ومولده بـ"نيسابور" سنة ست، وقيل: سبع وعشرين وأربعمائة.
قال ابن خلكان ولم أقف على المعنى الذي به سمي المتولي.
توفي في شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة "باب أبرز".
أبو المعالي الجويني
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، ضياء الدين، أبو المعالي بن الشيخ أبي محمد الجويني، رئيس الشافعية بـ"نيسابور"، مولده في المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتفقه على والده، وأتى على جميع مصنفاته، وتوفي أبوه وله عشرون سنة، فأُقْعِد مكانه للتدريس فكان يدرس، ويخرج إلى مدرسة البيهقي، حتى حصَّل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الإسفراييني الإسكاف، وخرج في الفتنة إلى الحجاز، وجاور بـ"مكة" أربع سنين يدرس ويفتي، ويجمع طرق المذهب، ثم رجع إلى نيسابور، وأُقْعِد للتدريس بنظامية نيسابور، واستقام أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مسلم له المحراب، والمنبر، والتدريس، ومجلس الوعظ، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر، والجمع العظيم من الطلبة؛ وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل، وتفقه به جماعة من الأئمة.
قال ابن السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، المجمع على إمامته شرقاً وغرباً، لم تر العيون مثله، قال: وقرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني، سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزابادي يقول: تمتعوا بهذا الإمام؛ فإنه نزهة هذا الزمان - يعني أبا المعالي الجويني-، توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ودفن بداره، ثم نقل بعد سنين فدفن إلى جانب والده، ومن تصانيفه: "النهاية" جمعها بـ"مكة" وحررها بـ"نيسابور"، ومختصرها له ولم يكمله، قال فيه: إنه يقع في الحجم من النهاية أقل من النصف، وفي المعنى أكثر من النصف، وكتاب "الأساليب في الخلاف"، وكتاب "الغياثي" مجلد متوسط، يسلك به غالب مسالك الأحكام السلطانية، والرسالة النظامية، وكتاب "غياث الخلق في اتباع الحق" يحث فيه على الأخذ بمذهب الشافعي دون غيره، وكتاب
"البرهان" في أصول الفقه، و"التلخيص" مختصر التقريب، و"الإرشاد" في أصول الفقه أيضاً، وكتاب "الإرشاد" في أصول الدين، وكتاب "ألشامل" في أصول الدين أيضاً، وكتاب "غنية المسترشدين" في الخلاف.
أبو عبد الله النيهي
الحسن بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد بن عمر بن حفص بن زيد، أبو عبد الله النيهي.
والنيهي: منسوب إلى "نِيه"- بنون مكسورة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم هاء؛ بلدة صغيرة بين سجستان وإسفرايين.
تلميذ القاضي الحسين وأستاذ إبراهيم المروزي.
قال ابن السمعاني: كان إماماً، فاضلاً، عارفاً بالمذهب، ورعاً، انتشر عنه الأصحاب.
نقل الرافعي عنه في أوائل حد القذف فقال: ولو قال: "يا مؤاجر" فليس بصريح في القذف، وعن الشيخ إبراهيم المروزي أنه حكي عن أستاذه النيهي: أنه صريح لاعتياد الناس القذف به.
وكانت وفاته في حدود سنة ثمانين وأربعمائة.
أبو الفضل الأزْجاهي
أبو الفضل: عبد الكريم بن يونس بن محمد، الأزْجَاهي نسبة إلى: "أَزْجاه"- بهمزة مفتوحة، وزاي معجمة ساكنة، بعدها جيم، ثم ألف ثم هاء- قرية من قرى خراسان.
قال ابن السمعاني: كان إماماً، فاضلاً، متقناً حافظاً "لمذهب الشافعي"، متصرفاً فيه، ورِعاً، تفقه بـ"نيسابور" على الشيخ أبي محمد، ثم بـ"مرو" على أبي طاهر السنجي بـ"مرو الروذ"، على القاضي الحسين، سمع وأملى، وتوفي سنة ست وثمانين وأربعمائة.
سعد الأستراباذي
أبو محمد: سعْد - بسكون العين- ابن عبد الرحمن الأستراباذي، تفقه بـ"نيسابور"
على ناصر العُمري، وغيره، ثم رحل إلى مرو الروذ، وتفقه على القاضي الحسين، وصار من أخِصَّائه.
توفي في منتصف شوال، سنة تسعين وأربعمائة، أي: بالتاء ثم السين؛ قاله عبد الغافر في "ذيله على تاريخ الحاكم" نقل عنه الرافعي في الباب الثاني: من أركان الطلاق أنَّه إذا قال: لك طلقة، لا يقع به شيء وإن نوى، ونقل عنه أيضاً: قبيل الرجعة بنحو ورقة.
عبد الرزاق المعروف بـ"المَنِيعي"
أبو الفتح: عبد الرزاق بن أبي علي حسّان المروروذي، المعروف بـ"المَنِيعي"- بميم مفتوحة ثم نون مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت- نسبة إلى جدّه: منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رحل المذكور إلى بغداد، وسمع كثيراً من مشايخها، وتفقه على القاضي الحسين، وعلق عنه تعليقاً، وكان إماماً وخطيباً بجامع والده بـ"نيسابور"، ودرّس به، وحدَّث وأملى وصار رئيس نيسابور.
ولد في شهور سنة اثني عشرة وأربعمائة، ومات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
أبو الفرج السرخسي
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن زاز بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن زاز بن حميد، الأستاذ أبو الفرج السرخسي.
فقيه مَرْو، المعروف بـ"الزاز"- بزايين معجمتين؛ مولده سنة إحدى، أو اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وتفقه على القاضي الحسين.
قال ابن السمعاني في "الذيل": كان أحد أئمة الإسلام، وممن يضرب به المثل في الآفاق في حفظ مذهب الشافعي، رحلت إليه الأئمة من كل جانب، وكان ديناً ورعاً محتاطاً في المأكول والملبوس.
قال: وكان لا يأكل الأرز؛ لأنه يحتاج إلى ماء كثير، وصاحبه قل ألاَّ يظلم غيره.
ومن تصانيفه: كتاب "الأمالي"، وقد أكثر الرافعي النقل عنه.
قال الأسنوي في "المهمات": إن غالب نقل الرافعي من ستة تصانيف غير كلام الغزالي المشروح، التهذيب، والنهاية، والتتمة، والشامل، وتجريد ابن كج، وأمالي أبي الفرج السرخسي.
توفي بمرو في ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
سهل بن أحمد
المعروف بالحاكم، كان إماماً، فاضلاً، حسن السيرة، تفقه على القاضي الحسين، ثم دخل طوس، فقرأ بها التفسير والأصول، على شهفور الإسفرايني، ثم دخل نيسابور، وقرأ بها علم الكلام على إمام الحرمين، وعاد إلى ناحيته، وولي بها القضاء وروى عنه جماعة، منهم: الحافظ السِّلَفِيُّ، ثم حجَّ، وترك القضاء، واشتغل بالعبادة.
ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة، وتوفي أول يوم من المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة بتاء ثم سين فيهما.
مفتي الحرمين
عبد الرحمن بن محمد بن ثابت الثابتي.
الخَرقي المعروف بمفتي الحرمينِ.
والخرقي: منسوب إلى خَرْق بخاء معجمة مفتوحة وراء ساكنة بعدها قاف، وهي: قرية من قرى مَرْو، تفقه أولاً بمرو على الفوراني، ثم بمرو الروذ على القاضي الحسين، ثم ببخاري على أبي سهل الأبيوردي، ثم ببغداد على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسمع الحديث، ثم حج وجاور بمكة سنة، ثم رجع إلى وطنه، وسكن قريته، واشتغل بالهد والفتوى إلى أن مات في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
ذكره التفليسي.
أبو جعفر السمنجاني
أبو جعفر، محمد بن الحسين السَّمِنْجاني.
تفقه ببخاري على أبي سهل الأبيوردي، وبمروِ الروذ على القاضي الحسين، وأملى ببلخ، ومات بها سنة أربع وخمسمائة، قاله ابن السمعاني.
أبو محمد البغوي
الحسين بن مسعود بن محمد، العلامة، محيي السنة أبو محمد البغوي، ويعرف بابن الفراء تارةً وبالفراء أخرى.
أحد الأئمة، تفقه على القاضي الحسين.
وكان ديناً، عالماً، عاملاً على طريقة السلف، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان قانعاً باليسير، يأكل الخبز وحده، فعدل في ذلك، فصار يأكله بالزيت، قال الذهبي: كان إماماً في التفسير، إماماً في الحديث، إماماً في الفقه، بُورِك له في تصانيفه ورزق القبول؛ لحسن قصده وصدق نيته.
وقال السبكي في "تكملة شرح المهذب" قل أن رأيناه يختار شيئاً إلا وإذا بحث عنه إلا وجد أقوى من غيره، هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كبير، وهو حريٌّ بذلك؛ فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه.
توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة، ودفن عند شيخه.
قال الذهبي: ولم يحج، قال: وأظنه جاوز الثمانين، والبغوي منسوبٌ إلى بَغَا بفتح الباء، قرية بين هراة ومرو، وسن تصانيفه "التهذيب" لخصه من تعليق شيخه، وهو تصنيف متين محرَّر عارٍ عن الأدلة غالباً، و"شرح المختصر" وهو كتاب نفيس، أكثر الأذرعي من النقل عنه، ولم يقف عليه الأسنوي، و"الفتاوى"، و"كتاب شرح السنة"، و"معالم التنزيل في التفسير"، و"المصابيح"، و"الجمع بين الصحيحين"، وغير ذلك.
العجلي
أبو سعد: عثمان بن علي بن شراف العجلي- بفتح العين والجيم-، البنجديهي.
قال ابن السمعاني: كان إماماً ورعاً، زاهداً، لا يمكن أحداً من الغيبة في مجلسه.
تفقه بالقاضي الحسين، وسمع منه ومن غيره، ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة،
وتوفي ببلده بنجديه، في شعبان سنة ست وعشرين وخمسمائة.
مصنفاته:
فهي مصنفات عرف فضلها الأكابر، وكفر نورها المكابر، ورغم أنفه فميسم العلاء يطوقها، ويد الأكابر تقرظها، وثناؤهم يلهج بفضلها وعلمها.
فقد بذل فيها مؤلفها جهده، ونمقها بعقله قبل يده.
فاقتصد ولم يسرف، وأبدع فيها وأطْرَف، وأبان المبهم وعرَّف، وهي:
1 - شرح تلخيص ابن القاص - لم يكمله -.
2 - أسرار الفقه.
3 - فتاوى القاضي حسين.
4 - شرح على فروع ابن الحداد.
5 - التعليق الكبير، كذا ذكره المؤرخون.
6 - طريقة الخلاف، وقد قام بتحقيقه الدكتور: محمد النجيمي.
قال النووي في التهذيب: له "التعليق الكبير" وما أجزل فوائده، وأكثر فروعه المستفادة، ولكن تقع في نسقه اختلاف، وكذلك في تعليق الشيخ أبي حامد.
وقد تعقبه الإسنوي في "طبقاته" فقال: "وللقاضي في الحقيقة تعليقان، يمتاز كل واحد منهما على الآخر بزوائد كثيرة، وسببه: اختلاف المعلّقين عنه؛ ولهذا نقل ابن خلكان في ترجمة أبي الفتح الأرغياني: أن القاضي قال في حقه: ما علق أحد طريقتي مثله، وقد وقع لي "التعليقان" بحمد الله - تعالى-.
وفاته:
تُوفي القاضي حسين بـ"مرو الروذ" في المحرم سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
ومن شعره: [الطويل]:
إذا ما رماك الدهر يوماً بنكبةٍ... فأوسع لها صدراً وأحسن لها صبرا
فإن إله العالمين بفضله... سيعقب بعد العسر من فضله يسرا
وصف نسخ كتاب "التهذيب"
للإمام: البغوي
النسخة الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية، تحت رقم (488) فقه.
ومسطرتها (21) سطراً، ويتكون من:
الجزء الأول: وهو في ثلاثة أجزاء في مجلد واحد من أول الكتاب إلى كتاب الاعتكاف.
والجزء الخامس: من أول كتاب القراض إلى نهاية كتاب البيوع.
والجزء السادس: من أول كتاب النكاح إلى كتاب القصاص.
والجزء الثامن: من أول كتاب القصاص إلى كتاب أهل البغي.
والجزء التاسع: من أول كتاب أهل البغي إلى كتاب الضحايا.
والجزء الحادي عشر: من أول كتاب الضحايا إلى كتاب أدب القاضي.
والجزء العاشر: من أول كتاب أدب القاضي وينتهي بآخر الكتاب.
وقد رمزنا لها بالرمز: (د).
النسخة الثانية: المحفوظة بالمكتبة الأزهرية العامرة تحت رقم [(43) 914]، والموجود منها:
الجزء الأول: (210) ورقة، وبأوراقه تلويث، ومسطرته (21) سطراً ويبدأ بأول الكتاب إلى باب صدقة الخلطاء.
وقد رمزنا لها بالرمز: (ز).
النسخة الثالثة: بمعهد المخطوطات العربية المصورة عن مكتبة أحمد الثالث، وتتكون من:
الجزء الثاني: المحفوظ تحت رقم (105) فقه شافعي، من أول كتاب البيوع إلى كتاب النكاح.
الجزء الثالث: المحفوظ تحت رقم (107) فقه شافعي، من أول كتاب النكاح إلى كتاب القصاص.
الجزء الرابع: المحفوظ تحت رقم (106) فقه شافعي من أول كتاب القصاص حتى آخر الكتاب.
وقد رمزنا لها بالرمز: (أ).
النسخة الرابعة: المحفوظة بمكتبة الأسد تحت رقم (2229). وعدد أوراقها (361) ورقة، ومسطرتها (21) سطراً وتحتوي على:
جزء من: كتاب القصاص إلى آخر الكتاب وجزء آخر تحت رقم (22230) وعدد أوراقه 319 من أول كتاب البيوع إلى كتاب القصاص ونسب هذا الجزء الأخير في فهرس الظاهرية لأحمد بن محمد بن النقيب، ووجد على المخطوط عبارة "لعل هذا الكتاب جزء من أجزاء كتاب تهذيب القفال المتوفي سنة (417).
وبعد مقابلة هذا الجزء بنسخة دار الكتب، وأحمد الثالث تبين أنه بنفس النص، وكذلك هو بنفس المنهج الذي سلكه البغوي في كتابه، لذلك اعتمدنا عليها كنسخة لكتاب "التهذيب" للبغوي.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز: (ظ).
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ أَعِنْ ويسر
الحمد لله رب العالمين، كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، والصلاة على نبيه وصفيه، محمد سيد المرسلين وآله.
قال الشيخ الإمام إمام الأئمة، ومحيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود رضي الله عنه، وعن جماعة المسلمين أجمعين:
أما بعد، فإن أشرف الأمور قدراً، وأعظمها أجراً- تعليم العلم.
وقد من الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم- بالعلم فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].
وأظهر فضل آدم - صلى الله عليه وسلم - على الملائكة بالعلم فقال: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 31].
وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع".
وروي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
وروي عن أبي أمامة الباهلي قال: ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- رجلان: أحدهما عابدٌ، والآخر عالمٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أذناكم" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على مُعلم الناس الخير".
وأولى العلم بالتعلم بعد معرفة الله - تعالى- بالوحدانية والصفات والإيمان بملائكته وكتبه ورسله- علم الفقه ومعرفة أحكام الشرع؛ لأن الله تعالى خلق الخلق للعبادة، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وأرسل الرسل إلى العباد، وأنزل معهم الكتاب ليبينوا لهم الشرائع والأحكام، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213].
وقال جل ذكره: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105].
وقال جل ذكره: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ... الآية﴾ [المائدة: 15، 16].
قال جل ذكره: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ....﴾ [آل عمران: 79].
قال ابن عباس: "حكماء وفقهاء".
وروي عن ابن عباسٍ، ومعاوية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقيهٌ واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد".
وقال سفيان الثوري رحمة الله عليه: "ليس عملاً يعمل من الفرائض أفضل من طلب العلم".
وقال الشافعي رضي الله عنه: "طلب العلم أفضلُ من صلاة النافلة" وهو كما
قال؛ لأن نفع صلاته لا تتعدى عنه، ونفع علمه يتعدى إلى كافة الناس، ولأن طلب العلم فريضة، ولأن القيام بأحكام الشرع لا يمكن إلا بمعرفة علمها، وإن النافلة لا تعادل الفريضة.
ثم هو ينقسم إلى: فرض عينٍ، وفرض كفايةٍ.
ففرض العين هو أنه يجب على كل مكلفٍ معرفةُ علم ما هو مأمورٌ به من العبادات من
علم الطهارة، والصلاة، والصوم، وعلم الزكاة إن كان له مالٌ وعلم الحج إن وجب عليه؛ يجب أن يعرف أركانها وسننها، وما يوجبها وما يبطلها، وهو المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم".
وفرض الكفاية: وهو أن يتعلم ما يبلغ به رتبة الاجتهاد، ومحل الفتوى، والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحدٌ أو اثنان، أو عددٌ تقع بهم الكفاية بتعلمه سقط الفرض عن الباقين؛ لأنا لو فرضنا على الكافة الاشتغال به كفرض العين أدى ذلك إلى انقطاع معاشهم، فإذا قعد الكل عن تعلمه
عصوا جميعاً؛ بما فيه من تعطيل أحكام الشرع كغسل الميت، والصلاة عليه ودفنه، ورد السلام فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين الفرضُ قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ... الآية﴾ [التوبة: 122]. ولا يبلغ الرجل رُتبة الاجتهاد حتى يعرف خمسة أنواع من العلم: يعرف علم كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاويل السلف، ولسان العرب، ووجوه القياس.
يعرف من كتاب الله عز وجل ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومجمله
ومفصله، وغير ذلك من الآيات التي جاءت في الأحكام.
ويعرف من السنن التي جاءت في الأحكام جميع ذلك، ويعرف صحيحها وسقيمها، ومسانيدها، ومراسيلها، ويعرف ترتيب الكتاب على السنة، والسنة على الكتاب.
ويعرف أقاويل السلف في الأحكام من الصحابة فمن بعدهم إلى عصر
إجماعهم واختلافهم، فإن اتباع الإجماع فرضٌ لامتناع الاجتهاد فيه، والاجتهادُ في موضع الاختلاف مساغٌ بشرط ألا يقول قولاً تخالف فيه جماعتهم.
ويعرف علم اللغة ولسان العرب؛ لأن الخطاب ورد بلسانهم، فمن لم يعرف لغتهم لا يعرف مراد الشرع.
ويعرف وجوه القياس من الجَلِي والخفي، وهو كيفية رد الفرع الذي لا يجد فيه نصاً إلى نظائره من الأصول التي وردت في الكتاب والسنة، وقد سبق مني كتاب في "معالم
التنزيل"، وكتاب في "شرح السنة"، يتضمن كثيراً من علوم الحديث، وفوائد الأخبار، وبيان الأحكام، وأقاويل العلماء، لا يستغني عن معرفتها المرجوع إليه في الفتاوى والأحكام، وهذا كتاب أنشأته بعون الله - جل ذكره- في "تهذيب مذهب الإمام المطلبي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي"، تغمده الله برضوانه سألني جماعةٌ من المرتحلين إلي من الأقطار بعدما علقوا الطريقة تهذيباً؛ ليكون لهم عوناً على الحفظ والتدريس، فرأيت إسعافهم بمطلوبهم واجباً امتثالاً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيما يروى عن أبي هارون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد فيقول: مرحباً بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الناس لكم تبعاً، وغن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإن أتوكم فاستوصوا بهم خيراً".
ولما رجوت في هذا الجمع من نشر العلم، وإبقائه على الخلف كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه، فإني خفت دروس العلم".
وقال ربيعة لا ينبغي لأحد عنده شيءٌ من العلم أن يضيع نفسه.
فيشتمل هذا الكتاب إن شاء الله على جملٍ من منصوصاتِ الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكثيرٍ من تفريعات أصحابه خرجوها على أصوله، وذكرت فيه من أقاويل الصحابة والتابعين، ومن تابعهم من العلماء لا يستغني عن معرفتها المترصد للفتوى.
وخصصتُ مذهبه بالتنصيف لأمور دلت على قوة مذهبه:
منها: أنه كان من قريش، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد، بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فإن المطلب الذي هو جد الشافعي كان أخا هاشم بن عبد منافٍ الذي هو جدُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريشٍ".
وقال: "قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا من قريشٍ ولا تعلموها".
ورُوي أنه - عليه السلام - قال: "رأيُ رجلٍ من قريشٍ أفضلُ من رأي رجلين من غيرهم".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تسبوا قريشاً، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً".
وحمل العلماء هذا الحديث على الشافعي - رضي الله عنه -؛ لأن الأئمة من الصحابة الذين هم أعلام الدين لم تنقل عن كل واحد منهم إلا مسائل معدودة، إذ كانت فتاواهم مقصورة على الوقوع، وكانت همتهم الجهاد مع أعداء الدين لإعلاء كلمة الإسلام، ثم في مجاهدة النفس بالمداومة على الطاعات، فلم يتفرغوا لتدوين العلم، وتصنيف الكتب، والأئمة الذين جاؤوا من بعدهم تشمروا لتدوين العلم وتصنيف الكتب، وجمع الفتاوى لم يكن أحد منهم من قريش، وهو القرشي الذي دون العلم، وصنف الكتب، وجمع الفتاوى فانتشر علمه في الأفق، وتمسك الناس بمذهبه، وامتلأ طبق الأرض من علمه، فكان أولى بأن يكون مراداً بالحديث.
ومنها: ما كان من جده واجتهاده في نصرة الحديث، واتباع السنة حتى لقب حين قدم "العراق" بـ"ناصر الحديث"، وغلب على متبعي مذهبه لقب "أصحاب الحديث"، فلا يعرف به غيرهم.
ومنها: أنه جمع القوة في الحديث والقياس، وأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها من الأحكام على ما هو معروفٌ من مذهبه، ولكل واحد من أئمة السلف سعيٌ كامل في إحياء الدين، وإبقاء العلم على الخلف، فشكر الله سعيهم ورحم كافتهم.
واعلم أن كل من بلغ رتبة الاجتهاد من العلماء إذا عرضت له حادثةٌ يجب عليه أن يطلبها من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، فإن لم يجد لم يكن له أن يقلد فيها عالماً آخر، لا للعمل به، ولا للفتوى، ولا للقضاء.
والتقليد هو قبول قول الغير من غير دليلٍ، بل عليه أن يجتهد، فما أدى اجتهاده إليه بنوع من الدليل عمل به، وأفتى وقضى، وإن اختلف أقاويل العلماء فيه لا يقلد واحداً منهم، بل ينظر في دلائلهم وحججهم، وعمل بما ترجح عنده من الدليل.
وأما العامي ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد ففرضه التقليد، والأخذ بقول أهل العلم قال الله تعالى: {} [النحل: 43].
ولو اختلف على عامي اجتهاد عالمين، أخذ بقول الأفقه منهما، فإن استويا، ولم يتبين له الأفقه.
أخذ بالأغلظ عليه احتياطاً.
وقيل: يأخذ بأيهما شاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بُعثت بالحنيفية السمحة".
ولو أن عالماً مجتهداً يروي له رجل عدلٌ- وإن لم يكن مجتهداً - خبراً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسناد صحيح أو دله على إجماعٍ خفي عليه يجب عليه قبوله والعمل به، ولا يكون ذلك تقليداً، بل هو إرشادٌ إلى الدليل.
وكان شيخي الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي يحكي عن شيخه أبي بكرٍ عبد الله بن أحمد القفال قدس الله روحهما العزيزة أن من يتبحر في مذهب واحدٍ من أئمة السلف، ولم يبلغ رتبة الاجتهاد، يجوز أن يفتي على مذهب ذلك الإمام، فيكون المستفتي مقلداً لذلك الإمام.
وكان شيخي يقول من عنده: وله أن يخرج على أصوله إن لم يجد له تلك الواقعة.
قال الإمام محيي السنة رضي الله عنه: وهذا أحسن خصوصاً في هذا الزمان الذي قصرت فيه الهمم عن التعلم.
ولو أن عامياً سأل عالماً مسألة فأفتاه ثم وقعت له تلك الحادثة مرة أخرى، هل له أن يعمل بالفتوى الأولى؟ ووقعت تلك الحادثة لعامي آخر، هل للثاني أن يأخذ بقول العامي الأول؟ أم يحتاج إلى تجديد السؤال؟
نُظر إن علم أن المفتي أفتاهُ عن نص كتاب الله، أو سنةٍ، أو إجماع، فله أن يعمل بالفتوى الأولى، وإن علم أنه أفتاه عن اجتهاد، أو شك لم يذر عما ذا أفتى، يجب عليه تجديد السؤال؛ لأنه ربما يتغير اجتهاده، وإذا تغير اجتهاده فأفتى بخلاف الأولى يجب عليه أن يعمل في الواقعة الثانية بالجواب الثاني.
روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قضى في الجدِّ بقضايا مختلفة.
والإجماع حُجة وهو نوعان:
أحدهما: خاصٌّ، والثاني: عامٌّ.
فالعام: إجماع الأمة على ما تعرفه الخاصة والعامة، كإجماعهم على أعداد الصلوات والركعات، ووجوب الزكاة، والصوم، والحج، يكفر جاحده، فإن كان أمراً لا تعرفه إلا
الخواص كإجماعهم على بطلان نكاح المعتدة، وأن لبنت الابن السدس مع البنت الواحدة من الصلب، فلا يكفر جاحده، ويبين له الحق حتى يعود إلى الصواب.
ومن الإجماع الخاص أن يجتمع العلماء من أهل عصرٍ على حكم حادثة إما قولاً أو فعلاً فهو حجةٌ، لكن لا يكفر جاحده، بل يخطأ ويدعى إلى الحق بالحجة، ولا مساغ للاجتهاد فيه.
ولو اختلف أهلُ عصر في حكم حادثةٍ، ثم اتفق أهلُ عصر بعدهم على أحد القولين هل يصير إجماعاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصير إجماعاً؛ لأن أهل هذا العصر لو اتفقوا على حكم حادثة كان إجماعاً، فإذا وافقوا إحدى الطائفتين كان أولى.
والثاني: وهو الأصح: لا يصير إجماعاً؛ لأن هؤلاء لو كانوا في زمن العصر الأول فوافقوا إحدى الطائفتين لم يكن إجماعاً، فكذلك إذا وافقوا بعدهم؛ ولأن أهل العصر الأول اتفقوا على أن الحادثة غيرُ مقطوعٍ بها، فلا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم، فينبغي للعالم أن يكون ورعاً مجتنباً عن الأهواء والبدع، محترزاً عن الحرام والمعاصي؛ فإن الاستماع إلى المبتدع حرامٌ، ولا يجوز العمل بفتوى الفاسق، وإن كان متبحراً في العلم، فإذا سلك العالم هذا الطريق أرجو أن يكون علمه نافعاً له، ولمن أخذ عنه.
وبالله التوفيق.
=====
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآله أجمعين.