سُورَةُ الْأَعْلَى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ.
وَيُبَيِّنُ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَانْتِفَائِهَا عَمَّا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ.
وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ يَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَعَمَّا يَقُولُونَ مِنْ إثْبَاتِ الْأَوْلَادِ وَالشُّرَكَاءِ لَهُ.
وَقَالَ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ وَهْم كَانُوا يَقُولُونَ إنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُمْ وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ.
لَكِنْ كَانُوا يُثْبِتُونَ الشَّفَاعَةَ بِدُونِ إذْنِهِ فَيَجْعَلُونَ الْمَخْلُوقَ يَمْلِكُ الشَّفَاعَةَ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الشِّرْكِ.
فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ فَالشَّفَاعَةُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرَ اللَّهِ.
كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ السدي فِي قَوْلِهِ: ﴿إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: لَابْتَغَتْ الْحَوَائِجُ مِنْ اللَّهِ.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قتادة: ﴿لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ لَابْتَغَوْا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ.
وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ قتادة: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ إذًا لَعَرَفُوا لَهُ فَضْلَهُ وَمَزِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَابْتَغَوْا إلَيْهِ مَا يُقَرِّبُهُمْ إلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: لَتَعَاطَوْا سُلْطَانَهُ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الهذلي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَبِيلًا إلَى أَنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُ والهذلي ضَعِيفٌ.
فَقَدْ تَضَمَّنَ الْعُلُوَّ الَّذِي يَنْعَتُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ مُتَعَالٍ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَوْلَادِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.
وَأَنَّهُ لَا يُمَاثِلُهُ غَيْرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ بَلْ هُوَ مُتَعَالٍ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ.
وَتَضَمَّنَ أَنَّهُ عَالٍ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ قَاهِرٌ لَهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ نَافِذَةٌ مَشِيئَتُهُ فِيهِ وَأَنَّهُ عَالٍ عَلَى الْجَمِيعِ فَوْقَ عَرْشِهِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٌ فِي اسْمِهِ " الْعَلِيِّ ". وَإِثْبَاتُ عُلُوِّهِ عُلُوُّهُ عَلَى مَا سِوَاهُ وَقُدْرَتُهُ عَلَيْهِ وَقَهْرُهُ يَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لَهُ وَخَلْقَهُ لَهُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْكَمَالِ.
وَعُلُوُّهُ عَنْ الْأَمْثَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَهَذَا وَهَذَا يَقْتَضِي جَمِيعَ مَا يُوصَفُ بِهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
فَفِي الْإِثْبَاتِ يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَفِي النَّفْيِ يُنَزَّهُ عَنْ النَّقْصِ الْمُنَاقِضِ لِلْكَمَالِ وَيُنَزَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ.
كَمَا قَدْ دَلَّتْ عَلَى هَذَا وَهَذَا سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ . وَتَعَالِيهِ عَنْ الشُّرَكَاءِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ
الْعِبَادَةَ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أَيْ وَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيُقَرِّبُونَكُمْ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ الرَّبُّ وَالْإِلَهُ دُونَهُمْ وَكَانُوا يَبْتَغُونَ إلَيْهِ سَبِيلًا بِالْعِبَادَةِ لَهُ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.
كَمَا قَالَ: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ فَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ أَوْ أَحَدٌ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ أَوْ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ.
فَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانُوا يَقُولُونَ.
وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ إنَّ آلِهَتَهُمْ تَقْدِرُ أَنْ تُمَانَعَهُ أَوْ تُغَالِبَهُ.
بَلْ هَذَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ إلَهٍ آخَرَ يَخْلُقُ كَمَا يَخْلُقُ وَإِنْ كَانُوا هُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ كَمَا قَالَ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَهُ " الْأَعْلَى " يَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا يُنَافِيهَا مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ وَأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
فَصْلٌ:
وَالْأَمْرُ بِتَسْبِيحِهِ يَقْتَضِي أَيْضًا تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَسُوءٍ وَإِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ.
فَإِنَّ التَّسْبِيحَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ وَالتَّعْظِيمَ وَالتَّعْظِيمَ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الْمَحَامِدِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا.
فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ وَتَحْمِيدَهُ وَتَكْبِيرَهُ وَتَوْحِيدَهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا ابْنُ نفيل الْحَرَّانِي ثَنَا النَّضْرُ ابْنُ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مَيْمُونَ بْنَ مهران عَنْ " سُبْحَانَ اللَّهِ ". فَقَالَ: " اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنْ السُّوءِ ". وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " سُبْحَانَ " قَالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ.
وَعَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ قَالَ عَجَبٌ.
وَعَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: " سُبْحَانَ " اسْمٌ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَنْتَحِلُوهُ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّهُ
تَنْزِيهُ نَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ " وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وَهُوَ يَقْتَضِي تَنْزِيهَ نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ السَّيِّئَاتِ كَمَا يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ.
وَنَفْيُ النَّقَائِصِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَفِيهَا التَّعْظِيمُ كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مهران " اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنْ السُّوءِ ". وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حميد: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ موهب عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: ﴿سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّسْبِيحِ فَقَالَ: إنزاهه عَنْ السُّوءِ﴾ . وَقَالَ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مخلد عَنْ شَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " سُبْحَانَ اللَّهِ " قَالَ: تَنْزِيهُهُ.
حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانٍ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " نَعْرِفُهَا أَنَّهُ لَا إلَهَ غَيْرُهُ و " الْحَمْدُ لِلَّهِ " نَعْرِفُهَا أَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنْهُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهَا و " اللَّهُ أَكْبَرُ " نَعْرِفُهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَكْبَرَ مِنْهُ فَمَا " سُبْحَانَ اللَّهِ "؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا يُنْكَرُ مِنْهَا؟ هِيَ كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَأَمَرَ بِهَا مَلَائِكَتَهُ وَفَزِعَ إلَيْهَا الْأَخْيَارُ مِنْ خَلْقِهِ.
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ الْعَطْفُ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَ وَأَنَّ بَيْنَهُمَا مُغَايِرَةٌ إمَّا فِي الذَّاتِ وَإِمَّا فِي الصِّفَاتِ.
وَهُوَ فِي الذَّاتِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ . وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ.
فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى هُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى؛ لَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ وَالصِّفَةَ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ الِاسْمُ وَالصِّفَةُ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
﴿وَاَلَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ مَنْ صَدَقَ وصَبَرَ وَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
وَكَثِيرًا مَا تَأْتِي الصِّفَاتُ بِلَا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النَّاسِ﴾ . وَقَدْ تَجِيءُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ . وَلَوْ كَانَ " فَعَّالٌ " صِفَةً لَكَانَ مُعَرَّفًا بَلْ هُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَكِنْ بِالْعَطْفِ بِكُلِّ مِنْ الصِّفَاتِ.
وَأَخْبَارُ الْمُبْتَدَأِ قَدْ تَجِيءُ بِعَطْفِ وَبِغَيْرِ عَطْفٍ.
وَإِذَا ذُكِرَ بِالْعَطْفِ كَانَ كُلُّ اسْمٍ مُسْتَقِلًّا بِالذِّكْرِ وَبِلَا عِطْفٍ يَكُونُ الثَّانِي مِنْ تَمَامِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى.
وَمَعَ الْعَطْفِ لَا تَكُونُ الصِّفَاتُ إلَّا لِلْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ أَوْ لِلْمَدْحِ وَأَمَّا بِلَا عَطْفٍ فَهُوَ فِي النَّكِرَاتِ لِلتَّمْيِيزِ وَفِي الْمَعَارِفِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّوْضِيحِ.
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ وُصِفَ بِكُلِّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَمُدِحَ بِهَا وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ بِهَا.
وَكَانَتْ كُلُّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُسْتَوْجِبَةً لِذَلِكَ.
فَصْلٌ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ . فَأَطْلَقَ الْخَلْقَ وَالتَّسْوِيَةَ وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ الْإِنْسَانَ كَمَا أَطْلَقَ قَوْلَهُ بَعْدَ ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ لَمْ يُقَيِّدْهُ.
فَكَانَ هَذَا الْمُطْلَقَ لَا يَمْنَعُ شُمُولَهُ لِشَيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ شُمُولَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُقَيَّدَ بِالْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ فِي أَوَّلِ مَا نَزَّلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ مُطْلَقِهَا وَمُقَيَّدِهَا وَالْجَامِعِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ قَدْ ذَكَرَ خَلْقَهُ وَذَكَرَ هِدَايَتَهُ وَتَعْلِيمَهُ بَعْدَ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ .
لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ خُلِقَتْ لِغَايَةِ مَقْصُودَةٍ بِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تُهْدَى إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا.
فَلَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهَا وَمَا أُرِيدَتْ لَهُ إلَّا بِهِدَايَتِهَا لِغَايَاتِهَا.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لِحِكْمَةِ وَغَايَةٍ تَصِلُ إلَيْهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَجَهْمِ وَأَتْبَاعِهِ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا لِشَيْءِ وَوَافَقَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ.
وَهُمْ يُثْبِتُونَ أَنَّهُ مُرِيدٌ وَيُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حِكْمَةٌ يُرِيدُهَا.
وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ يُثْبِتُونَ عِنَايَتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَيُنْكِرُونَ إرَادَتَهُ.
وَكِلَاهُمَا تَنَاقُضٌ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنَّ مُنْتَهَاهُمْ جَحْدُ الْحَقَائِقِ.
فَإِنَّ هَذَا يَقُولُ: " لَوْ كَانَ لَهُ حِكْمَةٌ يَفْعَلُ لِأَجْلِهَا لَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُرِيدَ الْحِكْمَةَ وَيَنْتَفِعَ بِهَا وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ". وَذَاكَ يَقُولُ: " لَوْ كَانَ لَهُ إرَادَةٌ لَكَانَ يَفْعَلُ لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعْقَلُ إلَّا كَذَلِكَ ". وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ يَقُولُونَ: " لَوْ فَعَلَ شَيْئًا لَكَانَ الْفِعْلُ لِغَرَضِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ".
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: هَذِهِ الْحَوَادِثُ الْمَشْهُودَةُ أَلَهَا مُحْدِثٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا " لَا " فَهُوَ غَايَةُ الْمُكَابَرَةِ.
وَإِذَا جَوَّزُوا حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ فَتَجْوِيزُهَا بِمُحْدِثِ لَا إرَادَةَ لَهُ أَوْلَى.
وَإِنْ قَالُوا " لَهَا مُحْدِثٌ " ثَبَتَ الْفَاعِلُ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْخَالِقُ الْمُحْدِثُ فَإِمَّا أَنْ يَفْعَلَ بِإِرَادَةِ أَوْ بِغَيْرِ إرَادَةٍ.
فَإِنْ قَالُوا " يَفْعَلُ بِغَيْرِ إرَادَةٍ " كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مُكَابَرَةٌ.
فَإِنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ إنَّمَا صَدَرَتْ عَنْ إرَادَةٍ.
فَإِنَّ الْحَرَكَاتِ إمَّا طَبْعِيَّةٌ وَإِمَّا قَسْرِيَّةٌ وَإِمَّا إرَادِيَّةٌ.
لِأَنَّ مَبْدَأَ الْحَرَكَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَحَرِّكِ أَوْ مِنْ سَبَبٍ خَارِجٍ.
وَمَا كَانَ مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الشُّعُورِ أَوْ بِدُونِ الشُّعُورِ.
فَمَا كَانَ سَبَبُهُ مِنْ خَارِجٍ فَهُوَ الْقَسْرِيُّ وَمَا كَانَ سَبَبُهُ مِنْهَا بِلَا شُعُورٍ فَهُوَ الطَّبْعِيُّ وَمَا كَانَ مَعَ الشُّعُورِ فَهُوَ الْإِرَادِيُّ.
فَالْقَسْرِيُّ تَابِعٌ لِلْقَاسِرِ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّكُ بِطَبْعِهِ كَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ هُوَ سَاكِنٌ فِي مَرْكَزِهِ؛ لَكِنْ إذَا خَرَجَ عَنْ مَرْكَزِهِ قَسْرًا طَلَب الْعَوْدَ إلَى مَرْكَزِهِ فَأَصْلُ حَرَكَتِهِ الْقَسْرُ.
وَلَمْ تَبْقَ حَرَكَةٌ أَصْلِيَّةٌ إلَّا الْإِرَادِيَّةُ.
فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ فَهِيَ عَنْ إرَادَةٍ.
فَكَيْفَ تَكُونُ جَمِيعُ الْحَوَادِثِ وَالْحَرَكَاتِ بِلَا إرَادَةٍ؟ . وَأَيْضًا فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ تَحْدُثَ الْحَوَادِثُ الْعَظِيمَةُ عَنْ فَاعِلٍ غَيْرِ مُرِيدٍ فَجَوَازُ ذَلِكَ عَنْ فَاعِلٍ مُرِيدٍ أَوْلَى.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُرِيدٌ قِيلَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَهَا لِحِكْمَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَهَا لِغَيْرِ حِكْمَةٍ.
فَإِنْ قَالُوا " لِغَيْرِ حِكْمَةٍ " كَانَ مُكَابَرَةً.
فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعْقَلُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُرِيدُ قَدْ فَعَلَ لِحِكْمَةِ يَقْصِدُهَا بِالْفِعْلِ.
وَأَيْضًا فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا مُرِيدًا بِلَا حِكْمَةٍ فَكَوْنُهُ فَاعِلًا مُرِيدًا لِحِكْمَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " هَذَا لَا يُعْقَلُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَنْتَفِعُ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَاجَةَ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ". فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُوجِبُ احْتِيَاجَهُ إلَى غَيْرِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَبَاطِلٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَهُوَ الصَّمَدُ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَهُوَ الْقَيُّومُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْمُقِيمُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَكَيْفَ يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ؟ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ بِالْخَلْقِ حِكْمَةٌ هِيَ أَيْضًا حَاصِلَةٌ بِمَشِيئَتِهِ فَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ بَلْ هُوَ الْحَقُّ.
وَإِذَا قَالُوا " الْحِكْمَةُ هِيَ اللَّذَّةُ " قِيلَ: لَفْظُ " اللَّذَّةِ " لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ مُوهِمٌ وَمُجْمَلٌ.
لَكِنْ جَاءَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ " يُحِبُّ " و " يَرْضَى "
و " يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ " وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِذَا أُرِيدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ فَهُوَ حَقٌّ.
وَإِنْ قَالُوا: " الْحِكْمَةَ إمَّا أَنْ تُرَادَ لِنَفْسِهَا أَوْ لِحِكْمَةِ " قِيلَ: الْمُرَادَاتُ نَوْعَانِ مَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ وَمَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ غَايَةً وَحِكْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَخْلُوقٍ وَهُوَ مَخْلُوقٌ لِحِكْمَةِ أُخْرَى.
فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى حِكْمَةٍ يُرِيدُهَا الْفَاعِلُ لِذَاتِهَا.
وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ تُثْبِتُ حِكْمَةً لَا تَعُودُ إلَى ذَاتِهِ.
وَأَمَّا السَّلَفُ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ حِكْمَةً تَعُودُ إلَيْهِ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ . وَالتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْئَيْنِ سَوَاءً كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ و ﴿سَوَاءٌ﴾ وَسَطٌ لِأَنَّهُ مُعْتَدِلٌ بَيْنَ الْجَوَانِبِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ مِنْ الْعَدْلِ.
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَإِذَا فُضِّلَ أَحَدُهُمَا فَسَدَ الْمَصْنُوعُ كَمَا فِي مَصْنُوعَاتِ الْعِبَادِ إذَا بَنَوْا بُنْيَانًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحِيطَانِ إذْ لَوْ رُفِعَ
حَائِطٌ عَلَى حَائِطٍ رَفْعًا كَثِيرًا فَسَدَ.
وَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ جُذُوعِ السَّقْفِ فَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْجُذُوعِ قَصِيرًا عَنْ الْغَايَةِ وَبَعْضُهَا فَوْقَ الْغَايَةِ فَسَدَ.
وَكَذَلِكَ إذَا بُنِيَ صَفٌّ فَوْقَ صَفٍّ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَكَذَلِكَ الدَّرَجُ الْمَبْنِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ إذَا صُنِعَ لِسَقْيِ الْمَاءِ جَدَاوِلُ وَمَسَاكِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا صُنِعَتْ مَلَابِسُ لِلْآدَمِيِّينَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً عَلَى أَبْدَانِهِمْ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ.
وَكَذَلِكَ مَا يُصْنَعُ مِنْ الطَّعَامِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَخْلَاطُهُ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِدَالِ وَالنَّارُ الَّتِي تَطْبُخُهُ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ السُّفُنُ الْمَصْنُوعَةُ.
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ لدَاوُد: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أَيْ لَا تَدُقَّ الْمِسْمَارَ فَيُقْلِقْ وَلَا تُغْلِظْهُ فَيُفْصَمْ وَاجْعَلْهُ بِقَدْرِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَصْنُوعَاتِ الْعِبَادِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِ الرَّبِّ فَكَيْفَ بِمَخْلُوقَاتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا صُنْعَ فِيهَا لِلْعِبَادِ كَخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَسَائِرِ الْبَهَائِمِ وَخَلْقِ النَّبَاتِ وَخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةِ.
فَالْفُلْكُ الَّذِي خَلَقَهُ وَجَعَلَهُ مُسْتَدِيرًا مَا لَهُ مِنْ فُرُوجٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ وَقَالَ:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ سَوَّاهَا كَمَا سَوَّى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَعَدَلَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُ جَانِبَيْ السَّمَاءِ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا لَكَانَ فِيهَا فُرُوجٌ وَهِيَ الْفُتُوقُ وَالشُّقُوقُ وَلَمْ يَكُنْ سَوَّاهَا كَمَنْ بَنَى قُبَّةً وَلَمْ يُسَوِّهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ أَحَدَ جَانِبَيْهَا أَطْوَلَ أَوْ أَنْقَصَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَالْعَدْلُ وَالتَّسْوِيَةُ لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمَصْنُوعَاتِ.
فَمَتَى لَمْ تُصْنَعْ بِالْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَقَعَ فِيهَا الْفَسَادُ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ قَالَ: سَوَّى خَلْقَهُنَّ وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ .
فَصْلٌ:
ثُمَّ إذَا خَلَقَ الْمَخْلُوقَ فَسَوَّى فَإِنْ لَمْ يَهْدِهِ إلَى تَمَامِ الْحِكْمَةِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا فَسَدَ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يُهْدَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ.
وَتِلْكَ الْغَايَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْخَالِقِ.
فَإِنَّ الْعِلَّةَ الغائية هِيَ أَوَّلٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَهِيَ آخِرٌ فِي الْوُجُودِ وَالْحُصُولِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْخَالِقُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا خَلَقَ.
فَإِنَّهُ قَدْ أَرَادَهُ وَأَرَادَ الْغَايَةَ الَّتِي خَلَقَهُ لَهَا وَالْإِرَادَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعِلْمِ.
فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ الْحَيُّ مَا لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ.
وَالصَّانِعُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا فَقَدْ عَلِمَهُ وَأَرَادَهُ وَقَدَّرَ فِي نَفْسِهِ مَا يَصْنَعُهُ وَالْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا وَمَا الَّذِي يُوَصِّلُهُ إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ وَكَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .
فَقَدْ قَدَّرَ سُبْحَانَهُ مَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَهُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ حِين كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ: اُكْتُبْ.
فَقَالَ مَا أَكْتُبُ؟ فَقَالَ: اُكْتُبْ مَا يَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . وَأَحَادِيثُ تَقْدِيرِهِ سُبْحَانَهُ وَكِتَابَتِهِ لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ بِقُدْرَتِهِ وَدَبَّرَ الْأُمُورَ بِحِكْمَتِهِ وَعَلِمَ مَا الْعِبَادُ صَائِرُونَ إلَيْهِ وَمَا هُوَ خَالِقٌ وَكَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَخَلَقَ اللَّهُ لِذَلِكَ جَنَّةً وَنَارًا فَجَعَلَ الْجَنَّةَ لِأَوْلِيَائِهِ وَعَرَّفَهُمْ وَأَحَبَّهُمْ وَتَوَلَّاهُمْ وَوَفَّقَهُمْ وَعَصَمَهُمْ وَتَرَكَ أَهْلَ النَّارِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ وَأَضَلَّهُمْ وَأَزَلَّهُمْ.
فَخَلَقَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَا يُشَاكِلُهُ فِي خَلْقِهِ مَا يُصْلِحُهُ مِنْ رِزْقِهِ فِي بَرٍّ أَوْ فِي بَحْرٍ.
فَجَعَلَ لِلْبَعِيرِ خَلْقًا لَا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ.
وَكَذَلِكَ كَلُّ دَابَّةٍ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا مَا يُشَاكِلُهَا فِي خَلْقِهَا فَخَلْقُهُ مُؤْتَلِفٌ لِمَا خَلَقَهُ لَهُ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ثَنَا أَبِي ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ مهران الْقَزَّازُ
نا حِبَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْت الضَّحَّاكَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ.
خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا وَأَجَّلَ أَجَلًا وَقَدَّرَ رِزْقًا وَقَدَّرَ مُصِيبَةً وَقَدَّرَ بَلَاءً وَقَدَّرَ عَافِيَةً.
فَمَنْ كَفَرَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ.
وَقَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الجزري عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جريح عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: أَتَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَنْزِعُ مِنْ زَمْزَمَ وَقَدْ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ فَقُلْت لَهُ: قَدْ تُكُلِّمَ فِي الْقَدَرِ.
فَقَالَ: أو قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْت: نَعَمْ.
قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إلَّا فِيهِمْ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أُولَئِكَ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ.
إنْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْت عَيْنَيْهِ بِأُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْد حَدَّثَنَا سَهْلٌ الْخَيَّاطُ ثَنَا أَبُو صَالِحٍ الحداني نا حِبَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْت
الضَّحَّاكَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ . قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَأَمَرَهُ لِيَجْرِيَ بِإِذْنِهِ وَعِظَمُ الْقَلَمِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ الْقَلَمُ: بِمَا يَا رَبِّ أُجْرِي؟ فَقَالَ.
" بِمَا أَنَا خَالِقٌ وَكَائِنٌ فِي خَلْقِي مِنْ قُطْرٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ أَثَرٍ يَعْنِي بِهِ الْعَمَلَ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ ". فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَأَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ عِنْدَهُ تَحْتَ الْعَرْشِ.
فَصْلٌ:
فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ قَدَّرَ مَا سَيَكُونُ لِلْمَخْلُوقَاتِ وَهَدَاهَا إلَيْهِ.
عَلِمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ مِنْ الرِّزْقِ فَخَلَقَ ذَلِكَ الرِّزْقَ وَسَوَّاهُ وَخَلَقَ الْحَيَوَانَ وَسَوَّاهُ وَهَدَاهُ إلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ.
وَهَدَى غَيْرَهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ أَنْ يَسُوقَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرِّزْقَ.
وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَقَدَّرَ حَاجَتِهَا إلَى الْمَطَرِ وَقَدَّرَ السَّحَابَ وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ الْمَطَرِ.
وَخَلَقَ مَلَائِكَةً هَدَاهُمْ لِيَسُوقُوا ذَلِكَ السَّحَابَ إلَى تِلْكَ الْأَرْضِ
فَيُمْطِرَ الْمَطَرَ الَّذِي قَدَّرَهُ.
وَقَدَّرَ مَا نَبَتَ بِهَا مِنْ الرِّزْقِ وَقَدَّرَ حَاجَةَ الْعِبَادِ إلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ.
وَهَدَاهُمْ إلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ وَهَدَى مَنْ يَسُوقُ ذَلِكَ الرِّزْقَ إلَيْهِمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنْوَاعًا مِنْ تَقْدِيرِهِ وَهِدَايَتِهِ: فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَالَ: الْإِنْسَانَ لِلشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.
وَقَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ شيبان عَنْ قتادة: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَالَ: " لَا وَاَللَّهِ مَا أَكْرَهَ اللَّهُ عَبْدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا رَضِيَهَا لَهُ وَلَا أَمَرَهُ وَلَكِنْ رَضِيَ لَكُمْ الطَّاعَةَ فَأَمَرَكُمْ بِهَا وَنَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ". قُلْت: قتادة ذَكَرَ هَذَا عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقتادة وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُتَنَازِعِينَ.
فَمَا سَبَقَ مِنْ سَبْقِ تَقْدِيرِ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَانَ نِزَاعُ بَعْضِهِمْ فِي الْإِرَادَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ.
وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي التَّقْدِيرِ السَّابِقِ وَالْكِتَابِ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ الصَّحَابَةُ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَذَكَرَ قتادة أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكْرَهْ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَمَا يُكْرِهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا لِلْمَخْلُوقِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ يُكْرِهُونَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَالْوَعِيدِ.
بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ لِلْعَمَلِ وَقُدْرَتَهُ وَعَمَلَهُ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قتادة قَدْ يُظَنُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَأَنَّهُ لِسَبَبِ مِثْلِ هَذَا اُتُّهِمَ قتادة بِالْقَدَرِ حَتَّى قِيلَ: إنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِمَعْمَرٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ التَّفْسِيرَ لِكَوْنِهِ اُتُّهِمَ بِالْقَدَرِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ حَقٌّ وَلَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ قَالَ " إنَّ اللَّهَ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ ". بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْجَبْرِ " مَنَعُوا مِنْ إطْلَاقِهِ كالأوزاعي وَالثَّوْرِيِّ وَالزُّبَيْدِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ.
نَهَوْا عَنْ أَنْ يُقَالَ " إنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ " وَقَالُوا: إنَّ هَذَا بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مُفْهِمٌ لِلْمَعْنَى الْفَاسِدِ.
قَالَ الأوزاعي وَغَيْرُهُ: إنَّ السَّنَةَ جَاءَتْ بـ " جَبَلَ " وَلَمْ تَأْتِ بـ " جَبَرَ " ﴿فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَشَجَّ عَبْدِ الْقَيْسِ: إنَّ فِيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ.
فَقَالَ: أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْت بِهِمَا أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ: بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا.
قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ﴾ . وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا يُجْبَرُ الْعَاجِزُ يَعْنِي الْجَبْرَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِكْرَاهِ كَمَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَاَللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ أَحَدًا يَعْنِي أَنَّهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجْبَارِهِ.
فَالزُّبَيْدِيُّ وَطَائِفَةٌ نَفَوْا " الْجَبْرَ " وَكَانَ مَفْهُومُهُ عِنْدَهُمْ هَذَا.
وَأَمَّا الأوزاعي وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا فَكَرِهُوا أَنْ يُقَالَ " جَبَرَ " وَأَنْ يُقَالَ " لَمْ يُجْبِرْ " لِأَنَّ " الْجَبْرَ " قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِكْرَاهُ وَاَللَّهُ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ خَالِقُ الْإِرَادَةِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " الْجَبَّارُ هُوَ الَّذِي جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَادَ ". و " الْجَبْرُ " بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ.
وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ " هَدَى الْإِنْسَانَ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ " يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ مِمَّا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾
أَيْ هَدَى السُّعَدَاءِ إلَى السَّعَادَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا وَهَدَى الْأَشْقِيَاءَ إلَى الشَّقَاءِ الَّذِي قَدَّرَهُ.
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قَالَ: السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَبِيلَ الْهُدَى.
رَوَاهُمَا عَبْدُ بْنُ حميد.
وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ.
وَقَدْ قَالَ هُوَ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ : أَيْ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي إحْدَى.
. . 1 وَشَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَعِكْرِمَةَ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدٍ وَابْنِ سِنَانٍ الرَّازِي وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الملائي نَحْوِ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي قَالَ: الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ.2
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 139) : ويظهر أن موضع البياض: (الروايات) ، فتكون العبارة (وابن عباس في إحدى [الروايات] ) ، وذلك لأنه روي عنه في تفسير النجدين أكثر من رواية (1)
وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ فِيهِ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا أَرْسَلَهُ مِنْ الرُّسُلِ وَنَصَبَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ وَأَعْطَاهُمْ مِنْ الْعُقُولِ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ . وَأَمَّا إدْخَالُ الْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِلْهَامُ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَدَى الْمُؤْمِنَ إلَى أَنْ يُؤْمِنَ وَيَعْمَلَ صَالِحًا إلَى أَنْ يَسْعَدَ بِذَلِكَ وَهَدَى الْكَافِرَ إلَى مَا يَعْمَلُهُ إلَى أَنْ يَشْقَى بِذَلِكَ فَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُهُ فِي الْآيَةِ كَمُجَاهِدِ وَغَيْرِهِ وَيُدْخِلُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ يُخْرِجُونَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْقَدَرِ.
وَمَنْ قَالَ: " هَدَى " بِمَعْنَى بَيَّنَ فَقَطْ فَقَدْ هَدَى كُلَّ عَبْدٍ إلَى نَجْدِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا أَيْ بَيَّنَ لَهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَمَنْ أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ يَقُولُ: فِي هَذَا تَقْسِيمٌ أَيْ هَذِهِ الْهِدَايَةُ عَامَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَخَصَّ الْمُؤْمِنَ بِهِدَايَةِ إلَى نَجْدِ الْخَيْرِ وَخَصَّ الْكَافِرَ بِهِدَايَةِ إلَى نَجْدِ الشَّرِّ.
وَمَنْ لَمْ يُدْخِلْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّمَا هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ.
فَمَا يُجْعَلُ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبُّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ؟﴾ .
وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ إلْهَامَ الْفَاجِرِ طَرِيقَ الْفُجُورِ لَمْ يُسَمِّهِ هُدًى بَلْ سَمَّاهُ ضَلَالًا وَاَللَّهُ امْتَنَّ بِأَنَّهُ هَدَى.
وَقَدْ يُجِيبُ الْآخَرُ بِأَنْ يَقُولَ: هُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْهُدَى الْمُطْلَقِ لَكِنْ يَدْخُلُ فِي الْهُدَى الْمُقَيَّدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وَكَمَا فِي لَفْظِ الْبِشَارَةِ قَالَ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَلَفْظُ الْإِيمَانِ فَقَالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ قِيلَ: هُوَ الْبَيَانُ الْعَامُّ وَقِيلَ: بَلْ أَلْهَمَ الْفَاجِرَ الْفُجُورَ وَالتَّقِيَّ التَّقْوَى.
وَهَذَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْإِلْهَامَ اسْتِعْمَالُهُ مَشْهُورٌ فِي إلْهَامِ الْقُلُوبِ لَا فِي التَّبْيِينِ الظَّاهِرِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ.
وَقَدْ ﴿عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُصَيْنًا الخزاعي لَمَّا أَسْلَمَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي﴾ . وَلَوْ كَانَ الْإِلْهَامُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ الظَّاهِرِ لَكَانَ هَذَا حَاصِلًا لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و ﴿سُوًى﴾ مَعْنَاهُ عَدَّلَ وَأَتْقَنَ حَتَّى صَارَتْ الْأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دَالَّةً عَلَى قُدْرَتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ.
وَقَرَأَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ ﴿قَدَرٍ﴾ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
مِنْ الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّقْدِيرِ وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ.
قُلْت: هُمَا مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ يُسَمَّى تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ مَا يَجْرِي بَعْدَ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى قَدَرِهِ فَهُوَ مُوَازِنٌ لَهُ وَمُعَادِلٌ لَهُ.
قَالَ: وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الدَّالِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّقْدِيرِ وَالْمُوَازَنَةِ ". قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ ﴿فَهَدَى﴾ عَامٌّ لِوُجُوهِ الْهِدَايَاتِ فِي الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ.
وَقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَشْيَاءَ مِنْ الْهِدَايَاتِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ هَدَى وَأَضَلَّ وَاكْتَفَى بِالْوَاحِدِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْأُخْرَى.
قَالَ وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَدَى إلَى وَطْءِ الذُّكُورِ لِلْإِنَاثِ.
وَقِيلَ هَدَى الْمَوْلُودَ عِنْدَ وَضْعِهِ إلَى مَصِّ الثَّدْيِ.
وَقَالَ مُجَاهِد: هَدَى النَّاسَ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْبَهَائِمَ لِلْمَرَاتِعِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: " وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مثالات وَالْعُمُومُ فِي الْآيَةِ أَصْوَبُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ وَفِي كُلِّ هِدَايَةٍ ". وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَغَيْرَهَا فَذَكَرَ
سَبْعَةَ أَقْوَالٍ: قَدَّرَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ وَهَدَى لِلرُّشْدِ وَالضَّلَالَةِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: جَعَلَ لِكُلِّ دَابَّةٍ مَا يُصْلِحُهَا وَهَدَاهَا إلَيْهِ قَالَهُ عَطَاءٌ.
وَقِيلَ: قَدَّرَ مُدَّةَ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ هَدَاهُ لِلْخُرُوجِ قَالَهُ السدي.
وَقِيلَ: قَدَّرَهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَهَدَى الذُّكُورَ لِإِتْيَانِ الْإِنَاثِ قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَقِيلَ: قَدَّرَ فَهَدَى وَأَضَلَّ فَحَذَفَ " وَأَضَلَّ " لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَكَاهُ الزَّجَّاجُ.
وَقِيلَ: قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ وَهَدَى إلَى طَلَبِهَا؛ وَقِيلَ قَدَّرَ الذُّنُوبَ فَهَدَى إلَى التَّوْبَةِ حَكَاهُمَا الثَّعْلَبِيُّ.
قُلْت: الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ الزَّجَّاجُ هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ: " إنْ نَفَعَتْ وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ " وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ " سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَعْفُ مِثْلِ هَذَا وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ.
وَالْأَقْوَالُ الصَّحِيحَةُ هِيَ مِنْ بَابِ المثالات كَمَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ تَفْسِيرِ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ مِنْ النَّوْعِ مِثَالًا لِيُنَبِّهُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لِحَاجَةِ الْمُسْتَمِعِ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ كَمَا يَذْكُرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
كَقَوْلِهِ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ و ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمِثَالِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ " هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ " فَبِهَذَا يُمَثِّلُ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ نَزَلَتْ فِيهِ أَوَّلًا وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا لَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهَا آيَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ كَآيَةِ اللِّعَانِ وَآيَةِ الْقَذْفِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
لَا يَقُولُ مُسْلِمٌ إنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ كَانَ نُزُولُهَا بِسَبَبِهِ.
وَاللَّفْظُ الْعَامُّ وَإِنْ قَالَ طَائِفَةٌ إنَّهُ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ فَمُرَادُهُمْ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهُ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ.
فَلَا يَقُولُ مُسْلِمٌ إنَّ آيَةَ الظِّهَارِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ وَآيَةَ اللِّعَانِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ أَوْ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَأَنَّ ذَمَّ الْكُفَّارِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلَّا كُفَّارُ قُرَيْشٍ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ.
فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَرَفَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ بِالْقُرْآنِ جَمِيعَ
الثَّقَلَيْنِ كَمَا قَالَ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ . فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ إنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ فَقَدْ أَنْذَرَهُ الرَّسُولُ بِهِ.
وَالْإِنْذَارُ هُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَخُوفِ وَالْمَخُوفُ هُوَ الْعَذَابُ يَنْزِلُ بِمَنْ عَصَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
فَقَدْ أَعْلَمَ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْقُرْآنَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُطِعْهُ وَإِلَّا عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّهُ إنْ أَطَاعَهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهُوَ قَدْ مَاتَ فَإِنَّمَا طَاعَتُهُ بِاتِّبَاعِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَحَرَّمَهُ وَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ الرَّسُولُ وَحَرَّمَهُ بِسُنَّتِهِ.
فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَ وُجُوبَ طَاعَتِهِ وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَقَالَ لِأَزْوَاجِ نَبِيِّهِ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾
فَصْلٌ:
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ هُوَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ وَالْبَهَائِمِ وَهَدَاهُمْ إلَيْهَا فَهَدَى مَنْ يَأْتِي بِهَا إلَيْهِمْ.
وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ إنْعَامِهِ عَلَى عِبَادِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: {إنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
إنِّي وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ لَفِي نَبَأٍ عَظِيمٍ أَخْلُقُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرِي وَأَرْزُقُ وَيَشْكُرُونَ سِوَايَ} وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ رُوِيَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ وَشُكْرَ رَبِّكُمْ التَّكْذِيبَ بِإِنْعَامِ اللَّهِ وَإِضَافَةِ الرِّزْقِ إلَى غَيْرِهِ كَالْأَنْوَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَحَ مِنْ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ يُنَزِّلُ اللَّهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا وَفِي رِوَايَةٍ بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا﴾ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يَعْنِي الصَّائِغَ ثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا هشيم عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ " وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ "،
يَعْنِي الْأَنْوَاءَ.
وَمَا مُطِرَ قَوْمٌ إلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَكْذِيبًا وَشُكْرًا لِغَيْرِهِ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ خَصَّ بِهِ إخْرَاجَ الْمَرْعَى وَهُوَ مَا تَرْعَاهُ الدَّوَابُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى.
وَهَذَا فِيهِ ذِكْرُ أَقْوَاتِ الْبَهَائِمِ لَكِنَّ أَقْوَاتَ الْآدَمِيِّينَ أَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَتْ هِيَ وَأَقْوَاتُ الْبَهَائِمِ فِي قَوْلِهِ ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ . وَأَيْضًا فَاَلَّذِي يَصِيرُ غُثَاءً أَحْوَى لَمْ تَقْتَتْ بِهِ الْبَهَائِمُ وَإِنَّمَا تَقْتَاتُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
إذْ كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَضَمَّنَتْ أُصُولَ الْإِيمَانِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْمَلَائِكَةِ.
وَفِيهَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ وَالْفَاسِدُ الَّذِي يَضُرُّ فِيهَا.
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ الْمَرْعَى عَقِبَ مَا ذِكْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْهُدَى لِيُبَيِّنَ مَآلَ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنَّ الدُّنْيَا هَذَا مَثَلُهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْكَهْفِ وَيُونُسَ وَالْحَدِيدِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وَقَدْ جَعَلَ إهْلَاكَ الْمُهْلَكِينَ حَصَادًا لَهُمْ فَقَالَ: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ
الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} وَقَالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ هُوَ مَثَلٌ لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَعَاقِبَةُ الْكُفَّارِ وَمَنْ اغْتَرَّ بِالدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي نَعِيمٍ وَزِينَةٍ وَسَعَادَةٍ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلَى شَقَاءٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
كَالْمَرْعَى الَّذِي جَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى.
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى.
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى.
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ فَقَوْلُهُ: إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى كَقَوْلِهِ: إنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلُهُ: إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى وَ " إنْ " هِيَ الشَّرْطِيَّةُ.
وَحَكَى الماوردي أَنَّهَا بِمَعْنَى " مَا ".
وَهَذِهِ تَكُونُ " مَا " الْمَصْدَرِيَّةُ.
وَهِيَ بِمَعْنَى الظَّرْفِ، أَيْ: ذَكِّرْ مَا نَفَعَتْ، مَا دَامَتْ تَنْفَعُ.
وَمَعْنَاهَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ.
وَأَمَّا إنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهَا نَافِيَةٌ فَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ.
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْفِي نَفْعَ الذِّكْرَى مُطْلَقًا وَهُوَ الْقَائِلُ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومِ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ . . . (1) .
وَعَنْ.
. . (2) فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى: إنْ قَبِلْت الذِّكْرَى.
وَعَنْ مُقَاتِلٍ: فَذَكِّرْ وَقَدْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى.
وَقِيلَ: ذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ.
قَالَهُ طَائِفَةٌ، أَوَّلُهُمْ الْفَرَّاءُ، وَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ النَّحَّاسُ، وَالزَّهْرَاوِيُّ.
وَالْوَاحِدِيُّ.
والبغوي وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَالَ الثَّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَأَرَادَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ.
وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَتَذْكِيرُهُمْ سَوَاءٌ آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا.
فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ التَّذْكِيرِ مُخْتَصًّا بِمَنْ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
(1، 2) بياض بالأصل
تَنْفَعُهُ الذِّكْرَى كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَيَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وَمَا هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ عَلَى الْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِ مَا يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: كُنْت أَحْسَبُ الْفَرَّاءَ رَجُلًا صَالِحًا حَتَّى رَأَيْت كِتَابَهُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِآيَاتِ أُخَرٍ.
وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ مُبَلِّغًا وَمُذَكِّرًا لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ.
بَلْ مَعْنَى هَذِهِ يُشْبِهُ قَوْلَهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ وَقَوْلَهُ ﴿إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَالْقُرْآنُ جَاءَ بِالْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيمَ وَالتَّذْكِيرَ وَالْإِنْذَارَ وَالْهُدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ لَهُ فَاعِلٌ وَلَهُ قَابِلٌ.
فَالْمُعَلِّمُ الْمُذَكِّرُ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ ثُمَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ قَدْ يَتَعَلَّمُ وَيَتَذَكَّرُ وَقَدْ لَا يَتَعَلَّمُ وَلَا يَتَذَكَّرُ.
فَإِنْ تَعَلَّمَ وَتَذَكَّرَ فَقَدْ تَمَّ التَّعْلِيمُ وَالتَّذْكِيرُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ وَهُوَ الْفَاعِلُ دُونَ الْمَحَلِّ الْقَابِلِ.
فَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا: عَلَّمْته فَمَا تَعَلَّمَ وَذَكَّرْته فَمَا تَذَكَّرَ وَأَمَرْته فَمَا أَطَاعَ.
وَقَدْ يُقَالُ " مَا عَلَّمْته وَمَا ذَكَّرْته " لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ تَامًّا وَلَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ فَيُنْفَى لِانْتِفَاءِ كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ.
وَانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَاطَبِ السَّامِعِ وَإِنْ كَانَتْ الْفَائِدَةُ حَاصِلَةً لِلْمُتَكَلِّمِ الْقَائِلِ الْمُخَاطَبِ.
فَحَيْثُ خُصَّ بِالتَّذْكِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَنَحْوِهِ الْمُؤْمِنُونَ فَهُمْ مَخْصُوصُونَ بِالتَّامِّ النَّافِعِ الَّذِي سَعِدُوا بِهِ.
وَحَيْثُ عُمِّمَ فَالْجَمِيعُ مُشْتَرِكُونَ فِي الْإِنْذَارِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ سَوَاءٌ قَبِلُوا أَوْ لَمْ يَقْبَلُوا.
وَهَذَا هُوَ الْهُدَى الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ فَالْهُدَى هُنَا هُوَ الْبَيَانُ وَالدَّلَالَةُ وَالْإِرْشَادُ الْعَامُّ الْمُشْتَرَكُ.
وَهُوَ كَالْإِنْذَارِ الْعَامِّ وَالتَّذْكِيرِ الْعَامِّ.
وَهُنَا قَدْ هَدَى الْمُتَّقِينَ وَغَيْرَهُمْ كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فَالْمَطْلُوبُ الْهُدَى الْخَاصُّ
التَّامُّ الَّذِي يَحْصُلُ مَعَهُ الِاهْتِدَاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ الْإِنْذَارُ قَدْ قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَقَالَ فِي الْخَاصِّ: ﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ﴿إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ فَهَذَا الْإِنْذَارُ الْخَاصُّ وَهُوَ التَّامُّ النَّافِعُ الَّذِي انْتَفَعَ بِهِ الْمُنْذِرُ.
وَالْإِنْذَارُ هُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَخُوفِ فَعَلِمَ الْمَخُوفُ فَخَافَ فَآمَنَ وَأَطَاعَ.
وَكَذَلِكَ التَّذْكِيرُ عَامٌّ وَخَاصٌّ.
فَالْعَامُّ هُوَ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ إلَى كُلِّ أَحَدٍ وَهَذَا يَحْصُلُ بِإِبْلَاغِهِمْ مَا أُرْسِلَ بِهِ مِنْ الرِّسَالَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هِيَ إلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَذَكَرَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ.
وَالتَّذَكُّرُ هُوَ الذِّكْرُ التَّامُّ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُذَكَّرُ بِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ.
وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ فَقَدْ أَتَاهُمْ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ وَلَكِنْ لَمْ يَصْغَوْا إلَيْهِ بِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَفْهَمُوهُ أَوْ فَهِمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وَالْخَاصُّ هُوَ التَّامُّ النَّافِعُ وَهُوَ الَّذِي حَصَلَ مَعَهُ تَذَكُّرٌ لِمُذَكَّرِ فَإِنَّ هَذَا ذِكْرَى كَمَا قَالَ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أَيْ يُجَنَّبُ الذِّكْرَى وَهُوَ إنَّمَا جُنِّبَ الذِّكْرَى الْخَاصَّةَ.
وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَقَدْ ذُكِّرَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِذَلِكَ وَقَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَقَالَ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَقَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} . وَأَمَّا تَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أَيْ وَتَقِيَكُمْ الْبَرْد فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ حَرْفُ شَرْطٍ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ بِخِلَافِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنَّهُ إذَا عُلِّقَ الْأَمْرُ بِشَرْطِ وَكَانَ مَأْمُورًا بِهِ فِي حَالِ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ كَانَ ذِكْرُ الشَّرْطِ تَطْوِيلًا لِلْكَلَامِ تَقْلِيلًا لِلْفَائِدَةِ وَإِضْلَالًا لِلسَّامِعِ.
وَجُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ حُجَّةٌ وَمَنْ نَازَعَ فِيهِ يَقُولُ: سَكَتَ عَنْ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ لَا يَقُولُ: إنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى الْمَسْكُوتِ كَمَا دَلَّ عَلَى الْمَنْطُوقِ.
فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ عَلَى بَابِهِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ الْبَرْدِ.
وَإِنَّمَا يَقُولُ " إنَّ الْمَعْطُوفَ مَحْذُوفٌ " هُوَ الْفَرَّاءُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْأَئِمَّةُ حَيْثُ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِمْ وَفَهْمِهِمْ لِنَوْعِ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَهُمْ.
وَكَثِيرًا لَا يَكُونُ مَا فَسَّرُوا بِهِ مُطَابِقًا.
وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذِكْرِ الْبَرْدِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي
هَذِهِ السُّورَةِ إنْعَامَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَتُسَمَّى " سُورَةُ النِّعَمِ " فَذَكَرَ فِي أَوَّلِهَا أُصُولَ النِّعَمِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا تَقُومُ الْحَيَاةُ إلَّا بِهَا وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا تَمَامَ النِّعَمِ.
وَكَانَ مَا يَقِي الْبَرْدَ مِنْ أُصُولِ النِّعَمِ فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ . فَالدِّفْءُ مَا يُدْفِئُ وَيَدْفَعُ الْبَرْدَ.
وَالْبَرْدُ الشَّدِيدُ يُوجِبُ الْمَوْتَ بِخِلَافِ الْحَرِّ.
فَقَدْ مَاتَ خَلْقٌ مِنْ الْبَرْدِ بِخِلَافِ الْحَرِّ فَإِنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ الْبَرْدُ بُؤْسٌ وَالْحَرُّ أَذًى.
فَلَمَّا ذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا تَمَامَ النِّعَمِ ذَكَرَ الظِّلَالَ وَمَا يَقِي الْحَرَّ وَذَكَرَ الْأَسْلِحَةَ وَمَا يَقِي الْقَتْلَ فَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ . فَذَكَرَ أَنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ . وَفَرْقٌ بَيْنَ الظِّلَالِ وَالْأَكْنَانِ؛ فَإِنَّ الظِّلَالَ يَكُونُ بِالشَّجَرِ
وَنَحْوِهِ مِمَّا يُظِلُّ وَلَا يُكِنُّ بِخِلَافِ مَا فِي الْجِبَالِ مِنْ الْغَيْرَانِ فَإِنَّهُ يُظِلُّ وَيُكَنُّ.
فَهَذَا فِي الْأَمْكِنَةِ ثُمَّ قَالَ فِي اللِّبَاسِ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ فَهَذَا فِي اللِّبَاسِ.
وَاللِّبَاسُ وَالْمَسَاكِنُ كِلَاهُمَا تَقِي النَّاسَ مَا يُؤْذِيهِمْ مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَعَدُوٍّ وَكِلَاهُمَا تَسْتُرُهُمْ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ.
وَفِي الْبُيُوتِ خَاصَّةً يَسْكُنُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ﴾ . فَلَمَّا ذَكَرَ الْبُيُوتَ الْمَسْكُونَةَ امْتَنَّ بِكَوْنِهِ جَعَلَهَا سَكَنًا يَسْكُنُونَ فِيهَا مِنْ تَعَبِ الْحَرَكَاتِ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ بُيُوتًا أُخْرَى يَحْمِلُونَهَا مَعَهُمْ ويستخفونها يَوْمَ ظَعْنِهِمْ وَيَوْمَ إقَامَتِهِمْ.
فَذَكَرَ الْبُيُوتَ الثَّقِيلَةَ الَّتِي لَا تُحْمَلُ وَالْخَفِيَّةَ الَّتِي تُحْمَلُ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا مَثَّلُوا بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ - كَمَا قَالَ مُفَسِّرُو السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ - عَلَى بَابِهَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَحُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ.