كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
إذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ يَلْجَئُونَ إلَيْهَا.
فَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَفِي مَذْهَبِهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَتْبَعُ مُدْبَرَهُمْ فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ فَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ كَمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: خَرَجَ صَارِخٌ لِعَلِيِّ يَوْمَ الْجَمَلِ لَا يُقْتَلَنَّ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ.
فَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَقَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ التَّتَارَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ الْمُتَأَوِّلِينَ وَيُحْكَمُ فِيهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَمَا أَدْخَلَ مَنْ أَدْخَلَ فِي هَذَا الْحُكْمِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجَ.
وَسَنُبَيِّنُ فَسَادَ هَذَا التَّوَهُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: إنَّ قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ لَيْسَ كَقِتَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ وَمَذْهَبِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ نَصُّوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَتَّى فِي الْأَمْوَالِ.
فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَ غَنِيمَةَ أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي حرورية كَانَ لَهُمْ سَهْمٌ فِي قَرْيَةٍ فَخَرَجُوا
يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَأَرْضُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُقْسَمُ خُمُسُهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلَّذِينَ قَاتَلُوا يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَوْ يَجْعَلُ الْأَمِيرُ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُقْسَمُ مِثْلُ مَا أَخَذَ عُمَرُ السَّوَادَ عَنْوَةً وَوَقَفَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَجَعَلَ أَحْمَد الْأَرْضَ الَّتِي لِلْخَوَارِجِ إذَا غُنِمَتْ بِمَنْزِلَةِ مَا غُنِمَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
فَإِنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَسِيرَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَفَرُّقٌ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا.
فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ وَفَرِحَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا الْقِتَالُ يَوْمَ صفين فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَالذَّمِّ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ.
وَقَالَ فِي أَهْلِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهِمْ: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا طَهَّرَهُمْ السَّيْفُ وَصَلَّى عَلَى قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ﴿سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حِدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِّيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ: يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ.
فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِي
كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ الَّذِينَ سَارُوا إلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءِ وَلَا صَلَاتُكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءِ وَلَا صِيَامُكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ.
يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ.
لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِمْ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ﴾ . قَالَ فَيَذْهَبُونَ إلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَيَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ.
وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ.
قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ رَئِيسًا.
فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ حَقْوَتِهَا فَإِنِّي أُنَاشِدُكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ.
فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ وَسَلُّوا السُّيُوفَ وَسَحَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ.
قَالَ: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَمَا أُصِيبَ مِنْ النَّاسِ يَوْمئِذٍ إلَّا رَجُلَانِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: الْتَمِسُوا فِيهِمْ الْمُخْدَجَ.
فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ.
فَقَامَ عَلَى سَيْفِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
قَالَ: أَخِّرُوهُمْ.
فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ.
فَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ.
قَالَ: فَقَامَ إلَيْهِ عبيدة السلماني.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
اللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا
هُوَ أَسَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: إي وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ أَيْضًا.
فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي تَكْفِيرِهِمْ.
عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا نِزَاعٌ فِي كُفْرِهِمْ.
وَلِهَذَا كَانَ فِيهِمْ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ بُغَاةٌ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمْ كُفَّارٌ كَالْمُرْتَدِّينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً وَقَتْلُ أَسِيرِهِمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ اُسْتُتِيبَ كَالْمُرْتَدِّ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ: كَمَا أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ إذَا قَاتَلُوا الْإِمَامَ عَلَيْهَا هَلْ يَكْفُرُونَ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قِتَالَ الصِّدِّيقِ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ وَقِتَالَ عَلِيٍّ لِلْخَوَارِجِ لَيْسَ مِثْلَ الْقِتَالِ يَوْمَ الْجَمَلِ وصفين.
فَكَلَامُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فِي الْخَوَارِجِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُفَّارًا كَالْمُرْتَدِّينَ عَنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَلَيْسُوا مَعَ ذَلِكَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين بَلْ هُمْ نَوْعٌ ثَالِثٌ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيهِمْ.
وَمِمَّنْ قَاتَلَهُمْ الصَّحَابَةُ - مَعَ إقْرَارِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - مَانِعِي الزَّكَاةُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ يَقُلْ لَك: إلَّا بِحَقِّهَا.
فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا.
وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا.
قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَلِمْت أَنَّهُ الْحَقُّ ". وَقَدْ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْخَمْسَ وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ.
وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ سَائِغَةٌ فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ وَهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَى مَنْعِهَا وَإِنْ أَقَرُّوا بِالْوُجُوبِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وَقَدْ سَقَطَتْ بِمَوْتِهِ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ الَّذِينَ لَا يَنْتَهُونَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ.
فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ
الْقَوْمَ جَازُوا عَلَى الشَّامِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: عَامَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَأَعْطَوْا النَّاسَ الْأَمَانَ وَقَرَءُوهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَبَوْا مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مَا يُقَالُ إنَّهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ وَفَعَلُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِجَبَلِ الصالحية ونابلس وَحِمْصَ وَدَارِيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ سَبَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَجَعَلُوا يَفْجُرُونَ بِخِيَارِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا كَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالْأُمَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَجَعَلُوا الْجَامِعَ الَّذِي بالعقيبة دَكًّا.
وَقَدْ شَاهَدْنَا عَسْكَرَ الْقَوْمِ فَرَأَيْنَا جُمْهُورَهُمْ لَا يُصَلُّونَ وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا وَلَا إمَامًا وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ.
إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لَا يَعْتَقِدُ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْبَاطِنِ وَإِمَّا مَنْ هُوَ مِنْ شَرِّ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة والاتحادية وَنَحْوِهِمْ وَأَمَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَفْسَقِهِمْ.
وَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ لَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُصَلِّي وَيَصُومُ فَلَيْسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَ الصَّلَاةِ وَلَا إيتَاءَ الزَّكَاةِ.
وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى مُلْكِ جنكسخان.
فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ
وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يَضَعُونَ الْجِزْيَةَ وَالصَّغَارَ.
بَلْ غَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِمْ وَوُزَرَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ كَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا قَالَ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى الشَّامِ وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسُلَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
فَقَالَ هَذَانِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ وجنكسخان.
فَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَبَيْنَ مَلِكٍ كَافِرٍ مُشْرِكٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ كُفْرًا وَفَسَادًا وَعُدْوَانًا مِنْ جِنْسِ بُخْتِ نَصَّرَ وَأَمْثَالِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اعْتِقَادَ هَؤُلَاءِ التَّتَارِ كَانَ فِي جنكسخان عَظِيمًا فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْتَقِدُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَيَقُولُونَ إنَّ الشَّمْسَ حَبَّلَتْ أُمَّهُ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي خَيْمَةٍ فَنَزَلَتْ الشَّمْسُ مِنْ كُوَّةِ الْخَيْمَةِ فَدَخَلَتْ فِيهَا حَتَّى حَبِلَتْ.
وَمَعْلُومٌ عِنْد كُلِّ ذِي دِينٍ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَلَدُ زِنًا وَأَنَّ أَمَّهُ زَنَتْ فَكَتَمَتْ زِنَاهَا وَادَّعَتْ هَذَا حَتَّى تَدْفَعَ عَنْهَا مَعَرَّةَ الزِّنَا وَهُمْ مَعَ هَذَا يَجْعَلُونَهُ أَعْظَمَ رَسُولٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي تَعْظِيمِ مَا سَنَّهُ لَهُمْ وَشَرَعَهُ بِظَنِّهِ وَهَوَاهُ حَتَّى
يَقُولُوا لِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَالِ.
هَذَا رِزْقُ جنكسخان وَيَشْكُرُونَهُ عَلَى أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ وَهُمْ يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ مَنْ عَادَى مَا سَنَّهُ لَهُمْ هَذَا الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ الْمُعَادِي لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ مُقَدِّمِيهِمْ كَانَ غَايَتُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَجْعَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْمَلْعُونِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ كَانَ أَقَلَّ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيكُ مُحَمَّدٍ فِي الرِّسَالَةِ وَبِهَذَا اسْتَحَلَّ الصَّحَابَةُ قِتَالَهُ وَقِتَالَ أَصْحَابِهِ الْمُرْتَدِّينَ.
فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ فِيمَا يُظْهِرُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ يَجْعَلُ مُحَمَّدًا كجنكسخان وَإِلَّا فَهُمْ مَعَ إظْهَارِهِمْ لِلْإِسْلَامِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ جنكسخان عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ وَلَا يُقَاتِلُونَ أُولَئِكَ الْمُتَّبِعِينَ لِمَا سَنَّهُ جنكسخان كَمَا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ أَعْظَمُ.
أُولَئِكَ الْكُفَّارِ يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ وَيَحْمِلُونَ إلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَيُقِرُّونَ لَهُ بِالنِّيَابَةِ وَلَا يُخَالِفُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ إلَّا كَمَا يُخَالِفُ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ لِلْإِمَامِ.
وَهُمْ يُحَارِبُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيُعَادُونَهُمْ أَعْظَمَ مُعَادَاةٍ وَيَطْلُبُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الطَّاعَةَ لَهُمْ وَبَذْلَ الْأَمْوَالِ وَالدُّخُولَ فِيمَا وَضَعَهُ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْكَافِرُ الْمُشْرِكُ الْمُشَابِهُ لِفِرْعَوْنَ أَوْ النمروذ وَنَحْوِهِمَا؛ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا فِي الْأَرْضِ مِنْهُمَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} . وَهَذَا الْكَافِرُ عَلَا فِي الْأَرْضِ: يَسْتَضْعِفُ أَهْلَ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ وَسَبِّي الْحَرِيمِ وَبِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَبَهْلِك الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.
وَيَرُدُّ النَّاسَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا ابْتَدَعَهُ مِنْ سُنَّتِهِ الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرِيعَتِهِ الكفرية.
فَهُمْ يَدَّعُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَيُعَظِّمُونَ دِينَ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَيُطِيعُونَهُمْ وَيُوَالُونَهُمْ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْحُكْمُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَ أَكَابِرِهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَكَذَلِكَ الْأَكَابِرُ مِنْ وُزَرَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ يَجْعَلُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ كَدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا طُرُقٌ إلَى اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبِعَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ دِينَ الْيَهُودِ أَوْ دِينَ النَّصَارَى وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ فَاشٍ غَالِبٌ فِيهِمْ حَتَّى فِي فُقَهَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ لَا سِيَّمَا الْجَهْمِيَّة مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الْفَلْسَفَةُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ وَعَلَى
هَذَا كَثِيرٌ مِنْ النَّصَارَى أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ أَيْضًا؛ بَلْ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ غَالِبَ خَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ وَالْعِبَادِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لِمَا أَبْعَدَ.
وَقَدْ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ وَسَمِعْت مَا لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْمَوْضِعُ.
وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَبِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ سَوَّغَ اتِّبَاعَ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ اتِّبَاعَ شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ كَكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ . وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى دَاخِلُونَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضِ.
وَمَنْ تَفَلْسَفَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَبْقَى كُفْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ وُزَرَائِهِمْ الَّذِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ فَإِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا مُتَفَلْسِفًا ثُمَّ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَالتَّفَلْسُفِ وَضَمَّ إلَى ذَلِكَ الرَّفْضَ.
فَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَفْلَامِ وَذَاكَ أَعْظَمُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَوِي السَّيْفِ.
فَلْيَعْتَبِرْ الْمُؤْمِنُ بِهَذَا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا مِنْ نِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ وَإِلْحَادٍ إلَّا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي اتِّبَاعِ التَّتَارِ؛
لِأَنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ وَأَقَلِّهِمْ مَعْرِفَةً بِالدِّينِ وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ اتِّبَاعِهِ وَأَعْظَمِ الْخَلْقِ اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ.
وَقَدْ قَسَّمُوا النَّاسَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: يال وَبَاعَ وداشمند وطاط - أَيْ صَدِيقُهُمْ وَعَدُوُّهُمْ وَالْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ - فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ الْجَاهِلِيَّةِ وَسُنَّتِهِمْ الكفرية كَانَ صَدِيقَهُمْ.
وَمَنْ خَالَفَهُمْ كَانَ عَدُوَّهُمْ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.
وَكُلُّ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ سَمَّوْهُ " داشمند " كَالْفَقِيهِ وَالزَّاهِدِ وَالْقِسِّيسِ وَالرَّاهِبِ وَدَنَّانِ الْيَهُودِ وَالْمُنَجِّمِ وَالسَّاحِرِ وَالطَّبِيبِ وَالْكَاتِبِ وَالْحَاسِبِ فَيُدْرِجُونَ سَادِنَ الْأَصْنَامِ.
فَيُدْرِجُونَ فِي هَذَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَيَجْعَلُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ نَوْعًا وَاحِدًا.
بَلْ يَجْعَلُونَ الْقَرَامِطَةَ الْمَلَاحِدَةَ الْبَاطِنِيَّةَ الزَّنَادِقَةَ الْمُنَافِقِينَ كالطوسي وَأَمْثَالِهِ هُمْ الْحُكَّامُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَكَذَلِكَ وَزِيرُهُمْ السَّفِيهُ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَيُقَدِّمُ شِرَارَ الْمُسْلِمِينَ كَالرَّافِضَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ حَتَّى تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالرَّافِضَةِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
حَتَّى أَنَّ وَزِيرَهُمْ هَذَا الْخَبِيثَ الْمُلْحِدَ الْمُنَافِقَ صِنْفٌ مُصَنَّفًا؛ مَضْمُونُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُذَمُّونَ وَلَا يُنْهَوْنَ عَنْ دِينِهِمْ وَلَا يُؤْمَرُونَ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَاسْتَدَلَّ الْخَبِيثُ الْجَاهِلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وَزَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْضَى دِينَهُمْ قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مَحْكَمَةٌ؛ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً.
وَجَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا جَهْلٌ مِنْهُ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ دِينُ الْكُفَّارِ حَقًّا وَلَا مَرْضِيًّا لَهُ؛ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَبَرُّئِهِ مِنْ دِينِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ الشِّرْكِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وَقَدْ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِ دِينِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ
الْإِسْلَامِ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَأَنَّهُ جَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَافِرُونَ يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ.
وَقَدْ أَظْهَرُوا الرَّفْضَ وَمَنَعُوا أَنْ نَذْكُرَ عَلَى الْمَنَابِرِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَذَكَرُوا عَلِيًّا وَأَظْهَرُوا الدَّعْوَةَ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ؛ الَّذِينَ تَزْعُمُ الرَّافِضَةُ أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ مَعْصُومُونَ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كُفَّارٌ وَفُجَّارٌ ظَالِمُونَ؛ لَا خِلَافَةَ لَهُمْ وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَمَذْهَبُ الرَّافِضَةِ شَرٌّ مِنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ؛ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ غَايَتُهُمْ تَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَشِيعَتِهِمَا.
وَالرَّافِضَةُ تَكْفِيرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَجُمْهُورِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَتَجْحَدُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمَ مِمَّا جَحَدَ بِهِ الْخَوَارِجُ وَفِيهِمْ مِنْ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْغُلُوِّ وَالْإِلْحَادِ مَا لَيْسَ فِي الْخَوَارِجِ وَفِيهِمْ مِنْ مُعَاوَنَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا لَيْسَ فِي الْخَوَارِجِ.
وَالرَّافِضَةِ تُحِبُّ التَّتَارَ وَدَوْلَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ بِهَا مِنْ الْعِزِّ مَا لَا يَحْصُلُ بِدَوْلَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالرَّافِضَةُ هُمْ مُعَاوِنُونَ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي دُخُولِ التَّتَارِ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ إلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَكَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مُعَاوَنَةً لَهُمْ عَلَى أَخْذِهِمْ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ
وَسَبْيِ حَرِيمِهِمْ.
وَقَضِيَّةُ ابْنِ العلقمي وَأَمْثَالِهِ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَقَضِيَّتِهِمْ فِي حَلَبَ مَعَ صَاحِبِ حَلَبَ: مَشْهُورَةٌ يَعْرِفُهَا عُمُومُ النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ فِي الْحُرُوبِ الَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ النَّصَارَى بِسَوَاحِلِ الشَّامِ: قَدْ عَرَفَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّ الرَّافِضَةَ تَكُونُ مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُمْ عَاوَنُوهُمْ عَلَى أَخْذِ الْبِلَادِ لَمَّا جَاءَ التَّتَارُ وَعَزَّ عَلَى الرَّافِضَةِ فَتْحُ عُكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ السَّوَاحِلِ وَإِذَا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ كَانَ ذَلِكَ غُصَّةً عِنْد الرَّافِضَةِ وَإِذَا غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ وَالنَّصَارَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ عِيدًا وَمَسَرَّةً عِنْدَ الرَّافِضَةِ.
وَدَخَلَ فِي الرَّافِضَةِ أَهْلُ الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ مِنْ " الْنُصَيْرِيَّة " وَ " الإسْماعيليَّة " وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ " الْقَرَامِطَةِ " وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالرَّافِضَةُ جهمية قَدَرِيَّةٌ وَفِيهِمْ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبِدَعِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ فِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الدِّينِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَالصَّحَابَةُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا ذَمَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَوَارِجَ قَوْلُهُ فِيهِمْ: ﴿يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ﴾ كَمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: {بَعَثَ عَلِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِذُهَيْبَةِ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ - يَعْنِي مِنْ أُمَرَاءِ نَجْدٍ - فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ.
قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا.
قَالَ: إنَّمَا أَتَأَلَّفَهُمْ.
فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ.
فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ إذَا عَصَيْته أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ.
فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إنَّ مِنْ ضئضئ هَذَا - أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا - قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ} وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ {: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْسِمُ قَسَمًا - أَتَاهُ ذُو الخويصرة - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ.
فَقَالَ: وَيْلك فَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ أَعْدِلُ قَدْ خِبْت وَخَسِرْت إنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ.
يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ إلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى نَضْيِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ.
آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إحْدَى
عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبِضْعَةِ.
يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ} قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدْ أَنِّي سَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ.
فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتَمَسَ فَأَتَى بِهِ حَتَّى نَظَرْت إلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ.
فَهَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ مِنْ أَعْظَمِ مَا ذَمَّهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَذَكَرَ: أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ وَالْخَوَارِجُ مَعَ هَذَا لَمْ يَكُونُوا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالرَّافِضَةِ يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْكُفَّارِ فَكَانُوا أَعْظَمَ مُرُوقًا عَنْ الدِّينِ مِنْ أُولَئِكَ الْمَارِقِينَ بِكَثِيرِ كَثِيرٍ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَنَحْوِهِمْ إذَا فَارَقُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَيْفَ إذَا ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُشْرِكِينَ - كنائسا - وجنكسخان مَلِكِ الْمُشْرِكِينَ: مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُضَادَّةِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَكُلُّ مَنْ قَفَزَ إلَيْهِمْ مِنْ أُمَرَاءِ الْعَسْكَرِ وَغَيْرُ الْأُمَرَاءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ وَفِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِقَدْرِ مَا ارْتَدَّ عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
وَإِذَا كَانَ السَّلَفُ
قَدْ سَمَّوْا مَانِعِي الزَّكَاةِ مُرْتَدِّينَ - مَعَ كَوْنِهِمْ يَصُومُونَ.
وَيُصَلُّونَ وَلَمْ يَكُونُوا يُقَاتِلُونَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ - فَكَيْفَ بِمَنْ صَارَ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَاتِلًا لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَوْ اسْتَوْلَى هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُحَادُّونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُعَادُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى أَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ لَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى زَوَالِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَدُرُوسِ شَرَائِعِهِ.
أَمَّا الطَّائِفَةُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَنَحْوِهِمَا فَهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُقَاتِلُونَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ مِنْ أَحَقِّ النَّاسِ دُخُولًا فِي الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ: ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ﴿لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ﴾ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِمَدِينَتِهِ النَّبَوِيَّةِ فَغَرْبُهُ مَا يَغْرُبُ عَنْهَا وَشَرْقُهُ مَا يَشْرُقُ عَنْهَا؛ فَإِنَّ التَّشْرِيقَ وَالتَّغْرِيبَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ؛ إذْ كَلُّ بَلَدٍ لَهُ شَرْقٌ وَغَرْبٌ؛ وَلِهَذَا إذَا قَدِمَ الرَّجُلُ إلَى الإسْكَنْدَريَّة مِنْ الْغَرْبِ يَقُولُونَ: سَافَرَ إلَى الشَّرْقِ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ أَهْلَ الشَّامِ: أَهْلَ الْغَرْبِ وَيُسَمُّونَ أَهْلَ نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ: أَهْلَ الشَّرْقِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا وَفِي
رِوَايَةٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ - وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: " أَهْلُ الْغَرْبِ " هُمْ أَهْلُ الشَّامِ - يَعْنِي هُمْ أَهْلُ الْغَرْبِ - كَمَا أَنَّ نَجْدًا وَالْعِرَاقَ أَوَّلُ الشَّرْقِ وَكُلُّ مَا يَشْرُقُ عَنْهَا فَهُوَ مِنْ الشَّرْقِ وَكُلُّ مَا يَغْرُبُ عَنْ الشَّامِ مِنْ مِصْرَ وَغَيْرِهَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغَرْبِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: فِي الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ: وَهُمْ بِالشَّامِ.
فَإِنَّهَا أَصْلُ الْمَغْرِبِ وَهُمْ فَتَحُوا سَائِرَ الْمَغْرِبِ كَمِصْرِ وَالْقَيْرَوَانَ وَالْأَنْدَلُسَ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ غَرْبُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مَا يَغْرُبُ عَنْهَا فَالْبِيرَةُ وَنَحْوُهَا عَلَى مُسَامَتَةِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا أَنَّ حَرَّانَ وَالرَّقَّةَ وسميساط وَنَحْوَهَا عَلَى مُسَامَتَةِ مَكَّةَ فَمَا يَغْرُبُ عَنْ الْبِيرَةِ فَهُوَ مِنْ الْغَرْبِ الَّذِينَ وَعَدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي صِفَةِ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ ﴿أَنَّهُمْ بِأَكْنَافِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ﴾ وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ هِيَ الَّتِي بِأَكْنَافِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ الْيَوْمَ.
وَمَنْ يَتَدَبَّرُ أَحْوَالَ الْعَالَمِ فِي هَذَا الْوَقْتِ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ هِيَ أَقْوَمُ الطَّوَائِفِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ: عِلْمًا وَعَمَلًا وَجِهَادًا عَنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا؛ فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الشَّوْكَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَمُغَازِيهِمْ مَعَ النَّصَارَى وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ التُّرْكِ وَمَعَ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ كالإسْماعيليَّة وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْقَرَامِطَةِ مَعْرُوفَةٌ: مَعْلُومَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
وَالْعِزُّ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا هُوَ بِعِزِّهِمْ وَلِهَذَا لَمَّا هَزَمُوا
سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ الذُّلِّ وَالْمُصِيبَةِ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
وَالْحِكَايَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ سُكَّانَ الْيَمَنِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ضِعَافٌ عَاجِزُونَ عَنْ الْجِهَادِ أَوْ مُضَيِّعُونَ لَهُ؛ وَهُمْ مُطِيعُونَ لِمَنْ مَلَكَ هَذِهِ الْبِلَادَ حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِهَؤُلَاءِ وَمَلِكُ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا جَاءَ إلَى حَلَبَ جَرَى بِهَا مِنْ الْقَتْلِ مَا جَرَى.
وَأَمَّا سُكَّانُ الْحِجَازِ فَأَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ خَارِجُونَ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَفِيهِمْ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالْفُجُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ فِيهِمْ مُسْتَضْعَفُونَ عَاجِزُونَ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقُوَّةُ وَالْعِزَّةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْبِلَادِ فَلَوْ ذَلَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - لَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحِجَازِ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ؛ لَا سِيَّمَا وَقَدْ غَلَبَ فِيهِمْ الرَّفْضُ وَمُلْكُ هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْآنَ مَرْفُوضٌ فَلَوْ غَلَبُوا لَفَسَدَ الْحِجَازُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَأَمَّا بِلَادُ إفْرِيقِيَّةَ فَأَعْرَابُهَا غَالِبُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ؛ بَلْ هُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْجِهَادِ وَالْغَزْوِ.
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى فَمَعَ اسْتِيلَاءِ الْإِفْرِنْجِ عَلَى أَكْثَرِ بِلَادِهِمْ لَا يَقُومُونَ بِجِهَادِ النَّصَارَى هُنَاكَ؛ بَلْ فِي عَسْكَرِهِمْ مِنْ النَّصَارَى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الصُّلْبَانَ خَلْقٌ عَظِيمٌ.
لَوْ اسْتَوْلَى التَّتَارُ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ لَكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مَعَهُمْ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ لَا سِيَّمَا وَالنَّصَارَى
تَدْخُلُ مَعَ التَّتَارِ فَيَصِيرُونَ حِزْبًا عَلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ.
فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْعِصَابَةَ الَّتِي بِالشَّامِ وَمِصْرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ هُمْ كَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ وَعِزُّهُمْ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَذُلُّهُمْ ذُلُّ الْإِسْلَامِ.
فَلَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ التَّتَارُ لَمْ يَبْقَ لِلْإِسْلَامِ عِزٌّ وَلَا كَلِمَةٌ عَالِيَةٌ وَلَا طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَالِيَةٌ يَخَافُهَا أَهْلُ الْأَرْضِ تُقَاتِلُ مِنْهُ.
فَمَنْ قَفَزَ عَنْهُمْ إلَى التَّتَارِ كَانَ أَحَقَّ بِالْقِتَالِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ التَّتَارِ؛ فَإِنَّ التَّتَارَ فِيهِمْ الْمُكْرَهُ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ عُقُوبَةَ الْمُرْتَدِّ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
مِنْهَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ وَلَا تُعْقَدُ لَهُ ذِمَّةٌ؛ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ؛ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد؛ وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ وَلَا يُنَاكِحُ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَإِذَا كَانَتْ الرِّدَّةُ عَنْ أَصْلِ الدِّينِ أَعْظَمَ مِنْ الْكُفْرِ بِأَصْلِ الدِّينِ فَالرِّدَّةُ عَنْ شَرَائِعِهِ أَعْظَمُ مِنْ خُرُوجِ الْخَارِجِ الْأَصْلِيِّ عَنْ شَرَائِعِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ أَحْوَالَ التَّتَارِ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ فِيهِمْ
مِنْ الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ شَرٌّ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ مِنْ التُّرْكِ وَنَحْوِهِمْ وَهُمْ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ تَرْكِهِمْ لِكَثِيرِ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ كَانَ مُسْلِمَ الْأَصْلِ هُوَ شَرٌّ مِنْ التُّرْكِ الَّذِينَ كَانُوا كُفَّارًا؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْأَصْلِيَّ إذَا ارْتَدَّ عَنْ بَعْضِ شَرَائِعِهِ كَانَ أَسْوَأَ حَالًا مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ مِثْلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ قَاتَلَهُمْ الصِّدِّيقُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِعِ مُتَفَقِّهًا أَوْ مُتَصَوِّفًا أَوْ تَاجِرًا أَوْ كَاتِبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ التُّرْكِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ وَأَصَرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَلِهَذَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ عَلَى الدِّينِ مَا لَا يَجِدُونَهُ مِنْ ضَرَرِ أُولَئِكَ وَيَنْقَادُونَ لِلْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمُ مِنْ انْقِيَادِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنْ بَعْضِ الدِّينِ وَنَافَقُوا فِي بَعْضِهِ وَإِنْ تَظَاهَرُوا بِالِانْتِسَابِ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ.
وَغَايَةُ مَا يُوجَدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَكُونُ مُلْحِدًا: نصيريا أَوْ إسْمَاعِيلِيًّا أَوْ رافضيا.
وَخِيَارُهُمْ يَكُونُ جهميا اتِّحَادِيًّا أَوْ نَحْوَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ زِنْدِيقٌ أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ.
وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ.
وَنَحْنُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ إذْ لَا يَتَمَيَّزُ الْمُكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
﴿يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ مِنْ النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُمْ بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ إذْ خُسِفَ بِهِمْ.
فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ فِيهِمْ الْمُكْرَهَ فَقَالَ: يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ﴾ . وَالْحَدِيثُ مُسْتَفِيضٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَخْرَجَهُ أَرْبَابُ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إلَيْهِ بَعْثٌ فَإِذْ كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ.
فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا.
قَالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ؛ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ﴿عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِهِ.
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْت شَيْئًا فِي مَنَامِك لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ.
فَقَالَ: الْعَجَبُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ بِرَجُلِ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ لَجَأَ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَتْ بِهِمْ.
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ.
قَالَ: نَعَمْ؛ فِيهِمْ الْمُسْتَنْصِرُ وَالْمَجْنُونُ وَابْنُ السَّبِيلِ فَيَهْلَكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا؛ وَيُصْدِرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِيَّاتِهِمْ﴾ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ.
قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ﴾
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ﴿: سَيَعُوذُ بِهَذَا الْبَيْتِ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا عَدَدٌ وَلَا عِدَّةٌ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ جَيْشٌ يَوْمئِذٍ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ﴾ . قَالَ يُوسُفُ بْنُ مَاهِكٍ: وَأَهْلُ الشَّامِ يَوْمئِذٍ يَسِيرُونَ إلَى مَكَّةَ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: أَمَّا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِهَذَا الْجَيْشِ.
فَاَللَّهُ تَعَالَى أَهْلَكَ الْجَيْشَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَنْتَهِكَ حُرُمَاتِهِ - الْمُكْرَهُ فِيهِمْ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمْ مَعَ أَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بَلْ لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَمَا رُوِيَ: ﴿أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت مُكْرَهًا.
فَقَالَ: أَمَّا ظَاهِرُك فَكَانَ عَلَيْنَا وَأَمَّا سَرِيرَتُك فَإِلَى اللَّهِ﴾ . بَلْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ وَلَمْ يُمْكِنْ قِتَالُهُمْ إلَّا بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ لَقُتِلُوا أَيْضًا فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نَرْمِيَهُمْ وَنَقْصِدَ الْكُفَّارَ.
وَلَوْ لَمْ نَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَازَ رَمْيُ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَمَنْ قُتِلَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ الَّذِي
أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ - هُوَ فِي الْبَاطِنِ مَظْلُومٌ - كَانَ شَهِيدًا وَبُعِثَ عَلَى نِيَّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ أَعْظَمَ فَسَادًا مِنْ قَتْلِ مَنْ يُقْتَلَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ.
وَإِذَا كَانَ الْجِهَادُ وَاجِبًا وَإِنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
فَقَتْلُ مَنْ يُقْتَلُ فِي صَفِّهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِحَاجَةِ الْجِهَادِ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا؛ بَلْ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُكْرَهَ فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ بِكَسْرِ سَيْفِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ؛ وَإِنْ قُتِلَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثَمَّ تَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثَمَّ تَكُونُ فِتَنٌ: الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي.
أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ - أَوْ وَقَعَتْ - فَمَنْ كَانَ لَهُ إبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: يَعْمِدُ إلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرِ ثُمَّ لِيَنْجُ إنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاةَ.
اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت.
اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت.
اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت.
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.
أَرَأَيْت إنْ أُكْرِهْت حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إلَى إحْدَى الصَّفَّيْنِ أَوْ - إحْدَى الْفِئَتَيْنِ - فَيَضْرِبُنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ بِسَهْمِهِ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِك وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ .
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؛ بَلْ أَمَرَ بِمَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْقِتَالُ مِنْ الِاعْتِزَالِ أَوْ إفْسَادِ السِّلَاحِ الَّذِي يُقَاتِلُ بِهِ وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْمُكْرَهُ وَغَيْرُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمُكْرَهَ إذَا قُتِلَ ظُلْمًا كَانَ الْقَاتِلُ قَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمَ الْمَقْتُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ عَنْ الْمَظْلُومِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا صَالَ صَائِلٌ عَلَى نَفْسِهِ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِالْقِتَالِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد: (إحْدَاهُمَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الصَّفَّ.
وَ (الثَّانِيَةُ يَجُوزُ لَا الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ فَلَا يَجُوزُ بِلَا رَيْبٍ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ؛ بَلْ عَلَيْهِ إفْسَادُ سِلَاحِهِ وَأَنْ يَصْبِرْ حَتَّى يُقْتَلَ مَظْلُومًا فَكَيْفَ بِالْمُكْرَهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الطَّائِفَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَنَحْوِهِمْ فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْحُضُورِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ الْكُفَّارُ عَلَى حُضُورِ صَفِّهِمْ لِيُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ وَكَمَا لَوْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِالْقَتْلِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ حِفْظُ نَفْسِهِ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْمَعْصُومِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ.
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ فَيَقْتُلُهُ لِئَلَّا يُقْتَلَ هُوَ؛ بَلْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ الْقَوَدُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرَهِ جَمِيعًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَفِي الْآخَرِ يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الْمُكْرَهِ فَقَطْ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقِيلَ: الْقَوَدُ عَلَى الْمُكْرَهِ الْمُبَاشِرِ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زُفَرَ.
وَأَبُو يُوسُفَ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِالدِّيَةِ بَدَلَ الْقَوَدِ وَلَمْ يُوجِبْهُ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَفِيهَا: ﴿أَنَّ الْغُلَامَ أُمِرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ ظُهُورِ الدِّينِ﴾ وَلِهَذَا جَوَّزَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبِعَةُ أَنْ يَنْغَمِسَ الْمُسْلِمُ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ؛ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَفْعَلُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ نَفْسَهُ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِهِ لِغَيْرِهِ: كَانَ مَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ وَدَفْعِ ضَرَرِ الْعَدُوِّ الْمُفْسِدِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِذَلِكَ أَوْلَى.
وَإِذَا كَانَتْ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى أَنَّ الصَّائِلَ الْمُسْلِمَ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ صَوْلُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ قِيرَاطًا مِنْ دِينَارٍ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حَرَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ﴾ فَكَيْفَ
بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ الْخَارِجِينَ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الَّذِينَ صُوَلُهُمْ وَبَغْيُهُمْ أَقَلُّ مَا فِيهِمْ.
فَإِنَّ قِتَالَ الْمُعْتَدِينَ الصَّائِلِينَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَؤُلَاءِ مُعْتَدُونَ صَائِلُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحَرَمِهِمْ وَدِينِهِمْ.
وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ يُبِيحُ قِتَالَ الصَّائِلِ عَلَيْهَا.
وَمَنْ قُتِلَ دُونَهَا فَهُوَ شَهِيدٌ فَكَيْفَ بِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَهُمْ مِنْ شَرِّ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ الظَّالِمِينَ.
لَكِنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُونَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً قَبِيحًا وَضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا؛ فَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِي الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ خَرَجُوا بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْإِمَامَ يُرَاسِلُهُمْ فَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً بَيَّنَهَا وَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا.
فَأَيُّ شُبْهَةٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا الْخَارِجِينَ عَنْ شَرَائِعِ الدِّينِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إنَّهُمْ أَقْوَمُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ عِلْمًا وَعَمَلًا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ؛ بَلْ هُمْ مَعَ دَعْوَاهُمْ الْإِسْلَامَ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ أَعْلَمُ بِالْإِسْلَامِ مِنْهُمْ وَأَتْبَعُ لَهُ مِنْهُمْ.
وَكُلُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُنْذِرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شُبْهَةٌ بَيِّنَةٌ يَسْتَحِلُّونَ بِهَا قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ وَهَمَ قَدْ سَبُّوا غَالِبَ حَرِيمِ الرَّعِيَّةِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى أَنَّ النَّاسَ قَدْ رَأَوْهُمْ يُعَظِّمُونَ الْبُقْعَةَ وَيَأْخُذُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَيُعَظِّمُونَ الرَّجُلَ
وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ وَيَسْلُبُونَهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ وَيَسُبُّونَ حَرِيمَهُ وَيُعَاقِبُونَهُ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي لَا يُعَاقَبُ بِهَا إلَّا أَظْلَمُ النَّاسِ وَأَفْجَرُهُمْ وَالْمُتَأَوِّلُ تَأْوِيلًا دِينِيًّا لَا يُعَاقَبُ إلَّا مَنْ يَرَاهُ عَاصِيًا لِلدِّينِ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مَنْ يُعَاقِبُونَهُ فِي الدِّينِ وَيَقُولُونَ إنَّهُ أَطْوَعُ لِلَّهِ مِنْهُمْ.
فَأَيُّ تَأْوِيلٍ بَقِيَ لَهُمْ ثُمَّ لَوْ قَدَرَ أَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلُهُمْ سَائِغًا؛ بَلْ تَأْوِيلُ الْخَوَارِجِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ أَوْجَهُ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ.
أَمَّا الْخَوَارِجُ فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا اتِّبَاعَ الْقُرْآنِ وَإِنَّ مَا خَالَفَهُ مِنْ السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأَمَّا مَانَعُوا الزَّكَاةِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وَهَذَا خِطَابٌ لِنَبِيِّهِ فَقَطْ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ.
فَلَمْ يَكُونُوا يَدْفَعُونَهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا يُخْرِجُونَهَا لَهُ.
وَالْخَوَارِجُ لَهُمْ عِلْمٌ وَعِبَادَةٌ وَلِلْعُلَمَاءِ مَعَهُمْ مُنَاظَرَاتٌ كَمُنَاظَرَتِهِمْ مَعَ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا يُنَاظَرُونَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ.
وَقَدْ خَاطَبَنِي بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: مَلِكُنَا مَلِكٌ ابْنُ مَلِكٍ ابْنُ مَلِكٍ إلَى سَبْعَةِ أَجْدَادٍ وَمَلِكِكُمْ ابْنُ مَوْلًى.
فَقُلْت لَهُ: آبَاءُ ذَلِكَ الْمَلِكِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ وَلَا فَخْرَ بِالْكَافِرِ؛ بَلْ الْمَمْلُوكُ الْمُسْلِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَلِكِ الْكَافِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ . فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا حُجَجُهُمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ مُسَلِّمًا وَجَبَ
عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الْمُسْلِمَ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَلَا يُطِيعَ الْكَافِرَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَدِينَ الْإِسْلَامِ﴾ . إنَّمَا يُفَضَّلُ الْإِنْسَانُ بِإِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ؛ لَا بِآبَائِهِ؛ وَلَوْ كَانُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ شَرِيفًا قُرَشِيًّا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إلَّا بِالتَّقْوَى.
النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِقَبِيلَةِ قَرِيبَةٍ مِنْهُ: ﴿إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُوَالَاتَهُ لَيْسَتْ بِالْقَرَابَةِ وَالنَّسَبِ؛ بَلْ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي قَرَابَةِ الرَّسُولِ فَكَيْفَ بِقُرَابَةِ جنكسخان الْكَافِرِ الْمُشْرِكِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ إيمَانًا وَتَقْوَى كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَسْوَدَ حَبَشِيًّا وَالثَّانِي عَلَوِيًّا أَوْ عَبَّاسِيًّا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ -:
عَنْ أَجْنَادٍ يَمْتَنِعُونَ عَنْ قِتَالِ التَّتَارِ وَيَقُولُونَ: إنَّ فِيهِمْ مَنْ يَخْرُجُ مُكْرَهًا مَعَهُمْ وَإِذَا هَرَبَ أَحَدُهُمْ هَلْ يُتْبَعُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قِتَالُ التَّتَارِ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى بِلَادِ الشَّامِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وَالدِّينُ هُوَ الطَّاعَةُ فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الدِّينِ لِلَّهِ وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَجَبَ الْقِتَالُ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ لَمَّا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَالْتَزَمُوا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ؛ لَكِنْ امْتَنَعُوا مِنْ تَرْكِ الرِّبَا.
فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لَهُ وَلِرَسُولِهِ إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ الرِّبَا.
وَالرِّبَا هُوَ آخِرُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مَالٌ يُؤْخَذُ بِرِضَا صَاحِبِهِ.
فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ يَجِبُ جِهَادُهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرَهَا كَالتَّتَارِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ الطَّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ إذَا امْتَنَعَتْ عَنْ بَعْضِ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا إذَا تَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَوْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ عَنْ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ أَوْ الْخَمْرِ أَوْ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَوْ عَنْ اسْتِحْلَالِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ الرِّبَا أَوْ الْمَيْسِرِ أَوْ عَنْ الْجِهَادِ لِلْكُفَّارِ أَوْ عَنْ ضَرْبِهِمْ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا نَاظَرَ أَبَا بَكْرٍ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ لَا أُقَاتِلُ مَنْ تَرَكَ الْحُقُوقَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ كَالزَّكَاةِ وَقَالَ لَهُ: فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا.
وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا.
قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَلِمْت أَنَّهُ الْحَقُّ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْخَوَارِجَ وَقَالَ فِيهِمْ: {يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ.
أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ
فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ} . وَقَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ.
وَأَوَّلُ مَنْ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ فِي صَدْرِ خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنْي الْعَبَّاسِ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَإِنْ كَانُوا ظَلْمَةً وَكَانَ الْحَجَّاجُ وَنُوَّابَهُ مِمَّنْ يُقَاتِلُونَهُمْ.
فَكُلُّ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَأْمُرُونَ بِقِتَالِهِمْ.
وَالتَّتَارُ وَأَشْبَاهُهُمْ أَعْظَمُ خُرُوجًا عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ الَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ تَرْكِ الرِّبَا.
فَمَنْ شَكَّ فِي قِتَالِهِمْ فَهُوَ أَجْهَلُ النَّاسِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ وَحَيْثُ وَجَبَ قِتَالُهُمْ قُوتِلُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ الْمُكْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
كَمَا قَالَ الْعَبَّاسُ لَمَّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي خَرَجْت مُكْرَهًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَمَّا ظَاهِرُك فَكَانَ عَلَيْنَا وَأَمَّا سَرِيرَتُك فَإِلَى اللَّهِ﴾ . وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَيْشَ الْكُفَّارِ إذَا تَتَرَّسُوا بِمَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الضَّرَرَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ؛ وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَتَرَّسُوا بِهِمْ.
وَإِنْ
لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ الْمُفْضِي إلَى قَتْلِ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ إذَا قُتِلُوا كَانُوا شُهَدَاءَ وَلَا يُتْرَكُ الْجِهَادُ الْوَاجِبُ لِأَجْلِ مَنْ يُقْتَلُ شَهِيدًا.
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَاتَلُوا الْكُفَّارَ فَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ شَهِيدًا وَمَنْ قُتِلَ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ كَانَ شَهِيدًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ مِنْ النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُمْ بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ إذْ خُسِفَ بِهِمْ.
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِيهِمْ الْمُكْرَهُ.
فَقَالَ: يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ﴾ فَإِذَا كَانَ الْعَذَابُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَغْزُو الْمُسْلِمِينَ يُنْزِلُهُ بِالْمُكْرَهِ وَغَيْرِ الْمُكْرَهِ فَكَيْفَ بِالْعَذَابِ الَّذِي يُعَذِّبُهُمْ اللَّهُ بِهِ أَوْ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّا إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ . وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْمُكْرَهَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى التَّمْيِيزِ.
فَإِذَا قَتَلْنَاهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ كُنَّا فِي ذَلِكَ مَأْجُورِينَ وَمَعْذُورِينَ وَكَانُوا هُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ فَمَنْ كَانَ مُكْرَهًا لَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ عَلَى نِيَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا قُتِلَ لِأَجْلِ قِيَامِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ قَتْلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا إذَا هَرَبَ أَحَدُهُمْ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ قِتَالَهُمْ بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ.
وَهَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ.
فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَقَتْلُ أَسِيرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَيْنِ.
فَقِيلَ: لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُنَادِيَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَادَى يَوْمَ الْجَمَلِ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ.
وَقِيلَ: بَلْ يُفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْجَمَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ.
وَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقِتَالِ دَفْعُهُمْ فَلَمَّا انْدَفَعُوا لَمْ يَكُنْ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ؛ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِ الصَّائِلِ.
وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ يَوْمَ الْجَمَلِ وصفين كَانَ أَمْرُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
فَمَنْ جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ جَعَلَ فِيهِمْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ جِنْسِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَهْلِ الطَّائِفِ والخرمية وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ قُوتِلُوا عَلَى مَا خَرَجُوا عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا مَوْضِعٌ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ فَإِنَّ الْمُصَنِّفِينَ فِي " قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ " جَعَلُوا قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقِتَالَ الْخَوَارِجِ وَقِتَالَ عَلِيٍّ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقِتَالَهُ لمعاوية وَأَتْبَاعِهِ: مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَرَّعُوا مَسَائِلَ ذَلِكَ تَفْرِيعَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ وَقَدْ غَلِطُوا؛ بَلْ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ كالأوزاعي وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ
وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا.
فَقِتَالُ عَلِيٍّ لِلْخَوَارِجِ ثَابِتٌ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا الْقِتَالُ " يَوْمَ صفين " وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ؛ بَلْ صَدَّ عَنْهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ؛ مِثْلَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مسلمة وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْعَسْكَرَيْنِ مِثْلَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ تينك الطَّائِفَتَيْنِ؛ لَا الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمَا كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَالْجَيْشَ مَعَهُ فَقَالَ: ﴿إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَأَصْلَحَ اللَّهُ بِالْحَسَنِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِصْلَاحَ بِهِ مِنْ فَضَائِلِ الْحَسَنِ مَعَ أَنَّ الْحَسَنَ نَزَلَ عَنْ الْأَمْرِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ.
فَلَوْ كَانَ الْقِتَالُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ دُونَ تَرْكِ الْخِلَافَةِ وَمُصَالَحَةِ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَمْدَحْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ مَا أَمَرَ بِهِ وَفَعَلَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَا مَدَحَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَفَعَلَ الْأَدْنَى.
فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ لَا الْقِتَالَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَضَعُهُ وَأُسَامَةَ عَلَى فَخِذَيْهِ وَيَقُولُ: {اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ
مَنْ يُحِبُّهُمَا} وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِكَرَاهَتِهِمَا الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ؛ فَإِنَّ أُسَامَةَ امْتَنَعَ عَنْ الْقِتَالِ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ كَانَ دَائِمًا يُشِيرُ عَلَى عَلِيٍّ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ وَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَيْهِ فَعَلَ مَا كَانَ يُشِيرُ بِهِ عَلَى أَبِيهِ.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ﴾ فَهَذِهِ الْمَارِقَةُ هُمْ الْخَوَارِجُ وَقَاتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَهَذَا يَصْدُقُهُ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَتْلَهُمْ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ مَعَ عَلِيٍّ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ مَعَ كَوْنِهِمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ.
فَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِتَالِ لِوَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ كَمَا أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ؛ بَلْ مَدَحَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتَنِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا.
مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي﴾ وَقَالَ: ﴿يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ﴾ .
فَالْفِتَنُ مِثْلُ الْحُرُوبِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ وَطَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُلْتَزِمَةٌ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
مِثْلَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَمَلِ وصفين؛ وَإِنَّمَا اقْتَتَلُوا لِشَبَهِ وَأُمُورٍ عَرَضَتْ.
وَأَمَّا قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَهْلِ الطَّائِفِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ الرِّبَا فَهَؤُلَاءِ يُقَاتَلُونَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الشَّرَائِعِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ أَسِيرِهِمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بِبِلَادِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْصِدُوهُمْ فِي بِلَادِهِمْ لِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ التَّتَارَ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ؛ بَلْ يُقَاتِلُونَ النَّاسَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي طَاعَتِهِمْ فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ كُفُّوا عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا أَعْدَاءَهُ الْكُفَّارَ وَيُوَالُوا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جُنْدِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْيَمَنِ وَالْمَغْرِبِ جَمِيعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ بَعْضًا بِمُجَرَّدِ الرِّيَاسَةِ وَالْأَهْوَاءِ.
فَهَؤُلَاءِ التَّتَارُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَأَنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَعَاوَنُونَ هُمْ وَهُمْ عَلَى
قِتَالِ الْكُفَّارِ.
وَأَيْضًا لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ غَيْرُ مُكْرَهٍ إلَّا فَاسِقٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ أَوْ زِنْدِيقٌ كَالْمَلَاحِدَةِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَكَالرَّافِضَةِ السَّبَّابَةِ وكالْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ مِنْ الْنُّفَاةِ الْحُلُولِيَّةِ وَمَعَهُمْ مِمَّنْ يُقَلِّدُونَهُ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ التَّتَارَ جُهَّالٌ يُقَلِّدُونَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ بِهِ الظَّنَّ وَهُمْ لِضَلَالِهِمْ وَغَيِّهِمْ يَتْبَعُونَهُ فِي الضَّلَالِ الَّذِي يَكْذِبُونَ بِهِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُبَدِّلُونَ دِينَ اللَّهِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ.
وَلَوْ وَصَفْت مَا أَعْلَمُهُ مِنْ أُمُورِهِمْ لَطَالَ الْخِطَابُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَذْهَبُهُمْ وَدِينُ الْإِسْلَامِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَوْ أَظْهَرُوا دِينَ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّ الَّذِي بَعَثَ رَسُولَهُ بِهِ لَاهْتَدَوْا وَأَطَاعُوا: مِثْلَ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ﴾ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ﴾ وَأَوَّلُ الْغَرْبِ مَا يُسَامِتُ الْبِيرَةَ وَنَحْوَهَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَا يَغْرُبُ عَنْهَا فَهُوَ غَرْبٌ كَالشَّامِ وَمِصْرَ.
وَمَا شَرَقَ عَنْهَا فَهُوَ شَرْقٌ كَالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ.
وَكَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ أَهْلَ الشَّامِ " أَهْلَ الْمَغْرِبِ ". وَيُسَمُّونَ أَهْلَ الْعِرَاقِ " أَهْلَ الْمَشْرِقِ ". وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي ذَكَرْتهَا فِيهَا
مِنْ الْآثَارِ وَالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ رَعِيَّةِ الْبِلَادِ كَانُوا يَرَوْنَ مَذْهَبَ الْنُصَيْرِيَّة ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ إلَهٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - يَعْنُونَ الْمَهْدِيَّ - وَأَمَرُوا مَنْ وَجَدَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ وَأَعْلَنُوا بِالْكُفْرِ بِذَلِكَ وَسَبِّ الصَّحَابَةِ وَأَظْهَرُوا الْخُرُوجَ عَنْ الطَّاعَةِ وَعَزَمُوا عَلَى الْمُحَارَبَةِ.
فَهَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُ مُقَاتَلَتِهِمْ؟ وَهَلْ تُبَاحُ ذَرَارِيُّهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَؤُلَاءِ يَجِبُ قِتَالُهُمْ مَا دَامُوا مُمْتَنِعِينَ حَتَّى يَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ الْنُصَيْرِيَّة مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا بِدُونِ اتِّبَاعِهِمْ لِمِثْلِ هَذَا الدَّجَّالِ فَكَيْفَ إذَا اتَّبَعُوا مِثْلَ هَذَا الدَّجَّالِ.
وَهُمْ مُرْتَدُّونَ مِنْ أَسْوَأِ النَّاسِ رِدَّةً: تُقْتَلُ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتَغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ.
وَسَبْيُ الذَّرِّيَّةِ فِيهِ نِزَاعٌ؛ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ تُسْبَى الصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سِيرَةُ الصِّدِّيقِ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَكَذَلِكَ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِرْقَاقِ الْمُرْتَدِّةِ: فَطَائِفَةٌ تَقُولُ: إنَّهَا تُسْتَرَقُّ
كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَطَائِفَةٍ تَقُولُ لَا تُسْتَرَقُّ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ تُسْتَرَقُّ مِنْهُ الْمُرْتَدَّاتُ نِسَاءُ الْمُرْتَدِّينَ؛ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ الَّتِي تَسَرَّى بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُمَّ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالصَّحَابَةُ لَمَّا بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي قِتَالِهِمْ.
وَ " الْنُصَيْرِيَّة " لَا يَكْتُمُونَ أَمْرَهُمْ؛ بَلْ هُمْ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَلَا يَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ وَلَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ وَلَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ وَلَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ وَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِلَهَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَيَقُولُونَ:
نَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا ... حيدرة الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ
وَلَا حِجَابَ عَلَيْهِ إلَّا ... مُحَمَّدٌ الصَّادِقُ الْأَمِينُ
وَلَا طَرِيقَ إلَيْهِ إلَّا ... سَلْمَانُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُظْهِرُوا الرَّفْضَ وَأَنَّ هَذَا الْكَذَّابَ هُوَ الْمَهْدِيُّ الْمُنْتَظَرُ وَامْتَنَعُوا؛ فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ أَيْضًا؛ لَكِنْ يُقَاتَلُونَ كَمَا يُقَاتَلُ الْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ