سُورَةُ الْإِخْلَاصِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
نُبُوَّةِ مَنْ عَذَّبَ قَوْمَهُ؛ لَا تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ الْمُتَأَخِّرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْأَوَّلُ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَزِيَادَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ قَصَّ أَخْبَارَهُمْ كَنُوحِ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بَلْ يَفْتَتِحُ دَعْوَتَهُ بِذَلِكَ وَذَكَرَ تَعَالَى عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ مِنْ نُوحٍ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَأَيْضًا فَالْإِلَهِيَّاتُ الَّتِي تُعْلَمُ مِنْهَا قُدْرَةُ الرَّبِّ وَإِرَادَتُهُ وَحِكْمَتُهُ وَأَفْعَالُهُ: مِنْهَا يُعْلَمُ النَّبِيُّ مِنْ الْمُتَنَبِّئِ وَمِنْهَا يُعْلَمُ صِدْقُ النَّبِيِّ فَهِيَ أَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ مِنْ مُجَرَّدِ الْقَصَصِ وَمَا فِي الْقَصَصِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى صِدْقِهِ إنَّمَا يَدُلُّ مَعَ الْإِلَهِيَّاتِ وَإِلَّا فَلَوْ تَجَرَّدَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ فَالنُّبُوَّةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالْإِلَهِيَّاتِ أَعْظَمُ مِنْ ارْتِبَاطِهَا بِغَيْرِهَا وَالْأَنْبِيَاءُ إنَّمَا بُعِثُوا بِالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ
وَحْدَهُ وَقَدْ يَذْكُرُونَ الْمَعَادَ مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا وَالْقَصَصُ قَدْ يَذْكُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضَهَا مُجْمَلًا.
وَأَمَّا الْإِلَهِيَّاتُ فَهِيَ الْأَصْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ الْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فَلَا بُدَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ.
وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ يَذْكُرُهَا اللَّهُ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ مِثْلَ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَذَوَاتِ ( ﴿الر﴾ ) وَ ( ﴿طسم﴾ ) وَ ( ﴿حم﴾ ) وَأَكْثَرِ الْمُفَصَّلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْمَدَنِيَّاتُ تَتَضَمَّنُ خِطَابَ مَنْ آمَنَ بِجِنْسِ الرُّسُلِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالشَّرَائِعِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا خَاتَمُ الرُّسُلِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
ثُمَّ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَخُصُّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ بِحُكْمِ يَخُصُّهُ لِمَعْنَى يَخْتَصُّ بِهِ كَمَا ﴿قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ - وَكَانَ قَدْ ذَبَحَ فِي الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ - قَبْلَ أَنْ يُشَرِّعَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الذَّبْحَ يَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَذْبَحُ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأَهْلِهِ ذَكَرَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَهُ عَنَاقًا خَيْرًا مِنْ جَذَعَةٍ فَقَالَ: تُجْزِئُ عَنْك وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك﴾ فَخَصَّهُ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا فِي ذَبْحِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ إذْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ شَرْعِ الْحُكْمِ فَلَمْ
يَكُنْ ذَلِكَ الذَّبْحُ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَعْدُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا هَذَا السِّنُّ وَأَمَّا أَمْرُهُ لِامْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عتبة أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَاهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ لِيَصِيرَ لَهَا مُحَرَّمًا فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ السَّلَفُ: هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ أَوْ مُشْتَرَكٌ؟ وَإِذَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ - كَمَا احْتَاجَتْ هِيَ إلَيْهِ - كَانَ فِي ذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّارِعُ حَكِيمٌ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ إلَّا لِاخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِمَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ غَيْرِ مُتَسَاوِيَيْنِ بَلْ قَدْ أَنْكَرَ سُبْحَانَهُ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إلَى ذَلِكَ وَقَبَّحَ مَنْ يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . وَإِنَّمَا يَكُونُ الِاعْتِبَارُ إذَا سَوَّى بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَأَمَّا إذَا قِيلَ: لَيْسَ الْوَاقِعُ كَذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَخُصُّ بِالْأَمْرِ
وَالنَّهْيِ مَا يَخُصُّهُ لَا لِسَبَبِ وَلَا لِحِكْمَةِ قَطُّ بَلْ مُجَرَّدُ تَخْصِيصِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؟ فَقَالَ بِذَلِكَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْجَبْرِيَّةِ وَوَافَقَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ.
وَأَمَّا السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَأَكْثَرِ طَوَائِفِ الْكَلَامِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ كالكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ وَنَفُتْهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا الْأَصْلِ بَلْ يَقُولُونَ: هُوَ سُبْحَانَهُ يَخُصُّ مَا يَخُصُّ مِنْ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ لِأَسْبَابِ وَلِحِكْمَةِ لَهُ فِي التَّخْصِيصِ كَمَا بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُضَعِّفُ لِقَارِئِهَا مِقْدَارَ مَا يُعْطَاهُ قَارِئُ ثُلُثِ الْقُرْآنِ بِلَا تَضْعِيفٍ: قَوْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ وَلَا حِكْمَةٌ فَإِنَّ النَّصَّ أَخْبَرَ أَنَّ قِرَاءَتَهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَأَنَّ مَنْ قَرَأَهَا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَإِنْ كَانَ فِي هَذَا تَضْعِيفٌ فَفِي هَذَا تَضْعِيفٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا تَضْعِيفٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْآخَرِ فَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالتَّضْعِيفِ تَحَكُّمٌ.
ثُمَّ جَعَلَ التَّضْعِيفَ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ لِمَا اُخْتُصَّتْ بِهِ السُّورَةُ مِنْ الْفَضْلِ وَحِينَئِذٍ فَفَضْلُهَا هُوَ سَبَبُ هَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى نَقْصِ ثَوَابِ سَائِرِ الْقُرْآنِ وَأَيْضًا فَهَذَا تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَلَا سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ وَلَا حِكْمَةٌ فِيهِ.
وَالنَّاسُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ مِنْ جِهَةِ نَقْصِ عِلْمِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْرِ ذَلِكَ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ
ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يَفُوقُ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والآخرين.
وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ وَأَفْصَحُ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ كَمَالُ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ عَلَى بَيَانِهِ وَكَمَالُ الْإِرَادَةِ لَهُ وَمَعَ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ كَلَامَهُ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ وَأَتَمُّ مَا يَكُونُ وَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِمَا بَيَّنَهُ فِي الدِّينِ مِنْ أُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَنْ وَقَّرَ هَذَا فِي قَلْبِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْرِيفِ النُّصُوصِ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي إذَا تُدُبِّرَتْ وَجَدَ مَنْ أَرَادَهَا بِذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَمَّا يَجِبُ اتِّصَافُ الرَّسُولِ بِهِ وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَقْصِ مَا أُوتِيَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ . فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِخْوَانَنَا مِمَّنْ رَفَعَ دَرَجَاتِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ ضَعْفُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ - غَيْرَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي نَصَرْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ كَالْمُهَلَّبِ وَالْأَصِيلِيَّ وَغَيْرِهِمَا - فَنَقُولُ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ تَفَاضُلَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نِسْبَتِهِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا وَبِاعْتِبَارِ أَلْفَاظِهِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَعَانِيهِ.
وَاَلَّذِي قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَضَّلَ مِنْ السُّوَرِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَقَالَ: {إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي
التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا} وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى مَعَانِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَفَضَّلَ مِنْ الْآيَاتِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ.
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿لأبي بْنِ كَعْبٍ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَعَك أَعْظَمُ؟ قَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ} وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ تَضَمَّنَتْ مَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ وَآخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ عِدَّةَ آيَاتٍ لَا آيَةً وَاحِدَةً.
وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا أَنَّهَا يَكْتَفِي بِتِلَاوَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ بَلْ قَدْ كَرِهَ السَّلَفُ أَنْ تُقْرَأَ إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُقْرَأُ كَمَا كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَالتَّكْبِيرُ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ كَثِيرٍ لَيْسَ هُوَ مُسْنَدًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا البزي وَخَالَفَ بِذَلِكَ سَائِرَ مَنْ نَقَلَهُ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا نَقَلُوهُ اخْتِيَارًا مِمَّنْ هُوَ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْفَرَدَ هُوَ بِرَفْعِهِ وَضَعْفِهِ نَقَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ مِنْ عُلَمَاءِ الْقِرَاءَةِ وَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ
وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
فَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يُقْرَأَ كَمَا فِي الْمَصَاحِفِ وَلَكِنْ إذَا قُرِئَتْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُفْرَدَةً تُقْرَأُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ قَرَأَهَا فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَعْدِلُ ثُلُثَ أَجْرِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ - بِالْفَتْحِ - يَكُونُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالثَّوَابُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا أَنَّ الْأَمْوَالَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ: مِنْ مَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَسْكُونٍ وَنَقْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ مِنْ أَحَدِ أَجْنَاسِ الْمَالِ مَا يَعْدِلُ أَلْفَ دِينَارٍ مَثَلًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْمَالِ بَلْ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ وَهُوَ طَعَامٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى لِبَاسٍ وَمَسْكَنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ النَّقْدِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا النَّقْدُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى أَنْوَاعِهَا وَمَنَافِعِهَا.
وَالْفَاتِحَةُ فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ ثَنَاءٌ وَدُعَاءٌ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ مَا لَا تَقُومُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَجْرُهَا عَظِيمًا فَذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ مَعَ أَجْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى بِهَا وَحْدَهَا بِدُونِ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إلَّا الْفَاتِحَةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ مَعَانِيَ الْفَاتِحَةِ فِيهَا الْحَوَائِجُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْعِبَادِ مِنْهَا وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ أَنَّ مَا فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ الثَّنَاءِ
وَالدُّعَاءِ وَهُوَ قَوْلُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هُوَ أَفْضَلُ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ أَوْجَبُ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَأَنْفَعُ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ مَصَالِحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْعَبْدُ دَائِمًا مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فَلَوْ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ تِسْعَةِ أَعْشَارِ الْقُرْآنِ - دَعْ ثُلُثَهُ - وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَقْصُودُ هَذَا الدُّعَاءِ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ وَلَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ.
وَهَذَا كَمَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الرَّجُلَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَاتِ عَظِيمَةٍ وَجَاهَدَ جِهَادًا عَظِيمًا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَرَّاتٍ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْيَوْمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ لَمْ يَقُمْ ثَوَابُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مَقَامَ هَذِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَتَغَدَّى بِهِ وَيَتَعَشَّى مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ جَائِعًا مُتَأَلِّمًا فَاسِدَ الْحَالِ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ تِلْكَ الْأَمْوَالُ الْعَظِيمَةُ وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَدْيَنَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَأَنْفَعُ الْعِلْمِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ.
فَلَيْسَ الْأَفْضَلُ الْأَشْرَفُ هُوَ الَّذِي يَنْفَعُ فِي وَقْتٍ بَلْ الْأَنْفَعُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْمَفْضُولُ فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْفَاضِلِ إذْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ وَالذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ
الدُّعَاءِ فَهَذَا أَمْرٌ مُطْلَقٌ.
وَقَدْ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ فِي أَوْقَاتٍ فَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْقِرَاءَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.
فَهَكَذَا يُعْلَمُ الْأَمْرُ فِي فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَغَيْرِهَا فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهَا بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ والاحتزاء بِهَا وَحْدَهَا لَا يُمْكِنُ بَلْ تَبْطُلُ مَعَهُ الصَّلَاةُ.
وَلِهَذَا وَجَبَ التَّقَرُّبُ بِالْفَرَائِضِ قَبْلَ النَّوَافِلِ وَالتَّقَرُّبُ بِالنَّوَافِلِ إنَّمَا يَكُونُ تَقَرُّبًا إذَا فُعِلَتْ الْفَرَائِضُ لَا كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الِاتِّحَادِيَّةِ كَصَاحِبِ " الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ " وَنَحْوِهِ مِنْ أَنَّ قُرْبَ الْفَرَائِضِ يَكُونُ بَعْدَ قُرْبِ النَّوَافِلِ وَالنَّوَافِلُ تَجْعَلُ الْحَقَّ غِطَاءَهُ وَتِلْكَ تَجْعَلُ الْحَقَّ عَيْنَهُ.
فَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ مِنْ الِاتِّحَادِ كَمَا بَيَّنَ.
وَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ يُنَاقِضُ مَذْهَبَهُ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ.
وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا.
فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي.
وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ
وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ} . وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُتَقَرِّبَ لَيْسَ هُوَ الْمُتَقَرَّبَ إلَيْهِ؛ بَلْ هُوَ غَيْرُهُ.
وَأَنَّهُ مَا تَقَرَّبَ إلَيْهِ عَبْدُهُ بِمِثْلِ أَدَاءِ الْمَفْرُوضِ وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يَصِيرَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ فَيَسْمَعُ بِهِ وَيُبْصِرُ بِهِ وَيَبْطِشُ بِهِ وَيَمْشِي بِهِ.
ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ وَالْمُسْتَعِيذِ وَالْمُسْتَعَاذِ بِهِ وَجَعَلَ الْعَبْدَ سَائِلًا لِرَبِّهِ مُسْتَعِيذًا بِهِ.
وَهَذَا حَدِيثٌ شَرِيفٌ جَامِعٌ لِمَقَاصِدَ عَظِيمَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا بَلْ الْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحْسَنَ الْوُجُوهِ أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: تَوْحِيدٌ وَقَصَصٌ وَأَحْكَامٌ.
وَهَذِهِ السُّورَةُ صِفَةُ الرَّحْمَنِ فِيهَا التَّوْحِيدُ وَحْدَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ.
وَالْكَلَامُ نَوْعَانِ: إمَّا إنْشَاءٌ وَإِمَّا إخْبَارٌ وَالْإِخْبَارُ إمَّا خَبَرٌ عَنْ الْخَالِقِ وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ.
فَالْإِنْشَاءُ هُوَ الْأَحْكَامُ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَالْخَبَرُ عَنْ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْقَصَصُ.
وَالْخَبَرُ عَنْ الْخَالِقِ هُوَ ذِكْرُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ سُورَةٌ هِيَ وَصْفُ الرَّحْمَنِ مَحْضًا إلَّا هَذِهِ السُّورَةَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ
فَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَلُوهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ} . وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي (بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: ﴿كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاء فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ بِهَا فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةِ أُخْرَى مَعَهَا فَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: إنَّك تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِيك حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْت وَإِنْ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ تَرَكَتْكُمْ.
وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ.
فَلَمَّا أَتَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُك أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُك بِهِ أَصْحَابُك وَمَا يَحْمِلُك عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
قَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا.
قَالَ حُبُّك إيَّاهَا أَدْخَلَك الْجَنَّةَ} . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ﴾ حُقٌّ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ إلَّا حَقٌّ.
وَاَلَّذِينَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْقَوْلُ لَهُمْ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا مَنْعُ تَفَاضُلِ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ تَبَيَّنَ ضَعْفُهُ.
الثَّانِي اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الْأَجْرَ يَتْبَعُ كَثْرَةَ الْحُرُوفِ فَمَا كَثُرَتْ حُرُوفُهُ مِنْ الْكَلَامِ يَكُونُ أَجْرُهُ أَعْظَمَ.
قَالُوا: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ.
أَمَّا إنِّي لَا أَقُولُ {الم﴾ حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّ ثُلُثَ الْقُرْآنِ حُرُوفُهُ أَكْثَرُ بِكَثِيرِ فَتَكُونُ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ الْحَسَنَاتِ فِيهَا كِبَارٌ وَصِغَارٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْصُودُهُ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فَإِذَا قَرَأَ حَرْفًا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَةً فَيُعْطِيهِ بِقَدْرِ تِلْكَ الْحَسَنَةِ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْحَسَنَاتِ فِي الْحُرُوفِ مُتَمَاثِلَةٌ.
كَمَا أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِدِينَارِ يُعْطَى بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
وَالْوَاحِدُ مِنْ بَعْدِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ إذَا أَنْفَقَ مُدًّا كَانَ لَهُ بِهَذِهِ الْحَسَنَةِ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
وَلَكِنْ
لَا تَكُونُ تِلْكَ الْحَسَنَةُ بِقَدْرِ حَسَنَةِ مَنْ أَنْفَقَ مُدًّا مِنْ الصَّحَابَةِ السَّابِقِينَ.
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.
فَكَذَلِكَ حُرُوفُ الْقُرْآنِ تَتَفَاضَلُ لِتَفَاضُلِ الْمَعَانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ فَحُرُوفُ الْفَاتِحَةِ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا حَسَنَةٌ أَعْظَمُ مِنْ حَسَنَاتِ حُرُوفٍ مِنْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ يَعْدِلُ غَيْرَهُ فَعَدْلُ الشَّيْءِ - بِالْفَتْحِ - هُوَ مُسَاوِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ وَالصِّيَامُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الطَّعَامِ وَالْجَزَاءِ وَلَكِنَّهُ يُعَادِلُهُ فِي الْقَدْرِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أَيْ فِدْيَةٌ وَالْفِدْيَةُ مَا يَعْدِلُ بِالْمُفْدَى وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أَيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدْلًا أَيْ نِدًّا فِي الْإِلَهِيَّةِ وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلِ أَمْوَالٌ مِنْ أَصْنَافٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَلِآخَرَ ذَهَبٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ لَكَانَ مَالُ هَذَا يَعْدِلُ مَالَ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ؛ وَلِهَذَا قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ الذَّهَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا يَعْدِلُ شَيْئًا عَظِيمًا وَإِذَا احْتَاجَ إلَى دَوَاءٍ أَوْ مُرَكَّبٍ أَوْ مَسْكَنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى اشْتِرَائِهِ لَمْ تَنْفَعْهُ تِلْكَ الْأَمْوَالُ الْعَظِيمَةُ.
فَالْقُرْآنُ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى مَا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ.
وَإِنْ كَانَ التَّوْحِيدُ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْأَفْعَالِ أَوْ
احْتَاجَ إلَى مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيَعْتَبِرُ بِهِ مِنْ الْقَصَصِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَمْ يَسُدَّ غَيْرُهُ مَسَدَّهُ فَلَا يَسُدُّ التَّوْحِيدُ مَسَدَّ هَذَا وَلَا تَسُدُّ الْقَصَصُ مَسَدَّ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَسَدَّ الْقَصَصِ.
بَلْ كُلُّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ وَيَحْتَاجُونَ إلَيْهِ.
فَإِذَا قَرَأَ الْإِنْسَانُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَصَلَ لَهُ ثَوَابٌ بِقَدْرِ ثَوَابِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ؛ لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ مِنْ جِنْسِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِبَقِيَّةِ الْقُرْآنِ بَلْ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى جِنْسِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ فَلَا تَسُدُّ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَسَدَّ ذَلِكَ وَلَا تَقُومُ مَقَامَهُ فَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَقْرَأْ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَإِنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ لَكِنَّ جِنْسَ الْأَجْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهَا لَا يَحْصُلُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا بَلْ يَبْقَى فَقِيرًا مُحْتَاجًا إلَى مَا يَتِمُّ بِهِ إيمَانُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَلَوْ قَامَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
فَالْمَعَارِفُ الَّتِي تَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ سَائِرِ الْقُرْآنِ لَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ فَيَكُونُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَفْضَلَ مِمَّنْ قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لِتَنَوُّعِ الثَّوَابِ وَإِنْ كَانَ قَارِئُ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثَلَاثًا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ الثَّوَابِ لَكِنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَيْسَ فِيهِ الْأَنْوَاعُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْعَبْدُ كَمَنْ مَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَآخَرُ مَعَهُ طَعَامٌ وَلِبَاسٌ وَمَسَاكِنُ وَنَقْدٌ يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ؛ فَإِنَّ هَذَا مَعَهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَذَاكَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا مَعَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مَا مَعَهُ يَعْدِلُ مَا مَعَ هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ
طَعَامٌ مِنْ أَشْرَفِ الطَّعَامِ يُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى لِبَاسٍ وَمَسَاكِنَ وَمَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرَرَ مِنْ السِّلَاحِ وَالْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الطَّعَامِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَضْلَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّجُلِ فَالْقِرَاءَةُ بِتَدَبُّرِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِلَا تَدَبُّرٍ وَالصَّلَاةُ بِخُشُوعِ وَحُضُورِ قَلْبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِدُونِ ذَلِكَ.
وَفِي الْأَثَرِ: ﴿إنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ . وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَرْقَى بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَكَانَ لَهَا بَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ فَيَرْقَى بِهَا غَيْرُهُ فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: لَيْسَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ تَنْفَعُ كُلَّ أَحَدٍ.
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ تَسْبِيحُ بَعْضِ النَّاسِ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ وَيَكُونُ قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّوَرِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ لـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَغَيْرِهَا.
وَالْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ أَيْضًا حَالُهُ.
فَقَدْ يَفْعَلُ الْعَمَلَ الْمَفْضُولَ عَلَى وَجْهٍ كَامِلٍ فَيَكُونُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ الْفَاضِلَةِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِبَغِيِّ لِسَقْيِهَا الْكَلْبَ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا لَمَّا حَصَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ يُنْفِقُ الرَّجُلُ أَضْعَافَ ذَلِكَ فَلَا يُغْفَرُ لَهُ لِعَدَمِ الْأَسْبَابِ الْمُزَكِّيَةِ لِلْعَمَلِ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ﴾ يَقُولُهُ عَنْ أَصْحَابِهِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِذَا قِيلَ: إنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يَعْدِلُ ثَوَابُهَا ثَوَابَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ التَّمَاثُلِ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ وَإِلَّا فَإِذَا اعْتَبَرَ قِرَاءَةَ غَيْرِهَا مَعَ التَّدَبُّرِ وَالْخُشُوعِ بِقِرَاءَتِهَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ قَوْلُ الْعَبْدِ: " سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ " مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وَاتِّصَافِهِ بِمَعَانِيهَا أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ وَالنَّاسُ مُتَفَاضِلُونَ فِي فَهْمِ هَذِهِ السُّورَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي فَهْمِ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
فَصْلٌ:
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ التَّفَاضُلَ وَالتَّمَاثُلَ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا إذْ الْوَاحِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُعْقَلُ فِيهِ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ شَيْءٍ فَالتَّفَاضُلُ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى إنَّمَا يُعْقَلُ إذَا أُثْبِتَ لَهُ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ.
وَكَإِثْبَاتِ أَسْمَاءٍ لَهُ مُتَعَدِّدَةٍ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأُثْبِتَ لَهُ كَلِمَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ
تَقُومُ بِذَاتِهِ حَتَّى يُقَالَ: هَلْ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَكُلُّ قَوْلٍ سِوَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَهُوَ خَطَأٌ مُتَنَاقِضٌ وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَهُ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَانَ خَطَأً لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ فِيهِ بِجَوَابِ صَحِيحٍ.
فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ بَلْ لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ إلَّا سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ أَتْبَاعِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ - فَهَذَا إذَا قِيلَ لَهُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: نِسْبَتُهُ الَّتِي هِيَ الْخَلْقُ إلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَمْ إلَى بَعُوضَةٍ؟ أَمْ أَيُّمَا أَفْضَلُ: نَفْيُ الْجَهْلِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ وَالْعَجْزُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ أَمْ نَفْيُ الْجَهْلِ بِالْكُلِّيَّاتِ؟ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُجِيبَ بِجَوَابِ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ.
فَإِنَّهُ إنْ قَالَ: خَلْقُ السَّمَوَاتِ مُمَاثِلُ خَلْقِ الْبَعُوضَةِ كَانَ هَذَا مُكَابَرَةً لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَإِنْ قَالَ: بَلْ ذَلِكَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ كَمَا فِي الْقُرْآنِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ عِنْدَك أَمْرَانِ وُجُودِيَّانِ يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ إذْ الْخَلْقُ عَلَى قَوْلِك لَا يَزِيدُ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَكَيْفَ يُعْقَلُ فِي الْمَعْدُومِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ مِنْ صَاحِبِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وُجُودٌ يَحْصُلُ فِيهِ التَّفَاضُلُ؟ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: نَفْيُ الْجَهْلِ وَالْعَجْزِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِثْلُ نَفْيِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ كَانَ هَذَا مُكَابَرَةً وَإِنْ قَالَ: بَلْ نَفْيُ الْجَهْلِ الْعَامِّ أَكْمَلُ مِنْ نَفْيِ الْجَهْلِ الْخَاصِّ قِيلَ لَهُ: إذَا لَمْ
يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ الْجَهْلِ ثُبُوتٌ عُلِمَ بِشَيْءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ بَلْ كَانَ النفيان عدمين مَحْضَيْنِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ التَّفَاضُلُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ وَالنَّفْيِ الصِّرْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلًا وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ وَلَا فِيهِ كَمَالٌ وَلَا مَدْحٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّفَاضُلُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْكَمَالُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وُجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَوْ صِفَةٍ مَوْجُودَةٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهَا.
فَأَمَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا كَمَالَ فِيهِ أَصْلًا.
وَلِهَذَا إنَّمَا يَصِفُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَاتِ التَّنْزِيهِ لَا السَّلْبِيَّةِ الْعَدَمِيَّةِ لِتَضَمُّنِهَا أُمُورًا وُجُودِيَّةً تَكُونُ كَمَا لَا يَتَمَدَّحُ سُبْحَانَهُ بِهَا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ فَنَفْيُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ والقيومية وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْمُلْكِ وَالرُّبُوبِيَّةَ وَانْفِرَادَهُ بِذَلِكَ وَنَفْسُ انْفِرَادِهِ بِالْمُلْكِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلِهَذَا كَانَتْ السُّورَةُ فِيهَا الِاسْمَانِ الْأَحَدُ الصَّمَدُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ.
فَقَوْلُهُ (أَحَدٌ) يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ النَّظِيرِ وَقَوْلُهُ (الصَّمَدُ) بِالتَّعْرِيفِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالصَّمَدِيَّةِ.
وَلِهَذَا جَاءَ التَّعْرِيفُ فِي اسْمِهِ الصَّمَدُ دُونَ الْأَحَدِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُوصَفُ بِهِ فِي الْإِثْبَاتِ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الصَّمَدِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي السَّيِّدَ صَمَدًا.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: الْمَلَائِكَةُ تُسَمَّى صَمَدًا وَالْآدَمِيُّ أَجْوَفُ فَقَوْلُهُ
" الصَّمَدُ " بَيَانُ لِاخْتِصَاصِهِ بِكَمَالِ الصَّمَدِيَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الصَّمَدِ وَاشْتِمَالَهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِي وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) يَقُولُ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظْمَتِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَالْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا تَنْبَغِي إلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سُبْحَانَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
وَكَذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كُتُبِهِمْ قَالَ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا: الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
أَمَّا كَوْنُ الصَّمَدِ هُوَ السَّيِّدُ فَهَذَا مَشْهُورٌ وَأَمَّا الْآخَرُ فَهُوَ أَيْضًا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الصَّمَدَ لُغَةٌ فِي الصمت وَلَيْسَ هَذَا مِنْ إبْدَالِ الدَّالِّ بِالتَّاءِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ بَلْ لَفْظُ صَمَدٍ يَصْمُدُ صَمَدًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ صِفَاتِ الْكَمَالِ إنَّمَا هِيَ فِي الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ
وَالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ إنَّمَا تَكُونُ كَمَالًا إذَا تَضَمَّنَتْ أُمُورًا وُجُودِيَّةً؛ وَلِهَذَا كَانَ تَسْبِيحُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَهُ وَتَعْظِيمَهُ جَمِيعًا فَقَوْلُ الْعَبْدِ: " سُبْحَانَ اللَّهِ " يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَ اللَّهِ وَبَرَاءَتَهُ مِنْ السُّوءِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ عَظَمَتَهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ عَدَمًا مَحْضًا لَا يَتَضَمَّنُ وُجُودًا فَإِنَّ هَذَا لَا مَدْحٌ فِيهِ وَلَا تَعْظِيمٌ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَنَزَّهَ الرَّبُّ عَنْهُ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إنَاثًا إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
فَنَفْيُ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْكَمَالِ وَنَفْيُ الشُّرَكَاءِ يَقْتَضِي الْوَحْدَانِيَّةَ وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْكَمَالِ فَإِنَّ مَا لَهُ نَظِيرٌ قَدْ انْقَسَمَتْ صِفَاتُ الْكَمَالِ وَأَفْعَالُ الْكَمَالِ فِيهِ وَفِي نَظِيرِهِ فَحَصَلَ لَهُ بَعْضُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا كُلُّهَا.
فَالْمُنْفَرِدُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَهُ شَرِيكٌ يُقَاسِمُهُ إيَّاهَا.
وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ أَكْمَلَ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ غَيْرَهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ.
قَالَ
تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك.
قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك.
قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك﴾ . وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الْآيَةَ.
فَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَحُبِّ اللَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَهَذَا مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الشَّيْءَ إذَا انْقَسَمَ وَوَقَعَتْ فِيهِ الشَّرِكَةُ نَقَصَ مَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ جَمِيعُهُ لِوَاحِدِ كَانَ أَكْمَلَ فَلِهَذَا كَانَ حُبُّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ أَكْمَلَ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ يُوجِبُ كَمَالَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ فِي عِبَادَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَذَلِكَ مَنْ زَكَّاهُمْ كَمَا أَنَّ الزَّرْعَ كُلَّمَا نُقِّيَ عَنْهُ الدَّغَلُ كَانَ أَزْكَى لَهُ وَأَكْمَلَ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْوُجُودِيَّةِ فِيهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وَأَصْلُ الزَّكَاةِ التَّوْحِيدُ
وَالْإِخْلَاصُ كَمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ أَكَابِرُ السَّلَفِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ . وَهَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَنْ نَفَى عَنْ اللَّهِ النَّقَائِصَ؛ كَالْمَوْتِ وَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْبُكْمِ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ صِفَاتٍ وُجُودِيَّةً؛ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ؛ بَلْ زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِهِ لَيْسَتْ إلَّا عَدَمِيَّةً مَحْضَةً وَأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَمْرِ وُجُودِيٍّ فَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ صِفَةُ كَمَالٍ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ أَيُّ الصِّفَتَيْنِ أَفْضَلُ؟ فَإِنَّ التَّفْضِيلَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَرْعُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهُ كَمَالٌ مَا ثُمَّ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَكْمَلُ فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَدَمٌ مَحْضٌ فَلَا كَمَالَ وَلَا فَضِيلَةَ هُنَاكَ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ الْأَسْمَاءَ دُونَ الصِّفَاتِ فَقَالَ إنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَا تَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِحَيَاةِ وَلَا عِلْمٍ وَلَا قُدْرَةٍ وَلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرٍ وَلَا عِزَّةٍ وَلَا حِكْمَةٍ - فَإِذَا قِيلَ لَهُ: أَيُّ الِاسْمَيْنِ أَفْضَلُ؟ لَمْ يُجِبْ بِجَوَابِ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ إنْ قَالَ: الْعَلِيمُ أَعْظَمُ مِنْ السَّمِيعِ لِعُمُومِ تَعَلُّقِهِ مَثَلًا أَوْ قَالَ: الْعَزِيزُ أَكْمَلُ مِنْ الْقَدِيرِ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ قِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَسْمَاءِ عِنْدَك
مَعَانٍ مَوْجُودَةٌ تَقُومُ بِهِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَا عِلْمٌ وَلَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا عِزَّةٌ وَلَا قُدْرَةٌ لَيْسَ إلَّا ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ صِفَاتٍ وَمَخْلُوقَاتٍ وَالذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ تَفَاضُلٌ وَلَا تَمَاثُلٌ.
وَالْمَخْلُوقَاتُ لَمْ يَكُنْ السُّؤَالُ عَنْ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَى عَاقِلٍ.
وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ صِفَاتِهِ بَعْضًا أَوْ جَعَلَ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفَ مِثْلُ مَنْ قَالَ: الْعِلْمُ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ هُمَا الْعَالِمُ الْقَادِرُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ جهمية الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ.
أَوْ قَالَ: كَلَامُهُ كُلُّهُ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ هُوَ الْأَمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ وَالْخَبَرُ عَنْ كُلِّ مَخْبَرٍ بِهِ إنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا وَإِنَّ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ وَاحِدٌ وَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ صِفَاتٌ نِسْبِيَّةٌ لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ أَنْوَاعًا؛ بَلْ ذَاتُ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ هُوَ ذَاتُ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ نَهْيٌ وَإِنَّمَا تَنَوَّعَتْ الْإِضَافَةُ.
فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَقُولُهُ الْكُلَّابِيَة وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ إنَّ مُجَرَّدَ تَصَوُّرِهِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ فَلَا يُمْكِنُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْجَوَابُ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلَا مُمَاثَلَةِ بَعْضَهُ لِبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ
لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَلْ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ بَعْضُهُ مِثْلُ بَعْضٍ وَلَا بَعْضٌ لَهُ عِنْدَهُمْ؟ . وَإِنْ قَالُوا: التَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ يَقَعُ فِي الْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ قِيلَ: تِلْكَ لَيْسَتْ كَلَامًا لِلَّهِ عَلَى أَصْلِهِ وَلَا عِنْدَ أَئِمَّتِهِمْ؛ بَلْ هِيَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَالتَّفَاضُلُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ: إنَّهَا تُسَمَّى كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً.
وَإِنَّ اسْمَ الْكَلَامِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَعْنَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْقَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ بَلْ قَوْلُهُ هَذَا يُفْسِدُ أَصْلَهُمْ.
لِأَنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَقُومُ إلَّا بِالْمُتَكَلِّمِ لَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ إذْ لَوْ جَازَ قِيَامُ الْكَلَامِ بِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا قَائِمًا بِغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ.
وَهَذَا أَصْلُ الْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِي خَالَفَهُمْ فِيهِ الْكُلَّابِيَة وَسَائِرُ الْمُثَبِّتَةِ وَقَالُوا: إنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا حَتَّى يَقُومَ بِهِ الْكَلَامُ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ قَالُوا: لَا يَكُونُ الْعَالِمُ عَالِمًا حَتَّى يَقُومَ بِهِ الْعِلْمُ وَلَا يَكُونُ الْمُرِيدُ مُرِيدًا حَتَّى تَقُومَ بِهِ الْإِرَادَةُ فَلَوْ جَوَّزُوا أَنَّ يَكُونَ لِلَّهِ مَا هُوَ كَلَامٌ لَهُ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ بَطَلَ هَذَا الْأَصْلُ.
وَأَصْلُ الْنُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا لَمْ يَقُمْ بِهِ بَلْ بِمَا قَامَ بِغَيْرِهِ أَوْ بِمَا لَمْ يُوجَدْ وَيَقُولُونَ: هَذِهِ إضَافَاتٌ لَا صِفَاتٌ فَيَقُولُونَ: هُوَ رَحِيمٌ وَيَرْحَمُ وَالرَّحْمَةُ لَا تَقُومُ بِهِ بَلْ هِيَ
مَخْلُوقَةٌ وَهِيَ نِعْمَتُهُ.
وَيَقُولُونَ: هُوَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ وَالرِّضَا وَالْغَضَبُ لَا يَقُومُ بِهِ؛ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ وَهُوَ ثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ وَيَقُولُونَ: هُوَ مُتَكَلِّمٌ وَيَتَكَلَّمُ وَالْكَلَامُ لَا يَقُومُ بِهِ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ.
وَقَدْ يَقُولُونَ: هُوَ مُرِيدٌ وَيُرِيدُ ثُمَّ قَدْ يَقُولُونَ لَيْسَتْ الْإِرَادَةُ شَيْئًا مَوْجُودًا وَقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهَا هِيَ الْمَخْلُوقَاتُ وَالْأَمْرُ الْمَخْلُوقُ.
وَقَدْ يَقُولُونَ أَحْدَثَ إرَادَةً لَا فِي مَحَلٍّ.
وَهَذَا الْأَصْلُ الْبَاطِلُ الَّذِي أَصَّلَهُ نفاة الصِّفَاتِ الْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ هُوَ الَّذِي فَارَقَهُمْ بِهِ جَمِيعُ الْمُثَبِّتَةِ لِلصِّفَاتِ: مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالتَّفْسِيرِ وَأَصْنَافِ نُظَّارِ الْمُثَبِّتَةِ: كالْكُلَّابِيَة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وكالهشامية والكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَوَائِفِ النُّظَّارِ الْمُثَبِّتَةِ لِلصِّفَاتِ وَعَلَى هَذَا أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورُونَ بِالْإِمَامَةِ وَأَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْكَلَامَ يَقَعُ حَقِيقَةً عَلَى الْعِبَارَةِ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مَخْلُوقَةٌ يُنَاقِضُ الْأَصْلَ الْفَارِقَ بَيْنَ الْمُثَبِّتَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ إلَّا أَنْ يُسَمَّى مُتَعَلَّقُ الصِّفَةِ بِاسْمِ الصِّفَةِ كَمَا يُسَمَّى الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرًا وَالْمَرْحُومُ بِهِ رَحْمَةً وَالْمَخْلُوقُ خَلْقًا وَالْقَدَرُ قُدْرَةً وَالْمَعْلُومُ عِلْمًا؛ لَكِنْ يُقَالُ لَهُ: هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ هُوَ الْحَقِيقَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْأُمُورُ أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ عُلِمَ أَنَّهَا إضَافَةُ مُلْكٍ لَا إضَافَةُ وَصْفٍ؛ بِخِلَافِ الْعِبَارَةِ فَإِنَّهَا لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا كَمَا لَا يَقُومُ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْفَارِقُ بَيْنَ إضَافَةِ الصِّفَاتِ وَإِضَافَةِ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ الْمُعَطِّلَةَ الْنُّفَاةِ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ: كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِمَا - وَإِنْ كَانَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَقُولَانِ بِخِلَافِ ذَلِكَ - يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي النُّصُوصِ إلَّا إضَافَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ وَهَذِهِ الْأُمُورِ تُسَمَّى نُصُوصَ الْإِضَافَاتِ لَا نُصُوصَ الصِّفَاتِ.
وَيَقُولُونَ: نُصُوصُ الْإِضَافَاتِ وَأَحَادِيثُ الْإِضَافَاتِ لَا آيَاتُ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثُ الصِّفَاتِ.
وَالْإِضَافَةُ تَكُونُ إضَافَةَ مَخْلُوقٍ لِاخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ كَإِضَافَةِ الْبَيْتِ وَالنَّاقَةِ وَالرُّوحِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ . وَقَالَتْ الْحُلُولِيَّةُ مِنْ النَّصَارَى وَغُلَاةُ الشِّيعَةِ وَالصُّوفِيَّةُ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الرُّوحِ - أَرْوَاحُ الْعِبَادِ - وَيَنْتَسِبُ إلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مِثْلَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ جِيلَانَ وَغَيْرِهِمْ - بَلْ إضَافَةُ الرُّوحِ إلَى اللَّهِ كَإِضَافَةِ الْكَلَامِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامُ وَالْقُدْرَةُ صِفَاتُهُ فَكَذَلِكَ الرُّوحُ.
وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْعَبْدِ صِفَةٌ لِلَّهِ قَدِيمَةٌ.
وَقَالَتْ النَّصَارَى:
عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَعِيسَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقَالَتْ الصَّابِئَةُ وَالْجَهْمِيَّة: عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ فَهُوَ أَيْضًا مَخْلُوقٌ.
وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ اشْتَبَهَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ وَتَكَلَّمُوا فِي إضَافَةِ الْكَلَامِ وَالرُّوحِ وَمُنَاظَرَةِ الْجَهْمِيَّة وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ سُئِلْت عَنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْحُلُولِيَّةِ تَارَةً وَمِنْ جِهَةِ الْمُعَطِّلَةِ تَارَةً وَالسَّائِلُونَ تَارَةً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَقَدْ بُسِطَ جَوَابُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْمُضَافَيْنِ: أَنَّ الْمُضَافَ إنْ كَانَ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَوْ حَالًّا فِي ذَلِكَ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ فَهَذَا لَا يَكُونُ صِفَةً لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ.
فَالْأَعْيَانُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَصِفَاتُهَا الْقَائِمَةُ بِهَا تَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ صِفَاتٍ لِلَّهِ فَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ تَتَضَمَّنُ كَوْنَهَا مَخْلُوقَةً مَمْلُوكَةً لَكِنْ أُضِيفَتْ لِنَوْعِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ الْمُقْتَضَى لِلْإِضَافَةِ لَا لِكَوْنِهَا صِفَةَ وَالرُّوحِ الَّذِي هُوَ جِبْرِيلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ وَالنَّاقَةَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَمَالُ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَرُوحُ بَنِي آدَمَ مِنْ هَذَا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ؛ بَلْ لَا يَكُونُ إلَّا صِفَةً كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا إضَافَةَ صِفَةٍ إلَيْهِ فَتَكُونُ قَائِمَةً بِهِ سُبْحَانَهُ فَإِذَا قِيلَ: ﴿أَسَتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرك بِقُدْرَتِك﴾ فَعِلْمُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَقُدْرَتُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: ﴿أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك﴾ فَرِضَاهُ وَسَخَطُهُ قَائِمٌ بِهِ وَكَذَلِكَ عَفْوُهُ وَعُقُوبَتُهُ.
وَأَمَّا أَثَرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِنْ النِّعْمَةِ وَانْدِفَاعِ النِّقْمَةِ فَذَاكَ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ لَيْسَ صِفَةً لَهُ وَقَدْ يُسَمَّى هَذَا بَاسِمُ ذَاكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿يَقُولُ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِك مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي﴾ فَالرَّحْمَةُ هنا عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِغَيْرِهَا.
فَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ مَا يُضَافُ إضَافَةَ وَصْفٍ وَإِضَافَةَ مِلْكٍ.
وَإِذَا قِيلَ " الْمَسِيحُ كَلِمَةُ اللَّهِ " فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ إذْ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَيْسَ كَلَامًا.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ نَفْسُهُ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ إلَّا بِالْمُتَكَلِّمِ فَإِضَافَتُهُ إلَى الْمُتَكَلِّمِ إضَافَةُ صِفَةٍ إلَى مَوْصُوفِهَا وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِنْ سَمَّى فِعْلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ صِفَةٌ بِاعْتِبَارِ قِيَامِهِ بِالْمُتَكَلِّمِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْكَلَامَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِجَوَابِ صَحِيحٍ.
فَإِذَا قِيلَ
لَهُ: كَلَامُ اللَّهِ هَلْ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ؟ امْتَنَعَ الْجَوَابُ عَلَى أَصْلِهِ بِنَعَمْ أَوْ لَا لِامْتِنَاعِ تَبَعُّضِهِ عِنْدَهُ وَلِكَوْنِ الْعِبَارَةِ لَيْسَتْ كَلَامًا؛ لِلَّهِ لَكِنْ إذَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ الْعِبَارَةُ أَوْ قِيلَ لَهُ: هَلْ بَعْضُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ - وَأُرِيدَ بِالْقُرْآنِ الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ فَهُوَ عِنْدَهُ مَخْلُوقٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ إنْشَاءٌ جِبْرِيلُ أَوْ غَيْرُهُ؛ أَوْ قِيلَ: هَلْ بَعْضُ كُتُبِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ - وَكِتَابُ اللَّهِ عِنْدَهُ هُوَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ الْمَخْلُوقُ عِنْدَهُ - فَهَذَا السُّؤَالُ يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الظَّاهِرِ وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْقَائِمَةَ فِي النَّفْسِ تَدُلُّ عَلَيْهَا الْعِبَارَاتُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْعِبَارَاتِ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَعَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ الْمَعْنَى إلَّا وَاحِدًا فَيَمْتَنِعُ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ كُلُّهُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ مِنْ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَحِينَئِذٍ فَتَبَعُّضُ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي بِدُونِ تَبَعُّضِ تِلْكَ الْمَعَانِي مُمْتَنِعٌ.
وَلِهَذَا قِيلَ لَهُمْ: مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ أَسْمَعَهُ كُلَّهُ أَمْ سَمِعَ بَعْضَهُ؟ إنْ قُلْتُمْ: " كُلَّهُ " فَقَدْ عَلِمَ كُلَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْخَضِرَ قَالَ لَهُ ﴿مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ﴾ وَقَدْ
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . وَإِنْ قُلْتُمْ " سَمِعَ بَعْضَهُ " فَقَدْ تَبَعَّضَ وَعِنْدَكُمْ لَا يَتَبَعَّضُ.
وَأَيْضًا فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَيْنَ إيحَائِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ النَّبِيِّينَ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِيحَاءِ وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَكَانَ الْجَمِيعُ إيحَاءً وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَكْلِيمٌ يَتَمَيَّزُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى مُنَادِيًا لِأَحَدِ إذْ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ لَا يَكُونُ نِدَاءً وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِنِدَائِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
وَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ مِنْ هَؤُلَاءِ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُمْتَنِعَةٌ فَلَيْسَ هُنَاكَ أَمْرَانِ حَتَّى يُقَالَ إنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ مِثْلَ الْآخَرِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ.
وَالتَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ إنَّمَا يُعْقَلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
وَهَكَذَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي إرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الصِّفَةَ وَاحِدَةً بِالْعَيْنِ امْتَنَعَ - عَلَى قَوْلِهِ - أَنْ يُقَالَ: هَلْ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ إذْ لَا بَعْضَ لَهَا عِنْدَهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى وَحْدَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِالْعَيْنِ وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ سَوَاءٌ قَالَ مَعَ ذَلِكَ إنَّهَا أَعْيَانُ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الْقُرَّاءِ أَوْ قَالَ إنَّهَا بَعْضُ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الْقُرَّاءِ.
وَإِنْ كَانَ فَسَادُ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ،
وَقَالَ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ غَيْرُ تِلْكَ.
فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْكَلَامَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُقْتَرِنٌ بَعْضُهَا بِبَعْضِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ كَمَا أَنَّ مَنْ جَعَلَهَا قَوْلًا وَاحِدًا فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَمْتَنِعُ مَعَ الْقَوْلِ بِوَحْدَةِ شَيْءٍ أَنْ يُقَالَ: هَلْ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ مَا يَتَعَدَّدُ مِنْ الْمَعَانِي وَالْحُرُوفِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَهَذَا يُعْقَلُ عَلَى قَوْلِهِ: السُّؤَالُ عَنْ التَّمَاثُلِ وَالتَّفَاضُلِ.
ثُمَّ حِينَئِذٍ يَقَعُ السُّؤَالُ: هَلْ يَتَفَاضَلُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ أَمْ لَا يَقَعُ التَّفَاضُلُ إلَّا فِي الْمَخْلُوقِ؟ . وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الْمُهَلَّبُ - وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصِيلِيَّ - وَمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ والدَاوُدي وَأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ وَجَمَاعَةِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا إذْ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَتُهُ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إلَّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ نَقْلٌ لِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ بِحَسَبِ مَا ظَنَّهُ لَازِمًا لَهُمْ حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ التَّفَاضُلَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَخْلُوقِ وَالْقُرْآنُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ.
لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ السَّلَفَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ
خِلَافُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا نَقْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَمُوَافَقِيهِ فَغَلَطٌ عَلَيْهِمْ؛ إذْ كَلَامُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لَهُ كُلٌّ وَلَا بَعْضٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَلْ يَفْضُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا أَوْ لَا يَفْضُلُ فَامْتِنَاعِ التَّفَاضُلِ فِيهِ عِنْدَهُ كَامْتِنَاعِ التَّمَاثُلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُتَمَاثِلٌ وَلَا مُتَفَاضِلٌ إذْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
وَلَكِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ فِي الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فَيُقَالُ: أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ فَإِنْ كَانَ قَالَ: إنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ لَا تَتَفَاضَلُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَفْضَلِ نَقْصُ الْمَفْضُولِ عَنْهُ فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَا فِي نَفْسِ الْكَلَامِ مَعَ أَنَّ هَذَا النَّقْلَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ فِي نَفْيِ تَفَاضُلِ الصِّفَاتِ غَيْرُ مُحَرَّرٍ فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الصِّفَاتِ لَا تَتَفَاضَلُ بَلْ هَذَا خَطَأٌ عَلَيْهِ وَلَكِنْ هُوَ يَقُولُ: إنَّ الْكَلَامَ لَا يَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ كَمَا لَا يَدْخُلُهُ التَّمَاثُلُ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ عِنْدَهُ لَا لِمَا ذُكِرَ.
وَأَمَّا الصِّفَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الذَّاتَ لَيْسَتْ مِثْلَ الصِّفَاتِ وَلَا كُلُّ صِفَةٍ مِثْلُ الْأُخْرَى فَهُوَ لَا يَثْبُتُ تَمَاثُلُ الْمَعَانِي الْقَدِيمَةِ عِنْدَهُ فَكَيْفَ يُقَالُ - عَلَى أَصْلِهِ - مَا يُوجِبُ تَمَاثُلَهَا وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ التَّفَاضُلِ فَهُوَ كَامْتِنَاعِهِ مِنْ إطْلَاقِ لِفَظِّ التَّمَاثُلِ وَكَامْتِنَاعِهِ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ التَّغَايُرِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ نَفَى التَّفَاضُلَ وَأَثْبَتَ التَّمَاثُلَ فَقَدْ أَخْطَأَ
لَكِنْ قَدْ لَا يُطْلِقُ لَفْظَ التَّفَاضُلِ كَمَا لَا يُطْلِقُ لَفْظَ التَّمَاثُلِ لَا لِأَنَّ الصِّفَاتِ مُتَمَاثِلَةٌ عِنْدَهُ؛ بَلْ هُوَ يَنْفِي التَّمَاثُلُ لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ وَلِعَدَمِ إطْلَاقِ التَّغَايُرِ كَمَا يُقَالُ: هَلْ يُقَالُ الصِّفَاتُ مُخْتَلِفَةٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هِيَ مُتَغَايِرَةٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُقَالُ فِي كُلِّ صِفَةٍ إنَّهَا الذَّاتُ أَوْ غَيْرُهَا أَوْ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ نَفْيِهِمَا وَإِنَّمَا يُفْرَدُ كُلُّ نَفْيٍ مِنْهُمَا أَوْ لَا يُطْلَقُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّمَاثُلَ أَوْ التَّفَاضُلَ لَا يُعْقَلُ إلَّا مَعَ التَّعَدُّدِ وَتَعَدُّدُ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَكَلِمَاتُهُ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ فَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ يَتَخَاطَبُونَ بِمُوجِبِ الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ وَإِنْ كَانَتْ لِبَعْضِهِمْ أَقْوَالٌ أُخَرُ تُنَافِي الْفِطْرَةَ وَالشِّرْعَةَ وَتَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ مَا يَقُولُهُ بِمُقْتَضَى الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ قَدْ دَلَّا عَلَى تَعَدُّدِ كَلِمَاتِ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَوْلَ السَّلَفِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ كَلِمَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا؛ وَبَيَّنَّا النِّزَاعَ فِي تَعَدُّدِ الْعُلُومِ وَالْإِرَادَاتِ وَأَنَّ
كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَقُولُ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ تَعَدُّدِ ذَلِكَ وَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا يُرِيدُ جَمِيعَ الْمُرَادَاتِ بِإِرَادَةِ وَاحِدَةٍ إنَّمَا أَخَذُوهُ عَنْ ابْنِ كُلَّابٍ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ قَالُوا: هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ حَتَّى إنَّ مِنْ فُضَلَاءِ النُّظَّارِ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى هَذَا عَاقِلٌ مِنْ النَّاسِ لِأَنَّهُ رَآهُ ظَاهِرَ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النُّظَّارِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ نَفْسَ إرَادَتِهِ هِيَ رَحْمَتَهُ وَهِيَ غَضَبَهُ يَكُونُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك﴾ مَعْنَاهُ يَكُونُ مُسْتَعِيذًا عِنْدَهُ بِنَفْسِ الْإِرَادَةِ مِنْ نَفْسِ الْإِرَادَةِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ لِلْإِرَادَةِ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ يُسْتَعَاذُ بِهَا مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْآخَرِ.
بَلْ الْإِرَادَةُ عِنْدَهُ لَهَا مُجَرَّدُ تَعَلُّقٍ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَالتَّعَلُّقُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْهُ لِأَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ صِفَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَيُسْتَعَاذُ بِهِ بِاعْتِبَارِ وَمِنْهُ بِاعْتِبَارِ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ ذَاتٌ لَا صِفَةَ لَهَا أَوْ مَوْجُودٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَّصِفُ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ فَهَذَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ هَذَا فِي الذِّهْنِ كَمَا تُقَدَّرُ الممتنعات فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَبًّا خَالِقًا لِلْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَهَؤُلَاءِ أَلْجَأَهُمْ إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مُضَايَقَاتُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ لَهُمْ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُمْ صَارُوا يَقُولُونَ لَهُمْ: كَلَامُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ؟ إنْ قُلْتُمْ هُوَ غَيْرُهُ فَمَا كَانَ غَيْرُ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَإِنْ قُلْتُمْ هُوَ
هُوَ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ.
وَهَذَا أَوَّلُ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَد فِي الْمِحْنَةِ فَإِنَّ الْمُعْتَصِمَ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحَاقَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ - أَوْ قَالَ فِي كَلَامِ اللَّهِ - يَعْنِي أَهُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: مَا تَقُولُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَهُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَعَارَضَهُ أَحْمَد بِالْعِلْمِ فَسَكَتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَهَذَا مِنْ حُسْنِ مَعْرِفَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِالْمُنَاظَرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ الَّذِي بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ مَتَى ذَكَرْت لَهُ الْحَقَّ الَّذِي عِنْدَك ابْتِدَاءً أَخَذَ يُعَارِضُك فِيهِ؛ لِمَا قَامَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الشُّبْهَةِ فَيَنْبَغِي إذَا كَانَ الْمَنَاظِرُ مُدَّعِيًا أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِهَدْمِ مَا عِنْدَهُ فَإِذَا انْكَسَرَ وَطَلَبَ الْحَقَّ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ وَإِلَّا فَمَا دَامَ مُعْتَقِدًا نَقِيضَ الْحَقِّ لَمْ يَدْخُلْ الْحَقُّ إلَى قَلْبِهِ كَاللَّوْحِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ كَلَامٌ بَاطِلٌ اُمْحُهُ أَوَّلًا ثُمَّ اُكْتُبْ فِيهِ الْحَقَّ.
وَهَؤُلَاءِ كَانَ قَصْدُهُمْ الِاحْتِجَاجَ لِبِدْعَتِهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ وَالنَّقْضِ مَا يُبْطِلُهَا.
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي رَدِّهِ عَلَى الْجَهْمِيَّة فِي جَوَابِ هَذَا وَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ " الْغَيْرِ " لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الشَّرْعُ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا لَفْظُ " الْغَيْرِ " فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَلَا غَيْرَ دَاخِلٍ فَلَا يَقُومُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ.
وَأَيْضًا فَهُوَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ: يُرَادُ بِالْغَيْرِ مَا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ الشَّيْءِ وَيُرَادُ بِالْغَيْرِ مَا لَيْسَ هُوَ الشَّيْءُ
فَلِهَذَا لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَعِلْمَ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هُوَ هُوَ لِأَنَّ هَذَا بَاطِلٌ.
وَلَا يُطْلَقُ أَنَّهُ غَيْرُهُ لِئَلَّا يُفْهَمَ أَنَّهُ بَائِنٌ عَنْهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَيْهِ الْحُذَّاقُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلِقُونَ أَنَّهُ هُوَ وَلَا يُطْلِقُونَ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَلَا يَقُولُونَ لَيْسَ هُوَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.
فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا إثْبَاتُ قِسْمٍ ثَالِثٍ وَهُوَ خَطَأٌ فَفَرْقٌ بَيْنَ تَرْكِ إطْلَاقِ اللَّفْظَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَالِ وَبَيْنَ نَفْيِ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ مُطْلَقًا وَإِثْبَاتِ مَعْنًى ثَالِثٍ خَارِجٍ عَنْ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ.
فَجَاءَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ " أَبُو الْحَسَنِ " وَكَانَ أَحْذَقَ مِمَّنْ بَعْدَهُ فَقَالَ: نَنْفِي مُفْرَدًا لَا مَجْمُوعًا فَنَقُولُ مُفْرَدًا: لَيْسَتْ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفُ وَنَقُولُ مُفْرَدًا: لَيْسَتْ غَيْرُهُ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيُقَالُ: لَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّفْيِ فِيهِ مِنْ الْإِيهَامِ مَا لَيْسَ فِي التَّفْرِيقِ.
وَجَاءَ بَعْدَهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا: بَلْ نَنْفِي مَجْمُوعًا فَنَقُولُ: لَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ إذَا بَحَثُوا يَقُولُونَ هَذَا الْمَعْنَى أَمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فَيَتَنَاقَضُونَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْغَيْرِ " مُجْمَلٌ: يُرَادُ بِالْغَيْرِ: الْمُبَايِنُ الْمُنْفَصِلُ وَيُرَادُ بِالْغَيْرِ: مَا لَيْسَ هُوَ عَيْنُ الشَّيْءِ.
وَقَدْ يُعَبِّرُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الغيرين مَا جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا وَعَدَمُهُ أَوْ مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِزَمَانِ أَوْ مَكَانٍ أَوْ وُجُودٍ وَيُعَبِّرُ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ
عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ.
وَبَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ فَصِفَاتُ الرَّبِّ اللَّازِمَةُ لَهُ لَا تُفَارِقُهُ أَلْبَتَّةَ فَلَا تَكُونُ غِيَرًا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ أَنْ تَعْلَمَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَتَعْلَمَ الذَّاتَ دُونَ الصِّفَةِ فَتَكُونُ غِيَرًا بِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَلِهَذَا أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ مُثَبِّتَةِ الصِّفَاتِ عَلَيْهَا أَغْيَارًا لِلذَّاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: نَقُولُ إنَّهَا غَيْرُ الذَّاتِ وَلَا نَقُولُ إنَّهَا غَيْرُ اللَّهِ فَإِنَّ لَفْظَ الذَّاتِ لَا يَتَضَمَّنُ الصِّفَاتِ بِخِلَافِ اسْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الصِّفَاتِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ - عَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ - أَنْ لَا يُقَالَ فِي الصِّفَاتِ: إنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مُسَمَّى اسْمِ اللَّهِ؛ بَلْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِمْ.
وَإِذَا قِيلَ: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا؟ كَانَ الْجَوَابُ: إنَّ الذَّاتَ الْمَوْجُودَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّفَاتِ فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ الذَّاتِ مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَاتِ؛ بَلْ وَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ الذَّوَاتِ مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ بَلْ لَفْظُ " الذَّاتِ " تَأْنِيثُ " ذُو " وَلَفْظُ " ذُو " مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِضَافَةِ.
وَهَذَا اللَّفْظُ مُوَلَّدٌ وَأَصْلُهُ أَنْ يُقَالَ: ذَاتُ عِلْمٍ ذَاتُ قُدْرَةٍ ذَاتُ سَمْعٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وَيُقَالُ: فُلَانَةٌ ذَاتُ مَالٍ ذَاتُ جَمَالٍ.
ثُمَّ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ نَفْسَ الرَّبِّ ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ - رَدًّا عَلَى مَنْ نَفَى صِفَاتِهَا - عَرَفُوا لَفْظَ الذَّاتِ وَصَارَ التَّعْرِيفُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِضَافَةِ فَحَيْثُ قِيلَ لَفْظُ الذَّاتِ فَهُوَ ذَاتُ كَذَا فَالذَّاتُ لَا تَكُونُ إلَّا ذَاتَ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
وَإِنَّمَا يُرِيدُ محققوا أَهْلِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِمْ " الصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ " أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ نفاة الصِّفَاتِ مِنْ الذَّاتِ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا ذَاتًا مُجَرَّدَةً لَا صِفَاتٍ لَهَا فَأَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ الصِّفَاتِ زَائِدَةً عَلَى مَا أَثْبَتَهُ هَؤُلَاءِ فَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالْخَبَرِ لَا زِيَادَةَ عَلَى نَفْسِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ.
بَلْ نَفْسُهُ الْمُقَدَّسَةُ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُفَارِقَهَا فَلَا تُوجَدُ الصِّفَاتُ بِدُونِ الذَّاتِ وَلَا الذَّاتُ بِدُونِ الصِّفَاتِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ الصفاتية - الَّذِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ ابْنِ كُلَّابٍ - إذَا قَالَ أَحَدُهُمْ فِي الصِّفَاتِ إنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ إذْ الْمِثْلَانِ مَا سَدَّ أَحَدُهُمَا مُسَدَّ الْآخَرِ وَقَامَ مَقَامَهُ وَالْعِلْمُ لَيْسَ مَثَلًا لِلْقُدْرَةِ وَلَا الْقُدْرَةُ مَثَلًا لِلْإِرَادَةِ وَأَمَّا الْكَلَامُ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالْوَاحِدُ يَمْتَنِعُ فِيهِ تَفَاضُلٌ أَوْ تَمَاثُلٌ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَاَلَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ لَهُمْ مَأْخَذَانِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ لَا يَكُونُ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَتَفَاضَلُ.
" وَالثَّانِي " أَنَّهُ وَاحِدٌ وَالْوَاحِدُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَفَاضُلٌ وَلَا تَمَاثُلٌ.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَعَ ذَلِكَ حُرُوفًا أَوْ حُرُوفًا وَأَصْوَاتًا قَدِيمَةَ الْأَعْيَانِ وَيَقُولُ: هُوَ مَعَ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْ الْكُلَّابِيَة أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا إرَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِلْمٌ وَاحِدٌ وَقُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَلَامٌ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ.
وَأَخَذُوا عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَالْتَزَمُوا أَنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ مَعَ أَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ فِي نَفْسِهَا تَرَتُّبًا ذَاتِيًّا فِي الْوُجُودِ أَزَلِيَّةً لَمْ يَزَلْ بَعْضُهَا مُقَارِنًا لِبَعْضِ وَفَرَّقُوا بَيْنَ ذَاتِ الشَّيْءِ وَبَيْنَ وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ مُوَافَقَةً لِمَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِهِ وَأَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ لَا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ بَلْ يَجْعَلُونَهُ مُتَعَدِّدًا مَعَ قِدَمِ الْقُرْآنِ وَقِدَمِ أَعْيَانِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ: أَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ كَمَا قَدْ بَيَّنَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَنْسُوبُ إلَى ابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَهُ فِي الْإِسْلَامِ ابْنُ كُلَّابٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ كَثْرَةِ مَا تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمَ وَأَهَمِّ أُمُورِ الدِّينِ الَّذِي تَتَوَفَّرُ
الْهِمَمُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ وَمَعَ تَوَاتُرِ نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مِمَّا يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَآثَارُ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ.
وكل مِنْهَا مِمَّا اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَتَصَوَّرُونَهُ عَلَى أَنَّ فَسَادَهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَيَجُوزُ اتِّفَاقُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ عَلَى قَوْلٍ يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ إذَا كَانَ عَنْ تَوَاطُؤٍ كَمَا يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ تَوَاطُؤًا وَأَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ.
فَالْمَذْهَبُ الَّذِي تَقَلَّدَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ - كَقَوْلِ النَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَالدَّهْرِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ قَالُوهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَأَمَّا أَنْ يَقُولُوهُ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ فَهَذَا لَا يَقَعُ وَأَكْثَرُ الْمُتَقَلِّدِينَ لِلْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ لَا يَتَصَوَّرُونَهَا تَصَوُّرًا تَامًّا حَتَّى يَكُونَ تَصَوُّرُهَا التَّامُّ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِفَسَادِهَا.
ثُمَّ إذَا اُشْتُهِرَ الْقَوْلُ عِنْدَ طَائِفَةٍ لَمْ يَعْلَمُوا غَيْرَهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ظَنُّوا أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ صَارَ كُلُّ مَنْ رَأَى طَائِفَةً تُنْكِرُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا قَالَتْهُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ - وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بَلْ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ وَوَافَقُوا1