مجموع الفتاوىصفحات 245-284

سُورَةُ الْإِخْلَاصِ

صفحات 245-284
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مَا جَازَ عَلَى الْآخَرِ وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْأَجْسَامُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنْ الْجَوَاهِرِ؛ وَلِهَذَا إذَا أَثْبَتُوا حُكْمًا لِجِسْمٍ قَالُوا: هَذَا ثَابِتٌ لِجَمِيعِ الْأَجْسَامِ بِنَاءً عَلَى التَّمَاثُلِ وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُونَ هَذَا وَحُذَّاقِهِمْ قَدْ أَبْطَلُوا الْحُجَجَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَلَى التَّمَاثُلِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّازِي والآمدي وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ.
وَالْأَشْعَرِيُّ فِي " كِتَابِ الْإِبَانَةِ " جَعَلَ الْقَوْلَ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يَخُصُّ أَحَدَ الْجِسْمَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِأَعْرَاضٍ دُونَ الْآخَرِ بِمُجَرَّدِ الْمَشِيئَةِ عَلَى أَصْلِ الْجَهْمِيَّة أَوْ لِمَعْنَى آخَرَ كَمَا تَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ وَيَقُولُونَ يَمْتَنِعُ انْقِلَابُ الْأَجْنَاسِ فَلَا يَنْقَلِبُ الْجِسْمُ عَرَضًا وَلَا جِنْسٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ فَلَوْ قَالُوا: إنَّ الْأَجْسَامَ مَخْلُوقَةٌ وَأَنَّ الْمَخْلُوقَ يَنْقَلِبُ مِنْ جِنْسٍ إلَى جِنْسٍ آخَرَ لَزِمَ انْقِلَابُ الْأَجْنَاسِ.
فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: أَنَّ التَّوَلُّدَ الْحَاصِلَ فِي الرَّحِمِ وَالثَّمَرَ الْحَاصِلَ فِي الشَّجَرِ وَالنَّارَ الْحَاصِلَةَ مِنْ الزِّنَادِ هِيَ جَوَاهِرُ كانت فِي الْمَادَّةِ الَّتِي خُلِقَ ذَلِكَ مِنْهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ؛ لَكِنْ غُيِّرَتْ صِفَتُهَا بِالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.

وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي أَدِلَّةَ " إثْبَاتِ الصَّانِعِ " ذَكَرَ أَرْبَعَةَ طُرُقٍ: إمْكَانُ الذَّوَاتِ وَحُدُوثُهَا وَإِمْكَانُ الصِّفَاتِ وَحُدُوثُهَا وَالطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ ضَعِيفَةٌ؛ بَلْ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّ الذَّوَاتَ الَّتِي ادَّعَوْا حُدُوثَهَا أَوْ إمْكَانَهَا أَوْ إمْكَانَ صِفَاتِهَا ذَكَرُوهَا بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ لَا يَتَمَيَّزُ فِيهَا الْخَالِقُ عَنْ الْمَخْلُوقِ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَا ادَّعَوْهُ دَلِيلًا صَحِيحًا.
وَأَمَّا " الطَّرِيقُ الرَّابِعُ " وَهُوَ الْحُدُوثُ لِمَا يُعْلَمُ حُدُوثُهُ فَهُوَ طَرِيقٌ صَحِيحٌ وَهُوَ طَرِيقُ الْقُرْآنِ لَكِنْ قَصَّرُوا فِيهِ غَايَةَ التَّقْصِيرِ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى أَصْلِهِمْ لَمْ يَشْهَدُوا حُدُوثَ شَيْءٍ مِنْ الذَّوَاتِ بَلْ حُدُوثُ الصِّفَاتِ وَطَرِيقَةُ الْقُرْآنِ تُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوق وَأَنَّهُ آيَةٌ لِلَّهِ وَقَدْ بَسَّطَ الْكَلَام عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ الَّتِي لَمْ يَصِلُ إلَيْهَا هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةُ وَالْمُتَفَلْسِفَة وَإِنَّ كُلَّ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ حَقِّ فَهُوَ جُزْءٌ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا كَانَ هَذَا أَصْلَهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ - كَانَ أَصْلُهُمْ فِي الْمَعَادِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فَصَارُوا عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تُعْدَمُ الْجَوَاهِرُ ثُمَّ تُعَادُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَتَفَرَّقُ الْأَجْزَاءُ ثُمَّ تَجْتَمِعُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِمْ الْإِنْسَانُ الَّذِي يَأْكُلُهُ حَيَوَانٌ وَذَلِكَ

الْحَيَوَانُ أَكَلَهُ إنْسَانٌ آخَرُ فَإِنْ أُعِيدَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مِنْ هَذَا لَمْ تَعُدْ مِنْ هَذَا.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَحَلَّلُ دَائِمًا فَمَا الَّذِي يُعَادُ أَهُوَ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْمَوْتِ؟ فَإِنْ قِيلَ: بِذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يُعَادَ عَلَى صُورَةٍ ضَعِيفَةٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بَعْضُ الْأَبْدَانُ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ.
فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ أَجْزَاءً أَصْلِيَّةً لَا تَتَحَلَّلُ وَلَا يَكُونُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ الَّذِي أَكَلَهُ الثَّانِي وَالْعُقَلَاءُ يَعْلَمُونَ أَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ كُلَّهُ يَتَحَلَّلُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بَاقٍ فَصَارَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَعَادِ مِمَّا قَوَّى شُبْهَةَ الْمُتَفَلْسِفَةِ فِي إنْكَارٍ مَعَادِ الْأَبْدَانِ وَأَوْجَبَ أَنْ صَارَ طَائِفَةٌ مِنْ النُّظَّارِ إلَى أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ بَدَنًا آخَرَ تَعُودُ الرُّوحُ إلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ تَنْعِيمُ الرُّوحِ وَتَعْذِيبُهَا سَوَاءٌ كَانَ هَذَا فِي الْبَدَنِ أَوْ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ بِإِعَادَةِ هَذَا الْبَدَنِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الرَّازِي فَلَيْسَ فِي كُتُبِهِ وَكُتُبِ أَمْثَالِهِ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ الْكِبَارِ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُوَافِقُ الْمَنْقُولَ وَالْمَعْقُولَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ وَكَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا بَلْ يَذْكُرُ بُحُوثَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمَلَاحِدَةِ وَبُحُوثَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُبْتَدَعَةِ الَّذِينَ بَنَوْا عَلَى أُصُولِ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ فِي مَسَائِلِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ فَاسِدٌ.
إذْ بَنَوْهُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ فَاسِدَةٍ وَالْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ

السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَنَّ الْأَجْسَامَ تَنْقَلِبُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ إنَّمَا يَذْكُرُهُ عَنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ؛ وَهَذَا الْقَوْلُ - وَهُوَ الْقَوْلُ فِي خَلْقِ اللَّهِ لِلْأَجْسَامِ الَّتِي يُشَاهِدُ حُدُوثَهَا أَنَّهُ يُقَلِّبُهَا وَيُحِيلُهَا مِنْ جِسْمٍ إلَى جِسْمٍ - هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً وَالْجُمْهُورُ.
وَلِهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي النَّجَاسَةِ هَلْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ أَمْ لَا؟ كَمَا تَسْتَحِيلُ الْعَذِرَةُ رَمَادًا وَالْخِنْزِيرُ وَغَيْرُهُ مِلْحًا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَالْمَنِيُّ الَّذِي فِي الرَّحِمِ يَقْلِبُهُ اللَّهُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً وَكَذَلِكَ الثَّمَرُ يُخْلَقُ بِقَلْبِ الْمَادَّةِ الَّتِي يُخْرِجُهَا مِنْ الشَّجَرَةِ مِنْ الرُّطُوبَةِ مَعَ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَادِّ الَّتِي يَقْلِبُهَا ثَمَرَةً بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَذَلِكَ الْحَبَّةُ يَفْلِقُهَا وَتَنْقَلِبُ الْمَوَادُّ الَّتِي يَخْلُقُهَا مِنْهَا سُنْبُلَةً وَشَجَرَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ وَهَكَذَا خَلْقُهُ لِمَا يَخْلُقُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ الطِّينِ فَقَلَبَ حَقِيقَةَ الطِّينِ فَجَعَلَهَا عَظْمًا وَلَحْمًا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَكَذَلِكَ الْمُضْغَةُ يَقْلِبُهَا عِظَامًا وَغَيْرَ عِظَامٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ . وَكَذَلِكَ النَّارُ يَخْلُقُهَا بِقَلْبِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الزِّنَادِ نَارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ . فَنَفْسُ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ جَعَلَهَا اللَّهُ نَارًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِي الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارٌ أَصْلًا كَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الشَّجَرَةِ ثَمَرَةٌ أَصْلًا وَلَا كَانَ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ جَنِينٌ أَصْلًا؛ بَلْ خَلَقَ هَذَا الْمَوْجُودَ مِنْ مَادَّةِ غَيْرِهِ بِقَلْبِهِ تِلْكَ الْمَادَّةِ إلَى هَذَا وَبِمَا ضَمَّهُ إلَى هَذَا مِنْ مَوَادَّ أُخَرٍ وَكَذَلِكَ الْإِعَادَةُ يُعِيدُهُ بَعْد أَنْ يَبْلَى كُلَّهُ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ.
مِنْهُ خُلِقَ ابْنُ آدَمَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ﴾ . وَهُوَ إذَا أَعَادَ الْإِنْسَانَ فِي النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النَّشْأَةُ مُمَاثَلَةً لِهَذِهِ فَإِنَّ هَذِهِ كَائِنَةٌ فَاسِدَةٌ وَتِلْكَ كَائِنَةٌ لَا فَاسِدَةَ بَلْ بَاقِيَةٌ دَائِمَةٌ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَضَلَاتٌ فَاسِدَةٌ تَخْرُجُ مِنْهُمْ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَبُولُونَ وَلَا يتغوطون وَلَا يَبْصُقُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَإِنَّمَا هُوَ رَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ } فَهُمْ يَعُودُونَ غُلْفًا لَا مَخْتُونِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ: كَمَا بَدَأَكُمْ فَخَلَقَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا كَذَلِكَ تَعُودُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْيَاءَ وَقَالَ قتادة بَدْأَهُمْ

مِنْ التُّرَابِ وَإِلَى التُّرَابِ يَعُودُونَ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ وَقَالَ: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ . وَهُوَ قَدْ شَبَّهَ سُبْحَانَهُ إعَادَةَ النَّاسِ فِي النَّشْأَةِ الْأُخْرَى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .

وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْخَلْقَ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ وَأَنَّهُ يُخْرِجُ النَّاسَ مِنْ الْأَرْضِ تَارَةً أُخْرَى هُوَ يُخْبِرُ أَنَّ الْمَعَادَ هُوَ الْمَبْدَأُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وَيُخْبِرُ أَنَّ الثَّانِيَ مِثْلُ الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلَّا قَلِيلًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ . وَالْمُرَادُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ مِثْلِهِمْ هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى إعَادَتِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ

بِذَلِكَ.
فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فَإِنَّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي هَذِهِ الدَّارِ نَاسًا أَمْثَالَهُمْ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ الْمُشَاهَدُ يَخْلُقُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ يَخْلُقُ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَهَذِهِ هِيَ النَّشْأَةُ الْأُولَى وَقَدْ عَلِمُوهَا وَبِهَا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ البجلي: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أَيْ أَخُلُقُكُمْ لِلْبَعْثِ بَعْد الْمَوْتِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ شِئْت وَذَلِكَ أَنَّكُمْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الْأُولَى كَيْفَ كَانَتْ فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَلَيْسَتْ الْأُخْرَى كَذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّشْأَة الْأُولَى كَانَ الْإِنْسَانُ نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ ثُمَّ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ وَتِلْكَ النُّطْفَةُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَهُوَ يُغَذِّيهِ بِدَمِ الطَّمْثِ الَّذِي يُرَبِّي اللَّهُ بِهِ الْجَنِينَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ: ظُلْمَةٍ الْمَشِيمَةِ وَظُلْمَةِ

الرَّحِمِ وَظُلْمَةِ الْبَطْنِ وَالنَّشْأَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَكُونُونَ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ وَلَا يُغَذُّونَ بِدَمِ وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمْ نُطْفَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً بَلْ يَنْشَئُونَ نَشْأَةً أُخْرَى وَتَكُونُ الْمَادَّةُ مِنْ التُّرَابِ كَمَا قَالَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إخْرَاجًا﴾ وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿إنَّ الْأَرْضَ تُمْطِرُ مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ يَنْبُتُونَ فِي الْقُبُورِ كَمَا يَنْبُتُ النَّبَاتُ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَعُلِمَ أَنَّ النَّشْأَتَيْنِ نَوْعَانِ تَحْتَ جِنْسٍ يَتَّفِقَانِ وَيَتَمَاثَلَانِ وَيَتَشَابَهَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَفْتَرِقَانِ وَيَتَنَوَّعَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَلِهَذَا جُعِلَ الْمَعَادُ هُوَ الْمَبْدَأَ وَجُعِلَ مِثْلَهُ أَيْضًا.
فَبِاعْتِبَارِ اتِّفَاقِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ فَهُوَ هُوَ وَبِاعْتِبَارِ مَا بَيْنَ النَّشْأَتَيْنِ مِنْ الْفَرْقِ فَهُوَ مِثْلُهُ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا أُعِيدَ.
فَلَفْظُ الْإِعَادَةِ يَقْتَضِي الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ إعَادَةُ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ كَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلِ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ﴾ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: أَعِدْ كَلَامَك وَفُلَانٌ قَدْ أَعَادَ كَلَامَ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ وَيُعِيدُ الدَّرْسَ.
فَالْكَلَامُ هُوَ الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ صَوْتُ الثَّانِي غَيْرَ صَوْتِ الْأَوَّلِ وَحَرَكَتِهِ وَلَا

يُطْلَقُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.
وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى مَثَلًا مُقَيَّدًا حَتَّى يُقَالَ لِمَنْ حَكَى كَلَامَ غَيْرِهِ هَكَذَا قَالَ فُلَانٌ أَيْ مِثْلُ هَذَا قَالَ وَيُقَالُ فَعَلَ هَذَا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ أُولَى وَمِنْهُ الْبِئْرُ الْبَدِيُّ وَالْبِئْرُ الْعَادِيُّ فَالْبَدِيُّ الَّتِي اُبْتُدِئَتْ وَالْعَادِيُّ الَّتِي أُعِيدَتْ وَلَيْسَتْ بِنِسْبَةِ إلَى عَادٍ.
كَمَا قِيلَ.
وَيُقَالُ اسْتَعَدْته الشَّيْءَ فَأَعَادَهُ إذَا سَأَلْته أَنْ يَفْعَلَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْعَادَةُ يُقَالُ: عَادَهُ وَاعْتَادَهُ وَتَعَوَّدَهُ أَيْ صَارَ عَادَةً لَهُ: وَعَوَّدَ كَلْبَهُ الصَّيْدَ فَتَعَوَّدَهُ وَهُوَ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ وَالْمُعَاوَدَةُ الرُّجُوعُ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَيُقَالُ الشُّجَاعُ مُعَاوِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمَلُّ الْمِرَاسَ.
وَعَاوَدَتْهُ الْحُمَّى وَعَاوَدَهُ بِالْمَسْأَلَةِ أَيْ سَأَلَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وتعاود الْقَوْمُ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا إذَا عَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى صَاحِبِهِ وَالْعُوَّادُ بِالضَّمِّ مَا أُعِيدَ مِنْ الطَّعَامِ بَعْدَ مَا أُكِلَ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى وَعَوَادٍ بِمَعْنَى عُدْ مِثْلُ نزال بِمَعْنَى انْزِلْ.
فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْإِعَادَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ هِيَ الْأُولَى وَإِنْ تَعَدَّدَ الشَّخْصُ وَلِهَذَا يُقَالُ: هُوَ مِثْلُهُ وَيُقَالُ هَذَا هُوَ هَذَا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَأَعْنِي بِالْحَقِيقَةِ الْأَمْرَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّخْصِ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ

الْفَاعِلِينَ فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ غَيْرِهِ لَا يُقَالُ أَعَادَهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ حَاكَاهُ وَشَابَهَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعَادَ فِعْلًا ثَانِيًا مِثْلَ مَا فَعَلَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ يُقَالُ أَعَادَ فِعْلَهُ وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ أَعَادَ كَلَامَ غَيْرِهِ قَدْ أَعَادَهُ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَنْشَأَ مِثْلَهُ قَدْ أَعَادَهُ وَيُقَالُ قُرِئَ عَلَى هَذَا وَأَعَادَ عَلَى هَذَا وَهَذَا يَقْرَأُ أَيْ يَدْرُسُ وَهَذَا يُعِيدُ وَلَوْ كَانَ كَلَامًا آخَرَ مِمَّا يُمَاثِلُهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ يُعِيدُ وَكَذَلِكَ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَصُوغِ يُقَالُ أُعِدْهُ كَمَا كَانَ وَيُقَالُ لِمَنْ هَدَمَ دَارًا أَعِدْهَا كَمَا كَانَتْ بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ أُخْرَى مِثْلَهَا فَإِنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى مُعِيدًا وَالْمَعَادُ يُقَالُ فِيهِ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ وَيُقَالُ هَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ هُوَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ مِثْلُهُ مِنْ وَجْهٍ.
وَبِهَذَا تَزُولُ الشُّبُهَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْإِعَادَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ إعَادَةِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْنَعُ إعَادَتُهُ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا يُعَادُ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّهُ لَا مُغَايَرَةَ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَالْإِعَادَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا هِيَ الْإِعَادَةُ الْمَعْقُولَةُ فِي هَذَا الْخِطَابِ وَهِيَ الْإِعَادَةُ الَّتِي فَهِمَهَا الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُ الْإِعَادَةِ وَالْمَعَادُ هُوَ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ لَوَازِمَ الْإِعَادَةِ وَلَوَازِمِ الْبَدْأَةِ فَرْقٌ فَذَلِكَ الْفَرْقُ لَا يَمْنَعُ

أَنْ يَكُونَ قَدْ - أُعِيدَ الْأَوَّلُ لَيْسَ الْجَسَدُ الثَّانِي مُبَايِنًا لِلْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ وَلَا أَنَّ النَّشْأَةَ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ وَكَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا كَذَلِكَ يُعِيدُهُ بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا فَالْإِنْسَانُ الَّذِي صَارَ تُرَابًا وَنَبَتَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ نَبَاتٌ آخَرُ أَكَلَهُ إنْسَانٌ آخَرُ وَهَلُمَّ جَرًّا وَالْإِنْسَانُ الَّذِي أَكَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ وَأَكَلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ إنْسَانًا آخَرَ فَفِي هَذَا كُلِّهِ قَدْ عُدِمَ هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا الْإِنْسَانُ وَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا تُرَابًا " كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ ثُمَّ يُعَادَ هَذَا وَيُعَادَ هَذَا مِنْ التُّرَابِ وَإِنَّمَا يَبْقَى عَجْبُ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ.
وَأَمَّا سَائِرُهُ فَعَدَمٌ " فَيُعَادُ مِنْ الْمَادَّةِ الَّتِي اسْتَحَالَ إلَيْهَا فَإِذَا اسْتَحَالَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ أَلْفُ مَيِّتٍ وَصَارُوا كُلُّهُمْ تُرَابًا فَإِنَّهُمْ يُعَادُونَ وَيَقُومُونَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبْرِ وَيُنْشِئُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَدَمًا مَحْضًا كَمَا أَنْشَأَهُمْ أَوَّلًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَدَمًا مَحْضًا وَإِذَا صَارَ أَلْفُ إنْسَانٍ تُرَابًا فِي قَبْرٍ أَنْشَأَ هَؤُلَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ كَمَا خَلَقَهُمْ فِي النَّشْأَةِ الْأُولَى الَّتِي خَلَقَهُمْ مِنْهَا مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ وَجَعَلَ نَشْأَتَهُمْ بِمَا يَسْتَحِيلُ إلَى أَبْدَانِهِمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا يَسْتَحِيلُ إلَى بَدَنِ أَحَدِهِمْ مَا يَأْكُلُهُ مِنْ نَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ وَكَذَلِكَ لَوْ أَكَلَ إنْسَانًا أَوْ أَكَلَ حَيَوَانًا قَدْ أَكَلَ إنْسَانًا: فَالنَّشْأَةُ

الثَّانِيَةُ لَا يَخْلُقُهُمْ فِيهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِحَالَةِ بَلْ يُعِيدُ الْأَجْسَادَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُلَهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ إلَى عَلَقَةٍ إلَى مُضْغَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْذُوَهَا بِدَمِ الطَّمْثِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْذُوَهَا بِلَبَنِ الْأُمِّ وَبِسَائِرِ مَا يَأْكُلُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِعَادَةَ تَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي اسْتَحَالَتْ إلَى أَبْدَانِهِمْ فَقَدْ غَلِطَ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا أَكَلَ إنْسَانٌ إنْسَانًا فَإِنَّمَا صَارَ غِذَاءً لَهُ كَسَائِرِ الْأَغْذِيَةِ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْأَغْذِيَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغِذَاءَ يَنْزِلُ إلَى الْمَعِدَةِ طَعَامًا وَشَرَابًا ثُمَّ يَصِيرُ كلوسا كالثردة ثُمَّ كيموسا كَالْحَرِيرَةِ ثُمَّ يَنْطَبِخُ دَمًا فَيَقْسِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ وَيَأْخُذُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ نَصِيبَهُ فَيَسْتَحِيلُ الدَّمُ إلَى شَبِيهِ ذَلِكَ الْجُزْءِ الْعَظْمِ عَظْمًا وَاللَّحْمُ لَحْمًا وَالْعَرَقُ عَرَقًا وَهَذَا فِي الرِّزْقِ كَاسْتِحَالَتِهِمْ فِي مَبْدَأِ الْخَلْقِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً.
وَكَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي الْإِعَادَةِ إلَى أَنْ يُحِيلَ أَحَدَهُمْ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً فَكَذَلِكَ أَغْذِيَتُهُمْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَهَا خُبْزًا وَفَاكِهَةً وَلَحْمًا ثُمَّ يَجْعَلُهَا كلوسا وكيموسا ثُمَّ دَمًا ثُمَّ عَظْمًا وَلَحْمًا وَعُرُوقًا بَلْ يُعِيدُ هَذَا الْبَدَنَ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى لِنَشْأَةٍ ثَانِيَةٍ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ النَّشْأَةِ كَمَا قَالَ: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِحَالَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي النَّشْأَةِ الْأُولَى.

وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ الْبَدَنُ دَائِمًا فِي التَّحَلُّلِ فَإِنَّ تَحَلُّلَ الْبَدَنِ لَيْسَ بِأَعْجَبَ مِنْ انْقِلَابِ النُّطْفَةِ عَلَقَةً وَالْعَلَقَةِ مُضْغَةً وَحَقِيقَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا خِلَافُ حَقِيقَةِ الْأُخْرَى.
وَأَمَّا الْبَدَنُ الْمُتَحَلِّلُ فَالْأَجْزَاءُ الثَّانِيَةُ تُشَابِهُ الْأُولَى وَتُمَاثِلُهَا وَإِذَا كَانَ فِي الْإِعَادَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى انْقِلَابِهِ مِنْ حَقِيقَةٍ إلَى حَقِيقَةٍ فَكَيْفَ بِانْقِلَابِهِ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ رَأَى شَخْصًا وَهُوَ شَابٌّ ثُمَّ رَآهُ وَهُوَ شَيْخٌ عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَاكَ مَعَ هَذِهِ الِاسْتِحَالَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ كَمَنْ غَابَ عَنْ شَجَرَةٍ مُدَّةً ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأُولَى مَعَ أَنَّ التَّحَلُّلَ وَالِاسْتِحَالَةَ ثَابِتٌ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ.
كَمَا هُوَ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَحْتَاجُ عَاقِلٌ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ هِيَ الْأُولَى وَأَنَّ هَذِهِ الْفَرَسَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْ سِنِينَ وَلَا أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي رَآهُ مِنْ عِشْرِينَ سُنَّةً إلَى أَنْ يُقَدِّرَ بَقَاءَ أَجْزَاءٍ أَصْلِيَّةٍ لَمْ تَتَحَلَّلْ وَلَا يَخْطِرُ هَذَا بِبَالِ أَحَدٍ وَلَا يَقْتَصِرْ الْعُقَلَاءُ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا هُوَ ذَاكَ عَلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ وَلَا تَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهَا.
بَلْ إنَّمَا يُشِيرُونَ إلَى جُمْلَةِ الشَّجَرَةِ وَالْفَرَسِ وَالْإِنْسَانُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَانَ صَغِيرًا فَكَبِرَ.
وَلَا يُقَالُ إنَّمَا كَانَ هُوَ ذَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ وَاحِدَةٌ كَمَا زَعَمَهُ مَنْ ادَّعَى أَنَّ الْبَدَنَ الثَّانِيَ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ الْأَوَّلَ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ جَزَاءُ النَّفْسِ بِنَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ

فَفِي أَيْ بَدَنٍ كَانَتْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ مُخَالِفٌ لِلْمَعْقُولِ مِنْ الْإِعَادَةِ.
فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعُقَلَاءَ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا الْفَرَسُ هُوَ ذَاكَ وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ هِيَ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ مِنْ سِنِينَ مَعَ عِلْمِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ النَّبَاتَ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ نَاطِقَةٌ تُفَارِقُهُ وَتَقُومُ بِذَاتِهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: مِثْلَ هَذَا فِي الْحَيَوَانِ وَفِي الْإِنْسَانِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَخْطِرْ بِقُلُوبِهِمْ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِهَذَا وَذَاكَ نَفْسٌ مُفَارَقَةٌ.
بَلْ قَدْ لَا يَخْطِرُ هَذَا بِقُلُوبِهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعُقَلَاءَ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْبَدَنَ هُوَ ذَاكَ مَعَ وُجُودِ الِاسْتِحَالَةِ وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ الَّذِي يُعَادُ فِي النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ هَذَا الْبَدَنُ وَلِهَذَا يَشْهَدُ الْبَدَنُ الْمُعَادُ بِمَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ قَالَ قَوْلًا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا أَوْ رَأَى غَيْرَهُ يَفْعَلُ أَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سُنَّةً شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا قَالَ أَوْ فَعَلَ وَهُوَ الْإِقْرَارُ الَّذِي يُؤَاخَذُ بِمُوجِبِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا قَبَضَهُ

مِنْ الْأَمْوَالِ وَأَقَرَّ بَهْ مِنْ الْحُقُوقِ لَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِ ذَلِكَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَقْبُولَةً مَعَ اسْتِحَالَةِ بَدَنِهِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ: إنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُعَيَّنُ حَيَوَانٌ أَوْ نَبَاتٌ وَشَهِدَ أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ قَبَضَهُ هَذَا مِنْ هَذَا وَأَنَّ هَذَا الشَّجَرَ سَلَّمَهُ هَذَا إلَى هَذَا: كَانَ كَلَامًا مَعْقُولًا مَعَ الِاسْتِحَالَةِ وَإِذَا كَانَتْ الِاسْتِحَالَةُ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ يُعِيدُهُ عَلَى صِفَةِ مَا كَانَ وَقْتَ مَوْتِهِ أَوْ سِمَنِهِ أَوْ هُزَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْهُ فَإِنَّ صِفَةَ تِلْكَ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَتْ مُمَاثَلَةً لِصِفَةِ هَذِهِ النَّشْأَةِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ الصِّفَاتِ هِيَ الْمُغَيَّرَةُ؛ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ اسْتِحَالَةٌ؟ وَلَا اسْتِفْرَاغٌ وَلَا امْتِلَاءٌ وَلَا سِمَنٌ وَلَا هُزَالٌ وَلَا سِيَّمَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إذَا دَخَلُوهَا فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ: طُولَ أَحَدِهِمْ سِتُّونَ ذِرَاعًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَرُوِيَ أَنَّ عَرْضَهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَهُمْ لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبْصُقُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ.
وَلَيْسَتْ تِلْكَ النَّشْأَةُ مِنْ أَخْلَاطٍ مُتَضَادَّةٍ حَتَّى يَسْتَلْزِمَ مُفَارَقَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا كَمَا فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ وَلَا طَعَامُهُمْ مُسْتَحِيلًا وَلَا شَرَابُهُمْ مُسْتَحِيلًا مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ كَمَا هِيَ أطعماتهم فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ وَلِهَذَا أَبْقَى اللَّهُ طَعَامَ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَشَرَابَهُ مِائَةَ عَامٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَدَلَّنَا سُبْحَانَهُ بِهَذَا عَلَى قُدْرَتِهِ فَإِذَا كَانَ فِي دَارِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ يَبْقَى الطَّعَامُ الَّذِي

هُوَ رُطَبٌ وَعِنَبٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَالشَّرَابُ الَّذِي هُوَ مَاءٌ أَوْ مَا فِيهِ مَاءٌ مِائَةَ عَامٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَقُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي النَّشْأَةِ الْأُخْرَى لَا يَتَغَيَّرُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَهَذِهِ الْأُمُورُ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ فَصْلٌ: وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ التَّوَلُّدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلَيْنِ وَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ نَفْسَ الْهَوَاءِ الَّذِي بَيْن الزِّنَادَيْنِ يَسْتَحِيلُ نَارًا بِسُخُونَتِهِ مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ تَخْرُجُ مِنْهُمَا تَنْقَلِبُ نَارًا فَقَدْ غَلِطَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تَخْرُجُ نَارٌ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمَا مَادَّةٌ بِالْحَكِّ وَلَا تَخْرُجْ النَّارُ بِمُجَرَّدِ الْحَكِّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَقْدَحُونَ عَلَى شَيْءٍ أَسْفَلَ مِنْ الزِّنَادَيْنِ كَالصُّوفَانِ وَالْحِرَاقِ فَتَنْزِلُ النَّارُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَنْزِلُ الثَّقِيلُ فَلَوْلَا أَنَّ هُنَاكَ جُزْءًا ثَقِيلًا مِنْ الزِّنَادِ الْحَدِيدِ وَالْحَجَرِ لَمَا نَزَلَتْ النَّارُ وَلَوْ كَانَ الْهَوَاءُ وَحْدَهُ انْقَلَبَ نَارًا لَمْ يَنْزِلْ لِأَنَّ الْهَوَاءَ طَبْعُهُ الصُّعُودُ لَا الْهُبُوطُ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ تَنْقَلِبَ الْمَادَّةُ الْخَارِجَةُ نَارًا قَدْ يَنْقَلِبُ الْهَوَاءُ الْقَرِيبُ مِنْهَا نَارًا: إمَّا دُخَانًا وَإِمَّا لَهِيبًا.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَاتِ خُلِقَتْ مِنْ أَصْلَيْنِ كَمَا خُلِقَ آدَمَ مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَإِلَّا فَالتُّرَابُ الْمَحْضُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ مَاءٌ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ شَيْءٌ لَا حَيَوَانٌ وَلَا نَبَاتٌ.
وَالنَّبَاتُ جَمِيعُهُ إنَّمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ أَصْلَيْنِ أَيْضًا وَالْمَسِيحُ خُلِقَ مِنْ مَرْيَمَ وَنَفْخَةِ جِبْرِيلَ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ . وَقَالَ: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ وَقَالَ ﴿فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قَالَ إنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا.
وَالْجَيْبُ هُوَ الطَّوْقُ الَّذِي فِي الْعُنُقِ لَيْسَ هُوَ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْعَامَّةِ جَيْبًا وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي مُقَدَّمِ الثَّوْبِ لِوَضْعِ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا وَمُوسَى لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ: هُوَ ذَلِكَ الْجَيْبُ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ قَوْلَيْنِ: هَلْ كَانَتْ النَّفْخَةُ فِي جَيْبِ الدِّرْعِ؟ أَوْ فِي الْفَرْجِ.
فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ فِي فَرْجِ دِرْعِهَا وَإِنَّ مَنْ قَالَ هُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ قَالَ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَخَ فِي دِرْعِهَا لَا فِي فَرْجِهَا وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءِ بَلْ هُوَ عُدُولٌ عَنْ صَرِيحِ الْقُرْآنِ.
وَهَذَا النَّقْلُ إنْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يُنَاقِضْ الْقُرْآنَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ نَقَلَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ فِي جَيْبِ الدِّرْعِ فَمُرَادُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ

يَكْشِفْ بَدَنَهَا وَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ كَانَ إذَا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَائِشَةُ مُتَجَرِّدَةٌ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً فَنَفَخَ فِي جَيْبِ الدِّرْعِ فَوَصَلَتْ النَّفْخَةُ إلَى فَرْجِهَا.
وَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ النَّفْخُ فِي الْفَرْجِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي آيَتَيْنِ وَإِلَّا فَالنَّفْخُ فِي الثَّوْبِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ وُصُولِ النَّفْخِ إلَى الْفَرَجِ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي حُصُولِ الْوَلَدِ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ عَنْ عَالِمٍ مَعْرُوفٍ مِنْ السَّلَفِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمَسِيحَ خُلِقَ مِنْ أَصْلَيْنِ: مِنْ نَفْخِ جِبْرِيلَ وَمِنْ أُمِّهِ مَرْيَمَ وَهَذَا النَّفْخُ لَيْسَ هُوَ النَّفْخَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالْجَنِينُ مُضْغَةٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَفْخٌ فِي بَدَنٍ قَدْ خُلِقَ وَجِبْرِيلُ حِينَ نَفَخَ لَمْ يَكُنْ الْمَسِيحُ خُلِقَ بَعْدُ وَلَا كَانَتْ مَرْيَمُ حَمَلَتْ وَإِنَّمَا حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ النَّفْخِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ إنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ فَلَمَّا نَفَخَ فِيهَا جِبْرِيلُ حَمَلَتْ بِهِ وَلِهَذَا قِيلَ فِي الْمَسِيحِ رُوحٌ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ هَذَا النَّفْخِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي هُوَ رُوحُهُ وَهُوَ جِبْرِيلُ هُوَ الرُّوحُ الَّذِي خَاطَبَهَا وَقَالَ إنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّك لِأَهَبَ لَك غُلَامًا زَكِيًّا فَقَوْلُهُ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ أَوْ ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أَيْ مِنْ هَذَا الرُّوحِ الَّذِي هُوَ جِبْرِيلُ وَعِيسَى رُوحٌ مِنْ هَذَا الرُّوحِ فَهُوَ رُوحٌ مِنْ اللَّهِ بِهَذَا

الِاعْتِبَارِ وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مِنْ أَصْلَيْنِ بِانْقِلَابِ الْمَادَّةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا إذَا الْتَقَيَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَادَّةٌ فَتَنْقَلِبُ وَذَلِكَ لِقُوَّةِ حَكِّ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْصِ أَجْزَائِهَا وَهَذَا مِثْلُ تَوَلُّدِ النَّارِ بَيْنَ الزِّنَادَيْنِ إذَا قُدِحَ الْحَجَرُ بِالْحَدِيدِ أَوْ الشَّجَرُ بِالشَّجَرِ كَالْمَرْخِ وَالْعِفَارِ فَإِنَّهُ بِقُوَّةِ الْحَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ قَدْحِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ يَسْتَحِيلُ بَعْضُ أَجْزَائِهِمَا وَيَسْخَنُ الْهَوَاءُ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَيَصِيرُ نَارًا وَالزَّنْدَانِ كُلَّمَا قُدِحَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ نَقَصَتْ أَجْزَاؤُهُمَا بِقُوَّةِ الْحَكِّ فَهَذِهِ النَّارُ اسْتَحَالَتْ عَنْ الْهَوَاءِ وَتِلْكَ الْأَجْزَاءُ بِسَبَبِ قَدْحِ أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ بِالْآخَرِ.
وَكَذَلِكَ النُّورُ الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ انْعِكَاسِ الشُّعَاعِ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْمُضِيءَ كَالشَّمْسِ وَالنَّارِ فَإِنَّ لَفْظَ النُّورِ وَالضَّوْءِ يُقَالُ تَارَةً عَلَى الْجِسْمِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ: كَالنَّارِ الَّتِي فِي رَأْسِ الْمِصْبَاحِ وَهَذِهِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِمَادَّةٍ تَنْقَلِبُ نَارًا كَالْحَطَبِ وَالدُّهْنِ وَيَسْتَحِيلُ الْهَوَاءُ أَيْضًا نَارًا وَلَا يَنْقَلِبُ الْهَوَاءُ أَيْضًا نَارًا إلَّا بِنَقْصِ الْمَادَّةِ الَّتِي اشْتَعَلَتْ أَوْ نَقْصِ الزَّنْدَيْنِ وَتَارَةً يُرَادُ بِلَفْظِ النُّور وَالضَّوْء وَالشُّعَاع: الشُّعَاعُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْحِيطَانِ مِنْ الشَّمْسِ أَوْ مِنْ النَّارِ فَهَذَا عَرَضٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ يَكُونُ قَابِلًا لَهُ فَلَا بُدَّ فِي الشُّعَاعِ مِنْ جِسْمٍ مُضِيءٍ وَلَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ يُقَابِلُهُ حَتَّى يَنْعَكِسَ عَلَيْهِ الشُّعَاعُ.

وَكَذَلِكَ النَّارُ الْحَاصِلَةُ فِي ذُبَالَةِ الْمِصْبَاحِ إذَا وُضِعَتْ فِي النَّارِ أَوْ وُضِعَ فِيهَا حَطَبٌ فَإِنَّ النَّارَ تُحِيلُ أَوَّلًا الْمَادَّةَ الَّتِي هِيَ الدُّهْنُ أَوْ الْحَطَبُ فَيَسْخَنُ الْهَوَاءُ الْمُحِيطُ بِهَا فَيَنْقَلِبُ نَارًا وَإِنَّمَا يَنْقَلِبُ بَعْدَ نَقْصِ الْمَادَّةِ وَكَذَلِكَ الرِّيحُ الَّتِي تُحَرِّكُ النَّارَ مِثْلَ مَا تَهُبُّ الرِّيحُ فَتَشْتَعِلُ النَّارُ فِي الْحَطَبِ وَمِثْلُ مَا يَنْفُخُ فِي الْكِيرِ وَغَيْرِهِ تَبْقَى الرِّيحُ الْمَنْفُوخَةُ تُضْرِمُ النَّارَ لِمَا فِي مَحَلِّ النَّارِ كَالْخَشَبِ وَالْفَحْمِ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ لِانْقِلَابِهِ نَارًا وَمَا فِي حَرَكَةِ الرِّيحِ الْقَوِيَّةِ مِنْ تَحْرِيكِ النَّارِ إلَى الْمَحَلِّ الْقَابِلِ لَهُ وَقَدْ يَنْقَلِبُ أَيْضًا الْهَوَاءُ الْقَرِيبُ مِنْ النَّارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَبَ هُوَ الْهَوَاءُ انْقَلَبَ نَارًا مِثْلَ مَا فِي ذُبَالَةِ الْمِصْبَاحِ وَلِهَذَا إذَا طفئت صَارَ دُخَانًا وَهُوَ هَوَاءٌ مُخْتَلِطٌ بِنَارٍ كَالْبُخَارِ وَهُوَ هَوَاءٌ مُخْتَلِطٌ بِمَاءِ وَالْغُبَارُ هَوَاءٌ مُخْتَلِطٌ بِتُرَابِ.
وَقَدْ يُسَمَّى الْبُخَارُ دُخَانًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بُخَارُ الْمَاءِ كَمَا جَاءَتْ الْآثَارُ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ﴾ وَهُوَ الدُّخَانُ.
فَإِنَّ الدُّخَانَ الْهَوَاءُ الْمُخْتَلِطُ بِشَيْءٍ حَارٍّ ثُمَّ قَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَاءٌ وَهُوَ الدُّخَانُ الصِّرْفُ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَاءٌ فَهُوَ دُخَانٌ وَهُوَ بُخَارٌ كَبُخَارِ الْقِدْرِ.
وَقَدْ يُسَمَّى الدُّخَانُ بُخَارًا.
فَيُقَالُ لِمَنْ اسْتَجْمَرَ بِالطِّيبِ تَبَخَّرَ وَإِنْ كَانَ لَا رُطُوبَةَ هُنَا بَلْ دُخَانٌ الطِّيبِ سُمِّيَ بُخَارًا.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: بُخَارُ الْمَاءِ مَا يَرْتَفِعُ مِنْهُ كَالدُّخَانِ وَالْبَخُورِ بِالْفَتْحِ مَا يتبخر بِهِ؛ لَكِنْ إنَّمَا يَصِيرُ الْهَوَاءُ نَارًا

بَعْدَ أَنْ تَذْهَبَ الْمَادَّةُ الَّتِي انْقَلَبَتْ نَارًا.
كَالْحَطَبِ وَالدُّهْنِ فَلَمْ تَتَوَلَّدْ النَّارُ إلَّا مِنْ مَادَّةٍ كَمَا لَمْ يَتَوَلَّدْ الْحَيَوَانُ إلَّا مِنْ مَادَّةٍ.
فَصْلٌ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ التَّوَلُّدِ مِنْ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلَيْنِ وَمِنْ انْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْ الْأَصْلِ.
وَإِذَا قِيلَ فِي الشِّبَعِ وَالرِّيِّ: إنَّهُ مُتَوَلِّدٌ أَوْ فِي زُهُوقِ الرُّوحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَاضِ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ فَلَا بُدَّ فِي جَمِيعِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ أَصْلَيْنِ لَكِنَّ الْعَرْضَ يَحْتَاجُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَادَّةٍ تَنْقَلِبُ عَرَضًا: بِخِلَافِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تُخْلَقُ مِنْ مَوَادَّ تَنْقَلِبُ أَجْسَامًا كَمَا تَنْقَلِبُ إلَى نَوْعٍ آخَرَ كَانْقِلَابِ الْمَنِيِّ عَلَقَةً.
ثُمَّ مُضْغَةً وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ: كَخَلْقِ حَوَّاءَ مِنْ الضِّلَعِ الْقُصْرَى لِآدَمَ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ مَادَّةٍ أُخِذَتْ مِنْ آدَمَ فَلَا يُسَمَّى هَذَا تَوَلُّدًا؛ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ: إنَّ آدَمَ وَلَدَ حَوَّاءَ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَبُو حَوَّاءَ بَلْ خَلَقَ اللَّهُ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ الطِّينِ.

وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَيُقَالُ: إنَّهُ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَيُقَالُ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فَكَانَ الْمَسِيحُ جُزْءًا مِنْ مَرْيَمَ وَخُلِقَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي فَرْجِ مَرْيَمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ وَفِي الْأُخْرَى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وَأَمَّا حَوَّاءُ فَخَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ مَادَّةٍ أُخِذَتْ مِنْ آدَمَ كَمَا خُلِقَ آدَمَ مِنْ الْمَادَّةِ الْأَرْضِيَّةِ وَهِيَ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَالرِّيحُ الَّذِي أَيْبَسَتْهُ حَتَّى صَارَ صَلْصَالًا فَلِهَذَا لَا يُقَالُ إنَّ آدَمَ وَلَدَ حَوَّاءَ وَلَا آدَمَ وَلَدَهُ التُّرَابُ وَيُقَالُ فِي الْمَسِيحِ: وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْلَيْنِ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ النَّفْخِ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا جِبْرِيلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قَالَ إنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
فَهِيَ إنَّمَا حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ النَّفْخِ لَمْ تَحْمِلْ بِهِ مُدَّةً بِلَا نَفْخٍ ثُمَّ نُفِخَتْ فِيهِ رُوحُ الْحَيَاةِ كَسَائِرِ الْآدَمِيِّينَ فَفَرْقٌ بَيْنَ النَّفْخِ لِلْحَمْلِ وَبَيْنَ النَّفْخِ لِرُوحِ الْحَيَاةِ.

فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُقَالُ إنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا فَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ مَادَّةٍ تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْوَالِدِ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلَيْنِ وَالرَّبُّ تَعَالَى صَمَدٌ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَاحِبَةً فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.
وَأَمَّا مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ تَوَلُّدِ الْأَعْرَاضِ.
كَمَا يُقَالُ: تَوَلَّدَ الشُّعَاعُ وَتَوَلَّدَ الْعِلْمُ عَنْ الْفِكْرِ وَتَوَلَّدَ الشِّبَعُ عَنْ الْأَكْلِ وَتَوَلَّدَتْ الْحَرَارَةُ عَنْ الْحَرَكَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ تَوَلُّدِ الْأَعْيَانِ؛ مَعَ أَنَّ هَذَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلَيْنِ.
وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ النَّصَارَى إنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ - مُسْتَلْزِمًا لَأَنْ يَقُولُوا: إنَّ مَرْيَمَ صَاحِبَةُ اللَّهِ فَيَجْعَلُونَ لَهُ زَوْجَةً وَصَاحِبَةً كَمَا جَعَلُوا لَهُ وَلَدًا وَبِأَيِّ مَعْنًى فَسَّرُوا كَوْنَهُ ابْنَهُ فَإِنَّهُ يُفَسِّرُ الزَّوْجَةَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالْأَدِلَّةُ الْمُوجِبَةُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الصَّاحِبَةِ تُوجِبُ تَنْزِيهَهُ عَنْ الْوَلَدِ فَإِذَا كَانُوا يَصِفُونَهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ عَنْ اتِّصَافِهِ بِهِ كَانَ اتِّصَافُهُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ بُعْدًا لَازِمًا لَهُمْ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى.
فَصْلٌ: وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ وَنَفَاهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ {وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ

لَكَاذِبُونَ} وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ بَعْضِ الْأُمَمِ كَمَا أَنَّ مَا نَفَاهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ يَعُمُّ أَيْضًا جَمِيعَ أَنْوَاعِ الِاتِّخَاذَاتِ الاصطفائية كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . قَالَ السدي: قَالُوا: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَى إسْرَائِيلَ أَنَّ وَلَدَك بِكْرِيٍّ مِنْ الْوَلَدِ فَأُدْخِلُهُمْ النَّارَ فَيَكُونُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى تُطَهِّرَهُمْ وَتَأْكُلَ خَطَايَاهُمْ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ وَقَالَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾

﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إنَاثًا إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلَّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ وَقَالَ: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ ﴿أَلَا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ ﴿إلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ﴾ وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ {إنْ هِيَ إلَّا أَسْمَاءٌ

سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ . قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: ﴿جُزْءًا﴾ أَيْ نَصِيبًا وَبَعْضًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا مِنْ الْوَلَدِ وَعَنْ قتادة وَمُقَاتِلٍ عِدْلًا.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَالْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَيْ الْبَنَاتِ.
كَمَا فَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ فَقَدْ جَعَلُوهَا لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا فَإِنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْ الْوَالِدِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّمَا فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ وَإِبْلِيسَ شَرِيكَانِ فَاَللَّهُ خَالِقُ النُّورِ وَالنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ.
وَإِبْلِيسُ خَالِقُ الظُّلْمَةِ وَالسِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ فَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَسَمَّى الْمَلَائِكَةَ جِنًّا لِاجْتِنَانِهِمْ عَنْ الْأَبْصَارِ.
وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وقتادة وَقِيلَ قَالُوا لِحَيٍّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ الْجِنُّ

وَمِنْهُمْ إبْلِيسُ وَهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ قَالُوا - لَعَنَهُمْ اللَّهُ - بَلْ تَزَوَّجَ مِنْ الْجِنِّ فَخَرَجَ بَيْنَهُمَا الْمَلَائِكَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ كَالثَّعْلَبِيِّ وَهُمْ كُفَّارُ الْعَرَبِ قَالُوا الْمَلَائِكَةُ وَالْأَصْنَامُ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْيَهُودُ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالنَّصَارَى قَالُوا الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ مِنْ الْعَرَبِ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُ صَاهَرَ الْجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ فَقَدْ نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِامْتِنَاعِ الصَّاحِبَةِ وَبِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ جُزْءٌ فَإِنَّهُ صَمَدٌ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ . وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلَيْنِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ تَوَلُّدُ الْأَعْيَانِ الَّتِي تُسَمَّى الْجَوَاهِرَ وَتَوَلُّدُ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ بَلْ وَلَا يَكُونُ تَوَلُّدُ الْأَعْيَانِ إلَّا بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْ الْوَالِدِ فَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَقَدْ عَلِمُوا كُلَّهُمْ أَنْ لَا صَاحِبَةَ لَهُ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ الْجِنِّ وَلَا مِنْ الْإِنْسِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ صَاحِبَةً فَلِهَذَا احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ كُفَّارِ الْعَرَبِ أَنَّهُ صَاهَرَ الْجِنَّ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ

إنْ كَانَ قَدْ قِيلَ: فَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَكَذَلِكَ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى: مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ وَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ أَنَّ الْعُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَدْ نَفَاهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا وَبِهَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا عَوَامُّ النَّصَارَى فَلَا تَنْضَبِطُ أَقْوَالُهُمْ وَأَمَّا الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ عُلَمَائِهِمْ وَكُتُبِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَّ أُقْنُومَ الْكَلِمَةُ وَيُسَمُّونَهَا الِابْنَ تَدْرَعُ الْمَسِيحَ أَيْ اتَّخَذَهُ دِرْعًا كَمَا يَتَدَرَّعُ الْإِنْسَانَ قَمِيصَهُ فَاللَّاهُوتُ تَدْرَعُ النَّاسُوتَ وَيَقُولُونَ: بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ إلَهٌ وَاحِدٌ قِيلَ قَصْدُهُمْ أَنَّ الرَّبَّ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ فَالْمَوْجُودُ هُوَ الْأَبُ وَالْعِلْمُ هُوَ الِابْنُ وَالْحَيَاةُ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ وَيَقُولُ الْعِلْمُ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ الْمُتَدَرِّعُ وَالْقُدْرَةُ هِيَ رُوحُ الْقُدُسِ؛ فَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّ الْمُتَدَرِّعَ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ وَهِيَ الِابْنُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي التَّدَرُّعِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا جَوْهَرٌ أَوْ جوهران؟ وَهَلْ لَهُمَا مَشِيئَةٌ أَوْ مَشِيئَتَانِ وَلَهُمْ فِي الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ.
فَإِنَّ مُقَالَةَ النَّصَارَى فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ مَا يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَلَا هُوَ مُوَافِقٌ لِعُقُولِ الْعُقَلَاءِ فَقَالَتْ الْيَعْقُوبِيَّةُ صَارَ جَوْهَرًا وَاحِدًا وَطَبِيعَةً وَاحِدَةً وَأُقْنُومًا وَاحِدًا كَالْمَاءِ فِي اللَّبَنِ.
وَقَالَتْ

النسطورية: بَلْ هُمَا جوهران وَطَبِيعَتَانِ وَمَشِيئَتَانِ؛ لَكِنْ حَلَّ اللَّاهُوتُ فِي النَّاسُوتِ حُلُولَ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ.
وَقَالَتْ الْمَلَكِيَّةُ: بَلْ هُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ مَشِيئَتَانِ وَطَبِيعَتَانِ أَوْ فِعْلَانِ كَالنَّارِ فِي الْحَدِيدِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هُمْ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ هُمْ الْمَلَكِيَّةُ وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ هُمْ النسطورية وَلَيْسَ بِشَيْءِ بَلْ الْفِرَقُ الثَّلَاثُ تَقُولُ الْمَقَالَاتِ الَّتِي حَكَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ النَّصَارَى فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ اللَّهُ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ فِي أَمَانَتِهِمْ الَّتِي هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهَا يَقُولُونَ إلَهٌ حَقٌّ مِنْ إلَهٍ حَقٍّ وَأَمَّا قَوْلُهُ: " ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ النَّصَارَى قَالُوا بِأَنَّ الْإِلَهِيَّةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَعِيسَى وَمَرْيَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَهٌ وَذُكِرَ عَنْ الزَّجَّاجِ: الْغُلُوُّ مُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ فِي الظُّلْمِ وَغُلُوُّ النَّصَارَى فِي عِيسَى قَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ اللَّهُ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ

ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
فَعُلَمَاءُ النَّصَارَى الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَهُمْ هُوَ ابْنُ اللَّهِ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ الِابْنُ وَالْفِرَقُ الثَّلَاثُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَفَسَادُ قَوْلِهِمْ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ تَسْمِيَةُ صِفَةِ اللَّهِ ابْنًا لَا كَلَامُهُ وَلَا غَيْرُهُ فَتَسْمِيَتُهُمْ صِفَةُ اللَّهِ ابْنًا تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَمَا نَقَلُوهُ عَنْ الْمَسِيحِ مِنْ قَوْلِهِ عَمَدُوا النَّاس بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ لَمْ يُرِدْ بِالِابْنِ صِفَةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ كَلِمَتُهُ وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ حَيَاتَهُ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ إرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ الِابْنُ أَهِيَ صِفَةُ اللَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ أَمْ هِيَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ؟ فَإِنْ كَانَتْ صِفَتَهُ بَطَلَ مَذْهَبُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَكُونُ إلَهًا يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا كَانَ الَّذِي تَدْرَعُهُ لَيْسَ بِإِلَهِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ إلَهًا.
الثَّانِي: أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ بِغَيْرِ الْمَوْصُوفِ فَلَا تُفَارِقُهُ وَإِنْ قَالُوا: نَزَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ أَوْ قَالُوا: إنَّهُ الْكَلِمَةُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْن سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَتَّحِدُ وَتَتَدَرَّعُ شَيْئًا إلَّا مَعَ الْمَوْصُوفِ فَيَكُونُ الْأَبُ نَفْسُهُ هُوَ الْمَسِيحَ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْأَبُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ مُتَنَاقِضٌ: يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا يَجْعَلُونَهُ إلَهًا يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَلَا يَجْعَلُونَهُ الْأَبَ الَّذِي هُوَ الْإِلَهُ وَيَقُولُونَ: إلَهٌ وَاحِدٌ وَقَدْ شَبَّهَهُ بَعْضُ مُتَكَلِّمِيهِمْ كَيَحْيَى بْنِ عَدِيٍّ بِالرَّجُلِ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ طَبِيبٌ وَحَاسِبٌ وَكَاتِبٌ وَلَهُ بِكُلِّ صِفَةٍ حَكَمٌ فَيُقَالُ: هَذَا حَقٌّ لَكِنَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ نَظِيرُ هَذَا فَإِذَا قُلْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَالِمٌ وَلَهُ بِكُلِّ صِفَةٍ حُكْمٌ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَّحِدَ إنْ كَانَ هُوَ الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ فَالصِّفَاتُ كُلُّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فَإِنَّهُ إذَا تَدَرَّعَ زَيْدٌ الطَّبِيبُ الْحَاسِبُ الْكَاتِبُ دِرْعًا كَانَتْ الصِّفَاتُ كُلُّهَا قَائِمَةً بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَدَرِّعُ صِفَةً دُونَ صِفَةٍ عَادَ الْمَحْذُورُ.
وَإِنْ قَالُوا: الْمُتَدَرِّعُ الذَّاتُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ لَزِمَ افْتِرَاقُ الصِّفَتَيْنِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ فَإِنَّ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةَ بِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ وَهِيَ لَازِمَةٌ لَهُ لَا تَفْتَرِقُ وَصِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يُمْكِنُ عَدَمُ بَعْضِهَا مَعَ بَقَاءِ الْبَاقِي بِخِلَافِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
الرَّابِعُ: إنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ كَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَسَمِّي كَلِمَةً لِأَنَّهُ خُلِقَ بكن مِنْ غَيْرِ الْحَبْلِ الْمُعْتَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ عِيسَى

ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَفْسَهُ كَلَامُ اللَّهِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرِ كَلَامِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامُ اللَّهِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ خَالِقًا وَلَا رَبًّا وَلَا إلَهًا.
فَالنَّصَارَى إذَا قَالُوا: إنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْخَالِقُ كَانُوا ضَالِّينَ مِنْ جِهَةِ جَعْلِ الصِّفَةِ خَالِقَةً وَمِنْ جِهَةِ جَعْلِهِ هُوَ نَفْسَ الصِّفَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ ثُمَّ قَوْلُهُمْ بِالتَّثْلِيثِ وَأَنَّ الصِّفَاتِ ثَلَاثٌ بَاطِلٌ وَقَوْلُهُمْ أَيْضًا: بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ بَاطِلٌ.
فَقَوْلُهُمْ يَظْهَرُ بُطْلَانُهُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَغَيْرِهَا.
فَلَوْ قَالُوا: إنَّ الرَّبَّ لَهُ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا اتِّحَادًا وَلَا حُلُولًا كَانَ هَذَا قَوْلَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُثْبِتِينَ لِلصِّفَاتِ.
وَإِنْ قَالُوا: إنَّ الصِّفَاتِ أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا فَهَذَا مُكَابَرَةٌ فَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ.
وَأَيْضًا فَجَعْلُهُمْ عَدَدَ الصِّفَاتِ ثَلَاثَةً بَاطِلٌ فَإِنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.
وَالْأَقَانِيمُ عِنْدَهُمْ الَّتِي جَعَلُوهَا الصِّفَاتِ لَيْسَتْ إلَّا ثَلَاثَةً؛ وَلِهَذَا تَارَةً يُفَسِّرُونَهَا بِالْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَتَارَةً يُفَسِّرُونَهَا بِالْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَاضْطِرَابهمْ كَثِيرٌ.
فَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ وَلَا يَضْبُطُهُ عَقْلُ عَاقِلٍ وَلِهَذَا يُقَالُ: لَوْ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْ النَّصَارَى لَافْتَرَقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا

وَأَيْضًا فَكَلِمَاتُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا.
كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ لَكِنْ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ حَادِثًا وَقَوْلُ مَنْ قَالَ كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ فِي غَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: كَلَامُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ قَدِيمُ الْعَيْنِ فَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ أُمُورٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا مَعَ ذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ وَلَكِنَّ الْعِبَارَاتِ عَنْهُ مُتَعَدِّدَةٌ وَهَؤُلَاءِ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَائِمًا بِغَيْرِ اللَّهِ وَإِنَّمَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ الْعِبَارَاتُ الْمَخْلُوقَةُ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ فَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ غَيْرَ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَشَدُّ امْتِنَاعًا؛ لِأَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ جَمِيعَهَا بَلْ وَلَا مَخْلُوقًا بِجَمِيعِهَا وَإِنَّمَا خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنْهَا وَلَيْسَ هُوَ عَيْنُ تِلْكَ الْكَلِمَةِ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْمَسِيحُ عَيْنٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: تَسْمِيَتُكُمْ الْعِلْمَ وَالْكَلِمَةَ وَلَدًا وَابْنًا تَسْمِيَةٌ بَاطِلَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَالُوا: لِأَنَّ الذَّاتَ

يَتَوَلَّدُ عَنْهَا الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ كَمَا يَتَوَلَّدُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِ الرَّجُلِ الْعَالِمِ مِنْهَا فَيَتَوَلَّدُ مِنْ ذَاتِهِ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ وَالْكَلَامُ فَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْكَلِمَةُ ابْنًا قِيلَ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ صِفَاتِنَا حَادِثَةٌ تَحْدُثُ بِسَبَبِ تَعَلُّمِنَا وَنَظَرِنَا وَفِكْرِنَا وَاسْتِدْلَالِنَا وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ وَعِلْمُهُ فَهُوَ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ بِالتَّوَلُّدِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَازِمَةٌ لِمَوْصُوفِهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ وَهِيَ ابْنُ لَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَبْطَلْ الْأُمُورَ فِي الْعُقُولِ وَاللُّغَاتِ فَإِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ وَنُطْقَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ لَا يُقَالُ إنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ وَإِنَّهَا ابْنٌ لَهُ وَأَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَيَاةُ الرَّبِّ أَيْضًا ابْنَهُ وَمُتَوَلِّدَةَ وَكَذَلِكَ قُدْرَتُهُ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَوَلُّدِ الْعِلْمِ وَتَوَلُّدِ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ.
وَثَانِيهَا أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ مِنْ بَابِ تَوَلُّدِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلَيْنِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْأَصْلِ جُزْءٌ وَأَمَّا عِلْمُنَا وَقَوْلُنَا فَلَيْسَ عَيْنًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ صِفَةً قَائِمَةً بِمَوْصُوفِ وَعَرَضًا قَائِمًا فِي مَحَلٍّ كَعِلْمِنَا وَكَلَامِنَا فَذَاكَ أَيْضًا لَا يَتَوَلَّدُ إلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَتَوَلَّدُ فِيهِ.
وَالْوَاحِدُ مِنَّا لَا يَحْدُثُ لَهُ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ إلَّا بِمُقَدِّمَاتٍ تَتَقَدَّمُ عَلَى ذَلِكَ وَتَكُونُ أُصُولًا لِلْفُرُوعِ وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ فِي مَحَلٍّ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

فَإِنْ قُلْتُمْ إنَّ عِلْمَ الرَّبِّ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا وَأَنْ تَصِيرَ ذَاتُهُ مُتَكَلِّمَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ كُفْرٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ فَإِنَّ الذَّاتَ الَّتِي لَا تَكُونُ عَالِمَةً يَمْتَنِعُ أَنْ تَجْعَلَ نَفْسَهَا عَالِمَةً بِلَا أَحَدٍ يُعَلِّمُهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّمًا مِنْ خَلْقِهِ وَكَذَلِكَ الذَّاتُ الَّتِي تَكُونُ عَاجِزَةً عَنْ الْكَلَامِ يَمْتَنِعُ أَنْ تَصِيرَ قَادِرَةً عَلَيْهِ بِلَا أَحَدٍ يَجْعَلُهَا قَادِرَةً وَالْوَاحِدُ مِنْهَا لَا يُوَلِّدُ جَمِيعَ عُلُومِهِ بَلْ ثَمَّ عُلُومٌ خُلِقَتْ فِيهِ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهَا فَإِذَا نَظَرَ فِيهَا حَصَلَتْ لَهُ عُلُومٌ أُخْرَى.
فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يُوَلِّدُ عُلُومَهُ كُلَّهَا وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّهُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُتَكَلِّمَةً بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّمَةً بَلْ الَّذِي يُقَدِّرُهُ عَلَى النُّطْقِ هُوَ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الرَّبَّ يُوَلِّدُ بَعْضَ عِلْمِهِ وَبَعْضَ كَلَامِهِ دُونَ بَعْضٍ: بَطَلَ تَسْمِيَةُ الْعِلْمِ - الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ مُطْلَقًا - الِابْنَ وَصَارَ لَفْظُ الِابْنِ إنَّمَا يُسَمَّى بِهِ بَعْضُ عِلْمِهِ أَوْ بَعْضُ كَلَامِهِ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ أُقْنُومُ الْعِلْمِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ لَيْسَ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ كُلِّهِ وَلَا يُسَمَّى كُلَّهُ ابْنًا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ.
وَثَالِثُهَا أَنْ يُقَالَ: تَسْمِيَةُ عِلْمِ الْعَالِمِ وَكَلَامِهِ وَلَدًا لَهُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ اللُّغَاتِ الْمَشْهُورَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْعَقْلِ فَإِنَّ عِلْمَهُ وَكَلَامَهُ كَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ فَإِنْ

جَازَ هَذَا جَازَ تَسْمِيَةُ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ كُلِّهَا الْحَادِثَةِ مُتَوَلِّدَاتٍ عَنْهُ لَهُ وَتَسْمِيَتُهَا أَبْنَاءَهُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْقَدَرِيَّةِ.
إنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِالنَّظَرِ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إنَّ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ مُتَوَلِّدٌ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا يَقُولُ إنَّ الْعِلْمَ ابْنُهُ وَوَلَدُهُ كَمَا لَا يَقُولُ إنَّ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ ابْنُهُ وَلَا وَلَدَهُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَوَلُّدِ الْأَعْرَاضِ وَالْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِالْإِنْسَانِ وَتِلْكَ لَا يُقَالُ إنَّهَا أَوْلَادُهُ وَأَبْنَاؤُهُ.
وَمَنْ اسْتَعَارَ فَقَالَ بُنَيَّاتُ فِكْرِهِ فَهُوَ كَمَا يُقَالُ بُنَيَّاتُ الطَّرِيقِ وَيُقَالُ ابْنُ السَّبِيلِ وَيُقَالُ لِطَيْرِ الْمَاءِ ابْنُ مَاءٍ وَهَذِهِ تَسْمِيَةٌ مُقَيَّدَةٌ قَدْ عُرِفَ أَنَّهَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَأَيْضًا فَكَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا فَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا مِمَّا يُقِرُّ بِهِ عُلَمَاءُ النَّصَارَى وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُمْ مِنْ لَفْظِ الِابْنِ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَإِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَخْلُوقِ لَا لِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مُكَرَّمٌ مُعْظَمٌ.
وَرَابِعُهَا: أَنْ يُقَالَ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي حَصَلَ لِلْمَسِيحِ إنْ كَانَ هُوَ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ إيَّاهُ مِنْ عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ فَهَذَا مَوْجُودٌ لِسَائِرِ النَّبِيِّينَ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِكَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْكَلَامَ إلَهٌ اتَّحَدَ بِهِ فَيَكُونُ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَبَ فَيَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَبَ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ جَوْهَرًا آخَرَ فَيَكُونُ إلَهَانِ قَائِمَانِ

بِأَنْفُسِهِمَا فَتَبَيَّنَ فَسَادَ مَا قَالُوهُ بِكُلِّ وَجْهٍ.
وَخَامِسُهَا: أَنْ يُقَالَ: مِنْ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي خُصَّ بِهِ الْمَسِيحُ إنَّمَا هُوَ أَنْ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَب فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ مِنْ الْبَشَرِ جَعَلَ النَّصَارَى الرَّبَّ أَبَاهُ وَبِهَذَا نَاظَرَ نَصَارَى نَجْرَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ ابْنُ اللَّهِ فَقُلْ لَنَا مَنْ أَبُوهُ؟ فَعُلِمَ أَنَّ النَّصَارَى إنَّمَا ادَّعَوْا فِيهِ الْبُنُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ وَأَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ كَلَامِ عُلَمَائِهِمْ هُوَ تَأْوِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَذْهَبِ لِيُزِيلُوا بِهِ الشَّنَاعَةَ الَّتِي لَا يَبْلُغُهَا عَاقِلٌ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي جَعْلِهِ ابْنَ اللَّهِ وَجْهٌ يَخْتَصُّ بِهِ مَعْقُولٌ فَعُلِمَ أَنَّ النَّصَارَى جَعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ أَحْبَلَ مَرْيَمَ وَاَللَّه هُوَ أَبُوهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِنْزَالِ جُزْءٍ مِنْهُ فِيهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ الصَّمَدُ وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ صَاحِبَةً وَزَوْجَةً لَهُ وَلِهَذَا يتألهونها كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَأَيُّ مَعْنًى ذَكَرُوهُ فِي بُنُوَّةِ عِيسَى غَيْرَ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ عِيسَى وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلَا صَارَ فِيهِ مَعْنَى الْبُنُوَّةِ بَلْ قَالُوا: كَمَا قَالَ بَعْضُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إنَّهُ صَاهَرَ الْجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ وَإِذَا قَالُوا: اتَّخَذَهُ ابْنًا عَلَى سَبِيلِ الِاصْطِفَاءِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْفِعْلِيُّ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إبْطَالُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ اللَّهِ صَارَ فِي عِيسَى بَلْ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَمَا قَالَ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} وَقَالَ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وَمَا أُضِيفَ إلَى اللَّهِ أَوْ قِيلَ هُوَ مِنْهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا﴾ وَقَالَ فِي الْمَسِيحِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وَمَا كَانَ صِفَةً لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ كَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ فَهُوَ صِفَةٌ لَهُ كَمَا يُقَالُ كَلَامُ اللَّهِ وَعِلْمُ اللَّهِ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَأَلْفَاظُ الْمَصَادِرِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْمَفْعُولِ فَيُسَمَّى الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرًا وَالْمَقْدُورُ قُدْرَةً وَالْمَرْحُومُ بِهِ رَحْمَةً وَالْمَخْلُوقُ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةً فَإِذَا قِيلَ فِي الْمَسِيحِ: إنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةِ قَوْلِهِ كُنْ وَلَمْ يُخْلَقْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ الْبَشَرِ وَإِلَّا فَعِيسَى بَشَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ كَلَامًا صِفَةً لِلْمُتَكَلِّمِ يَقُومُ بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ عَنْ الْمَخْلُوقِ: إنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ.
فَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ كَوْنُهُ بِأَمْرِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ وَيَتَجَزَّأَ فَيَصِيرُ بَعْضُهُ فِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ رُوحًا أَوْ غَيْرُهُ فَبَطَلَ مَا يَتَوَهَّمُهُ النَّصَارَى مِنْ كَوْنِهِ ابْنًا لَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.
وَقَدْ قِيلَ: مَنْشَأُ ضَلَالِ الْقَوْمِ أَنَّهُ كَانَ فِي لُغَةِ مَنْ قَبْلَنَا يُعَبَّرُ عَنْ

الرَّبِّ بِالْأَبِ وَبِالِابْنِ عَنْ الْعَبْدِ الْمُرَبَّى الَّذِي يَرُبُّهُ اللَّهُ وَيُرَبِّيهِ فَقَالَ الْمَسِيحُ: عَمَدُوا النَّاس بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَيُؤْمِنُوا بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْمَسِيحِ وَيُؤْمِنُوا بِرُوحِ الْقُدُسِ جِبْرِيلَ.
فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَلَكِيِّ وَرَسُولِهِ الْبَشَرِيِّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى: فِي غَيْرِ آيَةٍ أَنَّهُ أَيَّدَ الْمَسِيحَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ؛ بَلْ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وقتادة وَالضَّحَّاكِ والسدي وَغَيْرِهِمْ وَدَلِيلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ الْإِنْجِيلُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {يُنَزِّلُ

جارٍ التحميل