حياة التابعينصفحات 236-275
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل

صفحات 236-275
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
حياة التابعين
المؤلف
يَاسِر بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبي الحَمْدِ الْكُوَيِّس الحَمَدَاني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُول: وَيْلَك؛ إِمَامُكَ عَلَى رَأْسِكَ قَائِم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ دَمُهُ في عُنُقِي، اقْتُلْهُ؛ فَأَقُول: أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ أَقُولُ بِهِ؛ فَرَجَعَ وَجَلَسَ وَقَالَ لِلْجلاََّد: تَقَدَّمْ وَأَوْجِعْ قَطَعَ اللهُ يَدَك، ثمَّ قَامَ الثَّانيَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ أَجِبْني؛ فَجَعَلُواْ يُقْبِلُونَ عَلَيَّ وَيَقُولُون: يَا أَحْمَد؛ إِمَامُكَ عَلَى رَأْسِكَ قَائِم، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُول: مَنْ صَنَعَ مِن

أَصْحَابِكَ في هَذَا الأَمْرِ مَا تَصْنَع 00؟ وَالمُعْتَصِمُ يَقُول: أَجِبْني إِلىَ شَيْءٍ لَكَ فِيهِ أَدْنىَ فَرَجٍ حَتىَّ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي، ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لِلْجَلاََّد: تَقَدَّمْ؛ فَجَعَلَ يَضْرِبُني سَوْطَينِ وَيَتَنَحَّى، وَهُوَ في خِلاَلِ ذَلِكَ يَقُول: شُدَّ قَطَعَ اللهُ يَدَك؛ فَذَهَبَ عَقْلِي، ثمَّ أَفَقْتُ بَعْد، فَإِذَا الأَقْيَادُ قَدْ أُطْلِقَتْ عَنيِّ؛ فَقَالَ لي رَجُلٌ مِمَّن حَضَر: كَبَبْنَاكَ عَلَى وَجْهِكَ وَطَرَحْنَا عَلَى ظَهْرِكَ بَارِيَّةً [أَيْ حَصِيرَاً] وَدُسْنَاك؛ قَالَ أَبي: فَمَا شَعَرْتُ بِذَلِك

، وَأَتَوْني بِسَوِيقٍ وَقَالُواْ: اشْرَبْ وَتَقَيَّأْ؛ فَقُلْتُ لاَ أُفْطِر، ثُمَّ جِيءَ بي إِلىَ دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم؛ فَحَضَرْتُ الظُّهْر، فَتَقَدَّمَ ابْنُ سَمَاعَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ لي: صَلَّيْتَ وَالدَّمُ يَسِيلُ في ثَوْبِك 00؟ قُلْتُ: قَدْ صَلَّى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمَاً، قَالَ صَالِح: ثمَّ خُلِّيَ عَنهُ فَصَارَ إِلىَ مَنْزِلِه، وَكَانَ مُكْثُهُ في السِّجْنِ مُنْذُ أُخِذَ إِلىَ أَنْ ضُرِبَ وَخُلِّيَ عَنهُ ثَمَانيَةً وَعِشْرِينَ شَهْرَاً 0

قَالَ صَالِح: وَلَقَدْ حَدَّثَني أَحَدُ الرَّجلَينِ اللَّذيْنِ كَانَا مَعَهُ فَقَال: يَا ابْنَ أَخِي؛ رَحْمَةُ اللهِ عَلَى أَبي عَبْدِ الله؛ وَاللهِ ما رَأَيْتُ أَحَدَاً يُشْبِهُهُ، وَلَقَدْ جَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ في وَقْتِ مَا يُوَجَّهُ إِلَيْنَا بِالطَّعَام: يَا أَبَا عَبْدِ الله، أَنْتَ صَائِمٌ وَأَنْتَ في مَوْضِعِ تَفِئَة [أَيْ قَرِيبٍ مِنَ الْقُدُومِ عَلَى الله]، وَلَقَدْ عَطِشَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّرَاب: نَاوِلْني؛ فَنَاوَلَهُ قَدَحَاً فِيهِ مَاءٌ وثَلْج؛ فَأَخَذَهُ وَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّهُ وَلَمْ

يَشْرَبْ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الجُوعِ وَالعطشِ وَهُوَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الهَوْل، قَالَ صَالِح: فَكُنْتُ أَلْتَمِسُ وَأَحْتَالُ أَن أُوَصِّلَ إِلَيْهِ طعَامَاً أَوْ رَغِيفَاً في تِلْكَ الأَيَّامِ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَأَخْبَرَني رَجُلٌ حَضَرَهُ أَنَّهُ تَفَقَّدَهُ في الأَيَّامِ الثَّلاَثَةِ وَهُمْ يُنَاظِرُونَهُ؛ فَمَا لَحَنَ في كَلِمَة؛ فَقَال: مَا ظَننْتُ أَنَّ أَحَدَاً يَكُونُ في مِثْلِ شَجَاعَتِهِ وَشِدَّةِ قَلْبِه 0 قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ اللهُ يَقُول:

«ذَهَبَ عَقْلِي مِرَارَاً؛ فَكَانَ إِذَا رُفِعَ عَنيِّ الضَّرْبُ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَإِذَا اسْتَرْخَيْتُ وَسَقَطْتُ رُفِعَ الضَّرْب، أَصَابَني ذَلِكَ مِرَارَاً، وَرَأَيْتُ المُعْتَصِمَ قَاعِدَاً في الشَّمْسِ بِغَيْرِ مِظَلَّة؛ فَسَمِعْتُهُ وَقَد أَفَقْتُ يَقُولُ لاِبْنِ أَبي دُوَاد: لَقَدِ ارْتَكَبْتُ إِثْمَاً في أَمْرِ هَذَا الرَّجُل؛ فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، إِنَّهُ وَاللهِ كَافِرٌ مُشْرِك، قَدْ أَشْرَكَ مِن غَيْرِ وَجْه؛ فَلاَ يَزَالُ بِهِ حَتىَّ يَصْرِفَهُ عَمَّا يُرِيد، وَقَدْ كَانَ أَرَادَ تَخْلِيَتي بِلاَ ضَرْب ؛ فَلَمْ يَدَعْهُ وَلاَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم» 0 عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلاً، فَأَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرَاً: جَعَلَ لَهُ وَزِيرَاً صَالِحَاً، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَه، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَه» 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 6596، 489، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: 4204]

عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «مَا بَعَثَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالىَ مِنْ نَبيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِن خَلِيفَةٍ: إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْه؛ فَالمَعْصُومُ مَن عَصَمَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ» [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 7198 / فَتْح]

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «مَا مِنْ وَالٍ إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَر، وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالاً ـ أَيْ لاَ تُقَصِّرُ في تَضْلِيلِهِ ـ فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَا فَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَ مِنَ الَّتي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنهُمَا» 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: 4201، وَالأُسْتَاذ وَحُسَيْن سَلِيم أَسَد في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَبي يَعْلَى بِرَقْم: 6000]

قَالَ حَنْبَل: بَلَغَني أَنَّ المُعْتَصِمَ قَالَ لاَِبْنِ أَبي دُوَادَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ أَبُو عَبْدِ الله: كَمْ ضُرِبَ؟ قَال: أَرْبَعَةً أَوْ نَيِّفَاً وَثَلاَثِينَ سَوْطَاً» 0 قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الأَسَدِيُّ قَال: «لَمَّا حُملَ أَحْمَدُ لِيُضْرَب: جَاؤُواْ إِلىَ بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ وَقَالُواْ: قَدْ وَجبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَكَلَّم؛ فَقَال: أَتُرِيدُونَ مِنيِّ أَقُومَ مَقَامَ الأَنْبِيَاء؛ لَيْسَ ذَا عِنْدِي، حَفِظَ اللهُ أَحْمَدَ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ

وَمِن خَلْفِه» قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ المُثَنىَّ صَاحِبُ بِشْرٍ قَال: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: قِيلَ لي: اكْتُبْ ثَلاَثَ كَلِمَاتٍ وَيُخَلَّى سَبِيلُك؛ فَقُلْتُ: هَاتُواْ، قَالُواْ: اكْتُبْ: اللهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ؛ فَكَتَبْت؛ فَقَالُواْ: اكْتُبْ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ اللهِ مَخْلُوق؛ قُلْتُ: أَمَّا هَذِهِ فَلاَ، وَرَمَيْتُ بِالقَلَم» 0 قَالَ أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللهِ الزُّهْرِيّ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:

«قُلْتُ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بَيْنَ الْعُقَابَين: يَا أُسْتَاذ؛ قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: (لاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ (﴿النِّسَاء﴾ قَالَ رَحمَهُ اللهُ: يَا مَرُّوذِيّ؛ اخْرُجْ وَانْظُرْ؛ فَخَرَجْتُ إِلىَ رَحْبَةِ دَارِ الخِلاَفَة؛ فَرَأَيْتُ خَلْقَاً لاَ يُحْصِيهِمْ إِلاََّ الله، وَالصُّحُفُ في أَيْدِيهِمْ، وَالأَقْلاَمُ وَالمَحَابِر، فَقَالَ لَهُمُ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيّ: مَاذَا تَعْمَلُون؟ قَالُواْ: نَنْظُرُ مَا يَقُولُ أَحْمَدُ فَنَكْتُبُه؛ فَدَخَلَ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَال: يَا مَرُّوذِيُّ أُضِلُّ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ»؟

قَالَ حَنْبَل: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ رَحمَهُ الله: قَالَ بُرْغُوثُ [يَوْمَ المِحْنَة]: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، هُوَ كَافِرٌ حلاَلُ الدَّم، اضْرِبْ عُنُقَه، وَدَمُهُ في عُنُقِي، وَقَالَ شُعَيْبٌ كَذَلِكَ أَيْضَاً؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو إِسْحَاقَ إِلَيْهِمَا، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: لَمْ يَكُنْ في الْقَوْمِ أَشَدُّ تَكْفِيرَاً لي مِنهُمَا، وَأَمَّا ابْنُ سِمَاعَةَ فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّه مِن أَهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ ولَهُمْ قَدَم، وَلَعَلَّهُ يَصِيرُ إِلىَ الَّذِي عَلَيْهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِين، فَكَأَنَّه رقَّ

عِنْدَهَا، وَكَانَ إِذَا كَلَّمَني ابْنُ أَبي دُوَادَ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلىَ كَلاَمِه، وَإِذَا كلَّمَني أَبُو إِسْحَاقَ أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْل؛ فَقَالَ في اليَوْمِ الثَّالِث: أَجِبْني يَا أَحْمَد، فَإِنَّهُ بَلَغَني أَنَّكَ تحِبُّ الرِّئَاسَة؛ وَذَلِكَ لَمَّا أَوْغَرُواْ قَلْبَه عَلَيّ، وَجَعَلَ بَرْغُوثُ يَقُول: قَالَ الجَبْرِيُّ كَذَا وَكَذَا [يَقْصِدُ لَعَنَهُ اللهُ الإِمَامَ أَحْمَد] 00 كَلاَمٌ هُوَ الْكُفْرُ بِالله، فَجَعَلْتُ أَقُولُ مَا أَدْرِي مَا هَذَا، إِلاََّ أَنيِّ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ لاَ شِبْهَ لَهُ وَلاَ عِدْل،

وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، فَسَكَتَ أَخْزَاهُ الله، ثُمَّ قَالَ ليَ المُعْتَصِم: يَا أَحْمَد؛ إِنيِّ لأُشْفِقُ عَلَيْكَ شَفَقَتي عَلَى ابْني هَارُون؛ فَأَجِبْني، وَاللهِ لَودِدْتُ أَنيِّ لَمْ أَكُن عَرَفْتُكَ يَا أَحْمَد؛ اللهَ اللهَ في دَمِك؛ فلَمَّا كَانَ في آخِرِ ذَلِكَ قَال: لَعَنَكَ الله؛ لَقَدْ طَمِعْتُ أَنْ تُجِيبَني، ثمَّ قَال: خُذُوهُ وَاسْحَبُوه [أَيْ عَلَى الْعَرُوسَة]؛ فَأُخِذْتُ ثُمَّ خُلِّعْت، وَجِيءَ بِعُقَابَيْنِ وَأَسْيَاط، وَكَانَ مَعِي شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثمَّ صُيِّرْتُ

بَيْنَ الْعُقَابين؛ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، اللهَ اللهَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَال: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاََّ اللهُ وَأَنيِّ رَسُولُ اللهِ إِلاََّ بِإِحْدَى ثَلاَث» 0 يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ فِيمَ تَسْتَحِلُّ دَمِي 00؟! اللهَ اللهَ لاَ تَلْقَ اللهَ وَبَيْني وَبَيْنَكَ مُطَالَبَة، اذْكُرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وُقُوفَكَ بَينَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَوُقُوفي بَيْن يَدَيْك، وَرَاقِبِ اللهَ جَلَّ جَلاَله؛ فَكَأَنَّهُ أَمْسَك؛ فَخَافَ ابْنُ أَبي دُوَادَ

أَنْ يَكُونَ مِنهُ عَطْفٌ أَوْ رَأْفَةٌ فَقَال: إِنَّه كَافِرٌ بِاللهِ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ضَالٌّ مُضِلّ» 00!! حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ الْعُبَادِيُّ قَال: قَال أَبُو محَمَّدٍ الطُّفَاوِيّ: «أَخْبِرْني بِمَا صَنعُواْ بِك 00؟ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: لَمَّا ضُربْتُ بِالسِّيَاط: جَعَلْتُ أَذْكُرُ كَلاَمَ الأَعْرَابيّ، ثمَّ جَاءَ ذَاكَ الطَّوِيلُ اللِّحْيَةِ [يَعْني عُجَيفَاً] فَضَرَبَني بِقَائِمِ السَّيْف، ثمَّ جَاءَ ذَاكَ فَقُلْتُ: قَدْ جَاءَ الْفَرَج 000 يَضْرِبُ عُنُقِي فَأَسْتَرِيح؛ فَقَال لَهُ ابْن سَمَاعَة: يَا

أَمِيرَ المُؤْمِنِين، اضْرِبْ عُنُقَهُ وَدمُهُ في رَقَبَتي؛ فَقَالَ ابْنُ أَبي دُوَاد: لاَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَفْعَلْ؛ فَإِنَّهُ إِنْ قُتلَ أَوْ مَاتَ في دَارِكَ قَالَ النَّاس: صَبَرَ حَتىَّ قُتِلَ فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ إِمَامَاً وَثَبَتُواْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْه، وَلَكِن أَطْلِقْهُ السَّاعَة؛ فَإِنْ مَاتَ خَارجَاً مِنْ مَنْزِلِكَ شَكَّ النَّاسُ في أَمْرِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجَابَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُجِبْ» 0 حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الجَرَوِيِّ قَال:

«دَخَلْتُ أَنَا وَالحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَلَى أَحْمَدَ حِدْثَانَ ضَرْبِهِ؛ فَقَالَ لَنَا: ضُربْتُ فَسَقَطْتُ، وَسَمِعْتُ ذَاكَ [يَعْني ابْنَ أَبي دُوَادَ] يَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ هُوَ وَاللهِ ضَالٌّ مُضِلّ؛ فَقَالَ لَهُ الحَارِث: أَخْبَرَني يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سُعِيَ بِهِ حَتىَّ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ وَعُلِّقَتْ كُتُبُهُ في عُنُقِه، ثمَّ قَالَ الإِمَامُ مَالِك: وَقَدْ ضُرِبَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَحُلِقَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ، وَضُرِبَ أَبُو الزِّنَاد، وَضُرِبَ محَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ وَأَصْحَابٌ لَهُ في حَمَّامٍ بِالسِّيَاط، وَمَا ذكرَ مَالِكٌ نَفْسَهُ، فَأُعْجِبَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ الحَارِثِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا» 0 قَالَ مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَان: «ضَربَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَالِكَاً تِسْعِينَ سَوْطَاً سنَةَ 147 هـ» وَرُوِيَ عَنْ محَمَّدِ بْنِ أَبي سَمِينَةَ عَنْ شَابَاصَ التَّائِبِ قَال: «لَقَدْ ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ ثَمَانِينَ سَوْطَاً، لَوْ ضَرَبْتَهُ عَلَى فِيلٍ لَهَدَّتْهُ» 0

قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: «سَمِعْتُ أَبي يَقُول: أَتيْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ بَعْدَ مَا ضُرِبَ بِثَلاَثِ سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا؛ فَجَرَى ذِكْرُ الضَّرْبِ فَقُلْتُ لَهُ: ذَهَبَ عَنْكَ أَلَمُ الضَّرب 00؟ فَأَخْرَجَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَدَيْه، وَقبضَ كُوعَيْهِ اليَمِينَ وَاليسَارَ وَقَال: هَذَا: كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ خُلِعَا» 0 حَدَّثَ ابْنُ أَبي حَاتمٍ الْوَرَّاقُ عَن أَبي زُرْعَةَ الرَّازِي أَنَّ المُعْتَصِمَ حِينَ خَشِيَ مِنْ ثَوْرَةِ الْعَامَّةِ غَضَبَاً عَلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ التَّلَفِ أَخْرَجَهُ

لِلنَّاسِ وَقَال: انْظُرُواْ إِلَيْه؛ أَلَيْسَ هُوَ صَحِيحَ الْبَدَن؟ قَالُواْ: نَعَمْ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِي: وَلَوْلاَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لكُنْتُ أَخَافُ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ لاَ يُقَامُ لَه؛ فَلَمَّا قَالَ قَدْ سَلَّمْتُه إِلَيْكُمْ صَحِيحَ الْبَدَنِ هَدأَ النَّاسُ وَسَكَنُواْ، وَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ عَامَّةُ بَغْدَادَ رُبَّمَا عَجِزَ عَنهُمْ» 0 قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: «لَمَّا أَمْرَ المُعْتَصِمُ بِتَخْلِيَةِ أَبي عَبْدِ الله: خَلَعَ عَلَيْهِ مُبَطَّنَةً وَقَمِيصَاً وَطَيْلَسَانَاً، وَقَلَنْسُوَةً وَخُفَّاً،

فَبَينَا نَحْنُ عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَالنَّاسُ في المَيدَانِ وَالدُّرُوبِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ غُلَّقَتِ الأَسْوَاق؛ إِذْ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَى دَابَّةٍ مِنْ دَارِ المُعْتَصِمِ في تِلْكَ الثِّيَاب، وَأَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ عَنْ يَمِينِه، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالي بَغْدَادَ عَنْ يسَارِه، فَلَمَّا صَارَ في الدِّهْلِيزِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ قَالَ لَهُمُ ابْنُ أَبي دُوَاد: اكْشِفُواْ رَأْسَهُ، وَبَعَثَ إِلىَ وَالِدِي وَإِلىَ جِيرَانِنَا وَمَشَايِخِ المَحَالِّ فَجُمِعُواْ وَأُدْخِلُواْ عَلَيْه، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا

أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، وَإِنْ كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَعْرِفُهُ؛ وَإِلاََّ فَلْيَعْرِفْه» 00 قَالَ هَذَا تَهْدِئَةً لِلنَّاس 0 قَالَ حَنْبَل: «فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْزِلَ احْتَضَنْتُهُ وَلَمْ أَعْلَمْ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى مَوْضِعِ الضَّرْب؛ فَصَاحَ رَحمَهُ الله؛ فَنَحَّيْتُ يَدِي؛ فَنَزَلَ مُتَوَكِّئَاً عَلَيَّ وَأَغْلَقَ الْبَاب، وَدَخَلْنَا مَعَهُ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِهِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ إِلاََّ بِجَهْدٍ، وَنَزَعَ مَا كَانَ خُلِعَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِهِ فَبِيعَ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِه» 0

قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتمٍ الْوَرَّاق: قَالَ أَبُو الْفَضْلِ صَالِح: «خُلِّيَ عَنهُ فَصَارَ إِلىَ المَنْزِل، وَوُجِّهَ إِلىَ المَطْبَق [كَالمُسْتَشْفَى]، فَجِيءَ بِرَجُلٍ مِمَّنْ يُبْصِرُ الضَّرْبَ وَالْعِلاَجَ فَنَظَر إِلىَ ضَرْبِهِ فَقَال: قَدْ رَأَيْتُ مَنْ ضُربَ أَلْفَ سَوْط؛ مَا رَأَيْتُ ضَرْبَاً مِثْلَ هَذَا؛ لَقَدْ جُرَّ عَلَيْهِ مِن خَلْفِهِ وَمِنْ قُدَّامِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مِيلاً [أَيْ عُودَاً]، فَأَدْخَلَهُ في بَعْضِ تِلْكَ الجِرَاحَاتِ [لِيَسْبُرَ غَوْرَهَا، وَلِيَعْرِفَ هَلْ هِيَ جِرَاحَاتٌ سَطْحِيَّةٌ أَمْ عَمِيقَة]،

فَنَظَر إِلَيْهِ فَقَال: لَمْ يُنْقَبْ 00؟ وَجَعَلَ يَأْتِيهِ بِالمَرَاهِمِ يُعَالِجُه، وَكَانَ قَدْ أَصَابَ وَجْهَهُ غَيْرُ ضَرْبَة، وَمَكَثَ مُنْكَبَّاً عَلَى وَجْهِه مَا شَاءَ الله، ثمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا شَيْئَاً أُرِيدُ أَن أَقْطَعَه؛ فَجَاءَ بحَدِيدَةٍ فَجَعَلَ يُعلِّقُ اللَّحْمَ بِهَا فَيَقْطَعُهُ بِسِكِّينٍ مَعَهُ، وَهُوَ صَابرٌ لِذَلِكَ يَجْهَرُ بحَمْدِ اللهِ في ذَلِك، فَبَرَأَ مِنهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَوَجَّعُ مِنْ مَوَاضِعَ مِنهُ، وَكَانَ أَثَرُ الضَّرْبِ بَيِّنَاً في ظَهْرِه إِلىَ أَنْ تُوُفِّيَ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ

يَوْمَاً فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَني أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَيْكَ فَقَالَ اجْعَلْني في حِلٍّ إذْ لَمْ أَقُمْ بِنُصْرَتِكَ فَقُلْتَ: لاَ أَجْعَلُ أَحَدَاً في حِلّ؛ فَتَبَسَّمَ أَبي وَسَكَتَ، وَسَمِعْتُ أَبي يَقُول: لَقَدْ جَعَلْتُ المَيِّتَ في حِلٍّ مِنْ ضَرْبِهِ إِيَّاي [أَيِ المُعْتَصِم] ثمَّ قَال: مَرَرْتُ بِهَذِه الآيَة: (فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله (﴿الشُّورَى/40﴾ فَنَظَرْتُ في تَفْسِيرِهَا؛ فَإذَا هُوَ مَا أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَال:

أَخْبَرَني مَنْ سَمِعَ الحَسَنَ يَقُول: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَثَتِ الأُمَمُ كُلُّهَا بَينَ يَدَيِ اللهِ رَبِّ الْعَالِمِين، ثُمَّ نُودِيَ أَنْ لاَ يَقُومَ إِلاََّ مَن أَجْرُه عَلَى الله؛ فَلاَ يَقُومُ إِلاََّ مَن عَفَا في الدُّنْيَا» 0 فَجَعَلْتُ المَيِّتَ في حِلّ، ثُمَّ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: وَمَا عَلَى رَجُلٍ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ اللهُ أَحَدَاً بِسَبِبِه» 0 قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنَادِي: حَدَّثَني جَدِّي أَبُو جَعْفَرٍ قَال:

«لَقِيْتُ أَبَا عَبْدِ الله؛ فرَأَيْتُ في يَدَيْهِ مِجْمَرَةً يُسخِّنُ خِرْقَةً، ثمَّ يَجْعَلُهَا عَلَى جَنْبِهِ مِنَ الضَّرْب، فَقَال: يَا أَبَا جَعْفَر؛ مَا كَانَ في الْقَوْمِ أَرَأَفُ بي مِنَ المُعْتَصِم» 00 المِجْمَرَة: الَّتي يُوضَعُ فِيهَا الجَمْر قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: «لَمَّا أَرَدْنَا عِلاَجَهُ؛ خِفْنَا أَنْ يَدُسَّ ابْنُ أَبي دُوَادَ إِلىَ المُعَالِجِ فَيُلْقِيَ في دَوَائِهِ سُمَّاً؛ فَعَمِلْنَا الدَّوَاءَ وَالمَرْهَمَ عِنْدنَا فَكَانَ في بَرْنِيَّةٍ؛ فَإِذَا دَاوَاهُ رَفَعْنَاهَا، وَكَانَ إِذَا أَصَابَهُ الْبَرْدُ

ضَرَبَ عَلَيْه» 00 أَيْ آلَمَهُ 0 قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَال: «بَلَغَني أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ جَعَلَ المُعْتَصِمَ في حِلٍّ يَوْمَ فَتْحِ عَاصِمَةِ بَابَكَ وَظَفَرِهِ بِهَا، أَوْ يَوْمَ فَتْحِ عَمُّورِيَّة، فَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: هُوَ في حِلٍّ مِنْ ضَرْبي» 0 قَالَ حَنْبَل: «سَمِعْتُهُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَقُول: كُلُّ مَنْ ذَكَرَني فَفِي حِلٍّ؛ إِلاََّ مُبْتَدِعَاً، وَقَدْ جَعَلْتُ أَبَا إِسْحَاقَ [يَعْني الخَلِيفَةَ المُعْتَصِمَ] في حِلٍّ؛ رَأَيْتُ اللهَ

عَزَّ وَجَلَّ يَقُول: (وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُم (﴿النُّور/22﴾ وَأَمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أَبَا بَكْرٍ بِالعَفْوِ في قِصَّةِ مِسْطَح، وَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ اللهُ ذِكْرَه: وَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذِّبَ اللهُ أَخَاكَ المُسْلِمَ بِسَبَبِك» 00؟! ـ مِحْنَةُ الْوَاثِق: قَالَ حَنْبَل: «لَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللهِ بَعْدَ أَنْ بَرِئَ مِنَ الضَّرْبِ يَحْضُرُ الجُمُعَةَ وَالجَمَاعَةَ وَيُحَدِّثُ وَيُفْتي حَتىَّ مَاتَ المُعْتَصِمُ وَوَلِيَ ابْنُهُ الْوَاثِق؛

فَأَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ مِنَ المِحْنَةِ وَالمَيْلِ إِلىَ أَحْمَدَ بْنِ أَبي دُوَادَ وَأَصْحَابِه؛ فَلَمَّا اشْتَدَّ الأَمْرُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَاد، وَأَظْهَرَتِ الْقُضَاةُ المِحْنَةَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَفُرِّقَ بَيْنَ فَضْلٍ الأَنْمَاطِيِّ وَبَيْنَ امْرَأَتِه، وَبَيْنَ أَبي صَالِحٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِه، كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يَشْهَدُ الجُمُعَةَ وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ إِذَا رَجَعَ وَيَقُول: تُؤْتىَ الجُمُعَةُ لِفَضْلِهَا، وَالصَّلاَةُ تُعَادُ خَلْفَ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ المَقَالَة؛ فَجَاءَ نَفرٌ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ فَقَالُواْ: هَذَا

الأَمْرُ قَدْ فَشَا وَتفَاقم، وَنَحْنُ نَخَافُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِن هَذَا، وَذَكَرُواْ ابْنَ أَبي دُوَادَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَأَنَّهُ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ المُعَلِّمِينَ بِتَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ في المكَاتِبِ الْقُرْآنُ كَذَا وَكَذَا، فَنَحْنُ لاَ نَرْضَى بِإِمَارَتِه؛ فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْر، فَبَيْنَمَا نَحْنُ في أَيَّامِ الْوَاثِقِ إِذْ جَاءَ يَعْقُوبُ لَيْلاً بِرِسَالَةِ الأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ يَقُولُ لَكَ الأَمِير: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ ذَكَرَك؛ فَلاَ

يَجْتَمِعَنَّ إِلَيْكَ أَحَد، وَلاَ تُسَاكِنيِّ بِأَرْضٍ وَلاَ مَدينَةٍ أَنَا فِيهَا؛ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِن أَرْضِ الله؛ فَاخْتَفَى أَبُو عَبْدِ اللهِ بَقِيَّةَ حَيَاةِ الْوَاثِق، وَكَانَتْ تِلْكَ فِتْنَةً، وَقُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الخُزَاعِيّ، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُخْتَفِيَاً في الْبَيْتِ لاَ يَخْرُجُ إِلىَ صَلاَةٍ وَلاَ إِلىَ غَيْرِهَا حَتىَّ هَلَكَ الْوَاثِق» 0 قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئ: «اخْتَفَى أَبُو عَبْدِ اللهِ عِنْدِي ثَلاَثَاً ثمَّ قَال: اطْلُبْ لي مَوْضِعَاً؛ قُلْتُ: لاَ آمَنُ عَلَيْك 00 قَالَ

افْعَلْ؛ فَإِذَا فَعَلْتَ أَفَدْتُك؛ فَطَلَبْتُ لَهُ مَوْضِعَاً، فَلَمَّا خَرَجَ قَال: اخْتَفَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في الْغَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَحَوَّل» 00 عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَه؛ حَتىَّ في هُرُوبِهِ يَقْتَدِي بمَحْبُوبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 0 كَتَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجَعْدِ قَاضِي بَغْدَادَ إِلىَ ابْنِ أَبي دُوَاد: «إِنَّ أَحْمَدَ قَدِ انْبَسَطَ في الحَدِيث؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ الإِمَامَ أَحْمَد؛ فَقَطَعَ الحَدِيثَ إِلىَ أَنْ تُوُفِّيَ» 0

قَالَ ابْنُهُ صَالِح: «وَجَّهَ إِسْحَاقُ إِلىَ أَبي: الْزَمْ بَيْتَكَ وَلاَ تَخْرجْ إِلىَ جَمَاعَةٍ وَلاَ جُمُعَة، وَإِلاََّ نَزَلَ بِكَ مَا نَزَلَ بِكَ أَيَّامَ المُعْتَصِم» 0 ـ قِصَّتُهُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَأَثَابَ صَبرَهُ مَعَ الخَلِيفَةِ المُتَوَكِّل: قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: «وَلِيَ المُتَوَكِّلُ جَعْفَرٌ، فَأَظْهَرَ السُّنَّةَ وَفَرَّجَ عَنِ النَّاس، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُنَا وَيُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ في أَيَّامِ المُتَوَكِّل» 0 قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل:

«إِنَّ المُتَوَكِّلَ ذَكَرَهُ، وَكَتَبَ إِلىَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ في إِخْرَاجِهِ إِلَيْه؛ فَجَاءَ رَسُولُ إِسْحَاقَ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ يَأْمُرُهُ بِالحُضُور؛ فَمَضَى أَبُو عَبْدِ اللهِ ثمَّ رَجَع، فَسَأَلَهُ أَبي عَمَّا دُعِيَ لَهُ 00؟ فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَرَأَ عَلَيَّ كِتَابَ جَعْفَرٍ يَأْمُرُني بِالخُرُوجِ إِلىَ الْعَسكر [بِسُرَّ مَنْ رَأَى] وَقَالَ لي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم: مَا تَقُولُ في الْقُرْآن 00؟ فَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ نَهَى عَن هَذَا؛ فَقَالَ لي: لاَ تُعْلِمْ أَحَدَاً أَنيِّ سَأَلْتُكَ عَنِ الْقُرْآن؛ فَقُلْتُ لَهُ: مَسْأَلَةُ مُسْتَرْشِدٍ أَوْ مَسْأَلَةُ مُتَعَنِّت 00؟ قَال: بَلْ مُسْتَرْشِد؛ قُلْتُ: الْقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ لَيْسَ بِمَخْلُوق» 0 قَالَ صَالحُ بْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قَالَ أَبي عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَالَ لي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم: اجعَلْني في حِلٍّ مِن حُضُورِي ضَرْبَك؛ فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُ كُلَّ مَن حَضَرَني في حِلّ، وَقَالَ لي: مِن أَيْنَ قُلْتَ:

إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ 00؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر (﴿الأَعْرَاف/54﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ الخَلْقِ وَالأَمْر؛ فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم: الأَمْرُ مَخْلُوق؛ ثمَّ قَال: يَا سُبْحَانَ الله؛ أَمَخْلُوقٌ يَخْلُقُ خَلْقَاً 00؟! [أَيْ إِنْ كَانَتْ «كُنْ» مَخْلُوقَةً؛ أَمَخْلُوقٌ يَخْلُقُ خَلْقَاً] 00؟! ثُمَّ قَالَ لي [أَيْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ لِلإِمَامِ أَحْمَد]: عَمَّنْ تَحْكِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوق 00؟

قُلْتُ: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محَمَّدٍ قَال: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلاَ مَخْلُوق» 0 قَالَ حَنْبَل: لَمْ يَكُن عِنْدَ أَبي عَبْدِ اللهِ مَا يَتَحَمَّلُ بِهِ أَوْ يُنْفِقُهُ، وَكَانَتْ عِنْدِي مِاْئَةُ دِرْهَم؛ فَأَتَيْتُ بِهَا أَبي؛ فَذَهَبَ بِهَا إِلَيْه، فَأَصْلَحَ بِهَا مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَاكْتَرَى وَخَرَج، وَلَمْ يَمْضِ إِلىَ محَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلاَ سَلَّمَ عَلَيْه؛ فَكَتَبَ بِذَلِكَ محَمَّدٌ إِلىَ أَبِيه؛ فَحَقَدَهَا إِسْحَاقُ عَلَيْهِ وَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّ أَحْمَدَ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ

فصول الكتاب · 125 فصل · 2294 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حياة التابعين · 2294 صفحة
الْكَاتِبُ في سُطُور:الإِمَامُ البُخَارِيّالإِمَامُ مُسْلِم
الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل
الإِمَامُ أَبُو دَاوُدأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّالإِمَامُ التِّرْمِذِيّالإِمَامُ ابْنُ مَاجَةالإِمَامُ النَّسَائِيّالإِمَامُ الدَّارِمِيّالإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةالإِمَامُ ابْنُ حِبَّانالإِمَامُ أَبُو يَعْلَىالإِمَامُ الطَّبَرَانيإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهالإِمَامُ الحُمَيْدِيّأَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبي شَيْبَةمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدعِكْرِمَةُ مَوْلىَ ابْنِ عَبّاسعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيّثَابِتٌ الْبُنَانيّأَبُو العَالِيَةسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيّ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةالأَعْمَشأَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ عُقْدَةأَبُو بَكْرِ بْنُ محَمَّدِ بْنِ الجَعَّابيّحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةحَمَّادُ بْنُ زَيْدعَمْرُو بْنُ دِينَارابْنُ جُرَيْجعَبْدُ الكَرِيمِ الجَزَرِيّإِبْرَاهِيمُ الحَرْبيّالْفِرْيَابيّ
ُ عَبْدُ الْغَنيِّ المَقْدِسِيّ
سُلَيْمَانُ التَّيْمِيّيَزِيدُ بْنُ هَارُونإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبي خَالِدعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّابْنُ أَبي ذِئْبالْقَعْنَبيّالأَشْجَعِيّهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيّغُنْدَرمَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيّمَكْحُولٌ الأَزْدِيّيحْيىَ بْنُ يحْيىَ التَّمِيمِيّالْقَوَارِيرِيّأَبُو كُرَيْبخَالِدُ بْنُ الحَارِثابْنُ المُقْرِئهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرأَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشابْنُ لَهِيعَةابْنُ أَبي دَاوُدعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ الْقَاسِمِ بْنِ محَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِالْقَاسِمُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقشُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجعَلِيُّ بْنُ المَدِينيّ
يَحْيىَ بْنُ مَعِين
أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي[ابْنُهُ]يحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّالإِمَامُ الدَّارَقُطْنيّعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمأَبُو حَفْصٍ الْفَلاََّسأَبُو بَكْرٍ الخَطِيبابْنُ الصَّلاَحِ الصَّفَدِيِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّالإِمَامُ الذَّهَبيّالإِمَامُ أَبُو حَنِيفَة
الإِمَامُ مَالِك
الإِمَامُ الأَوْزَاعِيّ
الإِمَامُ الشَّافِعِيّ
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدالشَّعْبيّرَبِيعَةُ الرَّأْيأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِيأَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانمُجَاهِدقَتَادَةسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرالإِمَامُ الطَّبَرِيّ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز
شُرَيْحٌ القَاضِيالأَصْمَعِيّأَعْلاَمُ الْعَلَوِيِّين [الأَشْرَاف]:ُّ جَعْفَرٍ الصَّادِقجَعْفَرٌ الصَّادِقمُوسَى الكَاظِمأَعْلاَمُ الزُّهَّادأَيُّوبُ السِّخْتِيَانيّعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الكُوفِيّعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنمحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح
عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَك
الحَسَنُ الْبَصْرِيَّ محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَمحَمَّدُ بْنُ سِيرِين
الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاض
الرَّبيعُ بْنُ خُثَيْمإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَممَعْرُوفٌ الْكَرْخِيّذُو النُّونِ المِصْرِيّوَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحمَنْصُورُ بْنُ عَمَّاريَزِيدُ بْنُ زُرَيْعدَاوُدٌ الطَّائِيّصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمالْعَلاَءُ بْنُ زِيَادسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزالمُعَافَى بْنُ عِمْرَانِ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّابْنُ سَمْعُونابْنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيّ
جارٍ التحميل