مجموع الفتاوىصفحات 171-210

كِتَابُ الصِّيَامِ

صفحات 171-210
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

فَجَوَّزَ لِلْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَ زِيَادَةٍ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَيَمْلِكَانِ اشْتِرَاطَ النَّقْصِ مِنْهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ﴾ " فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهَا إذَا عُلِمَتْ.
وَكَمَا اسْتَثْنَى جَابِرٌ ظَهْرَ بَعِيرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا أَعْلَمُهُ عَلَى جَوَاز

ِ اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ.

مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ الدَّارَ إلَّا رُبُعَهَا أَوْ ثُلُثَهَا وَاسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ إذَا أَمْكَنَ فَصْلُهُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ.
مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ ثَمَرَ الْبُسْتَانِ إلَّا نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا أَوْ الثِّيَابَ أَوْ الْعَبِيدَ أَوْ الْمَاشِيَةَ الَّتِي قَدْ رَأَيَاهَا إلَّا شَيْئًا مِنْهَا قَدْ عَيَّنَّاهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا أَوْ اسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ شَهْرًا أَوْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ إلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ مَعَ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ: عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْفَعُ كَمَا إذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا الَّتِي يَمْلِكُهَا الزَّوْجُ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ كَمَا اشْتَرَتْ عَائِشَةُ بَرِيرَةَ وَكَانَتْ مُزَوَّجَةً.
لَكِنْ هِيَ اشْتَرَتْهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَلَمْ تَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهَا إلَّا بِالْعِتْقِ وَالْعِتْقُ لَا يُنَافِي نِكَاحَهَا.
فَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَهُوَ مِمَّنْ رَوَى حَدِيثَ بَرِيرَةَ - يَرَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالُوا:

فَإِذَا ابْتَاعَهَا أَوْ اتَّهَبَهَا أَوْ وَرِثَهَا فَقَدْ مَلَكَتْهَا يَمِينُهُ.
فَتُبَاحُ لَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِزَوَالِ مِلْكِ الزَّوْجِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ: بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ فَلَمْ يَرْضَ أَحْمَد هَذِهِ الْحُجَّةَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ وَخَالَفَهُ.
وَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَمْلِكْ بَرِيرَةَ مِلْكًا مُطْلَقًا.
ثُمَّ الْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ إذَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهَا - بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَكَانَ مَالِكُهَا مَعْصُومَ الْمِلْكِ - لَمْ يَزَلْ عَنْهَا مِلْكُ الزَّوْجِ وَمَلَكَهَا الْمُشْتَرِي وَنَحْوُهُ: إلَّا مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ.
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ: أَنَّ الْبَائِعَ نَفْسَهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزِيلَ مِلْكَ الزَّوْجِ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَالْمُشْتَرِي الَّذِي هُوَ دُونَ الْبَائِعِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ وَلَا يَكُونُ الْمِلْكُ الثَّابِتُ لِلْمُشْتَرِي أَتَمَّ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَالزَّوْجُ مَعْصُومٌ لَا يَجُوزُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّهِ؛ بِخِلَافِ الْمَسْبِيَّةِ فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ؛ لِكَوْنِ أَهْلِ الْحَرْبِ تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ.
وَكَذَلِكَ مَا مَلَكُوهُ مِنْ الْأَبْضَاعِ.
وَكَذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا بَاعَ شَجَرًا قَدْ بَدَا ثَمَرُهُ - كَالنَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ - فَثَمَرُهُ لِلْبَائِعِ مُسْتَحَقُّ الْإِبْقَاءِ إلَى كَمَالِ صَلَاحِهِ فَيَكُونُ الْبَائِعُ قَدْ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ الشَّجَرِ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ.

وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ - كَالدَّارِ وَالْعَبْدِ - عَامَّتُهُمْ يُجَوِّزُهُ وَيَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي دُونَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي لِلْمُسْتَأْجِرِ.
وَكَذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ يُجَوِّزُونَ اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ مَنْفَعَةِ الْعَقْدِ كَمَا فِي صُوَرِ الْوِفَاقِ.
كَاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ مُعَيَّنًا وَمُشَاعًا وَكَذَلِكَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ أَجْزَائِهِ مُعَيَّنًا إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِفَصْلِهِ كَبَيْعِ الشَّاةِ وَاسْتِثْنَاءِ بَعْضِهَا: سَوَاقِطِهَا مِنْ الرَّأْسِ وَالْجِلْدِ وَالْأَكَارِعِ.
وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي نَوْعًا مِنْ الِانْتِفَاعِ فِي الْإِجَارَاتِ الْمُقَدَّرَةِ بِالزَّمَانِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ أَوْ حَانُوتًا لِلتِّجَارَةِ فِيهِ أَوْ صِنَاعَةً أَوْ أَجِيرًا لِخِيَاطَةٍ أَوْ بِنَاءٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ؛ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي مِلْكَ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ حَيْثُ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ فَيَنْقُلُهَا إلَى حَيْثُ شَاءَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُحَرَّمِ أَوْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِيهِ وَيَقْتَضِي مِلْكًا لِلْمَهْرِ الَّذِي هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَمَلَكَهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا ثَبَتَ لَهَا الْفَسْخُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ الْمَشَاهِيرِ وَلَوْ آلَى مِنْهَا ثَبَتَ لَهَا فِرَاقُهُ إذَا لَمْ يَفِئْ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْوَطْءَ وَقَسَّمَ الِابْتِدَاءَ؛ بَلْ يَكْتَفِي بِالْبَاعِثِ الطَّبِيعِيِّ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ

وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَد؛ فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَالِاعْتِبَارُ.
وَقِيلَ: يَتَقَدَّرُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ بِمَرَّةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا بِالْإِيلَاءِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَطَأَهَا بِالْمَعْرُوفِ.
كَمَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا بِالْمَعْرُوفِ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَد وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ: أَنَّ مَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَالْمَبِيتِ لِلْمَرْأَةِ وكالاستمتاع لِلزَّوْجِ لَيْسَ بِمُقَدَّرِ؛ بَلْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَالسُّنَّةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدِ ﴿: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِيهِ فَرَضَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ.
كَمَا فَرَضَتْ الصَّحَابَةُ مِقْدَارَ الْوَطْءِ لِلزَّوْجِ بِمَرَّاتٍ مَعْدُودَةٍ وَمَنْ قَدَّرَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد الْوَطْءَ الْمُسْتَحَقَّ فَهُوَ كَتَقْدِيرِ الشَّافِعِيِّ النَّفَقَةَ؛ إذْ كِلَاهُمَا تَحْتَاجُهُ الْمَرْأَةُ وَيُوجِبُهُ الْعَقْدُ.
وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ بَعِيدٌ عَنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ.
وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَدَّرَهُ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ مِنْ نَفْيِهِ لِلْجَهَالَةِ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ قِيَاسًا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ فَجَعَلَ النَّفَقَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مُقَدَّرَةً: طَرْدًا لِذَلِكَ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.
وَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ: سَلَامَةَ الزَّوْجِ مِنْ الْجُبِّ وَالْعُنَّةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَكَذَلِكَ يُوجِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: سَلَامَتَهَا مِنْ مَوَانِعِ الْوَطْءِ كَالرَّتَقِ وَسَلَامَتَهَا مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ.
وَكَذَلِكَ سَلَامَتُهُمَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ كَمَالِهِ كَخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ دُونَ الْجَمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمُوجِبُهُ: كَفَاءَةُ الرَّجُلِ أَيْضًا دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ لَوْ شَرَطَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْآخَرِ صِفَةً مَقْصُودَةً كَالْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْبَكَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: صَحَّ ذَلِكَ وَمَلَكَ الْمُشْتَرِطُ الْفَسْخَ عِنْدَ فَوَاتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَأَصَحُّ وَجْهَيْ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ إلَّا فِي شَرْطِ الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ.
وَفِي شَرْطِ النَّسَبِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجْهَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِطُ هُوَ الْمَرْأَةَ فِي الرَّجُلِ أَوْ الرَّجُلَ فِي الْمَرْأَةِ.
بَلْ اشْتِرَاطُ الْمَرْأَةِ فِي الرَّجُلِ أَوْكَدُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد بِخِلَافِ ذَلِكَ: لَا أَصْلَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ نَقْصَ الصِّفَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ أَوْ عِنِّينٌ أَوْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا رَتْقَاءُ أَوْ مَجْنُونَةٌ

صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ النَّاقِصِ عَنْ مُوجِبِ الْعَقْدِ وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا ذَكَرْته لَك.
فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلرَّجُلِ خِيَارُ عَيْبٍ وَلَا شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْمَهْرُ: فَإِنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَكَذَلِكَ يُجَوِّزُ أَكْثَرُ السَّلَفِ - أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ وَمَالِكٌ - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - أَنْ يَنْقُصَ مِلْكُ الزَّوْجِ فَتَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ مِنْ دَارِهَا وَأَنْ يَزِيدَهَا عَلَى مَا تَمْلِكُهُ بِالْمُطْلَقِ فَيُؤْخَذُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ؛ لَكِنَّهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَثَرٌ فِي تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ.
وَالْقِيَاسُ الْمُسْتَقِيمُ فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ أُصُولُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ: أَنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ عَلَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ وَاشْتِرَاطَ النَّقْصِ: جَائِزٌ؛ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الشَّرْعُ.
فَإِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا وَالنَّقْصِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْت فَالزِّيَادَةُ فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ كَذَلِكَ.
فَإِذَا شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْتِقَ الْعَبْدَ أَوْ يَقِفَ الْعَيْنَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَنْ يَقْضِيَ بِالْعَيْنِ دَيْنًا عَلَيْهِ

لِمُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ أَنْ يَصِلَ بِهِ رَحِمَهُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: فَهُوَ اشْتِرَاطُ تَصَرُّفٍ مَقْصُودٍ.
وَمِثْلُهُ التَّبَرُّعُ الْمَفْرُوضُ وَالتَّطَوُّعُ.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ بِمَا فِي الْعِتْقِ مِنْ الْفَضْلِ الَّذِي يَتَشَوَّفُهُ الشَّارِعُ: فَضَعِيفٌ.
فَإِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ التَّبَرُّعَاتِ أَفْضَلُ مِنْهُ.
فَإِنَّ صِلَةَ ذِي الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد؛ فَإِنَّ ﴿مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تركتيها لِأَخْوَالِك لَكَانَ خَيْرًا لَك﴾ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ أَقَارِبُ لَا يَرِثُونَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ أَوْلَى مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ.
وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنَّمَا أَعْلَمُ الِاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ.
فَإِنَّ فِيهِ عَنْ أَحْمَد رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: تَجِبُ.
كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ كَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَوْ وَصَّى لِغَيْرِهِمْ دُونَهُمْ: فَهَلْ تُرَدُّ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ عَلَى أَقَارِبِهِ دُونَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ يُعْطِي ثُلُثَهَا لِلْمُوصَى لَهُ وَثُلُثَاهَا لِأَقَارِبِهِ كَمَا تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ: هُوَ الْقَوْلُ بِنُفُوذِ الْوَصِيَّةِ.
فَإِذَا كَانَ بَعْضُ التَّبَرُّعَاتِ أَفْضَلَ مِنْ الْعِتْقِ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُهُ بِاخْتِصَاصِهِ بِمَزِيدِ الْفَضِيلَةِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ الْمَشْرُوطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَفْضَلَ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلَّهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ دَيْنٍ لِآدَمِيِّ فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ

وَفَاءَ دَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَبِيعِ أَوْ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَفَاءَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا أَوْكَدُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا السِّرَايَةُ فَإِنَّمَا كَانَتْ لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ.
وَقَدْ شَرَعَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَهُوَ حَقُّ الشُّفْعَةِ.
فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِتَكْمِيلِ الْمِلْكِ لِلشَّفِيعِ لِمَا فِي الشَّرِكَةِ مِنْ الضَّرَرِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: شُرِعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُشَارَكَاتِ فَيُمَكِّنُ الشَّرِيكَ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ قِسْمَةَ الْعَيْنِ وَإِلَّا قَسَّمْنَا ثَمَنَهَا إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ.
فَتَكْمِيلُ الْعِتْقِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ الشَّرِكَةُ تَزُولُ بِالْقِسْمَةِ تَارَةً وَبِالتَّكْمِيلِ أُخْرَى.
وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمِلْكَ هُوَ الْقُدْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الرَّقَبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقُدْرَةِ الْحِسِّيَّةِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَثْبُتَ الْقُدْرَةُ عَلَى تَصَرُّفٍ دُونَ تَصَرُّفٍ شَرْعًا كَمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ حِسًّا؛ وَلِهَذَا جَاءَ الْمِلْكُ فِي الشَّرْعِ أَنْوَاعًا - كَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ تَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا - فَالْمِلْكُ التَّامُّ يُمْلَكُ فِيهِ التَّصَرُّفُ فِي الرَّقَبَةِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَيُورَثُ عَنْهُ.
وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَنَافِعِهِ بِالْإِعَارَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالِانْتِفَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ قَدْ يَمْلِكُ الْأَمَةَ الْمَجُوسِيَّةَ أَوْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ بِالرِّضَاعِ فَلَا يَمْلِكُ مِنْهُنَّ الِاسْتِمْتَاعَ وَيَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ بِالتَّزْوِيجِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الْمَجُوسِيَّةَ الْمَجُوسِيَّ مَثَلًا وَقَدْ يَمْلِكُ أُمَّ الْوَلَدِ وَلَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا وَلَا هِبَتَهَا وَلَا تُورَثُ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَمْلِكُ وَطْأَهَا وَاسْتِخْدَامَهَا بِاتِّفَاقِهِمْ.
وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ

عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَيَمْلِكُ الْمَرْهُونَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَئُونَتَهُ وَلَا يَمْلِكُ فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ مَا يُزِيلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ.
وَفِي الْعِتْقِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.
وَالْعَبْدُ الْمَنْذُورُ عِتْقُهُ وَالْهَدْيُ وَالْمَالُ الَّذِي قَدْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِعَيْنِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَحَقَّ صَرْفَهُ إلَى الْقِرْبَةِ: قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: هَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَارِجٌ عَنْ قِيَاسِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
فَمَنْ قَالَ: لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ - كَمَا قَدْ يَقُولُهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا - فَهُوَ مِلْكٌ لَا يَمْلِكُ صَرْفَهُ إلَّا إلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ النُّسُكِ أَوْ الصَّدَقَةِ.
وَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى بِشَرْطِ الْعِتْقِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الصِّلَةِ أَوْ الْفِدْيَةِ الْمُشْتَرَاةِ بِشَرْطِ الْإِهْدَاءِ إلَى الْحَرَمِ.
وَمَنْ قَالَ: زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ عِتْقَهُ وَإِهْدَاءَهُ وَالصَّدَقَةَ بِهِ.
وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ قِيَاسِ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ: هَلْ يَصِيرُ الْمَوْقُوفُ مِلْكًا لِلَّهِ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَالْمِلْكُ الْمَوْصُوفُ نَوْعٌ مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ.
وَكَذَلِكَ مِلْكُ الْمَوْهُوبِ لَهُ حَيْثُ يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ

كَالْأَبِ إذَا وَهَبَ لِابْنِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: نَوْعٌ مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ حَيْثُ سُلِّطَ غَيْرُ الْمَالِكِ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ وَفَسْخِ عَقْدِهِ.
وَنَظِيرُهُ: سَائِرُ الْأَمْلَاكِ فِي عَقْدٍ يَجُوزُ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ كَالْمَبِيعِ بِشَرْطٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا وَكَالْمَبِيعِ إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَكَالْمَبِيعِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ فَوَاتُ صِفَةٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
فَهَهُنَا فِي الْمُعَاوَضَةِ وَالتَّبَرُّعِ يَمْلِكُ الْعَاقِدُ انْتِزَاعَهُ وَمِلْكُ الْأَبِ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ وَجِنْسُ الْمِلْكِ يَجْمَعُهُمَا.
وَكَذَلِكَ مِلْكُ الِابْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا فِيهِ مَعْنَى الْكِتَابِ وَصَرِيحَ السُّنَّةِ.
وَطَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُونَ: هُوَ مُبَاحٌ لِلْأَبِ مَمْلُوكٌ لِلِابْنِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ لِلْأَبِ كَالْمُبَاحَاتِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ وَمِلْكُ الِابْنِ ثَابِتٌ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفًا مُطْلَقًا.
فَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا وَفِيهِ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ مَا وَصَفْته وَمَا لَمْ أَصِفْهُ: لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ ذَلِكَ مُفَوَّضًا إلَى الْإِنْسَانِ يُثْبِتُ مِنْهُ مَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً لَهُ وَيَمْتَنِعُ مِنْ إثْبَاتِ مَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ.
وَالشَّارِعُ لَا يَحْظُرُ عَلَى الْإِنْسَانِ إلَّا مَا فِيهِ فَسَادٌ رَاجِعٌ أَوْ مَحْضٌ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَسَادٌ أَوْ كَانَ فَسَادُهُ مَغْمُورًا بِالْمَصْلَحَةِ لَمْ يَحْظُرْهُ أَبَدًا.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: الْعُقُودُ الَّتِي فِيهَا نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ - وَهِيَ غَالِبُ مُعَامَلَاتِ بَنِي آدَمَ الَّتِي لَا يَقُومُونَ إلَّا بِهَا - سَوَاءٌ كَانَتْ مَالًا بِمَالِ.
كَالْبَيْعِ أَوْ كَانَتْ مَنْفَعَةً بِمَالٍ كَالْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ: الْإِمَارَةُ وَالتَّجْنِيدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَاتِ.
أَوْ كَانَتْ مَنْفَعَةً بِمَنْفَعَةٍ كَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: فَإِنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَرَامًا مِنْ الْجِهَتَيْنِ كَبَيْعِ الْخَمْرِ بِالْخِنْزِيرِ وَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الزِّنَا بِالْخَمْرِ وَعَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ كَمَا كَانَ بَعْضُ الْحُكَّامِ يَقُولُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الرُّؤَسَاءِ: يتقارضون شَهَادَةَ الزُّورِ وَشَبَهَهُ بِمُبَادَلَةِ الْقُرُوضِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ حَرَامًا مِنْ الْأُخْرَى.
وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَعْلَمُوهُ؛ فَإِنَّ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ فَلَا يَقُومُ بِهِ إلَّا دِينٌ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَتَقُومُ بِهِ الدُّنْيَا الْفَاجِرَةُ وَالدِّينُ الْمُبْتَدَعُ.
وَأَمَّا الدِّينُ الْمَشْرُوعُ وَالدُّنْيَا السَّالِمَةُ فَلَا تَقُومُ إلَّا بِالثَّالِثِ: مِثْلَ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لِجَلْبِ مَنْفَعَتِهِمْ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ وَرِشْوَةِ الْوُلَاةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَوْ تَخْلِيصِ الْحَقِّ؛ لَا لِمَنْعِ الْحَقِّ وَإِعْطَاءِ مَنْ يُتَّقَى شَرُّ لِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِعْطَاءِ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِنْ أَعْوَانٍ وَأَنْصَارٍ وَوُلَاةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَصْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ حَقًّا فِي الصَّدَقَاتِ الَّتِي حَصَرَ مَصَارِفَهَا فِي كِتَابِهِ وَتَوَلَّى قَسْمَهَا بِنَفْسِهِ وَكَانَ هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ الْمَصَالِحِ - وَمِنْ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ - الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ مَصْرِفًا مِنْ الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ أُعْطِيَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ آخِذَ الصَّدَقَةِ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِمَنْفَعَتِهِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يُؤْخَذُ مِنْهُمَا لِلْمَصَالِحِ؛ بَلْ لَيْسَتْ الْمَصَالِحُ إلَّا ذَلِكَ، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَنْفَعَةِ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ بِمَالِ الْمَصَالِحِ وَالْفَيْءِ.
وَلِهَذَا أَعْطَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفَيْءِ وَالْمَغَانِمِ كَمَا

فَعَلَهُ بِالذُّهَيْبَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ.
وَكَمَا فَعَلَ فِي مَغَانِمِ حنين حَيْثُ قَسَّمَهَا بَيْنَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ نَجْدٍ وَقَالَ: ﴿إنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُمْ.
أُعْطِي رِجَالًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ وَأَكِلُ رِجَالًا إلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ﴾ وَقَالَ: ﴿إنِّي لَأُعْطِي أَحَدَهُمْ الْعَطِيَّةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبَّطُهَا نَارًا.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ تُعْطِيهِمْ قَالَ: يَأْبُونَ إلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَتُخْرِجُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ مَا لَمْ نَكُنْ نُرِيدُ أَنْ نُعْطِيَهُ إيَّاهُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيهِ﴾ " أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
وَهَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا الْمَالُ بِالْأَعْيَانِ فَمِنْهُ افْتِكَاكُ الْأَسْرَى وَالْأَحْرَارِ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ وَالْغَاصِبِينَ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْحُرَّ قَدْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْكُفَّارُ وَقَدْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْفُجَّارُ؛ إمَّا بِاسْتِعْبَادِهِ ظُلْمًا أَوْ بِعِتْقِهِ وَجُحُودِ عِتْقِهِ.
وَإِمَّا بِاسْتِعْمَالِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَا إذْنِ الشَّارِعِ: مِثْلَ مَنْ يُسَخِّرُ الصُّنَّاعَ كَالْخَيَّاطِينَ وَالْفَلَّاحِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَإِمَّا بِحَبْسِهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَكُلُّ آدَمِيٍّ قَهَرَ آدَمِيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ وَمَنَعَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ.
فَالْقَاهِرُ يُشْبِهُ الْآسِرَ وَالْمَقْهُورُ يُشْبِهُ الْأَسِيرَ وَكَذَلِكَ الْقَهْرُ بِحَقِّ أَسِيرٍ.
قَالَ ﴿النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَرِيمِ الَّذِي لَزِمَ غَرِيمَهُ: مَا فَعَلَ أَسِيرُك؟﴾ .

وَإِذَا كَانَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْأَمْوَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ فَهُوَ غَصْبٌ وَإِنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْخِيَانَةُ وَالسَّرِقَةُ فَكَذَلِكَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى النُّفُوسِ بِغَيْرِ حَقِّ أَسْرٍ.
وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ اسْتِيلَاءُ الظَّلَمَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَكَذَلِكَ افْتِكَاكُ الْأَنْفُسِ الرَّقِيقَةِ مِنْ يَدِ مَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهَا وَيَظْلِمُهَا فَإِنَّ الرِّقَّ الْمَشْرُوعَ لَهُ حَدٌّ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ افْتِكَاكُ الزَّوْجَةِ مِنْ يَدِ الزَّوْجِ الظَّالِمِ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّسَاءِ: ﴿إنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ﴾ . وَقَالَ عُمَرُ: النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يَرِقُّ كَرِيمَتَهُ.
وَكَذَلِكَ افْتِكَاكُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ كَاَلَّذِي يَمْنَعُهُ الْوَاجِبُ وَيَفْعَلُ مَعَهُ الْمُحَرَّمَ.
وَمِنْهُ افْتِكَاكُ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغَاصِبِينَ لَهَا ظُلْمًا أَوْ تَأْوِيلًا كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَغَيْرِهِمَا إذَا دُفِعَ لِلظَّالِمِ شَيْءٌ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّفْعُ فِي كِلَا الْقِسْمَيْنِ دَفْعًا لِلْقَاهِرِ حَتَّى لَا يَقْهَرَ وَلَا يَسْتَوْلِيَ كَمَا يُهَادَنُ أَهْلُ الْحَرْبِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِمَالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ أَوْ اسْتِنْقَاذًا مِنْ الْقَاهِرِ بَعْدَ الْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ.

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَاعِدَةٌ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَصْلٌ: بَذْلُ الْمَنَافِعِ وَالْأَمْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعَوُّضِ أَوْ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ: وَوَاجِبُهَا يَنْقَسِمُ إلَى فَرْضٍ عَلَى الْعَيْنِ وَفَرْضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ.
فَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ - مَالًا وَمَنْفَعَةً - فَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
وَجِمَاعُ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ بِلَا عِوَضٍ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ: ﴿أَرْبَعٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدَ بَرِئَ مِنْ الْبُخْلِ: مَنْ آتَى الزَّكَاةَ وَقَرَى الضَّيْفَ وَوَصَلَ الرَّحِمَ وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ حَدُّ الْبَخِيلِ: مَنْ تَرَكَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِنَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ.
فَالزَّكَاةُ هِيَ الْوَاجِبُ الرَّاتِبُ الَّتِي تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ

الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَوُجُوبُهَا عَارِضٌ فَقَرْيُ الضَّيْفِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ وَعِتْقِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ.
وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَنْ تَجِبُ صِلَتُهُ وَمَا مِقْدَارُ الصِّلَةِ الْوَاجِبَةِ.
وَكَذَلِكَ الْإِعْطَاءُ فِي النَّائِبَةِ مِثْلَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِشْبَاعِ الْجَائِعِ وَكِسْوَةِ الْعَارِي.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ لَمَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ.
وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ الْمَنْفَعِيَّةُ بِلَا عِوَضٍ: فَمِثْلُ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَعَامَّةُ الْوَاجِبِ فِي مَنَافِعِ الْبَدَنِ وَيَدْخُلُ فِيهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمَا ﴿عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ﴾ ". وَتَدْخُلُ أَيْضًا فِي مُطْلَقِ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ كَمَا نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ: الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ﴾ " وَيُرْوَى مَا تَصَدَّقَ عَبْدٌ بِصَدَقَةٍ أَعْظَمَ مِنْ مَوْعِظَةٍ يَعِظُ بِهَا أَصْحَابًا لَهُ؛ فَيَتَفَرَّقُونَ وَقَدْ نَفَعَهُمْ اللَّهُ بِهَا وَدَلَائِلُ هَذَا كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ الْمَالِيَّةُ وَهُوَ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَنْفَعَةِ مَالِ الْغَيْرِ كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ يَسْتَقِي بِهِ مَاءً يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَثَوْبٍ يَسْتَدْفِئُ بِهِ مِنْ الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجِبُ بَذْلُهُ؛ لَكِنْ هَلْ يَجِبُ بَذْلُهُ مَجَّانًا أَوْ بِطَرِيقِ التَّعَوُّضِ

كَالْأَعْيَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَحُجَّةُ التَّبَرُّعِ مُتَعَدِّدَةٌ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهُ عَارِيَةً الْقِدْرَ وَالدَّلْوَ وَالْفَأْسَ.
وَكَذَلِكَ إيجَابُ بَذْلِ مَنْفَعَةِ الْحَائِطِ لِلْجَارِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ عَلَى أَصْلِنَا الْمُتَّبِعِ؛ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ مَا يَجِبُ إيتَاؤُهُ مِنْ الْمَالِ أَوْ مَنْفَعَتُهُ أَوْ مَنْفَعَةُ الْبَدَنِ بِلَا عِوَضٍ لَهُ تَفْصِيلٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَلَوْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ مُقَصِّرِينَ فِي عِلْمِهِ بِحَيْثُ قَدْ يَنْفُونَ وُجُوبَ مَا صَرَّحَتْ الشَّرِيعَةُ بِوُجُوبِهِ.
وَيَعْتَقِدُ الغالط مِنْهُمْ ﴿أَنْ لَا حَقَّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ﴾ " أَنَّ هَذَا عَامٌّ؛ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ ﴿: إنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ﴾ . وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ: أَرَادَ الْحَقَّ الْمَالِيَّ الَّذِي يَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ فَيَكُونُ رَاتِبًا وَإِلَّا فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ إيتَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي مَوَاضِعَ: مِثْلَ الْجِهَادِ بِالْمَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْحَجِّ بِالْمَالِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ.
وَمِثْلَ مَا يَجِبُ مِنْ الْكَفَّارَاتِ مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ

وَهَدْيِ كَفَّارَاتِ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهَا.
وَمَا يَجِبُ مِنْ وَفَاءِ النُّذُورِ الْمَالِيَّةِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ؛ بَلْ الْمَالُ مُسْتَوْعَبٌ بِالْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ الرَّاتِبَةِ أَوْ الْعَارِضَةِ بِسَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُ.
وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا مَا يَجِبُ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ: مِثْلَ الْمُبَايَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ.
وَمِثْلَ الْمُشَارَكَاتِ: كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنَّ هَذَا كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ فِيهِ الغالطون لِمَا اسْتَقَرَّ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ وَأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي إلَّا فِي مَوَاضِعَ اسْتَثْنَاهَا الشَّارِعُ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا بِحَقِّ: صَارَ يَغْلَطُ فَرِيقَانِ: قَوْمٌ يَجْعَلُونَ الْإِكْرَاهَ عَلَى بَعْضِهَا إكْرَاهًا بِحَقِّ وَهُوَ إكْرَاهٌ بِبَاطِلِ.
وَقَوْمٌ يَجْعَلُونَهُ إكْرَاهًا بِبَاطِلِ وَهُوَ بِحَقِّ.
وَفِيهَا مَا يَكُونُ إكْرَاهًا بِتَأْوِيلِ حَقٍّ فَيَدْخُلُ فِي قِسْمِ الْمُجْتَهِدَاتِ؛ إمَّا الِاجْتِهَادَاتُ الْمَحْضَةُ أَوْ الْمَشُوبَةُ بِهَوًى وَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَاتُ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ إذَا كَانَ إيتَاءُ الْمَالِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ وَاجِبًا بِالشَّرِيعَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا؛ لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ الْإِيجَابَ الشَّرْعِيَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ أَخْذُ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ

فَلَأَنْ يَكُونَ إيتَاءُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ وَاجِبًا فِي مَوَاضِعَ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ بَلْ إيجَابُ الْمُعَاوَضَاتِ أَكْثَرُ مِنْ إيجَابِ التَّبَرُّعَاتِ وَأَكْبَرُ.
فَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُ قَدْرًا وَصِفَةً.
وَلَعَلَّ مَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ إذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا بِلَا ضَرَرٍ يَزِيدُ عَلَى حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَتْ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَمَعَ حَاجَةِ رَبِّ الْمَالِ المكافية لِحَاجَةِ الْمُعْتَاضِ فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ وَالرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
" وَابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ". وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ مُنَاسِبَةٌ وَلَهَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَجِمَاعُ الْمُعَاوَضَاتِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالِ: كَالْبَيْعِ.
وَبَذْلُ مَالٍ بِنَفْعٍ كَالْجَعَالَةِ.
وَبَذْلُ مَنْفَعَةٍ بِمَالٍ كَالْإِجَارَةِ وَبَذْلُ نَفْعٍ بِنَفْعٍ كَالْمُشَارَكَاتِ مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ هَذَا بَذَلَ نَفْعَ بَدَنِهِ وَهَذَا بَذَلَ نَفْعَ مَالِهِ.
وَكَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَوُجُوبُ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ ضَرُورَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ؛ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَرِدُ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِبَنِي جِنْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَى بَنِي آدَمَ أَنْ يَبْذُلَ هَذَا لِهَذَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَهَذَا لِهَذَا مَا

يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَفَسَدَ النَّاسُ وَفَسَدَ أَمْرُ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ فَلَا تَتِمُّ مَصَالِحُهُمْ إلَّا بِالْمُعَاوَضَةِ وَصَلَاحُهَا بِالْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ الْكُتُبَ وَبَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى بَذْلِ الْمُعَاوَضَةِ لِحَاجَتِهَا إلَيْهَا فَالشَّارِعُ إذَا بَذَلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِلَا إكْرَاهٍ لَمْ يَشْرَعْ الْإِكْرَاهُ وَرَدُّ الْأَمْرِ إلَى التَّرَاضِي فِي أَصْلِ الْمُعَاوَضَةِ وَفِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْذُلْ فَقَدْ يُوجِبُ الْمُعَاوَضَةَ تَارَةً وَقَدْ يُوجِبُ عِوَضًا مُقَدَّرًا تَارَةً.
وَقَدْ يُوجِبُهُمَا جَمِيعًا وَقَدْ يُوجِبُ التَّعْوِيضَ لِمُعَيَّنِ أُخْرَى.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطُولِبَ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَرَضٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ لِيُوفِيَهُ الدَّيْنَ فَإِنَّ وَفَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَيْعِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى بَيْعِ الْعَرَضِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ النِّيَابَةَ فَقَامَ ذُو السُّلْطَانِ فِيهِمْ مَقَامَهُ كَمَا يَقُومُ فِي تَوْفِيَةِ الدَّيْنِ وَتَزْوِيجِ الْأَيِّمِ مِنْ كُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَمَا يَقْبِضُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ بِرِضَا الْغَرِيمِ كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَبَدَلِ قَرْضٍ أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.

وَمِنْ ذَلِكَ ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ وَمِنْ الْمَغْصُوبِ الْأَمَانَاتُ إذَا خَانَ فِيهَا وَمِنْ الْأَمَانَاتِ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَالْعُمَّالِ عَلَى الْفَيْءِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَمَالِ الْيَتِيمِ وَمَالِ الْمُوَكَّلِ كَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَنَحْوِهِمَا.
وَمَالِ الْفَيْءِ إذَا خَانُوا فِيهَا.
وَتَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ بَيْعُ مَالِهِ لِأَدَاءِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَفْسِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَالٍ إذَا لَمْ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِالْبَيْعِ صَارَ الْبَيْعُ وَاجِبًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَيُفْعَلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: الْمُضْطَرُّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ إذَا بَذَلَهُ لَهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الْقِيمَةِ؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَأَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا أُجْبِرَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ بَذَلَ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ.
وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي " كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ " حَتَّى إنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ بَذْلِ الطَّعَامِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَاتِلِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَلِهَذَا نُضَمِّنُهُمْ دِيَتَهُ لَوْ مَاتَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَسْقَى قَوْمًا فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَضَمَّنَهُمْ عُمَرُ دِيَتَهُ وَأَخَذَ بِهِ أَحْمَد فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ بِلَا عِوَضٍ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْهُ فَلَأَنْ يَجِبَ بِالْمُعَاوَضَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَهَكَذَا إذَا اُضْطُرَّ النَّاسُ ضَرُورَةً عَامَّةً وَعِنْدَ أَقْوَامٍ فُضُولُ أَطْعِمَةٍ

مَخْزُونَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَبِيعَهَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَيَجِبُ إلْزَامُهُمْ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ شَرْعًا وَهُوَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ فَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُهُ مِنْهُمْ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا اُضْطُرَّ النَّاسُ إلَيْهِ: مِنْ لِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَغْنِي عَنْهُ صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ بَذْلُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ.
وَقَدْ كَتَبْت قَبْلَ هَذَا حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي صَاحِبِ النَّخْلَةِ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ وَذَكَرْت مَا فِيهِ مِنْ وُجُوبِ الْمُعَاوَضَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُبْتَاعُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرِ الْبَائِعِ.
وَلِهَذَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ الِاحْتِكَارِ الَّذِي يَضُرُّ النَّاسَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ﴾ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْمُحْتَكِرُ مُشْتَرٍ مُتَّجِرٌ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّ النَّاسَ.
وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْأَصْلِ جَائِزَانِ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ؛ لَكِنْ لِحَاجَةِ النَّاسِ يَجِبُ الْبَيْعُ تَارَةً وَيَحْرُمُ الشِّرَاءُ أُخْرَى.
هَذَا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُشْتَرِي إذَا تَوَكَّلَ الْحَاضِرُ لِلْقَادِمِ بِسِلْعَتِهِ فِي الْبَيْعِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى

وُجُوبِ بَيْعِهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ . وَهَكَذَا بَيْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ فِي مَا لَا يَنْقَسِمُ؛ فَإِنَّ الشَّرِيكَ مُحْتَاجٌ إلَى الْبَيْعِ؛ لِيَأْخُذَ نَصِيبَهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْآخَرِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ تَقْوِيمُهُ مِلْكَ الشَّرِيكِ إذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ فَإِنَّ الْعِتْقَ يَحْتَاجُ إلَى تَكْمِيلٍ لِمَا فِي تَبْعِيضِ الْعِتْقِ مِنْ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ أَوْ فِيهِ ضَرَرٌ دُونَ الْحَاجَةِ إلَى تَكْمِيلِ الْعِتْقِ.
وَهَكَذَا فِيمَنْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِمَالِهِ كَمَنْ لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَرَقٌ مُحْتَرَمٌ مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ بِئْرٍ كَالْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ وَالْبَائِعِ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ وَكَانَ الثَّمَنُ عَقَارًا وَكَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَإِنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَبْتَاعَ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ إذَا لَمْ يُقْلِعْهُ صَاحِبُهُ أَوْ يُبْقِيهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَكِلَاهُمَا مُعَاوَضَةٌ: إمَّا عَلَى الْعَيْنِ أَوْ عَلَى مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ.
وَكَذَلِكَ إجْبَارُنَا لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْكَرْيِ مَعَ الْآخَرِ أَوْ الْعِمَارَةِ مَعَهُ هُوَ إجْبَارٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ؛ فَإِنَّ الْعِمَارَةَ تَتَضَمَّنُ ابْتِيَاعَ أَعْيَانٍ وَاسْتِئْجَارَ عُمَّالٍ فَهِيَ إجْبَارٌ عَلَى شِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْبَاذِلِ فِي ذَلِكَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُعَاوَضَةُ مَعَهُ.
تَارَةً لِأَجْلِ الْقِسْمَةِ.
وَتَارَةً لِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى

الصِّنَاعَاتِ: كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَايَةِ: فَعَلَى أَهْلِهَا بَذْلُهَا لَهُمْ بِقِيمَتِهَا كَمَا عَلَيْهِمْ بَذْلُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا بِقِيمَتِهَا؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَبَذْلِ الْمَنَافِعِ؛ بَلْ بَذْلُ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَا يَضُرُّ بَذْلُهَا أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مُعَاوَضَةً وَيَكُونُ بَذْلُ هَذِهِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ أُصُولَ الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلَاحَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْبِنَايَةِ: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا؛ وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا فَلَا تَجِبُ.
وَهَذِهِ حَكَيْنَا بَيْعَهَا؛ فَإِنَّ مَنْ يُوجِبُهَا إنَّمَا يُوجِبُهَا بِالْمُعَاوَضَةِ؛ لَا تَبَرُّعًا.
فَهُوَ إيجَابُ صِنَاعَةٍ بِعِوَضٍ؛ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
وَقَوْلِي عِنْدَ الْحَاجَةِ.
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنْ الصِّنَاعَةِ بِمَا يَجْلِبُونَهُ أَوْ يُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنْ طَعَامٍ وَلِبَاسٍ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ إعَانَةَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسُّكْنَى أَمْرٌ وَاجِبٌ.
وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ بِذَلِكَ وَيُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا بَلْ إيجَابُ الشَّارِعِ لِلْجِهَادِ الَّذِي فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ لِأَجْلِ هِدَايَةِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ: أَبْلَغُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
فَإِذَا كَانَتْ الشَّجَاعَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا وَالْكَرَمُ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ وَاجِبًا فَكَيْفَ بِالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَفْعَلُونَ هَذَا بِحُكْمِ الْعَادَاتِ وَالطِّبَاعِ وَطَاعَةِ

السُّلْطَانِ غَيْرَ مُسْتَشْعِرِينَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ فِيهِ.
وَلِهَذَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ ظُلْمًا وَعَنَاءً وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ احْتَسَبُوا أَجْرَهُ وَزَالَتْ الْكَرَاهَةُ وَلَوْ عَلِمُوا الْوُجُوبَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَعُدُّوهُ ظُلْمًا.
وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجُوا إلَى الْقِتَالِ وَالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَبَذَلُوا أَمْوَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَاطَرَةٌ بِالنَّفْسِ وَيُخَافُ فِيهِ الضَّرَرُ؛ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ إذَا بُذِلَ لِلْإِنْسَانِ الْمَالُ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِوُجُوبِهِ وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَالِ نَفْسِهِ فَإِذَا بُذِلَ لَهُ الْمَالُ كَانَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ.
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ صِنَاعَاتِ الْقِتَالِ: رَمْيًا وَضَرْبًا وَطَعْنًا وَرُكُوبًا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.﴾ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّهُ يَجِبُ عَيْنًا إذَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجَ الْمُجَاهِدُونَ إلَى أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ كَصُنَّاعِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ وَمَصَالِحِ الْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَطُلِبَتْ مِنْهُمْ تِلْكَ الصِّنَاعَةُ بِعِوَضِهَا وَجَبَ بَذْلُهَا وَأُجْبِرُوا عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ التُّجَّارُ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْجِهَادِ: عَلَيْهِمْ بَيْعُ ذَلِكَ وَإِذَا

احْتَاجَ الْعَسْكَرُ إلَى خُرُوجِ قَوْمٍ تُجَّارٍ فِيهِ لِبَيْعِ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَسْكَرُ حَمْلَهُ مِنْ طَعَامٍ وَلِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَالتِّجَارَةُ كَالصِّنَاعَةِ.
وَالْعَسْكَرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ فِي بَلَدٍ فَكَمَا يَجِبُ عَلَى بَعْضٍ إعَانَةُ بَعْضٍ عَلَى حَاجَاتِهِمْ بِالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي لَا ضَرَرَ فِيهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْعَسْكَرِ.
وَكَمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُوجِبَ الْجِهَادَ عَلَى طَائِفَةٍ وَيَأْمُرَهُمْ بِالسَّفَرِ إلَى مَكَانٍ لِأَجْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرَ قَوْمًا بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَيَأْمُرَ قَوْمًا بِالْوِلَايَاتِ.
وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَغَيْرُ الْعَدْلِ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ طَاعَةٌ كَالْجِهَادِ.
وَقَالَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: فَصْلٌ: أَقْوَالُ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَغْوٌ عِنْدَنَا: مِثْلَ كُفْرِهِ وَطَلَاقِهِ وَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ.
فَإِذَا أُكْرِهَ الْبَيِّعَانِ عَلَى الْعَقْدِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِذَا أُكْرِهَا عَلَى التَّقَابُضِ فَهَذَا إكْرَاهٌ عَلَى الْأَفْعَالِ لَا عَلَى الْأَقْوَالِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا

قَدْ قَبَضَ وَأَقْبَضَ مُكْرَهًا فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَهُ إلَى الْآخَرِ إذَا أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ مُكْرَهًا.
فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ الْمَقْبُوضُ بِالْإِكْرَاهِ تَحْتَ يَدِ الْقَابِضِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتْلَفَهُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ بِعُدْوَانِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ يَدَ أَمَانَةٍ وَيَدُ الْأَمَانَةِ إذَا أَتْلَفَتْ شَيْئًا أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهَا أَوْ عُدْوَانِهَا ضَمِنَتْهُ كَيَدِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُودِعِ وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ.
وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ: فَهَلْ تَكُونُ يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ؟ أَوْ يَدَ أَمَانَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ قَبْضًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ؟ فَنَقُولُ: تَلَفُهُ تَحْتَ يَدِ الْمُكْرَهِ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهِ كَرْهًا وَفِيهِ خِلَافٌ.
وَهُوَ يُشْبِهُ الْعَارِيَةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِهِ كَمَا أَنَّ الْمُكْرَهَ قَبَضَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَهَذَا قَبَضَهُ بِإِذْنِ الشَّارِعِ فَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ الْقَابِضُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنٍ فَهُنَا يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي مَنْفَعَتِهِ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ فَأَخَذَهُ لِيَأْكُلَهُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ جَمَاعَةٍ صُودِرُوا وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ ثُمَّ أُكْرِهُوا وَأُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِ أَعْيَانٍ مِنْ عَقَارٍ وَمَوَاشٍ وَبَسَاتِينَ فَبَاعُوهَا وَالْأَعْيَانُ الْمَذْكُورَةُ بَعْضُهَا مِلْكُ أَوْلَادِ الْبَائِعِينَ وَبَعْضُهَا وَقْفٌ وَبَعْضُهَا مِلْكُ الْغَيْرِ وَوَضَعَ الْمُشْتَرِي يَدَهُ عَلَيْهَا وَحَازَهَا وَخَافَ الْبَائِعُونَ عَلَى إتْلَافِ صُورَةِ الْأَعْيَانِ وَلَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى انْتِزَاعِهَا مِنْ يَدِهِ فَاشْتَرَوْهَا صُورَةً لِيَعْرِفُوا بَقَاءَهَا وَيُحْرِزُوهَا بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا آنَ الْأَجَلُ طَالَبَهُمْ بِالثَّمَنِ: فَهَلْ يَكُونُ الْبَيْعُ مِنْهُمْ بَاطِلًا بِحُكْمِ الْإِكْرَاهِ؟ وَبَيْعُ مَالِ الْغَيْرِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ مُشْتَرَاهُمْ مِنْهُ وَإِقْرَارُهُمْ بِالْمِلْكِ مُثْبِتٌ لَهُ بِصِحَّةِ الْمِلْكِ؟ . فَأَجَابَ: إذَا بَذَلَ الْبَائِعُ - وَالْحَالُ هَذِهِ - لِلْمُشْتَرِي فَمَا أَدَّاهُ مِنْ الثَّمَنِ وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْإِيفَاءِ بِذَلِكَ وَطَلَبَ مَا كُتِبَ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ ظَالِمٌ عَاصٍ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ لَوْ كَانَتْ بِطِيبِ نَفْسِ الْبَائِعِ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ مِنْهُ الْأَعْيَانُ بِتَقْدِيمِ بَيْعِهِ إيَّاهَا إلَى أَجَلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ

الثَّمَنِ كَانَتْ مُعَامَلَةً بَاطِلَةً رِبَوِيَّةً عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ وَالْبَائِعُ مُكْرَهٌ وَبَيْعُ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ بَيْعٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ قُدِّرَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أُكْرِهَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ وَأَدَّاهُ الثَّمَنَ عَنْهُ فَأَعْطَاهُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الَّذِي أَدَّاهُ عَنْهُ لَوَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَكَيْفَ وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَائِعُ قَدْ بَذَلَ لَهُ الثَّمَنَ الَّذِي أَدَّاهُ عَنْهُ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُطَالَبَتُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَا مُطَالَبَتُهُ بِرَدِّ الْأَعْيَانِ الَّتِي كَانَتْ مِلْكَهُ.
وَهِيَ الْآنَ بِيَدِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ مَاتَتْ أُمُّهُ وَوَرِثَ مِنْهَا دَارًا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهَا شَرِيكٌ وَأَنَّ إنْسَانًا ظَلَمَ وَالِدَهُ وَأَجْبَرَهُ حَتَّى كَاتَبَهُ عَلَى الدَّارِ أَوْ بَاعَهَا.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَمْ تَرْجِعُ الدَّارُ إلَى مَالِكِهَا؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا أُكْرِهَ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَتُرَدُّ الدَّارُ إلَى مَالِكِهَا وَيُرَدُّ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّمَنُ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ: عَنْ حَبْسٍ عَلَى جَمَاعَةٍ وَهُوَ مَثْبُوتٌ بِالْعُدُولِ وَفِي الدَّارِ سَاكِنٌ لَهُ يَدٌ قَوِيَّةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ وَأَلْزَمُوهُ إلَى أَنْ بَاعُوهُ غَصْبًا بِالْيَدِ الْقَوِيَّةِ فَإِذَا شَهِدَتْ الشُّهُودُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ يُنْزَعُ مِنْ الْغَاصِبِ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَيْعُ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَصِحُّ وَبَيْعُ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ لَا يَصِحُّ وَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا شَهِدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: فَإِذَا أَكْرَهَ السُّلْطَانُ أَوْ اللُّصُوصُ أَوْ غَيْرُهُمْ رَجُلًا عَلَى أَدَاءِ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَكْرَهَ رَجُلًا آخَرَ عَلَى إقْرَاضِهِ أَوْ الِابْتِيَاعِ مِنْهُ وَأَدَّى الثَّمَنَ عَنْهُ أَوْ إلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُمْ مِنْ الْمُقْتَرِضِ وَالْبَائِعِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى إقْبَاضِ الْمُكْرَهِ ثُمَّ الْأَخْذُ مِنْهُ أَوْ عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ فَقَطْ:

فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا تَقَعُ كَثِيرًا وَفِيهَا وَجْهَانِ: كَمَا لَوْ أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ أَحَدِ الْمُخْتَلِطَيْنِ فِي الْمَاشِيَةِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ عَنْهُمَا بِلَا تَأْوِيلٍ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ تَذْهَبُ مِنْ مَالِكِهَا وَلَيْسَ عَلَى الْآخَرِ شَيْءٌ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ أَخَذَهَا عَنْهَا؛ لِأَنَّ الظَّالِمَ ظَلَمَ هَذَا بِأَخْذِ مَالِهِ وَنَوَاهُ عَنْ الْآخَرِ وَهُوَ لَيْسَ وَلِيًّا لِلْآخَرِ وَلَا وَكِيلًا عَنْهُ حَتَّى تَصِحَّ نِيَّتُهُ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْمَأْخُوذِ عَنْهُ.
وَلَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ إذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ وَنُوَّابُهُ الْوَظَائِفَ الظلمية عَلَى الْمَالِ أَوْ أَخَذَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِنْ التُّجَّارِ عَنْ الْمَالِ الَّذِي مَعَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ إذَا كَانَ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ فَإِنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ بِنَصِيبِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الْمُعْطِي وَكِيلًا أَوْ وَلِيًّا كَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَوَصِيِّ الْيَتِيمِ فَيَلْزَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا أَخَذَ مِنْهُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّفْعُ لِحِفْظِ الْمَالِ بَلْ كَانَ الدَّفْعُ لِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى الْأَدَاءِ.
فَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُ الْمَالِ إلَّا بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ فَهَذَا التَّصَرُّفُ لِحِفْظِ الْمَالِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْخِفَارَةِ لِحِفْظِهِ وَإِعْطَاءِ النَّوَاطِيرِ لِدَفْعِ اللُّصُوصِ وَالسِّبَاعِ.
وَأَيْضًا فَالْوَلِيُّ وَالْوَكِيلُ مَأْذُونٌ لَهُمَا عُرْفًا فِي مِثْلِ هَذَا الدَّفْعِ؛ فَإِنَّهُ

لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَى أَنَّهُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّي عَنْ الْمَالِ فَيَتَضَرَّرُ وَلَا يُؤَدِّيهِ؛ بِخِلَافِ مَا يُوجَدُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لَكِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ وَارِدٌ فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
فَإِنَّ كِلَاهُمَا وَكِيلُ الْآخَرِ فِي شَرِكَةِ الْعُقُودِ.
وَأَيْضًا فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْكُلَفِ النوابية السُّلْطَانِيَّةِ وَبَيْنَ الْمَظَالِمِ الْعَارِضَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ سَيَّرَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ قُمَاشًا لِيُسَلِّمَهُ لِوَلَدِهِ بِالْقَاهِرَةِ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ وَبَاعَهُ الْمُسَيَّرُ عَلَى يَدِهِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَبَاعَهُ عَلَى غَيْرِ بَزَّازٍ بِغَيْرِ النَّقْدِ وَبِغَيْرِ إذَنْ صَاحِبِ الْقُمَاشِ لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَفْرِيطًا؟ وَهَلْ إذَا فَرَّطَ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ؟ وَهَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ فِي تَلَفِهِ قَوْلَ صَاحِبِ الْقُمَاشِ؟ أَوْ قَوْلَ الْمُسَيَّرِ عَلَى يَدِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ: إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ ظَالِمًا وَكَانَ ضَامِنًا لَهُ فَإِنْ فَاتَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ قَالَ الْمُودَعُ أَمَرْتنِي بِبَيْعِهِ وَقَالَ الْمُودِعُ لَمْ آمُرْك بِبَيْعِهِ بَلْ بِتَسْلِيمِهِ إلَى وَلَدِي.
فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ؛ لَكِنْ إنْ بَاعَهُ بَيْعًا خَارِجًا عَنْ الْبَيْعِ الْمَعْرُوفِ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِغَيْرِ النَّقْدِ - نَقْدِ الْبَلَدِ - أَوْ يَبِيعَهُ لِمَنْ هُوَ جَاهِلٌ أَوْ مُفْلِسٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ مِنْ الثَّمَنِ بِكُلِّ حَالٍ.

وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْلِ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّقْصِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ: عَنْ امْرَأَةٍ مَلَكَتْ لِوَلَدِهَا مِلْكًا وَبَاعَهُ ثُمَّ بَعْدَ الْبَيْعِ مَلَكَتْ الثَّانِيَ وَكَتَبَ عَلَى الْأَوَّلِ حُجَّةً أَنَّ مَالَهُ فِي الْمِلْكِ شَيْءٌ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ فَهَلْ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ رَدُّ الْمِلْكِ لِلثَّانِي أَوْ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ؟ . فَأَجَابَ: إذَا كَانَ قَدْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا لَازِمًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَلَمْ يَصِحَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَمْلِيكُهَا وَالْمِلْكُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ لَهَا مِلْكٌ فَسَرَقَ الزَّوْجُ كَتْبَ الْمِلْكِ وَبَاعَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ؟ . فَأَجَابَ: بَيْعُ الْمِلْكِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ: بَيْعٌ

بَاطِلٌ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْمُشْتَرِي مَا أَعْطَاهُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَرُدَّ إلَى الْمَالِكِ مِلْكَهُ.
وَقَالَ: فَصْلٌ: الَّذِي يُكْرَهُ مِنْ شِرَاءِ الْأَرْضِ الخراجية إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَشْتَرِيهَا فَيَرْفَعُ الْخَرَاجَ عَنْهَا وَذَلِكَ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانُوا أَحْيَانًا يَقْطَعُونَ بَعْضَهَا لِبَعْضِ الْمُحَارِبِينَ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ؛ لَا إقْطَاعَ اسْتِغْلَالٍ كَإِقْطَاعِ الْمَوَاتِ، فَهَذَا الِانْتِفَاعُ وَالْإِقْطَاعُ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالْخُلَفَاءُ أَخَذُوهُ مِنْ الْغُزَاةِ لِتَكُونَ مَنْفَعَتُهُ دَائِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا قُطِعَتْ مَنْفَعَتُهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ صَارَ ظُلْمًا لَهُمْ؛ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَنَى فِي مِنًى وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّأْبِيدِ.
فَأَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا وَعَلَيْهِ مِنْ الْخَرَاجِ مَا عَلَى الْبَائِعِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَلَّاهُ إيَّاهَا بِلَا حَقٍّ وَكَمَا لَوْ وَرِثَهَا؛ فَإِنَّ الْإِرْثَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ: أَنَّ الْوَارِثَ أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إعْطَاءَهَا لِمَنْ أَعْطَيْته بِالْخَرَاجِ قَدْ قِيلَ:

إنَّهُ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الْمُقَسَّطِ الدَّائِمِ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إجَارَةٌ بِالْأُجْرَةِ الْمُقَسَّطَةِ الْمُؤَبَّدَةِ الْمُدَّةِ كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَكِلَا الْقَائِلِينَ خَرَجَ فِي قَوْلِهِ عَنْ قِيَاسِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهَا مُعَامَلَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا ذَاتُ شَبَهٍ مِنْ الْبَيْعِ وَمِنْ الْإِجَارَةِ تُشْبِهُ فِي خُرُوجِهَا عَنْهُمَا الْمُصَالَحَةَ عَلَى مَنَافِعِ مَكَانِهِ لِلِاسْتِطْرَاقِ أَوْ إلْقَاءِ الزُّبَالَةِ أَوْ وَضْعِ الْجِذْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِعِوَضٍ نَاجِزٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْعَيْنَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَسْتَأْجِرْهَا وَإِنَّمَا مَلَكَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مُؤَبَّدَةً.
وَكَذَلِكَ وَضْعُ الْخَرَاجِ لَوْ كَانَ إجَارَةً مَحْضَةً وَكَانَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ قَدْ تَرَكُوا الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَكْرُوهَا؛ لَكَانَ يَنْبَغِي إكْرَاءُ الْمَسَاكِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَلَكَانَ قَدْ ظَلَمَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ كِرَاءَ الْأَرْضِ يُسَاوِي أَضْعَافَ الْخَرَاجِ.
وَلَكَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ الْآخِذُ إلَّا مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ الشَّجَرِ الْقَائِمَةِ مِنْ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فِيهَا غِرَاسٌ.
وَلَكَانَ دَفَعَهَا مُسَاقَاةً وَمُزَارَعَةً - كَمَا فَعَلَ الْمَنْصُورُ وَالْمَهْدِيُّ فِي أَرْضِ السَّوَادِ - أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ؛ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ إلَّا أَنَّ مُلَّاكَ خَيْبَرَ مُعَيَّنُونَ وَمُلَّاكَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ الْعُمْرَى مُطْلَقُونَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ كَذَلِكَ أَنْ يُؤَاجِرَ وَيَجُوزُ لَهُ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ أَنْ يُعَامَلَ مُسَاقَاةً وَمُزَارَعَةً.

وَأَمَّا بَيْعُهَا: فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَاعَ الْمَسَاكِنَ أَيْضًا.
وَلَا بَيْعَ يَكُونُ الثَّمَنُ مُؤَبَّدًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَالْمُسْتَخْرَجُ أَصْلٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلَا يُقَاسُ بِغَيْرِهِ - فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا﴾ . وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ مَعَ عُمَرَ عَلَى فِعْلِهِ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْخَرَاجِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ فَإِنَّ هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ أَضَافَ الْقُرَى إلَيْهِمْ فَعُلِمَ اخْتِصَاصُهُمْ بِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ أَخَذَهُ ذِمِّيٌّ مِنْ الذِّمِّيِّ الْأَوَّلِ بِالْخَرَاجِ وَعَاوَضَهُ عَلَى ذَلِكَ عِوَضًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ أَصْلًا فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ وَقْفٌ فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ بِهَذِهِ الْمُعَاوَضَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَقْفًا؛ بَلْ مُسْتَحَقُّ أَهْلِ الْوَقْفِ بَاقٍ كَمَا كَانَ وَبَيْعُ الْوَقْفِ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِإِزَالَةِ حَقِّ أَهْلِ الْوَقْفِ.
وَهَذَا لَا يَزُولُ؛ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ إجَارَةِ أَرْضِ الْوَقْفِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: أكريتك هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَا عَلَيَّ مِنْ الْخَرَاجِ وَبِالزِّيَادَةِ الَّتِي تُعَجِّلُهَا إلَيَّ؛ وَلِهَذَا يَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَةِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ؛ وَالْوَقْفُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فَإِذَا جَازَ انْتِقَالُهُ بِالْإِرْثِ عَلَى صِفَةِ مَا كَانَ - وَالْهِبَةُ مِثْلُهُ - فَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَةُ سَوَاءٌ سُمِّيَتْ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً.
وَلِهَذَا جَوَّزَ أَحْمَد إصْدَاقَ الْأَرْضِ الخراجية وَمَا جَازَ

أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَأُجْرَةً.
وَمَا كَانَ ثَمَنًا كَانَ مُثَمَّنًا.
فَهَذَا بَابٌ يَنْبَغِي تَأَمُّلُهُ.
يَبْقَى إذَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ: هَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّغَارِ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْحِرَاثَةِ.
فَهَذِهِ مَوَاضِعُ أُخَرُ - غَيْرُ كَوْنِهِ وَقْفًا - تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ وَالْأَوْقَاتِ كَمَا ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ الْيَهُودَ عَلَى خَيْبَرَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ يُعَمِّرُونَهَا﴾ فَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الخراجية إذَا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ كَانَ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهَا بِالْخَرَاجِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَبْقَوْا فُقَرَاءَ مَحَاوِيجَ وَالْكُفَّارُ يَسْتَغِلُّونَ الْأَرْضَ بِالْخَرَاجِ الْيَسِيرِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ عُمَرَ قَلِيلًا وَأَهْلُ الذِّمَّةِ كَثِيرًا.
وَقَدْ يُعْكَسُ الْأَمْرُ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَهُمْ عَلَى خَيْبَرَ ثُمَّ عَمَّرَهَا الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَتَضَرَّرُوا بِبَقَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَكَانَ الْمَعْنَى ضَرَرَ الْمُسْلِمِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَاكْتِفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ.
فَكَيْفَ إذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْأَرْضِ الخراجية؛ وَتَضَرَّرُوا بِبَقَائِهَا فِي أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرَأَى مَنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَاوِضَ الذِّمِّيَّ عَنْهَا وَيَقُومَ مَقَامَهُ فِيهَا.
فَإِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أُجْرَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِاسْتِئْجَارِ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ وَعِمَارَتِهَا وَإِنْ كَانَ ثَمَنًا فَهُوَ أَحَقُّ بِاشْتِرَائِهَا

وَإِنْ كَانَ عِوَضًا ثَالِثًا فَهُوَ بِهِ أَحَقُّ أَيْضًا.
وَمَتَى كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَبْقَ صَغَارٌ وَلَا جِزْيَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ صَغَارٌ وَجِزْيَةٌ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ الَّذِي هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى بِيَدِهِ مُؤَدِّيًا لِخَرَاجِهَا وَسَقَطَ عَنْهُ جِزْيَةُ جُمْجُمَتِهِ فَكَيْفَ يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا.
وَإِذَا جَازَ أَنْ تَبْقَى بِيَدِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مُسْلِمٍ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ بِحَالِ فَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَهَا صَغَارًا لَمْ يُجَامِعْ الْإِسْلَامَ كَجِزْيَةِ الرَّأْسِ.
وَلَا يُقَالُ: هِيَ كَالرِّقِّ تَمْنَعُهُ الْإِسْلَامَ ابْتِدَاءً وَلَا تَمْنَعُ دَوَامَهُ لِأَنَّ الرِّقَّ قَهَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ لَمْ نعاوضهم عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ جِزْيَةُ الرَّأْسِ لَا نُمَكِّنُهُمْ مِنْ الْمُقَامِ بِالْأَرْضِ الْإِسْلَامِيَّةِ إلَّا بِهَا فَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الرِّقِّ لِثُبُوتِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُسْتَرَقِّ.
وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِرِضَى الْمُخَارَجِ وَاخْتِيَارِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْأَرْضَ مِنَّا لَمْ نَدْفَعْهَا إلَيْهِ؛ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ الَّتِي عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا أَهْلَ خَيْبَرَ سَوَاءٌ: هُنَاكَ كَانَ الْعِوَضُ جُزْءًا مِنْ الزَّرْعِ وَهُنَا الْعِوَضُ مُسَمًّى مَعْلُومٌ.
وَهُنَاكَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا إذَا زَرَعُوا وَهُنَا يَسْتَحِقُّ إذَا أَمْكَنَهُمْ الزَّرْعُ.
فَنَظِيرُهُ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُزَارَعَةِ يُعَامِلُ غَيْرَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ؛ إذْ أَنَّ الْمَضَارِبَ يَدْفَعُ الْمَالَ مُضَارَبَةً لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمَالِكِ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ.

وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَوَانِعُ مِنْ كَوْنِهَا وَقْفًا يُنْظَرُ فِيهَا.
أَمَّا جِهَةُ الْوَقْفِ فَلَا يَتَوَجَّهُ كَوْنُهَا مَانِعًا عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَبَدًا.
وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْحِرَاثَةِ عَنْ الْجِهَادِ فَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأرضين؛ عَشْرِيِّهَا وخراجيها وَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ.
فَصْلٌ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَكَّةُ: فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا فَاسْتَقَرَّ مِلْكُ أَصْحَابِهَا عَلَيْهَا؛ لِيَجُوزَ لَهُمْ مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ أَرَاضِي الصُّلْحِ مِنْ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ: فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَلَا خَرَاجٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا لِلْحَاجَةِ " كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ". أَمَّا إذَا فَتَحْنَا الْأَرْضَ فَتْحَ صُلْحٍ وَأَهْلُهَا مُشْرِكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ.
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ

لَمَّا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَجَلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَإِلَّا جَعَلَهُ مُحَارَبًا يَسْتَبِيحُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ فَتَحَهَا صُلْحًا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ اسْتَبَاحَ قَتْلَ جَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ.
. . (1) وَلَكِنْ فَتَحَهَا عَنْوَةً وَأَمَّنَ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ مِنْهُمْ فَقَدْ أَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ؛ إلَّا نَفَرًا اسْتَثْنَاهُمْ وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ بِهَذَا الْأَمَانِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ فَانْعَقَدَ لَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ فَحَارَبَ أَوْ هَرَبَ.
وَالْأَمَانُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَبُولِ الْمُؤَمَّنِ كَالْهُدْنَةِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتْرُكْ الْقِتَالَ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ بِحَالِ؛ لَكِنْ خَصَّ وَعَمَّ فِي أَلْفَاظِ الْأَمَانِ.
وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ: وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ﴾ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مَعْنَاهَا مَنْ اسْتَسْلَمَ فَلَمْ يُقَاتِلْ فَهُوَ آمِنٌ وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ الطُّلَقَاءَ كَأَنَّهُ أَسَرَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ كُلَّهُمْ.
. . (2) وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَمَّا فَتَحَهَا عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسِّمْهَا بَلْ أَقَرَّهَا فِي يَدِ أَهْلِهَا صَارَ هَذَا أَصْلًا فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهَا فِي يَدِ أَهْلِهَا.
قَالُوا هُمْ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي أَحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ: وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا؛ لِكَوْنِهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقَسَّمْ كَسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَرُبَّمَا يَقُولُونَ: صَارَ إنْزَالُ أَهْلِ مَكَّةَ لِلنَّاسِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

(1، 2) بياض بالأصل مقدار سطر قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 223) : وهنا أمران: الأول: أن وضع الجامع رحمه الله لكلمة [فقد أمنه] بين معقوفتين يدل على أنها من زيادته، والصواب حذفها، فإن الكلام مستقيم بدونها، مضطرب معها، والله أعلم.
والثاني: أنه قد وضع هنا سقط في موضعين، بمقدار سطر في كل موضع - كما أشار إليه الجامع رحمه الله -؛ وهو في معرض الاستدلال على أن مكة فتحت عنوة، والسقط وقع في وجه الدلالة من دليلين: أحدهما: استباحة قتل جماعة عام الفتح.
والثاني: تأمين من استسلم فلم يقاتل.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله هذين الدليلين في (زاد المعاد) 3 / 108 - 110، ووجه الدلالة منهما، وهذا نص - في هذين -، ومنه يفهم معنى السقط الحاصل: 1 - (وَأَيْضًا فَإِنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مَقِيسِ بْنِ صُبَابَةَ، وَابْنِ خَطَلٍ، وَجَارِيَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكَانَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِ الصّلْحِ وَأَيْضًا فَفِي " السّنَنِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ، قَالَ أَمّنُوا النّاسَ إلّا امْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ.
اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ") . 2 - (أَنّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطّ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَالَحَ أَهْلَهَا زَمَنَ الْفَتْحِ وَلَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَالَحَهُ عَلَى الْبَلَدِ، وَإِنّمَا جَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَهُ، أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوْ أَلْقَى سِلَاحَهُ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يَقُلْ مَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَإِنّ الصّلْحَ يَقْتَضِي الْأَمَانَ الْعَامّ) .

جارٍ التحميل