَلْ الْوَاجِبُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَعُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ وَاسْتِرْجَاعُ مَا قَبَضَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ إذْنٍ.
وَأَمَّا حُكْمُ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ يَنْزِلُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ حَيْثُ أَحَبَّ مَا لَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً شَرْعِيَّةً وَيَعْلِفُهَا هُوَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَكْتَرِيَ لَهَا أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْ أَحَدٍ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ بَلْ أَخْذُ الزِّيَادَةِ بِمَنْزِلَةِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ الْمَيِّتِ حَرَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ يَكْتُبُ ضَمَانَ الْأَسْوَاقِ وَغَيْرَهَا مِنْ الْكِتَابَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِي الشَّرْعِ هَلْ عَلَى الْكَاتِبِ إثْمٌ؟ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ وَيَشْهَدُ عَلَى مَنْ حَضَرَ بِمَا يَرْضَى فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ الْكِتَابَ لَا يَخْلُوَنَّ مِنْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَأْثَمُونَ بِذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
ضَمَانُ السُّوقِ وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الضَّامِنُ مَا يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ مِنْ الدُّيُونِ وَمَا يَقْبِضُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ ضَمَانٌ صَحِيحٌ وَهُوَ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . وَالشَّافِعِيُّ يُبْطِلُهُ فَيَجُوزُ لِلْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ أَنْ يَكْتُبَهُ وَيَشْهَدَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَرَ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ يَحْكُمُ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَسُئِلَ:
عَمَّنْ ضَمِنَ رَجُلًا ضَمَانَ السُّوقِ بِإِذْنِهِ فَطَلَبَ مِنْهُ فَهَرَبَ حَتَّى عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ وَغَرِمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَمْوَالًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا خَسِرَهُ فِي ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَنْفَقَهُ بِسَبَبِ ضَمَانِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ ضَمِنَ رَجُلًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى مَبْلَغٍ وَعِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبْلَغِ مَسَكَ الْغَرِيمُ الضَّامِنَ وَاعْتَقَلَهُ فِي السِّجْنِ فَطَلَبَ الْغَرِيمُ صَاحِبَ الدَّيْنِ فَأَخَذَهُ وَاعْتَقَلَهُ وَبَقِيَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ فِي الْحَبْسِ، فَهَلْ يَجُوزُ اعْتِقَالُ الضَّامِنِ؟
فَأَجَابَ:
مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِذَا اسْتَوْفَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةٌ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمَا جَمِيعًا.
و
َسُئِلَ:
عَمَّنْ طَلَبَ بِمَالٍ عَلَى وَلَدِهِ فَتَغَيَّبَ الْوَلَدُ
فَطَلَبَ مِنْ جِهَةِ وَالِدِهِ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا وَلَدَهُ وَلَا لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ تَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِمَا عَلَيْهِ.
لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ الْوَالِدُ مُعَاوَنَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى إحْضَارِ وَلَدِهِ بِالتَّعْرِيفِ بِمَكَانِهِ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَا تَحِلُّ مُطَالَبَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ كَفُّ الْعُدْوَانِ عَنْهُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ كَاتِبٍ عِنْدَ أَمِيرٍ وَاقْتَرَضَ الْأَمِيرُ مِنْ إنْسَانٍ فَأَلْزَمَهُ الْأَمِيرُ بِالْغَصْبِ أَنْ يَضْمَنَ فِي ذِمَّتِهِ وَضَمِنَهُ وَالْكَاتِبُ تَحْتَ الْحَجْرِ مِنْ وَالِدِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ مَا ضَمِنَهُ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِإِقْرَارٍ وَبَيِّنَةٍ أَوْ خَطِّهِ: لَزِمَهُ مَا ضَمِنَهُ؛ فَإِنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الزَّعِيمَ غَارِمٌ﴾ . فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ: لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ؛
وَلَكِنْ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ الْحَجْرَ.
وَإِنْ قَالَ: إنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْت مَحْجُورًا عَلَيَّ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْإِكْرَاهَ فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمَضْمُونِ لَهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ ضَامِنٍ يَطْلُبُ مِنْهُ السُّلْطَانُ عَلَى الْأَفْرَاحِ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا بَعْضُ الْمُنْكَرَاتِ: مِنْ غِنَاءِ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَبْطَلَهُ وَطَالَبَ الضَّامِنَ بِالْمَالِ الَّذِي لَمْ يَلْتَزِمْهُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الضَّمَانِ وَجَبَ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّمَانِ وَالضَّامِنُ يَعْتَقِدُ دُخُولَهُ؛ لِجَرَيَانِ عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ الضَّمَانِ بِهِ وَأَنَّ الضَّمَانَ وَقَعَ عَلَى الْحَالَةِ وَالْعَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
فَأَجَابَ:
ظُلْمُ الضَّامِنِ بِمُطَالَبَتِهِ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا أَبْلَغُ تَحْرِيمًا مِنْ غِنَاءِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَمَّا هَذَا الْغَنَاءُ فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْعُو إلَى الزِّنَا كَمَا حَرَّمَ النَّظَرَ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَاذًّا؛ وَلِأَنَّ غِنَاءَ الْإِمَاءِ الَّذِي يَسْمَعُهُ الرَّجُلُ قَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَسْمَعُونَهُ فِي
الْعُرْسَاتِ كَمَا كَانُوا يَنْظُرُونَ إلَى الْإِمَاءِ لِعَدَمِ الْفِتْنَةِ فِي رُؤْيَتِهِنَّ وَسَمَاعِ أَصْوَاتِهِنَّ فَتَحْرِيمُ هَذَا أَخَفُّ مِنْ تَحَرِّي الظُّلْمِ فَلَا يُدْفَعُ أَخَفُّ الْمُحَرَّمَيْنِ بِالْتِزَامِ أَشَدِّهِمَا.
وَأَمَّا غِنَاءُ الرِّجَالِ لِلرِّجَالِ فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ.
يَبْقَى غِنَاءُ النِّسَاءِ لِلنِّسَاءِ فِي الْعُرْسِ وَأَمَّا غِنَاءُ الْحَرَائِرِ لِلرِّجَالِ بِالدُّفِّ فَمَشْرُوعٌ فِي الْأَفْرَاحِ كَحَدِيثِ النَّاذِرَةِ وَغِنَاهَا مَعَ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ نَصْبُ مُغَنِّيَةٍ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ: هَذَا مُنْكَرٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَتْ صَنْعَتُهَا وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ ضَمِنَ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ مِنْ الْمَضْمُونِ وَالضَّامِنُ مُتَزَوِّجٌ ابْنَةَ الْمَضْمُونِ فَأَقَامَ الضَّامِنُ فِي السِّجْنِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَنْفَقَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ النَّفَقَةُ الَّتِي أَنْفَقَهَا فِي مُدَّةِ الِاعْتِقَالِ؟ .
فَأَجَابَ:
نَعَمْ مَا أُلْزِمَ الضَّامِنُ بِسَبَبِ عُدْوَانِ الْمَضْمُونِ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ فَيَغِيبُ حَتَّى أَمْسَكَ الْغَرِيمُ لِلضَّامِنِ وَغَرَّمَهُ مَا غَرَّمَهُ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَضْمُونِ الَّذِي ظَلَمَهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ جَمَاعَةٍ ضَمَّنُوا شَخْصًا لِرَجُلِ وَكَانَ الضَّامِنُ ضَامِنًا وَجْهَ الْمَضْمُونِ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ، فَهَلْ يُلْزِمُهُمْ بِإِحْضَارِهِ إلَى بَيْتِهِ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ بَرِئَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْحَبْسِ لَهُ؛ لَكِنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ يَطْلُبُ حَقَّهُ مِنْهُ وَيَسْتَوْفِيهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَبْسِ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْحَبْسِ حَتَّى يُحَاكِمَ غَرِيمَهُ ثُمَّ يُعِيدَهُ إلَيْهِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَجَابَ أَيْضًا: إذَا سَلَّمَهُ ضَامِنُ الْوَجْهِ الَّذِي ضَمَّنُوهُ ضَمَانَ إحْضَارٍ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ؛ فَقَدْ بَرِئُوا مِنْ الضَّمَانِ وَكَانَ لِأَهْلِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ مِنْهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ احْتَاجُوا إلَى الدَّعْوَى عَلَيْهِ مُكِّنُوا مِنْ إخْرَاجِهِ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ.
هَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَسُئِلَ:
عَنْ جَمَّالٍ رَبَطَ جِمَالَهُ فِي الرَّبِيعِ وَلِكُلِّ مَكَانٍ خُفَرَاءُ ثُمَّ سُرِقَ مِنْ الْجَمَّالِ جَمَلٌ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْخُفَرَاءِ حَاضِرًا بَائِنًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانُوا مُسْتَأْجِرِينَ عَلَى حِفْظِهِمْ فَعَلَيْهِمْ الضَّمَانُ بِمَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ اسْتَدَانَ دَيْنًا وَكَفَلَهُ أَبُوهُ وَثَلَاثَةٌ أُخَرُ بِإِذْنِهِ ثُمَّ غَابَ أَبُوهُ فَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ أَحَدِ الْكُفَلَاءِ الْمَالَ وَأَلْزَمَهُ بِوَزْنِهِ، فَهَلْ لِهَذَا الَّذِي وَزَنَ الْمَالَ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا وَزَنَهُ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ عَلَى مَالِ أَبِيهِ الْغَائِبِ وَعَلَى رِفَاقِهِ فِي الْكَفَالَةِ أَمْ يَرُوحُ مَا وَزَنَهُ مَجَّانًا؟ .
فَأَجَابَ:
لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَنْ كَفَلَهُ؛ فَإِنَّ كَفَالَةَ أَبِيهِ لَهُ تَقْتَضِي
أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ أَبِيهِ فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ وَتَصِحُّ كَفَالَتُهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ قَدْ اسْتَدَانَ لِأَبِيهِ وَلَكِنْ أَبُوهُ أَمَرَهُ فَالِاسْتِدَانَةُ لِلْأَبِ وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيفُ الْأَبِ أَنَّ الِاسْتِدَانَةَ لَمْ تَكُنْ لَهُ.
وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
عَمَّنْ سَلَّمَ غَرِيمَهُ إلَى السَّجَّانِ فَفَرَّطَ فِيهِ حَتَّى هَرَبَ؟ .
فَأَجَابَ:
إنَّ السَّجَّانَ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى بَدَنِ الْغَرِيمِ؛ بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيلِ لِلْوَجْهِ عَلَيْهِ إحْضَارُ الْخَصْمِ فَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ - كَمَا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَكْفُولُ - يَضْمَنُ مَا عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ.
بَابُ الْحَوَالَةِ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ أَحَالَ بِدَيْنٍ عَلَى صَدَاقٍ حَالٍّ ثُمَّ إنَّ الْمُحِيلَ قَبَضَ الدَّيْنَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
فَهَلْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِذَلِكَ؟ وَهَلْ يَكُونُ هَذَا الْقَبْضُ صَحِيحًا مُبْرِئًا لِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ لِلْمُحَالِ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ الْقَابِضِ لِمَا قَبَضَهُ وَيَرْجِعُ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِشُرُوطِهَا وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ لَهُ قَبْضُ الْمُحَالِ بِهِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالْإِقْبَاضِ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْمُحَالِ.
وَلِلْمُحْتَالِ أَنْ يَطْلُبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِيُعَادَ مِنْهُ فِي ذِمَّتِهِ وَمِنْ الْقَابِضِ دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْضُ الْغَاصِبِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ بِمَنْزِلَةِ غَصْبِ الْمُشَاعِ فَإِنَّ التَّعْيِينَ بِالْغَصْبِ كَالْقِسْمَةِ فَمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْغَاصِبَ بِالْقِسْمَةِ.
وَلِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لَكِنْ لِلْخَصْمِ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ لَهُ؛ أَنَّ بَاطِنَ هَذَا الْإِقْرَارِ كَظَاهِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
آخِرُ المُجَلَّدِ التَاسِعِ وَالعِشْرِينَ
الْجُزْءُ الثَّلَاثُونَ
كِتَابُ الصُلْحِ إِلَى الوَقْفِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا وَلَهَا بَابَانِ.
كُلُّ بَابٍ فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَأَحَدُهُمَا مَسْدُودٌ وَالْكُتُبُ تَشْهَدُ بِالْبَابَيْنِ وَالْمَسْدُودُ هُوَ الْبَابُ الْأَصْلِيُّ فِي صَدْرِ الزُّقَاقِ؛ فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ.
فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَهُ؟ ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا اشْتَرَى دَارًا بِحُقُوقِهَا وَكَانَ ذَلِكَ الْبَابُ الَّذِي سُدَّ مِنْ حُقُوقِهَا فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَهُ كَمَا كَانَ أَوَّلًا.
إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَقُّ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَبِيعِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ دَارَيْنِ بَيْنَهُمَا شَارِعٌ فَأَرَادَ صَاحِبُ أَحَدِ الدَّارَيْنِ أَنْ يُعَمِّرَ عَلَى دَارِهِ غُرْفَةً تُفْضِي إلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَنْ الدَّارِ الْأُخْرَى.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْجَارِ مِثْلَ أَنْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَا يَمْنَعُ مُشَارَفَتَهُ الْأَسْفَلَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْجَارِ بِأَنْ يَبْنِيَ مَا يَمْنَعُ الْإِشْرَافَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَكُونُ فِيهِ إشْرَافٌ عَلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْبِنَاءِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا وَهِيَ تُشْرِفُ إلَى طَرِيقِ الْمَارَّةِ ثُمَّ إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا.
فَاشْتَرَى مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ أَذْرُعًا مَعْلُومَةً وَأَقَامَ حَائِطًا فِيمَا اشْتَرَاهُ وَأَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ سَابَاطًا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ دَارًا.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمُبْتَاعَةِ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ الَّتِي فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَفْسُقُ الشَّاهِدُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا ادَّعَى الثَّانِي أَنَّ بِنَاءَهُ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ؟ وَمَا الضَّرَرُ الَّذِي لِأَجْلِهِ يُمْنَعُ الْبِنَاءُ عَلَى الطَّرِيقِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَشْرُوحَةِ.
أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذِ وَلَيْسَ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ الطَّرِيقُ وَاسِعَةً أَوْ
ضَيِّقَةً وَلَيْسَ مَعَ الشَّاهِدِ عِلْمٌ لَيْسَ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لِرَجُلِ فَانْتَقَلَتْ عَنْهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأُدْخِلَتْ فِي الطَّرِيقِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ أَنَّهَا لِبَيْتِ الْمَالِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا طَرِيقًا فَهَذَا إنْ أَرَادَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُشْتَرَكَةَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَوِّغْ ذَلِكَ بَيْعَهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مِلْكٌ لِبَيْتِ الْمَالِ يَجُوزُ بَيْعُهَا كَمَا يُبَاعُ بَيْتُ الْمَالِ فَهَذِهِ شَهَادَةُ زُورٍ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالُهُ.
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ بَيْتَيْنِ: أَحَدُهُمَا شرقي الْآخَرِ وَالدُّخُولُ إلَى أَحَدِهِمَا مِنْ تَحْتِ مِيزَابِ الْآخَرِ مِنْ سُلَّمٍ وَذَلِكَ مِنْ قَدِيمٍ.
فَهَلْ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ الَّذِي سُلَّمُهُ وَمَجْرَاهُ تَحْتَ الْمِيزَابِ الْآخَرِ أَنْ يَمْنَعَ هَذَا الْمِيزَابَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى هَذَا السُّلَّمِ لِأَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ الْحَقِّ الْقَدِيمِ مِنْ حَقِّهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَحْدَثَ بُنْيَانًا ورواشنا عَلَى بَابِ الطَّبَقَاتِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ يَكْشِفُ حَرِيمَ جَارِهِ وَطَبَقَ عَلَيْهِ بَابٌ مَطْلَعُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ يُنْزِلُ طَبَقَ الْعَجِينِ وَلَا يُطَلِّعُ قِرْبَةَ سَقَّاءٍ؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يُحْدِثَ فِي الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي لَا يُنْفِذُ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ رَفِيقِهِ وَلَا شُرَكَائِهِ وَلَا أَنْ يُحْدِثَ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ.
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلِلشَّرِيكِ إزَالَةُ ضَرَرِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ؛ لَكِنْ إذَا أُزِيلَ قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ يَعُدْ وَبَعْدَ الْبَيْعِ فَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ لِأَجْلِ هَذَا النَّقْصِ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى حَوَانِيتَ أَرْضًا وَبَنَى مِنْ مُدَّةِ عِشْرِينَ سَنَةً وَفَوْقَهُمْ عُلْوٌ
فَحَضَرَ مَنْ ادَّعَى أَنَّ الْعُلْوَ مِلْكُهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ مَالِكُ الْحَوَانِيتِ عَلَى صِحَّةِ مِلْكِهِ وَأَنْشَأَ عَلَى الْعُلْوِ عِمَارَةً جَدِيدَةً فَهَلْ يَلْزَمُهُ
هَدْمُ مَا أَنْشَأَ مُسْتَجَدًّا؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الْعُلْوِ وَصَاحِبُ السُّفْلِ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى يُقِيمَ غَيْرُهُ حُجَّةَ أَنَّهُ لَهُ.
وَأَمَّا مَا أَنْشَأَهُ مِنْ الْعِمَارَةِ الْجَدِيدَةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ مِلْكِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى طَبَقَةً وَلَمْ يَكُنْ يَرُوزُ ثُمَّ عَمَّرَهَا وَأَحْدَثَ رَوْشَنًا عَلَى جِيرَانِهِ فِي زُقَاقٍ لَيْسَ نَافِذًا وَادَّعَى أَنَّ فِيهِ بَابًا شَرْقِيَّ الظَّاهِرِيَّةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ الرَّوْشَنَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ رَوْشَنًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ؛ لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ إحْدَاثِهِ فِي الدَّرْبِ النَّافِذِ وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَأَمَّا الدَّرْبُ الَّذِي لَا يَنْفُذُ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَابٌ إلَى مَدْرَسَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَافِذِ.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ رَوْشَنٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ الْجِيرَانِ الَّذِينَ تَنَازَعُوا فِيهِ عَلَى نَفْيِ اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ لَهُ دَارٌ وَبَيْنَهُمْ طَرِيقٌ وَنَزَلَ عَلَى أَحَدِهِمْ بِأَنْ كَانَ سَابَاطًا وَلَمْ يَتَضَرَّرْ الْجَارُ وَالْمَارُّ وَقَصَدَ أَحَدُ الْجِيرَانِ أَنْ يُسَاوِيَهُ بِالْبُرُوزِ وَيَخْرُجَ عَنْ جِيرَانِهِ [فِي] 1 الطَّرِيقِ وَيَضُرَّ بِالْجَارِ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا السَّابَاطُ وَنَحْوُهُ إذَا كَانَ مُضِرًّا فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يُخْرِجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الْبِنَاءِ حَتَّى إنَّهُ يُنْهَى عَنْ تَجْصِيصِ الْحَائِطِ مِنْ خَارِجٍ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ حَدُّهُ بِمِقْدَارِ غِلَظِ الْجَصِّ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّابَاطُ وَنَحْوُهُ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
قِيلَ: يَجُوزُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَالْقَوْلِ الْأَخِيرِ.
وَقِيلَ: إنْ مَنَعَهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ امْتَنَعَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
و
َسُئِلَ:
عَنْ زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَفِيهِ جَمَاعَةُ سُكَّانٍ
وَفِيهِمْ شَخْصٌ لَهُ دَارٌ.
فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا غَيْرَ بَابِهِ الْأَصْلِيِّ؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ بَابًا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى آخِرِ الدَّرْبِ مِنْ بَابِهِ الْأَصْلِيِّ؛ إلَّا بِإِذْنِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الِاسْتِطْرَاقِ فِي ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ عَمَّرَ حَوَانِيتَ وَبِجَنْبِهَا خَرِبَةٌ لِإِنْسَانِ فَهَلْ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَفْتَحَ مُشْرَعًا مِنْ الْخَرِبَةِ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ مُشْرَعًا - يَعْنِي بَابًا فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ - إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ حَقُّ الِاسْتِطْرَاقِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ
فَهَدَمَاهُ إلَى آخِرِهِ.
فَهَلْ يَجُوزُ تَعْلِيَتُهُ عَلَى مِلْكِ جَارِهِمَا الْمُسْلِمِ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ لَهُمَا تَعْلِيَتُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ تَعْلِيَةَ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ مَحْظُورَةٌ وَمَا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُ الْمَحْظُورِ إلَّا بِاجْتِنَابِهِ فَهُوَ مَحْظُورٌ.
كَمَا فِي مَسَائِلِ اخْتِلَاطِ الْحَرَامِ بِالْحَلَالِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ وَالْمَائِعَاتِ نَجَاسَةٌ ظَاهِرَةٌ وَكَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ كَالسِّمْعِ وَالْعِسْبَارِ وَالْبَغْلِ وَكَمَا فِي " مَسَائِلِ الِاشْتِبَاهِ " أَيْضًا: مِثْلَ أَنْ تَشْتَبِهَ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اجْتِنَابُ الْمَحْظُورَاتِ إلَّا بِاجْتِنَابِ الْمُبَاحِ فِي الْأَصْلِ؛ وَجَبَ اجْتِنَابُهُمَا جَمِيعًا كَمَا أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِفِعْلِهِ فَفِعْلُهُ وَاجِبٌ.
وَإِنَّمَا ذَاكَ إذَا كَانَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ مَنْعُ الذِّمِّيِّ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ شَرِيكُهُ فَيَجِبُ مَنْعُهُمَا وَلَيْسَ فِي مَنْعِ الْمُسْلِمِ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ عَلَى مُسْلِمٍ تَعْلِيَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَ الشَّرِيكَ مِنْ التَّعْلِيَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ
فِي ذَلِكَ عُلُوٌّ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِذَا عَلَّيَا الْبِنَاءَ وَجَبَ هَدْمُهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ جَاهَ الْمُسْلِمِ ذَرِيعَةً لِرَفْعِ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ.
وَمَنْ شَارَكَ الْكَافِرَ أَوْ اسْتَخْدَمَهُ وَأَرَادَ بِجَاهِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَرْفَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ بَخَسَ الْإِسْلَامَ وَاسْتَحَقَّ أَنْ يُهَانَ الْإِهَانَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ بُسْتَانٍ مُشْتَرَكٍ حَصَلَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ
فَأَرَادَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبْنِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ جِدَارًا فَامْتَنَعَ أَنْ يَدَعَهُ يَبْنِي أَوْ يَقُومَ مَعَهُ عَلَى الْبِنَاءِ.
فَأَجَابَ:
إنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ الْجِدَارُ مِنْ أَرْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَقِّهِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ بُسْتَانٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ثُمَّ قَسَمَاهُ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَ حَائِطَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ فَامْتَنَعَ الشَّرِيكُ أَنْ يُخَلِّيَهُ يَبْنِي فِي أَرْضِهِ، وَعَلَى مَنْ غَرَامَةُ الْبِنَاءِ؟
فَأَجَابَ:
يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ أَنْ يَبْنِيَ الْجِدَارَ فِي الْحَقَّيْنِ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعًا إذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى السُّتْرَةِ.
وَسُئِلَ أَيْضًا:
فَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَ مَعَ شَرِيكِهِ وَبَنَاهُ أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ لَكِنَّهُ وَضَعَ بَعْضَ أَسَاسِهِ مِنْ سَهْمِ هَذَا وَبَعْضَهُ مِنْ سَهْمِ هَذَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الَّذِي لَمْ يَبْنِ مَعَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْجِدَارِ؟ مِثْلَ أَنْ يَضَعَ جَارُهُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَوْ كَانَ الْجِدَارُ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَارُ وَلَا يَضُرَّ بِصَاحِبِ الْجِدَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِمِصْرِ شِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا وَبَنَى فَتَعَرَّضَ لَهُ إنْسَانٌ وَمَنَعَهُ مِنْ الْبِنَاءِ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا بَنَى فِي مِلْكِهِ بِنَاءً لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ عَلَى الْجَارِ؛ لَكِنْ يَخَافُ أَنْ يَسْكُنَ فِي الْبِنَاءِ الْجَدِيدِ نَاسٌ آخَرُونَ فَيَنْقُصُ كِرَاءُ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ مِلْكٌ وَهُوَ وَاقِعٌ فَأَعْلَمُوهُ بِوُقُوعِهِ فَأَبَى أَنْ يَنْقُضَهُ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى صَغِيرٍ فَهَشَّمَهُ هَلْ يَضْمَنُ؟ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ:
هَذَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي عَدَمِ إزَالَةِ هَذَا الضَّرَرِ وَالضَّمَانُ عَلَى الْمَالِكِ الرَّشِيدِ الْحَاضِرِ أَوْ وَكِيلِهِ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ.
وَوُجُوبُ الضَّمَانِ فِي مِثْلِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَاجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَالْأَرْشُ فِي مَا لَا تَقْدِيرَ فِيهِ وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ هَؤُلَاءِ إنْ أَمْكَنَ؛ وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
إذَا احْتَاجَ إلَى إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَلَا ضَرَرَ فَلَهُ ذَلِكَ وَعَنْهُ لِرَبِّهَا (1) مَنْعُهُ كَمَا لَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُ أَوْ عَنْ إجْرَائِهِ فِيهَا.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلِ نَهْرٌ يَجْرِي فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَأَرَادَ جَارُ النَّهْرِ أَنْ يُعَرِّضَهُ إلَى أَرْضِهِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ إلَّا انْتِفَاعُهُ بِالْمَاءِ كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَجْرَاهُ.
وَلَكِنَّهُ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ.
فَأَفْتَيْت بِجَوَازِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؛ فَإِنَّ الْمُرُورَ فِي الْأَرْضِ.
كَمَا أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُ الْمَاءِ فَيَكُونُ حَقًّا لَهُ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَيْضًا.
كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ.
فَهُوَ هُنَا انْتَفَعَ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ كَمَا أَنَّهُ هُنَاكَ انْتَفَعَ بِأَرْضِهِ.
وَنَظِيرُهَا
لَوْ كَانَ لِرَبِّ الْجِدَارِ مَصْلَحَةٌ فِي وَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ
مِنْ1
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
غَيْرِ ضَرَرِ الْجُذُوعِ.
وَعَكْسُ مَسْأَلَةِ إمْرَارِ الْمَاءِ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْرِيَ فِي أَرْضِهِ مِنْ بُقْعَةٍ إلَى بُقْعَةٍ وَيُخْرِجَهُ إلَى أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ إلَى أَرْضِ جَارٍ رَاضٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَلَى رَبِّ الْمَاءِ ضَرَرٌ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ شَغْلَ الْمَكَانِ الْفَارِغِ.
فَكَذَلِكَ تَفْرِيغَ الْمَشْغُولِ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ الْجَارَ.
إمَّا أَنْ يُرِيدَ إحْدَاثَ الِانْتِفَاعِ بِمَكَانِ جَارِهِ أَوْ إزَالَةَ انْتِفَاعِ الْجَارِ الَّذِي يَنْفَعُهُ زَوَالُهُ وَلَا يَضُرُّ الْآخَرَ.
وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ تُوجِبُ لِكُلِّ مِنْ الْحَقِّ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجْنَبِيِّ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا لَا يَحْرُمُ لِلْأَجْنَبِيِّ.
فَيُبِيحُ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْجَارِ الْخَالِي عَنْ ضَرَرِ الْجَارِ وَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْمُنْتَفِعِ إذَا كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا قُلْنَا: بِإِجْرَاءِ مَائِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَاحْتَاجَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي طَرِيقِ مِيَاهٍ مِثْلَ أَنْ يُجْرِيَ مِيَاهَ سُطُوحِهِ وَغَيْرَهَا فِي قَنَاةٍ لِجَارِهِ أَوْ يَسُوقَ فِي قَنَاةٍ غَدِيرَ مَاءٍ ثُمَّ يُقَاسِمُهُ جَازَ.