سُورَةُ الْإِخْلَاصِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَكَذَلِكَ مَعْنَى " الشَّهَادَةِ " وَ " الْحُكْمِ " يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ صِدْقٍ وَمُحْكَمٍ وَإِبْطَالِ مَا أَبْطَلَهُ مِنْ كَذِبٍ وَمَنْسُوخٍ وَلَيْسَ الْإِنْجِيلُ مَعَ التَّوْرَاةِ وَلَا الزَّبُورِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ بَلْ هِيَ مُتَّبَعَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ إلَّا يَسِيرًا نَسَخَهُ اللَّهُ بِالْإِنْجِيلِ؛ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ.
ثُمَّ إنَّهُ مُعْجِزٌ فِي نَفْسِهِ لَا يَقْدِرُ الْخَلَائِقُ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَفِيهِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ وَهُوَ آيَةُ الرَّسُولِ وَبُرْهَانُهُ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَفِيهِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَهُوَ نَفْسُهُ بُرْهَانٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَبَيَانِ الْآيَاتِ عَلَى تَفْضِيلِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مَا لَوْ جُمِعَ إلَيْهِ عُلُومُ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَكُنْ مَا عِنْدَهُمْ إلَّا بَعْضُ مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَأُمُورِ الْمَعَادِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ مَا فِيهِ كَمَالُ النُّفُوسِ وَصَلَاحُهَا وَسَعَادَتُهَا وَنَجَاتُهَا لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ أَهْلِ النُّبُوَّاتِ وَمِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ كالمتفلسفة وَغَيْرِهِمْ إلَّا بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ.
وَلِهَذَا لَمْ تَحْتَجْ الْأُمَّةُ مَعَ رَسُولِهَا وَكِتَابِهَا إلَى نَبِيٍّ آخَرَ وَكِتَابٍ آخَرَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى شَيْءٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ غَيْرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عِلْمِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُلْهَمِينَ أَوْ مِنْ عِلْمِ أَرْبَابِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ الَّذِينَ لَا يَعْتَصِمُونَ مَعَ ذَلِكَ بِكِتَابِ مُنَزَّلٍ مِنْ السَّمَاءِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿إنَّهُ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ﴾ . فَعَلَّقَ ذَلِكَ تَعْلِيقًا فِي أُمَّتِهِ مَعَ جَزْمِهِ بِهِ فِيمَنْ تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْأُمَمَ قَبْلَنَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إلَى الْمُحَدِّثِينَ كَمَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إلَى نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَغْنَاهُمْ اللَّهُ بِرَسُولِهِمْ وَكِتَابِهِمْ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ حَتَّى أَنَّ الْمُحَدِّثَ مِنْهُمْ كَعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِذَا حَدَّثَ شَيْئًا فِي قَلْبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا إنْ وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا سِوَاهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ مِنْ الْعِلْمِ الْمُسْتَقِرِّ فِي نُفُوسِ الْأُمَّةِ السَّابِقِينَ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ رَدَّ مِثْلَ هَذَا وَلَا قَالَ: لَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ بَعْضُهُ أَشْرَفُ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ كُلُّهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ إنَّمَا حَدَثَ هَذَا الْإِنْكَارُ لَمَّا ظَهَرَتْ بِدَعُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ وَجَعَلُوهُ عِضِينَ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ " تَفْضِيلَ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ فِي نَفْسِهِ " أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإسفرائيني وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي إسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَمِثْلِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَالْحَلْوَانِيِّ الْكَبِيرِ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ عَقِيلٍ.
قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي
" كِتَابِ الْوَاضِحِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ " فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسَّنَةِ قَالَ: فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَلَيْسَتْ السُّنَّةُ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَلَا خَيْرًا مِنْهُ فَبَطَلَ النَّسْخُ بِهَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ وَهُوَ كَوْنُ خَبَرِهِ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ فَمَا أَدَّى إلَيْهِ فَهُوَ مُحَالٌ.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: أَصْلُ اسْتِدْلَالِكُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْفَضْلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ فِي حَقِّنَا: إمَّا سُهُولَةٌ فِي التَّكْلِيفِ فَهُوَ خَيْرٌ عَاجِلٌ أَوْ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِكَوْنِهِ أَثْقَلَ وَأَشَقَّ وَيَكُونُ نَفْعًا فِي الْآجِلِ وَالْعَاقِبَةِ وَكِلَاهُمَا قَدْ يَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَا نَاسِخًا لَهَا بَلْ يَكُونُ تَكْلِيفًا مُبْتَدَأً هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ الْقُرْآنَ النَّاسِخَ وَلَا السُّنَّةُ النَّاسِخَةُ.
قَالُوا: يُوَضِّحُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ لَيْسَ بَعْضُهُ خَيْرًا مِنْ بَعْضٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْرِفُوا اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ خَيْرٍ يَعُودُ إلَى التَّكْلِيفِ لَا إلَى الطَّرِيقِ.
وَقَالَ فِي الْجَوَابِ: قَوْلُهُمْ: الْخَيْرُ يَرْجِعُ إلَى مَا يَخُصُّنَا مِنْ سُهُولَةٍ أَوْ ثَوَابٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: " لَكُمْ ". فَلَمَّا حَذَفَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ كَوْنُ النَّاسِخِ خَيْرًا مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ وَمِنْ جِهَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي
بِآيَاتِ خَيْرٍ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَعُودُ إلَى الْجِنْسِ كَمَا إذَا قَالَ الْقَائِلُ: مَا آخُذُ مِنْك دِينَارًا إلَّا أُعْطِيك خَيْرًا مِنْهُ لَا يُعْقَلُ بِالْإِطْلَاقِ إلَّا دِينَارًا خَيْرًا مِنْهُ فَيَتَخَيَّرُ مِنْ الْجِنْسِ أَوَّلًا ثُمَّ النَّفْعِ فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى ثَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ غَيْرِ الدِّينَارِ فَلَا وَفِي آخِرِ الْآيَةِ مَا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَوَصْفُهُ لِنَفَسِهِ بِالْقُدْرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ هُوَ أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ يَقْتَضِي إطْلَاقَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَنَّثَهَا تَأْنِيثَ الْآيَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: نَأْتِ بِآيَةِ خَيْرٍ مِنْهَا أَوْ بِآيَةِ مِثْلِهَا.
" قُلْت ": وَأَيْضًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَخَفَّ عَمَلًا أَوْ أَشَقَّ وَأَكْثَرَ ثَوَابًا لِأَنَّ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ ثَابِتَانِ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُبْتَدَأً وَنَاسِخًا فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَيْسَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَشَقَّ فَيَكُونُ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَازِمَةً لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُقَالَ مَا نَنْسَخُ مِنْ حُكْمٍ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ أَيْضًا يَكُونُ خَيْرًا وَمَثَلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَإِنَّهُمْ إنْ فَسَّرُوا الْخَيْرَ بِكَوْنِهِ أَسْهَلَ فَقَدْ يَكُونُ الْمَنْسُوخُ أَسْهَلَ فَيَكُونُ خَيْرًا وَإِنْ فَسَّرُوهُ بِكَوْنِهِ أَعْظَمَ أَجْرًا لِمَشَقَّتِهِ فَقَدْ يَكُونُ الْمَنْسُوخُ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِمَّا يَنْسَخُهُ أَوْ مِثْلِهِ فَلَا يَأْتِي بِمَا هُوَ دُونَهُ.
وَأَيْضًا فَعَلَى مَا قَالُوهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ خَيْرًا مِنْ شَيْءٍ بَلْ إنْ كَانَ خَيْرًا مِنْ جِهَةِ السُّهُولَةِ فَذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْأَجْرِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ فِي نَفْسِهِ لَا يَتَخَايَرُ وَلَا يَتَفَاضَلُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْخَيْرَ الَّذِي هُوَ الْأَفْضَلِيَّةُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ الَّذِي فِي " سُورَةِ الْإِخْلَاصِ " وَمَا ضَمِنَهَا مِنْ نَفْيِ التَّجَزُّؤِ وَالِانْقِسَامِ أَفْضَلُ مِنْ " تَبَّتْ " الْمُتَضَمِّنَةِ ذَمِّ أَبِي لَهَبٍ وَذَمِّ زَوْجَتِهِ إنْ شِئْت فِي كَوْنِ الْمَدْحِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَدْحِ وَإِنْ شِئْت فِي الْإِعْجَازِ فَإِنَّ تِلَاوَةَ غَيْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْهَا الْفَصَاحَةُ وَالْبَيَانُ أَفْضَلُ وَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ وَاحِدًا لَا يَكُونُ التَّفَاضُلُ لِمَعْنَى يَعُودُ إلَى الْكَلَامِ ثَانِيًا كَمَا أَنَّ الْمُرْسَلَ وَاحِدٌ لِذِي النُّونِ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمُ أَفْضَلُ مِنْ ذِي النُّونِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لَا يَكُونُ نَاسِخًا بَلْ مُبْتَدَأً فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ مَجْزُومًا وَهَذَا يُعْطِي الْبَدَلِيَّةَ وَالْمُقَابَلَةَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: إنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمْك وَإِنْ أَطَعْتَنِي أَطَعْتُك يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مُقَابَلَةً وَبَدَلًا لَا فِعْلًا مُبْتَدَأً.
قُلْت: الْمَقْصِدُ هُنَا ذِكْرُ مَا نَصَرَهُ - مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِهِ بَعْضُهُ خَيْرًا مِنْ بَعْضٍ - لَيْسَ الْمَقْصُودُ الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ صَرَّحُوا بِأَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ بَعْضٍ وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ " جَوَاهِرُ الْقُرْآنِ " قَالَ:
لَعَلَّك تَقُولُ قَدْ تَوَجَّهَ قَصْدُك فِي هَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ إلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ وَالْكُلُّ كَلَامُ اللَّهِ فَكَيْفَ يُفَارِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إنْ كَانَ لَا يُرْشِدُك إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَاتِ وَبَيْنَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَسُورَةِ تَبَّتْ وَتَرْتَاعُ مِنْ اعْتِقَادِ الْفِرَقِ نَفْسُك الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ فِي التَّقْلِيدِ فَقَلِّدْ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَقَالَ: ﴿قَلْبُ الْقُرْآنِ يس﴾ وَقَدْ دَلَّتْ الْأَخْبَارُ عَلَى شَرَفِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: ﴿فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ﴾ وَقَالَ: ﴿آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ﴾ وَقَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ﴾ وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي فَضَائِلِ قَوَارِعِ الْقُرْآنِ وَتَخَصُّصِ بَعْضِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ بِالْفَضْلِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ فِي تِلَاوَتِهَا لَا تُحْصَى فَاطْلُبْهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ إنْ أَرَدْت.
وَنُنَبِّهُك الْآنَ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْأَرْبَعَةِ فِي تَفْضِيلِ هَذِهِ السُّوَرِ.
قُلْت: وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْضِيلِ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وَمِمَّنْ ذَكَرَ كَلَامَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ عَمَّنْ حَكَاهُ مِنْ السَّلَفِ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " قَالَ فِي ﴿قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي: أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ وَذَكَرَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ﴾ فِيهِ حُجَّةٌ لِتَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ
وَتَفْضِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَهُ: مِنْهُمْ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين.
قَالَ: وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى عِظَمِ أَجْرِ قَارِئِي ذَلِكَ وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ عَلَى بَعْضِهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِهِ.
قَالَ: وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ فَأَبَى ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ الْبَاقِلَانِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَفْضَلِ نَقْصُ الْمَفْضُولِ عَنْهُ وَكَلَامُ اللَّهِ لَا يَتَبَعَّضُ.
قَالُوا: وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " أَفْضَلُ " وَ " أَعْظَمُ " لِبَعْضِ الْآيِ وَالسُّوَرِ فَمَعْنَاهُ عَظِيمٌ وَفَاضِلٌ.
قَالَ: وَقِيلَ: كَانَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظُمَ لِأَنَّهَا جَمَعَتْ أُصُولَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَيَاةِ والوحدانية وَالْعِلْمِ وَالْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَهَذِهِ السَّبْعَةُ قَالُوا هِيَ أُصُولُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
قُلْت: الْمَقْصُودُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ إنَّ هَذِهِ السَّبْعَةَ هِيَ أُصُولُ الْأَسْمَاءِ.
فَهَذِهِ السَّبْعَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْعَقْلِ وَمَا سِوَاهَا قَالُوا إنَّمَا يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ وَهَذَا أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى طَرِيقِ عِلْمِنَا لَا إلَى أَمْرٍ حَقِيقِيٍّ ثَابِتٍ لَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَكَيْفَ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهَا قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا كَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَذْهَبُ ابْنِ كُلَّابٍ وَأَكْثَرُ قُدَمَاءِ الصفاتية أَنَّ الْعُلُوَّ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيَّ وَمَذْهَبُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي
أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِي وَغَيْرِهِ وَمَذْهَبِ ابْنِ كَرَّامٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ.
وَكَذَلِكَ مَا فَسَّرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ قَوْلِ الْمُفَضَّلِينَ إنَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فَهَذَا لَا يُنَازَعُ فِيهِ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ الْبَاقِلَانِي فَإِنَّ الثَّوَابَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُنَازَعُ أَحَدٌ فِي أَنَّ بَعْضَهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي نَفْسِ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ فَحِكَايَتُهُ النِّزَاعُ يُنَاقِضُ مَا فَسَّرَ بِهِ قَوْلَ الْمُثَبِّتَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ مَأْخَذَ الْمُمْتَنِعِينَ عَنْ التَّفْضِيلِ: مِنْهُمْ مِنْ نَفْيِ التَّفَاضُلِ فِي الصِّفَاتِ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَتَفَاضَلُ وَالْقُرْآنُ مِنْ الصِّفَاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ عَلَى أَصْلِهِ فَلَا يُعْقَلُ فِيهِ مَعْنَيَانِ فَضْلًا أَنْ يُعْقَلَ فِيهِ فَاضِلٌ وَمَفْضُولٌ وَهَذَا أَصْلُ أَبِي الْحَسَنِ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يَكُونُ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كالْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ - بَلْ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَوْ تُتُبِّعَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَكَثَرُوا فَإِنَّ هَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدْعَةِ أَمَا السَّلَفُ - كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ - فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ تَنَازُعٌ بَلْ الْآثَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ بِهِ.
وَاشْتَهَرَ الْقَوْلُ بِإِنْكَارِ تَفَاضُلِهِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ لَمَّا أَظْهَرَتْ الْجَهْمِيَّة الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ.
وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَجَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ عَلَى إنْكَارِ ذَلِكَ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَظَنَّتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ - مِثْلَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ - أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَّا إذَا قِيلَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا كَلَّمَ مُوسَى حِينَ أَتَاهُ وَلَا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهُ وَلَا يَغْضَبُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ أَنْ يَكْفُرَ بِهِ وَلَا يَرْضَى عَنْهُ بَعْدَ أَنْ يُطِيعَهُ وَلَا يُحِبَّهُ بَعْدَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ فَتَكُونُ كَلِمَاتُهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ظَنُّوا انْتِفَاءَهُ عَنْ اللَّهِ.
وَقَالُوا إنَّمَا يُمْكِنُ مُخَالَفَةُ هَؤُلَاءِ إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ لَازِمٌ لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ كَلَامٍ لَهُ كَقَوْلِهِ: يَا آدَمَ يَا نُوحُ.
وَصَارُوا طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تَقُولُ إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَطَائِفَةٌ تَقُولُ إنَّهُ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُقْتَرِنٌ بَعْضُهَا بِبَعْضِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَإِنْ كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً فِي ذَاتِهَا تَرَتُّبًا ذَاتِيًّا لَا تَرَتُّبًا وُجُودِيًّا كَمَا قَدْ بَيَّنَ مَقَالَاتِ النَّاسِ فِي كَلَامِ اللَّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْأَوَّلُونَ عِنْدَهُمْ كَلَامُ اللَّهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا بَعْضٌ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.
وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ: هُوَ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ وَالْقَدِيمُ لَا يَتَفَاضَلُ.
وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾
أَنَّهُ قَالَ: خَيْرًا لَكُمْ مِنْهَا أَوْ أَنْفَعَ لَكُمْ.
فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ مُوَافِقٌ لِهَؤُلَاءِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَقْصُودُهُ بَيَانُ وَجْهِ كَوْنِهِ خَيْرًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَنْفَعَ لِلْعِبَادِ فَإِنَّ مَا كَانَ أَكْثَرُ مِنْ الْكَلَامِ نَفْعًا لِلْعِبَادِ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ كَمَا بَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَصَارَ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الْكُلَّابِيَة مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفَاضُلِ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ إنَّمَا يُمْكِنُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ يَرَوْنَ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَضْلَ مَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ.
فَإِذَا ظَنَّ أُولَئِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا فَرُّوا مِنْ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِهِ لِأَجْلِ مَا ظَنُّوهُ مِنْ التَّلَازُمِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوهُ بَلْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورُهَا يَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّنَا أَبِي الْبَرَكَاتِ وَصَاحِبِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُمَا نَظَرَا فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَأَظُنُّهُ كَانَ نَظَرَهُمْ فِي تَفْسِيرِ أَبِي عَبْدِ
الله مُحَمَّدِ بْنِ تَيْمِيَّة فَلَمَّا رَأَيَا تِلْكَ الْأَقْوَالَ قَالَا: هَذَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَزَارَ مَرَّةً أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا شَيْخَنَا أَبِي زَكَرِيَّا بْنِ الصَّيْرَفِيِّ وَكَانَ مَرِيضًا فَدَعَا أَبُو زَكَرِيَّا بِدُعَاءِ مَأْثُورٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد يَقُولُ فِيهِ " أَسْأَلُك - بِقُدْرَتِك الَّتِي قَدَرْت بِهَا أَنْ تَقُولَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - أَنْ تَفْعَلَ بِنَا كَذَا وَكَذَا " فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي دَعَوْت بِهِ؟ هَذَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُقَالُ عِنْدَهُمْ قَدَرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَقُولَ فَإِنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنْ الْبُحُوثِ الَّتِي يَذْكُرُهَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِي وَأَمْثَالُهُ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَمْثَالُهُ وَقَبْلَهُمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَنَحْوُهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - كَأَبِي الْوَلِيدِ الباجي وَأَبِي الْمَعَالِي الجُوَيْنِي - وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يُوَافِقُونَ ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْقُرْآنَ لَازِمٌ لِذَاتِ اللَّهِ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ - قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ السَّلَفِ - الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَتَّى إنَّ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ السالمية مِنْ هَؤُلَاءِ - كَالْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ
الزَّاغُونِي - يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَد أَنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَقُولُوا هَذَا قَطُّ وَلَا نَاظَرُوا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أَقْوَالَهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَلَكِنْ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ كُلَّابٍ وَأَتْبَاعِهِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَمِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ هُمْ الَّذِينَ صَارُوا يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ كَمَا صَارَ يَقُولُ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَقْوَالِ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِهَذَا بَلْ أَنْكَرُوا عَلَى ابْنِ كُلَّابٍ هَذَا الْأَصْلَ وَأَمَرَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ بِهَجْرِ الْكُلَّابِيَة عَلَى هَذَا الْأَصْلِ حَتَّى هُجِرَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيَّ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ ابْنِ كُلَّابٍ وَكَانَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَكَانَ أَحْمَد يُحَذِّرُ عَنْ الْكُلَّابِيَة.
وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْن أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَة الْمُلَقَّبِ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ وَبَيْنَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مُشَاجَرَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِقَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُمْ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي (تَارِيخِ نَيْسَابُورَ) وَبَسْطُ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى الْمَآخِذِ الَّتِي تَعْرِفُ بِهَا حَقَائِقَ الْأَقْوَالِ.
فَصْلٌ:
وَفِي الْجُمْلَةِ فَدَلَالَةُ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِجَجِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ هُوَ مِنْ الدَّلَالَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمَشْهُورَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ كَلَامَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْأَحَادِيثُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي يَحْكِيهَا الرَّسُولُ عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَقَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا﴾ الْحَدِيثَ وَكَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ هِيَ وَإِنْ اشْتَرَكَتْ فِي كَوْنِهَا كَلَامَ اللَّهِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ لَهُ نِسْبَتَانِ: نِسْبَةٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَنِسْبَةٌ إلَى الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ.
فَهُوَ يَتَفَاضَلُ بِاعْتِبَارِ النِّسْبَتَيْنِ وَبِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ أَيْضًا مِثْلَ الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ لَهُ نِسْبَتَانِ: نِسْبَةٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ الْمُخْبِرِ وَنِسْبَةٌ إلَى الْمَخْبَرِ عَنْهُ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ.
ف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ كِلَاهُمَا كَلَامُ اللَّهِ وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَكِنَّهُمَا مُتَفَاضِلَانِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ الْمُخْبِرِ عَنْهُ.
فَهَذِهِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَبَرُهُ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَتِهِ الَّتِي يَصِفُ بِهَا نَفْسَهُ
وَكَلَامَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَهَذِهِ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ عَنْ بَعْضِ خَلْقِهِ وَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ وَيَصِفُ بِهِ حَالَهُ وَهُمَا فِي هَذِهِ الْجِهَةِ مُتَفَاضِلَانِ بِحَسَبِ تَفَاضُلِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامَيْنِ.
أَلَّا تَرَى أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ هُوَ كُلُّهُ كَلَامُهُ لَكِنَّ كَلَامَهُ الَّذِي يَذْكُرُ بِهِ رَبَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي يَذْكُرُ بِهِ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْجَمِيعُ كَلَامُهُ فَاشْتِرَاكُ الْكَلَامَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ لَا يَمْنَعُ تَفَاضُلَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ النِّسْبَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا تُوجِبُ التَّفْضِيلَ أَوْ لَا تُوجِبُهُ.
فَكَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ وَالْخُطَبَاءُ وَالشُّعَرَاءُ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ وَاحِدًا وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِالْكَلَامِ الْمَعَانِي فَقَطْ أَوْ الْأَلْفَاظُ فَقَطْ أَوْ كِلَاهُمَا أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا فَلَا رَيْبَ فِي تَفَاضُلِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي مِنْ الْمُتَكَلِّمِ الْوَاحِدِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ اتِّفَاقِ الْكَلَامَيْنِ فِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِمَا وَاحِدٌ لَا يُوجِبُ تَمَاثُلُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ.
فَتَفَاضُلُ الْكَلَامِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ فَلَيْسَ الْخَبَرُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَالْخَبَرِ الْمُتَضَمِّنِ لِذِكْرِ أَبِي لَهَبٍ وَفِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ وَإِنْ كَانَ هَذَا كَلَامًا عَظِيمًا مُعَظَّمًا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ الْأَمْرُ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي أَمَرَتْ
بِهِ الشَّرَائِعُ كُلُّهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِالْمَأْمُورَاتِ الْعَظِيمَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الشِّرْكِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَتْهُ الشَّرَائِعُ كُلُّهَا وَمَا يَحْصُلُ مَعَهُ فَسَادٌ عَظِيمٌ كَالْأَمْرِ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرَانِ وَاجِبَيْنِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ كَالْأَمْرِ بِأَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَالْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَامِلِ وَإِيتَائِهَا أَجْرَهَا إذَا أَرْضَعَتْ.
وَلِهَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى تَفَاضُلِ أَنْوَاعِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَقَالُوا: إنَّ إيجَابَ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ إيجَابِ الْآخَرِ وَتَحْرِيمُهُ أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ الْآخَرِ فَهَذَا أَعْظَمُ إيجَابًا وَهَذَا أَعْظَمُ تَحْرِيمًا وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ نَازَعُوا فِي ذَلِكَ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ فَقَالُوا: التَّفَاضُلُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ لَكِنْ فِي مُتَعَلَّقِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: بَلْ التَّفَاضُلُ فِي الْأَمْرَيْنِ وَالتَّفَاضُلُ فِي الْمُسَبِّبَاتِ دَلِيلٌ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الْأَسْبَابِ وَكَوْنُ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ ثَوَابُهُ أَعْظَمُ وَعِقَابُهُ أَعْظَمُ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ أَوْكَدُ وَكَوْنُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَالنَّهْيَيْنِ مَخْصُوصًا بِالتَّوْكِيدِ دُونَ الثَّانِي مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ عَاقِلٌ وَلَوْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَامْتَنَعَ الِاخْتِصَاصُ بِتَوْكِيدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ وَالتَّفْضِيلَ مُتَضَادَّانِ.
وَجُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَإِطْلَاقُ
ذَلِكَ هُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي يَعْقُوبَ البرزبيني وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَلْوَانِيِّ وأبي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِي وَغَيْرِهِمْ لَكِنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُفَسِّرُ التَّفَاضُلَ بِتَفَاضُلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْنُّفَاةِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ نَفْسَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالْبُغْضَ وَالْإِرَادَةَ وَالْكَرَامَةَ وَالطَّلَبَ وَالِاقْتِضَاءَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي تَتَفَاضَلُ وَتَتَفَاضَلُ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا.
وَنَفْسُ حُبِّ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ يَتَفَاضَلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ . وَنَفْسُ حُبِّ اللَّهِ لَهُمْ يَتَفَاضَلُ أَيْضًا فَإِنَّ الْخَلِيلَيْنِ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا أَحَبُّ إلَيْهِ مِمَّنْ سِوَاهُمَا وَبَعْضُ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ هَذَا مَشْهُورٌ وَمُسْتَفِيضٌ فِي الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَكَلَامِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ كَقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ لَفَعَلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصَّفِّ وَهُوَ مَشْهُورٌ ثَابِتٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَكَوْنُ هَذَا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا هُوَ دَاخِلٌ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَبَعْضِ الْأَشْخَاصِ عَلَى بَعْضٍ.
وَبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّةَ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ.
وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك لَمَا خَرَجْت﴾ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مِنْ
حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ.
وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ عَلَى حُبِّ غَيْرِهِ وَبُغْضِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسِهِ.
وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ . وَقَالَ ﴿لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ﴾ وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ تَفَاضُلُ الْمَأْمُورَاتِ: فَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُ الْمَنْهِيَّاتِ شَرٌّ مِنْ بَعْضٍ وَحِينَئِذٍ فَطَلَبُ الْأَفْضَلِ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ أَكْمَلُ مِنْ طَلَبِ الْمَفْضُول وَالطَّالِبُ إذَا كَانَ حَكِيمًا يَكُونُ طَلَبُهُ لِهَذَا أَوْكَدَ.
فَفِي الْجُمْلَةِ مِنْ الْمُسْتَقَرِّ فِي فِطَرِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ يَلْحَقُهُمَا التَّفَاضُلُ مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ عَنْهُ وَالْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا كَانَ الْمَخْبَرُ بِهِ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ كَانَ الْخَبَرُ بِهِ أَفْضَلَ وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَفْضَلَ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ أَفْضَلَ.
وَلِهَذَا كَانَ الْخَبَرُ بِمَا فِيهِ نَجَاةُ النُّفُوسِ مِنْ الْعَذَابِ وَحُصُولُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ أَفْضَلَ مِنْ الْخَبَرِ بِمَا فِيهِ نَيْلُ مَنْزِلَةٍ أَوْ حُصُولُ دَرَاهِمَ وَالرُّؤْيَا الَّتِي تَتَضَمَّنُ أَفْضَلَ الْخِبْرَيْنِ أَعْظَمُ مِنْ الرُّؤْيَا الَّتِي تَتَضَمَّنُ أَدْنَاهُمَا وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ الْعُقَلَاءِ قَاطِبَةً.
وَإِذَا قَدَرَ أَمِيرَانِ أَمَرَ أَحَدُهُمَا بِعَدْلِ عَامٍّ عَمَّرَ بِهِ الْبِلَادَ وَدَفَعَ بِهِ الْفَسَادَ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ أَعْظَمَ مِنْ أَمْرِ أَمِيرٍ
يَعْدِلُ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي مِيرَاثِ بَعْضِ الْأَمْوَاتِ.
وَأَيْضًا فَالْخَبَرُ يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ بِالْمَخْبَرِ بِهِ وَالْأَمْرُ يَتَضَمَّنُ طَلَبًا وَإِرَادَةً لِلْمَأْمُورِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إرَادَةَ فِعْلِ الْأَمْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَلَكِنْ أَعَانَ أَهْلَ الطَّاعَةِ فَصَارَ مُرِيدًا لَأَنْ يَخْلُقَ أَفْعَالَهُمْ وَلَمْ يَعْنِ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْلُقَ أَفْعَالَهُمْ.
فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْخِلْقِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ وَأَمَّا الْإِرَادَةُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّ فِعْلَ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَرْضَاهُ إذَا فُعِلَ وَيُرِيدُ مِنْ الْمَأْمُورِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَأْمُورٌ فَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْأَمْرِ.
وَلِهَذَا أَثَبَتَ اللَّهُ هَذِهِ الْإِرَادَةَ فِي الْأَمْرِ دُونَ الْأُولَى.
وَلَكِنْ فِي النَّاسِ مِنْ غَلَطٍ فَنَفَى الْإِرَادَةَ مُطْلَقًا وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْخِلْقِيَّةِ وَالْإِرَادَةِ الْأَمْرِيَّةِ.
وَالْقُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ فَقَالَ فِي الْأُولَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وَقَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَوْلَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ﴾ وَلِهَذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وَقَالَ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْأَمْرِ مِنْ طَلَبٍ وَاسْتِدْعَاءٍ وَاقْتِضَاءٍ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ هُنَاكَ إرَادَةً شَرْعِيَّةً وَأَنَّهُ لَا إرَادَةَ لِلرَّبِّ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ سِوَاهَا كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ أَوْ قِيلَ: لَا إرَادَةَ لِلرَّبِّ إلَّا الْإِرَادَةُ الْخِلْقِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ إرَادَتَهُ عَيْنُ نَفْسِ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَأَنَّ إرَادَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَا يُوجَدُ مِنْ إيمَانٍ وَكُفْرٍ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يُوجَدُ سَوَاءٌ كَانَ إيمَانًا أَوْ كُفْرًا وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ لَهَا أَثَرٌ فِي وُجُودِ مَقْدُورِهِ وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ قُوًى وَأَسْبَابٌ يَخْلُقُ بِهَا وَلَا لِلَّهِ حِكْمَةٌ يَخْلُقُ وَيَأْمُرُ لِأَجْلِهَا كَمَا يَقُولُ هَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ رَأْسُ الْجَبْرِيَّةِ هُوَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَبَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَأَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَاقَضُوا الْقَدَرِيَّةَ الْمُعْتَزِلَةَ مُنَاقِضَةً أَلْجَأَتْهُمْ إلَى إنْكَارِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَإِنْ كَانَ مَنْ يَقُولُ بِبَعْضِ ذَلِكَ يَتَنَاقَضُ وَقَدْ يَثْبُتُ أَحَدُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْمَعْنَى.
وَأَمَّا السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ فَيُثْبِتُونَ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ وَالْإِرَادَةَ الْخِلْقِيَّةَ الْقَدَرِيَّةَ الشَّامِلَةَ لِكُلِّ حَادِثٍ وَالْإِرَادَةَ الْأَمْرِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمُتَنَاوِلَةَ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ وَهُوَ مَا أَمَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَهُوَ مَا يَنْفَعُ الْعِبَادَ وَيُصْلِحُهُمْ وَيَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ الْحَمِيدَةُ النَّافِعَةُ فِي الْمَعَادِ الدَّافِعَةُ لِلْفَسَادِ.
فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْأَمْرِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِلَهِيَّتِهِ الْمُتَضَمِّنَةُ لِرُبُوبِيَّتِهِ كَمَا أَنَّ تِلْكَ الْإِرَادَةَ الْخِلْقِيَّةَ الْقَدَرِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ نَظَرَ إلَى هَذِهِ فَقَطْ وَرَاعَى هَذِهِ الْخِلْقِيَّةَ الْكَوْنِيَّةَ الْقَدَرِيَّةَ دُونَ تِلْكَ يَكُونُ لَهُ بِدَايَةٌ بِلَا نِهَايَةٍ فَيَكُونُ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا يَحْصُلُ لَهُمْ بَعْضُ مُطَالِبِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِاسْتِعَانَتِهِمْ بِاَللَّهِ إذْ شَهِدُوا رُبُوبِيَّتَهُ وَلَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إذْ لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ.
وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَمْرِيَّةِ دُونَ تِلْكَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وَقَدْ يُرَاعَى الْأَمْرُ؛ لَكِنَّهُ يَكُونُ عَاجِزًا مَخْذُولًا حَيْثُ لَمْ يَشْهَدْ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ وَفَقْرَهُ إلَيْهِ لِيَكُونَ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ بَرِيًّا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ.
فَهَذَا قَدْ يَقْصِدُ أَنْ يَعْبُدَهُ وَلَا يَقْصِدَ حَقِيقَةَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَهِيَ حَالُ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ يُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ خَالِقًا أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَلَا مُرِيدًا لِلْكَائِنَاتِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الداراني: إنَّمَا يَعْجَبُ بِفِعْلِهِ الْقَدَرِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَرَى أَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِفِعْلِهِ.
فَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ
يُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِهِمْ وَأَنَّ لِلَّهِ الْمِنَّةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْجَبُونَ بِهَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ.
وَالْأَوَّلُ قَدْ يَقْصِدُ أَنْ يَسْتَعِينَهُ وَيَسْأَلَهُ وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَيَبْرَأَ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ وَلَكِنْ لَا يَقْصِدُ أَنْ يَعْبُدَهُ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ وَلَا يَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُطَاعَ وَأَنَّهُ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَيَغْضَبُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ بَلْ يَنْسَلِخُ مِنْ الدِّينِ أَوْ بَعْضِهِ لَا سِيَّمَا فِي نِهَايَةِ أَمْرِهِ.
وَهَذِهِ الْحَالُ إنْ طَرَدَهَا صَاحِبُهَا كَانَ شَرًّا مِنْ حَالِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ بَلْ إنْ طَرَدَهَا طَرْدًا حَقِيقِيًّا أَخْرَجَتْهُ مِنْ الدِّينِ خُرُوجَ الشَّعْرَةِ مِنْ الْعَجِينِ وَهِيَ حَالُ الْمُشْرِكِينَ.
وَأَمَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يُحَقِّقُ قَوْلَهُ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَيَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَلَا يُوَافِقُ أَمْرَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ وَكُلُّ قَاصِدٍ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ فَهُوَ مَصْدُودٌ مِنْ مَآرِبِهِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَيَعْبُدُ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مُؤْمِنًا بِخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ: بِقَدْرِهِ وَشَرْعِهِ فَيَسْتَعِينُ اللَّهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَيْهَا وَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنَّةٌ مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَسَيِّئَاتِ عَمَلِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَأَنَّ لِلَّهِ الْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ عَلَى خَلْقِهِ وَأَنَّ لَهُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ حِكْمَةً بَالِغَةً وَرَحْمَةً سَابِغَةً.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ أُصُولٌ عَظِيمَةٌ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْخَبَرَ الصَّادِقَ يَتَضَمَّنُ جِنْسَ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالْأَمْرُ يَتَضَمَّنُ جِنْسَ الطَّلَبِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ.
ثُمَّ هَلْ مَدْلُولُ الْخَبَرِ جِنْسٌ مِنْ الْمَعَانِي غَيْرَ جِنْسِ الْعِلْمِ وَمَدْلُولُ الْأَمْرِ جِنْسٌ مِنْ الْمَعَانِي غَيْرَ جِنْسِ الْإِرَادَةِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ النُّظَّارِ مِثْلَ ابْنِ كُلَّابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ؟ أَوْ الْمَدْلُولُ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ؟ كَمَا يَقُولُهُ جُمْهُورُ نُظَّارِ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرَ.
فَيَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ.
وَالْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخَالِفُونَ ابْنَ كُلَّابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي ذَيْنك الْأَصْلَيْنِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ مِنْ الطَّوَائِفِ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ مِنْ الْقَوْلِ فِي الْكَلَامِ وَالصِّفَاتِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَيْرًا مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةِ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَطَوَائِفِ النُّظَّارِ فَلَا يَقُولُونَ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَا الْكُلَّابِيَة كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الطَّوَائِفِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْكُتُبِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ لَهَا مَعَانٍ: سَوَاءٌ سُمِّيَ طَلَبًا أَوْ إرَادَةً أَوْ عِلْمًا أَوْ حُكْمًا أَوْ كَلَامًا نَفْسَانِيًّا.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي تَتَفَاضَلُ فِي نَفْسِهَا فَلَيْسَ عِلْمُنَا بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ
كَعِلْمِنَا بِحَالِ أَبِي لَهَبٍ.
وَلَيْسَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِنَا إذَا أُمِرْنَا بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ كَالطَّلَبِ الْقَائِمِ بِنَا إذَا أُمِرْنَا بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَإِخْرَاجِ الدِّرْهَمِ مِنْ الزَّكَاةِ.
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعَانِيَ الْكَلَامِ قَدْ تَتَفَاضَلُ فِي نَفْسِهَا كَمَا قَدْ تَتَمَاثَلُ وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا صِيغَةُ الْأَمْرِ - سَوَاءٌ سُمِّيَتْ طَلَبًا أَوْ اقْتِضَاءً أَوْ اسْتِدْعَاءً أَوْ إرَادَةً أَوْ مَحَبَّةً أَوْ رِضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - فَإِنَّهَا مُتَفَاضِلَةٌ بِحَسَبِ تَفَاضُلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَمَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ النَّفْسَانِيَّةِ فَهِيَ مُتَفَاضِلَةٌ فِي نَفْسِهَا بِحَسَبِ تَفَاضُلِ الْمُخْبِرِ عَنْهُ.
فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ تَفَاضُلِ الْكَلَامِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَاحِدًا.
وَهُوَ أَيْضًا مُتَفَاضِلٌ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ وَاحِدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَكْلِيمَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَفْضَلُ مِنْ تَكْلِيمِهِ بِالْإِيحَاءِ وَبِإِرْسَالِ رَسُولٍ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا وَقَالَ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ وَقَالَ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وَاَلَّذِي يَجِدُ النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ تَتَفَاضَلُ أَحْوَالُهُ
فِي أَنْوَاعِ الْكَلَامِ بَلْ وَفِي الْكَلَامِ الْوَاحِدِ يَتَفَاضَلُ مَا يَقُومُ بِقَلْبِهِ مِنْ الْمَعَانِي وَمَا يَقُومُ بِلِسَانِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ بِحَيْثُ قَدْ يَكُونُ إذَا كَانَ طَالِبًا هُوَ أَشَدُّ رَغْبَةً وَمَحَبَّةً وَطَلَبًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ لِلْآخَرِ وَيَكُونُ صَوْتُهُ بِهِ أَقْوَى وَلَفْظُهُ بِهِ أَفْصَحَ وَحَالُهُ فِي الطَّلَبِ أَقْوَى وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا؛ وَلِهَذَا يَكُونُ لِلْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْمَوْعِظَةِ بَلْ لِلْآيَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا سُمِعَتْ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ ظُهُورِ التَّفَاضُلِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى تَمْثِيلٍ.
وَكَذَلِكَ فِي الْخَبَرِ قَدْ يَقُومُ بِقَلْبِهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَتَصَوُّرِ الْمَعْلُومِ وَشُهُودِ الْقَلْبِ إيَّاهُ بِاللِّسَانِ مِنْ حُسْنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ لَفْظًا وَصَوْتًا مَا لَا يُقَارِبُهُ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ.
فَهَذَا نَوْعُ إشَارَةٍ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ مُوَافِقًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةُ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ تَقُولُ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُفَضَّلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لِهَؤُلَاءِ فِي تَأْوِيلِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي التَّفْضِيلِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ التَّفَاضُلُ فِي مُتَعَلَّقِهِ مِثْلَ كَوْنِ بَعْضِهِ أَنْفَعَ لِلنَّاسِ مِنْ بَعْضٍ لِكَوْنِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ أَوْ الْعَمَلِ بِهِ أَخَفَّ مَعَ التَّمَاثُلِ فِي الْأَجْرِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أَيْ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ لَا أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا خَيْرٌ مِنْ تِلْكَ.
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري قَالَ.
نَأْتِ بِحُكْمِ خَيْرٍ لَكُمْ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ: إمَّا فِي الْعَاجِلِ لِخِفَّتِهِ
عَلَيْكُمْ وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ مِنْ أَجْلِ مَشَقَّةِ حَمْلِهِ.
قَالَ: وَالْمُرَادُ مَا نَنْسَخُ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أَيْ حُبَّهُ قَالَ: وَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ خَيْرًا مِنْ شَيْءٍ.
لِأَنَّ جَمِيعَهُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقَالَ: بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَوْ بَعْضُهَا خَيْرٌ مِنْ بَعْضٍ.
وَطَرْدُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ فَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَسْمَائِهِ أَعْظَمَ أَوْ أَفْضَلَ أَوْ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَالَ: مَعْنَى الِاسْمِ الْأَعْظَمِ: الْعَظِيمُ وَكُلُّهَا سَوَاءٌ فِي الْعَظَمَةِ وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ حَالُ النَّاسِ حِينَ الدُّعَاءِ فَيَكُونُ الْأَعْظَمُ بِحَسَبِ حَالِ الدُّعَاءِ لَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ أَعَظُمَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ نَظِيرَ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِمَنْ مَنَعَ تَفْضِيلَهُ أَنَّ الْمُرَادَ يَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ أَوْ خَيْرًا كَوْنُهُ فَاضِلًا فِي نَفْسِهِ؛ لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يُحْكَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ قَالُوا: إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَظِيمٌ فَاضِلٌ وَقَالُوا: مُقْتَضَى الْأَفْضَلِ تَقْصِيرُ الْمَفْضُولِ عَنْهُ وَكَلَامُ اللَّهِ لَا يَتَبَعَّضُ وَهَذَا يَقُولُونَهُ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ عِنْدَهُمْ يَمْتَنِعُ فِيهِ تَمَاثُلُ أَوْ تَفَاضُلُ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَلِامْتِنَاعِ التَّغَايُرِ وَلَا يَقُولُونَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ قَالُوا: لِأَنَّ الْكَلَامَ
يَمْتَنِعُ قِيَامُهُ بِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ قِيَامُهُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ قَائِمًا بِغَيْرِهِ لَبَطَلَ أَصْلُهُمْ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ هُمْ وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَرَدُّوا بِهِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَهَؤُلَاءِ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ عِنْدَهُمْ وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِهِمْ.
وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ يَقُولُ: إنَّ لَفْظَ " كَلَامِ اللَّهِ " يَقَعُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَعَلَى الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْمَخْلُوقِ الدَّالِّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُوَ الَّذِي يَمْتَنِعُ تَفَاضُلُهُ عِنْدَهُمْ.
وَأَصْلُ هَؤُلَاءِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ الْمَعَانِي بَلْ هُوَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فَقَطْ وَأَنَّ مَعَانِيَ كِتَابِ اللَّهِ هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ.
فَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ وَالْفَاتِحَةِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَتَبَّتْ وَمَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَكُلِّ حَدِيثٍ إلَهِيٍّ وَكُلِّ مَا يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكُلِّ مَا يُكَلِّمُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ: إنَّمَا هِيَ مَعْنًى وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ لَا بِالنَّوْعِ.
وَلَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ بَلْ كَلَامُ غَيْرِهِ: جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ الْوَاحِدِ هُوَ الْأَمْرُ بِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ مَا نَهَى عَنْهُ وَالْإِخْبَارُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ لَيْسَتْ أَنْوَاعًا لِلْكَلَامِ وَأَقْسَامًا لَهُ فَإِنَّ الْوَاحِدَ بِالْعَيْنِ لَا يَقْبَلُ
التَّنْوِيعَ وَالتَّقْسِيمَ؛ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّنْوِيعَ وَالتَّقْسِيمَ وَإِنَّمَا هِيَ صِفَاتٌ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ بِالْعَيْنِ وَهِيَ صِفَاتٌ إضَافِيَّةٌ لَهُ فَإِذَا تَعَلَّقَ بِمَا يُطْلَبُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَانَ أَمْرًا وَإِذَا تَعَلَّقَ بِمَا يُنْهَى عَنْهُ كَانَ نَهْيًا وَإِذَا تَعَلَّقَ بِمَا يُخْبَرُ عَنْهُ كَانَ خَبَرًا.
وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: فَسَادُ هَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَعَانِيَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَيْسَتْ هِيَ مَعَانِي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَلَا مَعَانِي آيَةِ الدَّيْنِ مَعَانِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَلَا مَعَانِي الْخَبَرِ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ هِيَ مَعَانِي الْخَبَرِ عَنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَأَنَّ تَعَلُّقَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْحَقَائِقِ الْمَخْبَرِ عَنْهَا وَالْأَفْعَالُ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إنْ كَانَ أَمْرًا وُجُودِيًّا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ فَإِنْ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ فَقَدْ تَعَدَّدَتْ مَعَانِي الْكَلَامِ الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ وَإِنْ قَامَ بِذَاتِ غَيْرِهِ كَانَ صِفَةً لِذَلِكَ الْغَيْرِ لَا لِلَّهِ وَإِنْ قَامَ لَا بِمَحَلِّ كَانَ مُمْتَنِعًا؛ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا؛ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْحَقَائِقِ أَمْرًا عَدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُمَيَّزُ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ إذْ كَانَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمْتَازَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ.
وَالْحَقَائِقُ الْمَخْبَرُ عَنْهَا وَالْمَأْمُورُ بِهَا وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا لَا تَكُونُ بِأَنْفُسِهَا مُخْبَرًا بِهَا وَمَأْمُورًا بِهَا وَمَنْهِيًّا عَنْهَا بَلْ الْخَبَرُ عَنْهَا وَالْأَمْرُ بِهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا هُوَ غَيْرُ ذَوَاتِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَا أَمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي لَا امْتِيَازَ فِيهِ وَلَا تَعَدُّدَ وَغَيْرُ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ: لَمْ
يَكُنْ هُنَا مَا يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَلَا مَا يَجْعَلُ مَعَانِيَ آيَةِ الْوُضُوءِ غَيْرَ مَعَانِي آيَةِ الدَّيْنِ فَإِنَّ الْحُرُوفَ الْمَخْلُوقَةَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى إنْ لَمْ تَدُلَّ إلَّا عَلَيْهِ فَلَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَلَا تَنْوِيعَ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى التَّعَلُّقَاتِ الَّتِي هِيَ عَدَمِيَّةٌ فَالْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءِ حَتَّى يَكُونَ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا وَلَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى وَتَعَلُّقُهُ بِالْحَقَائِقِ الْمَخْبَرِ عَنْهَا وَالْمَأْمُورِ بِهَا وَنَفْسُ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ الْمَخْلُوقِ عِنْدَهُمْ هُوَ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى فَالْمَدْلُولُ إنْ كَانَ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ أَمْرٌ عَنْ خَبَرٍ وَلَا أَمْرٌ بِصَلَاةِ عَنْ أَمْرٍ بِزَكَاةِ وَلَا نَهْيٌ عَنْ الْكُفْرِ عَنْ إخْبَارٍ بِتَوْحِيدِ.
وَإِنْ كَانَتْ التَّعَلُّقَاتُ عَدَمِيَّةً فَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءِ وَلَا يَكُونُ الْعَدَمُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا وَلَا يَكُونُ مَدْلُولُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَسَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ أُمُورًا عَدَمِيَّةً لَا وُجُودَ لَهَا وَلَا تَكُونُ الْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ هِيَ الَّتِي بِهَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ وَحَرَّمَ الظُّلْمَ وَلَا يَكُونُ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ بِتِلْكَ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ إلَّا صِفَاتٍ إضَافِيَّةً وَهِيَ مِنْ مَعْنَى السَّلْبِيَّةِ فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ سَلْبَ أَمْرٍ مَوْجُودٍ فَهِيَ تَعَلُّقٌ لَيْسَ بِمَوْجُودِ.
فَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ - عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ - أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ لَا مَعَانٍ وَلَا حُرُوفٌ إلَّا بِمَعْنَى وَاحِدٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ مَوْجُودَةً وَلَا مَعْلُومَةً.
وَمِنْ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَانَ الْمَفْضُولُ نَاقِصًا عَنْ الْفَاضِلِ وَصِفَاتُ اللَّهِ كَامِلَةٌ لَا نَقْصَ فِيهَا وَالْقُرْآنُ
مِنْ صِفَاتِهِ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: صِفَاتُ اللَّهِ كُلُّهَا مُتَوَافِرَةٌ فِي الْكَمَالِ مُتَنَاهِيَةٌ إلَى غَايَةِ التَّمَامِ لَا يَلْحَقُ شَيْئًا مِنْهَا نَقْصٌ بِحَالِ.
ثُمَّ لَمَّا اعْتَقَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ مُمْتَنِعٌ ظَنُّوا أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِهِ عَلَى بَعْضٍ لَا يُمْكِنُ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ.
قَالُوا: وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ التَّفَاضُلُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الِاعْتِقَادِ صَارَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ يَذْكُرُ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ التَّفْضِيلِ فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الدَّرَّاجِ فِي مُصَنَّفٍ صَنَّفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: " أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ آيِ الْقُرْآنِ وَسُورِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَفْضِيلَ ذَوَاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ؛ إذْ هُوَ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ بَلْ هُوَ كُلُّهُ لِلَّهِ فَاضِلٌ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ الْوَاجِبِ لَهَا نَعْتُ الْكَمَالِ ". وَهَذَا النَّقْلُ لِلْإِجْمَاعِ هُوَ بِحَسَبِ مَا ظَنَّهُ لَازِمًا لِأَهْلِ السُّنَّةِ فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ وَظَنَّ هُوَ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ إنَّمَا تَقَعُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ لَا فِي الصِّفَاتِ قَالَ مَا قَالَ.
وَإِلَّا فَلَا يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّهُ أَنْكَرَ فَضْلَ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضَهُ
عَلَى بَعْضٍ: لَا فِي نَفْسِهِ وَلَا فِي لَوَازِمِهِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا إجْمَاعًا.
وَلَيْسَ هُوَ لَازِمًا لِابْنِ كُلَّابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ وُقُوعَ الْمُفَاضَلَةِ فِي الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ مَخْلُوقٌ عِنْدَهُمْ وَهَذَا الْمَخْلُوقُ يُسَمَّى " كِتَابَ اللَّهِ " وَالْمَعْنَى الْقَدِيمُ يُسَمَّى " كَلَامُ اللَّهِ " وَلَفْظُ " الْقُرْآنِ " يُرَادُ بِهِ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَدِيمُ وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ الْمَخْلُوقُ.
وَحِينَئِذٍ فَهِمَ يَتَأَوَّلُونَ مَا وَرَدَ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ عَلَى الْقُرْآنِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَهُمْ.
وَإِنَّمَا الْقَوْلُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْ اللَّهِ بَلْ كَفَّرُوا مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَالْكُتُبُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا أَلْفَاظُهُمْ بِأَسَانِيدِهَا وَغَيْرِ أَسَانِيدِهَا كَثِيرَةٌ: مِثْلُ: (كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة) لِلْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَ (الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الجعفي شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَ (الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة) لِلْحَكَمِ بْنِ مَعْبَدٍ الخزاعي وَ (كِتَابِ السُّنَّةِ) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَ (السُّنَّةِ) لِحَنْبَلِ ابْنِ عَمِّ الْإِمَامِ أَحْمَد وَ (السُّنَّةِ) لِأَبِي دَاوُد السجستاني وَ (السُّنَّةِ) لِلْأَثْرَمِ وَ (السُّنَّةِ) لِأَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ وَ (السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ) لِخُشَيْشِ بْنِ أَصْرَمَ
وَ (الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة) لِعُثْمَانِ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي.
وَ (نَقْضِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى الجهمي الْكَاذِبِ الْعَنِيدِ فِيمَا افْتَرَى عَلَى اللَّهِ فِي التَّوْحِيدِ) وَ (كِتَابِ التَّوْحِيدِ) لِابْنِ خُزَيْمَة وَ (السُّنَّةِ للطبراني) وَلِأَبِي الشَّيْخِ الأصبهاني وَ (شَرْحِ أُصُولِ السُّنَّةِ) لِأَبِي الْقَاسِمِ اللالكائي وَ (الْإِبَانَةِ) لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وَكُتُبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ منده وَ (السُّنَّةِ) لِأَبِي ذَرٍّ الهروي وَ (الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) للبيهقي وَ (الْأُصُولِ) لِأَبِي عُمَرَ الطلمنكي وَ (الْفَارُوقِ) لِأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ وَ (الْحُجَّةِ) لِأَبِي الْقَاسِمِ التيمي.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي يَطُولُ تَعْدَادُهَا: الَّتِي يَذْكُرُ مُصَنِّفُوهَا الْعُلَمَاءُ الثِّقَاتُ مَذَاهِبَ السَّلَفِ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ عَنْهُمْ بِأَلْفَاظِهِمْ الْكَثِيرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي تُعْرَفُ مِنْهَا أَقْوَالُهُمْ مَعَ أَنَّهُ مِنْ حِينِ مِحْنَةِ الْجَهْمِيَّة لِأَهْلِ السُّنَّةِ - الَّتِي جَرَتْ فِي زَمَنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ لَمَّا صَبَرَ فِيهَا الْإِمَامُ أَحْمَد وَقَامَ بِإِظْهَارِ السُّنَّةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مِحْنَةِ الْجَهْمِيَّة حَتَّى نَصَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالسُّنَّةَ وَأَطْفَأَ نَارَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ - ظَهَرَ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ وَانْتَشَرَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الْمُتَّبِعِينَ لِلسَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ الَّذِينَ أَحْدَثُوا فِي الْإِسْلَامِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ هُمْ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمِنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْجَهْمِيَّة لَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ.
فَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ
كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ الَّذِينَ كَانُوا أَئِمَّةَ الْمِحْنَةِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَمْثَالِهِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا هَذَا نَقْلٌ لِمَا يَظُنُّهُ النَّاقِلُ لَازِمًا لِمَذْهَبِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ لَا مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَظَنَّ هَذَا النَّاقِلُ أَنَّ التَّفَاضُلَ يَمْتَنِعُ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ نَقَلَ امْتِنَاعَ التَّفَاضُلِ عَنْهُمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّلَازُمِ.
وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَمَنْقُولَةٌ عَنْهُمْ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ لَا تَتَفَاضَلُ فَهَلْ يُمْكِنُك أَنْ تَنْقُلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ قَوْلًا بِذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَنْقُلَ إجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا عَلِمْت أَحَدًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُثْبِتَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا إجْمَاعًا.
وَلَكِنْ إنْ كَانَ قَالَ قَائِلٌ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْلُغْنَا قَوْلُهُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لَكِنَّ الَّذِي أَقْطَعُ بِهِ وَيَقْطَعُ بِهِ كُلُّ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِكَلَامِ السَّلَفِ أَنَّ الْقَوْلَ بِهَذَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بَيْنَ السَّلَفِ وَلَا قَالَهُ وَاحِدٌ وَاشْتَهَرَ قَوْلُهُ عِنْدَ الْبَاقِينَ فَسَكَتُوا عَنْهُ وَلَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْكُتُبِ الَّتِي نُقِلَ
فِيهَا أَلْفَاظُهُمْ بِأَعْيَانِهَا بَلْ الْمَنْقُولُ الثَّابِتُ عَنْهُمْ - أَوْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ تَفَاضُلَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَكَذَا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَحْمَد عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّمَا مُسْتَنَدُهُمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ كَلَامَهُ مِنْ صِفَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّ التَّفَاضُلَ إنَّمَا يَقَعُ فِي الْمَخْلُوقِ لَا فِي الصِّفَاتِ وَهَذَا الظَّنُّ لَمْ يَنْقُلُوهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَلَا مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ وَلِهَذَا شَنَّعَ هَؤُلَاءِ عَلَى مَنْ ظَنَّ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ لِظَنِّهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِخِلَافِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي رَدِّهِ لِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إذَا عَدَلَتْ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ أَنَّهَا تَفْضُلُ الرُّبُعَ مِنْهُ وَخُمُسَهُ وَمَا دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ التَّفَاضُلُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَقَالَ: فَهَذَا لَوْلَا عُذْرُ الْجَهَالَةِ لَحُكِمَ عَلَى قَائِلِهِ بِالْكُفْرِ إذْ لَا يَصِحُّ التَّفَاضُلُ إلَّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ؛ إذْ صِفَاتُهُ كُلُّهَا فَاضِلَةٌ فِي غَايَةِ الْفَضِيلَةِ وَنِهَايَةِ الْعُلُوِّ وَالْكَرَامَةِ فَمَنْ تَنَقَّصَ شَيْئًا مِنْهَا عَنْ سَائِرِهَا فَقَدْ أَلْحَدَ فِيهَا أَلَا تَسْمَعُهُ مَنَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ .
قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ لَا مِنْ صِفَةِ خَلْقِهِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَلَا يَخْلُو مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ تَكُونَ النَّاسِخَةُ خَيْرًا مِنْ الْمَنْسُوخَةِ فِي ذَاتِهَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَيْرًا مِنْهَا لِمَنْ تَعَبَّدَ بِهَا إذْ مُحَالٌ أَنْ يَتَفَاضَلَ الْقُرْآنُ فِي ذَاتِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ؛ إذْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ صِفَةُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا مُتَوَافِرَةٌ فِي الْكَمَالِ مُتَنَاهِيَةٌ إلَى غَايَةِ التَّمَامِ لَا يَلْحَقُ شَيْئًا مِنْهَا نَقْصٌ بِحَالِ.
فَلَمَّا اسْتَحَالَ أَنْ تَكُونَ آيَةٌ خَيْرًا مِنْ آيَةٍ فِي ذَاتِهَا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخَيْرِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ لِلْمُتَعَبِّدِينَ بِهَا لَمْ يَنْقُلْ عِبَادَهُ مِنْ تَخْفِيفٍ إلَى تَثْقِيلٍ وَلَكِنَّهُ نَقَلَهُمْ بِالنَّسْخِ مِنْ تَحْرِيمٍ إلَى تَحْلِيلٍ وَمِنْ إيجَابٍ إلَى تَخْيِيرٍ وَمِنْ تَطْهِيرٍ إلَى تَطْهِيرٍ وَالشَّاهِدُ لَنَا قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: " لَوْلَا عُذْرُ الْجَهَالَةِ لَحُكِمَ عَلَى مُثْبِتِ الْمُفَاضَلَةِ بِالْكُفْرِ " فَهُمْ يُقَابِلُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَحُجَّتُهُمْ أَقْوَى.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفْرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ بَلْ عُلِمَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا وَإِنَّمَا الْكَافِرُ مَنْ أَنْكَرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَصٌّ يَمْنَعُ تَفْضِيلَ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ بَلْ وَلَا يَمْنَعُ تَفَاضُلَ صِفَاتِهِ
تَعَالَى بَلْ وَلَا نَقْلَ هَذَا النَّفْيِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ لِسَانُ صِدْقٍ فِي الْأُمَّةِ بِحَيْثُ جُعِلُوا أَعْلَامًا لِلسُّنَّةِ وَأَئِمَّةً لِلْأُمَّةِ.
وَأَمَّا تَفْضِيلُ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ؛ بَلْ تَفْضِيلُ بَعْضِ صِفَاتِهِ عَلَى بَعْضِ: فَدَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ كَثِيرَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنَّهَا لَا تَتَفَاضَلُ لَمْ يَكُنْ نَفْيُ تَفَاضُلِهَا مَعْلُومًا إلَّا بِالْعَقْلِ لَا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهَا تَتَفَاضَلُ فَالدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ الْعَقْلِيَّةِ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ التَّفْضِيلُ لَكَانَ كُفْرُ جَاحِدِ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ كُفْرِ مَنْ يُثْبِتُ التَّفْضِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ جَحَدَ مُوجِبَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ بَلْ لَمَّا رَآهُ بِعَقْلِهِ وَأَخْطَأَ فِيهِ؛ إذْ نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْكُفْرِ مِمَّنْ لَمْ يُخَالِفْ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ وَإِنَّمَا خَالَفَ مَا عُلِمَ بِالْعَقْلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا.
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ نفاة الصِّفَاتِ لَمَّا تَأَمَّلَ حَالَ أَصْحَابِهِ وَحَالَ مُثْبِتِيهَا قَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّ حَالَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَالِنَا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إنْ كَانُوا مُصِيبِينَ فَقَدْ نَالُوا الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالرِّضْوَانَ الْأَكْبَرَ وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ يَا رَبِّ صَدَّقْنَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُك
وَسُنَّةُ رَسُولِك إذْ لَمْ تُبَيِّنْ لَنَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَفْيَ الصِّفَاتِ كَمَا دَلَّ كَلَامُك عَلَى إثْبَاتِهَا فَنَحْنُ أَثْبَتْنَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُك وَكَلَامُ رَسُولِك فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ فَلَمْ يُبَيِّنْ الرَّسُولُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ خِلَافَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ بَلْ إنَّ قُدِّرَ أَنَّهُ حَقٌّ فَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا الْأَفْرَادُ فَكَيْفَ وَعَامَّةُ الْمُنْتَهِينَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ إلَى الْغَايَةِ يُقِرُّونَ بِالْحَيْرَةِ وَالِارْتِيَابِ.
قَالَ النَّافِي: وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ مُصِيبِينَ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَنَا: أَنْتُمْ قُلْتُمْ شَيْئًا لَمْ آمُرْكُمْ بِقَوْلِهِ وَطَلَبْتُمْ عِلْمًا لَمْ آمُرْكُمْ بِطَلَبِهِ.
فَالثَّوَابُ إنَّمَا يَكُونُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَأَنْتُمْ لَمْ تَمْتَثِلُوا أَمْرِي.
قَالَ: وَإِنْ كُنَّا مُخْطِئِينَ فَقَدْ خَسِرْنَا خُسْرَانًا مُبِينًا.
وَهَذَا حَالُ مَنْ أَثَبَتَ الْمُفَاضَلَةَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَمَنْ نَفَاهَا فَإِنَّ الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ.
وَاحْتِجَاجُ الْمُحْتَجِّ عَلَى نَفْيِ التَّفَاضُلِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ
سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهَا مَنْ آمَنَ بِبَعْضِهِ وَكَفَرَ بِبَعْضِهِ أَوْ أُرِيدَ بِهَا مَنْ عَضَهَهُ فَقَالَ: هُوَ سِحْرٌ وَشِعْرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ بَلْ مَنْ نَفَى فَضْلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَلَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ جَعَلَهُ عِضِينَ؛ إنْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ كَلَامَهُ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ جَمِيعُهُ كَلَامُ اللَّهِ وَأَقَرَّ بِهِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكْفُرْ بِحَرْفِ مِنْهُ وَعَلِمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ وَأَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا وَأَقَرَّ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِ بَعْضِ كَلَامِهِ كَفَضْلِ (فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ (آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَلْ وَتَفْضِيلُ (يس وَ (تَبَارَكَ وَالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بَلْ وَتَفْضِيلُ (الْبَقَرَةِ وَ (آلِ عِمْرَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السُّورِ وَالْآيَاتِ الَّتِي نَطَقَتْ النُّصُوصُ بِفَضْلِهَا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ كَلَامًا لِغَيْرِهِ لَا مَعَانِيهِ وَلَا حُرُوفُهُ فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ جَعْلِهِ عِضِينَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ؛ بَلْ آمَنَ بِفَضْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِفَضْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ آمَنَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ وَأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ أَحْدَثَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَهَذَا
أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَنْ عَضَهَ الْقُرْآنُ وَرَمَاهُ بِالْإِفْكِ وَجَعَلَ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامَ مَخْلُوقٍ: إمَّا بَشَرٌ وَإِمَّا مَلِكٌ وَإِمَّا غَيْرُهُمَا فَمَنْ جَعَلَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ وَلَا هُوَ مِنْ إحْدَاثِ مَخْلُوقٍ لَا جِبْرِيلَ وَلَا مُحَمَّدٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْهُ بَلْ جِبْرِيلُ رَسُولٌ مَلَكٌ وَمُحَمَّدٌ رَسُولٌ بَشَرٌ وَاَللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ فَاصْطَفَى لِكَلَامِهِ الرَّسُولَ الْمَلَكِيَّ فَنَزَلَ بِهِ عَلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ الَّذِي اصْطَفَاهُ وَقَدْ أَضَافَهُ إلَى كُلٍّ مِنْ الرَّسُولَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ؛ لَا لِأَنَّهُ أَنْشَأَهُ وَابْتَدَاهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ فَهَذَا نَعْتُ جِبْرِيلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ فَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَضَافَ الْقَوْلَ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمِ الرَّسُولِ فَقَالَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾
لِأَنَّ الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلَى الْمُرْسَلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسَلٍ.
لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا بَشَرٍ بَلْ كَفَرَ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ بَشَرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ ﴿كَلَّا إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ فَمِنْ قَالَ إنَّهُ قَوْلُ بِشَرِّ أَوْ قَوْلُ مَخْلُوقٍ غَيْرِ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ رَسُولٍ مِنْ الْبَشَرِ فَقَدْ صَدَقَ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا التَّبْلِيغُ وَالْأَدَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدّ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي﴾ . وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.
قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ: " مِنْهُ بَدَأَ " أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَبْتَدِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قَالُوا: خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ لَا لِلَّهِ
تَعَالَى؛ لَا سِيَّمَا وَالْجَهْمِيَّة كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَهُمْ غُلَاةٌ فِي الْجَبْرِ وَلَكِنْ الْمُعْتَزِلَةِ تُوَافِقُهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَتُخَالِفُهُمْ فِي الْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ مَا سِوَاهُ لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَلَامٍ كَلَامَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ - وَكَانَ مِنْ غُلَاةِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة يَقُولُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ - قَالَ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَلِهَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ - نَظِيرُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ الَّذِي قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْت أَعْقَلَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْهَاشِمِيِّ - قَالَ: مَنْ قَالَ: ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا﴾ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا كَمَا زَعَمُوا فَلِمَ صَارَ فِرْعَوْنُ أَوْلَى بِأَنْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إذْ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ؟ . وَمَعْنَى ذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِ فِرْعَوْنَ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا﴾ كَلَامًا خَلَقَهُ فِي الشَّجَرَةِ كَانَتْ الشَّجَرَةُ هِيَ الْقَائِلَةُ لِذَلِكَ كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ جَعْلُ الشَّجَرَةِ إلَهًا أَعْظَمَ كُفْرًا مِنْ جَعْلِ فِرْعَوْنَ إلَهًا.