كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْخَرَاجَ يُضْرَبُ عَلَى مَزَارِعِهَا فَقَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ فَسَادُ قَوْلِهِ مَعَ إجْرَائِهِ لِقِيَاسِهِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ تَجُوزُ إجَارَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَبُيُوتُ مَكَّةَ أَحْسَنُ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا بَلْ يَجِبُ بَذْلُهَا لِلْمُحْتَاجِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ.
وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهَا فَفِيهِ نَظَرٌ فَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً لَمَا مَنَعَ إجَارَتَهَا.
الثَّانِي: أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ مَزَارِعِهَا.
فَأَمَّا الْمَسَاكِنُ فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ فِيهَا؛ بَلْ هِيَ لِأَصْحَابِهَا.
وَمَكَّةُ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الْمُعَاوَضَةِ فِي رَبَاعِهَا الَّتِي لَا مَنْعَ مِنْهَا فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَهَذَا بُرْهَانٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْفَرْقِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَزَارِعَ مَكَّةَ مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا غَيْرِهِمْ مَنَعَ بَيْعَهَا أَوْ إجَارَتَهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الرُّبَاعِ وَهِيَ الْمَسَاكِنُ لَا الْمَزَارِعُ.
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا.
الرَّابِعُ: أَنَّ تِلْكَ الدِّيَارَ كَانَتْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَقَدْ طَلَبُوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعَادَتَهَا إلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَوْ كَانَتْ كَسَائِرِ الْعَنْوَةِ
لَكَانَ قَدْ أَعَادَهَا إلَى أَصْحَابِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ اسْتَنْقَذْنَاهَا وَعُرِفَ صَاحِبُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أُعِيدَتْ إلَيْهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا مَنْقُولِهَا وَلَا عَقَارِهَا وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَوْ أَجْرَى عَلَيْهَا أَحْكَامَ غَيْرِهَا مِنْ الْعَنْوَةِ لَغَنِمَ الْمَنْقُولَاتِ وَالذُّرِّيَّةَ؛ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إجَارَتِهَا كَوْنُهَا أَرْضَ الْمَشَاعِرِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي اسْتِحْقَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ . فَالسَّاكِنُونَ بِهَا أَحَقُّ بِمَا احْتَاجُوا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا إلَى الْمُبَاحِ.
كَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ سُوقٍ وَأَمَّا الْفَاضِلُ فَعَلَيْهِمْ بَذْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لَكِنَّ الْعَرْصَةَ مُشْتَرَكَةٌ فِي الْأَصْلِ.
وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى بَيْتًا مِنْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: لَهُ اخْتِصَاصٌ بِسُكْنِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ.
أَوْ مَنْ بَنَى بَيْتًا فِي جنابات السَّبِيلِ أَوْ فِي دَارِ الرِّبَاطِ الَّتِي تَكُونُ بِالثُّغُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَكُونُ الْأَرْضُ فِيهِ مُشْتَرَكَةَ الْمَنْفَعَةِ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْجِهَادِ أَوْ لِلْمُرُورِ فِي الطُّرُقَاتِ أَوْ التَّعَلُّمِ؛ أَوْ التَّعَبُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِذَا قَالَ: الْبِنَاءُ لِي قِيلَ لَهُ: وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَك وَأَعْيَانُ الْحَجَرِ لَيْسَ لَك؛ بَلْ لَك
التَّأْلِيفُ أَوْ التَّأْلِيفُ وَالْأَنْقَاضُ.
فَمَا لَيْسَ لَك لَا يَجُوزُ أَنْ تُعَاوِضَ عَنْهُ وَمَا هُوَ لَك قَدْ اعتضت عَنْهُ بِبَقَائِك فِي الِانْتِفَاعِ بِالْعَرْصَةِ.
أَوْ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ لَمَّا صَارَ النَّاسُ يَهْدُونَ إلَيْهِمْ الْهَدَايَا وَتَجِبُ عَلَيْهِمْ قِسْمَتُهَا فِيهِمْ صَارَ يَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّينَ إنْزَالُ النَّاسِ فِي مَنَازِلِهِمْ مُقَابَلَةً لِلْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ فَصَاحِبُ الْهَدْيِ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ - مَثَلًا - حَيْثُ يَجُوزُ وَيُعْطِيَ مَنْ شَاءَ وَلَا يَعْتَاضَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ يَسْكُنُهُ وَيُسْكِنُهُ وَلَا يَعْتَاضُ عَنْهُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَدْ يَكُونُ هُوَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِإِبْقَائِهَا بِيَدِ أَرْبَابِهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ مَضْرُوبٍ عَلَيْهِمْ أَصْلًا؛ لِأَنَّ لِلْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ حَقًّا وَعَلَيْهِمْ حَقٌّ؛ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْصَارِ وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ التَّعْلِيلُ بِفَتْحِهَا عَنْوَةً مُنَاسِبًا لِمَنْعِ إجَارَتِهَا - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - لَا إلْحَاقًا لَهَا بِسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْأَرْضُ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً يَجُوزُ أَمَانُ أَهْلِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَذَلِكَ.
قِيلَ: نَعَمْ يَجُوزُ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ أَنْ يُؤَمَّنَ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتَرْكِ قِتَالِهِ وَهُوَ أَمَانٌ بِشَرْطِ؛ بَلْ إذَا جَوَّزْنَا السَّبْيَ عَلَى الْأَسِيرِ بَعْدَ الْأَسْرِ لِلْمَصْلَحَةِ كَيْفَ لَا نُجَوِّزُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَسْرِ.
وَهُنَا زِيَادَةُ الْأَمَانِ عَلَى مَالِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ كَمَا لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْقَهْرُ.
فَإِنَّ دُخُولَهُ مَكَّةَ؛ كَانَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَدَخَلَهَا قَهْرًا.
وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ تَظْهَرُ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَوْجَبَتْ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الْقَهْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْمَقْهُورِينَ وَتُدْفَعَ إلَيْهِمْ الْأَرْضُ مُخَارَجَةً فَاَلَّذِينَ حَارَبُوا بِمَكَّةَ أَوْ هَرَبُوا ثُمَّ أَمَّنَهُمْ بَعْدَ قَهْرِهِمْ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِمْ هَذَا جَائِزٌ فِي أَنْفُسِهِمْ كَالْمَنِّ وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ الطُّلَقَاءَ وَأَمَّا فِي أَمْوَالِهِمْ فَالْأَرْضُ قَدْ ذَكَرْت سَبَبَ ذَلِكَ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ وَالذُّرِّيَّةُ.
. . 1 .
وَسُئِلَ:
عَنْ مُقْطِعٍ لَهُ مَاءٌ دَاخِلُ إقْطَاعِهِ.
وَيَقْصِدُ بَيْعَهُ لِمُقْطِعِ آخَرَ وَإِجْرَاءَهُ فِي بَلَدِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَاءَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ الْمَاءَ الدَّاخِلَ فِي إقْطَاعِهِ وَيُجْرِيَهُ فِي بَلَدِ الْمُشْتَرِي؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ الْمَاءُ مَحْبُوسًا عَلَيْهِ فِي الْإِقْطَاعِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بِمَائِهَا مَحْبُوسَةً عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَبِدُونِ تَحْبِيسٍ عَلَيْهِ بِخَمْسِمِائَةِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
دِرْهَمٍ وَهُوَ يُرِيدُ تَعْطِيلَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الزَّرْعِ وَبَيْعَهُ لِغَيْرِهِ؛ يَسْقِي بِهِ فِي أَرْضِهِ فَإِنَّ هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ بِخِلَافِ الْمَاءِ الَّذِي يَجْرِي فِي مِلْكِهِ بِلَا عِوَضٍ مِثْلَ أَنْ يُحْيِيَ أَرْضًا وَفِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ.
فَإِنَّ فِي جَوَازِ بَيْعِ مِثْلِ هَذَا الْمَاءِ قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد: إحْدَاهُمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ.
وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد.
وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَكُونُ بِالْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ وَالْكَلَأِ الَّذِي يَكُونُ بِهَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ جَارِيَةٌ إذَا بَاعَ مِنْهَا أُصْبُعَ مَاءٍ أَوْ نَحْوَهُ هَلْ يَجُوزُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَرْئِيٍّ بَلْ يَنْبُعُ شَيْئًا فَشَيْئًا؟ .
فَأَجَابَ:
أَمَّا مَنْ يَمْلِكُ مَاءً نَابِعًا مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ بِئْرًا مَحْفُورَةً.
فِي مِلْكِهِ - وَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْبِئْرِ: مَا يُنْصَبُ عَلَيْهِ الدُّولَابُ وَمَا لَا يُنْصَبُ أَوْ يَمْلِكُ عَيْنَ مَاءٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ - فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبِئْرَ
وَالْعَيْنَ جَمِيعًا وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهَا مُشَاعًا عَلَى أُصْبُعٍ وَأُصْبُعَيْنِ - مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ - كَمَا يُبَاعُ مَعَ الْبُسْتَانِ وَالدَّارُ مَا لَهُ مِنْ الْمَاءِ مِثْلُ أُصْبُعٍ وَأَصَابِعَ: مِنْ قَنَاةِ كَذَا وَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْقَنَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمِيَاهَ فَكَيْفَ إذَا كَانَ أَصْلُ الْمَاءِ فِي مِلْكِهِ فَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا.
وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ تَنْبُعُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَبِيعِ أَنْ يَرَى جَمِيعَ الْمَبِيعِ؛ بَلْ يَرَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُؤْيَتِهِ.
وَأَمَّا مَا يَتَجَدَّدُ: مِثْلُ الْمَنَافِعِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ فَهَذَا لَا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ رُؤْيَتَهُ لَا فِي بَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ لَوْ بَاعَ الْمَاءَ بِدُونِ الْقَرَارِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ يَمْلِكُ أَوْ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَهُوَ مَنْصُوصٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ بَلْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَمْلُوكٌ.
وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاءَ: هَلْ يَدْخُلُ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا بَيْعُ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ بِكَمَالِهَا أَوْ بَيْعُ جُزْءٍ مِنْهَا: فَمَا عَلِمْت فِيهِ تَنَازُعًا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً.
وَقَدْ {نَدِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى شِرَاءِ بِئْرِ رُومَةَ مِنْ مَالِكِهَا الْيَهُودِيِّ فَاشْتَرَى عُثْمَانُ بْنُ عفان
نِصْفَهَا وَحَبَسَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ دَلْوُهُ مِنْهَا كَدَلْوِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ بَاعَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ فَاشْتَرَاهُ عُثْمَانُ وَجَعَلَ الْبِئْرَ كُلَّهَا حَبْسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ} . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى عِدَّةِ مَسَائِلَ؛ مِثْلَ وَقْفِ الْمُشَاعِ وَتَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
هَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ؟ فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ ذَلِكَ وَجَوَازُ هِبَةِ ذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلَيْنِ لَهُمَا إقْطَاعٌ فِي بَلَدٍ فَاخْتَصَمَا فِي بَيْعِ النَّبَاتِ الَّذِي يَطْلُعُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَزَعَمَ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِثْلُ النَّبَاتِ الْبَرِّيِّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا هُوَ مِلْكُهُ.
فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: بَلْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ أَقْطَعَهُ لِي فَهُوَ مِلْكِي وَيَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ كُلَّ مَا فِي حِصَّتِي وَفِي قُرْعَتِي.
هَلْ
هُمَا مُصِيبَانِ؟ أَمْ مُخْطِئَانِ؟ وَمَا مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا النَّبَاتُ الَّذِي يَنْبُتُ بِغَيْرِ فِعْلِ الْآدَمِيِّ كَالْكَلَأِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ أَوْ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ﴾ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرُدَّ مَا يَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَشْتَرِكُونَ فِي كُلِّ مَا يَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ: مِنْ الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْقِيرِ وَالنِّفْطِ.
وَالْجَامِدَةِ: كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمِلْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَنْبُتُ فِي أَرْضِ الْإِنْسَانِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْهُ يَدَاك وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا إنْ أَعْطَاهُ رَضِيَ وَإِنْ مَنَعَهُ سَخِطَ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ كَاذِبًا لَقَدْ أُعْطَى بِهَا أَكْثَرُ مِمَّا
أُعْطَى} . فَهَذَا تَوَعَّدَهُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ؛ لِكَوْنِهِ مَنَعَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاهُ وَالْكَلَأُ الَّذِي يَنْبُتُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَمْ تَعْمَلْهُ يَدَاهُ.
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ بَيْعِ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْأَرْضِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ صَاحِبِهَا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فَأَمَّا الْأَرْضُ الْبُورُ الَّتِي لَا يَحْرُثُهَا فَلِأَصْحَابِهِ فِيهَا نِزَاعٌ جَوَّزَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ صَاحِبُهَا قَصَدَ تَرْكَ زَرْعِهَا لِيَنْبُتَ فِيهَا الْكَلَأُ فَبَيْعُ هَذَا أَسْهَلُ مِنْ بَيْعِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِنْبَاتِهِ.
وَقَالَ فِي جَوَابٍ لَهُ أَيْضًا:
وَأَمَّا قَوْلُه
ُ: ﴿النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ﴾ .
فَهُوَ حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلَأَ النَّابِتَ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ فَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَأَمَّا النَّابِتُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأَكْثَرُهُمْ يُجَوِّزُونَ أَخْذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَيُجَوِّزُونَ رَعْيَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ إنْ كَانَ نَابِعًا فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ نَابِعًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِهِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلشُّرْبِ لِلْآدَمِيِّينَ وَالدَّوَابِّ بِلَا عِوَضٍ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاك وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهَا سَخِطَ وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ أُعْطِيت بِهَا كَذَا وَكَذَا﴾ الْحَدِيثَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ قَوْمٍ يَنْقُلُونَ النَّحْلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ
فَهَلْ يَحِلُّ لِأَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ أُجْرَةَ مَا جَنَتْهُ النَّحْلُ عِنْدَهُمْ؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا حَقَّ عَلَى أَهْلِ النَّحْلِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الَّتِي يُجْنَى مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ مِنْ مِلْكِهِمْ شَيْئًا؛ وَلَكِنَّ الْعَسَلَ مِنْ الطُّلُولِ الَّتِي هِيَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَعَلَى صَاحِبِ النَّحْلِ الْعُشْرُ يَصْرِفُهُ إلَى
مُسْتَحِقِّهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ.
وَهَذِهِ الطُّلُولُ يَجْمَعُهَا أَحَقُّ بِالْبَذْلِ مِنْ الْكَلَأِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الطُّلُولَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَهَا إلَّا النَّحْلُ؛ لَكِنْ إذَا كَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فَنَحْلُهُ أَحَقُّ بِالْجِنَاءِ فِي أَرْضِهِ.
فَإِذَا كَانَ جَنَى تِلْكَ النَّحْلَ تَضْرِبُهُ فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ امْرَأَةٍ لَهَا مِلْكٌ غَائِبٌ عَنْهَا وَلَمْ تَرَهُ وَعَلِمَتْهُ بِالصِّفَةِ ثُمَّ بَاعَتْهُ لِمَنْ رَآهُ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا عَلِمَتْهُ بِالصِّفَةِ صَحَّ بَيْعُهَا: وَكَذَلِكَ لَوْ رَآهُ وَكِيلُهَا فِي الْبَيْعِ صَحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ تَرَهُ وَلَا وَصْفَ لَهَا.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ يَحْتَاجُ لِقَرْضِ؛ وَكَانَ عِنْدَ شَخْصٍ فُولٌ فَتَبَايَعَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي وَكَتَبَ الْحُجَّةَ ثُمَّ وَجَدَهُ مُسَوَّسًا؟ .
فَأَجَابَ: إذَا لَمْ يَرَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ: فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ رُوحَهُ؟ وَلَهُ عَائِلَةٌ.
هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا الْبَيْعُ الشَّرْعِيُّ: فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ وَلَكِنْ إذَا انْضَمَّ إلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ أَوْ الْأُمَرَاءِ مُتَسَمِّيًا بِاسْمِ مَمْلُوكِهِ وَذَلِكَ الْمَلِكُ أَوْ الْأَمِيرُ يَجْعَلُهُ مِنْ مَمَالِيكِهِ الَّذِينَ يُعْتِقُهُمْ لَا يَتَمَلَّكُهُ تَمَلُّكَ الْأَرِقَّاءِ فَهَذَا شِبْهُ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ إنَّمَا هُوَ بَيْعٌ عَادِيٌّ وَإِطْلَاقٌ عَادِيٌّ إذْ أَكْثَرُ الْمَمَالِيكِ مِلْكٌ لِبَيْتِ الْمَالِ وَوَلَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلَكِنَّ مَنْ غَلَبَ أُضِيفُوا إلَيْهِ كَمَا تُضَافُ إلَيْهِ الْأَمْوَالُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْضَافَ إلَى مَنْ يُعْطِيهِ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أُضِيفَ إلَى غَيْرِهِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَلَا يُطِيعُوا أَحَدًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَالْمِلْكُ يُشْبِهُ الْمِلْكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ مَمْلُوكٍ لِشَخْصٍ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ فِي بِلَادِ التتر ثُمَّ إنَّ الْمَمْلُوكَ هَرَبَ مِنْ عِنْدِ أُسْتَاذِهِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ وَجَاءَ إلَى بِلَادِ الشَّامِ وَهُوَ فِي الرِّقِّ وَالْآنَ الْمَمْلُوكُ يَخْتَارُ الْبَيْعَ.
فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيعَهُ لِيَحْفَظَ ثَمَنَهُ لِأُسْتَاذِهِ وَيُوَصِّلَ ذَلِكَ إلَيْهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
نَعَمْ، يَجُوزُ إذَا كَانَ فِي رُجُوعِهِ إلَى تِلْكَ الْبِلَادِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ؛ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ بِدُونِ إذْنِ أُسْتَاذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ شَخْصٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَاعَ نَفْسَهُ لِشَخْصٍ مُسْلِمٍ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَأَوْفَى بِهِ دَيْنَهُ وَبَاعَ ابْنَتَهُ أَيْضًا وَرَضُوا بِالرِّقِّ وَخَسِرَ عَلَيْهِمْ التَّاجِرُ الْمُسْلِمُ كُلْفَةَ الطَّرِيقِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ حَتَّى وَصَلُوا إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ؟
فَأَجَابَ:
إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ أَوْلَادَهُمْ وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا مِلْكًا لَهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ وَيَسْتَحِقَّ عَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الثَّمَنِ.
وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ الْحَرْبِيُّ نَفْسَهُ لِلْمُسْلِمِ وَخَرَجَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ بَلْ لَوْ أَعْطَوْهُ أَوْلَادَهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَخَرَجَ بِهِمْ مَلِكُهُمْ فَكَيْفَ إذَا بَاعُوهُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ أَنْفُسَهُمْ أَوْ أَوْلَادَهُمْ أَوْ قَهَرَهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ نُفُوسَ الْكُفَّارِ الْمُحَارَبِينَ وَأَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ مَلَكُوهَا.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي إذَا كَانَ مُسْتَأْمَنًا: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ أَوْلَادَهُمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ عَنْهُ: أَنَّهُ إذَا هَادَنَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ بَلَدٍ وَسَبَاهُمْ مَنْ بَاعَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَهَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَوْ وَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
أَوْ اشْتَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَوْ سَرَقَهُمْ وَبَاعَهُمْ أَوْ وَهَبَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ تَمْلِكُوهُمْ كَمَا يَمْلِكُهُمْ الْمُسْلِمُونَ إذَا مَلَكُوهُمْ بِالْقَهْرِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَقَامَ فِي خِدْمَتِهِ مُدَّةَ سِنِينَ ثُمَّ قَصَدَ الْمَوْلَى بَيْعَهُ فَادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ وَكَانَ حَالُ الْبَيْعِ اعْتَرَفَ بِالرِّقِّ.
فَهَلْ يَجِبُ أَخْذُ ثَمَنِهِ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ؟ وَهَلْ يُعْتَقُ عَلَى مَوْلَاهُ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ تَغْرِيمُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ وَتَغْرِيرُهُ؛ لِكَوْنِهِ أَقَرَّ لَهُ بِالرِّقِّ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ مِنْ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْهُ وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَهُ مِنْ هَذَا الْآخِذِ الَّذِي غَرَّهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ بَيْعِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ ذَوَاتِ الْقُشُورِ: هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؟ وَهَلْ يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِالْمُعَاقَدَةِ؟ وَاللِّفْتُ وَالْجَوْزُ وَالْقُلْقَاسُ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ مُغَيَّبٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ هَذِهِ الْبُيُوعَ؛ لَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
أَمَّا الْأَوْلَى فَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ - مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ - وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ اشْتَرَى الباقلا الْأَخْضَرَ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ.
وَقَدْ ﴿نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَبِّ بَعْدَ اشْتِدَادِهِ وَإِنْ كَانَ فِي سُنْبُلِهِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَمْنَعُ بَيْعَ الباقلا فِي قِشْرِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا عَدَّ الطرسوسي وَغَيْرُهُ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الباقلا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ.
وَحُجَّةُ الْمَانِعِ: ﴿نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ﴾ فَظَنُّوا أَنَّ هَذَا مَجْهُولٌ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ تُعْرَفُ كَمَا يُعْرَفُ غَيْرُهَا مِنْ الْمَبِيعَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهَا عَلَى جَمِيعِهَا.
وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعُقُودِ مِنْ الصِّيَغِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يُخَالِفُونَ هَذَا.
فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْقَلِيلِ
وَالْكَثِيرِ وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَجْوِيزُ ذَلِكَ فِي الْمُحَقَّرَاتِ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَيْضًا إنَّ الْعُقُودَ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى عُرْفِ النَّاسِ.
فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً أَوْ هِبَةً: كَانَ بَيْعًا وَإِجَارَةً وَهِبَةً؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ.
وَكُلُّ اسْمٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِي حَدِّهِ إلَى الْعُرْفِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَالْقُلْقَاسِ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَعْرُوفِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْخِبْرَةِ إذَا رَأَوْا مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ الْوَرَقِ وَغَيْرِهِ دَلَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى سَائِرِهَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إلَى هَذِهِ الْبُيُوعِ وَالشَّارِعُ لَا يُحَرِّمُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ مِنْ الْبَيْعِ لِأَجْلِ نَوْعٍ مِنْ الْغَرَرِ؛ بَلْ يُبِيحُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَمَا أَبَاحَ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مُبْقَاةً إلَى الْجُذَاذِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمَبِيعِ لَمْ يُخْلَقْ وَكَمَا أَبَاحَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي ثَمَرَةَ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ وَذَلِكَ اشْتِرَاءٌ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ لَكِنَّهُ تَابِعٌ لِلشَّجَرَةِ وَأَبَاحَ بَيْعَ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا.
فَأَقَامَ التَّقْدِيرَ بِالْخَرْصِ مَقَامَ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ
عِنْدَ الْحَاجَةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الرِّبَا الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ - وَهَذِهِ " قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ " وَهُوَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعُ أَعْظَمِ الفسادين بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا - وَبَيْعُ مَا يَكُونُ قِشْرُهُ صَوْنًا لَهُ كَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ وَالْمَوْزِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِتَّةً وَعِشْرِينَ فَدَّانَ قُلْقَاسٍ بِتِسْعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَمْضَى لَهُ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ فَقَلَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقُلْقَاسِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ زَادَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَبِلَ الزِّيَادَةَ وَطَرَدَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلَ ثُمَّ زَادَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي خَمْسِمِائَةٍ وَتَسَلَّمَ الْقُلْقَاسَ وَقَلَعَ مِنْهُ مَرْكَبًا وَبَاعَهَا وَأَوْرَدَ لَهُ ثَمَنَهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ زَادَ عَلَيْهِ فَطَرَدَهُ وَكَتَبَ الْقُلْقَاسَ عَلَى الَّذِي زَادَ عَلَيْهِ: فَهَلْ يَصِحُّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ؟ أَوْ الثَّانِي؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ الْبَائِعُ غَيْرُ جَائِزٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ؛ فَإِنَّ بَيْعَ الْقُلْقَاسِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
إمَّا أَنْ يَكُونَ جَائِزًا عَلَى أَحَدِ
قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ جَائِزًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَد.
فَإِنْ كَانَ جَائِزًا كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي حَرَامًا مَعَ الْأَوَّلِ وَهَذَا الْبَائِعُ لَمْ يَتْرُكْ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِهِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ؛ لَكِنْ لِأَجْلِ بَيْعِهِ لِلثَّانِي وَمِثْلُ هَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ بَيْعَ الْقُلْقَاسِ جَائِزٌ وَلَا يَحِلُّ قَبُولُ الزِّيَادَةِ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ بَاطِلٌ قَالَ: لَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ أَوْ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْمِثْلِ.
وَسُئِلَ:
عَمَّنْ هَاجَرَ مِنْ بَلَدِ التتر وَلَمْ يَجِدْ مَرْكُوبًا فَاشْتَرَى مِنْ التتر مَا يَرْكَبُ بِهِ: فَهَلْ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؟ .
فَأَجَابَ:
نَعَمْ إذَا اشْتَرَى مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ لِمَنْ بَاعَهُ وَإِنْ كَانَ تتريا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ تَاجِرٍ رَسَمَ لَهُ بِتَوْقِيعِ سُلْطَانِيٍّ بِالْمُسَامَحَةِ بِأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى مَتْجَرِهِ فَتَاجَرَ سَفْرَةً فَبَاعَ التَّوْقِيعَ الَّذِي بِيَدِهِ لِتَاجِرٍ آخَرَ؛ لِأَجْلِ الْإِطْلَاقِ الَّذِي فِيهِ.
فَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي التَّوْقِيعِ؟ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلتَّوْقِيعِ بَطَلَ سَفَرُهُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الثَّمَنِ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا الْبَيْعُ لَيْسَ مَقْصُودُهُ بَيْعَ الْوَرَقَةِ؛ فَإِنَّ قِيمَتَهَا يَسِيرَةٌ؛ بَلْ لَا تُقْصَدُ بِالْبَيْعِ أَصْلًا؛ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنَّ الْوَظِيفَةَ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا نُوَّابُ السُّلْطَانِ تَسْقُطُ عَنْهُ الْحُقُوقُ وَيَأْخُذُ هَذَا الْبَائِعُ بَعْضَهَا أَوْ عِوَضَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَتْ تَسْقُطُ عَنْهُ.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا يُطْلَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقًا لِمَنْ وَفَدَ عَلَى السُّلْطَانِ أَوْ خَرَّجَ بَرِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَهَذَا إنَّمَا يُعْطَاهُ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ وَلَا عِوَضُهُ لَمْ يُعْطِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا كَانَ هَذَا لِلْعَارِضِ لَا هُوَ وَلَا صَاحِبُ التَّوْقِيعِ لَمْ يُطْلَقْ لَهُ شَيْءٌ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا وَلَيْسَ مَا
ذُكِرَ لَازِمًا حَتَّى يَجِبَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ بَلْ غَايَتُهُ إنْ قِيلَ بِالْجَوَازِ كَانَ جَائِزًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً مِثْلَ مَا يَبِيعُ النَّاسُ ثُمَّ بَعْدُ طُلِبَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَالسِّلْعَةُ تَالِفَةٌ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.
فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِمِثْلِهَا مَعَ وُجُودِ الْمِثْلِ؟ .
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى السِّعْرِ الْوَاقِعِ وَقْتَ الْقَبْضِ وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ؛ لَكِنْ يُطْلَبُ سِعْرُ الْوَقْتِ وَهُوَ قِيمَةُ الْمِثْلِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ إذَا دَفَعَ الطَّعَامَ إلَى مَنْ يَطْبُخُ بِالْأُجْرَةِ وَإِذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ أَوْ رَكِبَ السَّفِينَةَ.
فَعَلَى هَذَا الْعَقْدِ صَحِيحٌ وَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ فَيَكُونُ مَقْبُوضًا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُضَمَّنُ بِالْمِثْلِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا بِالْقِيمَةِ كَمَا يُضْمَنُ الْمَغْصُوبُ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ كَالشَّافِعِيَّةِ لَكِنْ هُنَا قَدْ تَرَاضَوْا
بِالْبَدَلِ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ كَمَا تَرَاضَوْا فِي مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ.
وَنَظِيرُهُ أَنْ يَصْطَلِحَا حَيْثُ يَجِبُ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى فَيَجِبُ ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا.
وَنَظِيرُ هَذَا: قَوْلُ أَصْحَابِ أَحْمَد فِي الْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ.
يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْحِلِّ وَعَدَمِهِ لَا فِي تَعْيِينِ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ كَمَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الضَّمَانِ؛ بَلْ مَا ضُمِّنَ بِالصَّحِيحِ ضُمِّنَ بِالْفَاسِدِ وَمَا لَا يُضَمَّنُ بِالصَّحِيحِ لَا يُضَمَّنُ بِالْفَاسِدِ فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي أَصْلِ الضَّمَانِ.
فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِهِ.
وَهَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَخَذَ سَنَةَ الْغَلَاءِ غَلَّةً وَقَالَ لَهُ: قَاطِعْنِي فِيهَا قَالَ لَهُ: حَتَّى يَسْتَقِرَّ السِّعْرُ وَصَبَرَ أَشْهُرًا وَحَضَرَ فَأَخَذَ حَظَّهُ بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ إرْدَبًّا فَهَلْ لَهُ ثَمَنٌ أَوْ غَلَّةٌ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لَهُ مَا تَرَاضَيَا وَهُوَ الْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ.
سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ كَانَ أَوَّلًا هُوَ السِّعْرُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد أَنَّ الْبَيْعَ بِالسِّعْرِ صَحِيحٌ.
أَوْ قِيلَ: إنَّ الْبَيْعَ كَانَ بَاطِلًا وَأَنَّ الْوَاجِبَ رَدَّ الْبَدَلَ فَإِنَّهُمَا إذَا اصْطَلَحَا
عَنْ الْبَدَلِ بِقِيمَتِهِ - وَقْتَ الِاصْطِلَاحِ - جَازَ الصُّلْحُ وَلَزِمَ.
كَمَا أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اصْطَلَحَا عَلَى قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ مُسَمًّى صَحِيحٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَلَا يُقَالُ: الْقَابِضُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ فَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ رَدُّ الْمِثْلِ.
لَا يُقَالُ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: إذَا قُبِضَتْ الْعَيْنُ وَتَصَرَّفَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ رَدَّ الثَّمَنِ إمَّا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَإِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ يُمَلَّكُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُمَلَّكُ إذَا مَاتَ بِقَوْلِ مَالِكٍ وَإِذَا كَانَ فِيهِ نِزَاعٌ فَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ الصُّلْحُ فِي مَوَارِدِ نِزَاعِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ صُلْحٌ لَازِمٌ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ؟ .
فَأَجَابَ:
يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ قَوْلِهِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: {أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرْضٍ أَوْ رِبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكُهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِنْ بَاعَ
قَبْلَ أَنْ يُؤْذِنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ} . وَكَذَلِكَ يُضَمَّنُ بِالْإِتْلَافِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْإِتْلَافِ كَالسِّرَايَةِ فِي الْعِتْقِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ؛ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ﴾ . وَإِذَا بَاعَ الشِّقْصَ الْمُشَاعَ وَقَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ بَاقٍ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فللمشتركين أَنْ يَتَهَايَآ فِيهِ بِالْمَكَانِ أَوْ بِالزَّمَانِ.
فَيَسْكُنُ هَذَا بَعْضَهُ وَهَذَا بَعْضَهُ وَبِالزَّمَانِ يَبْدَأُ هَذَا شَهْرًا وَيَبْدَأُ هَذَا شَهْرًا وَلَهُمَا أَنْ يُؤَجِّرَاهُ وَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يُؤَجِّرَهُ مِنْ الْآخَرِ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا مِنْ الْمُؤَاجَرَةِ أُجْبِرَ عَلَيْهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إلَّا الشَّافِعِيَّ وَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْمُهَايَأَةِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ شَرِيكٌ فِي خَيْلٍ وَبَاعَ الشَّرِيكُ الْخَيْلَ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ رَفِيقُهُ عَلَى تَخْلِيصِهَا بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ.
فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقَبْضُ؟
فَأَجَابَ:
إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ.
وَسَلَّمَ الْجَمِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي.
وَتَعَذَّرَ عَلَى الشَّرِيكِ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ كَانَ ضَامِنًا لِنَصِيبِ الشَّرِيكِ فَإِمَّا أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ نَصِيبِهِ وَإِمَّا أَنْ يُضَمِّنَهُ لَا بِقِيمَتِهِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ شَرِكَةٍ فِي مِلْكٍ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ بَيْنَهُمْ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الشَّرِكَةِ بَاعَ الْمِلْكَ جَمِيعَهُ بِشَهَادَةِ أَحَدِ الشُّهُودِ بِالشَّرِكَةِ.
فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي مِلْكِهِ وَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؟ أَوْ يَبْطُلُ الْجَمِيعُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا بَيْعُ نَصِيبِ الْغَيْرِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِوِلَايَةٍ أَوْ وِكَالَةٍ وَإِذَا لَمْ يُجِزْهُ الْمُسْتَحِقُّ بَطَلَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ لَكِنْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلِلْمُشْتَرِي
الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إجَازَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ مِمَّا يُقْسَمُ بِلَا ضَرَرٍ فَلَهُ إلْزَامُ الشَّرِيكِ بِالْقِسْمَةِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ إلَّا بِضَرَرٍ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ لِيَقْتَسِمَا الثَّمَنَ.
وَإِذَا كَانَ الشَّاهِدُ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَائِعَ ظَالِمٌ وَشَهِدَ عَلَى بَيْعِهِ مَعُونَةً عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْمُعَاوَنَةُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ لَا تَجُوزُ.
بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ﴾ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُصِرًّا عَلَيْهِ قُدِحَ فِي عَدَالَتِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْكَرْمِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا إذَا اُضْطُرَّ صَاحِبُهُ إلَى ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا؛ بَلْ قَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَعْصِرُ الْعِنَبَ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَكَيْفَ بِالْبَائِعِ لَهُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مُعَاوَنَةً.
وَلَا ضَرُورَةَ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُهُ رَطْبًا وَلَا تَزْبِيبُهُ فَإِنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَلًّا أَوْ دِبْسًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ شِرَاءِ الْجِفَانِ؛ لِعَصِيرِ الزَّيْتِ أَوْ لِلْوَقِيدِ أَوْ لَهُمَا؟
فَأَجَابَ:
بَيْعُ الزَّيْتِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ زَيْتِهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبِّ الْقُطْنِ وَالزَّيْتُونِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُنْعَصِرَاتِ وَالْمَبِيعَاتِ مُجَازَفَةً وَسَوَاءٌ اشْتَرَاهُ لِلْعَصِيرِ أَوْ لِلْوَقِيدِ؛ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْعَاصِرِ أَنْ يَغُشَّ صَاحِبَهُ.
وَإِذَا كَانَ قَدْ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ الْجَفْنَةُ أُجْرَةً لِرَبِّ الْمَعْصَرَةِ بِحَيْثُ قَدْ وَاطَأَ عَلَيْهِ الْعَاصِرُ عَلَى أَنْ يُبْقِيَ فِيهَا زَيْتًا لَهُ كَانَ هَذَا غِشًّا حَرَامًا وَحَرُمَ شِرَاؤُهُ لِلزَّيْتِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ دُكَّانٌ مُسْتَأْجَرَةٌ بِخَمْسَةِ وَعِشْرِينَ كُلَّ شَهْرٍ وَلَهُ فِيهَا عِدَّةٌ وَقُمَاشٌ فَجَاءَ إنْسَانٌ فَقَالَ: أَنَا أَسْتَأْجِرُ هَذِهِ الدُّكَّانَ بِخَمْسَةِ وَأَرْبَعِينَ وَأَقْعُدُ بِالْعِدَّةِ وَالْقُمَاشُ أَبِيعُ فِيهِ وَأَشْتَرِي.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
هَذَا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مَعًا وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ ضَمِنَ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ لَا يُبَاعَ صِنْفٌ مِنْ الْأَصْنَافِ إلَّا مِنْ عِنْدِهِ وَذَلِكَ الصِّنْفُ لَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَيُوجَدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْقَرِيبَةِ مِنْ نَوَاحِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ؛ بِحَيْثُ تَكُونُ الْمَسَافَةُ مَا بَيْنَ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ.
فَهَلْ يَجُوزُ الِابْتِيَاعُ مِنْ هَذَا الْمُحْتَكِرِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا هُوَ نَفْسُهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ الْبَيْعِ الْحَلَالِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أَنَّهُ يَضْطَرُّ النَّاسُ إلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ حَتَّى يَشْتَرُوا مَا يُرِيدُ فَيَظْلِمُهُمْ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ.
وَأَمَّا مَا يَشْتَرِي مِنْهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ لَهُ حَلَالٌ لَمْ يَحْرُمْ شِرَاؤُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمَظْلُومُ وَمَنْ اشْتَرَى لَمْ يَأْثَمْ وَلَا يَحْرُمُ مَا أَخَذَهُ لِظُلْمِ الْبَائِعِ لَهُ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الظَّالِمِ لَا عَلَى الْمَظْلُومِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ اشْتَرَى مَا اشْتَرَاهُ بِمَا ظَلَمَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ كَانَ ذَلِكَ مَغْصُوبًا مَحْضًا كَالشِّرَاءِ مِنْ الْغَاصِبِ فَحُكْمُ هَذَا ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ أَصْلُ مَالِهِ حَلَالًا وَلَكِنْ رَبِحَ فِيهِ بِهَذِهِ الْمَعِيشَةِ حَتَّى زَادَ فَهَذَا قَدْ صَارَ شُبْهَةً بِقَدْرِ مَا خَالَطَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يُقَالُ: هُوَ حَرَامٌ.
وَلَا يُقَالُ: حَلَالٌ مَحْضٌ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَلَالُ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ وَتَرْكُهُ وَرَعٌ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامُ: فَهَلْ الشِّرَاءُ مِنْهُ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرِّبْحَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ بَعْضُهُ يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُهُ؛ فَإِنَّ مَالَهُ الَّذِي قُبِضَ مِنْهُ لَوْ قُبِضَ بِعَقْدِ فَاسِدٍ لَوَجَبَ لَهُ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَةُ مِثْلِهِ وَالْمُشْتَرُونَ يَأْخُذُونَ سِلْعَتَهُ فَلَهُ عَلَيْهِمْ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَةُ مِثْلِهَا.
ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الضَّمَانِ يَأْخُذُونَ مِنْهُ بَعْضَ مَا ظَلَمَهُ؛ فَإِنَّ الْحَانُوتَ يَكُونُ شِرَاؤُهُ عِشْرِينَ فَيُلْزِمُونَهُ بِخَمْسِينَ؛ لِأَجْلِ الضَّمَانِ فَتِلْكَ الثَّلَاثُونَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَهِيَ قَدْ أُخِذَتْ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا يَبْقَى لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَهَاتِيك الَّتِي مَا لَهُ وَمَعَ الْحَاجَةِ وَتَعْدِلُ غَيْرَهُ بِكَوْنِ الرُّخْصَةِ أَقْوَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَم.
وَسُئِلَ:
عَنْ الْأَعْيَانِ الْمُضَمَّنَةِ مِنْ الْحَوَانِيتِ.
كالشيرج وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا وَهِيَ أَنَّ إنْسَانًا يَضْمَنُ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَحْدَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
فَيَقُولُ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا كُلَّ شَهْرٍ لِمَالِكِ حَانُوتٍ أَوْ خَانٍ أَوْ مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَ وَأَبِيعَ فِيهِ شَيْئًا لَا يَبِيعُهُ غَيْرِي أَوْ أَعْمَلُ كَذَا وَكَذَا - يَعْنِي شَيْئًا يَذْكُرُهُ - عَلَى أَنَّ غَيْرِي لَا يَعْمَلُ مِثْلَهُ.
فَهَلْ يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الَّتِي يَبِيعُهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُشْتَرِي غَيْرِهَا مِنْ جِنْسِهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْأَعْيَانِ بِاعْتِبَارِ مَشَقَّةٍ عِنْدَ تَحْصِيلِ غَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَمْ لَا؟ سَوَاءٌ كَانَتْ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةً إلَى ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا مَعَ الْغِنَى عَنْ الِاشْتِرَاءِ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِيَ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ ظَالِمٌ بِمَنْعِ غَيْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ فَمُجَانَبَتُهُ وَهَجْرُهُ أَوْلَى بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
[وَأَمَّا الشِّرَاءُ مِنْهُ - لَا سِيَّمَا مَعَ الْحَاجَةِ - فَلَا يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ] * . وَلَا
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ إذَا اشْتَرَى مَعَ إمْكَانِ الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَلَكِنْ مَعَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا لَهُ مَالٌ يَشْتَرِي بِهِ وَيَبِيعُ؛ لَكِنْ إذَا مَنَعَ غَيْرَهُ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ بَاعَهُمْ بِأَغْلَى مِنْ السِّعْرِ فَظَلَمَهُمْ.
وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَضَعُهُ الظَّلَمَةُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْبَضَائِعِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَيَشْتَرُونَهُ مُكْرَهِينَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ؛ وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ مَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا قَدْ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ الْمُحَرَّمَةِ فَصَارَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ.
فَيُقَالُ أَوَّلًا: مَنْ غَلَبَ عَلَى مَالِهِ الْحَلَالُ جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَإِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ: فَهَلْ مُعَامَلَتُهُ مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ثُمَّ يُقَالُ: تِلْكَ الزِّيَادَاتُ لَيْسَ لَهَا مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ يُعْرَفُ وَالْوَاجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لَا يُعْرَفُ مَالِكُهُ أَنْ يُصْرَفَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا إنَّمَا مَنَعْنَاهُ مِنْ الزِّيَادَةِ؛ لِئَلَّا يَظْلِمَ النَّاسَ فَلَوْ جَعَلْنَا مَا يَشْتَرِيهِ النَّاسُ مِنْهُ حَرَامًا لَكِنَّا قَدْ زِدْنَا الضَّرَرَ عَلَى النَّاسِ إذَا احْتَاجُوا أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَاَلَّذِي اشْتَرَوْهُ حَرَامٌ وَهُمْ لَا يُطِيقُونَ الشِّرَاءَ مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ؛ بَلْ يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ لَمْ يَظْلِمْ أَحَدًا فَإِنَّ مَا اشْتَرَاهُ قَدْ أَعْطَاهُ عِوَضَهُ وَزِيَادَةً وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْعِوَضِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ
لِذَلِكَ جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُعَيَّنًا مِنْهُمْ فَهُوَ نَفْسُهُ قَدْ ظَلَمَ أُولَئِكَ جَمِيعَهُمْ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَأَمَّا الْمُشْتَرِي مِنْهُ الَّذِي أَعْطَاهُ الْعِوَضَ وَزِيَادَةً فَلَمْ يَظْلِمْ أَحَدًا.
وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا كَانَ مَالُهُ مُخْتَلِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ حَرَامًا؛ فَإِنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِينَ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ وَهَذِهِ الْأَعْيَانُ الَّتِي فِي يَدِهِ لَا يَسْتَحِقُّهَا بِعَيْنِهَا الْمَظْلُومُونَ فَمُعَاوَضَتُهُ عَلَيْهَا جَائِزَةٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ الْمَظْلُومَ مَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَبِهَذَا أَفْتَى فِي مِثْلِ هَذَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا كَسَائِرِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ وَهُوَ ظَالِمٌ بِمَطْلِهِ لِلْغُرَمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ﴾ . ثُمَّ مَعَ هَذَا إذَا عَاوَضَ عَلَى مَا فِي يَدِهِ بِمُعَاوَضَةِ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٍ جَازَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُكْرَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ تَبَرُّعًا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ أَدَاءُ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ فَفِي نُفُوذِ تَبَرُّعِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ؛ لَكِنْ يُقَالُ هَذَا الظَّالِمُ لَمَّا أَخَذَ الزِّيَادَةَ وَاشْتَرَى بِهَا فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَظْلُومِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ؛ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي حَصَلَ بِرِضَا الْغَرِيمِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي غَيْرِ مَالِ الْمَدِينِ.
فَيُقَالُ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أُصُولٍ: أَحَدُهَا: إنَّ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَخَذَهَا زِيَادَةً بِغَيْرِ حَقٍّ هَلْ يَتَعَيَّنُ حَقُّ صَاحِبِهَا فِيهَا أَوْ لِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
وَلِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ فِي الدَّرَاهِمِ هَلْ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ والقبوض حَتَّى فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ؟ ؟ فَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقِيلَ: لَا تَتَعَيَّنُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ ابْنِ قَاسِمٍ.
وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ؛ دُونَ الْعَقْدِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِذَا خُلِطَ الْمَغْصُوبُ بِمِثْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ كَمَا تُخْلَطُ الْأَدْهَانُ وَالْأَلْبَانُ وَالْحُبُوبُ وَغَيْرُهَا فَهَلْ يَكُونُ الْخَلْطُ كَالْإِتْلَافِ حَيْثُ يَبْقَى حَقُّ الْمَظْلُومِ فِي الذِّمَّةِ فَيُعْطِيهِ الظَّالِمُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ؟ أَوْ حَقُّهُ بَاقٍ فِي الْعَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَيْنِ الْخَلْطِ بِالْقِسْمَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ الزَّائِدَةَ لَيْسَتْ مُتَعَيِّنَة سَوَاءٌ اشْتَرَى مِنْهُ دَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مَنْفَعَةً؛ فَإِنَّ الْمَظْلُومَ أَخَذَ مِنْهُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَيَّنًا وَلَوْ كَانَ مُتَعَيَّنًا ثُمَّ خَلَطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ التَّعْيِينِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا فِي الْأَصْلِ؟ فَعَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ حَقُّهُ إلَّا فِي ذِمَّةِ الظَّالِمِ.
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُضَارِبَ وَالْمُودِعَ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْوَدِيعَةَ وَالْمُضَارَبَةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَجْعَلُوا لِصَاحِبِ الْمَالِ حَقًّا فِي عَيْنِ التَّرِكَةِ؛ فَإِنَّ تَفْرِيطَ الْمُودَعِ حِينَ لَمْ يُمَيِّزْ الْوَدِيعَةَ مِنْ غَيْرِهَا مُوجِبٌ لِضَمَانِهِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَسْقَطُوا حَقَّ الْمَالِكِ مِنْ عَيْنِ مَالِ الْمَيِّتِ فَلَمْ
يُقَدِّمُوهُ بِعَيْنِ مَالِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ؛ بَلْ جَعَلُوهُ غَرِيمًا مِنْ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ كَانَ عَيْنُ مَالِهِ مُخْتَلِطًا.
وَالظُّلْمُ يَكُونُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمِ.
فَتَرْكُ الْمُودَعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّمْيِيزِ ظُلْمٌ مِنْهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ - وَهُوَ سُقُوطُ حَقِّ الْمَالِكِ مِنْ الْعَيْنِ - وَإِنْ كُنَّا لَا نَنْصُرُهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ مَأْخَذِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أُصُولِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا فَرَعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ فَرْعِهَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الظَّالِمَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَشْتَرِي فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ يُنَفِّذُ عَيْنَ الْمَالِ وَفِي صِحَّةٍ مِثْلُ هَذَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
الْأَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ نُسَلِّمَ أَن
َّ حَقَّ الْمَظْلُومِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِ الظَّالِمِ
وَإِنْ فَاتَتْ الْعَيْنُ لِكَوْنِ هَذَا بَدَلُ مَالِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي نَزَعَهُ وَهُوَ أَنْ يُخَيِّرَ الْمَظْلُومَ بَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِشَطْرِ حَقِّهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الْمَالِ وَيَكُونُ مَا يَزِيدُ مِنْ الْمَالِ مِنْ نَمَاءٍ وَرِبْحٍ وَغَيْرِهِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ؛ لَكِنْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: الْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ حَقِّهِ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بِتَصَرُّفِ الظَّالِمِ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ.
فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْعُقُودَ لَا تُوقَفُ يَقُولُ: مَا قَبَضَهُ الْبَائِعُ الظَّالِمُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَالثَّمَنُ الَّذِي أَدَّاهُ وَقَدْ غَصَبَهُ هُوَ
فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ دُونَ النَّاسِ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ وَمَا فِي يَدِهِ لَا يَمْلِكُهُ؛ بَلْ هُوَ لِأُنَاسٍ مَجْهُولِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ.
وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ.
وَعَلَى هَذَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: إنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى الْغَائِبِينَ يَقْضِي الدُّيُونَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ لِلْبَائِعِ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدِهِ لَهُمْ.
وَقِيلَ: إنَّ الْبَائِعَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ الَّذِي عَلَيْهِمْ مِمَّا لَهُمْ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْمَعْلُومَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ مَالِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلضَّيْفِ الْمَظْلُومِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ زَرْعِ الْمُضِيفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَكَمَا أَمَرَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ الْحَقُّ مَجْحُودًا.
فَقَدْ قَالَ: ﴿أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك﴾ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَدْ بَاعَ غَيْرَهُ سِلْعَةً بَيْعًا فَاسِدًا وَقَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِوَقْفِ الْعُقُودِ حَتَّى تُوفِيَ التَّبَرُّعَاتُ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيَقُولُونَ مَنْ بِيَدِهِ مَالُ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ عَيْنَ مَالِكِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي
حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلَكِنْ لِصَاحِبِهِ إذَا ظَهَرَ أَنْ لَا يَنْفُذَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُعَاوَضَةُ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا عَرَفَ أَنْ يَرُدَّهَا؛ بَلْ تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ كَمَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ وَصِيٌّ وَلَا وَارِثٌ وَلَا حَاكِمٌ فَإِنَّ رُفْقَتَهُ فِي السَّفَرِ تَثْبُتُ لَهُمْ الْوِلَايَةُ عَلَى مَالِهِ فَيَحْفَظُونَهُ وَيَبِيعُونَ مَا يَرَوْنَ بَيْعَهُ مَصْلَحَةً وَيَنْفُذُ هَذَا الْبَيْعُ وَلَهُمْ أَنَّ يَقْبِضُوا مَا بَاعُوهُ وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ؛ بَلْ هُوَ يُعْرَفُ بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْحَاجَةِ كَمَا ثَبَتَ لَهُمْ وِلَايَةُ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ مِنْ مَالِهِ وَدَفْنِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْبَائِعُ الَّذِي بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي إذَا قِيلَ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ لَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي رَدَّ مَا قَبَضَ مِنْهُ وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدَّ الْمُشْتَرِي مَا قَبَضَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَظِيرَ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ وَأَقَلَّ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ مِثْلُهُ.
وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَاهُ: تِلْكَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ رَدَّهَا إلَى صَاحِبِهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ رَدُّ الزِّيَادَةِ إلَى صَاحِبِهَا فَقَابِضُ الزِّيَادَةِ الظلمية إذَا لَمْ يَرُدَّهَا كَانَ لِلْمَظْلُومِ
الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ الَّذِي صَارَ بِيَدِ الْبَائِعِ نَظِيرَ ذَلِكَ وَقَابَضَهَا الَّذِي بَاعَ بِهَا مَالَهُ إذَا لَمْ يَرُدَّ مَالَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِهِ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
وَهَذَا احْتِمَالُ كُلِّ مَنْ تَبَايَعَا بَيْعًا فَاسِدًا وتقابضاه إذَا قِيلَ: أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَا يُمَلَّكُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ عِنْدَ الْآخَرِ مَا قَبَضَهُ الْآخَرُ مِنْهُ وَلِلْآخَرِ عِنْدَهُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا صَارَ بِيَدِ هَذَا الضَّامِنِ الظَّالِمِ مِنْ الزِّيَادَاتِ الظلمية مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْتَرِينَ الْمُخْتَلِطَةِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ: إذَا اشْتَرَى بِهَا شَيْئًا وَأَقْبَضَ الْمُشْتَرِينَ مِلْكَ الزِّيَادَةِ وَقَبَضَ مَا اشْتَرَاهُ كَانَ مَا حَصَلَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِإِزَاءِ مَا قَبَضُوهُ مِنْ الزِّيَادَةِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَلَا يَكُونُ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ حَرَامًا فَكَيْفَ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ بِزِيَادَةِ؛ بِخِلَافِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَبَرُّعًا فَهَذَا فِيهِ كَلَامٌ آخَرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُعَامِلُ بِالرِّبَا إذَا أَضَافَ غَيْرَهُ.
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُلْ فَإِنَّ مَهَنَاهُ لَك وَحِسَابُهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ كَلَامٌ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ.
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أُصُولٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
مِنْهَا الْمَقْبُوضُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ هَلْ يُمْلَكُ أَوْ لَا يُمْلَكُ؟ . وَمِنْهَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْعَيْنِ تَصَرُّفًا يَمْنَعُ رَدَّهَا بِعَيْنِهَا فَهَلْ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ إلَى ذِمَّتِهِ؟ أَوْ هُوَ بَاقٍ فِي مَالِهِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ الْعَيْنُ وَاَلَّذِي عَاوَضَ
بِهِ عَنْ الْعَيْنِ؟ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ.
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِوَقْفِ الْعُقُودِ - لَا سِيَّمَا مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِئْذَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ - فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ.
فَإِنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ أَنَّ النَّاسَ يَرْضَوْنَ بِبَيْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي أَعَدُّوهَا لِلْبَيْعِ بِالزِّيَادَةِ؛ بِخِلَافِ مَا أَعَدُّوهُ لِلْقِنْيَةِ.
وَأَيْضًا فَالْمَظْلُومُ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ قَلِيلٌ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ظَلَمَهَا فَبَعْضُهُ لِصَاحِبِ الْحَانُوتِ الظَّالِمِ وَلَا يَتَمَيَّزُ هَذَا عَنْ هَذَا وَمِثْلُ هَذَا إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بَيْعَهُ أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ لِأَجْلِ شَرِيكِهِ فَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَالٌ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ - كَحَيَوَانِ - إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بَيْعَهَا وَقِسْمَةَ الثَّمَنِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد؛ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ قِيمَةِ الْجَمِيعِ لَا فِي قِيمَةِ النِّصْفِ.
بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ.
فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ: وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ﴾ فَجَعَلَ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ قِيمَةِ الْجَمِيعِ وَأَمَرَ بِتَقْوِيمِ جَمِيعِ الْعَبْدِ لَا بِتَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ فَقَطْ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الزِّيَادَةَ الظلمية لَا تَتَمَيَّزُ عَنْ الْمَزِيدِ وَلَا يُمْكِنُ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ أَوْ قِسْمَةِ بَدَلِهَا وَالْعَيْنُ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا فَتَعَيَّنَ قِيمَةُ بَدَلِهَا.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَاوِضَ صَاحِبَ الْحَانُوتِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ الشُّرَكَاءَ الْمَظْلُومِينَ حُقُوقَهُمْ.
وَأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِينَ فِي ذِمَّتِهِ فَقَطْ أَوْ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَعْيَانِ مَعَ جَوَازِ الْمُعَاوَضَةِ لِتَوْفِيَةِ حُقُوقِهِمْ؛ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَوْفِيَةِ حُقُوقِهِمْ بِالْعَدْلِ إلَّا مَعَ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَالْمُشْتَرُونَ تَسَلَّمُوا مَا اشْتَرَوْهُ شِرَاءً حَلَالًا جَائِزًا.
وَعَلَى هَذَا أَدِلَّةٌ أُخْرَى تُبَيِّنُ أَنَّ النَّاسَ الْمُشْتَرِينَ لَمْ يَظْلِمُوا أَحَدًا إذَا اشْتَرَوْا وَإِنَّ شِرَاءَهُمْ جَائِزٌ وَأَنَّ مَنْعَ النَّاسِ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ ظُلْمٌ مُضَاعَفٌ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ.
وَعَلَى هَذَا فَمَعَ الْحَاجَةِ إلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ لَا يُكْرَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْرُمَ.
وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ الَّذِي بَاعَهُ عَيْنَ الْمَعْقُودِ فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ وَعَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَالِكِ الْمَجْهُولِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِوَقْفِهَا؛ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَلِكَ أَحْمَد عِنْدَ الْحَاجَةِ: مِثْلُ أَنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُ الْمَالِكِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ وَفِي ذَلِكَ بِدُونِ الْحَاجَةِ رِوَايَتَانِ.
وَاخْتَارَ الخرقي الْقَوْلَ بِوَقْفِهَا كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَيَكُونُ
تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ الْغَيْرِ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ إذَا أَمْكَنَ اسْتِئْذَانُهُ.
وَأَمَّا الْمَجْهُولُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ فَلَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى اسْتِئْذَانِهِ؛ بَلْ يَنْفُذُ التَّصَرُّفُ لَهُ بِالْمَصْلَحَةِ.
وَلَوْ عُرِفَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْمُعَاوَضَاتِ وَإِنَّمَا لَهُ رَدُّ التَّبَرُّعَاتِ كَصَاحِبِ اللُّقَطَةِ.
وَقَدْ عُرِفَ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ أَنَّ أَرْبَابَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا لَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ.
وَلَا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ تُبَاعَ سِلْعَتُهُ بِزِيَادَةِ فَإِنَّهُمْ يَخْتَارُونَ بَيْعَ الْمُشْتَرِي؛ وَلَكِنَّ الْبَائِعَ هُوَ الَّذِي ظَلَمَهُمْ وَهُوَ هُنَا لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ الْمَالِكُ جَازَ التَّصَرُّفُ بِالْعَقْدِ وَالْقَبْضِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا عُرِفَ الْمَالِكُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِهِ فِي الْقَبْضِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَهَذَا كَاللُّقَطَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَالِكُهَا.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ إذَا عُرِفَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ يَكُونُ التَّصَدُّقُ نَافِذًا غَيْرَ مَوْقُوفٍ؛ وَلَكِنَّ الْمُلْتَقِطَ الْبَائِعَ لَيْسَ بِظَالِمِ وَهُنَا الْبَائِعُ ظَالِمٌ؛ لَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِظَالِمِ وَالْمَالُ لَا يُمْكِنُ إتْلَافُهُ وَهُوَ بِيَدِ الْبَائِعِ الظَّالِمِ فَأَخْذُ الشِّرَاءِ لَهُ بِالزِّيَادَةِ حَرَامٌ لِلْمَالِكِ الْمَجْهُولِ فَالشَّارِعُ يُنَفِّذُ الْمِلْكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي وَالْمَالِكِ الْمَجْهُولِ الْمَظْلُومِ؛ إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا.
كَمَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ وَوَصِيَّ الْيَتِيمِ وَالْمُضَارِبَ وَالشَّرِيكَ