حياة التابعينصفحات 196-235
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل

صفحات 196-235
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
حياة التابعين
المؤلف
يَاسِر بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبي الحَمْدِ الْكُوَيِّس الحَمَدَاني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

وَيَقُول: مَا شَاءَ اللهُ كَان، ثمَّ قَال: يَا أَبَا جَعْفَر؛ أَعِدْ عَلَيَّ؛ فَأَعَدْتُ عَلَيْه؛ وَهُوَ يَقُول: مَا شَاءَ اللهُ كَان» 0 قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: «جَعَلُواْ يُذَاكِرُونَ أَبَا عَبْدِ اللهِ بِالرَّقَّةِ في التَّقِيَّةِ وَمَا رُوِيَ فِيهَا؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: كَيْفَ تَصْنَعُونَ بحَدِيثِ خَبَّاب: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُنْشَرُ أَحَدُهُمْ بِالمِنْشَارِ لاَ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِه» 00 فَأَيِسْنَا مِنهُ، وَقَال: لَسْتُ أُبالِي بِالحَبْس؛ مَا هُوَ

وَمَنْزِلِي إِلاََّ وَاحِد، وَلاَ قَتْلاً بِالسَّيْف؛ إِنَّمَا أَخَافُ فِتْنَةَ السَّوْط؛ فَسَمِعَهُ بَعْضُ أَهْل الحَبْسِ فَقَال: لاَ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ فَمَا هُوَ إِلاََّ سَوْطَان، ثمَّ لاَ تَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ الْبَاقِي، فَكَأَنَّهُ سُرِّي عَنهُ» 0 ـ مِحْنَةُ المُعْتَصِم: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: «حَدَّثَني مَن أَثِقُ بِهِ عَنْ محَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ [وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صَاحِبُ شُرطَةِ المُعْتَصِمِ خِلاَفَةً لأَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ] قَال: مَا

رَأَيْتُ أَحَدَاً لَمْ يُدَاخِلِ السُّلْطَانَ وَلاَ خَالَطَ المُلُوكَ أَثْبَتَ قَلْبَاً مِن أَحْمَدَ يَوْمَئِذٍ، مَا نَحْنُ في عَيْنِهِ إِلاََّ كَأَمْثَالِ الذُّبَاب» 0 قَالَ ابْنُهُ صَالِح: حُمِلَ أَبي وَمحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ مِنْ بَغْدَادَ مُقَيَّدَيْن؛ فَصِرْنَا مَعَهُمَا إِلىَ الأَنْبَار؛ فَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ الأَحْوَلُ أَبي: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ إِن عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيب 00؟

قَال: لاَ؛ ثُمَّ سُيِّرَا؛ فَسَمِعْتُ أَبي يَقُول: سِرْنَا إِلىَ الرَّحْبَة، وَرَحَلْنَا مِنهَا في جَوْفِ اللَّيْل، فَعَرَضَ لَنَا رَجُلٌ فَقَال: أَيُّكُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل 00؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا؛ فَقَالَ لِلْجمَّال: عَلَى رِسْلِك، ثُمَّ قَال: يَا هَذَا، مَا عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ هَا هُنَا، وَتَدْخُلَ الجَنَّة 00؟ ثمَّ قَال: أَسْتوْدِعُكَ الله، وَمَضَى؛ فَسَأَلْتُ عَنهُ، فَقِيلَ لي: هَذَا رَجُلٌ مِن الْعَرَبِ مِنْ رَبِيعَةَ يَعْمَلُ الشَّعْرَ في الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ جَابِرُ بْنُ عَامِر، يُذْكَرُ بِخَيْر» 00 أَيْ

حَسَنُ السِّيرَة، محمُودُ السَّرِيرَة قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الله قَال: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل: «مَا سَمِعْتُ كَلِمَةً مُنْذُ وَقعْتُ في هَذَا الأَمْرِ أَقوَى مِنْ كَلِمَةِ أَعْرَابيٍّ كَلَّمني بِهَا في رَحْبَةِ طَوْق: قَالَ يَا أَحْمَد؛ إِنْ يَقْتُلْكَ الحَقُّ مُتَّ شَهِيدَاً، وَإِن عِشْتَ عِشْتَ حَمِيدَاً؛ فَقَوَّى قَلْبي» 0

قَالَ ابْنُهُ صَالِح: قَالَ أَبي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «لَمَّا صِرْنَا إِلىَ أَذَنَة [بَلْدَةٌ جَنُوبَ تُرْكِيَا]، وَرَحَلْنَا مِنهَا في جَوْفِ اللَّيْلِ وَفُتِحَ لَنَا بَابُهَا؛ إِذَا رَجُلٌ قَدْ دَخَلَ فَقَال: الْبُشْرَىَ؛ قَدْ مَاتَ الرَّجُل [يَعْني: المَأْمُون]؛ قَالَ أَبي: كُنْتُ أَدْعُو اللهَ أَنْ لاَ أَرَاه» 0

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: لَمَّا صَدَرَ أَبي وَمحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُمَا إِلىَ طَرَسُوس، رُدَّا في أَقْيَادِهِمَا؛ فَلَمَّا صَارَ إِلىَ الرَّقَّةِ حُمِلاَ في سَفِينَة، فَلَمَّا وَصَلاَ إِلىَ عَانَةَ تُوُفِّيَ محَمَّدٌ وَفُكَّ قَيْدُه، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبي، قَالَ حَنْبَل: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً عَلَى حدَاثَةِ سِنِّهِ وَقدْرِ عِلْمِهِ أَقْوَمَ

بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ محَمَّدِ بْنِ نُوح، إِنيِّ لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْر؛ قَالَ لي ذَاتَ يَوْم: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ الله الله؛ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلِي؛ أَنْتَ رَجُلٌ يُقْتَدَى بِك؛ قَدْ مَدَّ الخَلْقُ أَعْنَاقَهُمْ إِلَيْكَ لِمَا يَكُونُ مِنْك؛ فَاتَّقِ اللهَ وَاثْبُتْ لأَمْرِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ، فَمَاتَ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَدَفَنْتُهُ بِعَانَة» 00 عَانَة: بَلْدَةٌ عَلَى الْفُرَاتِ بِشَمَالِ الْعِرَاق 0

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «صَارَ أَبي إِلىَ بَغْدَادَ مُقَيَّدَاً، فَمَكَثَ بِاليَاسِرِيَّة أَيَّامَاً، ثُمَّ حُبِسَ في دَارٍ اكْتُرِيَتْ عِنْدَ دَارِ عُمَارَة، ثُمَّ حُوِّلَ إِلىَ حَبْسِ الْعَامَّةِ في دَربِ المَوْصِليَّة 00 قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: كُنْتُ أُصلِّي بأَهْلِ السِّجْنِ وَأَنَا مُقَيَّد؛ فَلَمَّا كَانَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشَرَةَ [بَعْدَ مَوْتِ المَأْمُونِ بأَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرَاً] حُوِّلْتُ إِلىَ دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَالي بَغْدَاد» 0

قَالَ حَنْبَل: حُبِسَ أَبُو عَبْدِ اللهِ في دَارِ عُمَارَةَ بِبَغْدَادَ في إِصْطَبْلِ الأَمِيرِ محَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيم، أَخِي إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم، وَكَانَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ في حَبْسٍ ضَيِّق، وَمَرِضَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ في رَمَضَان، فَحُوِّلَ بَعْدَ قَلِيلٍ إِلىَ سِجْنِ الْعَامَّة، فَمَكَثَ في السِّجْنِ نحْوَاً مِنْ ثَلاَثِينَ شَهْرَاً، وَكُنَّا نَأْتِيه، فَقَرَأَ عَلَيَّ كِتَابَ «الإِرْجَاءِ» وَغَيْرَهُ في الحَبْس، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي بِهِمْ في الْقَيْد» 0

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «قَالَ أَبي: كَانَ يُوجَّهُ إِلَيَّ كلَّ يَوْمٍ بِرَجُلَيْن، أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَبَاح، وَالآخرُ أَبُو شُعَيْبٍ الحجَّام؛ فَلاَ يَزَالاَنِ يُنَاظِرَانِني؛ حَتىَّ إِذَا قَامَا؛ دُعِيَ بِقَيْدٍ فَزِيدَ في قُيُودِي؛ فَصَارَ في رِجْلِيَّ أَرْبَعَةُ أَقْيَاد؛ فَلَمَّا كَانَ في اليَوْمِ الثَّالِث: دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلاَن، فَنَاظرَني أَحَدُهُمَا؛ فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ في عِلْمِ الله 00؟

قَالَ مَخْلُوق؛ فَقُلْتُ: كَفَرْتَ بِالله؛ قَالَ الرَّسُولُ الَّذِي كَانَ يَحْضرُ مِنْ قَبْلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم: إِنَّ هَذَا رَسُولُ أَمِيرِ المُؤْمِنِين؛ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَدْ كَفر، فَلَمَّا كَانَ في اللَّيْلَةِ الرَّابِعَة، وَجَّهَ المُعْتَصِمُ إِلىَ إِسْحَاقَ فَأَمَرَهُ بِحَمْلِي إِلَيْه؛ فَأُدْخِلْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَقَال: يَا أَحْمَد، إِنَّهَا وَاللهِ نَفْسُك، إِنَّه لاَ يَقْتُلُكَ بِالسَّيْف، إٍِنَّهُ قَدْ آلَى إِنْ لَمْ تُجبْه أَنْ يَضْرِبَكَ ضَربَاً بَعْدَ ضَرب، وَأَنْ يَقْتُلَكَ في مَوْضِعٍ

لاَ يُرَى فِيهِ شَمسٌ وَلاَ قَمَر، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيَّاً ( أَفيَكُونُ مَجْعُولاً إِلاََّ مَخْلُوقَاً 00؟ فَقُلْتُ: فَقَدْ قَالَ جَلَّ جَلاَلهُ: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول (﴿الْفِيل/5﴾ أَفَخَلَقَهُمْ؟ أَمْ صَيَّرَهُمْ؟ وَهَذِهِ عِدَّةُ آيَاتٍ تُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَد: وَقَالَ تَعَالىَ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ نجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِين (﴿فُصِّلَت/29﴾

وَقَالَ تَعَالىَ: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ نجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يحْكُمُون (﴿الجَاثِيَة/21﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورَا (﴿الفُرْقَان/23﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً (﴿الفُرْقَان/37﴾

وَقَالَ تَعَالىَ: (وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ في ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور (﴿سَبَأ/19﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدَاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِين (﴿الصَّافَّات/98﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِين (﴿الأَنْبِيَاء/73﴾

فَسَكَت؛ فَلَمَّا صِرْنَا إِلىَ المَوْضِعِ المَعْرُوفِ بِبَابِ الْبُسْتَان: أُخْرِجْتُ، وَجِيءَ بِدَابَّة؛ فَأُرْكِبْتُ وَعَلَيَّ الأَقْيَاد، مَا مَعِي مَنْ يُمْسِكُني، فَكِدْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَن أَخِرَّ عَلَى وَجْهِي لِثِقَلِ الْقُيود، فَجِيءَ بي إِلىَ دَارِ المُعْتَصِم؛ فَأُدْخِلْتُ حُجْرَةً، ثمَّ أُدْخِلْتُ بَيْتَاً، وَأُقْفِلَ الْبَابُ عَليَّ في جَوْفِ اللَّيْلِ وَلاَ سِرَاج؛ فَأَرَدْتُ الْوضُوء؛ فَمَدَدْتُ يَدِي؛ فَإذَا أَنَا بَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطسْتٌ مَوْضُوع، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْت، فلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَخْرَجْتُ

تِكَّتي [أَيْ حَبْلَ سِرْوَالي]، وَشَدَدْتُ بِهَا الأَقْيَادَ أَحْمِلُهَا [أَيْ بَدَلاً مِنْ جَرِّهَا وَهِيَ مِن حَدِيدٍ ثَقِيل] وَعَطَفْتُ سَرَاويلِي، فَجَاءَ رَسُولُ المُعْتَصِمِ فَقَال: أَجِبْ؛ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَدْخَلَني عَلَيْه، وَالتِّكَّةُ في يَدِي أَحْمِلُ بِهَا الأَقْيَاد، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ حَاضِر، وَقَدْ جَمَعَ خَلْقَاً كَثِيرَاً مِن أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ لي المُعْتَصِم: ادْنُه 00 ادْنُه؛ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيني حَتىَّ قَرُبْتُ مِنهُ، ثمَّ قَال: اجْلِسْ؛ فَجَلَسْتُ وَقَدْ أَثْقَلَتْني

الأَقْيَاد، فَمَكَثْتُ قَلِيلاً، ثُمَّ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ في الْكَلاَم 00؟ قَالَ تَكَلَّمْ؛ فَقُلْتُ: إِلىَ مَا دَعَا اللهُ وَرَسُولُه 00؟ فَسَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَال: إِلىَ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ الله؛ فَقُلْتُ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ الله؛ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ جَدَّك ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنِ الإِيمَان 00؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَان» 00؟

قَالُواْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ اللهُ وَأَنَّ محَمَّدَاً رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاَة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَأَنَّ تُعْطُواْ الخُمُسَ مِنَ المَغْنَم» 0 فَقَالَ المُعْتَصِم: لَوْلاَ أَنيِّ وَجَدْتُكَ في يَدِ مَنْ كَانَ قَبْلِي: مَا عَرَضْتُ لَك، ثُمَّ قَال: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاق؛ أَلَمْ آمُرْكَ بِرَفْعِ المِحْنَة 00؟

فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ إِنَّ في هَذَا لَفَرَجَاً لِلْمُسْلِمِين؛ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَلِّمْه؛ فَقَال: مَا تَقُولُ في الْقُرْآن 00؟ قُلْتُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ في عِلْمِ الله 00؟ فَسَكَتَ، فَقَالَ لي بَعْضُهُمْ: أَلَيْسَ قَالَ اللهُ تَعَالىَ: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ([الرَّعْد/16} وَالقُرْآنُ أَلَيْسَ شَيْئَاً 00؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ (﴿الأَحقَاف/25﴾ فَدَمَّرتْ إِلاََّ مَا أَرَادَ الله 00؟

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث (﴿الأَنْبيَاء/2﴾ أَفَيَكُونُ مُحْدَثٌ إِلاََّ مَخْلُوقَاً 00؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ جَلَّ جَلاَله: (ص، وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْر (﴿ص/1﴾ فَالذِّكرُ هُوَ الْقُرْآن، وَتِلْكَ لَيْسَ فِيهَا أَلِفٌ وَلاَم 00 [أَيْ لَيْسَتْ مُعَرَّفَة] وَذَكرَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الذِّكْرَ» 0 فَقُلْتُ: هَذَا خَطأٌ، حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الذِّكْرَ» 0 وَاحتجُواْ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه:

«مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ جَنَّةٍ وَلاَ نَارٍ وَلاَ سَمَاءٍ وَلاَ أَرْضٍ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ» 0 فَقُلْتُ: إِنَّمَا وَقَعَ الخَلْقُ عَلَى الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالسَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَى الْقُرْآن؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ خَبَّابٍ: «يَا هَنَتَاهُ، تَقَرَّبْ إِلىَ اللهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَّربَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِ» 00 فَقُلْتُ: هَكَذَا هُو، قَالَ صَالِح: وَجَعَلَ ابْنُ أَبي دُوَادَ يَنْظُرُ إِلىَ أَبي كَالمُغْضَب

قَالَ أَبي: وَكَانَ يَتَكَلَّمُ هَذَا؛ فَأَرُدُّ عَلَيْه، وَيَتَكَلَّمُ هَذَا؛ فَأَرُدُّ عَلَيْه، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّجُلُ مِنهُمْ اعْتَرَضَ ابْنُ أَبي دُوَادَ فَيَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، هُوَ وَاللهِ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِع؛ فَيَقُولُ المُعْتَصِم: كَلِّمُوهُ وَنَاظِرُوه؛ فَيُكلِّمُني هَذَا فَأَردُّ عَلَيْه، وَيُكَلُّمُني هَذَا فَأَردُّ عَلَيْه، فَإِذَا انْقَطَعُواْ يَقُولُ المُعْتَصِم: وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ مَا تَقُول 00؟

فَأَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتىَّ أَقُولَ بِهِ؛ فَيَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَاد: أَنْتَ لاَ تَقُولُ إِلاََّ مَا في الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّة 00؟ فَقُلْتُ لَهُ: تَأَوَّلْتَ تَأْوِيلاً فَأَنْتَ أَعْلَم، وَمَا تَأَوَّلْتُ مَا يُحْبَسُ عَلَيْهِ وَلاَ يُقَيَّدُ عَلَيْه» 0 أَيْ: وَمَا قُلْتُ مَا يَسْتَوْجِبُ الْقَيْدَ وَالحَبْس 0

قَالَ حَنْبَل: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: «لَقَدِ احْتَجُّواْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مَا يَضِيقُ بِهِ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني: أَنْكَرُواْ الآثَار، وَمَا ظَنَنْتُهُمْ عَلَى هَذَا حَتىَّ سَمِعْتُه، وَجَعَلُواْ يَرُوغُون: يَقُولُ الخَصْمُ كَذَا وَكَذَا، فَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ بِقَولِه تَعَالى: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِر ( أَفَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَكُمْ؟ [فَإِنَّ المَفْهُومَ مِنْ كَلاَمِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ دَعَاهُمْ لِمَنْ يَسْمَعُ وَيُبْصِر] فَقَالُواْ: شَبَّهَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين 00 شَبَّه» 00!! عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: «قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ? إِنَّهُ كَانَ سَمِيعَاً بَصِيرَاً ? فَوَضَعَ إِصْبَعَةَ الدُّعَاءِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى أُذُنَيْه» 0 [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 63]

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: حَدَّثَني بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ أَبي دُوَادَ أَقْبَلَ عَلَى أَحْمَدَ يُكَلِّمُهُ؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْه؛ حَتىَّ قَالَ المُعْتَصِم: يَا أَحْمَد؛ أَلاَ تُكَلِّمُ أَبَا عَبْدِ الله؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ أَعْرِفُهُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ فَأُكَلِّمَه» 00 الإِمَامُ أَحْمَدُ لَيْسَ مِن أَهْلِ الْعِلْم؛ أَبْعَدَكَ الله

قَالَ ابْنُهُ صَالِح: «وَجَعَلَ ابْنُ أَبي دُوَادَ يَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ وَاللهِ لَئِن أَجَابَك، لَهُوَ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَلْفِ دِينَارٍ وَمِاْئَةِ أَلْفِ دِينَار 000 فَيَعُدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَعُدّ؛ فَقَال: لَئِن أَجَابَني لأُطْلِقَنَّ عَنهُ بِيَدِي، وَلأَرْكَبَنَّ إِلَيْهِ بِجُنْدِي، وَلأَطَأَنَّ عَقِبَه [أَيْ أَقْتَدِي بِهِ وَأَسْتَشِيرُه] ثُمَّ قَال: يَا أَحْمَد، وَاللهِ إِنيِّ عَلَيْكَ لَشَفِيق، وَإِنيِّ لأُشْفِقُ عَلَيْكَ شَفَقَتي عَلَى ابْنيَ هَارُون 00 مَا تَقُول 00؟

فَأَقُول: أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 0 فَلَمَّا طَالَ المَجْلِسُ: ضَجِرَ وَقَال: قُومُواْ، وَحَبَسَني عِنْدَه، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ يُكَلِّمُني، يَقُول: وَيْحَكَ أَجِبْني؛ فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَد: وَيْحَكَ أَلَمْ تَكنْ تَأْتِينَا؟ [أَيْ تَطْلُبُ الْعِلْمَ بَينَ يَدَيّ] فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لِلْخَلِيفَةِ المُعْتَصِم: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ أَعْرِفُهُ مُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَة، يَرَى طَاعتَكَ وَالحَجَّ وَالجِهَادَ مَعَك

؛ فَيَقُول: وَاللهِ إِنَّهُ لَعَالِم، وَإِنَّهُ لَفَقِيه، وَمَا يَسُوءُني أَنْ يَكُونَ مَعِي يَرُدُّ عَنيِّ أَهْلَ المِلَل، ثُمَّ قَال: مَا كُنْتَ تَعْرِفُ صَالِحَاً الرَّشِيدِيّ 00؟ قُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهِ؛ قَال: كَانَ مُؤَدِّبي، وَكَانَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ جَالِسَاً، وَأَشَارَ إِلىَ نَاحِيَةٍ مِنَ الدَّار، فَسَأَلَني عَنِ الْقُرْآن؛ فَخَالَفَني؛ فَأَمَرْتُ بِهِ فُوُطِئَ وَسُحِب؛ يَا أَحْمَد؛ أَجِبْني إِلىَ شَيْءٍ لَكَ فِيهِ أَدْنىَ فَرَجٍ حَتىَّ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي؛ قُلْتُ: أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ

سُنَّةِ رَسُولِه؛ فَطَالَ المَجْلِس، وَقَامَ الخَلِيفَةُ وَرُدِدْتُ إِلىَ المَوْضِع، فلَمَّا كَانَ بَعْدَ المَغْرِبِ وَجَّهَ إِلَيَّ رَجُلَيْنِ مِن أَصْحَابِ ابْنِ أَبي دَاوُد، يَبِيتَانِ عِنْدِي وَيُنَاظرَانِني وَيُقِيمَانِ مَعِي، حَتىَّ إِذَا كَانَ وَقْتُ الإِفْطَارِ جِيءَ بِالطَّعَام، وَيَجْتَهِدَانِ بي أَن أُفْطِرَ فَلاَ أَفْعَل، وَوجَّهَ المُعْتَصِمُ إِلَيَّ ابْنَ أَبي دُوَادَ في اللَّيْلِ فَقَال: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مَا تَقُول 00؟

فَأَرُدُّ عَلَيْهِ نَحْوَاً مِمَّا كُنْتُ أَرُدّ؛ فَقَالَ ابْنُ أَبي دُوَاد: وَاللهِ لَقَدْ كَتَبَ اسْمَكَ في السَّبْعَة: يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِه؛ فَمَحَوْتُهُ، وَلَقَدْ سَاءَني أَخْذُهُمْ إِيَّاك، ثُمَّ يَقُول: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَكَ ضَرْبَاً بَعْدَ ضَرْب، وَأَنْ يُلْقِيَكَ في مَوْضِعٍ لاَ تَرَى فِيهِ الشَّمْس، وَيَقُول [أَيِ المُعْتَصِم]: إِن أَجَابَني جِئْتُ إِلَيْهِ حَتىَّ أُطْلِقَ عَنهُ بِيَدِي، ثمَّ انْصَرَف، فَلَمَّا أَصبَحْنَا؛ جَاءَ رَسُولُهُ فَأَخَذَ بِيَدِي حَتىَّ ذَهَبَ بي إِلَيْه؛

فَقَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه؛ فَجَعَلُواْ يُنَاظِرُونَني فَأَردُّ عَلَيْهِمْ؛ فَإذَا جَاؤُواْ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلاَمِ مِمَّا لَيْسَ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّة قُلْتُ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا؛ فَيَقُولُون: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِذَا تَوَجَّهَتْ لَهُ الحجَّةُ عَلَيْنَا ثَبَتَ، وَإِذَا كَلَّمْنَاهُ بِشَيْءٍ يَقُولُ لاَ أَدْرِي مَا هَذَا؛ فَقَالَ نَاظِرُوه؛ فَقَالَ رَجُل: يَا أَحْمَد؛ أَرَاكَ تَذْكُرُ الحَدِيثَ وَتَنْتَحِلُه [أَيْ تَدَّعِيه]؛ فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ في قَوْلِهِ:

(يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن (﴿النِّسَاء/11﴾ 00؟ قَال: خصَّ اللهُ بِهَا المُؤْمِنِين؛ قُلْتُ: مَا تَقُولُ إِنْ كَانَ قَاتلاً أَوْ عَبدَاً 00؟ [الحُكْمُ يَخْتَلِف] فَسَكَتَ، وَإِنَّمَا احْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا؛ لأَنَّهُمْ كَانُواْ يَحْتَجُّونَ بِظَاهِرِ الْقُرْآن 0 فحَيْثُ قَالَ لي: أَرَاكَ تَنْتَحِلُ الحَدِيثَ احْتَجَجْتُ بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ عَامٍّ خَصَّصَتْهُ السُّنَّة: فَالسُّنَّةُ خَصَّصَتِ الْقَاتِلَ وَالعبد؛ فَأَخْرَجَتْهُمَا مِنَ الْعُمُوم، فَلَمْ يَزَالُواْ كَذَلِكَ إِلىَ قُرْبِ

الزَّوَال، فَلَمَّا ضَجِرَ قَالَ قُومُواْ، ثُمَّ خَلاَ بي وَبعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاق، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُني، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ وَرُدِدْتُ إِلىَ المَوْضِع، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، قُلْتُ: خَلِيقٌ أَنْ يحْدُثَ غَدَاً مِن أَمْرِي شَيْء؛ فَقُلْتُ لِلْمُوكَّلِ بي: أُرِيدُ خَيْطَاً؛ فَجَاءَني بخَيْطٍ فَشَدَدْتُ بِهِ الأَقْيَادَ وَرَدَدْتُ التِّكَّةَ إِلىَ سَرَاويلِي مَخَافَةَ أَنْ يحْدُثَ مِن أَمْرِي شَيْءٌ فَأَتَعَرَّى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أُدْخِلْتُ إِلىَ الدَّار؛ فَإذَا هِيَ غَاصَّةٌ [أَيْ

بِالنَّاس]، فَجَعَلْتُ أُدْخَلُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلىَ مَوْضِع، وَقَوْمٌ مَعَهُمُ السُّيُوف، وَقَوْمٌ مَعَهُمُ السِّيَاطُ وَغَيْرُ ذَلِك، وَلَمْ يَكُنْ في اليَومِينِ المَاضِيَينِ كَبِيرُ أَحَدٍ مِن هَؤُلاَء؛ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ اقْعُدْ، ثمَّ قَال: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه؛ فَجَعَلُواْ يُنَاظِرُونَني، يَتَكَلَّمُ هَذَا فَأَرُدُّ عَلَيْه، وَيَتَكَلَّمُ هَذَا فَأَرُدُّ عَلَيْه، وَجَعَلَ صَوْتي يَعْلُو أَصْوَاتَهُمْ، فَجَعَلَ بَعْضُ مَن هُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي يُومِئُ إِلَيَّ بِيَدِهِ؛ فَلَمَّا طَالَ المَجْلِسُ نَحَّاني،

ثُمَّ خَلاَ بِهِمْ، ثُمَّ نَحَّاهُمْ وَردَّني إِلىَ عِنْدِهِ وَقَال: وَيْحَكَ يَا أَحْمَد؛ أَجِبْني حَتىَّ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي؛ فرددْتُ عَلَيْهِ نَحْوَ ردِّي؛ فَقَال: عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ 000 وَذَكَرَ اللَّعْنَ خُذُوه، اسْحَبُوه، خَلِّعُوه؛ فَسُحِبْتُ وَخُلِّعْت؛ قَال: وَقَدْ كَانَ صَارَ إِلَيَّ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كُمِّ قَمِيصِي؛ فَوَجَّهَ إِلَيَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُول: مَا هَذَا المَصْرُور 00؟

قُلْتُ شَعْرٌ مِنْ شَعَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَسَعَى بَعْضُهُمْ لِيُخَرِّقَ الْقمِيصَ عَنيِّ؛ فَقَالَ المُعْتَصِم: لاَ تَخَرِّقُوه؛ فَنُزِعَ؛ فَظَننْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا دُرِئَ عَنِ الْقمِيصِ الخَرْقُ بِالشَّعَر، وَجَلَسَ المُعْتَصِمُ عَلَى كُرْسِيٍّ ثمَّ قَال: الْعُقَابَينِ وَالسِّيَاط؛ فَجِيءَ بِالعُقَابَينِ فَمُدَّتْ يَدَاي، فَقَالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ خَلْفِي: خُذْ نَاتِئَ الخَشبَتَينِ بِيَدَيْكَ وَشُدَّ عَلَيْهِمَا؛ فَلَمْ أَفْهَمْ مَا قَال؛ فَتَخَلَّعَتْ يَدَاي» 0

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: ذَكَرُواْ أَنَّ المُعْتَصِمَ أَلاَنَ في أَمْرِ أَحْمَدَ لَمَّا عُلِّقَ في الْعُقَابَين، وَرَأَى ثبَاتَهُ وَتَصْمِيمَهُ وَصَلاَبَتَه، حَتىَّ أَغْرَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ وَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنْ تَرَكْتَهُ قِيلَ قَدْ تَرَكَ مَذْهَبَ المَأْمُونِ وَسَخِطَ قَوْلَه؛ فَهَاجَهُ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبِهِ» 0 وَقَالَ ابْنُهُ صَالِح: «قَالَ أَبي: وَلَمَّا جِيءَ بِالسِّيَاطِ نَظَرَ إِلَيْهَا المُعْتَصِمُ فَقَال: ائْتُوني بِغَيْرِهَا، ثمَّ قَالَ لِلْجَلاََّدِينَ

تَقَدَّمُواْ؛ فَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ إِلَيَّ الرَّجُلُ مِنهُمْ فيَضْرِبُني سَوْطَين؛ فَيَقُولُ لَهُ: شُدَّ قَطَعَ اللهُ يَدَك، ثُمَّ يَتَنَحَّى وَيَتَقَدَّمُ آخَرُ فَيَضْرِبُني سَوْطَين، وَهُوَ يَقُولُ في كُلِّ ذَلِكَ شُدّ، قَطَعَ اللهُ يَدَك؛ فَلَمَّا ضُربْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَوْطَاً قَامَ إِلَيَّ المُعْتَصِمُ فَقَال: يَا أَحْمَد، عَلاَمَ تَقْتُلُ نَفْسَك؟ إِنيِّ وَاللهِ عَلَيْكَ لَشَفِيق؛ وَجَعَلَ عُجَيْفٌ يَنخَسُني بِقَائِمَةِ سَيْفِهِ وَيَقُول: أَتُرِيدُ أَنْ تَغْلِبَ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ؟

فصول الكتاب · 125 فصل · 2294 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حياة التابعين · 2294 صفحة
الْكَاتِبُ في سُطُور:الإِمَامُ البُخَارِيّالإِمَامُ مُسْلِم
الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل
الإِمَامُ أَبُو دَاوُدأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّالإِمَامُ التِّرْمِذِيّالإِمَامُ ابْنُ مَاجَةالإِمَامُ النَّسَائِيّالإِمَامُ الدَّارِمِيّالإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةالإِمَامُ ابْنُ حِبَّانالإِمَامُ أَبُو يَعْلَىالإِمَامُ الطَّبَرَانيإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهالإِمَامُ الحُمَيْدِيّأَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبي شَيْبَةمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدعِكْرِمَةُ مَوْلىَ ابْنِ عَبّاسعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيّثَابِتٌ الْبُنَانيّأَبُو العَالِيَةسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيّ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةالأَعْمَشأَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ عُقْدَةأَبُو بَكْرِ بْنُ محَمَّدِ بْنِ الجَعَّابيّحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةحَمَّادُ بْنُ زَيْدعَمْرُو بْنُ دِينَارابْنُ جُرَيْجعَبْدُ الكَرِيمِ الجَزَرِيّإِبْرَاهِيمُ الحَرْبيّالْفِرْيَابيّ
ُ عَبْدُ الْغَنيِّ المَقْدِسِيّ
سُلَيْمَانُ التَّيْمِيّيَزِيدُ بْنُ هَارُونإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبي خَالِدعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّابْنُ أَبي ذِئْبالْقَعْنَبيّالأَشْجَعِيّهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيّغُنْدَرمَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيّمَكْحُولٌ الأَزْدِيّيحْيىَ بْنُ يحْيىَ التَّمِيمِيّالْقَوَارِيرِيّأَبُو كُرَيْبخَالِدُ بْنُ الحَارِثابْنُ المُقْرِئهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرأَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشابْنُ لَهِيعَةابْنُ أَبي دَاوُدعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ الْقَاسِمِ بْنِ محَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِالْقَاسِمُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقشُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجعَلِيُّ بْنُ المَدِينيّ
يَحْيىَ بْنُ مَعِين
أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي[ابْنُهُ]يحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّالإِمَامُ الدَّارَقُطْنيّعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمأَبُو حَفْصٍ الْفَلاََّسأَبُو بَكْرٍ الخَطِيبابْنُ الصَّلاَحِ الصَّفَدِيِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّالإِمَامُ الذَّهَبيّالإِمَامُ أَبُو حَنِيفَة
الإِمَامُ مَالِك
الإِمَامُ الأَوْزَاعِيّ
الإِمَامُ الشَّافِعِيّ
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدالشَّعْبيّرَبِيعَةُ الرَّأْيأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِيأَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانمُجَاهِدقَتَادَةسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرالإِمَامُ الطَّبَرِيّ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز
شُرَيْحٌ القَاضِيالأَصْمَعِيّأَعْلاَمُ الْعَلَوِيِّين [الأَشْرَاف]:ُّ جَعْفَرٍ الصَّادِقجَعْفَرٌ الصَّادِقمُوسَى الكَاظِمأَعْلاَمُ الزُّهَّادأَيُّوبُ السِّخْتِيَانيّعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الكُوفِيّعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنمحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح
عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَك
الحَسَنُ الْبَصْرِيَّ محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَمحَمَّدُ بْنُ سِيرِين
الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاض
الرَّبيعُ بْنُ خُثَيْمإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَممَعْرُوفٌ الْكَرْخِيّذُو النُّونِ المِصْرِيّوَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحمَنْصُورُ بْنُ عَمَّاريَزِيدُ بْنُ زُرَيْعدَاوُدٌ الطَّائِيّصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمالْعَلاَءُ بْنُ زِيَادسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزالمُعَافَى بْنُ عِمْرَانِ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّابْنُ سَمْعُونابْنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيّ
جارٍ التحميل