الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- حياة التابعين
- المؤلف
- يَاسِر بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبي الحَمْدِ الْكُوَيِّس الحَمَدَاني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
أَيْ كُلُّ مَا عَجَزْتُ عَنْ الاِجْتِهَادِ فِيه: قَلَّدْتُ فِيه: هَذَا الْفَقِيه 0 حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّلُ قَال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ قَال: قَالَ لي أَبُو عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ الله: «مَا كَتَبْتُ حَدِيثَاً إِلاََّ وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ؛ حَتىَّ مَرَّ بي أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم احْتَجَمَ وَأَعْطَى أَبَا طَيْبَةَ دِينَارَاً؛ فَاحْتَجَمْتُ وَأَعْطيْتُ الحجَّامَ دِينَارَاً» 0 قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ سُفْيَان: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عِصَامٍ الْبَيْهَقِيَّ يَقُول:
«بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه؛ فَجَاءَ بِمَاءٍ فَوَضَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ نَظَرَ إِلىَ المَاءِ بحَالِهِ فَقَال: سُبْحَان الله؛ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لاَ يَكُونُ لَهُ وِردٌ بِاللَّيْل» 0 ـ قَالُواْ عَن خَوْفِهِ مِنَ الله، رَحمَهُ الله: قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيّ: بَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ في مَرَضِ المَوْتِ دَمَاً عَبِيطَاً [أَيْ غَلِيظَاً كَأَنَِّهُ مُوشِكٌ عَلَى التَّجَلُّط]؛ فَأَرَيْتُهُ الطَّبِيب؛ فَقَال: هَذَا رَجُلٌ قَدْ فَتَّتَ الْغَمُّ أَوِ الخَوْفُ جَوْفَه» 0
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّل: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ اللهُ يَقُول: «الخَوْفُ مَنَعَني أَكْلَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَمَا اشْتَهَيْتُه» 0 ـ زُهْدُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مَعَ الْفَقْرِ وَرِقَّةِ الحَال: وَقَالَ عَنهُ الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «كَانَتْ مجَالِسُ أَحْمَدَ رَحمَهُ اللهُ مَجَالِسَ الآخِرَة: لاَ يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِن أَمْرِ الدُّنْيَا، مَا رَأَيْتُهُ ذَكَرَ الدُّنْيَا قَطّ» 0
قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ إِذَا ذَكَرَ المَوْتَ خَنَقَتْهُ الْعَبرَة، وَكَانَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَقُول: الخَوْفُ يَمْنَعُني أَكْلَ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب، وَإِذَا ذَكَرْتُ المَوْتَ هَانَ عَلَيَّ كُلُّ أَمْرِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ دُونَ طَعَام [أَيْ طَعَامُ الأَغْنِيَاءِ يُشْبِعُ وَطَعَامُنَا يُشْبِع، كِلاَهُمَا طَعَام] وَلِباسٌ دُونَ لِباس [أَيْ وَهَذَا لِبَاسٌ وَهَذَا لِبَاس]، وَإِنَّهَا أَيَّامٌ قَلاَئِل» 0
وَقَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ أَيْضاً رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْه: «كُنَّا رُبَّمَا اشْتَرَيْنَا الشَّيْءَ فَنَسْتُرُهُ مِنهُ لِئَلاََّ يُوَبِّخَنَا عَلَيْه» 0 قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئ: أَخْبَرَني يُوسُفُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَال: حَدَّثَني ابْنُ جَبَلَةَ قَال: «كُنْتُ عَلَى بَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحمَهُ اللهُ وَالبَابُ مُجَاف [أَيْ مَرْدُود]، وَأُمُّ وَلَدِهِ تُكَلِّمُهُ وَتَقُول: أَنَا مَعَكَ في ضِيق، وَأَهْلُ صَالِحٍ يَأْكُلُونَ وَيَفْعَلُون؛ وَهُوَ يَقُول: قُولِي خَيرَاً؛ وَخَرَجَ الصَّبيُّ مَعَهُ؛ فَبَكَى؛ فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيد 00؟ قَالَ زَبِيب؛ قَال: اذْهَبْ، خُذْ مِنَ الْبَقَّال» 0
قَالَ أَبُو نُعَيْم: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ محَمَّدٍ قَال: حَدَّثَنَا شَاكِرُ بْنُ جَعْفَرٍ قَال: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ محَمَّدٍ التُّسْتَرِيَّ يَقُول: ذَكَرُواْ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ أَتَى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مَا طَعِمَ فِيهَا؛ فَبَعَثَ إِلىَ صَدِيقٍ لَهُ فَاقْتَرَضَ مِنهُ دَقِيقَاً، فَجَهَّزُوهُ بِسُرْعَةٍ؛ فَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: كَيْفَ ذَا 00؟
قَالُواْ: تَنُّورُ صَالِحٍ مُسْجَر؛ فَخَبَزْنَا فِيه؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: ارْفَعُواْ؛ وَأَمَرَ بِسَدِّ بَابٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَالِح؛ قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ شَارِحَاً السَّبَبَ في ذَلِك: لِكَوْنِهِ أَخَذَ جَائِزَةَ المُتَوَكِّل» 0 رَوَى الخُلْدِيُّ عَن أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَال: قَالَ ليَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ رَحمَهُ الله: «دَخَلَ عَلَيَّ أَبي يَعُودُني في مَرَضِي؛ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ؛ عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَبَرُّنَا بِهِ المُتَوَكِّل؛ أَفَأَحُجُّ مِنهُ 00؟
قَالَ نَعَمْ؛ قُلْتُ: فَإذَا كَانَ هَذَا عِنْدَكَ هَكَذَا، فَلِمَ لاَ تَأْخُذُ مِنهُ 00؟ قَال: لَيْسَ هُوَ عِنْدِي حَرَام، وَلَكِنْ تَنَزَّهْتُ عَنهُ» 0 حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّلُ قَال: أَخْبَرَنَا محَمَّدُ بْنُ أَبي هَارُونَ قَال: حَدَّثَنَا الأَثْرَمُ قَال: «أُخْبِرْتُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ لأَبي عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ الله: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ الأَمِينَ سَأَلَني أَنَّ أَلْتَمِسَ لَهُ قَاضِيَاً لِلْيَمَن، وَأَنْت تُحِبُّ الخُرُوجَ إِلىَ عَبْدِ الرَّزَّاق [وَكَانَ بِالْيَمَن]؛ فَقَدْ نِلْتَ حَاجَتَك، وَتَقْضِي
بِالحَقّ؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيّ: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ إِنْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْكَ ثَانيَةً، لَمْ تَرَني عِنْدَك» قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «رَأَيْتُ طَبِيبَاً نَصْرَانيَّاً خَرَجَ مِن عِنْدِ أَحْمَدَ وَمَعَهُ رَاهِبٌ؛ فَسَأَلْتُهُ [أَيْ سَأَلَ الطَّبِيبَ] فَقَال: إِنَّهُ سَأَلَني أَنْ يَجِيءَ مَعِي لِيَرَى أَبَا عَبْدِ الله، وَأَدْخَلْتُ نَصْرَانيَّاً عَلَى أَبي عَبْدِ اللهِ فَقَالَ لَهُ: إِنيِّ لأَشْتَهِي أَن أَرَاك مُنْذُ سِنِين، مَا بَقَاؤُكَ صلاَحٌ لِلإِسْلاَمِ
وَحْدَهُمْ، بَلْ لِلْخَلقِ جَمِيعَاً، وَلَيْسَ مِن أَصْحَابنَا أَحَدٌ إِلاََّ وَقَدْ رَضِيَ بِك؛ فَقَال: يَا أَبَا بَكْر، إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؛ فَمَا يَنْفَعُهُ كَلاَمُ النَّاس» 0 ـ عِفَّتُهُ وَعِزَّةُ نَفْسِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيّ: «جَاءَ رَجُلٌ بِعَشْرَةِ آلاَفٍ مِنْ رِبْحِ تِجَارَتِهِ إِلىَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ فَرَدَّهَا» 0
حَدَّثَ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ قَال: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَرْبرِيُّ قَال: «حُمِلَ إِلىَ الحَسَنِ الجَرَوِيِّ مِيرَاثُهُ مِنْ مِصْرَ مِاْئَةَ أَلْفِ دِينَار؛ فَأَتَى أَحْمَدَ بِثَلاَثَةِ آلاَفِ دِينَار؛ فَمَا قَبِلَهَا» 0 قَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الله رَحمَهُ الله: سَمِعْتُ فُورَانَ [أَحَدَ تَلاَمِذَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ] يَقُول: «مَرضَ أَبُو عَبْدِ الله؛ فَعَادَهُ النَّاس، وَعَادَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْد؛ فَتَرَكَ عِنْدَ رَأْسِهِ صُرَّةً؛ فَقُلْتُ لَهُ عَنهَا فَقَال: مَا رَأَيْتُ، اذْهَبْ فَرُدَّهَا إِلَيْه» 0 قَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ رَحمَهُ الله: قُلْتُ لأَبي: بَلَغَني أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ عَرَضَ عَلَيْكَ دَنَانِير 00؟ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: نَعَمْ، وَأَعْطَاني يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ خَمْسَمِاْئَةِ دِرْهَمٍ فَلَمْ أَقبَلْ» 0 قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَال: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُول: «لَمَّا خَرَجَ أَحْمَدُ إِلىَ عَبْدِ الرَّزَّاق: انْقَطَعَتْ بِهِ النَّفقَة؛ فَأَكْرَى نَفْسَهُ لَدَى بَعْضِ الجَمَّالِينَ إِلىَ أَنْ وَافَى صَنْعَاء، وَعَرَضَ عَلَيْهِ
أَصْحَابُه المُوَاسَاةَ فَلَمْ يَأْخُذْ» 0 قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ بَكْرَانَ بْنَ أَحْمَدَ الحَنْظَلِيَّ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ عَن أَبِيهِ قَال: قَدِمْتُ صَنْعَاء، أَنَا وَيحْيىَ بْنُ مَعِينٍ، فَمَضَيْتُ إِلىَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ في قَريَتِهِ، وَتَخَلَّف يحْيىَ، فَلَمَّا ذَهَبْتُ أَدُقُّ الْبَابَ، قَالَ لي بَقَّالٌ تُجَاهَ دَارِهِ: مَهْ؛ لاَ تَدُقَّ فَإِنَّ الشَّيْخَ يُهَاب [أَيْ فَظٌّ غَلِيظ]؛ فَجَلَسْتُ حَتىَّ إِذَا كَانَ قَبْلَ المَغْرِبِ خَرَج؛ فَوَثَبْتُ إِلَيْهِ وَفي يَدِي أَحَادِيثُ انْتَقَيْتُهَا، فَسَلَّمْتُ
وَقُلْتُ: حَدِّثْني بِهَذِهِ رَحِمَكَ اللهُ فَإِنيِّ رَجُلٌ غَرِيب؛ قَال: وَمَن أَنْتَ وَزَبَرَني 00؟ قُلْتُ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل؛ فَتَقَاصَرَ [أَيْ خَفَّفَ مِن حِدَّتِهِ]، وَضَمَّني إِلَيْهِ وَقَال: بِاللهِ أَنْتَ أَبُو عَبْدِ الله 00؟ ثُمَّ أَخَذَ الأَحَادِيثَ وَجَعَلَ يَقْرَؤُهَا حَتىَّ أَظْلَم» 00 أَيْ دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّيْل 0 حَدَّثَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ الأَنْصَارِيُّ عَن أَبي يَعْقُوبَ عَنْ زَاهِرِ بْنِ أَحْمَدَ قَال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُبَشِّرٍ قَال: سَمِعْتُ الرَّمَادِيَّ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ
الرَّزَّاقِ وَذَكَرَ الإِمَامَ أَحْمَد؛ فَدَمَعَتْ عَينُهُ وَقَال: قَدِمَ وَبَلَغَني أَنَّ نَفَقَتَهُ نَفِدَتْ؛ فَأَخَذْتُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ وَعَرَضتُهَا عَلَيْه؛ فَتَبَسَّمَ وَقَال: يَا أَبَا بَكْر، لَوْ قَبِلْتُ شَيْئَاً مِنَ النَّاسِ، قَبِلْتُ مِنْكَ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنيِّ شَيْئَاً» 0 أَتَاهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَحْضُرُ مَعَهُ مجْلِسَ ابْنِ عُيَيْنَةَ رَحمَهُ اللهُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قَائِلاً: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل 00؟
فَقَال: لاَ، ثُمَّ قَال: ادْخُلْ؛ فَدَخَلْتُ، وَإِذَا عَلَيْهِ قِطْعَةُ لِبْدٍ خَلِق [أَيْ كِلِيمٍ قَدِيم]، فَقُلْتُ: لِمَ حَجَبْتَني 00؟ فَقَال: حَتىَّ اسْتَتَرْت؛ فَقُلْتُ: مَا شَأْنُك 00؟ قَال: سُرِقَتْ ثِيَابي؛ قَال: فَبَادَرْتُ إِلىَ مَنْزِلِي، فَجِئْتُهُ بِمِاْئَةِ دِرْهَم، فَعَرَضتُهَا عَلَيْه؛ فَامْتَنَعَ، فَقُلْتُ: قَرْضَاً؛ فَأَبَى، حَتىَّ بَلَغْتُ عِشْرِينَ دِرْهَمَاً؛ وَيَأْبَى؛ فَقُمْتُ وَقُلْتُ: مَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ نَفْسَك؛ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: ارْجِعْ؛ فَرَجَعْتُ، فَقَال: أَلَيْسَ قَدْ
سَمِعْتَ مَعِيَ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَة؟ قُلْتُ: بَلَى؛ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: تُحِبُّ أَن أَنْسَخَهُ لَك 00؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: اشْتَرِ لي وَرَقَاً؛ فَكَتَبَ بِدَرَاهِم؛ اكْتَسَى مِنهَا ثَوْبَيْن» 0 قَالَ صَالحُ بْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قُلْتُ لأَبي: «بَلَغَني أَنَّ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيَّ أُعْطِيَ أَلْفَ دِينَار؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَه: يَا بُنيَّ 00 (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (﴿طه/131﴾
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْه: حَدَّثَني إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبي الحَارِثِ قَال: «مَرَّ بِنَا الإِمَامُ أَحْمَد؛ فَقُلْنَا لإِنْسَان: اتْبَعْهُ وَانْظُرْ أَيْنَ يَذْهَب؛ فَقَال: جَاءَ إِلىَ حَنَّكٍ المَرْوَزِيِّ، فَمَا كَانَ إِلاََّ سَاعَةً حَتىَّ خَرَج؛ فَقُلْتُ لِحَنَّكٍ بَعْد: جَاءَكَ أَبُو عَبْدِ الله 00؟ قَال: هُوَ صَدِيقٌ لي، اسْتَقْرَضَ مِنيِّ مائَتيْ دِرْهَم، فَجَاءَني بِهَا، فَقُلْتُ: مَا نَوَيْتُ أَخْذَهَا؛ فَقَال: وَأَنَا مَا نَويْتُ إِلاََّ أَن أَرُدَّهَا إِلَيْك
» 0 حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّل عَن أَبي غَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَال: حَدَّثَني صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ قَال: «جَاءَتَني حُسْنُ فَقَالَتْ: قَدْ جَاءَ رَجُلٌ بِتِلِّيسَةٍ فِيهَا فَاكِهَةٌ يَابسَةٌ وَبِكِتَاب؛ فَقُمْتُ فَقَرَأْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيه: يَا أَبَا عَبْدِ الله، أَبْضَعْتُ لَكَ بِضَاعَةً إِلىَ سَمَرْقَنْد، فَرَبِحْت؛ فَبَعَثْتُ بِذَلِكَ إِلَيْكَ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ وَفَاكِهَةً أَنَا لَقَطْتُهَا مِنْ بُسْتَاني وَرِثْتُهُ مِن أَبي؛ قَال: فَجَمَعْتُ الصِّبْيَانَ وَدَخَلْنَا، فَبَكَيْتُ وَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَا
تَرِقُّ لي مِن أَكْلِ الزَّكَاة 00؟! ثُمَّ كَشَفَ عَنْ رَأْسِ الصِّبْيَةِ وَبَكَيْتُ؛ فَقَال: مِن أَيْنَ عَلِمْت 00؟ دَعْ حَتىَّ أَسْتخِيرَ اللهَ اللَّيْلَة؛ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ رَحمَهُ الله: اسْتَخَرْتُ اللهَ فَعَزَمَ لي أَنْ لاَ آخُذَهَا، وَفَتَحَ التَّلِّيسَةَ فَفَرَّقهَا عَلَى الصِّبْيَان، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ عُشَارِيّ؛ فَبَعَثَ بِهِ إِلىَ الرَّجُلِ وَرَدَّ المَال» أَيْ أَعْطَاهُ الثّوْبَ مَكَانَ الْفَاكِهَةِ الَّتي أَخَذَهَا، أَمَّا المَالُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ 0
ـ كَيْفَ كَانَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَحْتَمِلُ الجُوعَ الشَّدِيدَ وَلاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئَا: حَدَّثَ أَبُو إِسْحَاقَ الجَوْزَجَانيُّ قَال: «كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُصَلِّي بِعَبْدِ الرَّزَّاقِ فَسَهَا؛ فَسَأَلَ عَنهُ عَبْدُ الرَّزَّاق؛ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ شَيْئَاً» 0 قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «خَلَّفَ لَهُ أَبُوهُ طَرْزَاً [أَيْ بَيْتَاً يُؤَجَّر] وَدَارَاً يَسْكُنُهَا؛ فَكَانَ يَكْرِي تِلْكَ الطَّرَزَ وَيَتَعَفَّفُ بِهَا» 0
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الخَالِق: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ قَال: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ الله: «كُنَّا نَخْرُجُ إِلىَ اللِّقَاط» 0 وَكَذَا حَدَّثَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّرَسُوسِيُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِللِّقَاط 00 أَيْ يَخْرُجُ ضِمْنَ الأَنْفَار؛ الَّتي تخْرُجُ في جَمْعِ المحَاصِيلِ وَالثُِّمَار 0 قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَال:
«بَلَغَني أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَهَنَ نَعْلَهُ عِنْد خَبَّازٍ بِاليَمَن، وَأَكْرَى نَفْسَهُ مِنْ جَمَّالين عِنْدَ خُرُوجِه، وَعَرضَ عَلَيْهِ الإِمَامُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ دَنَانِيرَ صَالِحَةً؛ فَلَمْ يَقْبَلْهَا» 0 قَالَ صَالح: «وَكَانَ رُبَّمَا أَخَذَ الْقَدُومَ وَخَرَجَ إِلىَ دَار السكَّان، يَعْمَلُ الشَّيْءَ بِيَدِه» قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «وَرُبَّمَا نَسَخَ بِأُجْرَة، وَرُبَّمَا عَمِلَ التِّكَك [أَيْ في فَتْلِ الحِبَال]، وَأَجَّرَ نَفْسَهُ لِجَمَّال» 0
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الدِّينَوَرِيّ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الحَدَّادُ قَال: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا ضَاقَ بِهِ الأَمْرُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الحَاكَةِ فَسَوَّى لَهُمْ؛ فَلَمَّا كَانَ أَيَّامَ المحْنَةِ وَصُرِفَ إِلىَ بَيْتِهِ: حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ فَرَدَّهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلىَ رَغِيف؛ فَجَعَلَ عَمُّهُ إِسْحَاقُ يَحْسُبُ مَا يَرُدّ؛ فَإِذَا هُوَ نَحْوُ خَمْسِمِاْئَةِ أَلْف؛ فَقَال: يَا عمّ؛ لَوْ طَلَبْنَاهُ لَمْ يَأْتِنَا، وَإِنَّمَا أَتَانَا لَمَّا تَرَكْنَاه» 0
رَوَى الخُلْدِيُّ عَن أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَال: قَالَ ليَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ رَحمَهُ الله: «دَخَلَ عَلَيَّ أَبي يَعُودُني في مَرَضِي؛ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ؛ عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَبَرُّنَا بِهِ المُتَوَكِّل؛ أَفَأَحُجُّ مِنهُ 00؟ قَالَ نَعَمْ؛ قُلْتُ: فَإذَا كَانَ هَذَا عِنْدَكَ هَكَذَا، فَلِمَ لاَ تَأْخُذُ مِنهُ 00؟ قَال: لَيْسَ هُوَ عِنْدِي حَرَام، وَلَكِنْ تَنَزَّهْتُ عَنهُ» 0
قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْه: قَالَ لي أَبي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: كَانَتْ أُمُّكَ في الْغَلاَءِ تَغْزِلُ غَزْلاً رَقِيقَاً، فَتَبِيعُ الأَسْتَارَ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوِهِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ قُوتَنَا» 0
حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّلُ قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ فَقَال: «قَالَ أَبُو سَعِيدٍ بْنُ أَبي حَنِيفَةَ المُؤَدِّب: كُنْتُ آتي أَبَاك، فَيَدْفَعُ إِلَيَّ الثَّلاَثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَر، وَيَقْعُدُ مَعِي فَيَتَحَدَّث، وَرُبَّمَا أَعْطَاني الشَّيْءَ وَيَقُول: أَعْطَيتُكَ نِصْفَ مَا عِنْدَنَا؛ فَجِئْتُ يَوْمَاً فَأَطلْتُ الْقُعُودَ أَنَا وَهُو؛ ثمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ تَحْتَ كِسَائِهِ أَرْبَعَةُ أَرْغِفَةٍ فَقَال: هَذَا نِصْفُ مَا عِنْدَنَا؛ فَقُلْتُ: هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَرْبَعَةِ آلاَفٍ مِن غَيْرِك» 0
ـ خَبَرُ المحْنَة: قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «أَعَزَّ اللهُ الدِّينَ بِالصِّدِّيقِ يَوْمَ الرِّدَّة، وَبِأَحْمَدَ يَوْمِ المِحْنَة» 0
قَالَ نَصْرُ بْنُ أَبي نَصْرٍ الطُّوسِيُّ قَال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ خُشَيْشٍ قَال: سَمِعْتُ أَبَا الحَدِيدِ الصُّوفِيَّ بِمِصْرَ عَنِ أَبِيهِ عَنِ المُزَنيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ المِحْنَة، وَأَبُو بَكْرٍ يَوْمَ الرِّدَّة، وَعُمَرُ يَوْمَ السَّقيفَة» 0 ـ مِحْنَةُ المَأْمُون: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحمَهُ الله: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة، وَدِينُهُمْ قَائِمَاً في خِلاَفَةِ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ قُفْلُ بَابِ
الْفِتْنَةِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَانْكَسَرَ الْبَاب: قَامَ رُؤُوسُ الشَّرِّ عَلَى الشَّهِيدِ عُثْمَانَ حَتىَّ ذُبِحَ صَبرَاً؛ وَتَفرَّقتِ الْكَلِمَة، وَتَمَّتْ وَقعَةُ الجَمَل، ثُمَّ وَقعَةُ صِفِّين؛ فَظَهَرَتِ الخَوَارِج، وَكُفِّرَتْ سَادَةَ الصَّحَابَة، ثمَّ ظَهَرَتِ الرَّوَافِضُ وَالنَّوَاصِب، وَفي آخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ ظَهَرَتِ الْقَدَرِيَّة، ثُمَّ ظَهَرَتِ المُعْتَزِلَةُ بِالبَصْرَةِ وَالجَهْمِيَّة، وَالمُجَسِّمَةُ بِخُرَاسَانَ في أَثْنَاء عَصْرِ التَّابِعِين، مَعَ ظُهُورِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا إِلىَ بَعْدِ المائَتَين؛
فَظَهَرَ الخَلِيفَةُ المَأْمُونُ وَكَانَ ذَكِيَّاً مُتَكَلِّمَاً، لَهُ نَظَرٌ في المَعْقُول؛ فَاسْتَجْلَبَ كُتُبَ الأَوَائِلِ وَعَرَّبَ الْفَلْسَفَةَ اليُونَانِيَّة، وَقَامَ في ذَلِكَ وَقَعَد، وَأَدْنىَ وَأَقْصَى، وَرَفَعَتِ الجَهْمِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ رُؤُوسَهَا، بَلْ وَالشِّيعَةُ أَيْضَاً، وَآلَ بِهِ الحَالُ أَن حَمَلَ الأُمَّةَ عَلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآن، وَامْتَحَنَ في ذَلِكَ الْعُلَمَاء؛ فَلَمْ يُمْهَلْ، وَهَلَكَ لِعَامِهِ هَذَا 00
وَخَلَّى بَعْدَهُ شَرَّاً وَبَلاَءً في الدِّين؛ فَإِنَّ الأُمَّةَ مَا زَالتْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَلاَمُ اللهِ جَلَّ جَلاَلهُ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُه، لاَ يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِك، حَتىَّ نَبَغَ لهَؤُلاَءِ الضُّلاَّلِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَلاَمُ اللهِ مَخْلُوقٌ مَجْعُول، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُضِيفَ إِلىَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، كَبَيْتِ الله، وَنَاقَةُ الله؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْعُلَمَاء، وَلَمْ تَكُنِ الجَهْمِيَّةُ يُظْهِرُونَ في دَوْلَةِ المَهْدِيِّ وَالرَّشِيدِ وَالأَمِين؛ فَلَمَّا وَلِيَ المَأْمُونُ
وَكَانَ مِنهُمْ أَظْهَرَ مَقَالَتَهُمْ» 0 رَوَى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ عَنْ محَمَّدِ بْنِ نُوحٍ قَال: إِنَّ الرَّشِيدَ قَال: بَلَغَني أَنَّ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ المَرِيسِيَّ يَقُول: الْقُرْآنُ مَخْلُوق؛ فَلِلِّهِ عَلَيَّ إِن أَظْفَرَني بِهِ لأَقْتُلَنَّه؛ قَالَ الدَّوْرَقِيّ: فَكَانَ مُتَوَارِيَاً أَيَّامَ الرَّشِيد؛ فَلَمَّا مَاتَ الرَّشِيدُ ظَهَرَ وَأَظْهَرَ المَقَالَة، وَدَعَا إِلىَ الضَّلاَلَة» 0 قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
«كَانَ المَأْمُونُ في الْبِدَايَةِ يَنْظُرُ وَيُنَاظِرُ في تِلْكَ المَسْأَلَة، وَبَقِيَ مُتَوقِّفَاً في الدُّعَاءِ إِلىَ بِدْعَتِه» 0 قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيّ: «خَالَطَه قَوْمٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ فَحَسَّنُواْ لَهُ الْقَوْلَ بِخَلقِ الْقُرْآن، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ وَيُرَاقِبُ سَائِرَ الشُّيُوخ، ثُمَّ قَوِيَ عَزْمُهُ وَامْتَحَنَ النَّاس» 0 قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمّ: أَخْبَرَنَا يحْيىَ بْنُ أَبي طَالِبٍ قَال: أَخْبَرَني الحَسَنُ بْنُ شَاذَانَ قَال:
حَدَّثَني ابْنُ عَرْعَرَةَ قَال: حَدَّثَني ابْنُ أَكْثَمَ قَال: قَالَ لَنَا المَأْمُون: لَوْلاَ مَكَانُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ لأَظهرْتُ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوق؛ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ جُلَسَائِه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ وَمَنْ يَزِيدُ حَتىَّ يُتَّقَى؟ قَال: وَيْحَك؛ إِنيِّ أَخَافُ إِن أَظْهَرْتُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَيَخْتلِفَ النَّاسُ وَتَكُونَ فِتْنَة، وَأَنَا أَكْرَهُ الْفِتْنَة؛ فَقَالَ الرَّجُل: فَأَنَا أَخْبُرُ ذَلِكَ مِنهُ؛ قَالَ لَهُ: نَعَمْ؛ فَخَرَجَ إِلىَ وَاسِط، فَجَاءَ إِلىَ يَزِيدَ وَقَال: يَا أَبَا خَالِد؛ إِنَّ
أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: إِنيِّ أُرِيدُ أَن أُظْهِرَ خَلْقَ الْقُرْآن؛ فَقَال: كَذَبْتَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِين، أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لاَ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَهُ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقَاً، فَاقعُدْ؛ فَإذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ في المَجْلِسِ فَقُلْ؛ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْغَدُ، اجْتَمَعُواْ، فَقَامَ فَقَالَ كَمَقَالَتِهِ؛ فَقَالَ يَزِيد: كَذَبْتَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِين، إِنَّه لاَ يحْمِلُ النَّاسَ عَلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَهُ وَمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد؛ فَقَدِمَ وَقَال: يَا
أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ كُنْتُ 000 وَقَصَّ عَلَيْه؛ قَالَ وَيْحَكَ يُلْعَبُ بِك» 0 قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «امْتُحِنَ الْقَوْم، وَوُجِّهَ بِمَنِ امْتَنَعَ إِلىَ الحَبْس؛ فَأَجَابَ الْقَوْمُ جَمِيعَاً غَيرَ أَرْبَعَة: أَبي، وَمحَمَّدُ بْنُ نُوح، وَالقَوَارِيرِيّ، وَالحَسَنُ بْنُ حَمَّاد، ثُمَّ أَجَابَ هَذَانِ وَبَقِيَ أَبي وَمحَمَّدٌ في الحَبْسِ أَيَّامَاً، ثمَّ جَاءَ كِتَابٌ مِنْ طَرَسُوسَ بِحَمْلهِمَا مُقَيَّدَيْنِ زَمِيلَين»
قَال الإِمَامُ الطَّبَرَانيّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ قَال: حَدَّثَني أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ قَال: «لَمَّا أُحْضِرْنَا إِلىَ دَارِ السُّلْطَانِ أَيَّامَ المِحْنَة؛ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَدْ أُحْضِر؛ فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ يُجِيبُونَ وَكَانَ رَجُلاً لَيِّنَاً؛ انْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَاحْمرَّتْ عَيْنَاهُ وَذَهَبَ ذَلِكَ اللِّين» 0 قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَم: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْقُوبَ قَال: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ محَمَّدٍ الخَفَّافُ قَال: «سَمِعْتُ ابْنَ أَبي أُسَامَةَ يَقُول: حُكِيَ لَنَا أَنَّ أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ أَيَّامَ المِحْنَة: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ أَوَلاَ تَرَى الحَقَّ كَيْفَ ظَهرَ عَلَيْهِ الْبَاطِل؟ قَال: كَلاََّ، إِنَّ ظُهُورَ الْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ أَنْ تَنْتَقِلَ الْقُلُوبُ مِنَ الهُدَى إِلىَ الضَّلاَلَة، وَقُلُوبُنَا بَعْدُ لاَزمَةٌ لِلْحقّ» 0 قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ قَال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الأَنْبَارِيَّ يَقُول:
«لَمَّا حُمِلَ أَحْمَدُ إِلىَ المَأْمُون: أُخْبِرْتُ؛ فَعَبَرْتُ الْفُرَات، فَإذَا هُوَ جَالِسٌ في الخَان، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَال: يَا أَبَا جَعْفَر، تَعَنَّيْت؛ فَقُلْتُ: يَا هَذَا، أَنْتَ اليَوْمَ رَأْس، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِك، فَوَاللهِ لَئِن أَجَبْتَ إِلىَ خَلْقِ الْقُرْآنِ لَيُجِيبَنَّ خَلْق، وَإِن أَنْتَ لَمْ تُجِبْ لَيَمْتَنِعَنَّ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ كَثِير، وَمَعَ هَذَا: فَإِنَّ الرَّجُلَ إِنْ لَمْ يَقْتُلْكَ فَإِنَّكَ تَمُوْت، لاَبُدَّ مِنَ المَوْت؛ فَاتَّقِ اللهَ وَلاَ تُجِبْ؛ فَجَعَلَ أَحْمَدُ يَبْكِي