كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْإِجَارَاتِ الَّتِي يُعِدُّهَا أَهْلُ الْعُرْفِ بَيْعًا وَإِجَارَةً: اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ صَحِيحٌ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
وَمَنْ اعْتَقَدَهُ بَاطِلًا: اعْتَقَدَهُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
فَالْمُؤَجِّرُ النَّاظِرُ إنْ اعْتَقَدَ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ الْتَزَمَهُ لَهُ وَعَلَيْهِ.
فَإِنْ اعْتَقَدَ بُطْلَانَ هَذَا الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمُؤَجَّرَ وَلَا يُطَالِبَ بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ وَلَا [يَمْنَعُ] 1 الْمُسْتَأْجِرِينَ مِنْ الْخُرُوجِ.
وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَّمَ الْعَيْنَ إلَى الْغَاصِبِ فَمَا تَلِفَ تَحْتَ يَدِ الْمُسْتَوْلِي كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ سَلَّمَ مَالَهُ بِعَقْدِ فَاسِدٍ يَعْتَقِدُ هُوَ فَسَادَهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ هَذَا الْعَقْدِ كَانَ لَهُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ زِيَادَةً عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا يُخْرِجَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأُجْرَةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ يُوجِبُ الْفَسْخَ.
وَمَتَى أَصَرَّ النَّاظِرُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ فَاسِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ صَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ غَيْرَ لَازِمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ فَإِنَّهُ ظَالِمٌ جَائِرٌ وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي وِلَايَتِهِ وَعَدَالَتِهِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا يُؤَجِّرُهُ إجَارَةً صَحِيحَةً وَلَيْسَ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَجِّرَ إجَارَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ حِصَّةُ وَقْفٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِشَخْصِ فَأَجَّرَهُ الضَّيْعَةَ وَقَاصَّهُ بِدَيْنِهِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَهُوَ شَرْطُ مَذْهَبِ الْوَاقِفِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ لِرَجُلِ آخَرَ فَاعْتَقَلَهُ فِي حَبْسِ السِّيَاسَةِ مُدَّةً إلَى أَنْ هَلَكَ مِنْ السِّجْنِ وَحَلَفَ أَنَّهُ مَا يُخْرِجُهُ حَتَّى يُضَمِّنَهُ الْحِصَّةَ فَمَا وَجَدَ مِنْ الْحَبْسِ وَالتَّهْدِيدِ ضَمَّنَّهُ الْحِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَهُوَ ضَامِنُ حِصَّةٍ أُخْرَى فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ وَمُدَّةُ الْإِيجَارِ خَمْسُ سِنِينَ وَمَبْلَغُ الدَّيْنِ وَاحِدٌ.
فَهَلْ يَعْمَلُ بِالْإِيجَارَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَأَغْلَى قِيمَةً؟ أَمْ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ كُرْهٌ وَإِجْبَارٌ وَدُونَ الْقِيمَةِ وَغَيْرُ شَرْطِ الْوَاقِفِ؟ وَإِذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا مُغَلَّاتٍ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ قَدْ فَرَغَ مُدَّةَ الْأَوَّلِ لِمَنْ يَكُونُ وِلَايَةُ الْإِيجَارِ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَ قَدْ أَجَّرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً كَانَتْ إجَارَتُهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ أَوْ بَعْضَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ إجَارَةً بَاطِلَةً سَوَاءٌ كَانَتْ بِاخْتِيَارِ الْمُؤَجِّرِ أَوْ كَانَ قَدْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا وَكَانَ هَذَا الْمُسْتَأْجِرُ ظَالِمًا بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا وَاسْتِغْلَالِهَا وَكَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ
الْإِجَارَةَ وَتَسْقُطَ عَنْهُ الْأُجْرَةُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهَا فَيُؤَدِّي الْأُجْرَةَ وَيُطَالِبُ هَذَا الظَّالِمَ بِعِوَضِ الْمَنْفَعَةِ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ دَارٍ وُقِفَ عَلَى صَغِيرٍ وَرَجُلٍ بَالِغٍ
وَقَدْ أَجَّرَهَا أَبُو الْوَاقِفِ بِالْإِكْرَاهِ وَالْإِجْبَارِ مِنْ رَجُلٍ لَهُ جَاهٌ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
فَهَلْ تَصِحُّ إجَارَةُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ الْبَالِغِ؟ وَقَدْ رَآهُ مُكْرَهًا وَعَلَيْهِ التَّرْسِيمُ فَأَرَادَ الِابْنُ خَلَاصَهُ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ الَّذِي أَكْرَهَ عَلَى الْإِيجَارِ فَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِمْضَاءِ الْإِجَارَةِ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْإِشْهَادُ؟ وَهَلْ تَصِحُّ إجَارَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِيجَارِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ أُكْرِهَ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى تَنْفِيذِهَا: لَمْ يَصِحَّ؛ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يُلْزَمُ بَيْعَهُ وَلَا إجَارَتَهُ وَلَا إنْفَاذَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا إجَارَةُ الْوَقْفِ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَفِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أَيْتَامٍ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي مِلْكٍ فَأَجَّرَهُ الْوَصِيُّ لِلشَّرِكَةِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْلِ.
فَمَا الْحُكْمُ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَتَى أَجَّرَهُ الْوَصِيُّ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا فَوَّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ وَلَمْ تَكُنْ الْإِجَارَةُ لَازِمَةً لِلْيَتِيمِ بَعْدَ رُشْدِهِ؛ بَلْ هِيَ بَاطِلَةٌ مُنْفَسِخَةٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَفِي الْآخَرِ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ مَا فَعَلَهُ الْوَصِيُّ كَانَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ وَإِنْ عَلِمَ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ بَلْ لَوْ أَجَّرَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَعْلَمُ الْوَصِيُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي أَثْنَائِهَا؛ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلْيَتِيمِ الْفَسْخَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدُ حَمَّامًا بِجَانِبِ الدَّارِ يَحْصُلُ مِنْ الْمَاءِ النَّامُوسُ وَزَوْجَتُهُ أَسْقَطَتْ مِنْ رَائِحَةِ الدُّخَّانِ.
فَهَلْ يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَأْجِرُ يَعْلَمُ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَمَّامَ إذَا أُدِيرَ يَحْصُلُ مِنْ إدَارَتِهِ الضَّرَرُ الَّذِي يَنْقُصُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْعَادَةِ فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ إقْطَاعٍ مُسَجَّلٍ تَقَاوِيَ عَلَى الْمُقْطَعِ
كُلُّ فَدَّانٍ بِثَلَاثَةِ أَرَادِبَ وَثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
وَالْبَقَرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِينَ.
هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَتْ الضَّرِيبَةُ وَمُؤَجِّرُهَا يُؤَجِّرُهَا بِهَا سَوَاءٌ كَانَ الْفَلَّاحُ يَقْتَرِضُ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَلَمْ يُرِدْ الضَّرِيبَةَ لِأَجْلِ الْقُوَّةِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ فَإِنَّ الْقَرْضَ لَمْ يَجُرَّ بِهِ مَنْفَعَةً وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ مِنْ الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً؛ إذْ بِالْقُوَّةِ يَسْتَأْجِرُهَا الْفَلَّاحُ لَكِنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ
لِلِاثْنَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَزِدْ الْأُجْرَةَ لِأَجْلِ الْقُوَّةِ فَقَدْ أَحْسَنَ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَمَّى إجَارَةً أَوْ مُسَجَّلًا فَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ.
و
َسُئِلَ:
عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ فِي بُسْتَانٍ
فَتَرَكَ الْعَمَلَ حَتَّى فَسَدَ بَعْضُ الْبُسْتَانِ.
فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؟ أَوْ يَضْمَنُ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
لَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ وَإِنْ عَمِلَ بَعْضَهُ أُعْطِيَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ وَإِذَا تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ.
وَالتَّفْرِيطُ هُوَ تَرْكُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَسُئِلَ:
عَنْ دَابَّةٍ: أَيُّمَا أَفْضَلُ يَنْقُلُ النَّاسَ بِلَا أُجْرَةٍ أَوْ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا؟ .
فَأَجَابَ:
إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَتَرْكُهُ لَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَهُنَالِكَ مُحْتَاجٌ فَأَخْذُهُ لِأَجْلِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ أَجَّرَ أَرَاضِيَ بَيْتِ الْمَالِ لِأَقْوَامِ مُعَيَّنِينَ فِي إيجَارِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي إجَارَةٍ قَدْرٍ مَعْلُومٍ بِدِرْهَمِ مَعْلُومٍ وَزُرِعَتْ الْأَرَاضِيَ أنشابا وَأَنَّ الْأَرَاضِيَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فِيهَا زَائِدٌ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ بِخَارِجِ عَمَّا يَشْهَدُ بِهِ الْإِيجَارُ.
فَهَلْ يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْأَرَاضِي وَإِخْرَاجُ الزَّائِدِ لِبَيْتِ الْمَالِ؟ .
فَأَجَابَ:
مَا زَرَعُوهُ زَائِدًا عَمَّا يَسْتَحِقُّونَهُ بِالْإِجَارَةِ فَزَرْعُهُمْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَمَتَى اسْتَعْمَلُوا الزَّائِدَ كَانَ عَلَيْهِمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ: فَهَلْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ بِمَا أَنْفَقُوهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَإِنْ اخْتَارَ إبْقَاءَهُ وَالْمُطَالَبَةَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ: فَلَهُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ مَكَانًا مِنْ مُبَاشِرِيهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بِأُجْرَةِ مُعَيَّنَةٍ وَلَوْ أَرَادَ الْإِقَالَةَ مَا أَقَالُوهُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
فَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ زِيَادَةً قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ؟ .
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُخْرِجَ الْمُسْتَأْجِرَ؛ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ حَصَلَتْ عَلَيْهِ وَالْحَالُ هَذِهِ.
وَلَا يَقْبَلُ عَلَيْهِ زِيَادَةً وَالْحَالُ هَذِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً لَمْ يَجُزْ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يُمَكِّنَ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ تَسَلُّمِ الْمَكَانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ وَلَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إذَا أَرَادَ وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ فِي الْعَقْدِ وَكَانَ دُخُولُ النَّاظِرِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَادِحًا فِي عَدَالَتِهِ وَوِلَايَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ الْمَكَانَ إلَّا إجَارَةً صَحِيحَةً فِي الشَّرْعِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ إذَا أَجَّرَهُ كَذَلِكَ أَنْ لَا يَقْبَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا يُخْرِجَهُ لِأَجْلِهَا.
وَأَمَّا الَّذِي زَادَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
فَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ بَعْدَ رُكُونِ الْمُؤَجِّرِ
إلَى إجَارَتِهِ لَكَانَ قَدْ سَامَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِمْكَانُ الْفَسْخِ فَهُوَ مِثْلُ الَّذِي يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.
وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَكَيْفَ إذَا زَادَ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ الْإِجَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّ هَذَا الزَّائِدَ عَاصٍ آثِمٌ ظَالِمٌ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةِ وَمَنْ أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِشْهَادُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ إشْهَادِ الْمُؤَجِّرِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إشْهَادٍ؛ بَلْ يَصِحُّ بِدُونِ الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُ النَّاظِرِ لَهُ: أَشْهِدْ عَلَى نَفْسِك مَعَ إشْهَادِ الْمُسْتَأْجِرِ هُوَ إجَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ؛ بَلْ بَعْدَ قَوْلِ النَّاظِرِ لَهُ: أَشْهِدْ عَلَى نَفْسِك لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاظِرِ أَلَّا يُؤَجِّرَهَا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُشْهِرَ الْمَكَانَ عِنْدَ أَهْلِ الرَّغَبَاتِ الَّذِينَ جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِئْجَارِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ آجَرَهُ الْمِثْلَ وَهِيَ الْإِجَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَإِنْ حَابَاهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ أَوْ بَعْضُ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ يَدٌ أَوْ غَيْرُهُمْ: فَأَجَّرَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَانَ ظَالِمًا ضَامِنًا لِمَا نَقَصَ أَهْلَ الْوَقْفِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ تَغَيَّرَتْ أَسْعَارُ الْعَقَارِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ بِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَدْخُلُ فِي التَّكْلِيفِ.
وَالْمَنْفَعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّمَانِ قَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً لَا مُمَاثِلَةً.
فَتَكُونُ قِيمَتُهَا فِي الشِّتَاءِ
أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فِي الصَّيْفِ وَبِالْعَكْسِ.
وَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ حَوْلًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ فِي زَمَانِ بَعْضِ الْكَرْيِ لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ مِنْ ارْتِفَاعِهِ فِي الزَّمَانِ الْآخَرِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ ارْتِفَاعِ سِعْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلَوْ قَدَّرَ أَنَّ الْإِجَارَةَ انْفَسَخَتْ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ لَبُسِطَتْ الْقِيمَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ لَا بِأَجْزَاءِ الزَّمَانِ.
فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَتُهُ فِي وَقْتِ الصَّيْفِ؟ وَيَقْسِمُ الْأُجْرَةَ عَلَى وَقْتِ الْقِيمَةِ وَيَحْسِبُ لِكُلِّ زَمَانٍ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَفْعَلَ مَصْلَحَةَ الْوَقْفِ فِي إجَارَةِ الْمَكَانِ مُسَانَهَةً أَوْ مُشَاهَرَةً أَوْ موايمة.
فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَكُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ تَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْإِخْلَاءِ وَالْمُؤَجَّرُ مِنْ أَمْرِهِ بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ مُشَاهَرَةً وَعِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْإِخْلَاءِ وَالْمُؤَجِّرُ مِنْ أَمْرِهِ بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ مُسَانَهَةً فَقَدْ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَد مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ أَوْ أَقَلَّ فَهُوَ قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لَا الشَّافِعِيِّ وَلَا أَحْمَد وَلَا غَيْرِهِمَا؛ لَا فِي الْوَقْفِ وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا مِنْ مُبَاشِرِي الْأَوْقَافِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بِأُجْرَةِ مُعَيَّنَةٍ وَتَسَلَّمَ الْحَانُوتَ وَانْتَفَعَ بِهِ وَقَبَضُوا مِنْهُ مَا اُسْتُحِقَّ لَهُمْ مِنْ الْأُجْرَةِ وَلَوْ أَرَادَ الْإِقَالَةَ مَا أَقَالُوهُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
فَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ زِيَادَةً مِمَّنْ زَادَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ إجَارَتِهِ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ - وَالْحَالُ هَذِهِ - سَوَاءٌ كَانَ هَذَا وَقْفًا أَوْ مِلْكَ يَتِيمٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَمَنْ اسْتَجَازَ أَنْ يَقْبَلَ الزِّيَادَةَ وَلَا يُمَكِّنُ الْمُسْتَأْجِرَ الْخُرُوجَ إذَا أَرَادَ: فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً أَوْ غَيْرَ جَائِزَةٍ: كَانَ لِكُلِّ مِنْ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ تَرْكُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَازِمَةً لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا فَسْخُهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ وَنَحْوِهَا.
فَأَمَّا أَنْ تُجْعَلَ جَائِزَةً مِنْ جَانِبِ الْمُؤَجِّرِ؛ لَازِمَةً مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجِرِ: فَهَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ زَعْمَ النَّاظِرِ أَنَّهُ لَمْ يُؤَجِّرْ هَذَا الْمَكَانَ أَوْ أَجَّرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً: كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي نَظَرِهِ وَعَدَالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ يُسَلِّمُ
الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ وَتَمْكِينُهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ؛ وَلَا نِزَاعَ أَنَّ النَّاظِرَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ كَثِيرًا مَا تَكُونُ دُونَ الْمُسَمَّاةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا فَوَّتَهُ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ.
وَلَوْ ادَّعَى النَّاظِرُ أَنَّ الْإِجَارَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً وَادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ؛ إذْ الْأَصْلُ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ؛ وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
عَنْ رَجُلٍ وَزَّانٍ بِالْقَبَّانِ وَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ مِمَّنْ يَزِنُ لَهُ.
فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ الْأُجْرَةُ حَلَالٌ؟ أَمْ حَرَامٌ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْوَزْنُ بِالْقَبَّانِ الصَّحِيحِ كَالْوَزْنِ بِسَائِرِ الْمَوَازِينِ إذَا وَزَنَ الْوَازِنُ بِهَذِهِ الْآلَاتِ الصَّحِيحَةِ بِالْقِسْطِ جَازَ وَزْنُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ فَاسِدَةً وَالْوَازِنُ بَاخِسًا كَانَ مِنْ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ.
وَإِذَا وَزَنَ بِالْعَدْلِ وَأَخَذَ أُجْرَتَهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْوَزْنُ: جَازَ ذَلِكَ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ يَخْتِمُ الْقُمَاشَ
وَهُوَ سَاكِنٌ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ كَسْبِهِ.
هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى حَلَالٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ يُعْطِي الْأُجْرَةَ مِنْهَا، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ [جَازَ] 1 أَنْ يَأْخُذَ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ كَذِبُهُ جَازَ تَصْدِيقُهُ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ.
هَلْ هِيَ حَرَامٌ؟ وَهَلْ يَنْجُسُ مَا يَصْنَعُهُ بِيَدِهِ لِلْمَأْكَلِ؟ وَهَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ؟ وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ التَّحْرِيمِ؟ وَهَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿شِفَاءُ أُمَّتِي فِي ثَلَاثٍ: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ لَعْقَةٌ مِنْ عَسَلٍ أَوْ كَأْسٌ مِنْ حَجَّامٍ﴾ " فَكَيْفَ حَرَّمَ هَذَا وَوَصَفَ بِالتَّدَاوِي هُنَا وَجَعَلَهُ شِفَاءً
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا يَدُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَجَاسَةٌ فَهِيَ كَسَائِرِ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَضُرُّهَا تَلْوِيثُهَا بِالدَّمِ إذَا غَسَلَهَا كَمَا لَا يَضُرُّهَا تَلَوُّثُهَا بِالْخَبَثِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ إذَا غَسَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ﴾ وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿أَنَسٍ - وَسُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ - قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ أَبُو طِيبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ﴾ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَجَّامَ إذَا حَجَمَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ حَجْمِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَرْخَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنْ يَعْلِفَهُ نَاضِحَهُ وَيُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ ﴿مُحْصَنٍ أَنَّ أَبَاهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَرَاجِ الْحَجَّامِ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: أَطْعِمْهُ رَقِيقَك وَاعْلِفْهُ نَاضِحَك﴾ رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ.
وَاحْتَجَّ بِهَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ.
وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِلْحَرِّ تَنْزِيهًا.
قَالُوا: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا أَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ حَرَامًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يَحْرُمُ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ﴾ " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿ابْنِ أَبِي جحيفة قَالَ: رَأَيْت أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ﴾ . قَالَ هَؤُلَاءِ: فَتَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ كَتَحْرِيمِ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ.
قَالَ الْأَوَّلُونَ: قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا﴾ " فَسَمَّاهُمَا خَبِيثَتَيْنِ بِخُبْثِ رِيحِهِمَا وَلَيْسَتَا حَرَامًا.
وَقَالَ: " ﴿لَا يُصَلِّيَن أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثِينَ﴾ أَيْ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ.
فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا لِمُلَاقَاةِ صَاحِبِهِ النَّجَاسَةَ؛ لَا لِتَحْرِيمِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ.
وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يُطْعَمُ مِنْهُ رَقِيقٌ وَلَا بَهِيمَةٌ.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَيْسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ.
وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ:
كَانَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَعْدَلُهَا أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُحْتَاجِ قَالَ أَحْمَد: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيْرٌ مِنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ وَجَوَائِزُ السُّلْطَانِ خَيْرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ.
وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ.
وَلِهَذَا أُبِيحَتْ الْمُحَرَّمَاتُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ إلَى سُؤَالِ النَّاسِ.
فَالْمَسْأَلَةُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِالشُّبُهَاتِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو حَامِدٍ: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إنَّ ابْنًا لِي مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ دُيُونٌ أَكْرَهُ تَقَاضِيهَا.
فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَتَدَعُ ذِمَّةَ ابْنِك مُرْتَهِنَةً؟ يَقُولُ: قَضَاءُ الدَّيْنِ وَاجِبٌ وَتَرْكُ الشُّبْهَةِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ هُوَ الْمَأْمُورُ.
وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرْزَقُ الْحَاكِمُ وَأَمْثَالُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَتَنَازَعُوا فِي الرِّزْقِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ إذْ الشَّرِيعَةُ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا.
وَالْوَرَعُ تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ وَإِنْ حَصَلَ أَدْنَاهُمَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّهُ قَالَ: ﴿شِفَاءُ أُمَّتِي فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةُ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةُ مِحْجَمٍ.
أَوْ كَيَّةُ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ﴾ وَالتَّدَاوِي بِالْحِجَامَةِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَبِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ امْرَأَةٍ مُنْقَطِعَةٍ أَرْمَلَةٍ.
وَلَهَا مَصَاغٌ قَلِيلٌ تَكْرِيهِ وَتَأْكُلُ كِرَاهُ.
فَهَلْ هُوَ حَلَالٌ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَصْحَابُ مَالِكٍ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَهَذِهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ.
وَهَذَا إذَا كَانَتْ بِجِنْسِهِ وَأَمَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا بَأْسَ.
فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ إذَا أَكْرَتْهُ وَأَكَلَتْ كِرَاهُ لِحَاجَتِهَا لَمْ تُنْهَ عَنْ ذَلِكَ؛ لَكِنْ عَلَيْهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد.
وَهَذَا إنْ أَكْرَتْهُ لِمَنْ تَزَّيَّنُ لِزَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا أَوْ لِمَنْ يَحْضُرُ بِهِ حُضُورًا مُبَاحًا مِثْلَ أَنْ يَحْضُرَ عُرْسًا يَجُوزُ حُضُورُهُ.
فَأَمَّا إنْ أَكْرَتْهُ لِمَنْ تَزَّيَّنُ بِهِ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا إنْ أَكْرَتْهُ لِمَنْ تَزَّيَّنُ بِهِ لِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَانَ أَحَدٌ عَلَى الْفَاحِشَةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي؛ لَا بِحِلْيَةِ وَلَا لِبَاسٍ وَلَا مَسْكَنٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَا بكرى وَلَا بِغَيْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الشَّمَّاعِينَ الَّذِينَ يَكْرُونَ الشَّمْعَ.
ثُمَّ إنَّهُمْ يَزِنُونَهُ.
أَوَّلًا فَإِذَا رَجَعَ وَزَنُوهُ ثَانِيًا وَأَخَذُوا نَقْصَهُ.
فَهَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ؟ وَإِذَا كُسِرَ الشَّمْعُ فَهَلْ يَلْزَمُ الَّذِي اكْتَرَاهُ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا الشَّمْعُ إذَا أَعْطَاهُ لِمَنْ يُوقِدُهُ وَقَالَ: كُلَّمَا نَقَصَ مِنْهُ أُوقِيَّةٌ بِكَذَا فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَاتِ وَلَا بَابِ الْبَيْعِ اللَّازِمِ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ اللَّازِمَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيع فِيهِ مَعْلُومًا؛ بَلْ هَذَا مُعَاوَضَةٌ جَائِزَةٌ لَا لَازِمَةٌ.
كَمَا لَوْ قَالَ: اُسْكُنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمِ وَلَمْ يُوَقِّتْ أَجَلًا فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
فَمَسْأَلَةُ الْأَعْيَانِ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَنَافِعِ وَهُوَ إذْنٌ فِي الْإِتْلَافِ
عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ بِعَرْضِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا رَيْبٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ مُلْتَزِمُ الثَّمَنِ لِلتَّخْفِيفِ كَمَا يَنْتَفِعُ بِلُزُومِ الثَّمَنِ هُنَا فَإِيقَادُ الشَّمْعِ بِالْكِرَاءِ جَائِزٌ إذَا عَلِمَ تَوْقِيدَهُ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِيقَادُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ لَا مَحْظُورٍ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ زركشي اُسْتُعْمِلَ عِنْدَهُ مِنْدِيلٌ فَلَمَّا فَرَغَ أَذِنُوا لَهُ فِي غَسْلِهِ فَعَدَتْ عَلَيْهِ أَمَةُ الصَّانِعِ فِي صَقْلِ الذَّهَبِ فتقرض الْمِنْدِيلُ.
فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَرَامَةُ الْمِنْدِيلِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ قَدْ جَنَتْ عَلَى الْمِنْدِيلِ فَالْجِنَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا فَعَلَى مَالِكِهَا إمَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ وَإِمَّا تَسْلِيمُهَا لِتُسْتَوْفَى الْجِنَايَةُ مِنْ رَقَبَتِهَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي مَا أَنْفَقُوا عَلَى الْمِنْدِيلِ وَلَيْسَ بِهِ هَذَا الْقَرْضُ وَيُقَوَّمُ بِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ فَيَضْمَنُونَ مَا نَقَصَتْ الْقِيمَةُ وَأَنْ تَرَاضَوْا بِأَنْ يَأْخُذَ الصَّانِعُ الْمِنْدِيلَ وَيُعْطِيَهُمْ قِيمَتَهُ الَّتِي تُسَاوِي فِي السُّوقِ قَبْلَ الْقَرْضِ جَازَ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ جَدِيدًا خَيْرًا مِنْهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ إجَارَةِ الْجَوَامِيسِ يَسْتَأْجِرُهَا عَامًا وَاحِدًا مُطْلَقًا وَغَرَضُهُ لَبَنُهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا لِذَلِكَ.
وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ مُطْلَقًا أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا وَالْقَصْدُ اللَّبَنُ.
وَالْغَنَمُ أَيْضًا هَلْ تَجُوزُ إجَارَتُهَا لِلَّبَنِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِمَنْ يَرْعَاهَا بِصُوفِهَا وَلَبَنِهَا؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ فِي اشْتِرَاءِ اللَّبَنِ مُدَّةً مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ يَأْخُذُهُ أَقْسَاطًا مِنْ هَذِهِ الْمَاشِيَةِ.
وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
قَالَ هَؤُلَاءِ: هَذَا بَيْعُ مَا لَمْ يُرَ وَلَمْ يُوصَفْ بَلْ بَيْعُ مَعْدُومٍ لَمْ يُوجَدْ.
وَالْإِجَارَةُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْمَنَافِعِ دُونَ الْأَعْيَانِ وَهَذِهِ أَعْيَانٌ.
وَقَالَ هَؤُلَاءِ: إجَارَةُ الظِّئْرِ لِلرِّضَاعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ جَازَتْ لِلْحَاجَةِ.
وَتَنَازَعَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ.
فَقِيلَ: إنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْخِدْمَةُ وَالرِّضَاعُ تَابِعٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: بَلْ
الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ اللَّبَنُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ: فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يُسَمُّونَ إجَارَةَ الظِّئْرِ لِلرِّضَاعِ تَبَعًا لِلَّبَنِ؛ لِأَنَّ الظِّئْرَ تَبِعَ اللَّبَنَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْعَقْدُ عَلَى الْعَيْنِ هُوَ مِنْ بَابِ الْبُيُوعِ وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ؛ فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ الْعَامِّ الْمُتَنَاوِلِ لِلْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ وَالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ الْخَاصِّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ مِنْ الْأَعْيَانِ.
وَكَذَلِكَ السَّلَفُ تَنَازَعُوا: هَلْ هُوَ مِنْ الْبَيْعِ؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَهَلْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ سَلَفًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
حَتَّى قَالَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ بَيْعًا: إنَّ السَّلَفَ الْحَالَّ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ؛ دُونَ لَفْظِ السَّلَمِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعُقُودَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مَعَانِيهَا لَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا جَائِزَة؛ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْجَوَازِ بِعِوَضِهَا وَمُقَايَسَتِهَا تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْإِجَارَةَ وَلَيْسَ مِنْ الْأَدِلَّةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ إجَارَةَ الظِّئْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ كَلَامٌ فَاسِدٌ.
فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إجَارَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي شَرِيعَتِنَا إلَّا هَذِهِ الْإِجَارَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ} وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَلَّا عَلَى جَوَازِهَا وَإِنَّمَا تَكُونُ مُخَالِفَةً لِلْقِيَاسِ لَوْ عَارَضَهَا قِيَاسُ نَصٍّ آخَرَ وَلَيْسَ فِي سَائِر النُّصُوصِ وَأَقْيِسَتِهَا مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْإِجَارَةُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْمَنَافِعِ دُونَ الْأَعْيَانِ: لَيْسَ هُوَ قَوْلًا لِلَّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ وَلَا الصَّحَابَةِ وَلَا الْأَئِمَّةِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ قَالَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ.
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْمَنَافِعِ فَقَطْ؛ بَلْ الْإِجَارَةُ تَكُونُ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ وَيَحْدُثُ وَيُسْتَخْلَفُ بَدَلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ كَمِيَاهِ الْبِئْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً كَمَا أَنَّ الْمَوْقُوفَ يَكُونُ مَا يَتَجَدَّدُ وَمَا تَحْدُثُ فَائِدَتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْفَائِدَةُ مَنْفَعَةً أَوْ عَيْنًا كَالتَّمْرِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ النَّابِعِ.
وَكَذَلِكَ الْعَارِيَةُ.
وَهُوَ عَمَّا يَكُونُ الِانْتِفَاعُ بِمَا يَحْدُثُ وَيُسْتَخْلَفُ بَدَلُهُ.
يُقَالُ: أَفْقَرَ الظَّهْرَ وَأَعْرَى النَّخْلَةَ وَمَنَحَ النَّاقَةَ فَإِذَا مَنَحَهُ النَّاقَةَ يَشْرَبُ لَبَنَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا أَوْ أَعْرَاهُ نَخْلَةً يَأْكُلُ ثَمَرَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا وَهُوَ مِثْلُ أَنْ يُفْقِرَهُ ظَهْرًا يَرْكَبُهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ.
وَكَذَلِكَ إكْرَاءُ الْمَرْأَةِ أَوْ طَيْرٍ أَوْ نَاقَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ يَشْرَبُ
لَبَنَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ دَابَّةً يَرْكَبُ ظَهْرَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً.
وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ كَانَ تَغَيُّرُ الْعَادَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ؛ إمَّا الْفَسْخَ وَإِمَّا الْأَرْشَ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَكْرَاهُ حَدِيقَةً يَسْتَعْمِلُهَا حَوْلًا أَوْ حَوْلَيْنِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا قَبِلَ حَدِيقَةَ أسيد بْنِ الحضير ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقَضَى بِهِ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ فَهُوَ إجَارَةٌ وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ إجَارَةِ الظِّئْرِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ هُوَ الَّذِي يَعْلِفُهَا وَيَسْقِيهَا وَيُؤْوِيهَا وَطَالِبُ اللَّبَنِ لَا يَعْرِفُ إلَّا لَبَنَهَا وَقَدْ اسْتَأْجَرَهَا تُرْضِعُ سِخَالًا لَهُ فَهُوَ مِثْلُ إجَارَةِ الظِّئْرِ.
وَإِذَا كَانَ لِيَأْخُذَ اللَّبَنَ هُوَ فَهُوَ يُشْبِهُ إجَارَةَ الظِّئْرِ لِلرِّضَاعِ الْمُطْلَقِ؛ لَا لِإِرْضَاعِ طِفْلٍ مُعَيَّنٍ.
وَهَذَا قَدْ يُسَمَّى بَيْعًا وَيُسَمَّى إجَارَةً.
وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ.
وَإِذَا قِيلَ: هُوَ بَيْعُ مَعْدُومٍ.
قِيلَ: نَعَمْ وَلَيْسَ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ مَا يَنْهَى عَنْ بَيْعِ كُلِّ مَعْدُومٍ؛ بَلْ الْمَعْدُومُ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مَعَ أَنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي تُخْلَقُ بَعْدُ مَعْدُومَةٌ وَقَدْ دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ.
وَكَذَلِكَ
يَجُوزُ بَيْعُ المقاثي وَغَيْرِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ مَرِيضٍ طَلَبَ مِنْ رَجُلٍ أَنْ يُطَبِّبَهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ فَفَعَلَ.
فَهَلْ لِلْمُنْفِقِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَرِيضَ بِالنَّفَقَةِ؟ .
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ يُنْفِقُ طَالِبًا لِلْعِوَضِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْعِوَضِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ ضَرِيرٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ إجَارَةٌ.
فَهَلْ تَصِحُّ إجَارَتُهُ؟ .
فَأَجَابَ:
يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَعْمَى وَاشْتِرَاؤُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يُوصَفَ لَهُ الْمَبِيع وَالْمُسْتَأْجَرُ.
فَإِنْ وَجَدَهُ بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَلَهُ الْفَسْخُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ.
وَهُوَ يُصَلِّي بِالْأُجْرَةِ.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد.
وَقِيلَ: يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَالْخِلَافُ فِي الْأَذَانِ أَيْضًا؛ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ يَجُوزُ عَلَى الْأَذَانِ وَعَلَى الْإِمَامَةِ مَعَهُ.
لَا مُنْفَرِدَةً.
وَفِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ كَالتَّعْلِيمِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ وَلَا يَجُوزُ بِدُونِ الْحَاجَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَأَوْصَى أَنْ يُصَلَّى عَنْهُ بِدَرَاهِمَ؟ .
فَأَجَابَ:
صَلَاةُ الْفَرْضِ لَا يَفْعَلُهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ لَا بِأُجْرَةِ وَلَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرُ أَحَدًا لِيُصَلِّيَ عَنْهُ نَافِلَةً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا فِي مَمَاتِهِ.
فَكَيْفَ مَنْ يَسْتَأْجِرُ لِيُصَلَّى عَنْهُ فَرِيضَةً.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا صَلَّى نَافِلَةً بِلَا أُجْرَةٍ وَأَهْدَى ثَوَابَهَا إلَى الْمَيِّتِ.
هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَلَوْ نَذَرَ الْمَيِّتُ أَنْ يُصَلِّيَ فَمَاتَ.
فَهَلْ تُفْعَلُ عَنْهُ الصَّلَاةُ الْمَنْذُورَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد.
لَكِنَّ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَوْصَى بِهَا يُتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُ وَيَخُصُّ بِالصَّدَقَةِ أَهْلَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ لِلْمَيِّتِ أَجْرٌ.
وَكُلُّ صَلَاةٍ يُصَلُّونَهَا وَيَسْتَعِينُونَ عَلَيْهَا بِصَدَقَتِهِ فَيَكُونُ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الْمُصَلِّي شَيْءٌ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا﴾ ".
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَصَدَ لِأَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَامْتَنَعَ مِنْ إقْرَائِهَا إلَّا بِأُجْرَةِ.
فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى تَعْلِيمُ الْعِلْمِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ عَلَى عَاقِلٍ وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
فَقَالَ: أَقْرِئْ الْعِلْمَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ يَحْرُمُ عَلَيَّ ذَلِكَ فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ؟ أَمْ بَاطِلٌ؟ وَهَلْ هُوَ جَاهِلٌ بِقَوْلِهِ إنَّهُ مَعْذُورٌ.
وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ النَّافِعِ؟ أَمْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَحَبُّهَا إلَى اللَّهِ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ نَشَأَ بِدِيَارِ الْإِسْلَامِ.
وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُو التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ إنَّمَا كَانُوا يُعَلِّمُونَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ.
وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُعَلِّمُ بِأُجْرَةِ أَصْلًا.
فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا
وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّ وَافِرٍ.
وَالْأَنْبِيَاءُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ إنَّمَا كَانُوا يُعَلِّمُونَ الْعِلْمَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ.
كَمَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ هُودُ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ وَغَيْرُهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَالَ خَاتَمُ الرُّسُلِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ . وَتَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ لَمْ يَتَنَازَعْ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا؛ بَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَ الْعِلْمِ الَّذِي بَيَّنَهُ فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً﴾ وَقَالَ: ﴿لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ﴾ . وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ.
عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد.
إحْدَاهُمَا - وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى ذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ.
وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ؛ دُونَ الْغِنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ
كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} . وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى هَؤُلَاءِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّعْلِيمِ كَمَا يُعْطَى الْأَئِمَّةُ وَالْمُؤَذِّنُونَ وَالْقُضَاةُ وَذَلِكَ جَائِزٌ مَعَ الْحَاجَةِ.
وَهَلْ يَجُوزُ الِارْتِزَاقُ مَعَ الْغِنَى؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ.
فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ عَمَلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِغَيْرِ أَجْرٍ لَا يَجُوزُ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لَكِنْ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ فَقِيرٌ مَتَى عَلَّمَ بِغَيْرِ أَجْرٍ عَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ وَالْكَسْبُ لِعِيَالِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَعَيِّنِ لِغَيْرِ مُتَعَيِّنٍ وَاعْتَقَدَ مَعَ ذَلِكَ جَوَازَ التَّعْلِيمِ بِالْأُجْرَةِ مَعَ الْحَاجَةِ أَوْ مُطْلَقًا؛ فَهَذَا مُتَأَوِّلٌ فِي قَوْلِهِ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا.
وَمَأْخَذُ الْعُلَمَاءِ فِي (عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى هَذَا النَّفْعِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهَا مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ كَافِرٌ: وَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا مُسْلِمٌ؛ بِخِلَافِ النَّفْعِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ: كَالْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَالنَّسْجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِذَا فُعِلَ الْعَمَلُ بِالْأُجْرَةِ لَمْ يَبْقَ عِبَادَةً لِلَّهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مُسْتَحَقًّا بِالْعِوَضِ مَعْمُولًا لِأَجْلِهِ.
وَالْعَمَلُ إذَا عُمِلَ لِلْعِوَضِ لَمْ يَبْقَ
عِبَادَةً: كَالصِّنَاعَاتِ الَّتِي تُعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ.
فَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ.
كَمَا لَا يَجُوزُ إيقَاعُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالِاسْتِئْجَارُ يُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ.
وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ قَالَ: إنَّهُ نَفْعٌ يَصِلُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ: كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ لَا عِبَادَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَا تَقَعُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ فَيَجُوزُ إيقَاعُهَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ النَّفْعِ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ - وَهُوَ أَقْرَبُ - قَالَ: الْمُحْتَاجُ إذَا اكْتَسَبَ بِهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَمَلَهَا لِلَّهِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبٌ أَيْضًا فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ بِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَسْبِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُ أَنْ يَعْمَلَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ بَلْ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَغْنَاهُ وَهَذَا فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ: كَانَ هُوَ مُخَاطَبًا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ اكْتَرَى دَارًا لِمَرْضَاةِ نَفْسِهِ.
هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْرِيَ؟ .
فَأَجَابَ:
إنْ اكْتَرَى مَنْفَعَةً لِفِعْلِ مُحَرَّمٍ: مِثْلَ الْغَنَاءِ وَالزِّنَا وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَقَتْلِ الْمَعْصُومِ: كَانَ كِرَاهُ مُحَرَّمًا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَاهَا لِفِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ: مِثْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ بِحَقِّ أَوْ فُتْيَا فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ قَضَاءٍ فِي حُكُومَةٍ أَوْ جِهَادٍ مُتَعَيِّنٍ؛ فَإِنَّ هَذَا الكرى لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَ لِفِعْلِ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْقُرُبَاتِ كالكرى لِإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَالْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ وَالْجِهَادِ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ: فَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الكرى لِعَمَلِ.
كَالْخِيَاطَةِ وَالنِّجَارَةِ.
وَالْبِنَاءِ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
الِاسْتِئْجَارُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ:
كَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْغِنَاءِ وَحَمْلِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: بَاطِلٌ؛ لَكِنْ إذَا اسْتَوْفَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ وَمَنَعَ الْعَامِلَ أُجْرَتَهُ كَانَ غَدْرًا وَظُلْمًا أَيْضًا.
وَقَدْ اسْتَوْفَيْت مَسْأَلَةَ الِاسْتِئْجَارِ لِحَمْلِ الْخَمْرِ فِي كِتَابِ " الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ " بَيَّنْت أَنَّ الصَّوَابَ مَنْصُوصُ أَحْمَد: أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْأُجْرَةِ وَأَنَّهَا لَا تَطِيبُ لَهُ.
إمَّا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ لَكِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا كَانَ جِنْسُهُ مُبَاحًا كَالْحَمْلِ بِخِلَافِ الزِّنَا.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ خَبِيثٌ وَالْحَاكِمُ يَقْضِي بِعُقُوبَةِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَتَكُونُ عُقُوبَتُهُ لَهُ عِوَضًا عَنْ الْأَجْرِ.
فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ.
فَهَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ؟ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ لِحَقِّ اللَّهِ.
فَهَذَا مُتَقَوِّمٌ.
وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِي ذَلِكَ دَرْكٌ لِحَاجَتِهِ؛ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ وَيُعْذَرُ وَلَا يُعَاقِبُهُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا
عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ لَا عَلَى الْغَدْرِ وَالظُّلْمِ.
وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَّصِلُ بِالْبَحْثِ فِي أَحْكَامِ سَائِر الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وقبوضها.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ اسْتَعْمَلَ كِتَابًا مُذْهَبًا مَكْتُوبًا وَأَعْطَى أُجْرَتَهُ وَتَسَلَّمَهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ وَجَلَّدَهُ وَغَابَ بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَتَى بِهِ إلَى الصَّانِعِ الَّذِي تَوَلَّى كِتَابَتَهُ وَتَذْهِيبَهُ وَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي مَا تَسَلَّمْته مِنِّي مِنْ الْأُجْرَةِ فَإِنِّي وَاسِطَةٌ.
فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى رَدِّهِ؟ وَإِعَادَةُ مَا أَعْطَاهُ مِنْ الْأُجْرَةِ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلِ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا وَأَعْطَاهُ أُجْرَتَهُ مَعَ تَوْفِيَةِ الْمُسْتَأْجِرِ عَمَلَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ؛ بَلْ إنْ لَمْ يُسَمِّ مُوَكِّلَهُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَانَ ضَامِنًا لِلْأُجْرَةِ بِلَا رَيْبٍ.
وَإِنْ سَمَّاهُ: فَهَلْ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْأُجْرَةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد.
فَلَوْ لَمْ يُعْطِهِ الْأُجْرَةَ كَانَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهَا فَكَيْفَ إذَا أَعْطَاهُ إيَّاهَا؟ بَلْ إنْ كَانَ أَعْطَى الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِهِ وَإِلَّا فَلِلْوَكِيلِ مُطَالَبَةُ الْمُوَكِّلِ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي أَدَّاهَا عَنْهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ إنْسَانٍ جَاءَهُ سَائِلٌ فِي صُورَةِ مُشَبِّبٍ.
فَشَبَّبَ.
فَأَعْطَاهُ شَيْئًا فَكَانَ إنْسَانٌ حَاضِرًا فَقَالَ لِلْمُعْطَى: تَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعَطِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِكَوْنِ الشبابة وَسِيلَةً: فَقَالَ: مَا أَعْطَيْته إلَّا لِكَوْنِهِ فَقِيرًا وَبَعْدَ هَذَا لَوْ أَعْطَيْته لِأَجْلِ تَشْبِيبِهِ لَكَانَ جَائِزًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَبَاحَ بَعْضُهُمْ سَمَاعَ الشبابة وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبَرَ عَلَى رَاعٍ وَمَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرُهُ.
وَكَانَ الرَّاعِي يُشَبِّبُ فَسَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ وَصَارَ يَسْأَلُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ: هَلْ تَسْمَعُ صَوْتَ الشبابة؟ فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا فَفَتَحَ أُذُنَيْهِ﴾ . وَقَالَ: لَوْ كَانَ سَمَاعُ الشبابة حَرَامًا؛ لَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ بِسَدِّ أُذُنَيْهِ كَمَا فَعَلَ أَوْ نَهَى الرَّاعِيَ عَنْ التَّشْبِيبِ وَهَذَا دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ.
فَهَلْ هَذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ؟ وَهَلْ هَذَا الدَّلِيلُ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا نَقْلُ هَذَا الْخَبَرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَبَاطِلٌ؛ لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ {أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - فَمَرَّ بِرَاعٍ مَعَهُ زَمَّارَةٌ
فَجَعَلَ يَقُولُ: أَتَسْمَعُ يَا نَافِعُ؟ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ رَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ} وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَبَاحَ الشبابة لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الشبابة حَرَامٌ.
وَلَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّين مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِيهَا وَجْهَيْنِ.
وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ - وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ - فَقَطَعُوا بِالتَّحْرِيمِ كَمَا قَطَعَ بِهِ سَائِر الْمَذَاهِبِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيِّ: الْغِنَاءُ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ وَمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ سَفِيهٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: خَلَفْت فِي بَغْدَادَ شَيْئًا أَحْدَثَهُ الزَّنَادِقَةُ يُسَمُّونَهُ " التَّغْبِيرَ " يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ الْقُرْآنِ.
وَآلَاتُ الْمَلَاهِي لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا وَلَا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ إنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى إبَاحَةِ الشبابة؛ بَلْ هُوَ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا أَوْلَى مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الِاسْتِمَاعُ لَا السَّمَاعُ فَالرَّجُلُ لَوْ يَسْمَعُ الْكُفْرَ وَالْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالْغِنَاءَ والشبابة مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ؛ بَلْ كَانَ مُجْتَازًا
بِطَرِيقِ فَسَمِعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ جَلَسَ وَاسْتَمَعَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ لَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِهِ: كَانَ آثِمًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ﴾ فَجَعَلَ الْقَاعِدَ الْمُسْتَمِعَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: الْمُسْتَمِعُ شَرِيكُ الْمُغْتَابِ.
وَفِي الْأَثَرِ: مَنْ شَهِدَ الْمَعْصِيَةَ وَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا.
فَإِذَا شَهِدَهَا لِحَاجَةِ أَوْ لِإِكْرَاهِ أَنْكَرَهَا بِقَلْبِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ﴾ . فَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَارًّا فَسَمِعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَمِعَ إلَيْهِ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ الَّذِي يُقْصَدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وَقَالَ لِمُوسَى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ .
فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِمَاعِ؛ لَا بِالسَّمَاعِ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ عُمَرَ كَانَ مَارًّا مُجْتَازًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَافِعٌ مَعَ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ سَامِعًا لَا مُسْتَمِعًا.
فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَدُّ أُذُنِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا سَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُذُنَيْهِ مُبَالَغَةً فِي التَّحَفُّظِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَصْلًا.
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ السَّمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاعِ إثْمٌ وَلَوْ كَانَ الصَّوْتُ مُبَاحًا لَمَا كَانَ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمَاعِ الْمُبَاحِ؛ بَلْ سَدَّ أُذُنَيْهِ لِئَلَّا يَسْمَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّمَاعُ مُحَرَّمًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الِاسْتِمَاعِ أَوْلَى.
فَيَكُونُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِمَاعِ أَدَلَّ مِنْهُ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ لَا يَجُوزُ فَلَوْ سَدَّ هُوَ وَرَفِيقُهُ آذَانَهُمَا لَمْ يَعْرِفَا مَتَى يَنْقَطِعُ الصَّوْتُ فَيَتْرُكُ الْمَتْبُوعُ سَدَّ أُذُنَيْهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّفِيقَ كَانَ بَالِغًا؛ أَوْ كَانَ صَغِيرًا دُونَ الْبُلُوغِ.
وَالصِّبْيَانُ يُرَخَّصُ لَهُمْ فِي اللَّعِبِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْبَالِغِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ زَمَّارَةَ الرَّاعِي لَيْسَتْ مُطْرِبَةً كالشبابة الَّتِي يَصْنَعُ غَيْرُ الرَّاعِي فَلَوْ قُدِّرَ الْإِذْنُ فِيهَا لَمْ يَلْزَمْ الْإِذْنُ فِي الْمَوْصُوفِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْأَصْوَاتِ الَّتِي تَفْعَلُ فِي النُّفُوسِ فِعْلَ حَمِيِّ الْكُؤُوسِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إجَارَةِ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ فَقَالَ: أَجَمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ كَرِهَ ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخْعِيُّ وَمَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالنُّعْمَانُ وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٍ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَبِهِ نَقُولُ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ ذَكَرَ إجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ إجَارَةِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ.
وَالْغِنَاءُ لِلنِّسَاءِ فِي الْعُرْسِ وَالْفَرَحِ جَائِزٌ.
وَهُوَ لِلرَّجُلِ إمَّا مُحَرَّمٌ؛ وَإِمَّا مَكْرُوهٌ.
وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَكَيْفَ بالشبابة الَّتِي لَمْ يُبِحْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ؛ لَا فِي الْعُرْسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُبِيحُهَا مَنْ لَيْسَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ أَعْطَيْته لِأَجْلِ تَشْبِيبِهِ لَكَانَ جَائِزًا.
قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِمَذَاهِبِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَوْ كَانَ التَّشْبِيبُ مِنْ الْبَاطِلِ الْمُبَاحِ فَكَيْفَ وَهُوَ مِنْ الْبَاطِلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهَذَا يَظْهَرُ " بِالْوَجْهِ السَّابِعِ ": وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ إعْطَاءُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ﴾ فَقَدْ نَهَى عَنْ السَّبْقِ فِي غَيْرِ هَذِهِ
الثَّلَاثَةِ.
وَمَعَ هَذَا فَالْمُصَارَعَةُ قَدْ تَجُوزُ.
كَمَا صَارَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركانة بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ.
وَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِالْأَقْدَامِ كَمَا سَابَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ وَكَمَا أَذِنَ لسلمة بْنِ الْأَكْوَعِ فِي الْمُسَابَقَةِ فِي غَزْوَةِ الْغَابَةِ وَذِي قِرْدٍ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا رَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبُهُ فَرَسُهُ وَمُلَاعَبَةُ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ﴾ وَهَذَا اللَّهْوُ الْبَاطِلُ مَنْ أَكَلَ الْمَالَ بِهِ كَانَ أَكْلًا بِالْبَاطِلِ وَمَعَ هَذَا فَيُرَخَّصُ فِيهِ كَمَا يُرَخَّصُ لِلصِّغَارِ فِي اللَّعِبِ وَكَمَا ﴿كَانَتْ صَغِيرَتَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ أَيَّامَ الْعِيدِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَمِعُ إلَيْهِنَّ وَلَا يَنْهَاهُنَّ.
وَلَمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَإِنَّ هَذَا عِيدُنَا﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُرَخَّصُ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ اللَّعِبُ أَنْ يَلْعَبَ فِي الْأَعْيَادِ وَإِنْ كَانَ الرِّجَالُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
وَلَا يَبْذُلُ الْمَالَ فِي الْبَاطِلِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَجَوَازِ إعْطَاءِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ: مُخْطِئٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا فَكَيْفَ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
وَإِذَا آجَرَ الْأَرْضَ أَوْ الرِّبَاعَ كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا إجَارَةً كَانَتْ لَازِمَةً مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا تَكُونُ لَازِمَةً مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَائِزَةً مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ؛ بَلْ إمَّا أَنْ تَكُونَ لَازِمَةً مِنْهُمَا أَوْ تَكُونَ جَائِزَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
كَمَا لَوْ اسْتَكْرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمِ وَلَمْ يُوَقِّتْ أَجَلًا فَهَذِهِ الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
فَكُلَّمَا سَكَنَ يَوْمًا لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ وَلَهُ أَنْ يَسْكُنَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ وَلِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَمْنَعَهُ سُكْنَى الْيَوْمِ الثَّانِي.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَجَلُ الشَّهْرِ بِكَذَا أَوْ كُلُّ سَنَةٍ بِكَذَا وَلَمْ يُؤَجِّلَا أَجَلًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَازِمَةً مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لَا يُمْكِنُهُ