مجموع الفتاوىصفحات 378-416

كِتَابُ الصِّيَامِ

صفحات 378-416
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

و

َسُئِلَ:

عَنْ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا

إذَا نَمَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ تَابَ كَيْفَ يَتَخَلَّصُ مِنْ الْمَالِ.
وَهَلْ هُوَ حَرَامٌ؟ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُجْعَلَ نَمَاءُ الْمَالِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَيْهِ بِجُزْءِ مِنْ نَمَائِهِ ثُمَّ إنَّ الْأَصْلَ وَنَصِيبَ الْمَالِكِ إذَا تَعَذَّرَ دَفْعُهُ إلَى مَالِكِهِ صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
و

َسُئِلَ:

عَمَّنْ غَصَبَ شَاةً ثُمَّ تَرَاضَى هُوَ وَمَالِكُهَا.

هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهَا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ إذَا تَرَاضَى هُوَ وَمَالِكُهَا جَازَ أَكْلُهَا.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ غُلَامٍ فِي يَدِهِ فَرَسٌ فَطَلَعَتْ نَعَامَةٌ مِنْ إصْطَبْلٍ وَهَجَمَتْ عَلَى الْخَيْلِ وَالْغُلَامُ مَاسِكٌ الْفَرَسَ وَاثْنَانِ قُعُودٌ فَرَفَسَ أَحَدَهُمَا وَتُوُفِّيَ فَمَا يَجِبُ عَلَى الْغُلَامِ؟ وَمَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ؟ . فَأَجَابَ: إذَا رَفَسَتْهُ بِرِجْلِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغُلَامِ وَلَا عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ؛ بَلْ الْفَرَسُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ؛ كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الرَّجُلُ جَبَّارٌ﴾ وَقَالَ الشَّافِعِيِّ: يَضْمَنُ مَا ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ إذَا كَانَ عَلَى الْفَرَسِ رَاكِبٌ أَوْ قَائِدٌ أَوْ سَائِقٌ كَمَا وَافَقَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْيَدِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ الْغُلَامِ الَّذِي هُوَ مُمْسِكٌ لِلْفَرَسِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ أَنْ تُجْفَلَ الْفَرَسُ وَيُحَذِّرَ الْقَرِيبَ مِنْهَا.
فَيَقُولُ: حَاذِرُوا.
فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَمَنْ رَفَسَتْ مِنْهُمَا كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَحَدٍ ضَمَانٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ جَمَلٍ كَبِيرٍ مَرْبُوطٍ عَلَى الرَّبِيعِ وَإِلَى جَانِبِهِ قَعُودٌ صَغِيرٌ لِآخَرَ غَيْرِ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْكَبِيرِ ثُمَّ غَابَ أَصْحَابُ الْجَمَلَيْنِ فَانْقَلَبَ الْكَبِيرُ عَلَى الصَّغِيرِ فَقَتَلَهُ.
فَمَا حُكْمُهُ؟ . فَأَجَابَ: إذَا كَانَ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْكَبِيرِ لَمْ يُفَرِّطْ فِي مَنْعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَيَّدَهُ الْقَيْدَ الَّذِي يَمْنَعُهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ فَرَّطَ بِأَنْ قَيْدَهُ قَيْدًا خَفِيفًا لَا يَمْنَعُهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الشُّفْعَةِ

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْعَقَارِ الَّذِي يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ - قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ - كَالْقَرْيَةِ وَالْبُسْتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتَنَازَعُوا فِيمَا لَا يَقْبَلُ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ؛ وَإِنَّمَا يُقْسَمُ بِضَرَرِ أَوْ رَدِّ عِوَضٍ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّرَاضِي.
هَلْ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: تَثْبُتُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: كَابْنِ سُرَيْجٍ.
وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: كَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ.
وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُهَذَّبِ عَنْ مَالِكٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالثَّانِي: لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ وَاخْتِيَارُ

كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ حُجَّتَانِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُمْ: إنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِرَفْعِ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ وَمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الضَّرَرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لَتَضَرَّرَ الشَّرِيكُ؛ فَإِنَّهُ إنْ بَاعَهُ لَمْ يَرْغَبْ النَّاسُ فِي الشِّرَاءِ؛ لِخَوْفِهِمْ مِنْ انْتِزَاعِهِ بِالشُّفْعَةِ.
وَإِنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ فَلَا يُمْكِنُهُ الْبَيْعُ وَلَا الْقِسْمَةُ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ ضَرَرِ شَرِيكِهِ.
فَلَوْ أَثْبَتْنَا فِيهِ الشُّفْعَةَ لِرَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ لَزِمَ إضْرَارُ الشَّرِيكِ الْبَائِعِ.
وَالضَّرَرُ لَا يَزَالُ بِالضَّرَرِ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ.
فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ﴾ وَلَمْ يَشْتَرِطْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ وَالرَّبْعَةِ وَالْحَائِطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ: فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ كَلَامِ الرَّسُولِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ مِنْ كَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا فِي بَابِ تَأْسِيسِ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ.
وَلَيْسَ عَنْهُ لَفْظٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الشُّفْعَةِ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ

فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ} فَلَمْ يَمْنَعْ الشُّفْعَةَ إلَّا مَعَ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَصَرْفِ الطُّرُقِ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ.
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يَنْتَظِرُهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا﴾ فَإِذَا قَضَى بِهَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الطَّرِيقِ؛ فَلَأَنْ يَقْضِيَ بِهَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي رَقَبَةِ الْمِلْكِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي شُفْعَةِ الْجَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
أَعْدَلُهَا هَذَا الْقَوْلُ: إنَّهُ إنْ كَانَ شَرِيكًا فِي حُقُوقِ الْمِلْكِ ثَبَتَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَيْضًا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ فَمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ أَوْلَى بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِالْمُقَاسِمَةِ وَمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ يَكُونُ ضَرَرُ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ أَشَدَّ.
وَظَنُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا تَثْبُتُ لِرَفْعِ الْمُقَاسَمَةِ؛ لَا لِضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ كَلَامٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
أَنَّهُ إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْقِسْمَةَ فِيمَا يَقْبَلُهَا وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَلَوْ كَانَ ضَرَرُ الْمُشَارَكَةِ أَقْوَى لَمْ يَرْفَعْ أَدْنَى الضَّرَرَيْنِ بِالْتِزَامِ أَعْلَاهُمَا وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الدُّخُولَ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ لِرَفْعِ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ؛ فَإِنَّ شَرِيعَةَ

اللَّهِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ مِثْلِ هَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ ضَرَرَ الشَّرِيكِ الْبَائِعِ.
فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْمُقَاسَمَةَ وَلَمْ يُمْكِنْ قِسْمَةُ الْعَيْنِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ تُبَاعُ وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي غُلَامٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْغُلَامِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ﴾ فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ قِيمَةِ الْجَمِيعِ؛ لَا فِي قِيمَةِ نِصْفِ الْجَمِيعِ؛ فَإِنَّهُ إذَا بِيعَ الْعَبْدُ كُلُّهُ سَاوَى أَلْفَ دِرْهَمٍ مَثَلًا وَإِذَا بِيعَ نِصْفُهُ سَاوَى أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَحَقُّ الشَّرِيكِ نِصْفُ الْأَلْفِ.
فَهَكَذَا فِي الْعَقَارِ الَّذِي لَا يُقْسَمُ يَسْتَحِقُّ نِصْفَ قِيمَتِهِ جَمِيعِهِ فَيُبَاعُ جَمِيعُ الْعَقَارِ وَيُعْطَى حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ كَمَالُ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

و

َسُئِلَ:

عَنْ رَجُلٍ لَهُ مِلْكٌ وَلَهُ شَرِكَةٌ فِيهِ.
فَاحْتَاجَ إلَى بَيْعِهِ

فَأَعْطَاهُ إنْسَانٌ فِيهِ شَيْئًا مَعْلُومًا فَبَاعَهُ.
فَقَالَ: زِنْ لِي مَا قُلْت فَنَقَصَهُ عَنْ الْمِثْلِ.
فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَصِحُّ لِلشَّرِيكِ شُفْعَةٌ؟ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: إذَا بَاعَهُ بِثَمَنِ مَعْلُومٍ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَدَاءُ ذَلِكَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا؛ وَقَدْ فَاتَ: كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ.
وَإِذَا كَانَ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا فَلِلشَّرِيكِ فِيهِ الشُّفْعَةُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا وَكُلَّمَا طَلَبَهُ الشَّفِيعُ أَظْهَرَ صُورَةَ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بِدُونِ الرُّؤْيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَفَسَخَهُ الْحَاكِمُ وَأَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِبَرَاءَةِ الْبَائِعِ مِمَّا كَانَ قَبَضَهُ وَوَقَفَ الشِّقْصَ عَلَى الْمُشْتَرِي كُلُّ ذَلِكَ دَفْعًا لِلشُّفْعَةِ.
فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلشُّفْعَةِ؟ وَهَلْ تَكُونُ هَذِهِ

التَّصَرُّفَاتُ صَحِيحَةَ؟ . فَأَجَابَ: الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الِاحْتِيَالِ عَلَيْهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا وَبَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ الْمَالِكُ بَيْعَ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ؛ مَعَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّ مُسْلِمٍ وَمَا وَجَدَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ لِأَجْلِ الِاحْتِيَالِ الْمُحَرَّمِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَمَا ذَكَرَ مِنْ إظْهَارِ صُورَةِ انْفِسَاخِ الْمَبِيع وَعَوْدِ الشِّقْصِ إلَى الْبَائِعِ ثُمَّ إظْهَارِ بَرَاءَةِ الْبَائِعِ وَوَقْفِهِ: فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَالشِّقْصُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَحَقُّ الشَّفِيعِ ثَابِتٌ فِيهِ؛ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ تَرْكًا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و

َسُئِلَ:

عَنْ شِقْصٍ مَشْفُوعٍ ثَبَتَ وَقْفُهُ

وَثَبَتَ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ فِيهِ لِلشَّرِيكِ وَلَمْ يُثْبِتْ الشَّرِيكُ أَخْذَهَا؟ . فَأَجَابَ: لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ إلَّا إذَا أَثْبَتَ أَنَّ الشَّرِيكَ يَمْلِكُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ الْمَوْقُوفَ عَلَى مَا فِي تَمَلُّكِهِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ فَلَا يَنْقُضُ الْوَقْفَ الْمُتَقَدِّمَ

قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي؛ بَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ مَوْقُوفًا فَإِنْ أَخَذَ الشَّرِيكُ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ بَطَلَ التَّصَرُّفُ الْمَوْجُودُ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ؛ وَإِلَّا فَلَا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى نِصْفَ حَوْشٍ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ وَأَوْقَفَ حِصَّتَهُ قَبْلَ طَلَبِ الشَّرِيكِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الشَّرِيكَ الْأَوَّلَ قَالَ: أَنَا آخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ.
فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ . فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ وَقَفَهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَشُفْعَةُ الْأَوَّلِ بَطَلَتْ؛ لِكَوْنِهِ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ عِلْمِهِ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ مِلْك الْمُشْتَرِي بِوَقْفِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا شُفْعَةَ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ.
وَأَمَّا الْوَقْفُ وَالْهِبَةُ فَفِيهِ نِزَاعٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ حِصَّةٌ مَعَ شَاهِدٍ ثُمَّ بَاعَ الشَّرِيكُ حِصَّتَهُ لِشَاهِدِ آخَرَ بِزِيَادَةِ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فِي الظَّاهِرِ وَتَوَاطَآ بَيْنَهُمَا فِي الْبَاطِنِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ دَفْعًا لِلشُّفْعَةِ.
فَهَلْ تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ؟ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ وَالِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّ الْمُسْلِمِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَرَاضَيَا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ إذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ ذَلِكَ وَإِنْ مَنَعَهُ ذَلِكَ قُدِحَ فِي دِينِهِ.
وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالشُّفْعَةِ إذَا تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ.

بَابُ الْوَدِيعَةِ

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ دَلَّالٍ أَعْطَاهُ إنْسَانٌ قُمَاشًا لِيَخْتِمَهُ وَيَبِيعَهُ فَمَا وَجَدَ الْخِتَامَ فَأَوْدَعَهُ عِنْدَ رِجْلٍ خَيَّاطٍ أَمِينٍ عَادَتُهُمْ يُودِعُونَ عِنْدَهُ فَحَضَرَ صَاحِبُ الْقُمَاشِ هُوَ وَدَلَّالٌ آخَرُ وَأَخَذُوا الْقُمَاشَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ الَّذِي أَوْدَعَهُ حَاضِرًا فَادَّعَى صَاحِبُ الْقُمَاشِ أَنَّهُ عُدِمَ لَهُ مِنْهُمْ ثَوْبٌ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الدَّلَّالُ: فَهَلْ يَلْزَمُ الدَّلَالَ الَّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ شَيْءٌ؟ أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا ادَّعَوْا عَدَمَ قَبْضِ الْوَدِيعَةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الدَّلَّالُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى تَصْدِيقِ دَعْوَاهُمْ.
وَأَمَّا إذَا عُدِمَ مِنْهَا شَيْءٌ: فَإِنْ كَانَ الدَّلَّالُ فَرَّطَ بِحَيْثُ فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا ضَمِنَ فَإِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ الْإِيدَاعُ عِنْدَ هَذَا الْأَمِينِ وَأَصْحَابُ الْقُمَاشِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَهُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الدَّلَّالِينَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ بِنْتَيْنِ وَزَوْجَةً وَإِحْدَى الْبِنْتَيْنِ غَائِبَةٌ.
فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ النَّظَرُ عَلَى هَذِهِ التَّرِكَةِ أَنْ يُودِعَ مَالَ الْغَائِبَةِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ هَلْ يَحْفَظُهُ الْمُودَعُ عِنْدَهُ أَمْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِنَفْسِهِ؟ وَإِذَا حَدَثَ مَظْلِمَةٌ عَلَى جُمْلَةِ التَّرِكَةِ: هَلْ يَخْتَصُّ بِاسْتِدْفَاعِهَا عَنْ التَّرِكَةِ مَالُ الْغَائِبَةِ أَوْ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَالِ الْمَتْرُوكِ؟ وَإِذَا اسْتَوْدَعَ عِنْدَهُ قَدْ يَحْفَظُهُ وَقَدْ يَتَصَرَّفُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ: فَهَلْ لِلْمُسْتَحِقِّ لَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ أَوْدَعَهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ وَقَدْ مَاتَ النَّاظِرُ وَالْمُودِعُ وَطُلِبَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُودِعِ فَلَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ غُصِبَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْإِبْرَاءُ لِذِمَّةِ الْمُسْتَوْدَعِ عِنْدَهُ أَنْ يُتْرَكَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ عَيْنَ يَدِهِ عَلَيْهِ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ وَرَثَتِهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ عَنْهُ مِنْ صَدَقَاتِهِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ بِجِهَةِ مَخْصُوصَةٍ؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الْمَالُ صَارَ تَحْتَ يَدِهِ أَمَانَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهُ حِفْظَ الْأَمَانَاتِ وَلَا يُودِعَهُ إلَّا لِحَاجَةِ - فَإِنْ أَوْدَعَهُ عِنْدَ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حِفْظُهُ لَهُ - كَالْحَاكِمِ الْعَادِلِ إنْ وُجِدَ أَوْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِي إيدَاعِهِ تَفْرِيطٌ.
فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ فَرَّطَ فِي إيدَاعِهِ فَأَوْدَعَهُ لِخَائِنِ

أَوْ عَاجِزٍ مَعَ إمْكَانِ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُفَرِّطٌ ضَامِنٌ.
وَأَمَّا الْمُودَعُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ فَفِي تَضْمِينِهِ قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
أَظْهُرُهُمَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَمَا حَصَلَ بِسَبَبِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ الْمَغَارِمِ الَّتِي تُؤْخَذُ ظُلْمًا أَوْ غَيْرَ ظُلْمٍ فَهِيَ عَلَى الْمَالِ جَمِيعِهِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَعْضُهُ.
وَإِذَا غَصَبَ الْوَدِيعَةَ غَاصِبٌ فَلِلنَّاظِرِ الْمُودِعِ أَنْ يُطَالِبَهُ.
وَلِلْمُودِعِ أَيْضًا أَنْ يُطَالِبَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُودَعِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَحِقُّ الْمَالِكُ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْغَاصِبَ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ النَّاظِرَ أَوْ الْمُودَعَ إنْ حَصَلَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ.
فَأَمَّا بِدُونِ التَّفْرِيطِ وَالْعُدْوَانِ فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ.
وَإِذَا مَاتَ هَذَا الْمُودَعُ وَلَمْ يُعْلَمْ حَالُ الْوَدِيعَةِ: هَلْ أُخِذَتْ مِنْهُ أَوْ أَخَذَهَا أَوْ تَلِفَتْ فَإِنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا عَلَى تَرِكَتِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِهِ.
وَإِذَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ وَجَبَ وَفَاؤُهَا مِنْ مَالِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ الْوَقْفِ وُفِّيَتْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ الْوَقْفِ فَفِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
كَمَالِكِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَقْفُ قَدْ صَحَّ وَلَزِمَ وَلَهُ مُسْتَحِقُّونَ وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِمَّنْ تَنَاوَلَهُ الْوَقْفُ: لَمْ يَكُنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ مِمَّنْ تَنَاوَلَهُ الْوَقْفُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ فَقِيرٌ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّرْفَ إلَى هَذَا الْفَقِيرِ الَّذِي لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْوَاقِفِ أَوْلَى مِنْ الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ مَالًا عَلَى أَنَّهُ يُوَصِّلُهُ إنْ مَاتَ الْمُودَعُ لِأَوْلَادِهِ فَمَاتَ وَتَرَكَ وَرَثَةً غَيْرَ أَوْلَادِهِ وَهُمْ زَوْجَتَانِ وَمِنْ إحْدَاهُمَا ابْنَانِ وَبِنْتَانِ مِنْ غَيْرِهَا وَادَّعَى ذُو السُّلْطَانِ أَنَّ أُمَّ الِابْنَيْنِ جَارِيَةٌ لَهُ تَحْتَ رِقِّهِ وَأَخَذَهَا وَأَوْلَادَهَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّهُ.
فَهَلْ يَكُونُ الْأَوْلَادُ مُخْتَصِّينَ بِجَمِيعِ الْمَالِ؟ أَوْ هُوَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ؟ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدَيْنِ مَمْلُوكَةٌ هَلْ لَهُ أَنْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا يَخُصُّ الْوَلَدَيْنِ وَأُمَّهُمْ؟ أَوْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ نَصِيبَهُمْ لِلْوَلَدِ رَجَاءً فِي رَفْعِ الْمِلْكِ عَنْهُ أَوْ يَفْدِيهِ مِنْ الرِّقِّ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي الْمَالِ إنْ أَبْقَاهُ لِئَلَّا تُفْنِيَهُ الزَّكَاةُ؟

فَأَجَابَ: إذَا كَانَ هَذَا الْمَالُ لِلْمُودِعِ وَجَبَ أَنْ يُوَصِّلَ إلَى كُلِّ وَارِثٍ حَقَّهُ مِنْهُ سَوَاءٌ خَصَّ بِهِ الْمَالِكُ أَوْلَادَهُ أَوْ لَمْ يَخُصَّهُمْ.
وَلَيْسَ لِهَذَا الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ﴾ . وَلَوْ صَرَّحَ الْوَصِيُّ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِالْمَالِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِدُونِ إجَازَةِ الْبَاقِينَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا الْمُدَّعِي الْمُسْتَوْلَدَةَ فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا سِيَّمَا إنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَارِيَةَ؛ فَإِنَّ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِالتَّمْلِيكِ؛ بَلْ الْأَمَةُ أُمُّ الْوَلَدِ وَأَوْلَادُهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ.
وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهَا أَمَةُ الْمُدَّعِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَكَانَ الْوَاطِئُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أَمَتُهُ.
فَأَوْلَادُهُ أَحْرَارٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَهَذَا الْمُودِعُ يَحْفَظُ نَصِيبَ هَؤُلَاءِ الصِّغَارِ.
فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ عَالِمٌ عَادِلٌ قَادِرٌ يَحْفَظُ هَذَا الْمَالَ لَهُمْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْفَظُ الْمَالَ لَهُمْ أَبْقَاهُ بِيَدِهِ وَلْيَتَّجِرْ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَالرِّبْحُ لِلْيَتِيمِ وَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا تَرِثُ مِنْ سَيِّدِهَا شَيْئًا؛ لَكِنْ إذَا مَاتَ أَحَدُ بَنِيهَا [وَرِثَتْ مِنْهُ] 1 وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة

وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ بَعِيرٌ وَدِيعَةً فَسُرِقَ مِنْ جُمْلَةِ إبِلِهِ ثُمَّ لَحِقَ السَّارِقَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْإِبِلَ وَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ الْبَعِيرِ لِلْمُودِعِ حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ كَانَ الْبَعِيرُ عَلَى مِلْكِهِ.
فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ وَقَصَدَ بِذَلِكَ مِلْكَ الْحِفْظِ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا إذَا مَلَكَ قَبْضَهُ وَالِاسْتِيلَادَ عَلَيْهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا إثْمَ؛ وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ مَلَكَهُ الْمِلْكَ الْمَعْرُوفَ فَهَذَا كَذِبٌ؛ لَكِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ جَوَازَ هَذَا لِدَفْعِ الظُّلْمِ وَفِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ وَيَتُبْ إلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و

َسُئِلَ:

عَنْ الِاقْتِرَاضِ مِنْ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنِهِ.

فَأَجَابَ: وَأَمَّا الِاقْتِرَاضُ مِنْ مَالِ الْمُودِعِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُودَعُ عِلْمًا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ قَلْبُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ رَاضٍ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَهَذَا

إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ رَجُلٍ اخْتَبَرْته خِبْرَةً تَامَّةً وَعَلِمْت مَنْزِلَتَك عِنْدَهُ كَمَا نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ فِي بُيُوتِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَكَمَا بَايَعَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ غَائِبٌ وَمَتَى وَقَعَ فِي ذَلِكَ شَكٌّ لَمْ يَجُزْ الِاقْتِرَاضُ.
وَقَالَ: إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ سِلْعَةً: جَمَلًا أَوْ غَيْرَهُ وَهُوَ مُودَعٌ فَأَوْدَعَهُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْمُودِعِ ثُمَّ بَاعَهُ الْآخَرُ كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي بَاطِلًا.
وَإِذَا سَلَّمَهُ الْمُودِعُ إلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي كَانَ لِمَالِكِهِ - وَهُوَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ - أَنْ يُطَالِبَ بِهِ الْمُودَعَ الَّذِي سَلَّمَهُ وَيُطَالِبَ بِهِ الْمُشْتَرِيَ الَّذِي تَسَلَّمَهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ قَوْمٍ لَهُمْ عِنْدَ رَاهِبٍ فِي دَيْرٍ وَدِيعَةٌ وَادَّعَى عَدَمَهَا مَعَ مَا كَانَ فِي الدَّيْرِ ثُمَّ ظَهَرَ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ مَا عَدِمَ مِنْ الدَّيْرِ قَدْ بَاعَهُ.
فَهَلْ يُلْزَمُ بِالْمَالِ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟ وَدَيْرُ هَذَا الرَّاهِبِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ الْمَالِحِ وَلَهُ أَخٌ حَرَامِيٌّ فِي الْبَحْرِ يَأْوِي إلَيْهِ وَالْحَرَامِيَّةُ أَيْضًا.

فَمَا يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ فِيهِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَخَرَابُ دَيْرِهِ؟ وَكَانَ أَهْلُ الْمَالِ طَلَبُوا مَالَهُمْ مِنْهُ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُمْ وَلَهُمْ شُهُودٌ نَصَارَى يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي لِلْمُودِعِ لَمْ يَذْهَبْ فَادَّعَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ ذَهَبَتْ دُونَ مَالِهِ فَهُنَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَمَّنَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَدِيعَةً ادَّعَى أَنَّهَا ذَهَبَتْ دُونَ مَالِهِ.
وَأَمَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ذَهَبَ جَمِيعُ الْمَالِ ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَهُنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ أَوْكَدُ.
فَإِذَا ادَّعَى الْمُودِعُ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ طَلَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْهُ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ خَانَ فِي الْوَدِيعَةِ وَلَمْ تَتْلَفْ: كَانَ قَبُولُ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ أَقْوَى وَأَوْكَدَ؛ بَلْ يَسْتَحِقُّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الَّذِي يَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ الْكَذِبِ.
وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَبُولُ شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ هُنَا أَوْكَدُ.
وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِظُهُورِ رُجْحَانِ قَوْلِ الْمُدَّعِي

فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَيْضًا.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يُؤْوِي أَهْلَ الْحَرْبِ أَوْ يُعَاوِنُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ قَدْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ وَالْوَاجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ أَلَّا يَتْرُكُوا مِثْلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤْمَنُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ ضَرَرُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُنْقَلُ إلَيْهِمْ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ.
وَسُئِلَ: عَنْ وَدِيعَةٍ فِي كِيسٍ مَخْتُومٍ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ وَلَا عَايَنَهُ.
وَذَكَرَ الْمُودِعُ أَنَّهَا أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَثَلَاثَ تَفَاصِيلَ وَعُدِمَتْ الْوَدِيعَةُ فِي جُمْلَةِ قُمَاشٍ.
وَلَمَّا عُدِمَتْ قَالَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ: إنَّ مَا فِيهَا شَيْءٌ يُسَاوِي سَبْعَةَ آلَافٍ.
فَهَلْ يُلْزِمُ الْمُودَعَ غَرَامَةَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَوَّلِ؟ أَمْ يُلْزِمُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْآخِرِ؟ . فَأَجَابَ: إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ.
وَإِذَا ذَهَبَتْ مَعَ مَالِهِ كَانَ أَبْلَغَ وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ بِسَبَبِ ظَاهِرٍ مَعْلُومٍ: كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ وَقُبِلَ قَوْلُهُ.

مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ: فِي إنْسَانٍ يَضَعُ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ وَدِيعَةً بِيَدِهِ مِنْ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ فِي صُنْدُوقٍ غَيْرِ مَقْفُولٍ بِقُفْلِ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَمَرِضَ الْمُودَعُ مَرَضًا بَلَغَ فِيهِ الْمَوْتَ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عِنْدَهُ يَبِيتُ وَيُصْبِحُ فَسَأَلَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً أَنْ يَأْخُذَ وَدِيعَتَهُ أَوْ يَقْفِلَ عَلَيْهَا بِقُفْلِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَعُدِمَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ حِرْزِهِ - بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ - وَحَدَّهَا وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ عُدِمَتْ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ.
فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُودَعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ ضَمَانُهَا؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِصَاحِبِهَا إلْزَامُ الْمُودَعِ بِهَا وَعَسْفُهُ بِالْوِلَايَةِ؟ أَمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ طَلَبُ ذَلِكَ بِالْوِلَايَةِ؟ وَهَلْ إذَا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - رَدْعُهُ وَزَجْرُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وُصِفَ وَعُدِمَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا عُدْوَانٍ مِنْ الْمُودَعِ وَعُدِمَتْ مَعَ مَالِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا عُدِمَتْ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِهَا كَمَا ذَكَرَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُودَعِ سَوَاءٌ ضَاعَتْ وَحْدَهَا أَوْ ضَاعَتْ مَعَ مَالِهِ.

بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ حُكْمِ الْبِنَاءِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْوَاسِعِ إذَا كَانَ الْبِنَاءُ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؟ فَأَجَابَ: إنَّ ذَلِكَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْنِيَ لِنَفْسِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْته أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ حَدَثَتْ فِي أَيَّامِهِ وَاخْتَلَفَ فِيهَا جَوَابُ الْمُفْتِينَ فَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةٍ حَادِثَةٍ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ: هَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي حِيَازَةِ بَعْضِهِ مُبَيِّنًا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْتَى بِالْجَوَازِ وَبَعْضَهُمْ أَفْتَى بِالْمَنْعِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَنَّهُ كَلَامُ أَحْمَد؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ الطَّرِيقُ قَدْ سَلَكَهُ النَّاسُ فَصَارَ طَرِيقًا.
فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.
قِيلَ لَهُ: وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا مِثْلَ الشَّوَارِعِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا.
قَالَ: وَهُوَ أَشَدُّ مِمَّنْ أَخَذَ حَدًّا

بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَأْخُذُ مِنْ وَاحِدٍ وَهَذَا يَأْخُذُ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ: قُلْت: وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ مُصَنَّفًا فِيمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ آثَارًا عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَمَا كَانَ مِنْ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالرَّحَبَاتِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ: فَلَيْسَ لِأَحَدِ إحْيَاؤُهُ سَوَاءٌ كَانَ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا وَسَوَاءٌ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُضَيِّقْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَتُهُمْ فَأَشْبَهَ مَسَاجِدَهُمْ وَيَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مَعَ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ فَلَمْ يُمْنَعْ كَالِاجْتِيَازِ.
قَالَ أَحْمَد فِي السَّابِقِ إلَى دَكَاكِينِ السُّوقِ: دَعُوهُ فَهُوَ لَهُ إلَى اللَّيْلِ وَكَانَ هَذَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فِيمَا مَضَى وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ﴾ . وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ مِنْ بَارِيَةٍ وَتَابُوتٍ وَكِسَاءٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لَا دَكَّةٌ وَلَا غَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ

عَلَى النَّاسِ وَتَعْثُرُ بِهِ الْمَارَّة بِاللَّيْلِ وَالضَّرِيرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَيَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ فَرُبَّمَا ادَّعَى مِلْكَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالسَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ.
قُلْت: هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا بَنَى الدَّكَّةَ لِنَفْسِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْكَلَامِ وَآخِرُهُ؛ وَلِهَذَا عُلِّلَ بِأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي أَنَّهَا مِلْكُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ تَعْلِيلَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَظِنَّةِ الضَّرَرِ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْبِنَاءَ يُحَاذِي مَا عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ أَصْلًا فَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِ وَمُوجَبُ هَذَا التَّعْلِيلِ الْجَوَازُ إذَا انْتَفَتْ الْعِلَّةُ كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي.
وَفِي الْجُمْلَةِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ الْمُخْتَصِّ بِالْبَانِي الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ أَصْلًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ قَوْلَانِ: وَنَظِيرُ هَذَا إذَا أَخْرَجَ رَوْشَنًا أَوْ مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ النَّافِذِ وَلَا مَضَرَّةَ فِيهِ.
فَهَلْ يَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْبَرَكَاتِ.
(وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ كَمَا اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد تَحْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهًا وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ المرذوي فِي " كِتَابِ الْوَرَعِ " آثَارًا فِي ذَلِكَ.
مِنْهَا مَا نَقَلَهُ المرذوي عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ سَقَفَ لَهُ دَارًا وَجَعَلَ مِيزَابَهَا إلَى الطَّرِيقِ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: اُدْعُ لِي النَّجَّارَ حَتَّى يُحَوِّلَ الْمَاءَ

إلَى الدَّارِ.
فَدَعَوْته لَهُ فَحَوَّلَهُ وَقَالَ: إنَّ يَحْيَى الْقَطَّانَ كَانَتْ مِيَاهُهُ فِي الطَّرِيقِ فَعَزَّمَ عَلَيْهَا وَصَيَّرَهَا إلَى الدَّارِ.
وَذَكَرَ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ ذَكَرَ وَرَعَ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ وَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَك أَنْ تُطَيِّنَ الْحَائِطَ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ إلَى الطَّرِيقِ.
وَسَأَلَهُ المرذوي عَنْ الرَّجُلِ يَحْتَفِرُ فِي فِنَائِهِ الْبِئْرَ أَوْ الْمُحَرَّمَ لِلْعُلُوِّ قَالَ: لَا؛ هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ المرذوي: قُلْت: إنَّمَا هُوَ بِئْرٌ يُحْفَرُ وَيُسَدُّ رَأْسُهَا قَالَ: أَلَيْسَ هِيَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَسَأَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ الرَّجُلِ يُخْرِجُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْكَنِيفَ أَوْ الْأُسْطُوَانَةَ: هَلْ يَكُونُ عَدْلًا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ عَدْلًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ.
وَرَوَى أَحْمَد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْمَثَاعِبِ وَالْكُنُفِ تُقْطَعُ عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المزني قَالَ: لَأَنْ يَصُبَّ طِينِي فِي حَجَلَتِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَصُبَّ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُخْرِجُ مِنْ دَارِهِ إلَى الطَّرِيقِ مَاءَ السَّمَاءِ قَالَ: فَرُئِيَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ: بِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِكَفِّ أَذَاهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ مِيزَابِ الْعَبَّاسِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ مَا لَا يَضُرُّ الْمَارَّة لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ: مِثْلَ بِنَاءِ مَسْجِدٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ أَوْ تَوْسِيعِ مَسْجِدٍ ضَيِّقٍ بِإِدْخَالِ بَعْضِ الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ فِيهِ أَوْ أَخْذِ بَعْضِ الطَّرِيقِ لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ: مِثْلَ حَانُوتٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَسْجِدُ فَهَذَا النَّوْعُ يَجُوزُ فِي مَذْهَبِ

أَحْمَد الْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَلَكِنْ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
وَمِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد مَنْ لَمْ يَحْكِ نِزَاعًا فِي جَوَازِ هَذَا النَّوْعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ رِوَايَةً ثَالِثَةً بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَحْمَد الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ مِنْ زَمَنِ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ إلَى زَمَنِ مُتَأَخِّرِي الْمُصَنِّفِينَ مِنْهُمْ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَلْفَاظُ أَحْمَد فِي " جَامِعِ الْخِلَالِ " و " الشَّافِي " لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ " وَزَادِ الْمُسَافِرِ " و " الْمُتَرْجِمِ " لِأَبِي إسْحَاقَ الجوزجاني وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشالنجي: سَأَلْت أَحْمَد عَنْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ غِنًى وَبِهِمْ إلَى أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا حَاجَةٌ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى هُنَاكَ مَسْجِدٌ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ.
" وَمَسَائِلُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ " هَذَا مِنْ أَجَلِّ مَسَائِلِ أَحْمَد وَقَدْ شَرَحَهَا أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجوزجاني فِي " كِتَابِهِ الْمُتَرْجِمِ " وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِعِ دِمَشْقَ هُنَا وَلَهُ عَنْ أَحْمَد مَسَائِلُ وَكَانَ يَقْرَأُ كُتُبَ أَحْمَد إلَيْهِ عَلَى مِنْبَرِ جَامِعِ دِمَشْقَ فَأَحْمَدُ أَجَازَ الْبِنَاءَ هُنَا مُطْلَقًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ إذْنَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ.
تَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ

الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الطَّرِيقِ.
فَقَالَ: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِيهِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَهُنَا اشْتَرَطَ فِي الْجَوَازِ إذْنَ الْإِمَامِ.
وَمَسَائِلُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَحْمَد بَعْدَ مَسَائِلِ ابْنِ الْحَكَمِ؛ فَإِنَّ ابْنَ الْحَكَمِ صَحِبَ أَحْمَد قَدِيمًا وَمَاتَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَأَمَّا إسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الرَّأْيِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَسَأَلَ أَحْمَد مُتَأَخِّرًا وَسَأَلَ مَعَهُ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد الْهَاشِمِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَسُلَيْمَانُ كَانَ يُقْرَنُ بِأَحْمَدَ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيِّ: مَا رَأَيْت بِبَغْدَادَ أَعْقَلَ مِنْ رَجُلَيْنِ: أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ.
وَأَمَّا الَّذِينَ جَعَلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةً ثَالِثَةً فَأَخَذُوهَا مِنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ المرذوي: حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي قَدْ بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ أَنْ تُهْدَمَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَزِيدُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: لَا يُصَلِّي فِيهِ.
وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ رِوَايَةً ثَالِثَةً فَإِنَّهُ يَقُولُ: هَذَا إشَارَةٌ مِنْ أَحْمَد إلَى مَسَاجِدَ ضَيَّقَتْ الطَّرِيقَ وَأَضَرَّتْ بِالْمُسْلِمِينَ وَهَذِهِ لَا يَجُوزُ بِنَاؤُهَا بِلَا رَيْبٍ؛ فَإِنَّ فِي هَذَا جَمْعًا بَيْنَ نُصُوصِهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّنَاقُضِ بَيْنَهَا.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَد يُجَوِّزُ إبْدَالَ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِهِ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ.
قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَد: قُلْت لِأَبِي: الْمَسْجِدُ يَخْرَبُ

وَيَذْهَبُ أَهْلُهُ: تَرَى أَنْ يُحَوَّلَ إلَى مَكَانٍ آخَرَ؟ قَالَ: إذَا كَانَ يُرِيدُ مَنْفَعَةَ النَّاسِ فَنَعَمْ؛ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ: وَابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ حَوَّلَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ مِنْ التَّمَّارِينَ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَا بَأْسَ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَدْ سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ بَنَى مَسْجِدًا ثُمَّ أَرَادَ تَحْوِيلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَهُ خَوْفًا مِنْ لُصُوصٍ أَوْ يَكُونُ مَوْضِعُهُ مَوْضِعًا قَذِرًا فَلَا بَأْسَ.
قَالَ أَحْمَد: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى بَيْتِ الْمَالِ كَانَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ بَنَى الْقَصْرَ وَاِتَّخَذَ مَسْجِدًا عِنْدَ أَصْحَابِ التَّمْرِ قَالَ: فَنَقَبَ بَيْتَ الْمَالِ فَأَخَذَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَبَهُ فَكَتَبَ فِيهِ إلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ عُمَرَ: أَنْ اقْطَعْ الرَّجُلَ وَانْقُلْ الْمَسْجِدَ وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ فِي الْمَسْجِدِ مُصَلٍّ.
فَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَخَطَّ لَهُ هَذِهِ الْخُطَّةَ.
قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: يُقَالُ إنَّ بَيْتَ الْمَالِ نَقَبَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَحَوَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْمَسْجِدَ مَوْضِعَ التَّمَّارِينَ الْيَوْمَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ.
يَعْنِي أَحْمَد: أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي بَنَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كَانَ مَوْضِعَ التَّمَّارِينَ فِي زَمَانِ أَحْمَد وَهَذَا الْمَسْجِدُ هُوَ الْمَسْجِدُ الْعَتِيقُ ثُمَّ غُيِّرَ مَسْجِدُ الْكُوفَةِ مَرَّةً ثَالِثَةً.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُحَوَّلُ الْمَسْجِدُ؟ قَالَ: إذَا كَانَ ضَيِّقًا لَا يَسَعُ أَهْلَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَوَّلَ إلَى مَوْضِعٍ أَوْسَعَ مِنْهُ.

وَجَوَّزَ أَحْمَد أَنْ يُرْفَعَ الْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى الْأَرْضِ وَيُبْنَى تَحْتَهُ سِقَايَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ الْجِيرَانُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ شُيُوخٌ لَا نَصْعَدُ فِي الدَّرَجِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ بِنَاءَهُ.
فَقَالَ أَحْمَد: يَنْظُرُ إلَى مَا يَخْتَارُ الْأَكْثَرُ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ الْبِنَاءَ وَمُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ نُصُوصَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ صَرِيحَةٌ بِتَحْوِيلِ الْمَسْجِدِ.
فَإِذَا كَانَ أَحْمَد قَدْ أَفْتَى بِمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ حَيْثُ جَعَلُوا الْمَسْجِدَ غَيْرَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ سَائِر الْبِقَاعِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا﴾ فَإِذَا جَازَ جَعْلُ الْبُقْعَةِ الْمُحْتَرَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بُقْعَةً غَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ جَعْلُ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُحْتَرَمَةً كَالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ بُقْعَةً مُحْتَرَمَةً وَتَابِعَةً لِلْبُقْعَةِ الْمُحْتَرَمَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَسَاجِدِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الطُّرُقَاتِ وَكِلَاهُمَا مَنْفَعَةٌ مُشْتَرَكَةٌ.

فَصْلٌ: وَالْأُمُورُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْإِمَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنُوَّابِهِ فَمَا كَانَ إلَى الْحُكَّامِ فَأَمْرُ الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْإِمَامِ فِيهِ كَأَمْرِ الْإِمَامِ مِثْلَ تَزْوِيجِ الْأَيَامَى وَالنَّظَرِ فِي الْوُقُوفِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِيهَا وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَوُقُوفِهَا؛ حَيْثُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُ ذَلِكَ فَمَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ جَازَ لِنَائِبِهِ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي شَاعَ فِيهَا النِّزَاعُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى نَائِبِهِ مِنْ حَاكِمٍ وَغَيْرِهِ وَلَا يَنْقُضُ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا إذَا كَانَ الْبِنَاءُ فِي الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالطَّرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَكَذَلِكَ فَنَاءُ الدَّارِ؛ وَلَكِنْ هَلْ الْفِنَاءُ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الدَّارِ؟ أَوْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
حَتَّى قَالَ مَالِكٍ فِي الْأَفْنِيَةِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ: يَكْرِيهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إنْ

كَانَتْ ضَيِّقَةً تَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ وَصُنِعَ شَيْءٌ فِيهَا مُنِعُوا وَلَمْ يُمَكَّنُوا.
وَأَمَّا كُلُّ فَنَاءٍ إذَا انْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَمَرِّهِمْ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
قَالَ الطَّحَاوِي: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْأَفْنِيَةَ مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا؛ إذْ أَجَازَ إجَارَتَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْسُدَ الْبَيْعُ بِشَرْطِهَا.
قَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ صَلَاحٌ لِلدَّارِ فَهُوَ مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا؛ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِي أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَفْنِيَةَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ كَسَائِرِ الطَّرِيقِ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْأَرْضَ تُمْلَكُ دُونَ الطَّرِيقِ؛ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِالْمَرَافِقِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ هُوَ أَحَقُّ بِفِنَاءِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَد فِي الْكَلَأِ النَّابِتِ فِي مِلْكِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ.
. . (1) عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
. . (2) . فَإِذَا كَانَ الْبِنَاءُ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالدَّارِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالْجَوَازِ مِنْهُ فِي جَادَّة الطَّرِيقِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اتَّخَذَ مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَهَذَا كَالْبَطْحَاءِ الَّتِي كَانَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَهَا خَارِجَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ يَتَحَدَّثُ وَيَفْعَلُ مَا يُصَانُ عَنْهُ الْمَسْجِدُ.
فَلَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا وَلَمْ يَكُنْ كَالطَّرِيقِ بَلْ.
. . (3) اخْتِصَاصٌ بِالْمَسْجِدِ فَمِثْلُ هَذِهِ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

(1، 2، 3) بياض بالأصل

يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْبِنَاءُ كَالدَّخَلَاتِ الَّتِي تَكُونُ مُنْحَرِفَةً عَنْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ مُتَّصِلَةٌ بِالدَّارِ وَالْمَسْجِدِ وَمُتَّصِلَةٌ بِالطَّرِيقِ وَأَهْلُ الطَّرِيقِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا؛ إلَّا إذَا قُدِّرَ رَحْبَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْعَادَةِ وَهِيَ تُشْبِهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يُنْفِذُ الْمُتَّصِلَ بِالطَّرِيقِ النَّافِذِ فَإِنَّهُمْ فِي هَذَا كُلِّهِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يَبْنُوا فِيهِ وَيَجْعَلُوا عَلَيْهِ بَابًا جَازَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: حَقُّهُمْ فِيهِ إنَّمَا هُوَ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ إذَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ كَمَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالصَّحْرَاءِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِأَصْحَابِهَا: كَالصَّلَاةِ فِيهَا وَالْمَقِيلِ فِيهَا وَنُزُولِ الْمُسَافِرِ فِيهَا؛ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ فِيهَا.
وَفِي أَفْنِيَةِ الدَّوْرِ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْفِنَاءِ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ قَوْلَيْنِ وَذَكَرَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِي الصَّحْرَاءِ وَجْهًا بِالْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَهُوَ بَعِيدٌ عَلَى نُصُوصِ أَحْمَد وَأُصُولِهِ؛ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ أَكْلَ الثَّمَرَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
فَكَيْفَ بِالْمَنَافِعِ الَّتِي لَا تَضُرُّهُ وَيَجُوزُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَنْهُ رَعْيُ الْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا لِأَجْلِ الْكَلَأِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.

وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِوَجْهِ فَهُوَ كَالِاسْتِظْلَالِ بِظِلِّهِ وَالِاسْتِضَاءَةِ بِنَارِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً؛ وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الثِّمَارِ الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَلَا نَاطُورٌ فَيَجُوزُ فِيهَا مِنْ الْأَكْلِ بِلَا عِوَضٍ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَمْنُوعَةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَد؛ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِلْمُحْتَاجِ؛ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْحَمْلُ.
وَإِذَا جَازَ الْبِنَاءُ فِي فِنَاءِ الْمِلْكِ لِصَاحِبِهِ فَفِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِلْمَسْجِدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَفِنَاءُ الدَّارِ وَالْمَسْجِدِ لَا يَخْتَصُّ بِنَاحِيَةِ الْبَابِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: إذَا كَانَ الْمُحْيِي أَرْضًا كَانَ أَحَقَّ بِفِنَائِهَا فَلَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ بِئْرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ والماوردي وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ اللُّقَطَةِ

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ فَرَسًا لِرَجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ الْعَرَبِ فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُمْ ثُمَّ إنَّ الْفَرَسَ مَرِضَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فَهَلْ لِلْآخِذِ بَيْعُ الْفَرَسِ لِصَاحِبِهَا؟ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ يَجُوزُ؛ بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَبِيعَهُ الَّذِي اسْتَنْقَذَهُ لِصَاحِبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و

َسُئِلَ:

عَنْ رَجُلٍ لَقِيَ لَقِيَّةً فِي وَسَطِ فَلَاةٍ

وَقَدْ أَنْشَدَ عَلَيْهَا إلَى حَيْثُ دَخَلَ إلَى بَلَدِهِ.
فَهَلْ هِيَ حَلَالٌ؟ أَمْ لَا؟ .

فَأَجَابَ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً قَرِيبًا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعْدَ سَنَةٍ صَاحِبَهَا فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و

َسُئِلَ:

عَنْ الدَّرَاهِمِ الْمَنْثُورَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ؟ .

فَأَجَابَ: يُعَرِّفُهَا حَوْلًا فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَهَا وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا.
و

َسُئِلَ:

عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ لُقَطَةً وَعَرَّفَ بِهَا بَعْضَ النَّاسِ

بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سِرًّا أَيَّامًا وَلَهَا عِنْدَهُ مُدَّةُ سِنِينَ.
فَمَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَحِلُّ لَهُ مِثْلُ هَذَا التَّعْرِيفِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا تَعْرِيفًا ظَاهِرًا؛ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ مُجْمَلٍ: بِأَنْ يَقُولَ: مَنْ ضَاعَ لَهُ نَفَقَةٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ حُجَّاجٍ الْتَقَوْا مَعَ عَرَبٍ قَدْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ وَأَخَذُوا قُمَاشَهُمْ فَهَرَبُوا وَتَرَكُوا جِمَالَهُمْ وَالْقُمَاشَ فَهَلْ يَحِلُّ أَخْذُ الْجِمَالِ الَّتِي لِلْحَرَامِيَّةِ وَالْقُمَاشِ الَّذِي سَرَقُوهُ؟ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَخَذُوهُ مِنْ مَالِ الْحُجَّاجِ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِمْ إنْ أَمْكَنَ؛ فَإِنَّ هَذَا كَاللُّقَطَةِ تُعَرَّفُ سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَذَاكَ وَإِلَّا فَلِآخِذِهَا أَنْ يُنْفِقَهَا بِشَرْطِ ضَمَانِهَا: وَلَوْ أَيِسَ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ كَلُّ مَالٍ لَا يُعْرَفُ مَالِكُهُ مِنْ الغصوب وَالْعَوَارِيَّ وَالْوَدَائِعَ وَمَا أُخِذَ مِنْ الْحَرَامِيَّةِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ أَوْ مَا هُوَ مَنْبُوذٌ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يُتَصَدَّقُ بِهِ وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَمَّا جَاءَ التَّتَارُ وَجَفَلَ النَّاسُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَخَلَّفُوا دَوَابَّ وَأَثَاثًا مِنْ النُّحَاسِ وَغَيْرِهِ وَضَمَّهُ مُسْلِمٌ وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ صَاحِبٌ

وَلَا مُنْشِدٌ وَهُوَ يَسْتَعْمِلُ الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ.
فَمَا يَصْنَعُ؟ . فَأَجَابَ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِنْ يَنْتَفِعُ بِهِ.
والله أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ سَفِينَةٍ غَرِقَتْ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ إنَّهَا انْحَدَرَتْ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ إلَى بَعْضِ الْبِلَادِ.
وَقَدْ كَانَ فِيهَا جِرَارُ زَيْتٍ حَارٍّ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ تَعَاوَنُوا عَلَى الْمَرْكَبِ حَتَّى أَخْرَجُوهَا إلَى الْبَرِّ وَقَلَبُوهَا فَطَفَا الزَّيْتُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَبَقِيَ رَائِحًا مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ جَاءُوا إلَى الْبَحْرِ فَوَجَدُوا الزَّيْتَ عَلَى الْمَاءِ فَجَمَعَ كَلُّ وَاحِدٍ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْمَرْكَبُ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ فَهَذَا الزَّيْتُ الْمَجْمُوعُ حَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ؟ وَمَرْكَبُ رُمَّانٍ غَرِقَتْ وَجَمِيعُ مَا فِيهَا انْحَدَرَ فِي الْبَحْرِ فَبَقِيَ كُلُّ أَحَدٍ يَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ صَاحِبٌ فَهَلْ مَا لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ حَلَالٌ؟ أَمْ حَرَامٌ؟ . فَأَجَابَ: الَّذِينَ جَمَعُوا الزَّيْتَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ قَدْ خَلَّصُوا مَالَ الْمَعْصُومِ مِنْ التَّلَفِ وَلَهُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَالزَّيْتُ لِصَاحِبِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الزَّيْتِ لِصَاحِبِهِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا؛ إلَّا نِزَاعًا قَلِيلًا؛ فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ بِأَنَّهُ قَالَ: هُوَ لِمَنْ خَلَّصَهُ.

وَأَمَّا وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِمَنْ خَلَّصَهُ.
فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ الْأُجْرَةِ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ لِأَنَّ هَذَا الْمُخَلِّصَ مُتَبَرِّعٌ.
وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ يَقُولُونَ: إنْ خَلَّصُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ خَلَّصُوهُ لِأَجْلِ الْعِوَضِ فَلَهُمْ الْعِوَضُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُفْعَلْ لَأَفْضَى إلَى هَلَاكِ الْأَمْوَالِ؛ لَأَنَّ النَّاسَ لَا يُخَلِّصُونَهَا مِنْ الْمَهَالِكِ إذَا عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَالصَّحَابَةُ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ اشْتَرَى أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفَّارِ: إنَّهُ يَأْخُذُهُ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَّصَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ وَلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ مُسْتَهْلَكًا لَوْلَا أَخْذُ هَذَا وَتَخْلِيصُهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ؛ لَيْسَ هُوَ عَاصِيًا فِيهِ فَيَكُونُ الْمَالُ إذَا حَصَلَ بِعَمَلِ هَذَا وَالْأَصْلُ لِهَذَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا؛ لَكِنْ لَا تَجِبُ الشَّرِكَةُ عَلَى الْمُعَيَّنِ؛ فَيَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ؛ فَإِنَّ عَادَةَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مَنْ يُخَلِّصُ لَهُمْ هَذَا بِالْأُجْرَةِ.
و

َالْإِجَارَةُ تَثْبُتُ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ

كَمَنْ دَخَلَ إلَى حَمَّامٍ أَوْ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بِغَيْرِ مُشَارَطَةٍ وَكَمَنَ دَفَعَ طَعَامًا إلَى طَبَّاخٍ وَغَسَّالٍ بِغَيْرِ مُشَارَطَةٍ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَلَوْ كَانَ الْمَالُ حَيَوَانًا فَخَلَّصَهُ مِنْ مَهْلَكَةٍ مَلَكَهُ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ؛ بِخِلَافِ الْمَتَاعِ؛ فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لِحُرْمَةِ صَاحِبِهِ فَهُنَاكَ تَخْلِيصُهُ لِحَقِّ الْحَيَوَانِ وَهُوَ بِالْمَهْلَكَةِ قَدْ يَيْأَسُ صَاحِبُهُ؛

بِخِلَافِ الْمَتَاعِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَقُولُ لِلْمُخَلِّصِ: كَانَ يَجُوزُ لَك مِنْ حِينِ أَنْ أَدَعُهُ وَالْحَقُّ فِيهِ لِي فَإِذَا لَمْ تُعْطِنِي حَقِّي لَمْ آذَنْ لَك فِي تَخْلِيصِهِ.
وَأَمَّا الرُّمَّانُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ فَهُوَ كَاللُّقَطَةِ وَاللُّقَطَةُ إنْ رُجِيَ وُجُودُ صَاحِبِهَا عُرِّفَتْ حَوْلًا وَإِنْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ وُجُودَ صَاحِبِهِ فَفِي تَعْرِيفِهِ قَوْلَانِ؛ لَكِنْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا الرُّمَّانَ أَوْ يَبِيعُوهُ وَيَحْفَظُوا ثَمَنَهُ ثُمَّ يُعَرِّفُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ -: عَمَّنْ وَجَدَ طِفْلًا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ ثُمَّ رَبَّاهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْ الْعُمْرِ شَهْرَيْنِ.
فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ لِتُرْضِعَهُ امْرَأَتُهُ لِلَّهِ.
فَلَمَّا كَبُرَ الطِّفْلُ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ ابْنُهَا وَأَنَّهَا رَبَّتْهُ فِي حِضْنِ أَبِيهِ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُعْطِيَ الرَّجُلَ الثَّانِيَ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ؟ وَيُلْزِمُ الرَّجُلَ الْأَوَّلَ مَا وَجَدَ مَعَ ابْنِهِ؟ . فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الطِّفْلُ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا: قُبِلَ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ وَيُصْرَفُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ فِي نَفَقَتِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
آخِرُ الْمُجَلَّدِ الثَّلَاثِينَ

الْجُزْءُ الْحَادِي وَالْثَّلَاثُونَ

جارٍ التحميل