الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- حياة التابعين
- المؤلف
- يَاسِر بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبي الحَمْدِ الْكُوَيِّس الحَمَدَاني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
وَلَمْ يَأْتِ مَولاَكَ محَمَّدَاً؛ فَقَالَ المُتَوَكِّلُ: يُرَدُّ وَلَوْ وَطِئَ بِسَاطِي، وَكَانَ أَحْمَدُ قَدْ بَلَغَ بُصْرَى [مَدِينَةٌ جَنُوبَ سُورِيَّةَ قُرْبَ الأُرْدُن]؛ فَرُدَّ، فَرَجَعَ وَامْتَنَعَ مِنَ الحَدِيثِ إِلاََّ لِوَلَدِهِ وَلَنَا، وَرُبَّمَا قَرَأَ عَلَيْنَا في مَنْزِلِنَا، ثُمَّ إِنَّ رَافِعَاً رَفَعَ إِلىَ المُتَوَكِّلِ: إِنَّ أَحْمَدَ رَبَّصَ عَلَوِيَّاً في مَنْزِلِهِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُبَايِعَ عَلَيْه، وَلَمْ يَكُن عِنْدنَا عِلم؛ فَبَينَا نحْنُ ذَاتَ لَيْلَةٍ نِيَامٌ في الصَّيْف؛ سَمِعْنَا الجَلَبَةَ
وَرَأَيْنَا النِّيرَانَ في دَارِ أَبي عَبْدِ الله؛ فَأَسْرَعْنَا، وَإِذَا بِهِ قَاعِدٌ في إِزَار، وَمُظَفَّرُ بْنُ الْكَلْبيِّ صَاحِبُ الخَبَرِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُمْ؛ فَقَرَأَ صَاحِبُ الخَبَرِ كِتَابَ المُتَوَكِّل: «وَرَدَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَنَّ عِندَكُمْ عَلَوِيَّاً رَبَّصْتَهُ لِتُبَايِعَ لَهُ وَتُظْهِرَهُ 00000 في كَلاَمٍ طَوِيل، ثُمَّ قَالَ لَهُ مُظَفَّر: مَا تَقُول 00؟ قَال: مَا أَعْرِفُ مِن هَذَا شَيْئَاً، وَإِنيِّ لأَرَى لَهُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ في عُسْرِي وَيُسْرِي وَمَنْشَطِي وَمَكْرَهِي وَأَثَرَةٍ عَلَيّ، وَإِنيِّ
لأَدْعُو اللهَ لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ في اللَّيْلِ وَالنَّهَار 00000 في كَلاَمٍ كَثِير؛ فَقَالَ مُظَفَّر: قَدْ أَمَرَني أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَن أُحَلِّفَك؛ فَأَحْلَفَهُ بِالطَّلاَقِ ثَلاَثَاً أَنَّ مَا عِنْدَهُ طِلْبَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِين، ثُمَّ فَتَّشواْ مَنْزِلَ أَبي عَبْدِ اللهِ وَالسَّرْبَ وَالغُرَفَ وَالسُّطُوح، وَفَتَّشُواْ تَابُوتَ الْكُتُب، وَفَتَّشُواْ النِّسَاءَ وَالمَنَازِل؛ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئَاً؛ فَوَلَّواْ مُدْبِرِين، وَرَدَّ اللهُ كَيْدَ الخَائِنِين، وَكُتِبَ بِذَلِكَ إِلىَ المُتَوَكِّل؛ فَوَقَعَ ذَلِكَ
مِنهُ مَوْقِعَاً حَسَنَاً، وَعَلِمَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ مَكْذُوبٌ عَلَيْه، وَكَانَ الَّذِي دَسَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْبِدَع، وَلَمْ يَمُتْ حَتىَّ بَيَّنَ اللهُ أَمْرَهُ لِلْمُسْلِمِين: وَهُوَ ابْنُ الثَّلْجِيّ» وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لاِبْنِ الْكَلْبيّ: «أُرِيدُ أَن أُفتِّشَ مَنْزِلَكَ وَمَنْزِلَ ابْنِك؛ فَقَامَ مُظَفَّرٌ وَابْنُ الْكَلْبيِّ وَامْرَأَتَانِ مَعَهُمَا؛ فَفَتَّشواْ، وَدَلَّوْاْ شَمْعَةً في الْبِئْرِ وَنَظَرُواْ فِيهَا، ثُمَّ خَرَجُواْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمَيْن: وَرَدَ كِتَابُ عَلِيِّ بْنِ الجَهْم:
إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُ بَرَاءتُك 000» 0 وَيُكْمِلُ حَنْبَلٌ رِوَايَتَهُ قَائِلاً: «فلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ بِبَابِ الدَّار: إِذَا يَعْقُوبُ أَحَدُ حُجَّابِ المُتَوَكِّلِ قَدْ جَاءَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى أَبي عَبْدِ الله؛ فَدَخَلَ وَدَخَلَ أَبي وَأَنَا، وَمَعَ بَعْضِ غِلْمَانِهِ بَدْرَةٌ عَلَى بَغْل، وَمَعَهُ كِتَابُ المُتَوَكِّل؛ فَقَرَأَهُ عَلَى أَبي عَبْدِ الله: «إِنَّه صَحَّ عِنْدَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ بَرَاءَةُ سَاحَتِك، وَقَدْ وَجَّهَ إِلَيْكَ بِهَذَا المَالِ تَسْتَعِينُ بِهِ»
فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ رَحمَهُ اللهُ وَقَال: مَا لي إِلَيْهِ حَاجَة؛ فَقَال: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ اقْبَلْ مِن أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مَا أَمَرَكَ بِه؛ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ عِنْدَه، فَإِنَّكَ إِنْ رَدَدْتَهُ خِفْتُ أَنْ يَظُنَّ بِكَ سُوءَاً؛ فَحِينَئِذٍ قَبِلهَا، فَلَمَّا خَرَجَ قَال: يَا أَبَا عَلِيّ؛ قُلْتُ لَبَّيْك؛ قَال: ارْفَعْ هَذِهِ الْبَدْرَةَ وَضَعْهَا تَحْتَهَا أَيْ تَحْتَ الْبَغْلَة، ثُمَّ تَمَلْمَلَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَمَا نَامَ حَتىَّ دَعَا بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ فَكَتَبُواْ مَنْ يَعْرِفُونَ مِن أَهْلِ
البِرِّ وَالصَّلاَحِ مِنْ فُقَرَاءِ طَلَبَةِ الْعِلْم؛ فَفَرَّقهَا كُلَّهَا مَا بَيْنَ الخَمْسِينَ إِلىَ الماْئَةِ وَالماْئَتَيْن؛ فَمَا بَقِيَ في الْكِيسِ دِرْهَم، فلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِك، مَاتَ الأَمِيرُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُهُ محَمَّد، ثمَّ وَلِيَ بَغْدَادَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاق؛ فَجَاءَ رَسُولٌ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ فَذَهَبَ إِلَيْه، فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ المُتَوَكِّل، وَقَالَ لَه: يَأْمرُكَ بِالخُرُوج [يَعْني: إِلىَ سَامَرَّاء]؛ فَقَالَ رَحمَهُ الله: أَنَا شَيْخٌ ضَعِيفٌ عَليل؛ فَكَتَبَ لَهُ بِذَلِك
ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ يَرُدُّ عَلَيْه؛ فَوَرَدَ جَوَابُ الْكِتَاب: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُهُ بِالخُرُوج؛ فَوجَّهَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ أَجْنَادَاً فَبَاتُواْ عَلَى بَابِنَا أَيَّامَاً، حَتىَّ تَهَيَّأَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لِلْخُرُوج، فَخَرَجَ وَمَعَهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللهِ وَأَبي» 0 ـ زُهْدُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مَعَ الْغِنى وَكَثْرَةِ المَال: قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: أَخْبَرَني أَبي إِسْحَاقُ رَحمَهُ اللهُ قَال:
«دَخلْنَا إِلىَ الْعَسْكَر؛ فَإِذَا نَحْنُ بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ مُقْبِل؛ فَلَمَّا حَاذَى بِنَا قَالُواْ: هَذَا وَصِيف، وَإِذَا بِفَارِسٍ قَدْ أَقْبَلَ فَقَالَ لأَبي عَبْدِ الله: الأَمِيرُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: إِنَّ اللهَ قَدْ أَمْكَنَكَ مِن عَدُوِّكَ [يَقْصِدُ ابْنَ أَبي دُوَاد] وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَقْبَلُ مِنْك؛ فَلاَ تَدَعْ شَيْئَاً إِلاََّ تَكَلَّمْتَ بِه؛ فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ شَيْئَاً، وَجَعَلْتُ أَنَا أَدْعُو لأَمِيرِ المُؤْمِنِين، وَدَعَوْتُ لِوَصِيف، وَمَضَيْنَا فَأُنْزِلْنَا في دَارِ
إِيتَاخ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَبُو عَبْدِ الله؛ فَسَأَلَ بَعْدُ لِمَن هَذِهِ الدَّار 00؟ قَالُواْ: هَذِهِ دَارُ إِيتَاخ؛ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: حَوِّلُوني، اكْتَرُواْ لي دَارَاً؛ قَالُواْ: هَذِهِ دَارٌ أَنْزَلَكَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِين؛ قَال: لاَ أَبِيْتُ هَا هُنَا، وَلَمْ يَزَلْ حَتىَّ اكْتَرَيْنَا لَهُ دَارَاً، وَكَانَتْ تَأْتِينَا في كُلِّ يَوْمٍ مَائِدَةٌ فِيهَا أَلْوَانٌ يَأْمُرُ بِهَا المُتَوَكِّل، وَالثَّلْجُ وَالفَاكِهَةُ وَغَيْرُ ذَلِك؛ فَمَا ذَاقَ مِنهَا أَبُو عَبْدِ اللهِ شَيْئَاً وَلاَ نَظَرَ إِلَيْهَا، وَكَانَ
نَفَقَةُ المَائِدَةِ في اليَوْم: مِاْئَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمَاً، وَكَانَ يحْيىَ بْنُ خَاقَانَ وَابْنُهُ عُبَيْدُ الله، وَعَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ يخْتَلِفُونَ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ بِرَسَائِلِ المُتَوَكِّل، وَدَامتِ الْعِلَّةُ بِأَبي عَبْدِ اللهِ وَضَعُفَ ضَعْفَاً شَدِيدَاً، وَكَانَ يُوَاصِلُ الصِّيَام، وَمَكَثَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَب، فَفِي الثَّامِنِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُطْفَأ [أَيْ يَمُوت]، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَانَ يُوَاصِلُ سَبْعَةً، وَهَذَا لَكَ اليَوْمَ
ثَمَانيَةُ أَيَّام؛ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: إِنيِّ مُطِيق؛ قُلْتُ: بِحَقِّي عَلَيْك؛ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ فَإِنيِّ أَفْعَل؛ فَأَتَيْتُهُ بِسَوِيق، فَشَرِب، وَوجَّهَ إِلَيْهِ المُتَوَكِّلُ بِمَالٍ عَظِيمٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يحْيىَ بْنِ خَاقَان: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَدْفَعَهَا إِلىَ وَلَدِكَ وَأَهْلِك؛ قَال: هُمْ مُسْتَغْنُون؛ فَرَدَّهَا عَلَيْه، فَأَخَذَهَا عُبَيْدُ اللهِ فَقَسَّمَهَا عَلَى وَلَدِه، ثُمَّ أَجْرَى المُتَوَكِّلُ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ في كُلِّ شَهْرٍ
أَرْبَعَةَ آلاَف، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ إِنَّهُمْ في كِفَايَة، وَلَيْسَتْ بِهِمْ حَاجَة؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ المُتَوَكِّل: إِنَّمَا هَذَا لِوَلَدِك؛ فَمَا لَكَ وَلِهَذَا 00؟ فَأَمْسَكَ أَبُو عَبْدِ الله؛ فَلَمْ يَزَلْ يُجْرَى عَلَيْنَا حَتىَّ مَاتَ المُتَوَكِّل، وَجَرَى بَيْنَ أَبي عَبْدِ اللهِ وَبَيْنَ أَبي كَلاَمٌ كَثِير: قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ الله: يَا عَمّ؛ مَا بَقِيَ مِن أَعْمَارِنَا، كَأَنَّكَ بِالأَمْرِ قَدْ نَزَل؛ فَاللهَ اللهَ؛ فَإِنَّ أَوْلاَدَنَا إِنَّمَا يُرِِيدُونَ أَنْ يَأْكُلُواْ بِنَا، وَإِنَّمَا هِيَ
أَيَّامٌ قَلاَئِل، وَإِنَّ هَذِهِ فِتْنَة؛ قَالَ أَبي لأَبي عَبْدِ الله: أَرْجُو أَنْ يُؤَمِّنَكَ اللهُ مِمَّا تَحْذَر؛ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: كَيْفَ وَأَنْتُمْ لاَ تَتْرُكُونَ طَعَامَهُمْ وَلاَ جَوَائِزَهُمْ 00؟ لَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَتَرَكُوكُمْ؛ مَاذَا نَنْتَظِر 00؟ إِنَّمَا هُوَ المَوْت؛ فَإِمَّا إِلىَ جنَّةٍ وَإِمَّا إِلىَ نَار، فَطُوبىَ لِمَنْ قَدِمَ عَلَى خَيْر؛ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرْتَ مَا جَاءَكَ مِن هَذَا المَالِ مِن غَيْرِ إِشْرَافِ نَفْسٍ وَلاَ مَسْأَلَةٍ أَنْ تَأْخُذَه 00؟
قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَدْ أَخذْتُ مَرَّةً بِلاَ إِشرَافِ نَفْس؛ فَالثَّانيَة؛ وَالثَّالِثَة 00؟ أَلَمْ تَسْتَشْرِفْ نَفْسُك 00؟ قُلْتُ: أَفَلَمْ يَأْخُذِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا 00؟ فَقَال: مَا هَذَا وَذَاك، وَقَال: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا المَالَ يُؤْخَذُ مِنْ وَجْهِه، وَلاَ يَكُونُ فِيهِ ظُلْمٌ وَلاَ حَيْف، لَمْ أُبالِ» 0 قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْه: قَدِمَ المُتَوَكِّلُ فَنَزَلَ الشَّمَّاسِيَّة؛ يُرِيدُ المَدَائِن؛ فَقَالَ لي أَبي: أُحِبُّ أَنْ لاَ تَذْهَبَ
إِلَيْهِمْ تُنَبِّهُ عَلَيّ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمٍ أَنَا قَاعِدٌ، وَكَانَ يَوْمَاً مَطيرَاً، فَإذَا بِيَحْيىَ بْنِ خَاقَانَ قَدْ جَاءَ في مَوْكِبٍ عَظِيمٍ وَالمَطَرُ عَلَيْه، فَقَالَ لي: سُبْحَانَ الله؛ لَمْ تَصِرْ إِلَيْنَا حَتىَّ تُبْلِغَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ السَّلاَمَ عَنْ شَيْخِكَ حَتىَّ وَجَّهَ بي، ثُمَّ نَزَلَ خَارِجَ الزُّقَاق؛ فَجَهِدْتُ بِهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الدَّابَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَجَعَلَ يَخُوضَ المَطَر، فَلَمَّا وَصلَ نَزَعَ جُرْمُوقَهُ وَدَخَلَ [أَيْ خُفَّهُ]، وَأَبي في الزَّاويَةِ عَلَيْهِ كسَاء، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ وَقبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَسَاءَلَهُ عَن حَالِهِ وَقَال: أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: كَيْفَ أَنْتَ في نَفْسِك، وَكَيْفَ حَالُك 00؟ وَقَدْ أَنِسْتُ بِقُرْبِك، وَيَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لَهُ؛ فَقَالَ رَحمَهُ الله: مَا يَأْتي عَلَيَّ يَوْمٌ إِلاََّ وَأَنَا أَدْعُو اللهَ لَهُ، ثُمَّ قَال: قَدْ وَجَّهَ مَعِي أَلْفَ دِينَارٍ تُفرِّقُهَا عَلَى أَهْلِ الحَاجَة؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: يَا أَبَا زَكَرِيَّا؛ أَنَا في بَيْتٍ مُنْقَطِع، وَقَدْ أَعْفَاني مِنْ كُلِّ مَا أَكْرَه، وَهَذَا مِمَّا أَكْرَه؛
فَقَال: يَا أَبَا عَبْدِ الله، الخُلَفَاءُ لاَ يَحْتَمِلُونَ هَذَا؛ فَقَال: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، تَلَطَّفْ في ذَلِك، وَدَعَا لَهُ، فَقَامَ يَحْيىَ، فَلَمَّا صَارَ إِلىَ الْبَابِ رَجَعَ وَقَال: هَكَذَا لَوْ وَجَّهَ إِلَيْكَ بَعْضُ إِخْوَانِكَ كُنْتَ تَفْعَل 00؟ قَال: نَعَمْ؛ قَالَ صَالِح: فَلَمَّا صِرْنَا إِلىَ الدِّهْلِيزِ قَال: أَمَرَني أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَدْفَعُهَا إِلَيْكَ تُفَرِّقهَا؛ فَقُلْتُ: تَكُونُ عِنْدَكَ إِلىَ أَنْ تَمْضِيَ هَذِهِ الأَيَّام» 0
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّل: حَدَّثَني محَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ المَرُّوذِيَّ حَدَّثهُمْ فَقَال: «كُنْتُ رُبَّمَا بَللْتُ خُبْزَهُ بِالمَاءِ فَيَأْكُلُهُ بِالمِلْحِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه، وَمُنْذ دَخَلْنَا الْعَسْكَرَ إِلىَ أَن خَرَجْنَا، مَا ذَاقَ طَبِيخَاً وَلاَ دَسَمَاً» 0 قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيّ: «أَنْبَهَني أَبُو عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ اللهُ لَيْلَةً وَكَانَ قَدْ وَاصَلَ الصِّيَامَ فَقَال: هُوَ ذَا يُدَارُ بي مِنَ الجُوع [أَيْ أَصَابَني دُوَار؛ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَام]؛ فَأَطْعِمْني شَيْئَاً؛ فَجِئْتُهُ بِأَقَلَّ مِنْ رَغِيف؛ فَأَكَلَهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَال: لَوْلاَ أَنيِّ أَخَافُ الْعَوْنَ عَلَى نَفْسِي مَا أَكَلْت، وَكَانَ يَقُومُ إِلىَ المَخْرَجِ فَيَقْعُدُ يَسْتَريحُ مِنَ الجُوع، حَتىَّ إِنْ كُنْتُ لأَبُلُّ الخِرْقَةَ؛ فَيُلْقِيهَا عَلَى وَجْهِهِ لِتَرْجِعَ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، حَتىَّ إِنَّهُ أَوْصَى مِنَ الضَّعْفِ مِن غَيْرِ مَرَض» 0 ـ عَوْدَتُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ إِلىَ مَوْطِنِه:
قَالَ حَنْبَل: «وَلَمَّا طَالَتْ عِلَّةُ أَبي عَبْدِ اللهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ كَانَ المُتَوَكِّلُ يَبْعَثُ بِابْنِ مَاسَوَيْه الطَّبِيب، فَيَصِفُ لَهُ الأَدْوِيَةَ فَلاَ يَتَعَالَج، وَيَدْخُلُ ابْنُ مَاسَوَيْهِ عَلَيْهِ فَيَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ لَيْسَتْ بِأَحْمَدَ عِلَّة، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ وَالعِبَادَة؛ فَيَسْكُتُ المُتَوَكِّل، وَبَلَغَ أُمَّ المُتَوَكِّلِ خَبَرُ أَبي عَبْدِ الله؛ فَقَالَتْ لاِِبْنِهَا: أَشْتَهِي أَن أَرَى هَذَا الرَّجُل؛ فَوَجَّهَ المُتَوَكِّلُ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ
يَسْأَلُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى ابْنِهِ المُعْتَزِّ وَيَدْعُوَ لَهُ وَيُسَلِّمَ عَلَيْه، وَيَجْعَلَهُ في حِجْرِهِ؛ فَامْتَنَعَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه، ثمَّ أَجَابَ رَحمَهُ اللهُ رَجَاءَ أَنْ يُطْلَقَ وَيَنحَدِرَ إِلىَ بَغْدَاد؛ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ المُتَوَكِّلُ خِلْعَةً وَأَتَوْهُ بِدَابَّةٍ يَرْكَبُهَا؛ فَامْتَنَعَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه؛ وَكَانَتْ عَلَيْهِ مِيثَرَةُ نُمُور، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ بَغْلٌ لِتَاجِرٍ فَرَكِبَهُ، وَجَلَسَ المُتَوَكِّلُ مَعَ أُمِّهِ في مَجْلِسٍ مِنَ المَكَان، وَعَلَى المَجْلِسِ سِتْرٌ رَقِيق، فَدَخَلَ أَبُو عَبْدِ
اللهِ عَلَى المُعْتَزّ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ المُتَوَكِّلُ وَأُمُّهُ؛ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: يَا بُنيَّ، اللهَ اللهَ في هَذَا الرَّجُل؛ فَلَيْسَ هَذَا مِمَّنْ يُرِيدُ مَا عِنْدَكُمْ، وَلاَ المَصْلَحَةُ أَنْ تَحْبِسَه عَنْ مَنْزِلِهِ؛ فَأْئْذَنْ لَهُ لِيَذْهَب، وَدَامَتْ عِلَّةُ أَبي عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ الله، وَبَلَغَ المُتَوَكِّلَ مَا هُوَ فِيه، وَكَلَّمَهُ يحْيىَ بْنُ خَاقَانَ أَيْضَاً، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ لاَ يُرِيدُ الدُّنْيَا؛ فَأَذِنَ لَهُ في الاِنْصِرَاف؛ فَجَاءَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يحْيىَ وَقْتَ الْعَصْرِ فَقَال:
إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ أَذِنَ لَكَ في الرُّجُوعِ إِلىَ بَغْدَاد؛ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله: اطْلُبُواْ لي زَوْرَقَاً أَنحَدِرِ السَّاعَة؛ فَطَلَبُواْ لَهُ زَوْرَقَاً فَانْحَدَرَ لِوَقْتِِهِ» قَالَ حَنْبَل: «فَمَا عَلِمْنَا بِقُدُومِهِ حَتىَّ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ وَافَى؛ فَاسْتَقْبَلْتُهُ بِنَاحِيَةِ الْقَطِيعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الزَّوْرَقِ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ، فَقَالَ لي: تَقَدَّمْ لاَ يَرَاكَ النَّاسُ فَيَعْرِفُونَني، فَتَقَدَّمْتُهُ؛ فَلَمَّا وَصَلَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى قَفَاهُ مِنَ التَّعَبِ
وَالإِعْيَاء، وَكَانَ رُبَّمَا اسْتَعَارَ الشَّيْءَ مِنْ مَنْزِلِنَا وَمَنْزِلِ وَلَدِهِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْنَا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ مَا صَارَ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِك، حَتىَّ لَقَدْ وُصِفَ لَهُ في عِلَّتِهِ قَرْعَةٌ تُشْوَى، فَعَلِمَ أَنَّهَا شُوِيَتْ في تَنُّورِ صَالِحٍ فَلَمْ يَسْتَعمِلْهَا، وَمِثلُ هَذَا كَثِير» ـ رِوَايَاتُ ابْنِهِ صَالِحٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْه:
ذَكَرَ صَالِحٌ قِصَّةَ خُرُوجِ أَبِيهِ إِلىَ الْعَسْكَرِ وَرُجُوعِهِ وَتَفْتِيشِ بُيُوتِهِمْ عَلَى الْعَلَوِيِّ وَخَبرَ البَدرَة، وَأَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ بَكَى وَقَال: سَلِمْتُ مِنهُمْ حَتىَّ إِذَا كُنْتُ في آخِرِ عُمُرِي بُلِيْتُ بِهِمْ، عَزمْتُ عَلَيْكَ أَنْ تُفرِّقَهَا غَدَاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ، جَاءَهُ حَسَنُ بْنُ الْبَزَّارِ فَقَال: جِئني يَا صَالحُ بِمِيزَان، وَجِّهُواْ إِلىَ أَبْنَاءِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار، وَإِلىَ فُلاَنٍ وَفُلاَن، حَتىَّ فَرَّقَ الجَمِيعَ وَنَحْنُ في حَالٍ اللهُ بِهَا عَلِيم؛ فَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيد:
إِنَّه تَصدَّقَ بِالكُلِّ في يَوْمِهِ، حَتىَّ بِالكِيس 00!! قَالَ صَالِح: وَدَخَلْنَا الْعَسْكَر، ثمَّ جَاءَ في إِثْرِنَا وَصِيفٌ يُرِيدُ الدَّار، وَوَجَّهَ إِلىَ أَبي يَحْيىَ بْنِ هَرْثَمَة، فَقَال: يُقْرِئُكَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُشْمِتْ بِكَ أَهْلَ الْبِدَع، قَدْ عَلِمتَ حَالَ ابْنِ أَبي دُوَادَ [أَيْ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ فَسَادِ الاِعْتِقَاد]، فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَكَلَّمَ فِيهِ بِمَا يَجِبُ لله، وَمَضَى يحْيىَ وَأُنْزِلَ أَبي في دَارِ إِيتَاخ، فَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ
فَقَال: قَدْ أَمَرَ لَكُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ بِعَشْرَةِ آلاَفٍ مَكَانَ الَّتي فَرَّقَهَا، وَأَنْ لاَ يَعْلَمَ شَيْخُكُمْ بِذَلِكَ فَيَغْتَمّ» 0 وَزَادَ صَالِحٌ في رِوَايَتِهِ أَيْضَاً فَقَال: «أَخْبَرَني بَعْضُ الخَدَمِ أَنَّ المُتَوَكِّلَ كَانَ قَاعِدَاً وَرَاءَ السِّتْر؛ فَقَالَ لأُمِّهِ: يَا أُمَّه، قَدْ أَنَارَتِ الدَّار، قَالَ صَالِح: فَلَمَّا جَاءَ نَزَعَ الثِّيَابَ وَجَعَلَ يَبْكِي، وَقَال: سَلِمْتُ مِن هَؤُلاَءِ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة، حَتىَّ إِذَا كَانَ في آخِرِ عُمُرِي بُلِيْتُ بِهِمْ، مَا أَحْسَبُني سَلِمْتُ مِنْ
دُخُولي عَلَى هَذَا الْغُلاَم؛ فَكَيْفَ بِمَنْ يَجِبُ عَلَيَّ نُصْحُه 00؟ يَا صَالِح؛ وَجِّهْ بِهَذِهِ الثِّيَابِ إِلىَ بَغْدَادَ لِتُبَاعَ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، وَلاَ يَشْتَرِي أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنهَا شَيْئَاً، وَجَعَلَتْ رُسُلُ المُتَوَكِّلِ تَأْتِيهِ يَسْأَلُونَه عَن خَبَرِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه، وَيَرْجِعُونَ فَيَقُولُون: هُوَ ضَعِيف، وَفي خِلاَلِ ذَلِكَ يَقُولُون: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ لاَ بُدَّ مِن أَنْ يَرَاك، وَجَاءَهُ يَعْقُوبُ فَقَال: أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُشْتَاقٌ إِلَيْكَ وَيَقُول: انْظُرْ يَوْمَاً تَسِيرُ فِيهِ
حَتىَّ أُعَرِّفَه؛ فَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: ذَاكَ إِلَيْكُمْ؛ فَقَال: يَوْمُ الأَربِعَاء» 0 ـ كَيْفَ أَلْقَى اللهُ جَلَّ وَعَلاَ محَبَّتَهُ في قَلْبِ المُتَوَكِّلِ رَغْمَ زُهْدِهِ في دِينَارِهِ وَجِوَارِهِ: قَالَ ابْنُهُ صَالِح: «كَانَ يخْتِمُ الْقُرْآنَ مِنْ جُمُعَةٍ إِلىَ جُمُعَة، وَإِذَا خَتَمَ دَعَا وَنحْنُ نُؤَمِّن، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ الجُمُعَة: وَجَّهَ إِلَيَّ وَإِلىَ أَخِي، فَلَمَّا خَتَمَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: جَعَلَ يَدْعُو وَنحْنُ نُؤَمِّن، ثمَّ قَال: وَاللهِ لَقَدْ تَمنَّيْتُ المَوْتَ في الأَمْرِ الَّذِي
كَان [أَيِ المحْنَة]، وَإِنيِّ لأَتَمَنىَّ المَوْتَ في هَذَا وَذَاك، [أَيْ أَتَمَنىَّ المَوْتَ هَرَبَاً مِنَ المُقَابَلَة؛ كَمَا كُنْتُ أَتَمَنَّاهُ خَوْفَ المحْنَة] إِنَّ هَذَا فِتْنَةُ الدُّنْيا، وَذَاكَ فِتنَةُ الدِّين، ثمَّ جَعَل عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ وَيَقُول: لَوْ كَانَتْ نَفْسِي في يَدِي لأَرْسَلْتُهَا 00 ثُمَّ يَفْتَحُ أَصَابِعَه، وَكَانَ المُتَوَكِّلُ يُكْثِرُ السُّؤَالَ عَنهُ، وَفي خِلاَلِ ذَلِكَ يَأْمُرُ لَنَا بِالمَالِ وَيَقُول: لاَ يَعْلَمْ شَيْخُهُمْ فَيَغْتَمّ؛ مَا يُرِيدُ مِنهُمْ 00؟ إِنْ كَانَ هُوَ
لاَ يُرِيدُ الدُّنْيَا، فَلِمَ يَمْنَعُهُمْ 00؟ وَقَالُواْ لِلْمُتَوَكِّل: إِنَّه لاَ يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِكَ وَلاَ يَجْلِسُ عَلَى فِرَاشِك، وَيُحرِّمُ الَّذِي تَشْرَب 00؟! فَقَالَ غَفَرَ اللهُ لَه: لَوْ نُشِرَ المُعْتَصِمُ وَقَالَ لي فِيهِ شَيْئَاً: لَمْ أَقْبَلْ مِنهُ» 0 قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ أَيْضَاً: ثمَّ انحدرْتُ إِلىَ بَغْدَادَ وَخَلَّفْتُ عَبْدَ اللهِ عِنْدَه، فَإذَا عَبْدُ اللهِ قَدْ قَدِمَ؛ فَقُلْتُ: مَا لَكَ 00؟
قَال: أَمَرَني أَن أَنْحَدِرَ وَقَال: قُلْ لِصَالِح: لاَ تَخْرُجْ؛ فَأَنْتُمْ كُنْتُمْ آفَتي، وَاللهِ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت: مَا أَخْرَجْتُ وَاحِدَاً مِنْكُمْ مَعِي، لَولاَكُمْ لِمَنْ كانتْ تُوضَعُ هَذِهِ المَائِدَة، وَتُفْرَشُ الْفُرُش، وَتُجْرَى الأُجُور 00؟ قَالَ صَالِح: فَلَمَّا سَافَرْنَا: رُفِعَتِ المَائِدَةُ وَالفُرُشُ وَكُلُّ مَا أُقِيمَ لَنَا» 0 وَقَالَ صَالِح: بَعَثَ المُتَوَكِّلُ إِلىَ أَبي بِأَلْفِ دِينَارٍ لِيُقَسِّمَهَا؛ فَجَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ في جَوْفِ اللَّيْل، ثمَّ جَاءَ عُبَيْدُ
اللهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَقَال: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ أَذِنَ لَكَ وَأَمْرَ لَكَ بِهَذَا؛ فَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَدْ أَعْفَاني أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِمَّا أَكْرَه؛ فَكَتَبَ إِلىَ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ في بِرِّهِ وَتَعَاهُدِه، فَقَدِمَ عَلَيْنَا ثمَّ قَال: يَا صَالِح؛ قُلْتُ لَبَّيْك؛ قَال: أُحِبُّ أَنْ تَدَعَ هَذَا الرِّزْقَ فَإِنَّمَا تَأْخُذُونَهُ بِسَبَبي؛ فَسَكَتَ؛ فَقَالَ مَا لَك 00؟
قُلْتُ: أَكْرَهُ أَن أُعْطِيَكَ بِلِسَاني وَأُخَالِفَ إِلىَ غَيْرِه، وَلَيْسَ في الْقَوْمِ أَكْثَرُ عِيَالاً مِنيِّ، وَلاَ أَعْذَر، وَقَدْ كُنْتُ أَشْكُو إِلَيْك؛ فَهَجَرَنَا أَبي وَسَدَّ الأَبْوَابَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَتَحَامَى مَنَازِلَنَا [أَي تَجَنَّبَهَا]، ثُمَّ أُخْبِرَ بِأَخْذِ عَمِّهِ؛ فَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: نَافَقْتَني وَكَذَبْتَني، ثمَّ هَجَرَهُ وَتَرَكَ الصَّلاَةَ في المَسْجَد، وَخَرَجَ إِلىَ مَسْجِدٍ آخَرَ يُصَلِّي فِيه، ثمَّ إِنَّ الخَبَرَ بَلَغَ المُتَوَكِّلَ فَأَمَرَ بحَمْلِ مَا اجْتَمَعَ لَهُمْ مِن عَشْرَةِ
أَشْهُرٍ إِلَيْهِمْ؛ فَكَانَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وَإِنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ أُخْبِرَ بِذَلِكَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ؛ فَسَكَتَ قَلِيلاً وَأَطْرَقَ، ثمَّ قَال: مَا حِيلَتي إِن أَرَدْتُ أَمْرَاً، وَأَرَادَ اللهُ أَمْرَاً 00؟ قَالَ صَالِح: وَكَانَ رَسُولُ المُتَوَكِّلِ يَأْتي أَبي يُبْلِغُهُ السَّلاَمَ وَيَسْأَلُهُ عَن حَالِهِ» 0 ـ شَتَّانَ بَينَ سُؤَالِ المُتَوَكِّلِ وَسُؤَالِ الْوَاثِق: حَدَّثَ أَبُو نُعَيْمٍ قَال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ قَال:
«كَتبَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يحْيىَ بْنِ خَاقَانَ إِلىَ أَبي يُخبرُه أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَمَرني أَن أَكْتُبَ إِلَيْكَ أَسْأَلَكَ عَنِ الْقُرْآن، لاَ مَسْأَلَةَ امْتِحَان، لَكِنْ مَسْأَلَةَ مَعْرِفَةٍ وَتَبْصِرَة؛ فَأَمْلَى عَلَيَّ أَبي: إِلىَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ يحْيىَ بْنِ خَاقَان: «بِسْمِ اللهِ الرَِّحْمَنِ الرَِّحِيم 00 أَحْسَنَ اللهُ عَاقِبَتَكَ أَبَا الحَسَنِ في الأُمُورِ كُلِّهَا، وَدَفَعَ عَنْكَ المَكَارِهَ بِرَحْمَتِه، قَدْ كَتبْتُ إِلَيْكَ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ بِالَّذِي سَأَلَ عَنهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ بِأَمْرِ الْقُرْآنِ
بِمَا حَضَرَني، وَإِنيِّ أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُدِيمَ تَوفيقَ أَمِيرِ المُؤْمِنِين؛ فَقَدْ كَانَ النَّاسُ في خَوضٍ مِنَ الْبَاطِلِ وَاخْتِلاَفٍ شَدِيد؛ حَتىَّ أَفْضَتِ الخِلاَفَةُ إِلىَ أَمِيرِ المُؤْمِنِين؛ فَنَفَى اللهُ بِهِ كُلَّ بِدعَة، وَانجَلَى عَنِ النَّاسِ مَا كَانُواْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَضِيقِ المحَابِس؛ فَصَرَفَ اللهُ ذَلِكَ كُلَّه، وَذُهِبَ بِهِ بِأَمِيرِ المُؤْمِنِين، وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَوْقِعَاً عَظِيمَاً، وَدَعَوُاْ اللهَ لأَمِيرِ المُؤْمِنِين، وَأَسأَلُ اللهَ أَنْ يَسْتَجِيبَ في أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ
صَالِحَ الدُّعَاء، وَأَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ لأَمِيرِ المُؤْمِنِين، وَأَنْ يَزِيدَ في نِيَّتِه، وَأَنْ يُعِينَه عَلَى مَا هُوَ عَلَيْه؛ فَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: لاَ تَضْرِبُواْ كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْض، فَإِنَّهُ يُوقِعُ الشَّكَّ في قُلُوبِكُمْ» ثُمَّ ذَكَرَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ في شَأْنِ الاِخْتِلاَفِ وَالنِّزَاعِ في الْقُرْآن، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَن أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ وَأَهْلِ الْكَلاَم، وَنَقَلَ رَحمَهُ اللهُ بَعْضَ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ مِنَ التَّحْذِيرَاتِ مِنهُمْ وَمِنْ
مجَالَسَتِهِمْ قَالَ أَبُو قِلاَبَة: «لاَ تُجَالِسُواْ أَهْلَ الأَهوَاء؛ فَإِنيِّ لاَ آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ في ضَلاَلَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُواْ عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُون» 0 وَقَالَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ لأَيُّوبَ السِّخْتِيَانيّ: يَا أَبَا بَكْر، أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ 00؟ فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ: لاَ، وَلاَ نِصْفَ كَلِمَة» 0 ثمَّ بَدَأَ رَحمَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ قَضِيَّةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ في تحَفُّظٍ شَدِيد، بِكَلاَمٍ لَيْسَ فِيهِ جَدِيد، عَمَّا قَالَهُ في المُنَاظَرَه، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ آخِرَه: