التهذيب في فقه الإمام الشافعيكتاب إحياء الموات

روي عن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "من أعمر أرضاً ليست لأحد: فهو أحق".
وروي عن جابر، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من أحيا أرضاً ميتة: فهي له".
بلاد المسلمين قسمان:

عامر، وغير عامر: أما العامر: فلأهله لا يملك عليهم إلا بإذنهم.
أما غير العامر [فـ] قسمان: قسم عرف عليهملك من الإسلام؛ فهو كالعامر لأهله؛ سواء كان مالكه مسلماً أو ذمياً، لأنه كان ملكاً بعد ما صار دار الإسلام، [فهو كالعامر لأهله].
وإن لم يكن له مالك ظاهر: فهو مال ضائع يجعل لبيت المال يضعه الإمام، حيث يشاء على النظر، وكذلك البيع التي للنصارى في دار الإسلام، لا تملك عليهم إلا أن يتفانوا؛ فهو كما لو مات ذمي، ولا وارث له، يكون ماله فيئاً للمسلمين.
وقسم هو موات، لم يجر عليه ملك لا في الإسلام ولا في الجاهلية؛ فمن أحياها من المسلمين: فهي ملك له، سواء أحياها بإذن الإمام، أو دون إذنه؛ لأن إمام الأئمة وسيد المرسلين- صلوات الله عليه- قد أذن فيه؛ لقوله- صلى الله عليه سولم-: "من أحيا أرضاً ميتة: فهي له"؛ فلا يحتاج إلى إذن إمام بعده.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- لا يملك إلا بإذن الإمام.
أما ما كان عامراً في الجاهلية، ثم صار خراباً- نُظر: إن كان يعرف له مالك: فهو كالعمران؛ لا يملك بالإحياء، وإن كان عليه أثر ملك الجاهلية، ولا يعرف له مالك؛ مثل: القهندر: فهل يملك بالإحياء؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: قولان: أحدهما: لا يملك؛ لأن النبي- صلى الله عليه سولم- قال: "من أحيا أرضاً ميتة-: فهي له"؛ وهذه ليست بميتة.
والثاني: تملك؛ لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "عادي الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني"، وكالركاز؛ يملكه من يجده، مع كونه مملوكاً لأهل الجاهلية، وهذا أصح.

ومن أصحابنا من قال: إن كان متقادم العمارة؛ لم يكن عليه ملك قريب في الجاهلية، بل درست عمارتها، وعفت آثارها: تملك بالإحياء، وإن كان عامراً في جاهلية قريبة، أو بقيت آثار العمارة عليها: فلا تملك بالإحياء، فإن لم نجوز إحياءها: كانت للغانمين، إن قاتلوا عليها، وإن كانت من أراضي الفيء: فلأهل الفيء، وكذلك: هل يجوز نقل التراب عن مثل هذه الأرض؟ إن قلنا: تملك بالإحياء: يجوز لكل من بادر إليه أخذهن وإن قلنا: لا تملك: يحتاج إلى إذن الإمام؛ كما يحتاج في تملكه بالإحياء إلى إذنه.
ولو أن ذمياً أحيا مواتاً في دار الإسلام: لا يملكه، وعند أبي حنيفة: [يملكه]، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "موتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون"؛ خص المسلمين به أهـ. أما إذا احتطب الذمي في دار الإسلام، أو احتش، أو اصطاد: لا يمنع منه.
ولو نقل التراب من موات دار الإسلام؛ فإن كان تبين ضرره على المسلمين: منع منه؛ وإلا فلا يمنع.
ويجوز للإمام أن يقطع موات الأرض لمن يحييه، فيملكه.
روي عن علقمة بن وائل، عن أبيه؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أقطعه أرضاً بحضر موت وروي عن ابن عمر؛ "أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه من حيث بلغ السوط".
وإذا أقطع إنساناً شيئاً لا يقطعه إلا ما يقدر على إحيائه، حتى لا يدخل الضرر على المسلمين.
ومن أحيا مواتاً: ملكه وملك حواليه ما يحتاج إليه مما يصلح به العامر من الطريق ومسيل الماء وغير ذلك من المرافق، حتى لو أحيا قرية: يملك حواليها ما يكون مرافقها: من مرعى البهائم، ومطرح الرماد، وملقى السماد، وملعب الصبيان.

وإذا حفر بئراً في موات للملك: فله حريمها قدر ما يقف فيه المستقي، إن كانت البئر للشرب، وإن كانت للسقي: فقدر ما يمشي فيه الساقية، ويطرح فيه ما يخرج من البئر.
روي عن عبد الله بن مغفل؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من احتفر بئراً: فله أربعون ذراعاً حولها لعطن ماشيته، وكذلك من حفر نهراً فله حريم النهر، وملقى الطين، وما يخرج منه، ومن أخذ شيئاً من مرافقها، فأحياه: لا يملكه؛ وكذلك: كل بلد صولح الكفار على المقام فيه: لا يملك موات هو من مرافقه بالإحياء.
ومن أحيا مواتاً بقرب قرية عامرة: يملكها إذا لم تكن من مرافقها؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أقطع الدور لعبد الله بن مسعود، وهي بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخيل".
قال أبو يوسف: يجب أن يبعد من القربة قدر صيحة، وما دونها: لا يملك.

فصل لا حمى إلا الله ورسوله روي عن الصعب بن جثامة، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
الحمى: هو أن يحمي بقعة من الموات لمواشيه يمنع الناس من الرعي فيها، كان ذلك جائزاً لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنفسه خاصة؛ لكنه لم يفعل، بل حمى النقيع لمصالح المسلمين؛ لإبل الصدقة، ونعم الجزية، والخيل المعدة في سبيل الله.
وهو بلد ليس بالواسع وما كان يضيق به الأمر على المسلمين، وما من مسلم إلا دخل عليه منه خصلة صلاح.
أما غير النبي- صلى الله عليه وسلم- من الأئمة، لا يجوز [له] الحمى لنفسه، وهل يجوز لمصالح المسلمين: من إبل الصدقة، ونعم الجزية، وخيل الجهاد والضوال؟ فيها قولان: أحدهما: لا يجوز، لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
وكما لا يجوز ذلك لآحاد الناس؛ فعلى هذا: إذا فعل: فهو على أصل الإباحة من إحياء ملكه.
والثاني: يجوز، وهو الأصح؛ لما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه؛ أن عمر استعمل مولى له يقال له: "هني" على الحمى، فقال له: يا هني، اضمم جناحك للمسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عوف وابن عفان؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى زرع ونخل؛ وإن رب الصريمة والغنيمة: إن تهلك ماشيته يأتني بعياله، فيقول: يا أمير المؤمنين، [يا أمير المؤمنين]، أفتاركهم أنا! لا أبا لك؟! فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وآيم الله، إنهم ليرون أن قد ظلمتهم إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية واسلموا عليها في الإسلام، وآيم الله، لولا المال الذي أحمر عليه في سبيل الله، ما حميت على المسلمين من بلادهم شبراً".
وإذا جوزنا: فلا يجوز أن يحمي إلا أقلها؛ بحيث لا يبين ضرره على الذين حمى عليهم، ونهى النبي- صلى الله عليه وسلم- يتناول الحمى لنفسه، وعلى ما كان يفعله العزيز من العرب: كان

إذا انتجع بلداً مخصباً: استعوى كلباً على جبل، أو نشز وقف له من يسمع صوته؛ فإلى حيث انتهى صوته: حماه لنفسه من كل ناحية؛ يمنع العامة عنه ويرعى مع العامة فيما سواه.
وكل حمى يضيق به المرعى على الناس: لا يجوز بلا خلاف، ثم ما حماه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يبقى على حالته؛ لا يجوز نقضه إلى قيام الساعة.
أما ما حماه غيره من الأئمة، وجوزنا: هل يجوز له أو لغيره من الأئمة نقضه وعمارته وإقطاعه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ كما حماه النبي- صلى الله عليه وسلم- وكالوقف: لا يجوز تغييره.
والثاني: يجوز؛ بخلاف ما لو حماه النبي- صلى الله عليه وسلم- فإنه كان مقطوعاً بصلاحه دون حمى غيره.
فإن جوزنا: فلو أحياه واحد من العوام بغير إذن إمام: هل يملكه؟ فيه وجهان: أحدهما: يملك؛ لقوله- عليه السلام: "من أحيا أرضاً ميتة: فهي له".
والثاني: لا يملك، وهو الأصح، وتنقض عمارته؛ لأنه تقدم حكم من الإمام؛ فلا ينقض عليه.
وقيل فيما حماه النبي- صلى الله عليه وسلم- إن كان المعنى الذي حماه له باقياً: لا يجوز تغييره؛ لأنه مقطوع بصلاحه، وإن زال ذلك المعنى: فيه وجهان: أحدهما: لا يغير؛ كالمسجد، إذا انجلى أهل المحلة: لا يغير.
والثاني: يجوز تغييره؛ لزوال المعنى؛ فعلى هذا: من أحياه ملكه.
فصل فيما يكون إحياء الموات يختلف باختلاف مقصود المحيي من الأرض؛ لأنه لا بيان له في الحديث، فكان المرجع فيه إلى العادة، كالقبوض والأحراز، فإذا أراد داراً- فلا يملك حتى يبنى حواليه جداراً من طين أو لبن أو من قصب وخشب، إن كانت عادتهم ذلك، ويسقف بحيث يصلح للسكنى، والسكنى ليس بشرط؛ فإن بنى حواليه، ولم يسقف: فهو كالتحجر.

وإن أراد بستاناً: فيبنى حواليه جداراً، ويشق الأنهار، ويغرس الأشجار، ويسوق إليه الماء من نهر أو بئر.
وإن أراد الزراعة: فيجمع التراب حواليها، ويحرث ويسوق الماء إليها، وهل يشترط الزراعة؟ فيه وجهان: أصحهما: يشترط؛ كالغرس في البستان.
والثاني: لا يشترط؛ لأنه ليس للتأبيد؛ كما لا يشترط أن يسكن الدار.
ولو أراد إحياء أرض للزراعة على قلة جبل: قال الشيخ [القفال]: لا يملك؛ لأنه لا يمكن سوق الماء إليها.
وقيل: يملك، إذا حرثها ولينها؛ لأن ما يلقى فيها ينبت.
وإن أراد حظيرة للدواب أو للشوك والحطب: فيبنى حواليه جداراً من طين أو خشب.
أو قصب أو حجر، وينصب عليه باباً، وإيواء الدواب إليه ليس بشرط؛ كسكنى الدار.
وإن أراد حفر بئر: فإحياؤها أن يحفر إلى أن يصل إلى الماء، فإن وصل إلى الماء: تم الإحياء، إن كانت الأرض صلبة، وإن كانت رخوة، فلم يتم حتى تطوى، وقبل الوصول إلى الماء: تتحجر.
وإذا حفر قناة في موات، فخرج الماء، وجرى: ملكها؛ كالبئر إذا خرج ماؤها.
ولو حفر واحد أو جماعة نهراً في موات للتملك؛ ليجروا فيها الماء إلى أملاكهم من بحر أو نهر مباح: فمتى وصلت فوهة النهر الحديث بالنهر العظيم، وجرى الماء فيه: فقد تم الإحياء، وتملكوا النهر.
وإذا أحيا أرضاً: ملكها ومرافقها، وملك ما فيها من المعادن؛ كالبلور والفيروزج والحديد، وما كان من أجزاء الأرض، وهل يملك الماء الذي فيها؟ فيه وجهان: ويملك الكلأ وما ينبت فيها من الأشجار.
وقال أبو القاسم الصيمري البصري: لا يملك الكلأ؛ كما لا يملك فرخ طائر أفرخ فيها، وليس بصحيح، لأن الكلأ من نماء الأرض، فيملكه؛ كمن ملك شاة يملك شعرها.

ولو تحجر مواتاً، وهو: أن يشرع في إحيائه، أو أعلم عليه علامة ولم يتمم، أو أقطعه السلطان: كان أحق به من غيره.
وإذا مات: كان وارثه أحق به، حتى لو استولى عليه غيره: له أن يسترده.
والصحيح من المذهب: أنه لا يملك بالتحجر ولإقطاع ما لم يحيها.
ولو باعها قبل الإحياء.
المذهب: أنه لا يصح؛ لأنه لم يملكها.
وقال أبو إسحاق: إذا باعه يصح بيعه؛ لأنه أحق به، وليس بقوي؛ لأنه لمي ملكه؛ إنما له حق التملك؛ كالشفيع: إذا باع الشقص قبل الأخذ: لا يصح، فلو بادر غير المتحجر، وبنى فيها، وفعل ما يكون إحياء: هل يملكه؟ فيه وجهان: أصحهما: يملك؛ لأنه خفق سبب الملك.
وقيل: لا يملك، وللأول أن يسترده.
هذا كما لو أفرخ طائر على شجرة في ملك إنسان: كان صاحب الشجر، أولى بذلك الفرخ، وليس لغيره دخول ملكه وأخذه؛ فإن ملك الفرخ جناحه، وطار: فكل من أخذه: فهو ملكه.
ولو دخل رجل بستانه، وأخذه: هل يملكه؟ فيه وجهان؛ أصحهما: يملكه.
وإن تحجر موضعاً، أو أقطعه السلطان، فطالت المدة، ولمن يحيه: قال له السلطان: إما أن تحييه، وإما أن ترفع يدك عنه، فتخلي بينه وبين من يحييه؛ لأن فيه تضييقاً على الناس؛ فإن استمهله: أمهله مدة قريبة، فإن انقضت المدة، ولم يحيه، فبادر غيره، فأحياه: ملكه؛ لأنه ارتفع حق الأول بعد انقضاء المدة.
أما موات دار الحرب: يملكه الكافر بالإحياء، ولو أحياه مسلم: هل يملكه أم لا؟ نُظر: إن كان الكفار لا يمنعوننا عنه: يملكه؛ كموات دار السلام.
وإذا استولى المسلمون على بلادهم: لا يملكونه، وإن كانوا يمنعوننا عنه: فلا يملك من أحياه، بل هو كالعامر من دورهم، فإذا استولى المسلمون عليه قهراً: كان ذلك كالتحجر في حق الغانمين، فهم أحق بإحياء أربعة أخماسها، وأهل الخمس بإحياء خمسها؛ فإن ترك الغانمون إحياءها: كان أهل الخمس أحق بها؛ لأنهم شركاء في الغنيمة.
وإن ترك بعض الغانمين حقوقهم من الغنيمة: كان الحق للباقين، فإن ترك الغانمون وأهل الخمس حقوقهم: فكل من أحياها من المسلمين ملكها، وإن صار فيئاً: فالإمام أحق بإحيائها لأهل الفيء؛ وإن لم يعرف سببه: يضعه الإمام فيمن يشاء من المسلمين على النظر لهم، والله أعلم.

باب ما يجوز أن يقطع وما لا يجوز روي أن أبيض بن حمال المأربي سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يقطعه ملح مأرب، فأراد أن يقطعه، فقيل له: "إنه كالماء العد! قال: فلا إذن".
المعادن قسمان: ظاهرة، وباطنة.
أما الظاهرة؛ مثل معدن الملح، والنفط والقير، والكبريت، والمومياء، والبرام، والحجارة الظاهرة للرحى وغيره، إذا كانت في موات: فالناس فيها شرع سواء؛ لا يملكها أحد بالإحياء، ولا ينفرد بها.
ولا يجوز للسلطان أن يقطعها؛ كالماء والكلأ، والحطب؛ لأنه توصل إليها من غير مؤنة وتعب.
فإذا تسارع إليه رجلان- نُظر: إن كان المعدن يسعهما: أخذا ما فيه، وإن كان لا يسعهما: فمن سبق فهو أولى بما فيه؛ لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم: فهو له"، فإذا أخذ حاجته، وقام: ليس له منع الثاني، وإن جاءا معاً: ففيه وجهان: أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام أيهما شاء.
وفيه وجه آخر: أن الإمام يأمر من يقسم بينهما.
فإذا قدمنا أحدهما، فأخذ حاجته، فلم يقم، وأراد أن يأخذ أكثر، ويبعث للتجارة: ففيه وجهان: الأصح: أنه يزعج إذا طال المقام؛ كالمستقطع والمتحجر، إذا طال الحبس، ولم يعمر: يمنع منه.
ولو ظهر شيء من هذه المعادن في ملكه: فهل يملكه؟: من أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ كالماء: قال الشيخ- رحمه الله: والصحيح: أنه يملكه؛ لأنه يحصل من ملكه لا بمدد من موضع آخر؛ بخلاف الماء؛ فإن مدده من موضع آخر، حتى لو أخذ غيره شيئاً [منه]: فله

أن يسترده؛ وكذلك: الحشيش الذي نبت في ملكه؛ بخلاف فرخ الطائر: يملكه من يأخذه؛ لأنه لم يتولد في ملكه، قال- رحمه الله-: فإن كان الملح ينعقد من ماء ينبع منه، لا من ترابه: فكالماء.
أما المعادن الباطنة؛ مثل: معدن الذهب [والفضة] والياقوت، والفيروزج، والرصاص، والحديد، والنحاس، والكحل، والجص، ونحوها مما لا يوصل إلى منفعته إلا بالمدمومة على العمل: هل يملك بالإحياء فيه قولان: أحدهما: يملك؛ كما يملك الموات بالإحياء؛ فعلى هذا: إذا حفر، ووصل إلى النيل: ملكه، وقبل الوصول إلى لانيل: يكون كالمتحجر، وإذا وصل إلى النيل، ثم عطله: ليس لأحد أن يملكه عليه إلا بإذنه؛ كالموات يحييه، ثم يعطله.
وإذا وصل إلى النيل، وملكه: يملك جميع مرافقه، فإن تباعد إنسان عن حريمه، وحفر معدناً، ووصل إلى العروق: لم يمنع منه؛ لأنه ليس من مرافقه، وعلى هذا القول: يجوز للسلطان إقطاع هذه المعادن.
والقول الثاني: لا يملك بالإحياء؛ بخلاف الأرض؛ لأنها إذا أحييت: ثبت إحياؤها؛ فلا تحتاج بعده إلى عمل الإحياء، والمعدن يحتاج إلى مداومة العمل حتى يصل إلى المنفعة؛ فتحتاج كل يوم إلى إحياء جديد؛ لأن النيل متفرق في طبقات المعدن؛ فهو كالمعدن الظاهر: يحتاج كل يوم إلى أخذ النيل؛ فعلى هذا: لو بادر إليه رجل: فما دام يعمل فيه: له منع الغير.
وإن كان المعدن يسع الكل: فإذا تركه: ليس له منع الغير؛ كالبئر يحفرها في البادية للارتفاق: كان أولى بها، وإذا تركها: لم يكن له منع الغير عنها.
وعلى هذا: إذا طال مقامه: هل يزعج؟ قيل: فيه وجهان؛ كما قلنا في المعادن الظاهرة.

وقيل: لا يزعج ما لم يعطله باجتيازه؛ لأنه لا يصل إلى النيل إلا بمشقة؛ فكان مقدماً على من جاء بعده؛ بخلاف المعادن الظاهرة، ولأن في الظاهر: يمكنه أخذ حاجته دفعة واحدة؛ فلا يحتاج إلى طول المكث؛ بخلاف الباطن.
وإذا بادر إليه رجلان: فإن وسعهما: أخذا معاً، وإن ضاق المكان: فيه وجهان: أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم السلطان أيهما يشاء.
وقيل: يقسم بينهما؛ وعلى هذا القول: هل يجوز للسلطان إقطاع هذه المعادن؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يملك بالإحياء.
والثاني: وهو الأصح: يجوز؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أراد إقطاع ملح مأرب، وإنما تركه حين أخبر أنه كالماء العد؛ [فدل] أن ما كان باطناً: يجوز إقطاعه، وقد يجوز إقطاع ما لا يملك بالإحياء؛ كمقاعد الأسواق، ويجوز للرجل أن يعمل فيه من غير إذن، ولا إقطاع من الإمام؛ لأنه إما أن يكون كالأرض أو كالمعدن الظاهر، ويجوز العمل، في كل واحد منهما من غير إقطاع، وليس لأحد أن يتحجر هذه المعادن وفي المواضع التي يعمل فيه، ولا أن يتحجر مكاناً واسعاً.
ولو عمل في معدن، فجاء آخر، وأخرج منه النيل قبل تركه: إن قلنا: ملكه الأول: له أن يسترده؛ وإلا فوجهان؛ كفرخ الطائر.
ولو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت ودخلها الماء- ظهر فيها الملح-: جاز للسلطان إقطاعها.
ولو حفرها رجل، وجمع فيها الماء، وظهر الملح- يملكها؛ كالأرض يحييها؛ لأنه يوصل إليه المؤنة والعمل.
ولو وجدت قطعة ذهب على إثر سيل قطعها من الجيل: فحكمها حكم المعادنا لظاهرة؛ لأنه حصل من غير عمل أحد؛ فمن أخذها فهي له.
ولو عمل في معدن من المعادن الباطنة في الجاهلية: فهل يجوز للسلطان إقطاعه؟ فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: يجوز؛ لأن للسلطان إقطاعه، ويملك بالإحياء.
والثاني: يجوز إقطاعه، ولا يملك بالإحياء؛ فإن سبق إليه رجلان، وضاق عنهما: يقرع بينهما أو يقدم الإمام أحدهما.
والثالث: لا يجوز إقطاعه، ولا يملك بالإحياء؛ كالماء العد.
وأصل هذا: أن هذه المعادن هل تملك بالإحياء؟ إن قلنا: تملك بالإحياء: فهو ملك للغانمين؛ كالأراضي التي أحياها أهل الحرب؛ ثم استولى عليها المسلمون، وإن قلنا: لا تملك بالإحياء: فحينئذ: فيه قولان: أحدهما: للسلطان إقطاعه.
والثاني: كالماء العد.
وإذا كان في ملك رجل معدن باطن، فجاء رجل، واستخرج منه النيل بغير إذن مالكه: يجب عليه رده، ولا أجرة له؛ لأنه أتلف منفعة نفسه.
ولو قال له المالك: اعمل فيه، فما استخرجته فهو لك: فهو هبة مجهولة، وما استخرجه يكون لمالك الأرض، وهل يكون مضموناً على العامل؟ فعلى قولين؛ كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، وهل يستحق أجر المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه عمل لنفسه.
والثاني: يستحق؛ لأن عمله وقع لغيره؛ وهذا بناءً على أن الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام إلى نفسه: لا ينصرف إليه، وهل يستحق الأجر؟ فيه قولان.
ولو قال: اعمل، فما استخرجته: نصفه لك، ونصفه لي: لا يصح؛ لأنه شرط له أجراً مجهولاً، وما استخرجه يكون لمالك الأرض، وللعامل أجر مثل عمله؛ كما لو قال: استأجرتك على نصف ما تستخرجه: فهو فاسد، والنيل للمالك، وللأجير أجر المثل.
أما إذا قال: استأجرتك شهراً؛ لتعمل في هذا المعدن كل يوم بدرهم: يصح، ويستحق المسمى [إذا عمل]، والله أعلم.
باب القطائع القطائع قسمان:

أحدهما: ما يملك، وهو: ما مضى من إحياء الموات.
والثاني: إقطاع إرفاق لا تمليك فيه؛ كالمقاعد في الأسواق، والطرق الواسعة.
إذا قعد رجل في طريق للبيع والشراء: فإن كان يضيق الطريق على المارة: منع منه، وإن لم يضيق: فلا يمنع، سواء قعد بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ لاتفاق الناس عليه في جميع الأمصار من السلف والخلف.
ويجوز للسلطان إقطاعه؛ لكنه لا يملكه، بل يكون أولى بالمكان الذي قعد فيه، وبما حواليه قدر ما يضع فيه متاعه، ويقوم فيه المشتري، فلو قعد بقربه من يضيق المكان عليه، لوضع أمتعته، أو يمنع الناس عن رؤية متاعه: يمنع من ذلك، وله أن يظلل عليه بما لا يضر بالمارة من تارية أو ثوب؛ لأنه لا يستغني عنه، ويمنع من أن يبني دكة؛ لأنه يضيق به الطريق، ويعثر به الضرير، والبصير بالليل، وإذا أقطعه السلطان موضعاً: كان أحق به؛ سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل؛ لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه: ثبتت يده عليه.
وإذا قعد في موضع، ثم فارقه على ألا يعود: لم يكن له [منع] غيره من القعود فيه، وغن فارقه لشغل حتى يعود، أو عاد إلى بيته، بالليل، ثم رجع في اليوم الثاني: كان أولى به، فإن رجع في اليوم الثاني، وقد قعد فيه غيره: يزعج، وإن طال قعوده في مكان: هل يمنع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ثبتت له اليد بالسبق إليه.
والثاني: يمنع؛ حتى لا يصير كالمتملك له.
وقال الإصطخري: إذا عاد إلى بيته بالليل، ثم رجع في اليوم الثاني، وقد سبقه غيره: كان الثاني أولى به؛ كالمسجد.
والأول أصح، بخلاف المسجد: فإنه مكان عبادة وموضع قربة ينتابه الناس؛ فالسابق أولى به في أي وقت جاء؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم- "مني مناخ من سبق".
ولو غاب عن مقعده في السوق أو الطريق يوماً أو يومين؛ لشغل: من مرض أو سفر، ثم عاد: كان أولى به، فإن طالت مدة غيبته: بطل حقه، ولغيره أن يقعد فيه، وإن سبق اثنان

إلى موضع: فيه وجهان: أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام أحدهما، ولا تجيء القسمة؛ لأنه لا يملك، وإن كان الرجل جوالاً: يقعد كل يوم في موضع آخر، فإذا فارق مكانه، وقعد فيه غيره: كان الثاني أولى به؛ وكذلك: الأعراب إذانزلوا منزلاً بالبادية: كانوا أولى به، وبما حواليه قدر ما يحتاجون إليه لمرافقهم، ولم يكن لغيرهم مزاحمتهم فيها، وإذا أرسلوا نعمهم في شعب: لم يكن لغيرهم تنحيتهم وغرسال نعمهم فيه، فإذا فارقوا ذلك المكان: لم يكن لهم منع غيرهم عن نزوله.
وكذلك: الرباط الموقوف والخان الموقوف، إذا قعد أحد النازلين في موضع، ثم خرج لشراء شيء أو لشغل، ثم عاد: كان أولى بمكانه، سواء نقل متاعه أو لم ينقل؛ لأنه يخاف على متاعه لو تركه.
وكذلك: إذا أخذ بيتاً، وغاب أياماً قليلة، ثم عاد: كان أولى ببيته، فإن طالت غيبته، ثم عاد وقد أخذ المكان غيره: لم يزعج.
وكذلك: لو قعد في المسجد في موضع، ثم قام لقضاء حاجة أو تجديد وضوء، فناداه رجل، أو قام لينادي رجلاً، ثم عاد: كان أولى به، سواء ترك إزاره أو لم يترك، أما إذا خرج لغير عذر، أو عاد إلى بيته بالليل، فسبقه غيره في اليوم الثاني: كان الثاني أولى به.
فصلٌ في المياه روي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار".

الماء الجاري في نهر أو عين غير مملوكة؛ مثل: الفرات ودجلة: مباح لكل من أخذه؛ فإن دخل شيء منه ملك الغير، أو السيل دخل ملكه: فهو على أصل إباحته؛ فإن جرى وخرج عن ملكه فكل من شاء- أخذه.
وإذا اجتمع في الملك: فهو على إباحته، غير أنه لا يجوز لأحد دخول ملكه، لأخذه بغير إذنه، فلو دخل وأخذه في إناء ملكه على أصح الوجهين.
وفيه وجه آخر: لصاحب الملك أن يسترده؛ كما قالوا في فرخ الطائر.
وكذلك: إذا كان الماء في موات: فهو متشرك بين الناس؛ فإن حضره جماعة: أخذوه، وإن أتاه رجلان، وكان الماء في بئر، أو عين، ولم يمكنهما الاستقاء معاً: فمن سبق إليه- كان أولى به، وإن جاءا معاً- أقرع بينهما، وهذا الماء هو المراد من قوله- عليه السلام-: "الناس شركاء في ثلاث".
وكذلك: الكلأ إذا كان في موات، والنار الموقدة من حطب في موات لم يحتطب: يكون الناس شركاء فيه، فلو أخذ رجل شيئاً من ذلك الماء [في إناء]: ملكه وليس للغير أن يزاحمه فيه؛ وكذلك: الكلأ والحطب إذا جمعه إنسان: ملكه، فإذا أوقد منه ناراً: فليس لغيره أن يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه.
أما إذا نبع الماء من عين في ملكه، أو بئر، أو حفر بئراً في موات للتملك، فظهر الماء: هل يكون ذلك الماء ملكاً له؟ فيه وجهان.

أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: لا يكون ملكاً له؛ حتى يحوزه في إناء أو حوض؛ لظاهر الخبر.
والثاني: نص عليه في رواية حرملة، وهو قول ابن أبي هريرة: هو ملك له؛ لأنه نماء ملكه؛ كثمرة الشجرة حتى قال: يقطع سارقه.
ومن قال بالأول، قال: الدليل على أنه ليس يملك: أن مستأجر الدار يجوز له أن ينتفع بماء البئر بالاتفاق.
ولو كان ملكاً لصاحب الدار: لم يجز له أن ينتفع به فكذلك: من اشترى داراً فيها بئر ماء، فنزح شيئاً من ماء البئر، ثم وجد بالدار عيباً: يجوز له الرد؛ لأنه لم يتولد من ملكه؛ بخلاف الثمرة، بل حصل في ملكه كطير دخل أرضه: لا يملكه مالك الأرض.
ولو نبع الماء من ملكه، فجرى، وخرج عن ملكه، [فأخذه غيره]: فعلى قول أبي إسحاق: ملكه من أخذه، وعلى قول ابن أبي هريرة: لا يملكه، ويسترده مالك الأرض.
ولو دخل رجل أرضه دون إذنه، وأخذ شيئاً منه: عصى بالدخول؛ ولكنه يملك الماء على قول أبي إسحاق، وعلى قول ابن أبي هريرة: لا يملكه.
ولو باع مالك الأرض الماء- نُظر: إن باعه بعد ما أحرزه في إناء، أو حوض: جاز.
قال الشيخ- رحمه الله- إذا كان يعرف المشتري عمق الحوض، وإن باعه في قراره: لا يجوز؛ لأنه مجهول.
وعند أبي إسحاق: غير مملوك.
ولو باع عشرة أصوع من ذلك الماء: [فإن كان] جارياً؛ مثل ماء القناة: لا يجوز، وإن لم يكن جارياً؛ مثل ماء البئر: فعلى قول أبي إسحاق: لا يجوز؛ لأنه غير مملوك، وعلى الوجه الآخر: يجوز؛ كما لو باع صاعاً من صبرة حنطة.
وقال الشيخ القفال: لا يجوز- أيضاً- لأنه إذا نزح شيئاً منه-: يزداد، فيعطى ما لم يكن موجوداً.
والأصح: جواز بيعه على هذا الوجه؛ لأن الذي يزيد قليل؛ فيعفى كما لو باع القت في الأرض بشرط القطع: يجوز، وإن كان يزداد شيئاً إلى أن يفرغ من قطعه.
أما إذا باع الماء مع موضعه- نظر: إن كان الماء جارياً، فقال: بعتك هذه القناة مع الماء

:لم يجز، وإن لم يكن جارياً كالماء والبئر؛ فعلى قول ابي إسحاق: لا يجوز؛ لأنه باع ما لا يملك.
وعلى الوجه الآخر: يجوز.
ولو باع البئر مطلقاً، أو باع داراً فيها بئر ماء: جاز، ثم على قول أبي إسحاق: يصير المشتري أحق بذلك الماء؛ كما كان البائع أحق به.
وعلى الوجه الآخر: الموجود- يوم البيع- لا يدخل في البيع، وما ينبع بعده: يكون للمشتري.
ولو باع جزءاً مشاعاً من القناة أو البئر: جاز، وما يحدث يكون مشتركاً بينهما حقاً؛ على قول أبي إسحاق، وملكاً على الوجه الآخر.
ولو حفر رجل بئراً في موات، نظر: إن حفر للارتفاق لا للملك: فما دام هناك- فهو أولى به، ولم يكن له منع الغير من الاستقاء.
ولا يمنع فضل الماء عن المواشي؛ لما روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من منع فضل الماء، ليمنع به الكلأ: منعه الله فضل رحمته يوم القيامة"، ولكن لا يلزمه إعارة الدلو والرشاء للاستقاء.

ولو أراد غيره أن يسقي زرعه له منعه؛ لأن حرمة الحيوان أعظم، فإذا فارق هو ذلك المكان: لم يكن له منع الغير عن ذلك الماء، والارتفاق به؛ كمن نزل على ماء مباح: كان أولى به، فإذا فارقه: لم يكن له منع الغير.
أما إذا حفر بئراً في الموات للتملك أو نبع من ملكه عين ماء: لا يجب عليه أن يسقي من فضله، زرع الغير، سواء قلنا: يملك الماء أو لا يملك.
ويجب أن يسقي ماشية الغير مما فضل منه، فإن لم يفعل: عصى الله تعالى؛ للحديث، وقال أبو عبيد بن حريويه: لا يجب، بل يستحب كما لا يجب بذله للزرع، ولا بذل الحبل والرشاء للاستقاء، وكما لا يجب بذل الكلأ؛ والأول أصح، وليس كالكلأ؛ لأنه لا يستخلف عقيب الأخذ؛ فربما يحتاج إليه المالك لماشيته قبل أن يستخلف، والماء مستخلف عقيب الأخذ، ويجب أن يسقي الماشية مجاناً لا يجوز أخذ العوض عليه؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "نهى عن بيع فضل الماء".

وقيل: يجوز أن يأخذ عليه العوض؛ كما يجب عليه إطعام المضطر، وله أخذ العوض عليه.
والأول المذهب؛ للحديث، ولأن الماء يخلف ما دام في منبعه؛ بخلاف الطعام؛ حتى لو كان الماء محرزاً في إناء، أو حوض: فلا يجب أن يسقي به الغير، إلا أن يكون مضطراً؛ فيجب عليه أن يسقيه، وله أخذ العوض عليه، فإذا كان لجماعة حق في ماء يسقون منه- نُظر: إن كان الماء في نهر عظيم غير مملوك مثل الفرات ودجلة وما أشبههما من الأودية: فلا ضيق فيه على الناس، فمن شاء أن يسقي منه متى شاء، له ذلك، وإن كان الماء في ساقية [أو نهر صغير- نظر: إن كانت الساقية غير مملوكة بأن كان الماء يجري من] نهر عظيم في ساقية، فأحيا الناس حولها: فالترتيب فيه: أن يسقي الأول زرعه حتى يبلغ الماء كعبين، ثم يرسله إلى الثاني، ثم إلى الثالث؛ لما روي عن عروة بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج من الحرة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك! فتلون وجهه، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك".
فإن احتاج الأول إلى الماء ثانياً قبل أن يصل الماء إلى الآخر: فله حبسه ثانياً، ولو كان قطعتا أرض، إحداهما أعلى لا يبلغ الماء فيها إلى الكعبين، حتى يبلغ في الأسفل إلى الوسط: فليس له أن يسقي كذلك، بل يسقي السفلى إلى الكعبين، ثم يسدها، فيسقي العالية إلى الكعبين.
ولو أراد رجل أن يحي مواتاً، ويجعل شربه من هذا النهر: لم يكن له ذلك، إن كان يضيق على أهل النهر، ويضرهم؛ لأنهم سبقوا إليه.
ومن ملك أرضاً بالإحياء: ملكها بمرافقها، والنهر من مرافق أراضيهم، فإن لم يضيق عليهم: جاز، وإن كانت الساقية مملوكة: فإن حفر واحد، أو جماعة في موات نهراً يدخله الماء من نهر عظيم: فتلك الساقية مملوكة لهم، والماء غير مملوك؛ لكنهم أحق به؛ لكونه في ملكهم؛ كالسيل: يدخل في ملك الغير، وليس لأحد أن يشق فيه نهراً، ولا أن يدلي فيه دلواً؛ لأنه ينتفع بحريم الغير، ولو تباعد عن الحريم، وألقى إليه الدلو؛ لم يجز؛ لأنه ينتفع بهواء الغير، ثم أهل ذلك النهر: إن دخلوا في حفره على أن يتساووا: تساووا في الإنفاق، وإن دخلوا على أن يتفاضلوا

: تفاضلوا في الإنفاق؛ ويكون الماء بينهم على قدر النفقة؛ لأنهم استفادوا ذلك بالإنفاق، وإن وضعوا سقي أراضيهم على المهايأة يوماً يوماً: جاز؛ وليس لأحد حبس الماء من غير مواضعه.
وإن أرادوا قسمة الماء: أجروا الماء إلى مستوى من الأرض يمكن لكل واحد منهم أن يسقي أرضه بما يصيبه من الماء بعد القسمة؛ وينصب خشبة مستوية الأعلى والأسفل، ويفتح فيها كوى بقدر حقوقهم على عدد رءوسهم، ليخرج حصة كل واحد منهم من تلك الكوة إلى أرضه، وليس لأحد منهم تغيير.
تلك الكوى بتوسيع ولا تضييق، فلو أراد واحد منهم أن يشق ساقية إلى أرضه قبل بلوغ المقسم- لم يكن له ذلك؛ لأنه تصرف في حريم مشترك، ولا يجوز أن ينصب عليه رحى، فلو نصب رحى على ما ءآخر ورد منتهاه إلى هذه الساقية: لم يكن له ذلك، ولو كان لواحد عليه رسم رحى يدور: لم يبطل.
ولو أراد واحد أن يدير بما فضل له من الماء رحى في ملكه: لم يمنع منه، والله أعلم.

جارٍ التحميل