مجموع الفتاوىصفحات 331-370

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 331-370
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالْعَادَاتِ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُطَهِّرَ وَالْجَارِيَ عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ أَكْثَرُ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِكَثِيرِ كَثِيرٍ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءُ قَدْ طَهَّرَ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ نَجَسٍ فَإِنَّ اغْتِسَالَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ فِي الْحَمَّامَاتِ أَكْثَرُ مِنْ اغْتِسَالِهِمْ مِنْ إحْدَى هَاتَيْنِ الطَّهَارَتَيْنِ وَهُمْ يَصُبُّونَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ مِنْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ الَّذِي يَنْفَصِلُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَغَيُّرٌ يَسِيرٌ بِيَسِيرِ السِّدْرِ وَالْأُشْنَانِ فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بَلْ الرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد - الَّتِي نَصَّهَا فِي أَكْثَرِ أَجْوِبَتِهِ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ كَالْحِمْصِ وَالْبَاقِلَاءِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ طَهُورًا مَا دَامَ اسْمُ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُهُ كَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَمَاءِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَمَا تَغَيَّرَ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ مِنْ الطُّحْلُبِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ شُمُولَ اسْمِ الْمَاءِ فِي اللُّغَةِ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ.
فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَقَدْ تَنَاوَلَ الْآخَرَيْنِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِلْمُتَغَيِّرِ ابْتِدَاءً وَطَرْدًا لِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَيَتَنَاوَلُ الثَّالِثَ إذْ الْفَرْقُ إنَّمَا يَعُودُ إلَى أَمْرٍ مَعْهُودٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي اللُّغَةِ وَيَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ لِمَعْنَاهُ وَشُمُولِ الِاسْمِ مُسَمَّاهُ فَيَحْتَاجُ الْمُفَرِّقُ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ

بِالسُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: ﴿اغْسِلُوهُ بِمَاءِ وَسِدْرٍ﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ لِلَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: ﴿اغْسِلْنَهَا بِمَاءِ وَسِدْرٍ﴾ وَلِلَّذِي أَسْلَمَ: ﴿اغْتَسِلْ بِمَاءِ وَسِدْرٍ﴾ وَهَذَا فِيهِ كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ ظَهَرَ عَظِيمُ الْبِدْعَةِ وَتَغْيِيرُ السُّنَّةِ وَالشِّرْعَةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ طَوَائِفُ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ فَرْطِ الْوَسْوَسَةِ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى صَارُوا إنَّمَا يَفْعَلُونَهُ مُضَاهِينَ لِلْيَهُودِ بَلْ لِلسَّامِرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا مِسَاسَ.
وَبَابُ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ - الَّذِي مِنْهُ بَابُ التَّطْهِيرِ وَالتَّنْجِيسِ - دِينُ الْإِسْلَامِ فِيهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا هُوَ وَسَطٌ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ فَلَمْ يُشَدَّدْ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ التَّحْرِيمِ وَالنَّجَاسَةِ كَمَا شُدِّدَ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ بِظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ بَلْ وُضِعَتْ عَنَّا الْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ قَرْضِ الثَّوْبِ وَمُجَانَبَةِ الْحَائِضِ فِي الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَمْ تُحَلَّلْ لَنَا الْخَبَائِثُ كَمَا اسْتَحَلَّهَا النَّصَارَى؛ الَّذِينَ لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يُدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ فَلَا يَجْتَنِبُونَ نَجَاسَةً وَلَا يُحَرِّمُونَ خَبِيثًا بَلْ غَايَةُ أَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ طَهِّرْ قَلْبَك وَصَلِّ.
وَالْيَهُودِيُّ إنَّمَا يَعْتَنِي بِطَهَارَةِ ظَاهِرِهِ

لَا قَلْبِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ . وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّ اللَّهَ طَهَّرَ قُلُوبَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ مِنْ الْخَبَائِثِ وَأَمَّا الطَّيِّبَاتُ فَأَبَاحَهَا لَهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى.
وَسُئِلَ: عَمَّنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ؟ وَمَا هُوَ الَّذِي يَفْعَلُهُ مِنْ آدَابِ الْحَمَّامِ؟ . فَأَجَابَ: لَا يَلْزَمُ الْمُتَطَهِّرَ كَشْفُ عَوْرَتِهِ لَا فِي الْخَلْوَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا إذَا طَهَّرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ.
لَكِنْ إنْ كَشَفَهَا فِي الْخَلْوَةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ: كَالتَّطَهُّرِ وَالتَّخَلِّي جَازَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اغْتَسَلَ عريانا وَأَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اغْتَسَلَ عريانا﴾ وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ فَاطِمَةَ: كَانَتْ تَسْتُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ بِثَوْبِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ﴾ وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا صَلَاةُ الضُّحَى.
وَيُقَالُ: إنَّهَا صَلَاةُ الْفَتْحِ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا ﴿أَنَّ مَيْمُونَةَ سَتَرَتْهُ فَاغْتَسَلَ﴾ .

وَعَلَى دَاخِلِ الْحَمَّامِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ؛ فَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ نَظَرِهَا وَلَا لَمْسِهَا سَوَاءٌ كَانَ الْقَيِّمُ الَّذِي يَغْسِلُهُ أَوْ غَيْرُهُ وَلَا يَنْظُرْ إلَى عَوْرَةِ أَحَدٍ وَلَا يَلْمِسْهَا إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ مُدَاوَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ﴾ فَيَأْمُرُ بِتَغْطِيَةِ الْعَوْرَاتِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ لَا يَشْهَدُ مُنْكَرًا فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ إذْ شُهُودُ الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا إكْرَاهٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْرِفَ فِي صَبِّ الْمَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ يُنْهَى عَنْهُ لِحَقِّ الحمامي؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِيهَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ قِيمَةٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ السُّنَّةَ فِي طَهَارَتِهِ؛ فَلَا يَجْفُو جَفَاءَ النَّصَارَى وَلَا يَغْلُو غُلُوَّ الْيَهُودِ.
كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْوَسْوَسَةِ بَلْ حِيَاضُ الْحَمَّامِ طَاهِرَةٌ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فَائِضَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُنْبُوبُ تَصُبُّ فِيهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ وَسَوَاءٌ بَاتَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يَبِتْ وَسَوَاءٌ تَطَهَّرَ مِنْهَا النَّاسُ أَوْ لَمْ يَتَطَهَّرُوا.
فَإِذَا اغْتَسَلَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ جَازَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَامْرَأَتُهُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ قَدْرَ

الْفَرَقِ} فَهَذَا إنَاءٌ صَغِيرٌ لَا يَفِيضُ وَلَا أُنْبُوبَ فِيهِ وَهُمَا يَغْتَسِلَانِ مِنْهُ جَمِيعًا وَفِي لَفْظٍ: ﴿فَأَقُولُ: دَعْ لِي وَيَقُولُ: دَعِي لِي﴾ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: ﴿أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ.
وَالصَّاعُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ يَكُونُ بِالرِّطْلِ الْمِصْرِيِّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ نَحْوَ خَمْسَةٍ إلَّا رُبْعًا وَالْمُدُّ رُبُعُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ هُوَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ أَرْطَالٍ بِالْمِصْرِيِّ.
وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ: الطَّاسَةُ إذَا وَقَعَتْ عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ تَنَجَّسَتْ فَإِنَّ أَرْضَ الْحَمَّامِ الْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ نَجَاسَةٍ كَبَوْلِ فَهُوَ يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الطُّرُقَاتِ بِكَثِيرِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ بَلْ كَمَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَلَى أَرْضِهَا نَجَاسَةٌ فَكَذَلِكَ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْمَاءَ يَعُمُّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا يَجْزِمْ عَلَى بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهَا نَجِسَةٌ إنْ لَمْ يَعْلَمْ حُصُولَ النَّجَاسَةِ فِيهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -: فِيمَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِلَا مِئْزَرٍ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ: هَلْ يَحْرُمُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَيْضًا أَنْ يُلْزِمَ مُسْتَأْجِرَ الْحَمَّامِ أَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ دُخُولِ حَمَّامِهِ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَمْ لَا؟ وَفِيمَنْ يَقْعُدُ فِي الْحَمَّامِ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ: هَلْ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا وَابْسُطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَقِيَّةُ السَّلَفِ الْكِرَامِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: الْحَمْدُ لِلَّهِ: نَعَمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ صَحَّ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى النَّاسَ عَنْ الْحَمَّامِ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ مِنْ ذُكُور أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿نَهَى النِّسَاءَ مِنْ الدُّخُولِ مُطْلَقًا إلَّا لِمَعْذِرَةِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْهُ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقَشِيرِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ: {احْفَظْ

عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك: أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك قَالَ: قُلْت: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْت أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قَالَ: قُلْت؛ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي وَقَالَ حَسَنٌ.
وَابْنُ مَاجَه.
وَعَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَإِلْزَامُ النَّاسِ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ الْحَمَّامَ مَعَ النَّاسِ إلَّا مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ وَإِلْزَامُ أَهْلِ الْحَمَّامِ بِأَنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُونَ النَّاسَ مِنْ دُخُولِ حَمَّامَاتِهِمْ إلَّا مُسْتَوْرِي الْعَوْرَةِ وَمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَوُلَاةَ الْأَمْرِ مِنْ أَهْلِ الْحَمَّامِ وَالدَّاخِلِينَ: عُوقِبَ عُقُوبَةً بَلِيغَةً تُرْدِعهُ وَأَمْثَالَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَوَاحِشِ الَّذِينَ لَا يَسْتَحْيُونَ لَا مِنْ اللَّهِ وَلَا مِنْ عِبَادِهِ؛ فَإِنَّ إظْهَارَ الْعَوْرَاتِ مِنْ الْفَوَاحِشِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وَغَضُّ الْبَصَرِ وَاجِبٌ عَمَّا لَا يَحِلُّ التَّمَتُّعُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ: مِنْ النِّسْوَةِ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَنْ الْعَوْرَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا لَذَّةٌ لِفُحْشِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ عَلَى دَاخِلِ الْحَمَّامِ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَمَّنْ كَانَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ عَصَى بِكَشْفِهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ الْمَكْشُوفَ بِالِاسْتِتَارِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ وَكَذَلِكَ حِفْظُ الْفُرُوجِ يَكُونُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ

الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَعَنْ إظْهَارِهَا لِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرَاهَا كَمَا يُنْهَى الرَّجُلُ عَنْ مَسِّ عَوْرَةِ غَيْرِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنْ تُبَاشِرَ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَمَرَ بِالتَّفْرِيقِ فِي الْمَضَاجِعِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ إذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ.
كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك لَمَّا قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي؟ وَمَا نَذَرُ؟ . . فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْت أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قَالَ: قُلْت: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ﴾ فَأَمَرَ بِسَتْرِهَا فِي الْخَلْوَةِ.
وَهَذَا وَاجِبٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا إذَا اغْتَسَلَ فِي مَكَانٍ خَالٍ بِجَنْبِ حَائِطٍ أَوْ شَجَرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ كَشْفُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ مُوسَى اغْتَسَلَ عريانا﴾ ﴿وَأَنَّ أَيُّوبَ اغْتَسَلَ عريانا﴾ ﴿وَأَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تَسْتُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ﴾ . وَهَذَا كَشْفٌ لِلْحَاجَةِ بِمَنْزِلَةِ كَشْفِهَا عِنْدَ التَّخَلِّي وَالْجِمَاعِ بِمِقْدَارِ الْحَاجَةِ وَلِهَذَا كَرِهَ الْعُلَمَاءُ لِلْمُتَخَلِّي أَنْ يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ.

وَتَنَازَعُوا فِي نَظَرِ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إلَى عَوْرَةِ الْآخَرِ: هَلْ يُكْرَهُ أَوْ لَا يُكْرَهُ؟ أَمْ يُكْرَهُ وَقْتَ الْجِمَاعِ خَاصَّةً؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ النُّزُولَ فِي الْمَاءِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ وَرَوَوْا عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا.
وَأَمَّا فَتْحُ الْحَمَّامِ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ وَتَمْكِينُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دُخُولِهَا هَذَا الْوَقْتَ وَقُعُودِهِمْ فِيهَا تَارِكِينَ مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمْعَةِ فَهَذَا أَيْضًا مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ بَعْدَ النِّدَاءِ إلَى الْجُمْعَةِ الْبَيْعَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ وَكَانَ هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى مَا دُونَهُ مِنْ قُعُودٍ فِي الْحَمَّامِ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَالْجُمْعَةُ فَرْضٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ وَلَيْسَ دُخُولُ الْحَمَّامِ مِنْ الْأَعْذَارِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ إنْ كَانَ لِتَنَعُّمِ كَانَ آثِمًا عَاصِيًا وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ أَمْكَنَهُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الِاغْتِسَالَ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلَاةِ.
بَلْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ أَمْرُ جَمِيعِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِهَا مَنْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ وَالدُّورِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ هَذَا الْوَاجِبِ عُوقِبَ عَلَى

ذَلِكَ عُقُوبَةً تَحْمِلُهُ وَأَمْثَالَهُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ.
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ تَرْكِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَطْبَعَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونَنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ﴾ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ أَمْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِهَا وَنَهْيِهِ عَمَّا يَمْنَعُهُ مِنْ الْجُمْعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَيَّدَهُ اللَّهُ مَنْعُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَعَلَيْهِ أَيْضًا إلْزَامُ مُسْتَأْجِرِ الْحَمَّامِ بِأَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ دُخُولِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ مِمَّنْ خُوطِبَ بِأَدَاءِ الْجُمْعَةِ تَرْكُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَيْسَ دُخُولُ الْحَمَّامِ بِمُجَرَّدِهِ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

و

َسُئِلَ:

عَنْ تَرْكِ دُخُولِ الْحَمَّامِ؟ .

فَأَجَابَ: مَنْ تَرَكَ دُخُولَ الْحَمَّامِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ دَخَلَهَا مَعَ كَشْفِ عَوْرَتِهِ وَالنَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ أَوْ ظَلَمَ الحمامي فَهُوَ عَاصٍ مَذْمُومٌ وَمَنْ تَنَعَّمَ بِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَهُوَ مَنْقُوصٌ مَرْجُوحٌ وَمَنْ تَرَكَهَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا حَتَّى يَكْثُرَ وَسَخُهُ وَقَمْلُهُ فَهُوَ جَاهِلٌ مَذْمُومٌ.
وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ عَامِّيٍّ سُئِلَ عَنْ عُبُورِ الْحَمَّامِ؟ وَنَقَلَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ إلَى كِتَابِ مُسْلِمٍ هَلْ صَحَّ هَذَا أَوْ لَا؟ . فَأَجَابَ: لَيْسَ لِأَحَدِ لَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَّمَ الْحَمَّامَ بَلْ الَّذِي فِي السُّنَنِ أَنَّهُ

قَالَ: ﴿سَتَفْتَحُونَ أَرْضَ الْعَجَمِ وَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرِ وَمَنْ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ إنَاثِ أُمَّتِي فَلَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ﴾ . وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَالْحَمَّامُ مَنْ دَخَلَهَا مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى عَوْرَةِ أَحَدٍ وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَمَسُّ عَوْرَتَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فِيهَا مُحَرَّمًا وَأَنْصَفَ الحمامي فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَدْخُلُهَا لِلضَّرُورَةِ مَسْتُورَةَ الْعَوْرَةِ.
وَهَلْ تَدْخُلُهَا إذَا تَعَوَّدَتْهَا وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرْكُ الْعَادَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
أَحَدُهُمَا: لَهَا أَنْ تَدْخُلَهَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَالثَّانِي: لَا تَدْخُلُهَا وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ عَلَى وُضُوءٍ؟ أَوْ يُكْرَهُ لَهُ النَّوْمُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا تَوَضَّأَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: الْجُنُبُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُعَاوِدَ الْوَطْءَ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ النَّوْمُ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ هَلْ يَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ إذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ﴾ . وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ النَّوْمِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلِ: ﴿إذَا أَخَذْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفَسِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْك إلَّا إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت﴾ .

وَلَيْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَلْبَثَ فِي الْمَسْجِدِ لَكِنْ إذَا تَوَضَّأَ جَازَ لَهُ اللُّبْثُ فِيهِ عِنْدَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ: " أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَهُمْ جُنُبٌ ثُمَّ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَيَتَحَدَّثُونَ ". وَهَذَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ تُقْبَضَ رُوحُهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَا تَشْهَدُ الْمَلَائِكَةُ جِنَازَتَهُ فَإِنَّ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ﴾ وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنَهْيِهِ عَنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ الْمَلَائِكَةِ كَمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ: ﴿إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنَوْا آدَمَ﴾ . فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ الْغَلِيظَةَ وَتَبْقَى مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الْمُحْدِثِ وَبَيْنَ الْجُنُبِ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ فِيمَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْمُحْدِثِ مِنْ الْقِرَاءَةِ؛ وَلَمْ يُمْنَعْ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ وُضُوءُهُ عِنْدَ النَّوْمِ يَقْتَضِي شُهُودَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَدْخُلُ الْمَكَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ إذَا تَوَضَّأَ؛ وَلِهَذَا يُجَوِّزُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد لِلْجُنُبِ الْمُرُورَ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَعُلِمَ أَنَّ

مَنْعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ مَنْعِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْعِ الْكُفَّارِ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْمُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَلَوْ كَانُوا جُنُبًا فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْخَنَسَ مِنْهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت؟ قَالَ: إنِّي كُنْت جُنُبًا فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَك إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؛ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ﴾ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . فَلُبْثُ الْمُؤْمِنِ الْجُنُبِ إذَا تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى مَنْ لُبْثِ الْكَافِرِ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَ الْكَافِرَ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُمْنَعَ الْمُؤْمِنُ الْمُتَوَضِّئُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ.
وَإِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَلَائِكَةُ تَشْهَدُ جِنَازَتَهُ حِينَئِذٍ عُلِمَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ الْحَاصِلَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَاكَ هُوَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ هُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ.

بَابٌ التَّيَمُّمُ

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ؛ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .

وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْقَصْدُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: تَيَمَّمْت الْمَاءَ الَّذِي دُونَ ضَارِجٍ ... يَمِيلُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عرمضها طَامِي لَكِنْ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كَانَ التَّيَمُّمُ الْمَأْمُورُ بِهِ: هُوَ تَيَمُّمَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِلتَّمَسُّحِ بِهِ فَصَارَ لَفْظُ التَّيَمُّمِ إذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ انْصَرَفَ إلَى هَذَا التَّيَمُّمِ الْخَاصِّ وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ التَّيَمُّمِ نَفْسُ مَسْحِ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ فَسُمِّيَ الْمَقْصُودُ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمُّمًا.
وَهَذَا التَّيَمُّمُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّا فَضَّلَهُمْ اللَّهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا.
فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدِ قَبْلِي وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً﴾ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتِّ: أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ﴾ . وَلِمُسْلِمِ أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿فُضِّلْت عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثِ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهْورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ﴾ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْت وَصَلَّيْت: وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ إنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ﴾ . وقَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وَهَذِهِ تُسَمَّى مُطْلَقَةً وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ أَيَّ صَعِيدٍ طَيِّبٍ اتَّفَقَ.
وَالطَّيِّبُ هُوَ الطَّاهِرُ وَالتُّرَابُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مُرَادٌ مِنْ النَّصِّ بِالْإِجْمَاعِ وَفِيمَا سِوَاهُ نِزَاعٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ قَدْ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ عَلَى قِرَاءَةِ أَيْدِيكُمْ بِالْإِسْكَانِ؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فَإِنَّ بَعْضَ السَّبْعَةِ قَرَءُوا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ قَالُوا: إنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمَغْسُولِ تَقْدِيرُهُ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ كَذَلِكَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي: قَرَأَ عَلَيَّ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ: وَأَرْجُلِكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ بِالْخَفْضِ فَسَمِعَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ: وَأَرْجُلَكُمْ يَعْنِي بِالنَّصْبِ وَقَالَ هَذَا مِنْ الْمُقَدَّمِ الْمُؤَخَّرِ فِي الْكَلَامِ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ وَقَالَ عَادَ الْأَمْرُ إلَى الْغَسْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلَى الْمَحَلِّ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ كَقَوْلِ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: مُعَاوِي إنَّنَا بَشَرٌ فَاسْجَحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا فَإِنَّمَا يَسُوغُ فِي حَرْفِ التَّأْكِيدِ مِثْلُ الْمَبَانِي.
وَأَمَّا حُرُوفُ الْمَعَانِي فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا وَالْبَاءُ هُنَا لِلْإِلْصَاقِ لَيْسَتْ لِلتَّوْكِيدِ وَلِهَذَا لَمْ يَقْرَأْ الْقُرَّاءُ هُنَا وَأَيْدِيَكُمْ كَمَا قَرَءُوا هُنَاكَ وَأَرْجُلَكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ أَوْ امْسَحُوا بِهَا لَكَانَ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ إيصَالٍ لِلطَّهُورِ إلَى الرَّأْسِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَلَمَّا كَانَتْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إلْصَاقِ الْمَمْسُوحِ بِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى

اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْبَاءُ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَلَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ التَّبْعِيضَ يُسْتَفَادُ مِنْ الْبَاءِ؛ بَلْ أَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ وَحَكَّمُوا كَلَامَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ اسْتَنَدَ إلَى دِلَالَةٍ أُخْرَى.
وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا﴾ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَمَسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي.
وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَعَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ وَكَذَلِكَ تَيَمُّمُ الْجُنُبِ: ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ

إلَى أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فَإِذَا وَجَدَهُ كَانَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ إنْكَارُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ وَرُوِيَ عَنْهُمَا الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ: كَعَلِيِّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَخَمْسَةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
مِنْهَا: حَدِيثُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العاص وَحَدِيثُ الَّذِي شُجَّ فَأَفْتَوْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ هَلَّا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ﴾ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إذَا هُوَ بِرَجُلِ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ: مَا مَنَعَك يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ: وَلَا مَاءَ قَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: {بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ

ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ} وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
فَصْلٌ: وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ: هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إلَى حِينِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؟ أَمْ الْحَدَثُ قَائِمٌ وَلَكِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ الْمَانِعِ؟ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ نَظَرِيَّةٌ.
وَتَنَازَعُوا هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَمَا يَتَوَضَّأُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنْ فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ كَمَا يُصَلِّي بِالْمَاءِ وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ وَهُوَ نِزَاعٌ عَمَلِيٌّ.
فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ كَالْمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ خُرُوجِهِ.

ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: يَتَيَمَّمُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَتَيَمَّمُ لِفِعْلِ كُلِّ فَرِيضَةٍ وَلَا يَجْمَعُ بِهِ فَرْضَيْنِ.
وَغَلَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَيَتَيَمَّمُ لِكُلِّ نَافِلَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
قَالُوا: لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَالْحُكْمُ الْمُقَيَّدُ بِالضَّرُورَةِ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِهَا فَإِذَا تَيَمَّمَ فِي وَقْتٍ يُسْتَغْنَى عَنْ التَّيَمُّمِ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلَّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ تَيَمَّمَ وَكَانَ ظَاهِرُ الْخِطَابِ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ؛ لَكِنْ لَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءِ وَاحِدٍ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ وَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى ظَاهِرِ الْخِطَابِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الْمَاءِ عِنْد كُلِّ صَلَاةٍ وَذَلِكَ يُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ.
وَوَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ العاص وَابْنِ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ.
وَلَنَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فأمسه بَشَرَتَك فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فَجَعَلَهُ مُطَهِّرًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ مُطْلَقًا.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ

لِلْمُتَيَمِّمِ وَإِذَا كَانَ قَدْ جَعَلَ الْمُتَيَمِّمَ مُطَهَّرًا كَمَا أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مُطَهَّرٌ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِوَقْتِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُبْطِلُهُ كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَهُوَ مُوجَبُ الْأُصُولِ.
فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي أَحْكَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَاثِلًا لَهُ فِي صِفَتِهِ كَصِيَامِ الشَّهْرَيْنِ فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْإِعْتَاقِ وَصِيَامُ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِ فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فِي التَّمَتُّعِ وَكَصِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَهَذَا لَازِمٌ لِمَنْ يَقِيسُ التَّيَمُّمَ عَلَى الْمَاءِ فِي صِفَتِهِ فَيُوجِبُ الْمَسْحَ عَلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مُطْلَقَةً كَمَا قَاسَ عَمَّارٌ لَمَّا تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ فَمَسَحَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَمَا يَغْسِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَادَ هَذَا الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ يُجْزِئُكَ مِنْ الْجَنَابَةِ التَّيَمُّمُ الَّذِي يُجْزِئُكَ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا تَكُونُ صِفَتُهُ كَصِفَةِ الْمُبْدَلِ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُهُ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ مَسْحُ عُضْوَيْنِ وَهُمَا الْعُضْوَانِ الْمَغْسُولَانِ فِي الْوُضُوءِ وَسَقَطَ الْعُضْوَانِ الْمَمْسُوحَانِ وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْجَنَابَةِ يَكُونُ فِي هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ.
وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ فِيهِ مَضْمَضَةٌ وَلَا اسْتِنْشَاقٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمُ

لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ تَثْنِيَةٌ وَلَا تَثْلِيثٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمُ يُفَارِقُ صِفَةَ الْوُضُوءِ مِنْ وُجُوهٍ وَلَكِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ فَيَجِبُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ فَهَذَا مُقْتَضَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوُضُوءُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالتَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُهُ؟ قِيلَ: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ طَهُورًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مَا يَثْبُتُ لِلْمَاءِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ لَيْسَ تَحْتَهُ نِزَاعٌ عَمَلِيٌّ وَإِنَّمَا هُوَ نِزَاعٌ اعْتِبَارِيٌّ لَفْظِيٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ قَالُوا: لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يُعِدْ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا: يَرْفَعُ الْحَدَثَ إنَّمَا قَالُوا بِرَفْعِهِ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إلَى حِينِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي حُكْمٍ عَمَلِيٍّ شَرْعِيٍّ وَلَكِنَّ تَنَازُعَهُمْ يَنْزِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنَّ

الْمُنَاسَبَةَ هَلْ تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ وَأَنَّ الْمَانِعَ الْمُعَارِضَ لِلْمُقْتَضِي هَلْ يَرْفَعُهُ أَمْ لَا يَرْفَعُهُ اقْتِضَاؤُهُ مَعَ بَقَاءِ ذَاتِهِ.
وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ هَيْئَةِ النِّزَاعِ أَنَّ لَفْظَ الْعِلَّةِ يُرَادُ بِهِ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ وَهُوَ مَجْمُوعُ مَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِحَيْثُ إذَا وُجِدَ وُجِدَ الْحُكْمُ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ؛ فَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْعِلَّةِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ جَبْرُ الْعِلَّةِ وَشُرُوطُهَا وَعَدَمُ الْمَانِعِ.
إمَّا لِكَوْنِ عَدَمِ الْمَانِعِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفًا ثُبُوتِيًّا عَلَى رَأْيٍ وَإِمَّا لِكَوْنِ الْعَدَمِ قَدْ يَكُونُ جَبْرًا مِنْ الْمُقْتَضِي عَلَى رَأْيٍ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَتَى تَخَصَّصَتْ وَانْتَقَضَتْ فَوُجِدَ الْحُكْمُ بِدُونِهَا دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا كَمَا لَوْ عَلَّلَ مُعَلِّلٌ قَصْرَ الصَّلَاةِ بِمُطْلَقِ الْعُذْرِ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ لَا يَقْصُرُونَ وَإِنَّمَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ خَاصَّةً فَالْقَصْرُ دَائِرٌ مَعَ السَّفَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَدَوَرَانُ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا دَلِيلٌ عَلَى الْمَدَارِ عَلَيْهِ لِلدَّائِرِ وَكَمَا لَوْ عَلَّلَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ بِمُجَرَّدِ مِلْكِ النِّصَابِ قِيلَ لَهُ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِالْمِلْكِ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ الْعِلَّةِ مَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطٍ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ السَّبَبِ فَيُقَالُ: الْأَسْبَابُ الْمُثْبِتَةُ لِلْإِرْثِ

ثَلَاثَةٌ: رَحِمٌ وَنِكَاحٌ وَوَلَاءٌ.
وَعِنْد أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَثْبُتُ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ وَغَيْرِهَا فَالْعِلَّةُ هُنَا قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْحُكْمُ الْمَانِعُ: كَالرِّقِّ وَالْقَتْلِ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ.
فَإِذَا أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ هَذَا الْمَعْنَى جَازَ تَخْصِيصُهَا لِفَوَاتِ شَرْطٍ وَوُجُودِ مَانِعٍ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُعَلِّلُ بَيْنَ صُورَةِ النَّقْضِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فَرْقًا مُؤَثِّرًا بَطَلَ تَعْلِيلُهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ اقْتَرَنَ بِالْوَصْفِ تَارَةً كَمَا فِي الْأَصْلِ وَتَخَلَّفَ عَنْهُ تَارَةً كَمَا فِي الْأَصْلِ وَيَخْتَلِفُ عَنْهُ تَارَةً كَمَا فِي صُورَةِ النَّقْضِ.
وَالْمُسْتَدِلُّ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْفَرْعَ مِثْلُ الْأَصْلِ دُونَ صُورَةِ النَّقْضِ فَلَمْ يَكُنْ إلْحَاقُهُ بِالْأَصْلِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِصُورَةِ النَّقْضِ فِي انْتِفَائِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مَوْجُودٌ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْوَاحِدَةِ دُونَ الْأُخْرَى وَشَكَكْنَا فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ.
وَهَذَا كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي الْقَتْلِ: فَقَتَلَ الْأَوْلِيَاءُ وَاحِدًا وَلَمْ يَقْتُلُوا آخَرَ إمَّا لِبَذْلِ الدِّيَةِ وَإِمَّا لِإِحْسَانِ كَانَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَالثَّالِثُ لَمْ يُعْرَفْ أَهْوَ كَالْمَقْتُولِ أَوْ كَالْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَإِنَّا لَا نُلْحِقُهُ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلِ يُبَيِّنُ مُسَاوَاتَهُ لَهُ دُونَ مُسَاوَاتِهِ لِلْآخَرِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَالْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِي اسْتِحْلَالِ الْمَيْتَةِ

عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَدْ اُسْتُحِلَّ الْمَحْظُورُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ وَهُوَ مَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّغْذِيَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الضَّرُورَةُ مَا أَزَالَتْ حُكْمَ السَّبَبِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ إزَالَةُ اقْتِضَاءٍ لِلْحَظْرِ فَلَمْ يَبْقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ حَاظِرٌ إذْ يَمْتَنِعُ زَوَالُ الْحَظْرِ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ التَّامِّ.
وَفَصْلُ النِّزَاعِ: أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبَبِ الْحَاظِرِ: السَّبَبُ التَّامُّ وَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ الْحَظْرَ فَهَذَا يَرْتَفِعُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ فَإِنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ مُمْتَنِعٌ وَالْحِلُّ ثَابِتٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ السَّبَبِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ وَإِنْ أُرِيدَ بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلْحَظْرِ لَوْلَا الْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ حَالَ الْحَظْرِ لَكِنَّ الْمُعَارِضَ الرَّاجِحَ أَزَالَ اقْتِضَاءَهُ لِلْحَظْرِ فَلَمْ يَبْقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُقْتَضِيًا فَإِذَا قُدِّرَ زَوَالُ الْمَخْمَصَةِ عَمِلَ السَّبَبُ عَمَلَهُ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ لَهُ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كَوْنِ التَّيَمُّمِ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ فَإِنَّهُ فَرْعٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ثُمَّ يَعُودُ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ بِمُمْتَنِعِ وَالشَّرْعُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ فَجَعَلَ التُّرَابَ طَهُورًا وَالْمَاءَ يَكُونُ طَهُورًا إذَا أَزَالَ الْحَدَثَ وَإِلَّا مَعَ وُجُودِ الْجَنَابَةِ

يَمْتَنِعُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ فَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا قَالَ: إنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ثُمَّ يَعُودُ وَهَذَا مُمْكِنٌ لَيْسَ بِمُمْتَنِعِ وَالشَّرْعُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ فَجَعَلَ التُّرَابَ طَهُورًا وَإِنَّمَا يَكُونُ طَهُورًا إذَا أَزَالَ الْحَدَثَ وَإِلَّا فَمَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ لَا يَكُونُ طَهُورًا.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِرَافِعِ وَلَكِنَّهُ مُبِيحٌ وَالْحَدَثُ هُوَ الْمَانِعُ لِلصَّلَاةِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَانِعٌ تَامٌّ كَمَا يَكُونُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَهَذَا غالط فَإِنَّ الْمَانِعَ التَّامَّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَنْعِ وَالْمُتَيَمِّمُ يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ لَيْسَ بِمَمْنُوعِ مِنْهَا وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ قَائِمٌ وَلَكِنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ لِوُجُودِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ الرَّافِعَةِ لِمَنْعِهِ فَإِذَا حَصَلَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حَصَلَ مَنْعُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَهَذَا صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: هُوَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ.
إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَرْفَعُهُ كَمَا يَرْفَعُهُ الْمَاءُ فَلَا يَعُودُ إلَّا بِوُجُودِ سَبَبٍ آخَرَ كَانَ غالطا فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ: أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ اسْتَعْمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ بَعْدَ الْجَنَابَةِ الْأُولَى جَنَابَةٌ ثَانِيَةٌ بِخِلَافِ الْمَاءِ.
وَإِنْ قَالَ: أُرِيدَ بِرَفْعِهِ أَنَّهُ رَفْعُ مَنْعِ الْمَانِعِ فَلَمْ يَبْقَ مَانِعًا إلَى حِينِ وُجُودِ الْمَاءِ.
فَقَدْ أَصَابَ وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ نِزَاعٌ شَرْعِيٌّ عَمَلِيٌّ.

وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يَبْقَ الْحَدَثُ مَانِعًا مَعَ وُجُودِ طِهَارَةِ التَّيَمُّمِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَعَلَ التُّرَابَ طَهُورًا كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا لَكِنْ جَعَلَ طَهَارَتَهُ مُقَيَّدَةً إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي كَوْنِهِ مُطَهِّرًا شَرْطًا آخَرَ فَالْمُتَيَمِّمُ قَدْ صَارَ طَاهِرًا وَارْتَفَعَ مَنْعُ الْمَانِعِ لِلصَّلَاةِ إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فَمَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَالْمَنْعُ زَائِلٌ إذَا لَمْ يَتَجَدَّدْ سَبَبٌ آخَرُ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ كَمَا يُوجِبُ طَهَارَةَ الْمَاءِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ طَهُورًا قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ كَمَا كَانَ الْمَاءُ طَهُورًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ بَيْنَ هَذَا فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَمَنْ أَبْطَلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَدْ خَالَفَ مُوجِبَ الدَّلِيلِ.
وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً عَامَّةً لِأُمَّتِهِ.
وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ التَّيَمُّمَ بِفَرْضِ أَوْ نَفْلٍ أَوْ تِلْكَ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا لَمْ يَفْصِلْ فِي ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ فَيَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَالْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ فِيهِ نِزَاعٌ لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي التَّيَمُّمِ أَشْهَرُ.
وَإِذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَى جَوَازِ أَحَدِ الطَّهُورَيْنِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ كِلَاهُمَا مُتَطَهِّرٌ فَعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ وَلِهَذَا جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ بِالْمُتَيَمِّمِ كَمَا فَعَلَ عَمْرُو بْنُ العاص وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَمَا فَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَيْثُ وَطِئَ جَارِيَةً لَهُ ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَذْهَبُ أَبِي

يُوسُفَ وَغَيْرِهِ.
لَكِنْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ؛ لِنَقْصِ حَالِ الْمُتَيَمِّمِ.
وَأَيْضًا كَانَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَخُرُوجُهُ مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ سَبَبٍ حَادِثٍ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي بُطْلَانِ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ إذْ كَانَ حَالُ الْمُتَطَهِّرِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ سَوَاءً.
وَالشَّارِعُ حَكِيمٌ إنَّمَا يُثْبِتُ الْأَحْكَامَ وَيُبْطِلُهَا بِأَسْبَابِ تُنَاسِبُهَا فَكَمَا لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ بِالْأَمْكِنَةِ لَا يُبْطِلُ بِالْأَزْمِنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الشَّرْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِطَهَارَةِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَذَوِي الْأَحْدَاثِ الدَّائِمَةِ.
قِيلَ: أَمَّا طَهَارَةُ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَلَيْسَتْ وَاجِبَةً بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَسْحِ وَبَيْنَ الْخَلْعِ وَالْغَسْلِ؛ وَلِهَذَا وَقَّتَهَا الشَّارِعُ وَلَمْ يُوَقِّتْهَا لِدُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ وَلَا خُرُوجِهَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ رُخْصَةً لَيْسَتْ بِعَزِيمَةِ حَدَّ لَهَا وَقْتًا مَحْدُودًا فِي الزَّمَنِ ثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ طَهَارَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ عَزِيمَةً لَمْ تَتَوَّقَتْ بَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يَحِلَّهَا وَيَمْسَحُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى كَمَا يَتَيَمَّمُ عَنْ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ فَإِلْحَاقُ التَّيَمُّمِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.

وَأَمَّا ذَوُو الْأَحْدَاثِ الدَّائِمَةِ: كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَأُولَئِكَ وُجِدَ فِي حَقِّهِمْ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدَثِ وَهُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَلَكِنْ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ رَخَّصَ لَهُمْ الشَّارِعُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ مُؤَقَّتَةً؛ وَلِهَذَا لَوْ تَطَهَّرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ إذَا خَرَجَ الْخَارِجُ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهَا تُصَلِّي بِهِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ ثُمَّ لَا تُصَلِّي لِوُجُودِ النَّاقِضِ لِلطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ مَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ.
وَالتَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ فَلَا يُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ إلَّا مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا وَقَوْلِ مَنْ وَافَقَنَا عَلَى التَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَعَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّ هَذَا مَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْقُضْ الطَّهَارَةَ بِهَذَا أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ هَذَا كَمَالِكِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُعَارَضَةُ بِهَذَا وَهَذَا؛ فَإِنَّهُ لَا يتوقت عِنْدَهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَالتَّيَمُّمُ أَوْلَى أَنْ لَا يتوقت.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْقَائِمَ إلَى الصَّلَاةِ مَأْمُورٌ بِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ.
قِيلَ: نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ لَكِنْ إذَا كَانَ قَدْ تَطَهَّرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ

أَحْسَنَ وَأَتَى بِالْوَاجِبِ قَبْلَ هَذَا كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ هَذَا فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَى طَهَارَةٍ قَبْلَ الْوَقْتِ إلَى حِينِ الْوَقْتِ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يَبْقَى مُحْدِثًا وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمِّمُ إذَا كَانَ قَدْ أَحْسَنَ بِتَقْدِيمِ طَهَارَتِهِ لِكَوْنِهِ عَلَى طَهَارَةٍ قَبْلَ الْوَقْتِ أَحْسَنُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ حَتَّى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَيَمَّمَ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ﴾ . وَإِذَا كَانَ تَطَهَّرَ قَبْلَ الْوَقْتِ كَانَ قَدْ أَحْسَنَ وَأَتَى بِأَفْضَلَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ وَكَانَ كَالْمُتَطَهِّرِ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا وَكَمَنْ أَدَّى أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَكَمَنْ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ خَامِسَةٍ فِي الصَّلَاةِ.
وَالتَّيَمُّمُ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ حَسَنٌ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ وَلِهَذَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِلنَّافِلَةِ وَلَمْسُ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَثَرِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَبَعْضُهُ ضَعِيفٌ وَبَعْضُهُ مُعَارِضٌ بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَلَا إجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الصَّعِيدُ: فَفِيهِ أَقْوَالٌ فَقِيلَ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ؛ كَالزَّرْنِيخِ وَالنَّوْرِ وَالْجِصِّ وَكَالصَّخْرَةِ الْمَلْسَاءِ فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا كَالْمَعَادِنِ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمُحَمَّدٌ يُوَافِقُهُ؛ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُعَبِّرًا لِقَوْلِهِ: (مِنْهُ.
وَقِيلَ يَجُوزُ بِالْأَرْضِ وَبِمَا اتَّصَلَ بِهَا حَتَّى بِالشَّجَرِ كَمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَهُ فِي الثَّلْجِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الأوزاعي وَالثَّوْرِيِّ.
وَقِيلَ يَجُوزُ بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالرَّمْلِ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِتُرَابِ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.

وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يَعْلَقُ بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالصَّخْرُ لَا يَعْلَقُ لَا بِالْوَجْهِ وَلَا بِالْيَدِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ تُرَابُ الْحَرْثِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا﴾ قَالُوا: فَعَمَّ الْأَرْضَ بِحُكْمِ الْمَسْجِدِ وَخَصَّ تُرْبَتَهَا - وَهُوَ تُرَابُهَا - بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ اخْتَصَّتْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ بِمَا هُوَ مَاءٌ فِي الْأَصْلِ فَكَذَلِكَ طَهَارَةُ التُّرَابِ تَخْتَصُّ بِمَا هُوَ تُرَابٌ فِي الْأَصْلِ وَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ خُلِقَ مِنْهُمَا آدَمَ: الْمَاءُ.
وَالتُّرَابُ.
وَهُمَا الْعُنْصُرَانِ الْبَسِيطَانِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ.
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صَعِيدًا﴾ قَالُوا: وَالصَّعِيدُ هُوَ الصَّاعِدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ صَاعِدٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى.
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ . وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَخُصَّ الْحُكْمَ بِالتُّرَابِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ﴾ فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ عِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ فِيهَا تُرَابُ حَرْثٍ فَإِنْ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِالرَّمْلِ كَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ حُجَّةُ مَنْ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ بِالرَّمْلِ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ قَرَنَ بِذَلِكَ السَّبْخَةَ؛ فَإِنَّ مِنْ الْأَرْضِ مَا يَكُونُ سَبْخَةً.
وَاخْتِلَافُ التُّرَابِ بِذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِ بِالْأَلْوَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُوهُ عَلَى قَدْرِ تِلْكَ الْقَبْضَةِ: جَاءَ مِنْهُمْ الْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَجَاءَ مِنْهُمْ السَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ﴾ . وَآدَمُ إنَّمَا خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ وَالتُّرَابُ الطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ: الَّذِي يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَاَلَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلَّا نَكِدًا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرُ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ وَلَا تَعْلَقُ بِالْيَدِ؛ بِخِلَافِ الزَّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ فَإِنَّهَا مَعَادِنُ فِي الْأَرْضِ لَكِنَّهَا لَا تَنْطَبِعُ كَمَا يَنْطَبِعُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالرَّصَاصُ وَالنُّحَاسُ.

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ مُفْتِي الْأَنَامِ الْمُجْتَهِدُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ: أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ -: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . هَذَا الْخِطَابُ يَقْتَضِي: أَنَّ كُلَّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْغُسْلِ.
وَالْمَسْحِ.
وَهُوَ الْوُضُوءُ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُونَ: فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهَذَا: الْقَائِمُ مِنْ النَّوْمِ وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.
قَالُوا: الْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْوُضُوءَ عَلَى النَّائِمِ بِهَذَا وَعَلَى الْمُتَغَوِّطِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وَعَلَى لَامِسِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وَهَذَا هُوَ الْحَدَثُ الْمُعْتَادُ.
وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ عِنْدَهُمْ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
تَقْدِيرُهُ: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ.
فَيُقَالُ: أَمَّا تَنَاوُلُهَا لِلْقَائِمِ مِنْ النَّوْمِ الْمُعْتَادِ: فَظَاهِرُ لَفْظِهَا يَتَنَاوَلُهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا مُخْتَصَّةً بِهِ بِحَيْثُ لَا تَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا وَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ - فَهَذَا ضَعِيفٌ.
بَلْ هِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِهَذَا لَفْظًا وَمَعْنًى.
وَغَالِبُ الصَّلَوَاتِ يَقُومُ النَّاسُ إلَيْهَا مِنْ يَقَظَةٍ: لَا مِنْ نَوْمٍ:

كَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَكَذَلِكَ الظُّهْرُ فِي الشِّتَاءِ؛ لَكِنَّ الْفَجْرَ يَقُومُونَ إلَيْهَا مِنْ نَوْمٍ.
وَكَذَلِكَ الظُّهْرُ فِي الْقَائِلَةِ.
وَالْآيَةُ تَعُمُّ هَذَا كُلَّهُ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إذَا أَمَرَتْ الْآيَةُ الْقَائِمَ مِنْ النَّوْمِ - لِأَجْلِ الرِّيحِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ - فَأَمْرُهَا لِلْقَائِمِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ الرِّيحُ فِي الْيَقَظَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَتَكُونُ - عَلَى هَذَا - دِلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى الْيَقْظَانِ بِطَرِيقِ تَنْبِيهِ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ هَذَا بِطْرِيقِ الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ.
فَهَذَانِ قَوْلَانِ مُتَوَجِّهَانِ.
وَالْآيَةُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ عَامَّةٌ.
وَتَعُمُّ أَيْضًا الْقِيَامَ إلَى النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقِيَامَ إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَمَتَى كانت عَامَّةً لِهَذَا كُلِّهِ: فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ أَوْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ.
فَإِنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ.
وَكُلُّ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَيُوجِبُهُ الشَّافِعِيُّ فِي التَّيَمُّمِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ يُخَالِفُ هَذَا.

فَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ هَذَا: كَانَ لَهُ قَوْلَانِ.
وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا قَوْلَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ.
فَيَجْعَلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ اتِّفَاقًا عَلَى الْإِضْمَارِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ.
قَالَ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ فَاغْسِلُوا فَصَارَ الْحَدَثُ مُضْمَرًا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ.
وَهَذَا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالْفُقَهَاءِ.
قَالَ: وَالثَّانِي أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ إضْمَارٍ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ.
وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَابْنِ سِيرِين.
وَنُقِلَ عَنْهُمْ: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ.
وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا بِالسُّنَّةِ.
وَهُوَ مَا رَوَى بريدة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْته يَا عُمَرُ﴾ . قُلْت: أَمَّا الْحُكْمُ - وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ لِصَلَاةِ صَلَّى بِذَلِكَ

جارٍ التحميل