التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 459-484

وقال أبو حنيفة: يجوز للمكاتب أن يكاتب، ولا يجوز أن يعتق مجاناً، ولا على مال؛ فنحن نقيس على العتق على المال.
فإن قلنا: لا تصح كتابة المكاتب، فإذا أدى مكاتبه المال: لا يعتق؛ بخلاف الحر إذا كاتب عبده كتابة فاسدة، فأدى المال: عتق؛ لأن الحر يملك إعتاقه على صفة، والمكاتب لا يملكه، وإن قلنا: تصح كتابة المكاتب: فالمكاتب الثاني يؤدي النجوم إلى الأول، ثم هو يصرفه إلى السيد، فإذا أدى: عتق، وإن لم يعتق الأول.
فإذا عتق الأول ثم الثاني: فولاء الثاني للأول، فإذا مات المكاتب الأول قبل أن يعتق: لا تصح كتابة الثاني؛ لأن الأول كان كالنائب عن السيد في كتابته: فبعد موته: يؤدي إلى المولى ويعتق، ثم ولاء هذا المكاتب الذي كاتبه المكاتب، أو أعتقه لمن يكون؟ فيه قولان: أحدهما: للسيد؛ لأن المكاتب ليس من أهل ثبوت الولاء له.
والثاني: يوقف؛ فإن عتق المكاتب: فله ولاؤه، وإن عجز أو مات: فللسيد ولعصباته.
فإن قلنا: ولاؤه موقوف: فلو مات المعتق قبل عجز المكاتب وعتقه: فميراثه لمن يكون؟ فيه قولان: أحدهما: للسيد وعصباته.
والثاني: يوقف على تبين حال المكاتب، فإن عجز أو مات: فللسيد؛ فإن عتق فله.
ولو أوصى المكاتب لإنسان بشيء: قال الشيخ القفال: لا يصح، سواء أوصى بعين أو بثلث [ماله]؛ لأن ما في يده ملكه عليه غير تام؛ فلا تصح فيه الوصية، فإذا لم تصح فيه الوصية لا يصح فيما يستفيده من بعد.
وعند أبي حنيفة: إذا أضاف إلى الموت والحرية: صح؛ وإلا فلا.
ولو أقر المكاتب ببيع شيء: يقبل منه؛ لأنه يملك الإنشاء، ولو اشترى المكاتب قريبه الذي يعتق على الحر من ولد أو والد بغير إذن السيد: لا يصح، وإن اشترى بإذنه: فعلى قولي تبرعاته.

فإن جوزنا: يتكاتب عليه؛ فلا يجوز له بيعه بعتق يعتقه، وبرق يرقه للمولى.
أما إذا أوصى له بمن يعتق على الحر أو وهب له فقبل- نظر: إن لم يكن كسوباً: لا يصح بغير إذن السيد، وبإذنه قولان، لأنه يلزمه نفقته؛ فكان كالتبرع.
وإن كان كسوباً يقدر أن يقوم بكفايته: يصح قبوله بغير إذن المولى؛ لأنه لا ضرر عليه فيه، ويتكاتب عليه، ونفقته في كسبه، وما فضل من كسبه: يستعين به المكاتب على أداء النجوم.
وإذا مرض أو عجز عن الكسب: فعلى المكاتب أن ينفق عليه من مال نفسه؛ لأنه من صلاح ماله.
وإن جنى على إنسان يباع في جنايته، وإن لم يكن للمكاتب أن يفديه؛ بخلاف عبد المكاتب إذا جنى: جاز له أن يفديه؛ لأنه تبقى له رقبته؛ فيصرفها في نجوم الكتابة.
ولذلك: يجوز أن يشتريه ابتداء؛ بخلاف القريب.
ولو اشترى المكاتب زوجته: يصح، وينفسخ النكاح.
وعند أبي حنيفة: لا ينفسخ.
وإذا أجر المكاتب نفسه أو عبيده أو ماله: يجوز، ثم إذا عجز السيد: ينفسخ العقد، ويجوز للمكاتب أن يؤدب عبيده تعزيراً؛ لأنه من صلاح المال؛ كما يجوز أن يختنه ويفصده، ولا يجوز أن يحده على ظاهر المذهب؛ لأنه إلى من يكون أهلاً للولاية، والمكاتب ليس بأهل له.
ولو كان للمكاتب على سيده دين من جنس مال الكتابة ووصفه، وكانا حالين: يتقاصان.
وفيه أربعة أقوال ذكرناها في "كتاب البيع".
أحدها: بنفس الوجوب يسقطان.
والثاني: لا يسقطان إلا بتراضيهما.
والثالث: إذا رضي أحدهما: صار قصاصاً.
والرابع: حتى ينفذ أحدهما ويسلم، ثم يأخذ عما عليه.

وإن كانا مؤجلين بأجلين مختلفين، أو أحدهما حال والآخر مؤجل: فلا يتقاصان.
[وإن كانا مؤجلين بأجل واحد: فيه وجهان: أصحهما: لا يتقاصان].
فصل لا يجوز للمولى بيع نجوم الكتابة قبل الأخذ؛ لأن بيع الدين من غير من عليه: لا يجوز، ولأنها غير مستقرة؛ فإنه يجوز لمن عليه إسقاطها بتعجيز نفسه.
وكذلك: لا يجوز الاعتياض عنها؛ فلو باعها: فإن أداها المكاتب إلى البائع: عتق، وإن أداها إلى المشتري: هل يعتق؟ ذكر ابن سريج فيه قولين: أحدهما: يعتق؛ لأن السيد سلط المشتري على أحدهما؛ كما لو وكل وكيلاً بالقبض.
والثاني: وهو الأصح: لا يعتق؛ بخلاف ما لو وكل بالقبض؛ لأن الوكيل يأخذه للموكل، والمشتري ههنا يأخذه لنفسه.
وقال أبو إسحاق: إن قال المولى المكاتب بعد البيع.
أده إليه، أو قال للمشتري: خذه، فأخذ: عتق؛ لأنه ابتداء توكيل.
وإن لم يقيله لا يعتق؛ لأنه لم يأخذ بإذن؛ إنما أخذه بما تضمنه البيع من الإذن، والبيع فاسد، فما تضمنه يكون باطلاً.
فإن قلنا: يعتق: فالسيد يرجع على المشتري بما دفع إليه المكاتب.
وإن قلنا: لا يعتق: فالسيد يرجع على المكاتب، والمكاتب يرجع بما دفع إلى المشتري.
ولو أن المكاتب أحال السيد بنجوم الكتابة على إنسان، أو السيد أحال غريمه على المكاتب، فيه وجهان: أحدهما: يجوز كسائر الديون.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه دين غير مستقر؛ كما لا تجوز الإحالة بالسلم، وعلى السلم، ولا

يجوز [للمولى بيع رقبة المكاتب على قوله الجديد؛ وهو المذهب، ولا يجوز] إعتاقه عن الكفارة؛ لأن الكتابة عقد يمنع من وقوع أرش الجناية [عليه]؛ فيمنع البيع؛ كما لو باع عبداً من إنسان: لا يجوز أن يبيعه من آخر.
وقال في القديم: إنه يجوز بيعه وإعتاقه عن الكفارة؛ كالمعلق عتقه بالصفة.
فإن قلنا بقوله القديم: إنه يجوز بيعه، فباعه، هل تنفسخ الكتابة؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ فإذا أعتقه المشتري: يكون الولاء له.
والثاني: لا ينفسخ حتى لو أدى النجوم إلى المشتري: يعتق، [وولاؤه للبائع؛ كما لو مات السيد، فأدى النجوم إلى الوارث: يعتق]، وولاؤه للميت: فإن قلنا بظاهر المذهب: أن بيعه لا يجوز فباعه، ثم المكاتب أدى النجوم إلى المشتري، هل يعتق؟ فيه قولان: كما ذكرنا في بيع النجوم.
وإذا انتفع به المشتري مدة، ثم ظفر المكاتب بالحاكم، فأثبت بالبينة أن سيده كاتبه، ثم باعه قبل العجز، ينزعه الحاكم من يد المشتري، [وهل يضرب المكاتب مثل المدة التي كانت في يد المشتري] فيه قولان: أصحهما: لا يضرب؛ لأن المدة محصورة لا يزاد عليها، بل يأخذ من المشتري أجر مثل تلك المدة، ويصرفه إلى المولى، فإن وفى بالنجوم، وإلا فللمولى تعجيزه.
والثاني: يضرب له مثل تلك المدة؛ فيؤخذ أجر المثل من المشتري؛ فيكون للمولى؛ وكذلك: لو حبس المولى مكاتبه مدة، أو قهره فاستعمله، هل يضرب له مثل تلك المدة، أم يؤخذ أجر المثل من المولى، ويصرف في النجوم، فإن وفى؛ وإلا عجزه؟ فيه قولان: الأصح: يجب أجر المثل؛ لأن المنافع لا تضمن بالمثل، بل بالقيمة.
ولو قهر أهل الحرب المكاتب على نفسه مدة ثم أفلت؛ فلا يمكن إيجاب الأجرة ههنا.
وهل تجب تخليته تلك المدة؟ قيل ههنا: لا يجب؛ لأنه لم يكن الحبس من جهة المولى.
والصحيح: أنه لا فرق بين الحالين لأنه فات ما استحق بالعقد؛ فلا فرق بين أن يكون بتفريط، وغير تفريط؛ كالمبيع إذا هلك في يد البائع.

ولو وهب المولى رقبة الكاتب: فهو كبيعه، ولا يجوز له بيع ما في يد المكاتب من الأموال، ولا إعتاق عبيده، ولا تزويج إمائه؛ كما لا يتصرف في مال الغير.
ولو قال أجنبي للمولى: أعتق مكاتبك على ألف، فأعتق: عتق، ويستحق الألف على القائل، ويكون بمنزلة فداء الأسير.
وكذلك: لو قال: أعتق أم ولدك على ألف، فأعتق: عتقت، واستحق الألف، أما إذا قال: أعتق مكاتبك، أو أم ولدك عني على ألف، أو لم يقل: على ألف، فأعتق: لا يعتق عن السائل لأنهما لا يقبلان النقل من ملك إلى ملك.
وهل يعتق عن السيد المعتق؟ فيه وجهان؛ كما لو أعتق عبده عن الغير بغير إذنه لا يعتق عن الغير، وهل يعتق عن المعتق؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يعتق: لا يستحق على السائل شيئاً، والله أعلم.
باب كتابة الكفار إذا كاتب الذمي، كتابياً كان أو مجوسياً، عبده الكافر، أو المستأمن كاتب عبده على ما يجوز في الإسلام: تصح كتابته؛ كما تصح كتابة المسلم.
فإذا خرج المولى إلى دار الحرب: فإن وافقه المكاتب؛ وإلا فليس له إجباره على الخروج معه؛ لأنه صار أحق بنفسه؛ فاختل ملك المولى عليه.
وإذا أسلم السيد: فالكتابة بحالها، وإذا أسلم المكاتب: لا يباع؛ لأنه خارج عن تصرف المولى؛ لا يمكنه استذلاله؛ بخلاف المدبر إذا أسلم: يباع في قول؛ لأنه غير خارج عن تصرف المولى.
ولو أسلم عبد لذمي، ثم كاتبه، أو اشترى الكافر عبداً مسلماً، وقلنا: يصح الشراء؛ فكاتبه قبل أن يباع عليه، فيه قولان: أحدهما: الكتابة باطلة، ويباع عليه؛ لأن إزالة ملكه عنه واجبة، وبالكتابة: لا يزول ملكه كما لو دبره بعدما أسلم، أو علق عتقه بصفة: يباع عليه؛ فعلى هذا: لو لم يتفق البيع حتى أدى النجوم: عتق بحكم الكتابة الفاسدة، ويتراجعان.
والقول الثاني: صحت الكتابة، ولا يباع؛ لأنه بالكتابة يخرج عن تصرفه، فلا يمكنه

استذلاله، وهو اختيار المزني، فإذا عجز بيع عليه، فلو كاتب الذمي عبده على ما لا يجوز في الإسلام من خمر أو خنزير، فإن أسلما، أو ترافعا إلينا بعد قبض المسمى: فقد عتق، ولا يرجع السيد عليه بشيء؛ لأنه مضى في الشرك على اعتقادهم.
وإن أسلما أو ترافعا إلينا قبل قبض شيء منه، أو بعد قبض بعضه: يفسخه الحاكم، فإذا أدى بعد الفسخ: لا يعتق؛ كالمسلم في الكتابة الفاسدة، وإن أسلما قبل القبض، ثم قبضا، ثم ترافعا إلينا: فقد حصل العتق، ويتراجعان؛ فالسيد يرجع عليه بقيمته، وهو على السيد بما دفع إليه، [إن كان ما دفع إليه] شيئاً له قيمة، فإن لم يكن له قيمة: فلا يرجع المكاتب بشيء، وإن كان قد قبض [بعض] الفاسد في الشرك؛ بأن كاتبه على زقي خمر، فقبض أحدهما، ثم أسلما، فقبل أن يفسخ الحاكم العقد بينهما: أخذ الزق الآخر عتق، ووجب عليه جميع قيمة رقبته؛ لأن العتق يحصل بأداء النجوم؛ وذلك وجد في الإسلام.
فصل وإذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب: يصح؛ فإن قهره: عاد قنا، وارتفعت الكتابة، وإن دخل إلينا بأمان قبل قهره: فهو على كتابته، ولو دخل علينا مسلماً: فلا يتعرض لمكاتبه في دار الحرب.
وإن خرج إلينا بأمان، ثم كاتب عبداً، ثم أراد أن يعود إلى دار الحرب: فإن وافقه مكاتبه؛ وإلا لم يكن له أن يحمله قهراً، بل يؤكل من يقبض النجوم له، ويبعث إليه.
فلو مات السيد في دار الإسلام، أو بعدما عاد إلى دار الحرب: فالكتابة بحالها، وفي مال الكتابة قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني: يبعث إلى وارثه في دار الحرب.
والثاني: هو فيء؛ لأنه مال كافر لا أمان له، وإذا سبى السيد- لا تبطل الكتابة، ثم إن من عليه أو فودي: أخذ النجوم، وعتق المكاتب، وإن استرق: فلا تبطل الكتابة أيضاً، ويعتق المكاتب بالأداء، وولاؤه موقوف، فإن عتق المولى: كان له، وإلا فلا ولاء عليه، وماذا يفعل بمال الكتابة؟ يبنى على الموت، إن قلنا: إذا مات يكون فيئاً، فههنا: قولان: أحدهما: يكون فيئاً؛ كما لو مات؛ لأن بالاسترقاق: يزول ملكه كما بالموت.

والثاني: يوقف؛ لأنه يرجى له ملك، فإن عتق: كان له، وإن مات يغنم.
وإن قلنا في الموت: يصرف إلى وارثه: فههنا: يوقف، فإن عتق: فهو له، وإن مات في الرق: فيه وجهان: أحدهما: يصرف إلى وارثه، فههنا: يوقف؛ كما لو مات حراً.
والثاني: وهو الأصح: يكون فيئاً؛ لأنه رقيق، والرقيق لا يورث منه.
ولو أن حربياً كاتب عبداً، ثم خرج المكاتب إلينا مسلماً، فهو حر، وبطلت الكتابة.
ولو قهر سيده في دار الحرب، ولم يسلم: صار حراً، وصار سيده عبداً له؛ لأن الدار دار قهر.
ولو أن مسلماً كاتب عبداً كافراً في دار الإسلام، أو في دار الحرب: صح، ثم إذا وقع في الأسر: فهو على كتابته؛ لأنه في أمان بحق سيده؛ كما لو أعتق مسلم عبداً كافراً، فالتحق بدار الحرب: لا يسترق.
وكذلك: لو استولى الكفار على مدبر مسلم، أو أم ولده: لا يبطل حكم تدبيره واستيلاده.
فصل إذا كاتب مسلم عبداً مسلماً، ثم ارتد السيد: لا تبطل الكتابة؛ سواء قلنا: ملكه زائل أو غير زائل؛ كما لا تبطل الكتابة ببيعه ورهنه.
ولو كاتب المرتد عبداً، هل يصح أم لا؟ إن قلنا: إن ملكه زائل: لا يصح.
وإن قلنا: إن ملكه موقوف: ففي الجديد: لا تصح كتابته؛ لأن العقد لا يقبل الوقف في الجديد، وفي القديم: يكون موقوفاً، فإن عاد إلى الإسلام: بأنه كان صحيحاً، وإلا فلا.
وإن قلنا: ملكه باق، فإن كان قبل أن حجر عليه: صحت كتابته، وإن كان بعد ما حجر عليه: إن قلنا: حجره حجر السفيه: لا تصح كتابته.
وإن قلنا: حجر الفلس: ففيه قولان: كتصرف المفلس.
أحدهما: باطل.
والثاني: موقوف، فإن عاد إلى الإسلام: بان أنه كان صحيحاً.

وإن مات أو قتل في الردة: بان أنه كان فاسداً، فإذا صححنا كتابته على هذا القول، فسلم المال إلى السيد: عتق إن لم يكن حجر عليه، وإن حجر عليه، أو كانت الكتابة قبل الردة، ثم بعد الردة على قولنا: إن ملكه زائل، أو موقوف على قولنا: إنه باق، ولكن حجر عليه الحاكم- لا يجوز تسليم المال إليه، فإن سلم إليه: لم يعتق، بل يدفع إلى الحاكم حتى يعتق فإن دفع إلى السيد- نظر: إن بقي في يده ما فيه وفاء بالنجوم، فدفعه إلى الحاكم: عتق، وإن لم يبق في يده وفاء: يسترد ما دفع إلى المولى، ويدفعه إلى الحاكم؛ ليعتق؛ فإن لم يمكنه الاسترداد، وقد حل عليه النجوم: فللحاكم تعجيزه، فإن عجزه، ثم مات السيد، أو قتل في الردة: كان رقيقاً، وإن عاد إلى الإسلام، هل يلغى التعجيز؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلغى؛ كما لو أخذ المحجور عليه بالسفه النجوم، فعجزه وليه، ثم زال الحجر: لا يلغى التعجيز.
والثاني: يلغى التعجيز، ويصح الاسترداد، ويحكم بعتقه؛ بخلاف المحجور؛ لأن حجره أقوى من حجر المرتد؛ بدليل أن تصرفه لا ينفذ، وتصرف المرتد نافذ في قول.
ولو ارتد المكاتب: لا تبطل الكتابة، فإن مات أو قتل في الردة: ارتفعت الكتابة، وما في يده لسيده.
وقال أبو حنيفة: يؤدي من مال كتابته، وما بقي لوارثه، سواء اكتسب في حال الردة أو في حال الإسلام، والله أعلم بالصواب.
باب جناية المكاتب ورقيقه إذا جنى المكاتب: لا يخلو: إما إن جنى على سيده، أو على أجنبي.
فإن جنى على سيده- نظر: إن جنى على طرفه، وكان عمداً، له استيفاء القود، فإن عفى على الدية، أو كانت الجناية خطأ: تعلق الأرض بكسبه، فإن كان في يده مال: أخذ الأرض منه، ولم يكن له تعجيزه وإن لم يكن في يده مال، هل له تعجيزه؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له تعجيزه؛ لأنه لا فائدة له فيه، فإن أرش جنايته لا يتعلق برقبته.
والثاني: وهو الأصح: له تعجيزه؛ لأنه لا فائدة له فيه، فإن أرش جنايته لا يتعلق برقبته، ويستفيد [به] أنه يرده إلى تصرفه، فإذا عجز بسبب الجناية، أو لأجل النجوم، هل

يسقط الأرش أم يكون في ذمته، حتى يعتق؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو كان له في ذمة عبد الغير دين، فملكه، هل يسقط أم لا؟ فيه وجهان، أما إذا لم يعجز، حتى عتق: يتبعه بالأرش قولاً واحداً.
فأما إذا جنى على نفس السيد، فقتله: فلوارثه استيفاء القصاص، فإن عفى على الدية، أو كان القتل خطأ: تؤخذ الدية مما في يده، فإن لم يكن في يده مال: فللوارث أن يعجزه.
هذا هو المذهب، ثم هل تسقط الدية، أم تكون في ذمته حتى يعتق؟ فيه وجهان.
وإن جنى المكاتب على ابن سيده، نظر: إن جنى على طرفه: فهو كما لو جنى على أجنبي: فللسيد أن يقبض منه، [وإن جنى على نفسه: فللسيد أن يقتص منه] فإن عفى على الدية، أو كانت الجناية خطأ: أخذ الدية مما في يده، وإن لم يكن في يده مال: فالمذهب: أن له تعجيزه؛ كما ذكرنا، وإن جنى المكاتب على أجنبي: فللمجني عليه استيفاء القصاص، إن كان طرفاً، وإن كان نفساً: فلوارثه، فإن عفى على الدية، أو كانت الجناية خطأ: تؤخذ الدية مما في يده، ومن كسبه يؤخذ أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته؟ فإن كان أرش الجناية أكثر من قيمته: ليس له أن يعطى الزيادة بغير إذن المولى، وبإذنه: فعلى قولين: فإن لم يكن في يد المكاتب مال، وسأل من له الأرش تعجيزه: عجزه الحاكم، وبيع ثم إن استغرق الأرش [جميع] قيمته: بيع كله؛ وإلا بيع بقدر أرش الجناية، وكان الباقي على كتابته، فإذا أدى كتابة باقية: عتق بقدره، وللمولى أن يستبقي الكتابة فيه باختيار الفداء، ومهما اختار الفداء بعد التعجيز، أو في حال بقاء الكتابة: بماذا يفدى؟ نظر: إن قال: ضمنت فداءه: يلزمه الأقل من قيمته، أو أرش جنايته على قوله الجديد، وعلى قوله القديم: يلزمه أرش الجناية بالغاً ما بلغ، ولو اختار الفداء، ثم رجع- نظر: إن كان العبد باقياً: فله الرجوع، ويباع في الجناية، وإن [كان قد] مات بعد اختيار الفداء: فلا رجوع له، ولو لم يختر الفداء، غير أن السيد أعتقه، أو أبرأه عن النجوم بعد الجناية: عتق، وصار السيد مختاراً للفداء، وبماذا يفدى؟ قيل: فيه قولان، كما لو اختار الفداء في حال بقاء الكتابة وقيل ههنا: يجب أقل الأمرين من قيمة العبد، أو أرش الجناية قولاً واحداً؛ بخلاف حال بقاء الكتابة؛ لأن هناك: الرق باق، فلو بيع: ربما اشتراه راغب بأكثر من قيمته، وبعد العتق: لا يتصور ذلك.

وكذلك: لو جنى أب المكاتب أو ولده الذي يكاتب عليه، ثم أعتق السيد المكاتب: يجب على السيد الفداء؛ لأن الجاني عتق بإعتاقه المكاتب؛ بخلاف ما لو جنى عبد المكاتب، ثم أعتق السيد المكاتب: لا يصير مختاراً للفداء؛ لأن العبد الجاني لا يعتق بإعتاق المكاتب.
ولو عتق المكاتب بأداء النجوم: فضمان جنايته عليه، ولا يجب على المولى؛ لأن المولى مجبور على قبض النجوم، بخلاف ما لو أعتقه مختاراً.
وماذا يجب على المكاتب؟ فعلى ما ذكرنا من الطريقين، وهذا بخلاف ما لو جنى المكاتب على سيده، ثم أدى النجوم، فعتق، أو أبرأه السيد، أو أعتقه: يجب أرش الجناية، بالغاً ما بلغ على المكاتب، فإن كان قد قطع يده: عليه نصف الدية قولاً واحداً؛ لأن المكاتب: إذا جنى على سيده: لا يتعلق الأرش برقبته، بل يتعلق بذمته؛ بدليل أنه لا تباع رقبته فيه؛ فلما تعلق بذمته: وجب كمال الأرش؛ كما لو جنى حر على حر، وأن أرش جنايته على الأجنبي يتعلق برقبته؛ بدليل أنه تباع رقبته فيه، فلم تجب أكثر من قيمة الرقبة.
ولو جنى المكاتب جنايات متفرقة أو معاً، يؤخذ ضمانها مما في يده ومن كسبه، وهو الأقل من أرش الجنايات كلها، أو قيمته مرة واحدة، فإن لم يكن في يده مال، وسألوا تعجيزه: عجزه الحاكم، وبيعت رقبته، وقسمت قيمته بينهم على قدر أروش جنايتهم، وإن أبرأ بعضهم عن حقه: قسم على الباقين، فإن اختار السيد الفداء: لا يباع، وبماذا يفدى فيه قولان: في الجديد: بأقل الأمرين من أروش الجنايات كلها، أو قيمته مرة [واحدة].
وفي القديم: بأروش الجنايات كلها؛ فلو أعتقه السيد، أو أبرأه عن النجوم: صار مختاراً للفداء.
وماذا يلزمه؟ أو أدى المكاتب النجوم، وعتق، ماذا يجب على المكاتب بعد العتق؟ ينظر: إن كانت الجنايات معاً؛ بأن هدم عليهم جداراً، أو ضربهم ضربة واحدة، فقتلهم: فعلى ما ذكرنا من القولين فيما لو اختار الفداء في حال الرق في الجديد: عليه أقل الأمرين من أروش الجنايات كلها، أو قيمته مرة واحدة.
وقال في القديم: [عليه] أروش الجنايات كلها.
وإن كانت الجنايات متفرقة ففي الجديد قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني: هكذا عليه أقل الأمرين من أروش الجنايات كلها أو قيمته مرة واحدة؛ لأنه لم يوجد منه إلا منع واحد بالإعتاق.

والثاني: يجب أن يفدى كل جناية بانفرادها بأقل الأمرين من أرشها، أو قيمته مرة؛ لأن البيع عقيب كل جناية كان ممكناً؛ فكأنه أحدث عقيب كل جناية منعاً؛ بخلاف ما لو كانت الجنايات معاً، وبخلاف ما لو فدى في حال بقاء الرق؛ لأن الرق ثم باق [فـ] أمكن بيع الرقبة، نظيره من القن: لو جنى، ففداه السيد، ثم جنى ثانياً: يجب عليه أن يفدى ثانياً بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته؛ فهذا كأم الولد في جناياتها.
فصل في جناية عبد المكاتب.
إذا جنى عبد المكاتب- لا يخلو: إما إن جنى على الأجنبي، أو على سيد سيده، أو على سيده؛ وهو المكاتب: فإن جنى على أجنبي: فله استيفاء القصاص.
فإن كان خطأ أو عفى على الدية: تباع رقبة العبد فيه، إلا أن يفدى المكاتب، وفي يده ما يفديه، فلا تباع.
وفي بدل الفداء: لا يحتاج إلى إذن السيد، إن كان أرش الجناية أقل من قيمة العبد، وإن كان أكثر [من قيمته]؛ فلا يجوز أن يفدى بأكثر من قيمته بغير إذن السيد، وبإذنه قولان؛ كتبرعاته، فإن لم يأذن المولى أو أذن، وقلنا: لا يجوز للمجني عليه أن يبيع العبد لأنه ربما يشتريه راغب بأكثر من قيمته، فإن كان هذا الجاني ولد المكاتب، أو والده ممن تكاتب عليه لا يجوز للمكاتب أن يفديه بغير إذن السيد وبإذنه قولان؛ كتبرعاته؛ لأنه لا فائدة له في هذا الفداء، لأنه لا يمكنه أن يصرف رقبته في نجوم الكتابة، بل يسلمه ليباع في الجناية.
أما إذا جنى عبد المكاتب على سيد سيده: فهو كما لو جنى على أجنبي؛ تباع رقبته في جنايته، إلا أن يفديه المكاتب، ويفدى بالأقل من قيمته أو أرش جنايته فأما إذا جنى عبد المكاتب على سيده، [وهو المكاتب] فإن كان موجباً للقصاص: له استيفاء القصاص دون إذن المولى وإن كان ابناً: تكاتب عليه، وإن كان خطأ، أو عفى على مال: لا يجب المال؛ لأنه لا يجب له على عبده مال.
وإن كان للمكاتب عبيد وجنى بعضهم على بعض، فللمكاتب استيفاء القصاص دون إذن المولى إلا أن يكون الجاني أبا المكاتب، أو جده: لم يكن له أن يقتص منه؛ كما لو جنى عليه: لا قصاص له، وإن كان ابناً له- فله القود.
وإن كانت الجناية خطأ أو عفى عن القود: فلا يجب المال له على عبده.

وإن كان الجاني أبا المكاتب أو ابنه: فله أن يبيع منه بقدر أرش الجناية.
ولو كاتب رجل ثلاثة أعبد كتابة واحدة، وجوزنا، فجنى بعضهم: لا يلزم الباقين شيء من الأرش.
وعند مالك: يتعلق الأرش برقبة الكل، وإذا أقر المكاتب بدين معاملة: يقبل، وإن أقر بدين جناية، هل يقبل؟ فيه قولان: أصحهما: يقبل صدقه المولى أو كذبه، وهو المذهب، ويؤدي مما في يده كدين المعاملة، وإن لم يكن في يده مال: يباع فيه.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه يؤدي من كسبه بلا عوض، فإن قلنا: يقبل- قال الإمام الشيخ رحمه الله: فإن أقر بدين جناية هو أكثر من قيمته: لا يلزم إلا قدر قيمته، ولو أقر بدين معاملة هو أكثر من قيمته: يؤدي الكل من كسبه، فإذا قبلنا إقراره بدين الجناية: فلو عجز قبل أن يؤخذ منه: ففيه قولان: أحدهما: يباع فيه؛ لأنه أقر في وقت كان إقراره مقبولاً.
والثاني: لا يباع، بل يكون في ذمته حتى يعتق إلا أن يصدقه المولى؛ كما لو أقر بعد العجز؛ لأن بالعجز صارت رقبته للمولى، وقبل العجز: قبلنا فيما في يده.
وقد نص الشافعي- رضي الله عنه- في نظيره على قولين: قال: لو قتل المكاتب عبداً، وقال: كانت قيمته ألفين، وقال سيد المكاتب: كانت ألفاً: ففيه قولان: أحدهما: يوقف إقراره: فإن أدى الكل قبل العجز: صح، ولا يرجع سيده على سيد المقتول بشيء، وإن عجز قبل الأداء: فعلى سيده الأقل من قيمته أو ألف درهم، ويباع فيه إلا أن يفديه السيد.
وإن أدى ألفاً وخمسمائة، ثم عجز: صح ما أدى، وبطلت الخمسمائة الباقية.
والقول الثاني: صح إقراره وبيع في الألفين؛ إلا أن يفديه السيد بالألفين، أو قيمته، فالألف الثانية يقر به المكاتب، ويكذبه المولى، فجعل فيها قولين عند عجز المكاتب، ولا يقبل إقرار السيد على المكاتب بالجناية، فلو كاتب عبده، ثم أقر أنه كان قد جنى قبل الكتابة: لا تقبل؛ لأن يد المولى قصرت عنه بالكتابة؛ كما لو باعه.
فصل إذا اجتمع على المكاتب ديون من نجوم الكتابة، وديون المعاملة، وأروش الجنايات للمولى، أو للأجانب، وكلها حالة، وما في يده لا يفي بالكل: فهو كالحر في الحجر عليه

وقسمة ماله، فإن لم يحجر عليه: فله تقديم أيها شاء.
وإن كانت نجوم الكتابة مؤجلة: فله تعجيلها، وتقديمها على سائر الديون، وإن كانت ديون المعاملة مؤجلة: فليس له تعجيلها بغير إذن المولى، وبإذنه قولان؛ كالتبرعات.
والأولى: أن يقدم دين المعاملة؛ لأنه يختص بما في يده، والسيد والمجني عليه يرجعان إلى الرقبة، فإن فضل شيء عن دين المعاملة: قدم حق المجني عليه؛ لأنه يقدم على حق المالك في العبد القن؛ كذلك في المكاتب.
فإن قدم حق السيد، فأدى النجوم: عتق، ودين الأجنبي في ذمته، وإذا حجر عليه الحاكم: قسم ماله بين السيد والغرماء؛ على قدر ديونهم، ولا يقدم البعض على البعض.
وإذا حجر عليه، فهل يحل ديونه المؤجلة؟ فيه قولان: فإن قلنا: تحل: قسم ماله على الكل.
وإن قلنا: لا تحل: فعلى الديون الحالة.
فإن لم يف ماله بالدين: فلا يعجز بسبب دين المعاملة، وللسيد تعجيزه بسبب النجوم، وللمجني عليه بسبب [دين] الجناية؛ لأنهما يرجعان في الرقبة؛ فإن الرقبة تعود إلى المولى، وأرش الجناية تباع فيه رقبته، فإن عجزه السيد بسبب النجوم: ارتفعت الكتابة، وتباع بسبب دين الجناية، إلا أن يختار السيد الفداء، وإن لم يعجزه السيد، وأراد المجني عليه تعجيزه بسبب الجناية: ليس له تعجيزه بنفسه، بل يرفعه إلى الحاكم حتى يعجزه، فلو أنظره المجني عليه مدة، ثم بدا له أن يعجزه: فله ذلك.
وإذا عجزه السيد بسبب النجوم، وعليه دين معاملة: لا تباع رقبته في دين المعاملة، بل إن كان في يده مال يؤدي به دين المعاملة وإن لم يكن: فيكون في ذمته حتى يعتق، وإن كان دين المعاملة للمولى، هل يسقط بالعجز؟ فيه وجهان: إن قلنا: لا يسقط، فيحاص الغرماء إن كان له مال؛ وإلا فحتى يعتق.
وإن أعتقه المولى، وأدى المكاتب المال فعتق: لا يصير به السيد مختاراً لدين المعاملة، بل يؤدي من مال إن كان له؛ وإلا فحتى يعتق، والله أعلم.
باب الجناية على المكاتب إذا جني على المكاتب: لا يخلو: إما إن جني على نفسه، أو على طرفه:

فإن جُنِيَ على نفسه، فقتل: بطلت الكتابة، ومات رقيقاً، ثم نظر فيه: إن قتله سيده: فلا شيء عليه إلا الكفارة.
وإن قتله أجنبي: فللمولى أن يقتص إن كان القاتل عبداً فقتله عمداً.
وإن كان القتل خطأ أو كان القاتل حراً، أو عفا السيد على مال: أخذ قيمته.
وإن جني على طرفه نظر: إن كان موجباً للقصاص؛ بأن قطع يده عبد أجنبي، أو عبد سيده: فللمكاتب أن يقتص دون إذن المولى، وكذلك: لو جنى على عبد من عبيده طرفاً أو نفساً: فللمكاتب أن يقتص دون إذن المولى؛ كما لو جنى على المكاتب عبده.
فلو عفا المكاتب- نظر: إن عفا على مال: ثبت، ولا يحتاج إلى إذن المولى في العفو عن القصاص، وإن عفا مطلقاً: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين أو قلنا: موجبه القود، ولكن مطلق العفو يوجب المال: يجب المال للمكاتب؛ فيأخذ الأرش، ويستعين به على أداء النجوم.
وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال: لا يجب شيء، وإن عفا مجاناً: سقط القود، ثم إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين: لا يسقط المال، إن عفا بغير إذن السيد.
وإن عفا بإذنه: فعلى قولي تبرعاته.
وإن قلنا: موجب العمد هو القود، إن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال؛ [فلا يجب شيء، وإن كان بغير إذن المولى، وإن قلنا: مطلق العفو يوجب المال]: ففيه وجهان: أحدهما: يجب المال، إن كان بغير إذن المولى، وإن كان بإذنه: فعلى قولين؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال، فعفا عن المال.
والثاني: لا يجب المال، وإن كان العفو بغير إذن المولى، لأن الجناية على هذا القول غير موجبة للمال؛ وإنما يثبت المال بعفوه، وعفوه على المال اكتساب، وعفوه مجاناً امتناع عن الاكتساب، وإذا امتنع المكاتب عن الاكتساب: لا يجبر عليه.
ولو صالح عن القود على أقل من أرش الجناية: فحكم ما نقص عن أرش الجناية حكم العفو على أن المال عليه.
أما إذا كانت الجناية موجبة للمال: فلا يصح عفوه عن المال بغير إذن السيد وبإذنه على قولين، فحيث قلنا: لا يسقط المال بالعفو: فلو عتق بعد العفو قبل أخذ المال: هل له

أخذه؟ فيه قولان، بناءً على أن تصرف المفلس باطل أو موقوف.
وفيه قولان، المنصوص ههنا: أن له أخذ المال بعد العتق؛ لأن عفوه لم يكن صحيحاً.
ولو جنى السيد على طرف المكاتب، فإن كانت النجوم [مؤجلة]: فللمكاتب مطالبته بالأرش.
وإن كانت حالة، واتفق الأرش ومال الكتابة جنساً ووصفاً: يتقاصان.
وإن كان أحدهما أكثر: فلصاحب الفضل أن يأخذ الفضل، فإذا حكمنا بالتقاص، وعتق المكاتب، ثم سرت الجراحة إلى النفس، ومات: يجب على السيد ديته لوارثه إلا القدر الذي صار قصاصاً بالنجوم؛ بخلاف ما لو جرح عبد نفسه، ثم أعتقه، فمات بالسرايا: أنه لا ضمان عليه؛ لأن ابتداء تلك الجناية لم يكن مضموناً؛ [فلم يجب الضمان في الانتهاء، وابتداء الجناية على المكاتب كان مضموناً]؛ فهو كما لو جرح عبد الغير، فعتق، ثم سرى: تجب الدية.
فإن قيل: الواجب في الدية الإبل، فكيف يصير قصاصاً بالنجوم؟ قيل: كان الواجب في الابتداء ههنا نصف القيمة، فقطع اليد، فصار قصاصاً بالنجوم، ثم عند السراية: يجب الفصل من الإبل.
فإن قيل: أليس أن من قطع طرف إنسان: لا تؤخذ الدية إلا بعد الاندمال، فكيف يصير قصاصاً في الحال؟ قلنا: قد قيل: هل تؤخذ الدية قبل الاندمال؟ فيه قولان، وقيل في المكاتب: يجوز الأخذ قبل الاندمال؛ لأنه يتوهم سقوط كله بتعجيز المكاتب أو موته، والكتابة عقد إرفاق، فأثبتنا المطالبة في الحال، حتى لا يؤدي إلى إبطال العتق؛ بخلاف الحر: فإن في الحر: لا يتوهم سقوط جميع الضمان؛ إنما يتوهم الانتقاص بمشاركة الغير؛ فلم يؤخذ في الحال، والله أعلم.
باب عتق المكاتب في المرض والوصية به إذا كاتب عبده في مرض موته- تعتبر قيمته من الثلث، سواء كاتبه بمثل قيمته، أو بأقل منه، أو بأكثر؛ لأن فيه تعجيل ما يخرجه عن الملك، وتأخير ما يأخذ؛ كالبيع نسيئة، ثم إن

خرج من الثلث بأن كان له مثلاً قيمته إذا استفاد قبل موته مثلي قيمته: صحت كتابة كله.
وإن لم يكن له سواه مال- نظر: إن أدى النجوم قبل موت السيد: عتق ثلثاه، إن كان كاتبه على مثل قيمته؛ بأن كانت قيمته مائة، وكاتبه على مائة، فأخذها، وإن كاتبه على مائتين، وقيمته مائة، فأخذ كلها: عتق كله؛ لأنه بقي للوارث مثلاً قيمته.
أما إذا باع نسيئة في مرض موته بثمن مثله، فأخذ الثمن: صح البيع في كله؛ لأن ثم: لو لم يبع العبد: لم [يكن] يحصل له الثمن، فالثمن الذي أخذه بمقابلة ما خرج عن ملكه.
وفي الكتابة: لو لم يكاتب العبد: كان كسبه له، ويبقى لوارثه، فإذا كاتبه بمائة، وقيمته مائة، فأخذها: صار كما لو ملك، مائتين، فنفذ تبرعه في ثلثها، وهو ثلثا العبد.
وإن قبض في الحياة خمسين: صحت الكتابة في نصف العبد.
ولو مات السيد قبل أخذ النجوم: يوقف على إجازة الوارث، فإن أجاز: صحت الكتابة في الكل، ثم إذا عتق بأداء النجوم: فولاؤه لمن يكون؟ إن قلنا: إجازة الوارث تنفيذ لما فعله المورث: فولاء جميعه للمورث: يصير منه لعصباته.
وإن قلنا: إجازة الوارث ابتداء تمليك منه: فولاء ثلثه للميت، وولاء الثلثين للورثة على قدر مواريثهم، وإن رد الوارث الزيادة على الثلث: فثلثه مكاتب، فإذا أدى نجوم ذلك الثلث: عتق ثلثه، ثم هل يزاد في الكتابة قدر نصف ما أدى وهو سدس العبد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يزاد؛ لأن الكتابة قد بطلت في الثلثين؛ فلا يعود.
والثاني: يزاد؛ فتصح الكتابة في نصف ما أدى؛ كما إذا ظهر للمورث مال كان له في حياته، أو حدث بعد موته؛ بأن كان قد نصب شبكة، فتعلق بها صيد بعد موته: يزاد في الكتابة.
فإن قلنا: يزاد، وكان بعد مضي المدة: هل يجب أن يعطى نجوم ذلك السدس في الوقت أم يضرب له سدس الأجل الذي كان في الابتداء؟ فيه جوابان؛ بناءً على ما لو حبس السيد مكاتبه مدة، ثم خلى سبيله، هل يضرب له مثل مدة حبسه؟ فيه قولان: فإن قلنا: يزاد في الكتابة قدر نصف الثلث، فإذا أدى نجوم ذلك السدس: عتق نصفه،

ويزاد نصف السدس، هكذا لا يزال يزيد في قدر نصف ما يؤدي، حتى ينتهي إلى ما لا ينتصف، ولو أجاز الوارث في بعض الثلثين، إن قلنا: إجازته، تنفيذ لما فعله المورث: صحت إجازته فيما أجاز، والحكم في الباقي على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إجازته تمليك: فعلى قولي كتابة بعض العبد.
ولو كان له عبدان لا مال له سواهما، قيمتهما سواء، فكاتب أحدهما، وباع الآخر نسيئة في مرضه معاً: فهما موقوفان.
فإن أديا المال في الحياة: صحا جميعاً، وإن لم يؤديا حتى مات السيد، ولم يجز الوارث: صحت الكتابة في ثلث هذا، وصح البيع في ثلث الآخر.
فإذا أدى أحدهما: إما العبد نجوم الثلث أو المشتري ثمن الثلث: فهل يزاد قدر نصف ما أدى؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يزاد فيهما [جميعاً]: تصحح الكتابة في نصف السدس، والبيع في نصف السدس [الآخر] وإن كان المؤدي أحدهما، ولو كاتب عبده في الصحة، واستوفى النجوم في المرض، أو استوفاه وارثه بعد موته: يكون من رأس المال، وإن كاتبه على أقل من قيمته؛ كما لو باع بالمحاباة في الصحة، واستوفى الثمن في المرض.
ولو أقر في المرض أنه قد استوفى: يقبل من رأس المال؛ كالإقرار بقبض الديون.
ولو كاتب عبده في الصحة، ثم أبرأه عن النجوم في مرض موته، أو أعتقه، أو أوصى بعتقه، أو بوضع النجوم عنه بعد الموت: فيكون من الثلث: فإن خرج من الثلث [عتق كله، وسقط عنه النجوم، وإن لم يخرج من الثلث] بأن لم يكن له مال سواه، فإن اختار العجز: عتق ثلثه، ورق ثلثاه، وإن اختار البقاء على الكتابة- نُظر: إن استوفى القيمة والنجوم: عتق ثلثه، وبقي الثلثان مكاتباً، فإن كان معه ما يؤدي نجوم الثلثين: أدى، وعتق؛ وإلا فللوارث تعجيزه، إن كان قد حل عليه مال الكتابة، وإن لم يحل عليه مال الكتابة: يعتق الثلث في الحال؛ فتبقى الكتابة في الثلثين إلى أن يحل الأجل [ويعتق] وقيل: لا يعتق الثلث في الحال حتى يسلم للوارث الثلثان: إما بأداء نجوم الثلثين، أو بالعجز.
وإن كان بين النجوم والقيمة تفاوت: يعتبر بالأقل من الثلث، لأن الذي يتحقق بقاؤه

للوارث وهو الأقل؛ لأن القيمة: إن كانت أقل: فربما يعجز عن أداء النجوم؛ فلا يكون للوارث إلا الثلثان من العبد، وإن كانت النجوم أقل فربما يؤدي؛ فلا يكون للوارث سوى الثلثين من النجوم.
بيانه: إن كانت النجوم أقل بأن كانت النجوم مائة، والقيمة مائتان: عتق ثلثه، وسقط عنه [ثلث] النجوم؛ وهو المحسوب في الثلث، وبقي للوارث ثلثا النجوم.
وإن كانت القيمة أقل بأن كانت القيمة مائة، والنجوم مائتان، فيحتاج أن يعتق منه شيئاً محسوباً في الثلث، ويبرئه عن مثله من النجوم غير محسوب في الثلث، ويبقى للوارث مثلاً ما أعتقنا، ولا يعرف إلا بعمل الدورن فيقول: عتق منه شيء، وبرئ من النجوم من مثليه غير محسوب في الثلث؛ بقي للوارث من النجوم مائتان ناقصتان بشيئين تعدل مثلي ما أعتقنا، والذي أعتقنا شيء، فمثلاه شيئان، فشيئان في مقابلة مائتين ناقصتين بشيئين، نجبر المائتين الناقصتين بشيئين، وتضم إلى الشيئين شيئين؛ فتصير أربعة أشياء في مقابلة مائتين؛ فيكون كل شيء منها خمسون؛ فعلمنا: أنه عتق من العبد بقدر خمسين وهو نصفه، وسقط من النجوم عنه مثلاه، وهو مائة، بقي للوارث مائة من النجوم، وهو مثلاً خمسين التي أعتقنا من العبد.
فصل إذا أوصى بكتابة عبد بعد موته، فإن كان يخرج كله من ثلثه: يكاتب كله، إن شاء العبد، وإن لم يشأ: فلا يكاتب؛ بخلاف ما لو أوصى بإعتاق عبد: يعتق، شاء أو أبى؛ لأن العتق ينفرد به السيد؛ فينفرد به الوارث [ولا ينفرد السيد بالكتابة؛ فلا ينفرد به الوارث] وإن لم يخرج كله من الثلث، ولم يجز الوارث: يكاتب منه بقدر ما يخرج من الثلث؛ إن شاء العبد: حتى لو لم يكن له سواه مال: يكاتب ثلثه.
وقيل: هو ككتابة بعض العبد.
والمذهب: جوازه قولاً واحداً؛ لأن الوصية تحتمل من التبعيض ما لا تحتمل معاملة الصحة، فإذا كوتب ثلثه، وأدى نجومه: عتق الثلث، وولاؤه للميت، وثلثاه رقيق للوارث، وإن أجاز الوارث، وكاتب كله، فإذا أدى النجوم: عتق كله.
ثم إن قلنا: إجازة الوارث تنفيذ: فولاؤه كله للميت.
وإن قلنا: ابتداء تمليك: فولاء الثلث للميت، وولاء الثلثين للوارث.

ولو أوصى بوصايا للعباد وبالكتابة، هل تقدم الكتابة، لما فيها من القربة؟ فيه قولان: ولو قال: كاتبوا أحد عبيدي: لا يكاتب أمة ولا خنثى إلا أن يكون الخنثى واضحاً ذكراً.
ولو قال: إحدى إمائي: لا يجوز عبد ولا خنثى؛ إلا أن يكون واضحاً امرأة.
ولو قال أحد رقيقي: يجوز العبد والأمة، وهل يجوز الخنثى المشكل؟ قال المزني: يجوز، وهو الأصح؛ لأن اسم الرقيق يشمل الكل، وقال الربيع؛ لا يجوز.
ولو قال: كاتبوا فلاناً، فلم يرد فلان: بطلت الوصية، ولا يكاتب غيره.
وكذلك: لو أوصى بأن يشتري عبد فلان، فيعتق، فلم يبعه فلان- لا يشتري غيره؛ كما لو أوصى لزيد بشيء، فرده: لا يصرف إلى غيره.
فصل إذا أوصى بوضع النجوم عن المكاتب: يجوز، ويعتبر من الثلث.
فلو قال: ضعوا عنه كتابته: يوضع الكل، ولو قال: ضعوا أكثر ما عليه، أو أكثر ما بقي عليه: يوضع نصف ما عليه، وزيادة شيء بقدر ما شاء الوارث.
ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما [بقي عليه، ونصف مثله: يوضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه، وزيادة شيء.
ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما] عليه ومثله: يوضع الكل، والزيادة لغو.
ولو قال: ضعوا عنه [نجماً من نجومه: كان للوارث أن يضع أي نجم شاء، قليلاً كان أو كثيراً.
ولو قال: ضعوا عنه] ما شاء من نجوم الكتابة، فأراد المكاتب وضع الكل: لا يوضع الكل، بل يبقى أقل ما يتمول؛ لأن "من": للتبعيض.
ولو قال: ضعوا عنه ما شاء: نقل المزني: أنه إن شاء الكل: لا يوضع الكل، بل يبقى شيء.
فمن أصحابنا من وافقه، ومنهم من قال: يجوز وضع الكل؛ كما لو قال ضعوا عنه إن

شاء يوضع الكل إن شاء ولو قال: ضعوا عنه [ما قل أو كثر] وضع الوارث عنه ما شاء من قليل أو كثير؛ لأنه ما من قدر إلا وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر منه، وكثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه.
وكذلك لو قال: ما خف أو ثقل.
ولو كان كاتبه على نجوم متفاوتة؛ بعضها أكثر [من بعض] مالاً، وبعضها أطول مدة، فقال: ضعوا عنه أكثر نجومه: يوضع عنه أكثرها مالاً؛ لأن إطلاق الأكثر: ينصرف إلى المال دون المدة؛ فإنه يقال في المدة: أطول وأكثر.
وإن قال: ضعوا عنه أوسط النجوم، واجتمع في نجومه الأوسط في القدر، والأوسط في الأجل، والأوسط في العدد، كان للوارث: أن يضع من أي الثلاث شاء، فالقدر أن يكون أحد النجوم مائة، والآخر مائتين، والثالث ثلاثمائة، فالمائتان أوسطها.
والأجل: أن يكون أحدها: إلى شهر، والآخر: إلى شهرين، والثالث: إلى ثلاثة أشهر، فالذي إلى شهرين أوسطها.
والعدد أن تكون النجوم ثلاثة، فالثاني منها أوسطها، فإن لم يكن أوسط في القدر والأجل؛ بأن كانت الآجال متساوية والقدر متساوياً: يحمل على العدد.
فإن كانت النجوم ثلاثة: وضع الثاني، وإن كان أربعة: وضع عنه الثاني والثالث، وإن كانت خمسة: وضع الثالث.
فصل إذا أوصى برقبة المكاتب لإنسان: لا يجوز إلا على القول القديم الذي يجوز بيعه.
ولو أوصى برقبته إذا عجز: صح، فإذا عجز وأراد الوارث إنظاره: كان للموصى له تعجيزه.
ولو أوصى بنجوم مكاتبه لإنسان: يجوز، ويعتبر من الثلث، فإذا حل النجم، ولم يكن له ما يؤدي، فأراد الموصى له أن ينظره، وأراد الوارث تعجيزه: كان للوارث أن يعجزه؛ لأن الرقبة تعود إليه.
ولو أراد الموصى له إبراءه على النجوم: ذكر شيخنا القاضي الإمام- رحمه الله- وجهين:

أحدهما: يجوز؛ لأنه يملك استيفاءه لنفسه، فيملك الإبراء عنه؛ كالسيد [ويعتق].
والثاني: لا يجوز؛ لأن الموصى له ليس بخليفة الميت، والمكاتب لا يعتق إلا بأداء النجوم، أو بإبراء من المولى أو نائبه.
ولو أوصى لرجل بما في ذمة مكاتبه، ولآخر برقبته إذا عجز: صحت الوصيتان، ثم ينظر في العبد: فإن أدى مال الكتابة: عتق، وكان ذلك المال للموصى له بما في الذمة، وتبطل وصية الآخر.
وإن عجز نفسه: سلمت الرقبة على الموصى له بالرقبة، وبطلت الوصية الأخرى.
ولو قال: أوصيت لك بما يعجله مكاتبي من مال الكتابة: فإن عجل شيئاً مما عليه: دفع إلى الموصى له، وإن لم يعجل، بل أدى الكل: بطلت الوصية.
أما إذا كانت الكتابة فاسدة، فأوصى بنجومه لإنسان: لا يصح؛ لأنه لو أداه إلى السيد لا يملك السيد؛ بل هو كوجود الصفة في التعليق.
ولو أوصى برقبته لإنسان: نظر: إن كان عالماً بفساد الكتابة: يصح.
كما لو باعه مع العلم بفساد الكتابة: يصح]؛ هذا هو المذهب، وقيل: هو كما لو كان جاهلاً بفسادها: ففيه قولان: أحدهما: لا تصح؛ لأن اعتقادهما أنه وصية باطلة.
والثاني: وهو اختيار المزني: تصح اعتباراً بحقيقة الحال؛ وكذلك: لو باع بيعاً فاسداً، ثم أوصى بالمبيع لإنسان، وهو جاهل بفساد البيع: ففي صحة الوصية قولان.
ولو باع المكاتب كتابة فاسدة؛ أو المبيع بيعاً فاسداً، أو الموهوب هبة فاسدة، أو وهبه، أو رهنه، وهو جاهل بفسادها- اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: هو على هذين القولين.
ومنهم من قال: القولان في الوصية.
أما البيع والرهن: فباطلان قولاً واحداً؛ لأن الوصية تقبل من الغرر ما لا يقبله البيع والرهن.

وكذلك: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي؛ فبان أنه قد مات، وصار المال له أو وكل وكيلاً بشراء عبد له بعينه، ثم باعه الموكل، أو وهبه، ولم يعلم: أن الوكيل قد اشتراه، ثم بان أنه قد اشتراه، أو باع مال يتيم، ثم بان أن أباه جعله وصياً، أو باع مال رجل، ثم بان أن صاحب المال قد وكله ببيعه- هل يصح [أم لا] فعلى هذين الطريقين.
وتخرج من هذا: أن بيع الهازل هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ كما يقع طلاق الهازل وعتقه.
والثاني: لا يصح؛ بخلاف الطلاق والعتق؛ لأن لهما غلبة ليست للبيع.
باب موت سيد المكاتب إذا مات سيد المكاتب، وابنته تحت مكاتبه: نظر: إن لم تكن البنت وارثة بأن كانت قاتلة الأب، أو رقيقة أو ذمية، والأب مسلم: لا ينفسخ النكاح.
وإن كانت وارثة: ينفسخ النكاح؛ لأنها ملكت بعض زوجها، فإن الملك في المكاتب ينتقل إلى الوارث؛ بدليل: أنه لو عجز يكون ملكاً له، وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه: تنفسخ الكتابة وعند أبي حنيفة: لا تنفسخ الكتابة بموت سيد المكاتب عن المكاتب وابنته.
وبالاتفاق: لو مات رجل عن ابنة ومكاتب: لا يجوز للمكاتب أن ينكحها، ولولا أنها ملكته: لكان لا يمنع ابتداء النكاح، وكذلك: لو تزوج الابن مكاتبة أبيه، ثم مات الأب: إن لم يكن الابن وارثاً: لا ينفسخ النكاح، وإن كان وارثاً: ينفسخ النكاح؛ لأنه ملك زوجته، ولا يجوز للسيد أن يتزوج مكاتبته، ولا أمة مكاتبته، ولا للمرأة أن تنكح مكاتبها، ولا عبد مكاتبها، فأما إذا نكح أمة، فاشتراها مكاتبه: لا يرتفع النكاح؛ كما لا يجوز للرجل أن يتزوج أم ولده، ولو كح أمة، ثم اشتراها ولده: لا ينفسخ النكاح، ولو مات سيد المكاتب، والمكاتب ممن يعتق على وارثه عتق.
وعند أبي حنيفة: لا يعتق.
وإذا مات سيد المكاتب: لا ترتفع الكتابة، حتى إذا أدى النجوم إلى الوارث يعتق، فإن

كان له وارثان- يجب أن يدفع إليهما، فلو دفع إلى أحدهما: لم يعتق، وإن كان الوارث صغيراً أو مجنوناً: لم يعتق بالدفع إليه، حتى تدفع إلى قيمه، أو إلى وصي أبيه، فإن كان الأب أوصى إلى وصيين يجب أن يدفع إليهما معاً، فإن دفع إلى أحدهما: لم يعتق.
ولو مات عن وارث، وعليه دين- نظر: إن كان الوارث وصياً في قضاء الدين، فدفع إليه: عتق، حتى لو تلف في يد الوارث، أو أتلفه: لا شيء على المكاتب، وإن لم يكن الوارث وصياً أو كان السيد قد أوصى بوصايا: فهي كالدين؛ فيجب أن يدفع [النجوم] إلى الحاكم أو إلى الوصي في قضاء الدين؛ فتنفذ الوصايا] فإن دفع إلى الغريم: لم يعتق، ولو دفع إلى الوارث، فإن قضى الدين والوصايا: عتق، وإن أتلفه: فالضمان على المكاتب، ولا يعتق.
باب عجز المكاتب الكتابة: عقد لازم من جهة السيد؛ لا يمكنه الفسخ؛ إلا أن يعجز المكاتب عن أداء ما عليه؛ وهو جائز من جهة العبد؛ لأن النظر في الكتابة للعبد؛ فلا يجبر على المقام عليه، وهي على السيد؛ فلم يكن له إسقاطه من غير اختيار من له الحق؟ كما أن الرهن لازم من جهة الراهن؛ جائز من جهة المرتهن.
ونعني قولنا: إنه جائز من جهة العبد: أنه لا يجبر على أداء المال، وإن كان معه وفاء، وله أن يمتنع من الأداء، ويعجز نفسه، ثم يقال للسيد إن شئت، فافسخ العقد، وإن شئت، فاصبر حتى يؤدي.
وهل يملك المكاتب الفسخ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرر عليه.
والثاني: له ذلك؛ كالمرتهن يفسخ الرهن.
وعند أبي حنيفة: إذا كان في يده وفاء لنجومه: لم يكن له تعجيز نفسه، وإذا حل على المكاتب نجم، أي نجم كان، وهو عاجز عن أداء ما ضرب عليه في ذلك النجم، أو عن بعضه: فللسيد فسخ الكتابة، إن شاء فسخ بنفسه، وإن شاء رفع إلى الحاكم حتى يفسخ.
وإنما جاز أن يفسخ بنفسه؛ لأنه فسخ مجمع عليه؛ كفسخ البيع بسبب العيب، وإذا عجز: فالاحتياط أن يشهد عليه؛ لأن المكاتب إذا أنكر التعجيز، وادعاه المولى: كان القول قول المكاتب مع يمينه.

ولو سأل المكاتب النظرة، إذا لم يكن في يده وفاء عند حلول النجم: يستحب أن ينظره، ولا يلزم.
فلو أنظره، ثم بدا له أن يرجع، ويعجزه: له ذلك.
أما إذا كان في يده مال؛ لكنه عروض عليه أن ينظره، حتى يبيعها، ولا يلزم أكثر من ثلاثة أيام.
فإن كان في السوق كساد: لا يلزمه أن ينظره إلى نفاق السوق، وإن كان للمكاتب في ذمة السيد مال قدر ما بقي من النجوم: لم يكن له تعجيزه، بل إن كان من جنس مال الكتابة: يتقاصان، وإن لم يكن من جنسه: نفذه، وأمهله حتى يحصل به جنس مال الكتابة] وإن كان ماله غائباً، فإن كان على مسافة القصر: لا يجب إنظاره، وإن كان على أقل: يجب إنظاره؛ حتى يحضره.
وإن كان ماله ديناً على إنسان: فإن كان حالاً على ملئ: يجب إنظاره، حتى يأخذه؛ كما لو كان وديعة عند إنسان.
وإن كان مؤجلاً: إن كان على معسر: لا يجب إنظاره؛ لأن عليه ضرراً في الإنظار الطويل، وإذا حل عليه النجم، وهو غائب، فله أن يفسخ الكتابة: إن شاء بنفسه، وإن شاء رفع إلى الحاكم؛ لأنه كان من حق المكاتب: أن يحضر عند حلول الأجل، ويبعث المال، حتى يؤدي وإن كان الطريق مخوفاً، أو كان المكاتب مريضاً عاجزاً عن الرجوع؛ فللمولى تعجيزه، لأنه لا ذنب للمولى في عذره، ثم إن فسخ بنفسه: يشهد عليه؛ لئلا يكذبه العبد إذا رجع.
وإن رفع إلى الحاكم: فلا يحكم بتعجيزه حتى يثبت بالبينة حلول النجم على مكاتبه، وتعذر الأداء، ويحلفه الحاكم مع البينة؛ لأنه قضاء على الغائب، لم يحكم له بالفسخ، فيفسخ المولى، بخلاف ما لو كان المكاتب حاضراً: لا يحلف المولى؛ لأن الحاضر يمكنه أن يعبر ع نفسه؛ فيظهر مالاً إن كان له، أو يدعي أداء، فيحلفه، ولو كان للغائب مال حاضر: لم يكن للقاضي أن يؤدي منه نجومه، ولا يمتنع به تعجيز المولى؛ كما لو كان العبد حاضراً، أو المال غائب؛ بخلاف ما لو جن المكاتب، وله مالك قضى الحاكم منه نجومه؛ لأن المجنون ليس من أهل النظر بنفسه؛ [فعلى الحاكم مراعاة نظره، والغائب

العاقل من أهل النظر لنفسه] ولا يؤدي عنه الحاكم؛ لأنه لو كان حاضراً: ربما اختار تعجيز نفسه، ولم يؤد المال وإن كان المولى قد أنظر المكاتب بعد حلول النجم، وأذن له في السفر، فغاب المكاتب، ثم بدا للمولى: أن يعجزه: ليس للمولى أن يفسخ في الحال؛ لجواز أن يكون المكاتب قد حصل مالاً في سفره؛ بل يرفع إلى الحاكم، ويثبت عنده بالبينة حلول النجم على مكاتبه وغيبته بعد الإنظار، ويحلفه الحاكم مع البينة، ثم يكتب إلى حاكم البلد الذي به المكاتب، فإذا أتاه الكتاب- دعا المكاتب وسأله فإن أظهر العجز: كتب إلى حاكم بلد المولى حتى يخبر المولى بعجز المكاتب؛ فتنفسخ الكتابة إن شاء.
وإن ذكر أن له مالاً أمره بإيصاله إلى المولى، ويصبر المولى قدر إمكان الوصول إليه، فإن لم يصل إليه: فسخ الكتابة.
وإن كان للسيد وكيل ببلد العبد: أمره الحاكم بالدفع إليه، فإن فعل عتق، وإن لم يفعل: كان للسيد أن يفسخ، أو لوكيله إن جعل الفسخ إليه في الحال.
ولو جن المكاتب، أو غلب على عقله: لا تنفسخ الكتابة؛ لأنه عقد لازم من أحد الطرفين؛ كالرهن.
فإن وجد السيد له مالاً: أخذه وعتق العبد، وإن لم يجد أتى الحاكم، وأثبت عنده الكتابة والعجز، واستحلفه الحاكم؛ لأنه قضاء على من لا يعبر عن نفسه، ثم يبحث الحاكم عن حال المكاتب: فإن وجد له مالاً- دفعه إلى المولى، وعتق المكاتب، وإن لم يجد- فقد ثبت عجزه؛ فللسيد فسخ الكتابة، فإذا فسخ الكتابة عاد العبد إلى ملكه، ويجب عليه نفقته، فإن ظهر له مال؛ أو أفاق المكاتب وأتى بمال حصله قبل التعجيز دفع إلى السيد، ورد التعجيز، وعتق العبد؛ لأنا حكمنا بعجزه في الظاهر وبان بخلافه ويجب على المكاتب أن يرد إلى السيد ما اتفق عليه [من وقت الفسخ إلى رد العجز؛ لأنه لم يتبرع بالإنفاق، إنما أنفق عليه] على أنه عبده، وبان بخلافه.
فأما إذا أفاق المكاتب، وأقام بينة على أنه كان قد أدى مال الكتابة قبل جنونه: يحكم بعتقه، ولا يرجع السيد بما أنفق عليه؛ لأنه تطوع بالنفقة على علمه بحريته.
ولو جن السيد، أو حجر عليه بالسفه: لا تبطل الكتابة أيضاً، وعلى المكاتب أداء النجوم إلى وليه حتى يعتق، فإن أدى إلى السيد: لم يعتق؛ لأنه ليس من أهل الأخذ، حتى لو

أدى إليه، وتلف عنده ولم يكن في يد المكاتب شيء آخر يؤدي: لوليه تعجيزه، فإذا عجزه ولي المحجود عليه ثم انفك الحجر عن المولى: لم يكن له رد التعجيز.
وقيل: فيه قولان؛ كما ذكرنا في المرتد إذا أخذ النجوم، وعجز الحاكم المكاتب، ثم أسلم المرتد، هل يرد التعجيز؟ فيه قولان.
والأول: المذهب.
ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم بتمامه: مات رقيقاً.
ولو عجز وفسخ المولى الكتابة: عاد رقيقاً وكذلك: كل قن تكاتب عليه من ولد، أو والد: كانوا أرقاء للمولى، وإن كان له شيء من المال: كان للمولى إن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين: يقضي منه ديونه، سواء كان دين جناية، أو دين معاملة، فإن فضل شيء: يكون للمولى.
وإن كان الدين أكثر: يلقى الله عز وجل به في الموت.
وفي العجز: إن كان دين جناية تباع رقبته فيه.
وإن كان دين معاملة: يتعلق بذمته حتى يعتق، والله أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل