مجموع الفتاوىصفحات 32-71

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 32-71
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

خَطَؤُهُ وَيُثَابُ عَلَى جِنْسِ الْمَشْرُوعِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ.
بِخِلَافِ مَا لَمْ يُشْرَعْ جِنْسُهُ مِثْلَ الشِّرْكِ فَإِنَّ هَذَا لَا ثَوَابَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَا يُعَاقِبُ صَاحِبَهُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ لَكِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَذِّبُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُثَابُ بَلْ هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي عُمِلَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي لَمْ تُقْبَلْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ الْآيَةَ فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ بَاطِلَةٌ لَا ثَوَابَ فِيهَا.
وَإِذَا نَهَاهُمْ الرَّسُولُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا عُوقِبُوا فَالْعِقَابُ عَلَيْهَا مَشْرُوطٌ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ وَأَمَّا بُطْلَانُهَا فِي نَفْسِهَا فَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا فَكُلُّ عِبَادَةٍ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْهَى عَنْهَا.
ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَفَعَلَهَا اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَشْرُوعِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ فَهَذَا الْجِنْسُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَأْمُورٌ بِهِ لَكِنْ قَدْ يَحْسَبُ بَعْضُ النَّاسِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ.
وَهَذَا لَا يَكُونُ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّبِعَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا وَهَذِهِ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَكِنْ قَدْ يَفْعَلُهَا بِاجْتِهَادِ مِثْلِهِ: وَهُوَ تَقْلِيدُهُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَاَلَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوهُ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَنْفَعُ؛ أَوْ لِحَدِيثِ كَذِبٍ سَمِعُوهُ.
فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِالنَّهْيِ لَا يُعَذَّبُونَ وَأَمَّا الثَّوَابُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثَوَابُهُمْ أَنَّهُمْ أَرْجَحُ مِنْ أَهْلِ جِنْسِهِمْ وَأَمَّا الثَّوَابُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ فَلَا يَكُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ.

فَصْلٌ: وَالْخَطَأُ الْمَغْفُورُ فِي الِاجْتِهَادِ هُوَ فِي نَوْعَيْ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَنْ اعْتَقَدَ ثُبُوتَ شَيْءٍ لِدَلَالَةِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ وَكَانَ لِذَلِكَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مِثْلَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الذَّبِيحَ إسْحَاقُ لِحَدِيثِ اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كَمَا احْتَجَّتْ عَائِشَةُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا يَدُلَّانِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ.

وَكَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بِأَنَّهَا تَنْتَظِرُ ثَوَابَ رَبِّهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي صَالِحٍ.
أَوْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي لِأَنَّ السَّمْعَ يَغْلَطُ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ طَائِفَة مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْمَعُ خِطَابَ الْحَيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ شريح؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْعَجَبَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جَهْلِ السَّبَبِ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجَهْلِ.
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ؛ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ حَدِيثِ الطَّيْرِ؛ وَأَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ الْخَلْقِ إلَيْك؛ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ﴾ . أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ جَسَّ لِلْعَدُوِّ وَأَعْلَمَهُمْ بِغَزْوِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَهُوَ مُنَافِقٌ: كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُمَرُ فِي حَاطِبٍ وَقَالَ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ.
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ غَضِبَ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ غَضْبَةً فَهُوَ مُنَافِقٌ؛ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ أسيد بْنُ حضير فِي سَعْدِ بْنِ عبادة وَقَالَ: إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ.
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ أَوْ الْآيَاتِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بِالنَّقْلِ الثَّابِتِ كَمَا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَلْفَاظًا مِنْ الْقُرْآنِ كَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ وَوَصَّى رَبُّك.
وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ مِيثَاقُ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إنَّمَا هِيَ أَوَلَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَكَمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ لَمَّا رَآهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأَهَا.
وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَلَى بَعْضِ الْقُرَّاءِ بِحُرُوفِ لَمْ يَعْرِفُوهَا حَتَّى جَمَعَهُمْ عُثْمَانُ عَلَى الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ.
وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ.
وَأَنْكَرَ طَائِفَةٌ

مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ؛ لِكَوْنِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِخَلْقِهَا وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَالْقُرْآنُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَكِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ عَرَفَتْ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ وَأَنْكَرَتْ الْآخَرَ.
وَكَاَلَّذِي قَالَ لِأَهْلِهِ: إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي: ثُمَّ ذَرُونِي فِي الْيَمِّ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ.
وَكَمَا قَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ وَفِي قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ وَكَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ؛ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ كَذِبٌ وَغَلَطٌ.

فَصْلٌ: وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي أَسْمَاءَ وَأَحْكَامٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَسْمَاءَ وَأَحْكَامٍ وَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ: عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْأَفْعَالَ لَيْسَ فِيهَا حَسَنٌ وَقَبِيحٌ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ سَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ وَطَاغِينَ وَمُفْسِدِينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ ظَالِمٌ وَطَاغٍ وَمُفْسِدٌ هُوَ وَقَوْمُهُ وَهَذِهِ أَسْمَاءُ ذَمِّ الْأَفْعَالِ؛ وَالذَّمُّ إنَّمَا.
يَكُونُ فِي الْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ الْقَبِيحَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَكُونُ قَبِيحَةً مَذْمُومَةً قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ إلَّا بَعْدَ إتْيَانِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ هُودَ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ

إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ} فَجَعَلَهُمْ مُفْتَرِينَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ يُخَالِفُونَهُ؛ لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَاسْمُ الْمُشْرِكِ ثَبَتَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ؛ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ بِرَبِّهِ وَيَعْدِلُ بِهِ وَيَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا قَبْلَ الرَّسُولِ وَيُثْبِتُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَهْلِ وَالْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ: جَاهِلِيَّةً وَجَاهِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ وَأَمَّا التَّعْذِيبُ فَلَا.
وَالتَّوَلِّي عَنْ الطَّاعَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرَّسُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ.
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ كَانَ هَذَا بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى.
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ وَقَالَ: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ 1 .

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَلْ الْبُخَارِيُّ؛ وَمُسْلِمٌ؛ وَأَبُو دَاوُد؛ وَالتِّرْمِذِي؛ وَالنَّسَائِي؛ وَابْنُ مَاجَه؛ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى؛ وَالدَّارِمِي وَالْبَزَّارُ؛ وَالدَّارَقُطْنِي؛ وَالْبَيْهَقِي؛ وَابْنُ خُزَيْمَة؛ وَأَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ هَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدِينَ لَمْ يُقَلِّدُوا أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ أَمْ كَانُوا مُقَلِّدِينَ؟ وَهَلْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ يَنْتَسِبُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَهَلْ إذَا وُجِدَ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ التيمي؛ عَنْ عَائِشَةَ.
وَوُجِدَ فِي الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ؛ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
فَهَلْ يُقَالُ أَنَّ هَذَا أَصَحُّ مِنْ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ؟ وَهَلْ إذَا كَانَ الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِ وَفِي الْمُوَطَّأِ بِسَنَدِ فَهَلْ يُقَالُ: إنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَصَحُّ؟ وَإِذَا رَوَيْنَا عَنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثًا وَلَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَهَلْ يُقَالُ.
هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ؟

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا الْبُخَارِيُّ؛ وَأَبُو دَاوُد فَإِمَامَانِ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا مُسْلِمٌ؛ وَالتِّرْمِذِي؛ وَالنَّسَائِي؛ وَابْنُ مَاجَه؛ وَابْنُ خُزَيْمَة؛ وَأَبُو يَعْلَى؛ وَالْبَزَّارُ؛ وَنَحْوُهُمْ؛ فَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَا هُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ [بَلْ هُمْ يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ] * كَالشَّافِعِيِّ؛ وَأَحْمَد؛ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ كَاخْتِصَاصِ أَبِي دَاوُد وَنَحْوِهِ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهُمْ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحِجَازِ - كَمَالِكِ وَأَمْثَالِهِ - أَمْيَلُ مِنْهُمْ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ - كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ -. وَأَمَّا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى فَأَقْدَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ مِنْ طَبَقَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ؛ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الواسطي؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد.
وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ؛ وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ؛ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ طَبَقَةِ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَد.
وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُعَظِّمُونَ السُّنَّةَ وَالْحَدِيثَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمَا كَوَكِيعِ؛ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ: مَالِكٌ وَنَحْوُهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
وَأَمَّا البيهقي فَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ مُنْتَصِرًا لَهُ فِي عَامَّةِ أَقْوَالِهِ.
وَالدَّارَقُطْنِي هُوَ أَيْضًا يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَئِمَّةِ السَّنَدِ وَالْحَدِيثِ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ كالبيهقي مَعَ أَنَّ البيهقي لَهُ اجْتِهَادٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ وَاجْتِهَادُ الدارقطني أَقْوَى مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ وَأَفْقَهَ مِنْهُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْقَلْبُ الْمَعْمُورُ بِالتَّقْوَى إذَا رَجَّحَ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ فَهُوَ تَرْجِيحٌ شَرْعِيٌّ.
قَالَ: فَمَتَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ وَحَصَلَ فِي قَلْبِهِ مَا بَطَنَ مَعَهُ إنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَوْ هَذَا الْكَلَامَ أَرْضَى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَانَ هَذَا تَرْجِيحًا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ * وَاَلَّذِينَ أَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِلْهَامِ لَيْسَ طَرِيقًا إلَى الْحَقَائِقِ مُطْلَقًا أَخْطَؤُوا فَإِذَا اجْتَهَدَ الْعَبْدُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ كَانَ تَرْجِيحُهُ لِمَا رَجَّحَ أَقْوَى مِنْ أَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ ضَعِيفَةٍ فَإِلْهَامُ مِثْلِ هَذَا دَلِيلٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْهُومَةِ وَالظَّوَاهِرِ والاستصحابات الْكَثِيرَةِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ الْخَائِضِينَ فِي الْمَذَاهِبِ وَالْخِلَافِ؛ وَأُصُولِ الْفِقْهِ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اقْرَبُوا مِنْ أَفْوَاهِ الْمُطِيعِينَ وَاسْمَعُوا مِنْهُمْ مَا يَقُولُونَ؛ فَإِنَّهُمْ تَتَجَلَّى لَهُمْ أُمُورٌ صَادِقَةٌ.
وَحَدِيثُ مَكْحُولٍ الْمَرْفُوعُ ﴿مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَجْرَى اللَّهُ الْحِكْمَةَ عَلَى قَلْبِهِ؛ وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَفِي رِوَايَةٍ إلَّا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ﴾ . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الداراني: إنَّ الْقُلُوبَ إذَا اجْتَمَعَتْ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

عَلَى التَّقْوَى جَالَتْ فِي الْمَلَكُوتِ؛ وَرَجَعَتْ إلَى أَصْحَابِهَا بِطَرَفِ الْفَوَائِدِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا عَالِمٌ عِلْمًا.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: الصَّلَاةُ نُورٌ؛ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ؛ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ﴾ وَمَنْ مَعَهُ نُورٌ وَبُرْهَانٌ وَضِيَاءٌ كَيْفَ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ مِنْ فَحْوَى كَلَامِ أَصْحَابِهَا؟ وَلَا سِيَّمَا الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَعْرِفَةً تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ الْعَمَلَ بِهَا؛ فتتساعد فِي حَقِّهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَعَ الِامْتِثَالِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى أَنَّ الْمُحِبَّ يَعْرِفُ مِنْ فَحْوَى كَلَامِ مَحْبُوبِهِ مُرَادَهُ مِنْهُ تَلْوِيحًا لَا تَصْرِيحًا.
وَالْعَيْنُ تَعْرِفُ مِنْ عَيْنَيْ مُحَدِّثِهَا ... إنْ كَانَ مِنْ حِزْبِهَا أَوْ مِنْ أَعَادِيهَا إنَارَةُ الْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوًى ... وَعَقْلُ عَاصِي الْهَوَى يَزْدَادُ تَنْوِيرًا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا﴾ " وَمَنْ كَانَ تَوْفِيقُ اللَّهِ لَهُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَا بَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ وَنَفْسٍ فَعَّالَةٍ؟ وَإِذَا كَانَ

الْإِثْمُ وَالْبِرُّ فِي صُدُورِ الْخَلْقِ لَهُ تَرَدُّدٌ وَجَوَلَانٌ؛ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ اللَّهُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَهُوَ فِي قَلْبِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْإِثْمُ حواز الْقُلُوبِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ وَالصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ فَالْحَدِيثُ الصِّدْقُ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النَّفْسُ وَيَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقَلْبُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَقِّ؛ فَإِذَا لَمْ تَسْتَحِلَّ الْفِطْرَةُ: شَاهَدَتْ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ؛ فَأَنْكَرَتْ مُنْكِرَهَا وَعَرَّفَتْ مَعْرُوفَهَا.
قَالَ عُمَرُ: الْحَقُّ أَبْلَجُ لَا يَخْفَى عَلَى فَطِنٍ.
فَإِذَا كَانَتْ الْفِطْرَةُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ مُنَوَّرَةً بِنُورِ الْقُرْآنِ.
تَجَلَّتْ لَهَا الْأَشْيَاءُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَزَايَا وَانْتَفَتْ عَنْهَا ظُلُمَاتُ الْجَهَالَاتِ فَرَأَتْ الْأُمُورَ عِيَانًا مَعَ غَيْبِهَا عَنْ غَيْرِهَا.
وَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا؛ وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ؛ وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ؛ وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ؛ وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ.
وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ؛ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ؛ وَالسُّتُورُ الْمُرْخَاةُ حُدُودُ اللَّهِ؛ وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ نَادَاهُ الْمُنَادِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّك إنْ فَتَحْته تَلِجْهُ.
وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ

الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ؛ وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ} فَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ - الَّذِي مَنْ عَرَفَهُ انْتَفَعَ بِهِ انْتِفَاعًا بَالِغًا إنْ سَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ؛ وَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ - أَنَّ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَاعِظًا وَالْوَعْظُ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ وَالتَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ.
وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَعْمُورًا بِالتَّقْوَى انْجَلَتْ لَهُ الْأُمُورُ وَانْكَشَفَتْ؛ بِخِلَافِ الْقَلْبِ الْخَرَابِ الْمُظْلِمِ؛ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: إنَّ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ سِرَاجًا يُزْهِرُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " ﴿إنَّ الدَّجَّالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرِ قَارِئٍ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَبَيَّنُ لَهُ مَا لَا يَتَبَيَّنُ لِغَيْرِهِ؛ وَلَا سِيَّمَا فِي الْفِتَنِ وَيَنْكَشِفُ لَهُ حَالُ الْكَذَّابِ الْوَضَّاعِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ الدَّجَّالَ أَكْذَبُ خَلْقِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ يُجْرِي عَلَى يَدَيْهِ أُمُورًا هَائِلَةً ومخاريق مُزَلْزِلَةً حَتَّى إنَّ مَنْ رَآهُ افْتَتَنَ بِهِ فَيَكْشِفُهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ حَتَّى يَعْتَقِدَ كَذِبَهَا وَبُطْلَانَهَا.
وَكُلَّمَا قَوِيَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَوِيَ انْكِشَافُ الْأُمُورِ لَهُ؛ وَعَرَفَ حَقَائِقَهَا مِنْ بَوَاطِلِهَا وَكُلَّمَا ضَعُفَ الْإِيمَانُ ضَعُفَ الْكَشْفُ وَذَلِكَ مَثَلُ السِّرَاجِ الْقَوِيِّ وَالسِّرَاجِ الضَّعِيفِ فِي الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ الْمُطَابِقَةِ لِلْحَقِّ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فِيهَا بِالْأَثَرِ فَإِذَا سَمِعَ فِيهَا بِالْأَثَرِ كَانَ نُورًا

عَلَى نُورٍ.
فَالْإِيمَانُ الَّذِي فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ يُطَابِقُ نُورَ الْقُرْآنِ؛ فَالْإِلْهَامُ الْقَلْبِيُّ تَارَةً يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْقَوْلِ وَالْعِلْمِ؛ وَالظَّنُّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَذِبٌ.
وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ بَاطِلٌ؛ وَهَذَا أَرْجَحُ مِنْ هَذَا؛ أَوْ هَذَا أَصْوَبُ.
وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ﴾ . وَالْمُحَدِّثُ: هُوَ الْمُلْهَمُ الْمُخَاطَبُ فِي سِرِّهِ.
وَمَا قَالَ عُمَرُ لِشَيْءِ: إنِّي لَأَظُنّهُ كَذَا وَكَذَا إلَّا كَانَ كَمَا ظَنَّ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُورُ الْكَوْنِيَّةُ قَدْ تَنْكَشِفُ لِلْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِقُوَّةِ إيمَانِهِ يَقِينًا وَظَنًّا؛ فَالْأُمُورُ الدِّينِيَّةُ كَشْفُهَا لَهُ أَيْسَرُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ إلَى كَشْفِهَا أَحْوَجُ فَالْمُؤْمِنُ تَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَدِلَّةٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا فِي الْغَالِبِ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يُمْكِنُهُ إبَانَةُ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِقَلْبِهِ فَإِذَا تَكَلَّمَ الْكَاذِبُ بَيْنَ يَدَيْ الصَّادِقِ عَرَفَ كَذِبَهُ مِنْ فَحْوَى كَلَامِهِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ نَخْوَةُ الْحَيَاءِ الْإِيمَانِيِّ فَتَمْنَعُهُ الْبَيَانَ وَلَكِنْ هُوَ فِي نَفْسِهِ قَدْ أَخَذَ حِذْرَهُ مِنْهُ وَرُبَّمَا لَوَّحَ أَوْ صَرَّحَ بِهِ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَشَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ لِيَحْذَرُوا مِنْ رِوَايَتِهِ أَوْ الْعَمَلِ بِهِ.

وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْكَشْفِ يُلْقِي اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَنَّ هَذَا الطَّعَامَ حَرَامٌ؛ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَافِرٌ؛ أَوْ فَاسِقٌ؛ أَوْ دَيُّوثٌ؛ أَوْ لُوطِيٌّ؛ أَوْ خَمَّارٌ؛ أَوْ مُغَنٍّ؛ أَوْ كَاذِبٌ؛ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ بَلْ بِمَا يُلْقِي اللَّهُ فِي قَلْبِهِ.
وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ يُلْقِي فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةً لِشَخْصِ وَأَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ؛ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ صَالِحٌ؛ وَهَذَا الطَّعَامَ حَلَالٌ وَهَذَا الْقَوْلَ صِدْقٌ؛ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَبْعَدَ فِي حَقِّ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ.
وَقِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى هِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَأَنَّ الْخَضِرَ عَلِمَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ الْمُعَيَّنَةَ بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَطُولُ بَسْطُهُ قَدْ نَبَّهْنَا فِيهِ عَلَى نُكَتٍ شَرِيفَةٍ تُطْلِعُك عَلَى مَا وَرَاءَهَا.

وَقَالَ: فَصْلٌ: جَامِعٌ فِي تَعَارُضِ الْحَسَنَاتِ؛ أَوْ السَّيِّئَاتِ؛ أَوْ هُمَا جَمِيعًا.
إذَا اجْتَمَعَا وَلَمْ يُمْكِنْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ بَلْ الْمُمْكِنُ إمَّا فِعْلُهُمَا جَمِيعًا وَإِمَّا تَرْكُهُمَا جَمِيعًا.
وَقَدْ كَتَبْت مَا يُشْبِهُ هَذَا فِي " قَاعِدَةِ الْإِمَارَةِ وَالْخِلَافَةِ " وَفِي أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَأَنَّهَا تُرَجِّحُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ وَتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَتَدْفَعُ أَعْظَمَ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا فَنَقُولُ: قَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِأَفْعَالِ وَاجِبَةٍ وَمُسْتَحَبَّةٍ؛ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ مُسْتَحَبًّا وَزِيَادَةً.
وَنَهَى عَنْ أَفْعَالٍ مُحَرَّمَةٍ أَوْ مَكْرُوهَةٍ وَالدِّينُ هُوَ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ وَهُوَ الدِّينُ وَالتَّقْوَى؛ وَالْبِرُّ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ؛ وَالشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فُرُوقٌ.
وَكَذَلِكَ حَمِدَ أَفْعَالًا هِيَ الْحَسَنَاتُ وَوَعَدَ عَلَيْهَا وَذَمَّ أَفْعَالًا هِيَ السَّيِّئَاتُ وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا وَقَيَّدَ

الْأُمُورَ بِالْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ وَالْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا﴾ وَكُلٌّ مِنْ الْآيَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فَسَبَبُ الْأُولَى الْمُحَاسَبَةُ عَلَى مَا فِي النُّفُوسِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَسَبَبُ الثَّانِيَةِ الْإِعْطَاءُ الْوَاجِبُ.
وَقَالَ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ﴾ وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَقَالَ: ﴿مَا وَجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وَقَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ . وَقَدْ ذَكَرَ فِي الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ مِنْ هَذَا أَنْوَاعًا.
وَقَالَ فِي الْمَنْهِيَّاتِ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ

إلَيْهِ} وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ فِي الْمُتَعَارِضِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَقَالَ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ﴾ . وَنَقُولُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَسَنَاتِ لَهَا مَنَافِعُ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً: كَانَ فِي تَرْكِهَا مَضَارُّ وَالسَّيِّئَاتُ فِيهَا مَضَارُّ وَفِي الْمَكْرُوهِ بَعْضُ

حَسَنَاتٍ.
فَالتَّعَارُضُ إمَّا بَيْنَ حَسَنَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ فَتُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمَا بِتَفْوِيتِ الْمَرْجُوحِ وَإِمَّا بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْخُلُوُّ مِنْهُمَا؛ فَيَدْفَعُ أَسْوَأَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا.
وَإِمَّا بَيْنَ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ لَا يُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ بَلْ فِعْلُ الْحَسَنَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِ السَّيِّئَةِ؛ وَتَرْكُ السَّيِّئَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِ الْحَسَنَةِ؛ فَيُرَجَّحُ الْأَرْجَحُ مِنْ مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ وَمَضَرَّةِ السَّيِّئَةِ.
فَالْأَوَّلُ كَالْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ؛ وَكَفَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ؛ مِثْلَ تَقْدِيمِ قَضَاءِ الدَّيْنِ الْمُطَالَبِ بِهِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
وَالثَّانِي كَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ الْأَهْلِ عَلَى نَفَقَةِ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ وَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْت.
ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَتَقْدِيمُ الْجِهَادِ عَلَى الْحَجِّ كَمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَعَيَّنٌ عَلَى مُتَعَيَّنٍ وَمُسْتَحَبٌّ عَلَى مُسْتَحَبٍّ وَتَقْدِيمُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الذِّكْرِ إذَا اسْتَوَيَا فِي عَمَلِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا إذَا شَارَكَتْهُمَا فِي عَمَلِ الْقَلْبِ وَإِلَّا فَقَدْ يَتَرَجَّحُ الذِّكْرُ بِالْفَهْمِ وَالْوَجَلِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي لَا تُجَاوِزُ الْحَنَاجِرَ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
وَالثَّالِثُ كَتَقْدِيمِ الْمَرْأَةِ الْمُهَاجِرَةِ لِسَفَرِ الْهِجْرَة بِلَا مَحْرَمٍ عَلَى بَقَائِهَا

بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَا فَعَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا آيَةَ الِامْتِحَانِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ وَكَتَقْدِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ عَلَى الْكُفْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فَتُقْتَلُ النُّفُوسُ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْفِتْنَةُ عَنْ الْإِيمَانِ لِأَنَّ ضَرَرَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ قَتْلِ النَّفْسِ وَكَتَقْدِيمِ قَطْعِ السَّارِقِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَجَلْدِ الشَّارِبِ عَلَى مَضَرَّةِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُوبَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَا مَعَ أَنَّهَا فِي الْأَصْلِ سَيِّئَةٌ وَفِيهَا ضَرَرٌ؛ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْهَا؛ وَهِيَ جَرَائِمُهَا؛ إذْ لَا يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ الْفَسَادِ الْكَبِيرِ إلَّا بِهَذَا الْفَسَادِ الصَّغِيرِ.
وَكَذَلِكَ فِي " بَابِ الْجِهَادِ " وَإِنْ كَانَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ حَرَامًا فَمَتَى اُحْتِيجَ إلَى قِتَالٍ قَدْ يَعُمُّهُمْ مِثْلُ: الرَّمْيُ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالتَّبْيِيتُ بِاللَّيْلِ جَازَ ذَلِكَ كَمَا جَاءَتْ فِيهَا السُّنَّةُ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَفِي أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ وَهُوَ دَفْعٌ لِفَسَادِ الْفِتْنَةِ أَيْضًا بِقَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَصْدُ قَتْلِهِ.
وَكَذَلِكَ " مَسْأَلَةُ التَّتَرُّسِ " الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ؛ فَإِنَّ الْجِهَادَ هُوَ دَفْعُ فِتْنَةِ الْكُفْرِ فَيَحْصُلُ فِيهَا مِنْ الْمَضَرَّةِ مَا هُوَ دُونَهَا؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ أُولَئِكَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ جَازَ ذَلِكَ؛ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الضَّرَرَ لَكِنْ

لَمْ يُمْكِنْ الْجِهَادُ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَمَنْ يُسَوِّغُ ذَلِكَ يَقُولُ: قَتْلُهُمْ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجَلَّادِ مِثْلَ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَمِثْلُ ذَلِكَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمَبَاذِلِ؛ وَقِتَالِ الْبُغَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ إبَاحَةُ نِكَاحِ الْأَمَةِ خَشْيَةَ الْعَنَتِ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَمِثْلُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ؛ فَإِنَّ الْأَكْلَ حَسَنَةٌ وَاجِبَةٌ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِهَذِهِ السَّيِّئَةِ وَمَصْلَحَتُهَا رَاجِحَةٌ وَعَكْسُهُ الدَّوَاءُ الْخَبِيثُ؛ فَإِنَّ مَضَرَّتَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ مِنْ مَنْفَعَةِ الْعِلَاجِ لِقِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ؛ وَلِأَنَّ الْبُرْءَ لَا يُتَيَقَّنُ بِهِ وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلدَّوَاءِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُحْتَمَلُ فِي مَوْضِعَيْنِ دَفْعِ مَا هُوَ أَسْوَأُ مِنْهَا إذَا لَمْ تُدْفَعْ إلَّا بِهَا وَتَحْصُلُ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْ تَرْكِهَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِهَا وَالْحَسَنَةُ تُتْرَكُ فِي مَوْضِعَيْنِ إذَا كَانَتْ مُفَوِّتَةً لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا؛ أَوْ مُسْتَلْزِمَةً لِسَيِّئَةٍ تَزِيدُ مَضَرَّتُهَا عَلَى مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ.
هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَازَنَاتِ الدِّينِيَّةِ.
وَأَمَّا سُقُوطُ الْوَاجِبِ لِمَضَرَّةِ فِي الدُّنْيَا؛ وَإِبَاحَةُ الْمُحَرَّمِ لِحَاجَةِ فِي الدُّنْيَا؛ كَسُقُوطِ الصِّيَامِ لِأَجْلِ السَّفَرِ؛ وَسُقُوطِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ

وَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ فَهَذَا بَابٌ آخَرُ يَدْخُلُ فِي سِعَةِ الدِّينِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ الَّذِي قَدْ تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ؛ بِخِلَافِ الْبَابِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ جِنْسَهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُ الشَّرَائِعِ فِيهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِي أَعْيَانِهِ بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ مِنْ الشَّرِّ وَإِنَّمَا الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ وَيَنْشُدُ: إنَّ اللَّبِيبَ إذَا بَدَا مِنْ جِسْمِهِ مَرَضَانِ مُخْتَلِفَانِ دَاوَى الْأَخْطَرَا وَهَذَا ثَابِتٌ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ الطَّبِيبَ مَثَلًا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيَةِ الْقُوَّةِ وَدَفْعِ الْمَرَضِ؛ وَالْفَسَادُ أَدَاةٌ تَزِيدُهُمَا مَعًا؛ فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ عِنْدَ وُفُورِ الْقُوَّةِ تَرْكُهُ إضْعَافًا لِلْمَرَضِ وَعِنْدَ ضَعْفِ الْقُوَّةِ فِعْلُهُ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ إبْقَاءِ الْقُوَّةِ وَالْمَرَضِ أَوْلَى مِنْ إذْهَابِهِمَا جَمِيعًا؛ فَإِنَّ ذَهَابَ الْقُوَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْهَلَاكِ وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ فِي عُقُولِ النَّاسِ أَنَّهُ عِنْدَ الْجَدْبِ يَكُونُ نُزُولُ الْمَطَرِ لَهُمْ رَحْمَةً وَإِنْ كَانَ يَتَقَوَّى بِمَا يُنْبِتُهُ أَقْوَامٌ عَلَى ظُلْمِهِمْ لَكِنَّ عَدَمَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وَيُرَجِّحُونَ وُجُودَ السُّلْطَانِ مَعَ ظُلْمِهِ عَلَى عَدَمِ السُّلْطَانِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ سِتُّونَ سَنَةً مِنْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ.
ثُمَّ السُّلْطَانُ يُؤَاخَذُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْعُدْوَانِ وَيُفَرِّطُ فِيهِ مِنْ

الْحُقُوقِ مَعَ التَّمَكُّنِ لَكِنْ أَقُولُ هُنَا؛ إذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلسُّلْطَانِ الْعَامَّ أَوْ بَعْضَ فُرُوعِهِ كَالْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ وَاجِبَاتِهِ وَتَرْكُ مُحَرَّمَاتِهِ وَلَكِنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ قَصْدًا وَقُدْرَةً: جَازَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَرُبَّمَا وَجَبَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَحْصِيلُ مَصَالِحهَا مِنْ جِهَادِ الْعَدُوِّ وَقَسْمِ الْفَيْءِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَأَمْنِ السَّبِيلِ: كَانَ فِعْلُهَا وَاجِبًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِتَوْلِيَةِ بَعْضِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَأَخْذِ بَعْضِ مَا لَا يَحِلُّ وَإِعْطَاءِ بَعْضِ مَنْ لَا يَنْبَغِي؛ وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ ذَلِكَ: صَارَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ إلَّا بِهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ دُونَ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ بَلْ لَوْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ظُلْمٍ؛ وَمَنْ تَوَلَّاهَا أَقَامَ الظُّلْمَ حَتَّى تَوَلَّاهَا شَخْصٌ قَصْدُهُ بِذَلِكَ تَخْفِيفُ الظُّلْمِ فِيهَا.
وَدَفْعُ أَكْثَرِهِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ وَكَانَ فِعْلُهُ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ السَّيِّئَةِ بِنِيَّةِ دَفْعِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا جَيِّدًا.
وَهَذَا بَابٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ ظَالِمٌ قَادِرٌ وَأَلْزَمَهُ مَالًا فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ بَيْنَهُمَا لِيَدْفَعَ عَنْ الْمَظْلُومِ كَثْرَةَ الظُّلْمِ وَأَخَذَ مِنْهُ وَأَعْطَى الظَّالِمَ مَعَ اخْتِيَارِهِ أَنْ لَا يَظْلِمَ وَدَفْعَهُ ذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَ: كَانَ مُحْسِنًا وَلَوْ تَوَسَّطَ إعَانَةً لِلظَّالِمِ كَانَ مُسِيئًا.

وَإِنَّمَا الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَسَادُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ أَمَّا النِّيَّةُ فَبِقَصْدِهِ.
السُّلْطَانَ وَالْمَالَ وَأَمَّا الْعَمَلُ فَبِفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَبِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ لَا لِأَجْلِ التَّعَارُضِ وَلَا لِقَصْدِ الْأَنْفَعِ وَالْأَصْلَحِ.
ثُمَّ الْوِلَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً أَوْ وَاجِبَةً فَقَدْ يَكُونُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْمُعِينِ غَيْرُهَا أَوْجَبُ.
أَوْ أَحَبُّ فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ خَيْرُ الْخَيْرَيْنِ وُجُوبًا تَارَةً وَاسْتِحْبَابًا أُخْرَى.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَوَلِّي يُوسُفَ الصِّدِّيقَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِمَلِكِ مِصْرَ بَلْ وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَكَانَ هُوَ وَقَوْمُهُ كُفَّارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ الْآيَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ كُفْرِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ وَسُنَّةٌ فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ وَصَرْفِهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَجُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ جَارِيَةً عَلَى سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدْلِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا يُرِيدُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَكِنْ فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَنَالَ بِالسُّلْطَانِ مِنْ إكْرَامِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ بِدُونِ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . فإذا ازْدَحَمَ وَاجِبَانِ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فَقُدِّمَ أَوْكَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ الْآخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبًا وَلَمْ يَكُنْ تَارِكُهُ لِأَجْلِ فِعْلِ الْأَوْكَدِ تَارِكَ وَاجِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ مُحَرَّمَانِ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ أَعْظَمِهِمَا إلَّا بِفِعْلِ أَدْنَاهُمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الْأَدْنَى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحَرَّمًا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ وَسُمِّيَ هَذَا فِعْلُ مُحَرَّمٍ بِاعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَضُرَّ.
وَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا تَرْكُ الْوَاجِبِ لِعُذْرِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ؛ أَوْ لِدَفْعِ مَا هُوَ أحرم وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا: إنَّهُ صَلَّاهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُطْلَقِ قَضَاءً.
هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ﴾ . وَهَذَا بَابُ التَّعَارُضِ بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا سِيَّمَا فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي نَقَصَتْ فِيهَا آثَارُ النُّبُوَّةِ وَخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ تَكْثُرُ فِيهَا وَكُلَّمَا ازْدَادَ النَّقْصُ ازْدَادَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ وَوُجُودُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ إذَا اخْتَلَطَتْ الْحَسَنَاتُ بِالسَّيِّئَاتِ وَقَعَ

الِاشْتِبَاهُ وَالتَّلَازُمُ فَأَقْوَامٌ قَدْ يَنْظُرُونَ إلَى الْحَسَنَاتِ فَيُرَجِّحُونَ هَذَا الْجَانِبَ وَإِنْ تَضَمَّنَ سَيِّئَاتٍ عَظِيمَةً وَأَقْوَامٌ قَدْ يَنْظُرُونَ إلَى السَّيِّئَاتِ فَيُرَجِّحُونَ الْجَانِبَ الْآخَرَ وَإِنْ تَرَكَ حَسَنَاتٍ عَظِيمَةً والمتوسطون الَّذِينَ يَنْظُرُونَ الْأَمْرَيْنِ قَدْ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أَوْ لِأَكْثَرِهِمْ مِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَضَرَّةِ أَوْ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ فَلَا يَجِدُونَ مَنْ يُعِينُهُمْ الْعَمَلَ بِالْحَسَنَاتِ وَتَرْكَ السَّيِّئَاتِ؛ لِكَوْنِ الْأَهْوَاءِ قَارَنَتْ الْآرَاءَ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ﴾ . فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَدَبَّرَ أَنْوَاعَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَقَدْ يَكُونُ الْوَاجِبُ فِي بَعْضِهَا - كَمَا بَيَّنْته فِيمَا تَقَدَّمَ -: الْعَفْوَ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ؛ لَا التَّحْلِيلَ وَالْإِسْقَاطَ.
مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرِهِ بِطَاعَةِ فِعْلًا لِمَعْصِيَةِ أَكْبَرَ مِنْهَا فَيَتْرُكُ الْأَمْرَ بِهَا دَفْعًا لِوُقُوعِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ مِثْلَ أَنْ تَرْفَعَ مُذْنِبًا إلَى ذِي سُلْطَانٍ ظَالِمٍ فَيَعْتَدِي عَلَيْهِ فِي الْعُقُوبَةِ مَا يَكُونُ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ ذَنْبِهِ وَمِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي نَهْيِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُنْكَرَاتِ تَرْكًا لِمَعْرُوفِ هُوَ أَعْظَمُ مَنْفَعَةً مِنْ تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ فَيَسْكُتُ عَنْ النَّهْيِ خَوْفًا أَنْ يَسْتَلْزِمَ تَرْكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِمَّا هُوَ عِنْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ تَرْكِ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ.
فَالْعَالِمُ تَارَةً يَأْمُرُ وَتَارَةً يَنْهَى وَتَارَةً يُبِيحُ وَتَارَةً يَسْكُتُ عَنْ

الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ أَوْ الْإِبَاحَةِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاحِ الْخَالِصِ أَوْ الرَّاجِحِ أَوْ النَّهْيِ عَنْ الْفَسَادِ الْخَالِصِ أَوْ الرَّاجِحِ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُرَجَّحُ الرَّاجِحُ - كَمَا تَقَدَّمَ - بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُمْكِنِ: إمَّا لِجَهْلِهِ وَإِمَّا لِظُلْمِهِ وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ جَهْلِهِ وَظُلْمِهِ فَرُبَّمَا كَانَ الْأَصْلَحُ الْكَفَّ وَالْإِمْسَاكَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ كَمَا قِيلَ: إنَّ مِنْ الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ جَوَابُهَا السُّكُوتُ كَمَا سَكَتَ الشَّارِعُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَنْ الْأَمْرِ بِأَشْيَاءَ وَالنَّهْيِ عَنْ أَشْيَاءَ حَتَّى عَلَا الْإِسْلَامُ وَظَهَرَ.
فَالْعَالِمُ فِي الْبَيَانِ وَالْبَلَاغِ كَذَلِكَ؛ قَدْ يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ وَالْبَلَاغَ لِأَشْيَاءَ إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ كَمَا أَخَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ آيَاتٍ وَبَيَانَ أَحْكَامٍ إلَى وَقْتِ تَمَكُّنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا إلَى بَيَانِهَا.
يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَالْحُجَّةُ عَلَى الْعِبَادِ إنَّمَا تَقُومُ بِشَيْئَيْنِ: بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ.
فَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْعِلْمِ كَالْمَجْنُونِ أَوْ الْعَاجِزِ عَنْ الْعَمَلِ فَلَا أَمْرَ عَلَيْهِ وَلَا نَهْيَ وَإِذَا انْقَطَعَ الْعِلْمُ بِبَعْضِ الدِّينِ أَوْ حَصَلَ الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهِ: كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ عَنْ الْعِلْمِ أَوْ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ كَمَنْ انْقَطَعَ عَنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الدِّينِ أَوْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِهِ كَالْجُنُونِ مَثَلًا وَهَذِهِ أَوْقَاتُ الْفَتَرَاتِ فَإِذَا حَصَلَ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْأُمَرَاءِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا كَانَ بَيَانُهُ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ

شَيْئًا فَشَيْئًا بِمَنْزِلَةِ بَيَانِ الرَّسُولِ لِمَا بُعِثَ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً كَمَا يُقَالُ: إذَا أَرَدْت أَنْ تُطَاعَ فَأْمُرْ بِمَا يُسْتَطَاعُ.
فَكَذَلِكَ الْمُجَدِّدُ لِدِينِهِ وَالْمُحْيِي لِسُنَّتِهِ لَا يُبَالِغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ كَمَا أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُمْكِنُ حِينَ دُخُولِهِ أَنْ يُلَقَّنَ جَمِيعَ شَرَائِعِهِ وَيُؤْمَرَ بِهَا كُلِّهَا.
وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنْ الذُّنُوبِ؛ وَالْمُتَعَلِّمُ وَالْمُسْتَرْشِدُ لَا يُمْكِنُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الدِّينِ وَيُذْكَرَ لَهُ جَمِيعُ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يُطِقْهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ وَالْأَمِيرِ أَنْ يُوجِبَهُ جَمِيعَهُ ابْتِدَاءً بَلْ يَعْفُوَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِمَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ إلَى وَقْتِ الْإِمْكَانِ كَمَا عَفَا الرَّسُولُ عَمَّا عَفَا عَنْهُ إلَى وَقْتِ بَيَانِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَقَدْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ.
فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ سُقُوطُ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً فِي الْأَصْلِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبَلَاغِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ فِي

الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ فَإِنَّ الْعَجْزَ مُسْقِطٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فِي الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا أَنَّ مَا قَالَهُ الْعَالِمُ أَوْ الْأَمِيرُ أَوْ فَعَلَهُ بِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَالِمُ الْآخَرُ وَالْأَمِيرُ الْآخَرُ مِثْلَ رَأْيِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَلَا يَنْهَى عَنْهُ إذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْ اتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِ وَلَا أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعَهُ فَهَذِهِ الْأُمُورُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمَعْفُوَّةِ لَا يَأْمُرُ بِهَا وَلَا يَنْهَى عَنْهَا بَلْ هِيَ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالْعَفْوِ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا فَتَدَبَّرْهُ.

وَقَالَ: فَصْلٌ: قَدْ كَتَبْت فِي كُرَّاسٍ قَبْلَ هَذَا: أَنَّ الْحَسَنَاتِ وَالْعِبَادَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: عَقْلِيَّةٌ: وَهُوَ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ؛ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ.
وملي: وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْمِلَلِ كَعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَشَرْعِيٌّ: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِهِ شَرْعُ الْإِسْلَامِ مَثَلًا وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاجِبَةٌ؛ فَالشَّرْعِيُّ بِاعْتِبَارِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَبِاعْتِبَارِ يَخْتَصُّ بِالْقَدْرِ الْمُمَيَّزِ.
وَهَكَذَا الْعُلُومُ وَالْأَقْوَالُ عَقْلِيٌّ وملي وَشَرْعِيٌّ؛ فَالْعَقْلُ الْمَحْضُ مِثْلَ مَا يَنْظُرُ فِيهِ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ عُمُومِ الْمَنْطِقِ وَالطَّبِيعِيِّ وَالْإِلَهِيِّ؛ وَلِهَذَا كَانَ فِيهِمْ الْمُشْرِكُ وَالْمُؤْمِنُ والْمِلِّي مِثْلَ مَا يَنْظُرُ فِيهِ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ.
فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَكِنَّهُمْ فِي رَسَائِلِهِمْ وَمَسَائِلِهِمْ لَا يَلْتَزِمُونَ حُكْمَ الْكِتَابِ

وَالسُّنَّةِ فَفِيهِمْ السُّنِّيُّ وَالْبِدْعِيُّ وَيَجْتَمِعُونَ هُمْ وَالْفَلَاسِفَةُ فِي النَّظَرِ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ الْعِلْمِ وَالدَّلِيلِ وَالنَّظَرِ وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالْمَعْلُومَاتِ لَكِنَّهُمْ أَخَصُّ بِالنَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَأَبْسَطُ عِلْمًا وَلِسَانًا فِيهِ؛ وَإِنْ شَرَكَهُمْ الْفَلَاسِفَةُ فِي بَعْضِهِ كَمَا أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ أَخَصُّ بِالنَّظَرِ فِي الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ وَإِنْ شَرَكَهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي بَعْضِهِ.
وَالشَّرْعِيُّ مَا يَنْظُرُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
ثُمَّ هُمْ إمَّا قَائِمُونَ بِظَاهِرِ أَسْرَعَ فَقَطْ كَعُمُومِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فِي الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَادِ الظَّاهِرِينَ فِي الْعِبَادَةِ.
وَإِمَّا عَالِمُونَ بِمَعَانِي ذَلِكَ وَعَارِفُونَ بِهِ فَهُمْ فِي الْعُلُومِ كَالْعَارِفِينَ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَهَؤُلَاءِ هُمْ عُلَمَاءُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الْمَحْضَةِ وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ وَأَقْوَمُهُمْ طَرِيقَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَدْخُلُ فِي الْعِبَادَاتِ السَّمَاعُ فَإِنَّهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: سَمَاعٌ عَقْلِيٌّ وملي.
وَشَرْعِيٌّ.
فَالْأَوَّلُ مَا فِيهِ تَحْرِيكُ مَحَبَّةٍ أَوْ مَخَافَةٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ رَجَاءٍ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي مَا فِي غَيْرِهِمْ كَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَخَافَتِهِ وَرَجَائِهِ وَخَشْيَتِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَالثَّالِثُ السَّمَاعُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ سَمَاعُ الْقُرْآنِ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ أُصُولُهَا صَحِيحَةٌ دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الْآيَةَ.
فَاَلَّذِينَ آمَنُوا هُمْ أَهْلُ شَرِيعَةِ الْقُرْآنِ؟ وَهُوَ الدِّينُ الشَّرْعِيُّ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمِلِّي وَالْعَقْلِيِّ.
وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى أَهْلُ دِينٍ ملي بِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَا فِيهِ مِنْ ملي وَعَقْلِيٍّ وَالصَّابِئُونَ أَهْلُ الدِّينِ الْعَقْلِيِّ بِمَا فِيهِ مِنْ ملي أَوْ ملي وَشَرْعِيَّاتٍ 1 .

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

وَقَالَ: فَصْلٌ: " قَاعِدَةٌ جَامِعَةٌ " كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدِّينِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ التَّحْرِيمَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَكَمَا أَخْبَرَ عَمَّا ذَمَّهُ مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي دِينِهِمْ وَتَحْرِيمِهِمْ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلَى آخِرِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِلَةِ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَمِنْ الْإِبَاحَةِ الْبَاطِلَةِ فِي قَتْلِ الْأَوْلَادِ وَمِنْ التَّحْرِيمَاتِ الْبَاطِلَةِ مِنْ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَذَمَّ الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَتَحْرِيمَاتِهِمْ وَإِبَاحَتِهِمْ.
وَذَمَّ النَّصَارَى فِيمَا تَرَكُوهُ مِنْ دِينِ الْحَقِّ وَالتَّحْرِيمِ كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وَأَصْنَافَ ذَلِكَ.

فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات.
وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا نَهْيَ حَظْرٍ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَقْلِيٍّ وملي وَشَرْعِيٍّ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِيِّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَقْلِ مِنْ بَنِي آدَمَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ صِلَةُ كِتَابٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَالْمُرَادُ بالْمِلِّي: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِيِّ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ مَذْهَبٍ أَوْ أَهْلُ طَرِيقَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
لَكِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ وَالِامْتِيَازَ لَا تُوجِبُهُ شَرِيعَةُ الرَّسُولِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا قَدْ تُوجِبُهُ مَا قَدْ تُوجِبُ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالْأُمَرَاءِ فِي اسْتِفْتَاءٍ أَوْ طَاعَةٍ كَمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ غَزَاةٍ طَاعَةُ أَمِيرِهِمْ وَأَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ اسْتِفْتَاءُ عَالِمِهِمْ الَّذِي لَا يَجِدُونَ غَيْرَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَا مِنْ أَهْلِ شَرِيعَةٍ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَفِي شَرْعِهِمْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ فَإِنَّ مَأْمُورَاتِهِمْ وَمَنْهِيَّاتِهِمْ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ وَمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ.
وَأَمَّا السِّيَاسَاتُ الْمَلَكِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَمَسَّكُ بِمِلَّةِ وَكِتَابٍ: فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ فِي كُلِّ سِيَاسَةٍ وَإِمَامَةٍ.
وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنْ خَصِيصَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا

رِعَايَةَ مَنْ يُوَالِيهِ وَدَفْعَ مَنْ يُعَادِيهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ بِمَا يَحْفَظُ الْوَلِيَّ وَيَدْفَعُ الْعَدُوَّ كَمَا فِي مَمْلَكَةِ جنكيزخان مَلِكِ التُّرْكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُلُوكِ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ صَحِيحَةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ كفرية وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ بِحَالِ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ دِينُهُمْ مِمَّا يُوجِبُونَهُ وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يَسْتَحِبُّونَهُ.
وَوَجْهُ الْقِسْمَةِ أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ الْعُقَلَاءِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أُمُورٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا وَأُمُورٍ يُنْهَوْنَ عَنْهَا فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُمْ لَا تَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشُوا فِي الدُّنْيَا بَلْ وَلَا يَعِيشُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ بِدُونِ أُمُورٍ يَفْعَلُونَهَا تَجْلِبُ لَهُمْ الْمَنْفَعَةَ وَأُمُورٍ يَنْفُونَهَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ الْمَضَرَّةَ؛ بَلْ سَائِرُ الْحَيَوَانِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قُوَّتَيْ الِاجْتِلَابِ وَالِاجْتِنَابِ وَمَبْدَؤُهُمَا الشَّهْوَةُ وَالنَّفْرَةُ وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ فَالْقِسْمُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْقِسْمُ الْمَرْهُوبُ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ.
فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأُمُورُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ - بِحَيْثُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى الشَّوَاذِّ مِنْهُمْ الَّذِينَ خَرَجُوا عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَنْ الْعَقْلِ - وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.

فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الطَّاعَاتُ الْعَقْلِيَّةُ - وَلَيْسَ الْغَرَضُ بِتَسْمِيَتِهَا عَقْلِيَّةً إثْبَاتَ كَوْنِ الْعَقْلِ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ بَلْ الْغَرَضُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي هُوَ جَلْبُ الْمَنَافِعِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ اتِّفَاقُ الْعُقَلَاءِ عَلَى مَدْحِهَا - مِثْلَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ بِالْمَالِ وَالْمَنَافِعِ وَمِثْلَ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْوَرَعِ الْمُطْلَقِ وَالزُّهْدِ الْمُطْلَقِ مِثْلَ جِنْسِ التَّأَلُّهِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْخُشُوعِ وَالنُّسُكِ الْمُطْبَقِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ أَنْ يَكُونَ لِأَيِّ مَعْبُودٍ كَانَ وَبِأَيِّ عِبَادَةٍ كَانَتْ فَإِنَّ هَذَا الْجِنْسَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ مَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يَمْدَحُ جِنْسَ التَّأَلُّهِ مَعَ كَوْنِ بَعْضِهِ فِيهِ مَا يَكُونُ صَالِحًا حَقًّا وَبَعْضُهُ فِيهِ مَا يَكُونُ فَاسِدًا بَاطِلًا.
وَكَذَلِكَ الْوَرَعُ الْمُشْتَرَكُ مِثْلَ الْكَفِّ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ مُطْلَقًا وَعَنْ الزِّنَا مُطْلَقًا وَعَنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ.
وَكَذَلِكَ الزُّهْدُ الْمُشْتَرَكُ مِثْلَ الْإِمْسَاكِ عَنْ فُضُولِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَهَذَا الْقِسْمُ إنَّمَا عَبَّرَ أَهْلُ الْعَقْلِ بِاعْتِقَادِ حُسْنِهِ وَوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُمْ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ وَكَذَلِكَ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ دِينًا صَالِحًا أَوْ فَاسِدًا.
ثُمَّ هَذِهِ الطَّاعَاتُ وَالْعِبَادَاتُ الْعَقْلِيَّةُ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ أَصْلًا كَالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَهُمَا تَابِعَانِ لِلْحَقِّ الْمَوْجُودِ وَمِنْهَا مَا هُوَ جِنْسٌ تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُهُ كَالْعَدْلِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالنُّسُكِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَدْلُ فِي مِلَّةٍ وَسِيَاسَةٍ خِلَافَ الْعَدْلِ عِنْدَ آخَرِينَ كَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ مَثَلًا وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَابِعَةٌ لِلْحَقِّ الْمَقْصُودِ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: النَّاسُ وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ وَأَنَّ الْخَبَرَ مُطَابِقٌ لِلْمُخْبَرِ؛ لَكِنْ هُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْمُطَابَقَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا جِدًّا فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعِدُّ مُطَابِقًا عِلْمًا وَصِدْقًا مَا يُعِدُّهُ الْآخَرُ مُخَالِفًا: جَهْلًا وَكَذِبًا؛ لَا سِيَّمَا فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ فَكَذَلِكَ الْعَدْلُ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ؛ لَكِنْ يَخْتَلِفُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالتَّمَاثُلِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةٍ وَمُمَاثَلَةٍ وَاعْتِبَارٍ وَمُقَايَسَةٍ.
لَكِنْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَيُقَالُ: هَذَا صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ الْمُوَافَقَةَ الْعِلْمِيَّةَ والصدقية هِيَ بِحَسَبِ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْحَقُّ الْمَوْجُودُ فَلَا يَقِفُ عَلَى أَمْرٍ وَإِرَادَةٍ وَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ العدلية فَبِحَسَبِ مَا يَجِبُ قَصْدُهُ وَفِعْلُهُ وَهَذَا يَقِفُ عَلَى الْقَصْدِ وَالْأَمْرِ الَّذِي قَدْ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ.
وَلِهَذَا لَمْ تَخْتَلِفْ الشَّرَائِعُ فِي جِنْسِ الْعِلْمِ وَالصِّدْقِ كَمَا اخْتَلَفَتْ فِي جِنْسِ الْعَدْلِ وَأَمَّا جِنْسُ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالنُّسُكِ وَالْوَرَعِ عَنْ

السَّيِّئَاتِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ زُهْدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مُخْتَلِفٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُ جِنْسُ الصَّلَاةِ التَّأَلُّهَ بِالْقَلْبِ وَالتَّعَبُّدَ لِلْمَعْبُودِ وَيَجْمَعُ جِنْسُ الصَّوْمِ الْإِمْسَاكَ عَنْ الشَّهَوَاتِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ النُّسُكِ بِحَسَبِ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي تُقْصَدُ وَمَا يُفْعَلُ فِيهَا وَفِي طَرِيقِهَا؛ لَكِنْ تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ فِي جِنْسِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ تَأَلُّهُ الْقَلْبِ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَجِنْسِ الزَّهَادَةِ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّهَوَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمَا جِنْسُ نَوْعَيْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الطَّاعَاتُ الْمِلِّية مِنْ الْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالتَّحْرِيمَاتِ مِثْلَ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَمَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَتَحْرِيمِ الشِّرْكِ بِهِ وَعِبَادَةِ مَا سِوَاهُ وَتَحْرِيمِ الْإِيمَانِ بِالْجِبْتِ وَهُوَ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتِ وَهُوَ الْأَوْثَانُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقِسْمُ: هُوَ الَّذِي حَضَّتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَوَكَّدَتْ أَمْرَهُ وَهُوَ أَكْبَرُ الْمَقَاصِدِ بِالدَّعْوَةِ فَإِنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ: يَظْهَرُ أَمْرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ بِظَاهِرِ الْعَقْلِ وَكَأَنَّهُ فِي الْأَعْمَالِ مِثْلَ الْعُلُومِ الْبَدِيهِيَّةِ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: تَكْمِلَةٌ وَتَتْمِيمٌ لِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي.
فَإِنَّ الْأَوَّلَ كَالْمُقَدِّمَاتِ وَالثَّالِثَ كَالْمُعَقِّبَاتِ وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِخَلْقِ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ الْمُطْلَقَ وَالتَّأَلُّهَ الْمُطْلَقَ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِشْرَاكُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَكَانَ التَّأَلُّهُ الْمُطْلَقُ هُوَ دِينُ الصَّابِئَةِ وَدِينُ التَّتَارِ وَنَحْوِهِمْ مِثْلَ التُّرْكِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ تَارَةً وَيَبْنُونَ لَهُ هَيْكَلًا يُسَمُّونَهُ هَيْكَلَ الْعِلَّةِ الْأُولَى وَيَعْبُدُونَ مَا سِوَاهُ تَارَةً مِنْ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَالثَّوَابِتِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْمُشْرِكَةِ الْمَحْضَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ قَطُّ فَلَا يَعْبُدُونَهُ إلَّا بِالْإِشْرَاكِ بِغَيْرِهِ مِنْ شُرَكَائِهِمْ وَشُفَعَائِهِمْ.
وَالصَّابِئُونَ: مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْرِكُ بِهِ وَالْحُنَفَاءُ كُلُّهُمْ يُخْلِصُ لَهُ الدِّينَ؛ فَلِهَذَا صَارَ الصَّابِئُونَ فِيهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَعْمَلُ صَالِحًا؛ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوس وَلِهَذَا كَانَ رَأْسُ دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ كَلِمَتَيْنِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تُثْبِتُ التَّأَلُّهَ الْحَقَّ الْخَالِصَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ مِنْ تَأَلُّهِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ تَأَلُّهٍ مُطْلَقٍ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ تَأَلُّهُ الْمُشْرِكِينَ فَأَخْرَجَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ كُلَّ تَأَلُّهٍ يُنَافِي الْمِلِّي مِنْ التَّأَلُّهِ الْمُخْتَصِّ بِالْكُفَّارِ أَوْ الْمُطْلَقِ الْمُشْتَرَكِ.

جارٍ التحميل