كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ عِنْدِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْته عَلَيْكُمْ؛ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذُوبًا} . لَكِنْ يَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِتَنَوُّعِ الْمَقَاصِدِ وَالصِّفَاتِ؛ فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.
وَلِهَذَا جَاءَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ب
ِذَمِّ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ؛
وَمَدْحِ الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي سَبِيلِهِ دُونَ مَا لَيْسَ فِي سَبِيلِهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ﴾ . وَقَالَ: ﴿مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلَمَةَ؟ فَقَالُوا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نَزِنُهُ بِالْبُخْلِ فَقَالَ: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ؟﴾ وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿إنَّ السَّيِّدَ لَا يَكُونُ بَخِيلًا بَلْ سَيِّدُكُمْ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ﴾ . وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي فَقَالَ تَقُولُ: وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ؟ فَجَعَلَ الْبُخْلَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمْرَاضِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: {قَالَ عُمَرُ: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ فَقَالَ: إنَّهُمْ خَيَّرُونِي بَيْنَ أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ وَبَيْنَ أَنْ يبخلوني وَلَسْت بِبَاخِلِ يَقُولُ: إنَّهُمْ يَسْأَلُونِي مَسْأَلَةً لَا تَصْلُحُ فَإِنْ أَعْطَيْتهمْ وَإِلَّا قَالُوا: هُوَ بَخِيلٌ فَقَدْ خَيَّرُونِي بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُكْرِهِينَ لَا يَتْرُكُونِي مِنْ أَحَدِهِمَا: الْفَاحِشَةُ وَالتَّبْخِيلُ.
وَالتَّبْخِيلُ أَشَدُّ؛ فَأَدْفَعُ
الْأَشَدَّ بِإِعْطَائِهِمْ} . وَالْبُخْلُ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعُ: كَبَائِرَ؛ وَغَيْرُ كَبَائِرَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ . وَقَالَ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ . وَقَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْإِيتَاءِ وَالْإِعْطَاءِ وَذَمِّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ: كُلُّهُ ذَمٌّ لِلْبُخْلِ وَكَذَلِكَ ذَمُّهُ لِلْجُبْنِ كَثِيرٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . وَقَوْلُهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ . وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ وَذَمِّ النَّاكِلِينَ عَنْهُ وَالتَّارِكِينَ لَهُ: كُلُّهُ ذَمٌّ لِلْجُبْنِ.
وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ بَنِي آدَمَ لَا يَتِمُّ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ إلَّا بِالشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ: بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ أَبْدَلَ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ﴾ ﴿إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ .
وَبِالشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَضَّلَ السَّابِقِينَ فَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ . وَقَدْ ذَكَرَ الْجِهَادَ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِهِ؛ وَمَدَحَهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ وَذَلِكَ هُوَ الشَّجَاعَةُ وَالسَّمَاحَةُ فِي طَاعَتِهِ سُبْحَانَهُ فَقَالَ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . وَالشَّجَاعَةُ لَيْسَتْ هِيَ قُوَّةُ الْبَدَنِ وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ قَوِيَّ الْبَدَنِ ضَعِيفَ الْقَلْبِ؛ وَإِنَّمَا هِيَ قُوَّةُ الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ.
فَإِنَّ الْقِتَالَ مَدَارُهُ عَلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ وَصَنْعَتِهِ لِلْقِتَالِ؛ وَعَلَى قُوَّةِ الْقَلْبِ وَخِبْرَتِهِ بِهِ.
وَالْمَحْمُودُ مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعِلْمِ وَمَعْرِفَةٍ؛ دُونَ التَّهَوُّرِ الَّذِي لَا يُفَكِّرُ صَاحِبُهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.
حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَصْلُحُ.
فَأَمَّا الْمَغْلُوبُ حِينَ غَضَبِهِ فَلَيْسَ بِشُجَاعِ وَلَا شَدِيدٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِمَاعَ ذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْغَضَبِ؛ وَصَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.
كَمَا قَالَ الْحَسَنُ: مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ
جُرْعَةً أَعْظَمَ مِنْ جُرْعَةِ حِلْمٍ عِنْدَ الْغَضَبِ؛ وَجُرْعَةِ صَبْرٍ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْمُؤْلِمِ.
وَهَذَا هُوَ الشُّجَاعُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَصْبِرُ عَلَى الْمُؤْلِمِ.
وَالْمُؤْلِمُ إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الْغَضَبَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الْحُزْنَ؛ وَلِهَذَا يَحْمَرُّ الْوَجْهُ عِنْدَ الْغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْقُدْرَةِ وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الْحُزْنِ لِغَوْرِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْعَجْزِ؛ وَلِهَذَا جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الرَّقُوبُ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالرَّقُوبِ؛ وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ فَقَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ﴾ فَذَكَرَ مَا يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْغَضَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُصِيبَةِ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْغَضَبِ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ . وَهَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ صَبْرِ الْمُصِيبَةِ وَصَبْرِ الْغَضَبِ نَظِيرُ الْجَمْعِ بَيْنَ صَبْرِ النِّعْمَةِ وَصَبْرِ الْمُصِيبَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا
مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . وَقَالَ: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ . وَبِهَذَا وَصَفَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ مَنْ وَصَفَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ حَيْثُ قَالَ:
لَا يَفْرَحُونَ إذَا نَالَتْ سُيُوفُهُمْ ... قَوْمًا وَلَيْسُوا مجازيعا إذَا نِيلُوا
وَكَذَلِكَ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي صِفَةِ الْأَنْصَارِ:
لَا فَخْرَ إنْ هُمْ أَصَابُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ ... وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خَوْرَ وَلَا هَلَعَ
وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ؛ وَيَغْلِبُ فَلَا يَضْجَرُ.
وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُو النَّاسَ عِنْدَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ إلَى تَعَدِّي الْحُدُودِ بِقُلُوبِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ: ﴿نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: وَقَدْ بَكَى لَمَّا رَأَى إبْرَاهِيمَ فِي النَّزْعِ أَتَبْكِي؟ أَوَلَمْ تَنْهَ عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٌ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرَ شَيْطَانٍ.
وَصَوْتٌ عِنْدَ مُصِيبَةِ لَطْمِ خُدُودٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَدُعَاءٍ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّوْتَيْنِ.
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَصَائِبِ فَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ﴾ . وَقَالَ: ﴿أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْحَالِقَةِ وَالصَّالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ﴾ . وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنْ الشَّيْطَانِ﴾ . وَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ عَلَى دَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا حُزْنِ الْقَلْبِ؛ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ وَقَالَ: مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ﴾ . وَاشْتَرَطَ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا يَنُحْنَ وَقَالَ: ﴿إنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا فَإِنَّهَا تَلْبَسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِرْعًا مَنْ جَرَبٍ وَسِرْبَالًا مِنْ قَطِرَانٍ﴾ . وَقَالَ فِي الْغَلَبَةِ وَالْمَصَائِبِ وَالْفَرَحِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ؛ وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ﴾ . وَقَالَ: ﴿إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ﴾ . وَقَالَ: ﴿لَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا﴾ . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْعَدْلِ وَتَرْكِ الْعُدْوَانِ؛ اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . وَنَهَى عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ وَتَخَتُّمِ الذَّهَبِ؛ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ؛ وَإِطَالَةِ الثِّيَابِ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ فِي النِّعَمِ وَذَمِّ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَجَعَلَ فِيهِمْ الْخَسْفَ وَالْمَسْخَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ . وَقَالَ عَنْ قَارُونَ: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ مَعَ الصَّبْرِ عَنْ الِاعْتِدَاءِ فِي الشَّهْوَةِ هِيَ جَوَامِعُ هَذَا الْبَابِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَشْتَهِيهِ: وَبَيْنَ مَا يُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ فَهُوَ يَطْلُبُ الْأَوَّلَ بِمَحَبَّتِهِ وَشَهْوَتِهِ وَيَدْفَعُ الثَّانِيَ بِبُغْضِهِ وَنُفْرَتِهِ.
وَإِذَا حَصَلَ الْأَوَّلُ أَوْ انْدَفَعَ الثَّانِي أَوْجَبَ لَهُ فَرَحًا وَسُرُورًا وَإِنْ حَصَلَ الثَّانِي أَوْ انْدَفَعَ الْأَوَّلُ حَصَلَ لَهُ حُزْنٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ عِنْدَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ عُدْوَانِهِمَا؛ وَعِنْدَ الْغَضَبِ وَالنُّفْرَةِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ عُدْوَانِهِمَا؛ وَعِنْدَ الْفَرَحِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ عُدْوَانِهِ؛ وَعِنْدَ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ الْجَزَعِ مِنْهَا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ الْفَاجِرَيْنِ: الصَّوْتُ الَّذِي يُوجِبُ الِاعْتِدَاءَ فِي الْفَرَحِ حَتَّى يَصِيرَ الْإِنْسَانُ فَرِحًا فَخُورًا؛ وَالصَّوْتُ الَّذِي يُوجِبُ الْجَزَعَ.
وَأَمَّا الصَّوْتُ الَّذِي يُثِيرُ الْغَضَبَ لِلَّهِ: كَالْأَصْوَاتِ الَّتِي تُقَالُ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْأَشْعَارِ الْمُنْشَدَةِ: فَتِلْكَ لَمْ تَكُنْ بِآلَاتِ وَكَذَلِكَ أَصْوَاتُ الشَّهْوَةِ فِي الْفَرَحِ؛ فَرَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ
فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وَعَامَّةِ الْأَشْعَارِ الَّتِي تُنْشَدُ بِالْأَصْوَاتِ لِتَحْرِيكِ النُّفُوسِ هِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبِعَةِ وَهِيَ التَّشْبِيبُ؛ وَأَشْعَارُ الْغَضَبِ وَالْحَمِيَّةِ؛ وَهِيَ الْحَمَاسَةُ وَالْهِجَاءُ.
وَأَشْعَارُ الْمَصَائِبِ كَالْمَرَاثِي وَأَشْعَارِ النِّعَمِ وَالْفَرَحِ وَهِيَ الْمَدَائِحُ.
وَالشُّعَرَاءُ جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَمْشُوا مَعَ الطَّبْعِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ وَلِهَذَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَتْبَعُهُمْ الْغَاوُونَ وَالْغَاوِي: هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ هَوَاهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ وَهَذَا هُوَ الْغَيُّ؛ وَهُوَ خِلَافُ الرُّشْدِ.
كَمَا أَنَّ الضَّالَّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَصْلَحَتَهُ هُوَ خِلَافُ الْمُهْتَدِي قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي﴾ . فَلِهَذَا تَجِدُهُمْ يَمْدَحُونَ جِنْسَ الشُّجَاعَةِ وَجِنْسَ السَّمَاحَةِ؛ إذْ كَانَ عَدَمُ هَذَيْنِ مَذْمُومًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا وُجُودُهُمَا فَبِهِ تَحْصُلُ مَقَاصِدُ النُّفُوسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لَكِنَّ الْعَاقِبَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمُتَّقِينَ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَّقِينَ فَلَهُمْ عَاجِلَةٌ لَا عَاقِبَةٌ وَالْعَاقِبَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْآخِرَةِ فَتَكُونُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ نُوحٍ وَنَجَاتَهُ بِالسَّفِينَةِ: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وَقَالَ:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . وَالْفُرْقَانُ: أَنْ يَحْمَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَمِدَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَمْدُهُ زَيْنٌ وَذَمُّهُ شَيْنٌ؛ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الشُّعَرَاءِ وَالْخُطَبَاءِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ الْقَائِلُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَذَمِّي شَيْنٌ قَالَ لَهُ: " ذَاكَ اللَّهُ ". وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ حَمِدَ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ فِي سَبِيلِهِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ﴿أَبِي مُوسَى قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً؛ وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؛ وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الَّذِي خُلِقَ الْخَلْقُ لَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَكُلُّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا الْخَلْقُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى لِصَاحِبِهِ وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَاتُ.
وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: مَنْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِشَجَاعَةِ وَسَمَاحَةٍ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْجَنَّةِ.
وَمَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ بِشَجَاعَةِ وَسَمَاحَةٍ؛
فَهَذَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.
وَمَنْ يَعْمَلْ لِلَّهِ لَكِنْ لَا بِشَجَاعَةِ وَلَا سَمَاحَةٍ؛ فَهَذَا فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ وَنَقْصِ الْإِيمَانِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَمَنْ لَا يَعْمَلْ لِلَّهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَلَا سَمَاحَةٌ؛ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ.
فَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ وَالْأَفْعَالُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُؤْمِنُ عُمُومًا وَخُصُوصًا فِي أَوْقَاتِ الْمِحَنِ وَالْفِتَنِ الشَّدِيدَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى صَلَاحِ نُفُوسِهِمْ وَدَفْعِ الذُّنُوبِ عَنْ نُفُوسِهِمْ عِنْدَ الْمُقْتَضِي لِلْفِتْنَةِ عِنْدَهُمْ وَيَحْتَاجُونَ أَيْضًا إلَى أَمْرِ غَيْرِهِمْ وَنَهْيِهِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ مِنْ الصُّعُوبَةِ مَا فِيهِ؛ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَأَمَرَهُمْ بِدَعْوَةِ النَّاسِ وَجِهَادِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ . وَكَمَا قَالَ: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . وَكَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .
وَلَمَّا كَانَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالْمِحَنِ مَا يُعَرِّضُ بِهِ الْمَرْءَ لِلْفِتْنَةِ: صَارَ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَعَلَّلُ
لِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَطْلُبُ السَّلَامَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ﴿الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ الرُّومِ - وَأَظُنُّهُ قَالَ: هَلْ لَك فِي نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ لَا أَصْبِرُ عَنْ النِّسَاءِ؛ وَإِنِّي أَخَافُ الْفِتْنَةَ بِنِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ.
فائذن لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ . وَهَذَا الْجَدُّ هُوَ الَّذِي تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ وَاسْتَتَرَ بِجَمَلِ أَحْمَرَ؛ وَجَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ: ﴿أَنَّ كُلَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ } . يَقُولُ: إنَّهُ طَلَبَ الْقُعُودَ لِيَسْلَمَ مِنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ فَلَا يَفْتَتِنُ بِهِنَّ فَيَحْتَاجُ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ الْمَحْظُورِ وَمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ عَنْهُ فَيَتَعَذَّبُ بِذَلِكَ أَوْ يُوَاقِعُهُ فَيَأْثَمُ؛ فَإِنَّ مَنْ رَأَى الصُّوَرَ الْجَمِيلَةَ وَأَحَبَّهَا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا إمَّا لِتَحْرِيمِ الشَّارِعِ وَإِمَّا لِلْعَجْزِ عَنْهَا يُعَذِّبُ قَلْبَهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَفَعَلَ الْمَحْظُورَ هَلَكَ.
وَفِي الْحَلَالِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مُعَالَجَةِ النِّسَاءِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ.
فَهَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَقُولُ نَفْسُ إعْرَاضِهِ عَنْ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ وَنُكُولِهِ عَنْهُ وَضَعْفِ إيمَانِهِ وَمَرَضِ قَلْبِهِ الَّذِي زَيَّنَ لَهُ تَرْكَ الْجِهَادِ: فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ سَقَطَ فِيهَا
فَكَيْفَ يَطْلُبُ التَّخَلُّصَ مِنْ فِتْنَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ تُصِبْهُ بِوُقُوعِهِ فِي فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ أَصَابَتْهُ؟ وَاَللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . فَمَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لِئَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: فَهُوَ فِي الْفِتْنَةِ سَاقِطٌ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ رَيْبِ قَلْبِهِ وَمَرَضِ فُؤَادِهِ وَتَرْكِهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ.
فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا مَقَامٌ خَطَرٌ؛ فَإِنَّ النَّاسَ هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ وَيُقَاتِلُونَ؛ طَلَبًا لِإِزَالَةِ الْفِتْنَةِ الَّتِي زَعَمُوا وَيَكُونُ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ أَعْظَمَ فِتْنَةً؛ كَالْمُقْتَتِلِينَ فِي الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ.
وَأَقْوَامٌ يَنْكُلُونَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقِتَالِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ لِئَلَّا يَفْتِنُوا وَهُمْ قَدْ سَقَطُوا فِي الْفِتْنَةِ وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي " سُورَةِ بَرَاءَةَ " دَخَلَ فِيهَا الِافْتِتَانُ بِالصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ؛ فَإِنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ.
وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَدَيِّنِينَ؛ يَتْرُكُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَجِهَادٍ يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ لِئَلَّا يَفْتِنُوا بِجِنْسِ الشَّهَوَاتِ؛ وَهُمْ قَدْ وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِمَّا زَعَمُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْهُ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمَحْظُورِ.
وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ وَإِنَّمَا تَرَكُوا ذَلِكَ لِكَوْنِ نُفُوسِهِمْ لَا تُطَاوِعُهُمْ إلَّا عَلَى فِعْلِهِمَا جَمِيعًا أَوْ تَرْكِهِمَا جَمِيعًا: مِثْلَ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُحِبُّ الرِّئَاسَةَ أَوْ
الْمَالَ وَشَهَوَاتِ الْغَيِّ؛ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَجِهَادٍ وَإِمَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ.
فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَغْلَبَ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْمَحْظُورِ لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ لِمَا يُخَافُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْمَفْسَدَةِ؛ وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْمَحْظُورِ أَعْظَمَ أَجْرًا لَمْ يَفُوتُ ذَلِكَ بِرَجَاءِ ثَوَابٍ بِفِعْلِ وَاجِبٍ يَكُونُ دُونَ ذَلِكَ؛ فَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا يَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ فَهَذَا هَذَا.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَطُولُ.
وَكُلُّ بَشَرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى حَتَّى لَوْ أَنَّهُ وَحْدَهُ لَكَانَ يَأْمُرُ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا؛ إمَّا بِمَعْرُوفِ وَإِمَّا بِمُنْكَرٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ فَإِنَّ الْأَمْرَ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ؛ وَالنَّهْيُ طَلَبُ التَّرْكِ وَإِرَادَتِهِ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ حَيٍّ مِنْ إرَادَةٍ وَطَلَبٍ فِي نَفْسِهِ يَقْتَضِي بِهِمَا فِعْلُ نَفْسِهِ وَيَقْتَضِي بِهِمَا فِعْلُ غَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ بِإِرَادَتِهِ.
وَبَنُو آدَمَ لَا يَعِيشُونَ إلَّا بِاجْتِمَاعِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَإِذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا ائْتِمَارٌ بِأَمْرِ وَتَنَاهٍ عَنْ أَمْرٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَقَلُّ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ اثْنَيْنِ؛ كَمَا قِيلَ: الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ اشْتِرَاكًا فِي مُجَرَّدِ الصَّلَاةِ حَصَلَ بِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا إمَامٌ
وَالْآخَرُ مَأْمُومٌ كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَالِكِ بْنِ الحويرث وَصَاحِبِهِ: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا؛ وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا﴾ وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَادِيَّةُ فَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ فِي سَفَرٍ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ.﴾ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِ بَنِي آدَمَ: فَمَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَيُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَيُنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ؛ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى.
وَيُؤْمَرَ وَيُنْهَى: إمَّا بِمَا يُضَادُّ ذَلِكَ؛ وَإِمَّا بِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَقُّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ وَإِذَا اُتُّخِذَ ذَلِكَ دِينًا كَانَ دِينًا مُبْتَدَعًا.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ كُلَّ بَشَرٍ فَإِنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِإِرَادَتِهِ هَمَّامٌ حَارِثٌ فَمَنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ صَالِحَةً وَعَمَلُهُ عَمَلًا صَالِحًا لِوَجْهِ اللَّهِ وَإِلَّا كَانَ عَمَلًا فَاسِدًا أَوْ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ الْبَاطِلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ . وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ مِنْ جِنْسِ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . وَقَالَ: ﴿وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
وَأُولُو الْأَمْرِ أَصْحَابُ الْأَمْرِ وَذَوُوه؛ وَهُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ؛ وَذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ أَهْلُ الْيَدِ وَالْقُدْرَةِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ؛ فَلِهَذَا كَانَ أُولُوا الْأَمْرِ صِنْفَيْنِ: الْعُلَمَاءُ؛ وَالْأُمَرَاءُ.
فَإِذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ وَإِذَا فَسَدُوا فَسَدَ النَّاسُ؛ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ للأحمسية لَمَّا سَأَلَتْهُ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: مَا اسْتَقَامَتْ لَكُمْ أَئِمَّتُكُمْ.
وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْمُلُوكُ وَالْمَشَايِخُ وَأَهْلُ الدِّيوَانِ؛ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَتْبُوعًا فَإِنَّهُ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ أَنْ يُطِيعَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؛ وَلَا يُطِيعُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَوَلَّى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَخَطَبَهُمْ؛ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ الْقَوِيُّ فِيكُمْ الضَّعِيفُ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ؛
وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ الْقَوِيُّ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ لَهُ الْحَقَّ؛ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّهَ فَإِذَا عَصَيْت اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا كَانَتْ جَمِيعُ الْحَسَنَاتِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَيْئَيْنِ: أَنْ يُرَادَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ؛ وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلشَّرِيعَةِ.
فَهَذَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؛ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فِي الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ أَوَّلَ ثَلَاثَةٍ تُسْجَرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ: رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَقْرَأهُ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ.
وَرَجُلٌ قَاتَلَ وَجَاهَدَ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ شُجَاعٌ وَجَرِيءٌ.
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ وَأَعْطَى لِيَقُولَ النَّاسُ: جَوَادٌ سَخِيٌّ﴾ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ هُمْ بِإِزَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَعَلَّمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ كَانَ صِدِّيقًا؛ وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَقُتِلَ كَانَ شَهِيدًا وَمَنْ تَصَدَّقَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ كَانَ صَالِحًا؛ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْمُفْرِطُ فِي مَالِهِ الرَّجْعَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أُعْطِيَ مَالًا فَلَمْ يَحُجَّ مِنْهُ وَلَمْ يُزَكِّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} . فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْعِلْمِيَّةُ الْكَلَامِيَّةُ يَحْتَاجُ الْمُخْبِرُ بِهَا أَنْ يَكُونَ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ: حَقًّا صَوَابًا.
وَمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ.
فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ؛ الْمُتَّبِعُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ كَمَا أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَعَبَّدُ الْعِبَادُ بِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ: كَانَتْ حَقًّا صَوَابًا مُوَافِقًا لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ.
وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مِنْ الْقِسْمَيْنِ كَانَ مِنْ الْبَاطِلِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَالْجَهْلِ وَإِنْ كَانَ يُسَمِّيهِ مَنْ يُسَمِّيهِ عُلُومًا وَمَعْقُولَاتٍ؛ وَعِبَادَاتٍ وَمُجَاهَدَاتٍ؛ وَأَذْوَاقًا وَمَقَامَاتٍ.
وَيَحْتَاجُ أَيْضًا أَنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ لِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَيَنْهَى عَنْهُ لِنَهْيِ اللَّهِ؛ وَيُخْبِرَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَإِيمَانٌ وَهُدًى كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
كَمَا تَحْتَاجُ الْعِبَادَةُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ.
فَإِذَا قِيلَ ذَلِكَ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْحَمِيَّةِ؛ أَوْ لِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَالْفَضِيلَةِ؛ أَوْ لِطَلَبِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ: كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَاتِلِ شَجَاعَةً وَحَمِيَّةً وَرِيَاءً.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَك مَا وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَقَالِ؛ وَأَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالْحَالِ.
فَكَثِيرًا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَقْوَالِ مَا هُوَ خِلَافُ
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوِفَاقِهَا.
وَكَثِيرًا مَا يَتَعَبَّدُ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَاتِ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهَا؛ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا أَوْ مَا يَتَضَمَّنُ مَشْرُوعًا مَحْظُورًا.
وَكَثِيرًا مَا يُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ قِتَالًا مُخَالِفًا لِلْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ أَوْ مُتَضَمِّنًا لِمَأْمُورِ مَحْظُورٍ.
ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ: الْمَأْمُورُ؛ وَالْمَحْظُورُ؛ وَالْمُشْتَمِلُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ: قَدْ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ؛ وَقَدْ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَقَدْ يَجْتَمِعُ لَهُ هَذَا وَهَذَا.
فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ وَفِي الْأَمْوَالِ الْمُنْفَقَةِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ: الْفَيْءُ وَغَيْرُهُ وَالْأَمْوَالُ الْمَوْقُوفَةُ؛ وَالْأَمْوَالُ الْمُوصَى بِهَا وَالْمَنْذُورَةُ؛ وَأَنْوَاعُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ وَالصِّلَاتِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ لُبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَخَلْطِ عَمَلٍ صَالِحٍ وَآخَرَ سَيْءٍ.
وَالسَّيِّئُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا مَغْفُورًا لَهُ.
كَالْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ الَّذِي لَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرًا مُكَفَّرًا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَقَدْ يَكُونُ مَغْفُورًا بِتَوْبَةِ أَوْ بِحَسَنَاتِ تَمْحُو السَّيِّئَاتِ؛ أَوْ مُكَفَّرًا بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إرَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ
أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . وَالْإِسْلَامُ يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ؛ فَلَا يَكُونُ مُتَكَبِّرًا.
وَالثَّانِي الْإِخْلَاصُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ فَلَا يَكُونُ مُشْرِكًا وَهُوَ: أَنْ يَسْلَمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . وَالْإِسْلَامُ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا مُعَدَّى بِحَرْفِ اللَّامِ؛ مِثْلَ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ؛ وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ وَمَثَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَمِثْلَ قَوْلِهِ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} وَمَثَلَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ . وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا مَقْرُونًا بِالْإِحْسَانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فَقَدْ أَنْكَرَ أَنَّ يَكُونَ دِينٌ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الدِّينِ؛ وَهُوَ إسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ مَعَ الْإِحْسَانِ وَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أَثْبَتَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ وَالْقَضِيَّةُ الْعَامَّةُ رَدًّا لِمَا زَعَمَ مَنْ زَعَمَهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مُتَهَوِّدٌ أَوْ مُتَنَصِّرٌ.
وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ - وَهُمَا إسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ؛ وَالْإِحْسَانُ - هُمَا الْأَصْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ وَهَمَا: كَوْنُ الْعَمَلِ خَالِصًا لِلَّهِ صَوَابًا: مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ إسْلَامَ الْوَجْهِ لِلَّهِ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ لِلَّهِ؛ كَمَا
قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيهِ ... رَبَّ الْعِبَادِ إلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ هُنَا أَرْبَعَةَ أَلْفَاظٍ: إسْلَامُ الْوَجْهِ؛ وَإِقَامَةُ الْوَجْهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وَتَوْجِيهُ الْوَجْهِ كَقَوْلِ الْخَلِيلِ: ﴿إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . وَكَذَلِكَ كَانَ ﴿النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فِي صَلَاتِهِ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ ﴿النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَقُولُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفَسِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك﴾ . فَالْوَجْهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَجِّهَ وَالْمُتَوَجَّهَ إلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُ الْمُتَوَجَّهَ نَفْسَهُ كَمَا يُقَالُ: أَيُّ وَجْهٍ تُرِيدُ؟ أَيْ: أَيُّ وُجْهَةٍ وَنَاحِيَةٍ تَقْصِدُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
فَحَيْثُ تَوَجَّهَ الْإِنْسَانُ تَوَجَّهَ وَجْهُهُ؛ وَوَجْهُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوَجُّهِهِ؛ وَهَذَا فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ جَمِيعًا.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ.
وَالْبَاطِنُ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْكَمَالُ وَالشِّعَارُ فَإِذَا تَوَجَّهَ قَلْبُهُ إلَى شَيْءٍ تَبِعَهُ وَجْهُهُ الظَّاهِرُ فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ قَصْدُهُ وَمُرَادُهُ وَتَوَجُّهُهُ إلَى اللَّهِ فَهَذَا صَلَاحُ إرَادَتِهِ وَقَصْدُهُ
فَإِذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ مُحْسِنًا فَقَدْ اجْتَمَعَ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ صَالِحًا وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا.
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْإِحْسَانُ: وَهُوَ فِعْلُ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاَلَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِسُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَنْ أَخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ وَكَانَ مُحْسِنًا فِي عَمَلِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ سَالِمٌ مِنْ الْعِقَابِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ يَجْمَعُونَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ؛ كَقَوْلِ الْفُضَيْل ابْنِ عِيَاضٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ فَقِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ فَقَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا.
وَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ شَاهِينَ واللالكائي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ إلَّا بِنِيَّةِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ.
وَرَوَيَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلَهُ وَلَفْظُهُ: " لَا يَصْلُحُ " مَكَانَ يُقْبَلُ.
وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مُجَرَّدَ الْقَوْلِ كَافِيًا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ إذْ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٍ؛ لَا بُدَّ مِنْ هَذَيْنِ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبَيَّنَّا أَنَّ مُجَرَّدَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ
مَعَ الْبُغْضِ وَالِاسْتِكْبَارِ لَا يَكُونُ إيمَانًا - بِاتِّفَاقِ الْمُؤْمِنِينَ - حَتَّى يَقْتَرِنَ بِالتَّصْدِيقِ عَمَلٌ.
وَأَصْلُ الْعَمَلِ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْحُبُّ وَالتَّعْظِيمُ الْمُنَافِي لِلْبُغْضِ وَالِاسْتِكْبَارِ ثُمَّ قَالُوا: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ إلَّا بِنِيَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ وَالْعَمَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالُوا: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ؛ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ وَهِيَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ وَالنِّيَّةَ الَّذِي لَا يَكُونُ مَسْنُونًا مَشْرُوعًا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: يَكُونُ بِدْعَةً لَيْسَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَلَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ؛ وَلَا يَصْلُحُ: مِثْلَ أَعْمَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَلَفْظُ " السُّنَّةِ " فِي كَلَامِ السَّلَفِ يَتَنَاوَلُ السُّنَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الِاعْتِقَادَاتِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ يَقْصِدُونَ الْكَلَامَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبي بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَأَصْلُ ذَلِكَ الْعِلْمُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ الْعَدْلُ وَالظُّلْمُ إلَّا بِالْعِلْمِ.
فَصَارَ الدِّينُ كُلُّهُ الْعِلْمَ وَالْعَدْلَ؛ وَضِدُّ ذَلِكَ الظُّلْمُ وَالْجَهْلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ وَلَمَّا كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - وَذَلِكَ يَقَعُ مِنْ الرُّعَاةِ تَارَةً وَمِنْ الرَّعِيَّةِ تَارَةً وَمِنْ غَيْرِهِمْ تَارَةً - كَانَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ الصَّبْرُ عَلَى ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ وَجَوْرِهِمْ كَمَا هُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَكَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ لَمَّا قَالَ: ﴿إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلَقَّوْنِي عَلَى الْحَوْضِ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ﴾ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَقَالَ: ﴿أَدُّوا إلَيْهِمْ الَّذِي لَهُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ﴾ وَانْهَوْا عَنْ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعَهُمْ أَصْلُ الدِّينِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَعِبَادَتُهُ وَمَعَهُمْ حَسَنَاتٌ وَتَرْكُ سَيِّئَاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ ظُلْمِهِمْ وَجَوْرِهِمْ بِتَأْوِيلِ سَائِغٍ أَوْ غَيْرِ سَائِغٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ كَمَا هُوَ عَادَةُ أَكْثَرِ النُّفُوسِ تُزِيلُ الشَّرَّ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَتُزِيلُ الْعُدْوَانَ بِمَا هُوَ أَعْدَى مِنْهُ؛
فَالْخُرُوج عَلَيْهِمْ يُوجِبُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِهِمْ فَيُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُصْبَرُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى ظُلْمِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ . وَهَذَا عَامٌّ فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَفِي الرَّعِيَّةِ إذَا أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى مَا أُصِيبُوا بِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَصْبِرُ الْمُجَاهِدُونَ عَلَى مَا يُصَابُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
فَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى فِي الْعِرْضِ أَوْلَى وَأَوْلَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْإِمَارَةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ.
فَكَمَا وَجَبَ عَلَى الْأَئِمَّةِ الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الرَّعِيَّةِ وَظُلْمِهَا إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِذَلِكَ إذْ كَانَ تَرْكُهُ يُفْضِي إلَى فَسَادٍ أَكْثَرَ مِنْهُ: فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَظُلْمِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّبْرِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ.
فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ لِلْآخَرِ حُقُوقٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا ذَكَرَ بَعْضَهُ فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ " وَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ لِلْآخَرِ وَيَحْلُمَ
عَنْهُ فِي أُمُورٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ ﴿أَفْضَلُ الْإِيمَانِ السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ﴾ وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
فَبِالْحِلْمِ يَعْفُو عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَبِالسَّمَاحَةِ يُوَصِّلُ إلَيْهِمْ الْمَنَافِعَ فَيَجْمَعُ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ.
فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَالْعَدْلُ عَلَيْهِمْ فَوُجُوبُ ذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
فِي مَرَاتِبِ الذُّنُوبِ أَمَّا مَرَاتِبُهَا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا؛ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا مَرَاتِبُهَا فِي الدُّنْيَا: فِي الذَّمِّ وَالْعِقَابِ.
وَقَدْ ذَكَرْت فِيمَا قَبْلُ هَذَا أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي فِيهَا ظُلْمُ الْغَيْرِ وَالْإِضْرَارُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَعْظَمُ عُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا مِمَّا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرَ الْغَيْرِ؛ وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةُ هَذَا فِي الْآخِرَةِ أَكْبَرَ كَمَا يُعَاقَبُ ذَوُو الْجَرَائِمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْكَافِرِينَ؛ وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ أَشَدَّ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ.
وَيُعَاقَبُ الثَّانِي عَلَى عَدَالَتِهِ مِثْلَ شَارِبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا.
وَالْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ الْفَاسِقُ الْمُسْتَسِرُّ بِالذَّنْبِ.
وَيُعَاقَبُ
الدَّاعِي إلَى بِدْعَةٍ وَالْمُظْهِرُ لِلْمُنْكَرِ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ الْمُنَافِقُ الْمُسْتَسِرُّ بِنِفَاقِهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ لِلْغَيْرِ.
فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ فِي الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَفِي الْفَاسِقِ وَالْعَدْلِ وَفِي الْمُنَافِقِ وَالْمُؤْمِنِ الْمُظْهِرِ لِبِدْعَةِ أَوْ ذَنَبٍ.
وَبَيَّنْت سَبَبَ ذَلِكَ؛ أَنَّ عُقُوبَةَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ دَفْعِ ظُلْمِ الظَّالِمِينَ عَنْ الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ إلَّا نَفْسَهُ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ إلَى رَبِّهِ.
" وَجِمَاعُ الْأَمْرِ " أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا ظُلْمٌ: فَإِمَّا ظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ فَقَطْ أَوْ ظُلْمُهُ مَعَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ ظُلْمِ الْغَيْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْرَعَ مِنْ عُقُوبَتِهِ مَا يَدْفَعُ بِهِ ظُلْمَ الظَّالِمِ عَنْ الدِّينِ وَالدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ فَجَعَلَ السَّبَبَ الْمُبِيحَ لِعُقُوبَةِ الْغَيْرِ الَّتِي هِيَ قِتَالُهُ: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ . وَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الظَّالِمَ يُعْتَدَى عَلَيْهِ: أَيْ بِتَجَاوُزِ.
الْحَدِّ الْمُطْلَقِ فِي حَقِّهِ؛ وَهُوَ الْعُقُوبَةُ وَهَذَا عُدْوَانٌ جَائِزٌ كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ . وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُدْوَانِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ . لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعُدْوَانَ الْمُطْلَقَ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمُطْلَقِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ إلَّا إذَا اعْتَدَى فَيَتَجَاوَزُ الْحَدَّ فِي حَقِّهِ بِقَدْرِ تَجَاوُزِهِ.
وَالسَّيِّئَةُ اسْمٌ لِمَا يَسُوءُ الْإِنْسَانَ؛ فَإِنَّ الْمَصَائِبَ وَالْعُقُوبَاتِ تُسَمَّى سَيِّئَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالظُّلْمُ نَوْعَانِ: تَفْرِيطٌ فِي الْحَقِّ وَتَعَدٍّ لِلْحَدِّ.
فَالْأَوَّلُ تَرْكُ مَا يَجِبُ لِلْغَيْرِ مِثْلَ تَرْكِ قَضَاءِ الدُّيُونِ وَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ.
وَالثَّانِي الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَكِلَاهُمَا ظُلْمٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ﴿مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتَّبِعْ﴾ فَجَعَلَ مُجَرَّدَ الْمَطْلِ الَّذِي هُوَ تَأْخِيرُ الْأَدَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ ظُلْمًا فَكَيْفَ بِالتَّرْكِ رَأْسًا.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلَيِّهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِدُونِ أَنْ يُقْسِطَ لَهَا فِي مَهْرِهَا.
فَسَمَّى اللَّهُ تَكْمِيلَ الْمَهْرِ قِسْطًا؛ وَضِدُّهُ الظُّلْمُ.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ ظَاهِرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَكُونُ أَدَاءَ وَاجِبٍ وَقَدْ يَكُونُ تَرْكَ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ وَأَنَّ الظُّلْمَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ تَرْكَ وَاجِبٍ وَقَدْ يَكُونُ فِعْلَ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْعَدْلَ وَالظُّلْمَ يَكُونُ
فِي حَقِّ نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَيَكُونُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ - كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ كَتَبْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ " الْقَوَاعِدِ " وَفِي آخِرِ " مُسَوَّدَةِ الْفِقْهِ " كَلَامًا كُلِّيًّا فِي أَنَّ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ تَدْخُلُ فِي الْعَدْلِ وَجَمِيعُ السَّيِّئَاتِ تَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ - فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهَذَا مَسَائِلُ نَافِعَةٌ.
مِنْهَا: أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَمَنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُقُوقٌ لِلنَّاسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْهُ فِي مَرْتَبَتِهِ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَلَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ؛ إذْ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَاتٌ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ مَرْتَبَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ أَوْ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِمْ أَخَفُّ: مِثَالُ ذَلِكَ الْجِهَادُ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ؛ وَقَدْ يَجِبُ أَحْيَانًا عَلَى أَعْيَانِهِمْ؛ لَكِنْ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ مَالُ الْفَيْءِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ أَوْكَدُ؛ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ عَيْنًا؛ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ وَوَاجِبٌ بِالْعَقْدِ الَّذِي دَخَلُوا فِيهِ لَمَّا عَقَدُوا مَعَ وُلَاةِ الْأَمْرِ عَقْدَ الطَّاعَةِ فِي الْجِهَادِ وَوَاجِبٌ بِالْعِوَضِ.
فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَا بِشَرْعِ وَلَا بِبَيْعَةِ إمَامٍ: لَوَجَبَ بِالْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْأَجِيرِ الَّذِي قَبَضَ الْأُجْرَةَ وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ عَلَى مَنْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَهَذَا وُجُوبٌ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ وَبِقَبْضِ الْعِوَضِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ وُجُوبٌ
بِالشَّرْعِ وَبِمُجَرَّدِ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ مَا فِي تَرْكِهِ مِنْ تَغْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ لَهُمْ بِتَرْكِهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ.
فَإِنَّ " الْمُرْتَزِقَةَ " ضَمِنُوا لِلْمُسْلِمِينَ بِالِارْتِزَاقِ الدَّفْعَ عَنْهُمْ فَاطْمَأَنَّ النَّاسُ إلَى ذَلِكَ وَاكْتَفَوْا بِهِمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ الدَّفْعِ بِأَنْفُسِهِمْ، أَعْظَمُ مِمَّا يَطْمَئِنُّ الْمُوَكَّلُ وَالْمُضَارِبُ إلَى وَكِيلِهِ وَعَامِلِهِ فَإِذَا فَرَّطَ بَعْضُهُمْ وَضَيَّعَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُمْ أَدْخَلُوا الضَّرَرَ الْعَظِيمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْقِتَالِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَحِقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الضَّرَرِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ: فِي الْأَنْفُسِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ أَحَدٌ.
فَظُلْمُ الْمُقَاتِلَةِ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ ظُلْمٍ يَكُونُ؛ بِخِلَافِ مَا يَلْحَقُ أَحَدُهُمْ مِنْ الضَّرَرِ فَإِنَّ ذَاكَ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ - كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَفِعْلِ الْفَاحِشَةِ - فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ فَعُقُوبَتُهُ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ وَذَمِّهِ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمُ بِكَثِيرِ مِنْ ذَمِّهِ وَعُقُوبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ الْعُقُوبَتَيْنِ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي كَمَا أَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِهَادِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ قَدْ
تَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ مَنْفَعَةِ رَدْعِهِ عَنْ الْخَمْرِ وَالْفَاحِشَةِ إذَا اسْتَسَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ يَظْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ؛ فَيَدْفَعُ هُنَا أَعْظَمَ الفسادين بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا.
وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَامِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ وَيُذَمُّ أَحَدُ هَؤُلَاءِ أَوْ يُزْجَرُ بِمَا فِيهِ مِنْ عَجْزٍ عَنْ الْجِهَادِ أَوْ تَفْرِيطٍ فِيهِ مَا لَا يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مَرْصَدًا لِلْجِهَادِ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَى الْأُمَّةِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ: صُورَةً وَمَعْنًى؛ مَعَ أَنَّ حِفْظَ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ عُمُومًا عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ وَمِنْهُ مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ وَهُوَ عِلْمُ الْعَيْنِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ؛ لَكِنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَيْنًا وَكِفَايَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ رَأَسُوا فِيهِ أَوْ رُزِقُوا عَلَيْهِ أَعْظَمَ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ عُمُومًا.
وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَعَجْزِ غَيْرِهِمْ؛ وَيَدْخُلُ فِي الْقُدْرَةِ اسْتِعْدَادُ الْعَقْلِ وَسَابِقَةُ الطَّلَبِ وَمَعْرِفَةُ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالتَّفَرُّغُ لَهُ عَمَّا يَشْغَلُ بِهِ غَيْرَهُمْ.
وَلِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ يَلْزَمُ كَالشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ يَعْنِي أَنَّ مَا حَفِظَهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَعِلْمِ الْجِهَادِ لَيْسَ لَهُ
إضَاعَتُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ: ﴿عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي - حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا - فَرَأَيْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا الرَّجُلُ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهَا حَتَّى يَنْسَاهَا﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ.
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا صافوا عَدُوًّا أَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا لَيْسَ لَهُمْ الِانْصِرَافُ عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحُوهُ.
وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ﴾ . فَالْمُرْصِدُونَ لِلْعِلْمِ عَلَيْهِمْ لِلْأُمَّةِ حِفْظُ عِلْمِ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ؛ فَإِذَا لَمْ يُبَلِّغُوهُمْ عِلْمَ الدِّينِ أَوْ ضَيَّعُوا حِفْظَهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فَإِنَّ ضَرَرَ كِتْمَانِهِمْ تَعَدَّى إلَى الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا فَلَعَنَهُمْ اللَّاعِنُونَ حَتَّى الْبَهَائِمُ.
كَمَا أَنَّ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ يُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.
وَكَذَلِكَ كَذِبُهُمْ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ.
وَكَذَلِكَ إظْهَارُهُمْ لِلْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ الَّتِي تَمْنَعُ الثِّقَةَ بِأَقْوَالِهِمْ.
وَتَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ وَتَقْتَضِي مُتَابَعَةَ النَّاسِ لَهُمْ فِيهَا؛ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ أَظْهَرَ الْكَذِبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْبِدَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ إظْهَارَ غَيْرِ الْعَالِمِ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ ضَرَرٍ - فَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ الْعَالِمِ فِي الضَّرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ ظُهُورَ الْحَقِّ وَيُوجِبُ ظُهُورَ الْبَاطِلِ؛ فَإِنَّ إظْهَارَ هَؤُلَاءِ لِلْفُجُورِ وَالْبِدَعِ بِمَنْزِلَةِ إعْرَاضِ الْمُقَاتِلَةِ عَنْ الْجِهَادِ وَدَفْعِ الْعَدُوِّ؛ لَيْسَ هُوَ مِثْلُ إعْرَاضِ آحَادِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ وَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْقِتَالِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كَتَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلتَّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كِلَاهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ تَرْكِ مَا تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ تَرْكَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ.
وَمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِهِمْ وَتَدْعُو النُّفُوسَ إلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَتَمَنُّعُهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ إظْهَارِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: أَشَدُّ ضَرَرًا لِلْأُمَّةِ وَضَرَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ إظْهَارِ غَيْرِهِمْ لِذَلِكَ.
وَلِهَذَا جَبَلَ اللَّهُ قُلُوبَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهَا تَسْتَعْظِمُ جُبْنَ الْجُنْدِيِّ
وَفَشَلَهُ وَتَرْكَهُ لِلْجِهَادِ وَمُعَاوَنَتَهُ لِلْعَدُوِّ: أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعْظِمُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَتَسْتَعْظِمُ إظْهَارَ الْعَالِمِ الْفُسُوقَ وَالْبِدَعَ: أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعْظِمُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ؛ بِخِلَافِ فُسُوقِ الْجُنْدِيِّ وَظُلْمِهِ وَفَاحِشَتِهِ؛ وَبِخِلَافِ قُعُودِ الْعَالِمِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْبَدَنِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ كُلٌّ بِحَسَبِهِ مِنْ الْوَالِي وَالْقَاضِي؛ فَإِنَّ تَفْرِيطَ أَحَدِهِمْ فِيمَا عَلَيْهِ رِعَايَتُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ أَوْ فِعْلٍ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ: يُسْتَعْظَمُ أَعْظَمَ مِمَّا يُسْتَعْظَمُ ذَنْبٌ يَخُصُّ أَحَدَهُمْ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ: فِي الْوِلَايَةِ وَالْعَدَاوَةِ
فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَبَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ؛ وَالْكُفَّارُ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَأَعْدَاءُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ أَوْجَبَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ وَنَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيَّنَ حَالَ الْمُنَافِقِينَ فِي مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ.
فَأَمَّا " مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ " فَكَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ {الَّذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} . وَقَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ وَقَالَ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلَى تَمَامِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . فَذَمَّ مَنْ يَتَوَلَّى الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الْإِيمَانَ ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلًا﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ . وَقَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ كَمَا قَالَ عَنْ الْكُفَّارِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا
آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} وَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ نَزَلَتْ فِيمَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ وَلَا مِنْ الْيَهُودِ ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ إلَى تَمَامِ الْقِصَّةِ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ﴾ . وَتَبَيَّنَ أَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ كَانَتْ سَبَبَ ارْتِدَادِهِمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي " سُورَةِ الْمَائِدَةِ " أَئِمَّةَ الْمُرْتَدِّينَ عَقِبَ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} . فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارَ الْمُهَادِنِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يسمعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك وَهُوَ اسْتِمَاعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ لِلْكُفَّارِ الْمُعْلِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهَادِنُوا كَمَا أَنَّ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ قَدْ يَكُونُ سَمَّاعًا لِلْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ . وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْمَعْنَى: سَمَّاعُونَ لِأَجْلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاسُوسِ؛ أَيْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ وَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَيْنَ فِي الْقُرْآنِ: الْحِيطَانُ لَهَا آذَانٌ؟ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أَيْ لِيَكْذِبُوا: أَنَّ اللَّامَ لَامُ التَّعْدِيَةِ لَا لَامُ التَّبَعِيَّةِ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْآيَتَيْنِ؛ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ لَهُمْ أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " اسْتِحْبَابُ اللَّهِ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ قَبِلَ مِنْهُ يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْمَعُ لِفُلَانِ أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُ وَيُطِيعُهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْمَعَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَفْسَ السَّمْعِ الَّذِي يُشْبِهُ الْإِدْرَاكَ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ الْمَسْمُوعُ طَلَبًا: فَفَائِدَتُهُ وَمُوجِبُهُ الِاسْتِجَابَةُ وَالْقَبُولُ.
وَإِذَا كَانَ الْمَسْمُوعُ خَبَرًا.
فَفَائِدَتُهُ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ فَصَارَ يَدْخُلُ