التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 252-298

يكون للتورع عن اليمين الفاجرة، والأصل براءة الذمة، فلا تشتغل إلا باليقين؛ كما في القصاص.
ولو نكل المدعي عليه عن اليمين، وأقام المدعي شاهداً، لا يجعل نكوله مع الشاهد كيمين المدعي مع الشاهد، ثم يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه بمنزلة الإقرار من المدعي عليه أم بمنزلة إقامة البينة من المدعي؟ فيه قولان: أصحهما: بمنزلة الإقرار من المدعى عليه؛ لأن يمين المدعي صدر عن نكوله، فكأنه أقر.
والثاني: بمنزلة البينة من المدعي؛ لأن الحجة هي اليمين، وهي في جانبه؛ كما لو أقام بينة.
وفائدة القولين تتبين في مسائل تأتي متفرقة في مواضعها.
ولو رغب المدعى عليه في اليمين بعد ما نكل، وأراد أن يحلف- نظر: إن كان بعدما عرض الحاكم اليمين على المدعي، لم يكن له ذلك.
وإن كان قبله، له أن يحلف، إلا أن يرضى المدعى قال شيخنا الإمام الأجل رضي الله عنه: وكذلك لو حكم الحاكم على المدعى عليه بالنكول، لم يكن له بعده أن يحلف، إلا أن يرضى المدعي.
وقيل: بمجرد النكول صار الحق للمدعي، فلم يكن للمدعى عليه أن يحلف.
وإن هرب المدعى عليه قبل أن يحكم عليه الحاكم بالنكول، وقبل أن يعرض اليمين على المدعي- لم يكن للمدعي أن يحلف يمين الرد.
وإذا رددنا اليمين على المدعي فلم يحلف، سئل عن سبب نكوله؛ فإن قال: حتى أنظر في الحساب، أو أسأل الفقهاء أو أتفكر أو آتي ببينة- يترك، ولا تبطل به دعواه؛ لأنه حضر مختاراً؛ بخلاف المدعى عليه إذا توجه عليه اليمين فنكل، لا يسأل عن سبب نكوله.
فإن قال: حتى أنظر في الحساب أو أسأل لم يترك، إلا أن يتركه المدعي؛ لأنه حضر مجبوراً.
وقيل: يمهل المدعي عليه ثلاثاً، ولا يزاد؛ بخلاف المدعى لا تضيق عليه المدة؛ لأن يترك المدعي لا يتأخر إلا حقه ويترك المدعي عليه يتأخر حق المدعي؛ لأن بنكوله وجب للمدعي حق في رد اليمين والقضاء له، وبنكول المدعى عليه لا يجب لغيره حق.
فإذا ذهب المدعي؛ لينظر في الحساب، أو يسأل، أو يأتي ببينة، أو هرب، ثم بعده

بمدة جاء ليحلف- له ذلك؛ فإن لم يذكر القاضي نكول خصمه، أثبته بالبينة.
وكذلك لو أثبت عند قاض آخر نكول خصمه، له أن يحلف.
وكذلك إذا نكل المدعى عليه مع الوكيل، ثم حضر الموكل- له أن يحلف، ولا يحتاج إلى استئناف الدعوى.
ولو نكل المدعي عن اليمين بلا سبب، سقطت دعواه، ولم يكن له أن يحلف بعده؛ كما لو حلف المدعي عليه؛ فلو أراد بعد ذلك إقامة البينة، يسمع.
ولو أقام شاهداً، وأراد أن يحلف معه، هل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه نكل مرة.
والثاني- وهو الأصح-: له ذلك؛ لأن هذه اليمين غير اليمين التي نكل عنها.
وكذلك لو أقام بينة بعدما حلف المدعى عليه، تسمع؛ سواء كان عالماً به حالة تحليفه أن له بينة، أو لم يكن؛ حتى لو قال: لا بينة لي، أو بينتي غائبة؛ فحلف المدعى عليه، ثم أقام البينة- تسمع، ويحمل قوله: لا بينة لي، على: أنها غير حاضرة.
وقال مالك: إن كان عالماً حالة التحليف أن له بينة، بطل حقه عن البينة.
ولو قال: ليست لي بينة حاضرة ولا غائبة، وكل بينة أقمتها فهي باطلة كاذبة، ثم أقام بينة- لا تسمع.
وقيل: تسمع؛ لأنه يجوز أن يكون ما علم أو نسي، فقال ذلك.
فإن ادعى هذا، أو قال: كنت أظن أن لا بينة لي، فالآن علمت- يقبل، وتسمع بينته.
ولو قال: شهودي فسقة أو عبيد، ثم أقام بعد مدة يحصل فيها الاستبراء والعتق- يسمع.
فصل في تعذر [رد] اليمين إذا ادعى رجل على رجل حقاً وأنكر ونكل عن اليمين، ولم يكن هناك من يرد عليه اليمين- هل يقضي بالنكول؟ مثل: إن جاء الساعي يطلب الزكاة، فقال رب المال: هي وديعة عندي، أو لم يحل عليه الحول، وجاء يطلب العشر، فقال رب الحائط: غلط الخارص في الخرص، أو أصابته جائحة- فالقول قول رب المال مع يمينه.
فإن نكل، هل يقضي بالنكول؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يقضي؛ لأنه لا حجة هاهنا ولا يقضي بلا حجة، والأصل براءة ذمته.
والثاني: يقضي.
ثم فيه وجهان: أحدهما: تؤخذ منه الزكاة؛ لأن الظاهر أن ما في يده ملكه.
والثاني: يحبس؛ حتى يقر؛ فيؤخذ منه الزكاة، أو يحلف؛ فيترك.
وعلى هذا: لو غاب الذمي، ثم عاد، وقد أسلم؛ فقال: أسلمت قبل الحول؛ فلا جزية علي.
وقال الإمام بعده: فعليك الجزية- يحلف الذمي؛ فإن نكل، هل يقضي عليه؟ فعلى هذين الوجهين: فإن قلنا: يقضي، هل تؤخذ منه الجزية، أم يحبس؛ حتى يقر؟ فعلى وجهين: وكذلك لو وجد في السبي أمرد؛ فكشف عن مؤتزره؛ فإذا هو قد أنبت بالعلاج وقال: أنا غير بالغ- يقبل قوله مع يمينه؛ لأن الأصل حقن الدم.
فإن نكل، هل يقضي عليه؟ فعلى وجهين: فإن قلنا: يقضي، هل يقبل، أم يحبس؛ حتى يقر، أو يحلف؟ فعلى وجهين: وعلى هذا لو جاء واحد من الغزاة يطلب سهم المقاتلة، وذكر أنه قد احتلم- حلف، وأخذ السهم.
فإن لم يحلف، اختلف أصحابنا فيه.
قال "صاحب التلخيص" تخريجاً: إنه يحكم عليه، ولا يعطى السهم، إلا أن يحلف.
ومنهم من قال: يعطى؛ لأن الظاهر استحقاقه بحضوره الواقعة.
ومنهم من قال- وإليه ذهب الشيخ أبو زيد-: يقبل قوله بلا يمين ويعطي السهم؛ لأن احتلامه لا يعرف إلا من جهته؛ كما لو علق العتق بمشيئة غيره؛ فقال: شئت، يصدق، ولا يمين عليه.
ولو مات رجل، ووجد في تذكرته: أن لي على فلان كذا؛ فنصب القاضي قيماً؛ حتى ادعى عليه؛ فأنكر، ولم يحلف- فعلى وجهين: أحدهما: يؤخذ منه المال.
والثاني- وهو الأصح-: يحبس؛ حتى يحلف، أو يقر.
وكذلك لو نصب رجل وصياً؛ فمات، وجاء الوصي، وادعى على الوارث أن أباك أوصى بثلث ماله للفقراء، وأنكر الوارث- فالقول قوله مع يمينه.
ولو نكل، لا يحلف الوصي.
وهل يؤخذ المال، أم يحبس الوارث؛ حتى يحلف، أو يقر؟ فعلى وجهين: ولو ادعى أبو الوصي، أو قيم الصبي، أو ولي المجنون مالاً على إنسان، فأنكر

المدعى عليه، ونكل عن اليمين- هل يحلف الأب، أو القيم؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحلف؛ لأن الاستيفاء إليه، والمستحق ليس من أهل اليمين.
والثاني: لا يحلف؛ كالساعي والوكيل؛ لأن أحداً لا يستحق بيمين الغير شيئاً.
والثالث: إن باشر الولي تلك المعاملة بنفسه، حلف، وإلا فلا يحلف.
فإن قلنا: لا يحلف الولي لا يقضي بالنكول، بل يترك؛ حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون؛ فيحلف.
وكذلك لو أقام الولي شاهداً، هل يحلف معه؟ فعلى هذه الأوجه الثلاثة.
ولو ادعى قيم الوقف، أو قيم المسجد شيئاً للوقف أو للمسجد، وأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين- هل يحلف القيم؟ فعلى هذه الأوجه: فإن قلنا: لا يحلف، هل يقضي بالنكول؟ فعلى وجهين، لأنه ليس هاهنا أحد يحلف.
أما قيم المحجور عليه بالسفه، إذا ادعى للمحجور شيئاً، ونكل المدعى عليه عن اليمين، يحلف المحجور عليه، لأنه مكلف، ويقول في يمينه: يلزمك تسليم هذا المال مطلقاً، ولا يقول: إلي؛ لأن التسليم إلى المحجور لا يجوز؛ والقيم يقول في دعواه: يلزمك تسليمه إلي.
فصل في كون الجواب على وفق الدعوى إذا ادعى على رجل قرضاً، أو ادعى: أني اشتريت منك كذا فسلمه إلي فأجاب: أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك، أو أجاب: أنك لا تستحق علي شيئاً- يسمع هذا الجواب ويحلف عليه، ولا يكلف أن يحلف على نفي القرض والبيع؛ لأنه يجوز أن يكون قد استقرض منه، ثم أداه، أو باع منه، ثم استقاله أو اتهبه.
فإذا حلف على نفي القرض والبيع، يكون كاذباً، غير أنه إذا حلف على وفق دعواه: أنه لم يستقرض، ولم يبع، يجوز.
وإن كان جوابه محتملاً أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك.
وعند أبي يوسف: يشترط أن يكون جوابه على وفق دعواه فيقول: ما استقرضته، وما بعت.
أما إذا أجاب على وفق دعواه: أنه ما استقرض، ولم يبع، وأراد أن يحلف مجملاً: أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك، أو لا تستحق علي شيئاً- هل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ كما لو أجاب ابتداء كذلك.
والثاني: ليس له ذلك؛ حتى يحلف على وفق ما أجاب؛ لأنه نفى ما ادعاه المدعي؛

فيجب أن يحلف على نفيه.
ولو ادعى على رجل ألف درهم؛ فأنكر، يجب أن يحلف: أنه لا يستحق ما يدعيه، ولا شيئاً منه.
فإن حلف على أنه [لا يستحق الألف، أو] لا يلزمني الألف- لم يخرج عن دعواه؛ لأن يمينه على نفي الألف لا تمنع وجوب بعضها.
فلو قال له الحاكم: قل: بالله لا يلزمني تسليم الألف إليه ولا تسليم شيء منها فقال: بالله لا يلزمني تسليم الألف إليه، ونكل عن الباقي- لا يجب عليه تمام الألف، ويكون ناكلاً عما دونه [و] يحلف المدعي، وينقص في يمينه شيئاً عن الألف وإن قل.
فلو نكل المدعى عليه عن أصل اليمين، وأراد المدعي أن يحلف على خمسمائة- له ذلك، إن عرض الحاكم اليمين عليه على ألف، وعلى كل جزء منها.
فإن عرض على ألف فحسب، فليس له ذلك، بل يستأنف الدعوى بخمسمائة.
ولو ادعى على رجل ألفاً، فقال المدعى عليه: لا أحلف وأعطي المال، لا يجب على المدعي قبوله من غير إقرار، وله تحليفه؛ لأنه لا يأمن أن يدعي عليه ما دفع إليه بعد هذا.
وكذلك لو نكل المدعى عليه عن اليمين، وأراد المدعي أن يحلف يمين الرد، فقال المدعى عليه: لا تحلفه؛ حتى أبذل المال بلا يمين- له أن يحلف، ويقول له الحاكم: إما أن تقر بالحق أو يحلف المدعي بعد نكولك.
ولو ادعى مالاً؛ فقال المدعى عليه: إنه قد حلفني على هذا مرة- نظر: إن قال للحاكم: حلفني عندك، والحاكم يحفظه، لا تسمع دعوى المدعي؛ وإن لم يحفظ، سمع دعوى المدعي.
وإن قال: حلفني عند قاض آخر، أو أطلق، تسمع دعواه، ويحلف المدعي أنه لم يحلفه، ثم يدعي المال.
وإن نكل، حلف المدعي عليه أنه حلفه، وتسقط الدعوى.
فلو نكل المدعي عن يمين التحليف، ورددنا اليمين على المدعى عليه، وأراد أن يحلف يمين الأصل، لا يمين التحليف- لم يكن له ذلك، إلا بعد استئناف الدعوى؛ لأنه تخللها دعوى أخرى.
فلو قال المدعى عليه: إنه حلفني مرة، وأراد تحليفه فقال المدعي: إنه قد حلفني مرة بأني ما حلفته فحلفه على هذا- لا يحلف المدعى عليه؛ لأنه يؤدي إلى ما لا نهاية له.

ولو ادعى على رجل مالاً؛ فأنكر، وحلف، ثم بعد مدة جاء المدعي، وقال: حلفت يومئذ؛ لأنك كنت معسراً، فكنت صادقاً في يمينك أنه لا يلزمك أداؤه، واليوم أيسرت- فهل يسمع منه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسمع وله تحليفه؛ لأنه محتمل.
والثاني: لا يسمع؛ لأنه لا يتناهى.
ولو ادعى مالاً على إنسان، وقال: قد قضى لي عليه فلان القاضي إن أقام لي عليه بينة [تسمع]، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
ولو قال: أنت قضيت؛ فإن ذكره القاضي أمضاه، وإن لم يذكره فلا.
فلو ادعى على إنسان عيناً؛ فقال المدعى عليه: إنه باعها مني، أو باعها من بائعي؛ فهو إقرار للبائع بالملك- فالقول قول البائع مع يمينه أنه لم يبع منه، ولا من بائعه.
ولو ادعى ديناً؛ فقال المدعي عليه: إنه أبرأني عن هذا الدين- فهو إقرار للمدعي، والقول قول المدعي أنه لم يبرئه.
ولو قال: أبرأني عن الدعوى، اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: تسمع، ويحلف المدعي.
ومنهم من قال- وهو اختيار الشيخ القفال- لا تسمع، ولا يصح الإبراء عن الدعوى.
ولو كان لجماعة على رجل حق؛ فوكلوا رجلاً في استخلافه- لم يجز أن يحلف لهم يميناً واحدة؛ [لأن لكل واحد عليه يميناً؛ فلا تتداخل.
وإن رضوا؛ بأن يحلف لهم يميناً واحدة]، فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كما يجوز أن يثبت ببينة واحدة حقوق جماعة.
والثاني- وهو المذهب-: لا يجوز؛ لأن اليمين للزجر، وما يحصل من الزجر بالتفريق لا يحصل من الجمع؛ كما لو رضيت المرأة بأن يقتصر الزوج في اللعان على شهادة واحدة- لا يجوز.
ولو ادعى على رجل عيناً؛ فأنكر المدعى عليه أن في يده مثل تلك العين- حلف عليه وإذا حلف، للمدعي أن يدعي عليه القيمة؛ لاحتمال أن العين هلكت في يده.
وإن نكل

حلف المدعي على كون العين في يده، وحبس المدعى عليه؛ حتى يحضرها، أو يقيم بينة على هلاكها؛ ولو لم يدر المدعي أن العين قائمة في يده؛ حتى يدعيها، أو هالكة؛ حتى يدعي قيمتها- فقد قيل: يدعي عليه العين، ويحلف عليها، ثم يدعي القيمة، ويحلف يميناً أرخى.
وقيل: والحكام عليه: أنه يحلفه يميناً واحدة أنه لا يلزمني تسليم هذه العين إليه ولا قيمتها.
وعلى هذا الوجه تسمع الدعوى على التمثيل؛ فيقول: لي عنده ثوب، صفته كذا، يلزمه تسليمه إلي، أو قيمته إن كان هالكاً؛ حتى لو دفع إليه ثوباً؛ ليبيعه، فجحد، فلم يدر صاحب الثوب أنه قائم في يده؛ فعليه رده، أو أهلكه؛ فعليه قيمته، أو باعه؛ فعليه ثمنه.
فعلى الوجه الأول: يحلف ثلاث أيمان يدعي العين؛ فيحلفه، ثم يدعي الثمن؛ فيحلفه، ثم يدعى القيمة؛ فيحلفه.
وعلى الثاني: يدعي متمثلاً أنه يلزمه رد الثوب، أو ثمنه إن كان باعه، أو قيمته إن هلك؛ فيحلف يميناً واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب إليه، ولا قيمته، ولا ثمنه.
والله أعلم.
باب: من تجوز شهادته ومن لا تجوز قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وقال جل ذكره: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. شرائط قبول الشهادة سبعة: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والعفة، والمروءة وانتفاء التهمة؛ فشهادة الكافر لا تقبل؛ لأن المعروفين بالكذب من المسلمين لا تقبل شهادتهم؛ فالكافر يكذب على الله- تعالى- والله- تعالى- يشهد على كذبه؛ فأولى ألا تقبل شهادته.
وعند أبي حنيفة: تقبل شهادة الذمي على الذمي، ولا تقبل شهادة العبد؛ لأنه ناقص الحال قليل المبالاة؛ فلا يصلح لهذه الأمانة.
[وقال أنس بن مالك: تقبل شهادة العبد]، وهو قول أحمد وإسحاق.
وقال الشعبي والنخعي: تقبل شهادة العبد في الشيء التافه.

ولا تقبل شهادة من لم يبلغ؛ لأنه لا حكم لقوله.

وقال مالك: تقبل شهادة الصبيان على الجراحات التي تقع في الملاعب قبل التفرق، ولا تقبل بعد التفرق؛ لأنه ربما يتلقن بعضهم من بعض.
والعفة شرط وهو: ألا يكون مرتكباً كبيرة، ولا مصراً على صغيرة.
ولا يشترط أن يكون الشاهد معصوماً عن المعاصي كلها؛ فإن الآدمي لا يخلو عن ذلك، وجاء في الحديث: "ما منا إلا من عصى، أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا".
فإن ارتكب كبيرة من زنا، أو لواط، أو قذف، أو غصب، أو سرقة، أو شرب خمر، أو قتل بغير حق- ترد شهادته، وإن فعل مرة واحدة.
والصغيرة لا توجب رد الشهادة؛ لأن الاحتراز عنها قل ما يمكن ما لم يصر عليها؛ فإن غلب ذلك عليه، فسق، وردت شهادته.

وكل ما يوجب الحد من المعاصي، فهو كبيرة، والزنا كبيرة، والنظر إلى الأجنبية بالشهوة، ولمسها صغيرة.
وقيل: كل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب، أو سنة- فهو كبيرة].
ومن ترك فريضة واحدة من الفرائض مع العلم؛ حتى خرج وقتها- ترد شهادته.
وقيل: بواحدة لا ترد شهادته؛ حتى يتكرر ذلك منه.
ومن اعتاد ترك السنن الرواتب، وتسبيحات الركوع والسجود- ترد شهادته؛ لتهاونه بالسنن؛ فإن كان يفعله أحياناً، لا ترد شهادته.
ومن اعتاد الجلوس على الديباج، أو الشرب من الذهب والفضة، أو اعتاد من الرجال لبس الديباج- فهو فسق يوجب رد الشهادة.
ولا تقبل شهادة من لا مروءة له؛ لأن من لا مروءة له لا يستحي.
قال: ومن لا يستحي قال ما شاء، وصنع ما شاء.
قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
والمروءة هي حسن العشرة، والسيرة والهيئة، والصناعة، وهي مما يتصل بآداب النفس، مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، يتعاطى ما يستحيا من إظهاره؛ بأن كان يقبل زوجته فيما بين الناس، أو إن فعل في الخفية حكاه للناس.
ويخرج من حسن العشرة مع الأهل، والخدم، والجيران، والمساكين.
ويخرج في المعاملة مع الناس إلى حد السفه، والاستقصاء في اليسير الذي لا يستقصي فيه.
وفي الهيئة يجب أن يسير بسيرة أمثاله في بلده؛ حتى أن الفقيه إذا لبس القباء في هذه البلاد أو تقلنس وخرج، أو التاجر إذا لبس ثوب الحمالين- ترد شهادته.

أما في بلده عادة علمائهم لبس القباء، فلا ترد شهادتهم، والحمال إذا لبس العمامة، والذراعة، والطيلسان- ترد شهادته؛ لأنه يتخذ نفسه ضحكة.
والذي يمشي في الأسواق كاشفاً عن بدنه فوق العادة، أو مكشوف الرأس، أو الفقيه يأكل في السوق، أو يشرب من سقاية السوق- ترد شهادته، إلا أن يكون لغلبة عطش.
أما السوقي إذا أكل في السوق، لا ترد شهادته.
ثم هذا في حق من اعتاد تكلف ذلك، أما من اعتاد ترك التكلف كأهل الصفة، فلا ترد شهادته بلبس ما يلبس؛ وأهل الحرف الدنيئة كالحجام، والكناس، والدباغ، والإسكاف، والقصاب، والقيم في الحمام، والحائك، والحارس- فهل تقبل شهادتهم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تقبل؛ لأن رضاهم بهذه الحرف الدنيئة مع كثرة الحرف دليل على دناءتهم وقلة مروءتهم.
والثاني- وهو الأصح-: تقبل شهادتهم؛ لأن هذه الحرف مباحة، وبالناس إليها حاجة؛ فلو ردت شهادتهم بها، لامتنعوا عنها وتضرر به الناس.
واللعب بالشطرنج مكروه؛ لأنه اشتغال بما لا يعنيه.

وعند أبي حنيفة: حرام.
وروي عن سعيد بن جبير؛ أنه كان يلعب به استدباراً.
ومن لعب به، لا ترد شهادته، إلا أن يقامر به، أو يفحش بلسانه، أو تخرج الصلاة عن الوقت؛ فإن فعل شيئاً من ذلك، ردت شهادته.
فإن لم يفعل شيئاً من ذلك، لكنه يداوم على ذلك، ردت شهادته؛ لما فيه من ترك المروءة.
والقمار فيه: أن يكون المال من الجانبين، وكل واحد يكون بين الغرم والغنم.
فإن كان المال من أحدهما؛ بأن قال: إن غلبت فلا شيء لي، وإن غلب صاحبي فله كذا- فليس بقمار، ولا ترد به الشهادة، ولكن لا يكون العقد صحيحاً، لأنه ليس من آلة الحرب.
أما اللعب بالنرد فحرام؛ لما روي عن بريدة؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من لعب بالنرد شير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه".
وقال الشيخ أبو إسحاق: هو كالشطرنج.
والحديث حجة على تحريمه؛ ولأن المعول فيه على ما يخرجه الكعبان؛ فأشبه بالأزلام.
واللعب بالحمام أخف كراهية من الشطرنج؛ لأنه يستعان به على إنهاء الأخبار في الأسفار البعيدة، وحكمه في رد الشهادة حكم الشطرنج.
أما اتخاذ الحمام فجائز؛ لما روي عن عبادة بن الصامت؛ أن رجلاً شكا إلى

رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الوحشة فقال: "اتخذ زوجاً من حمام"، ولأن فيه منفعة بالبيض والفرخ.
ولا تقبل شهادة المغني الذي يأتي الناس، والناس تأتيه للغناء، وكذلك من اشترى غلاماً مغنياً، أو جارية لهذا الأمر.
وكذلك القوال والرقاص الذي يداوم عليه، لا تقبل شهادته.
فإن لم يتخذه كسباً، ولم يداوم عليه، لا ترد شهادته.
والغناء وسماعه من غير آلة مطربة مكروه؛ لما روي عن ابن مسعود، عن

النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل".
ولكنه غير حرام إذا لم يكن معه آلة مطربة؛ فمن غنى لنفسه، أو سمع غناء غيره، ولم يكثر ذلك منه- لا ترد شهادته.
روي عن عائشة قالت: "دخل أبو بكر- وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث- قالت: وليستا بمغنيتين [فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم]؟ وذلك في يوم عيد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا".
وروي أن عمر- رضي الله عنه- كان إذا خلا في داره ترنم بالبيت والبيتين، فاستؤذن عليه لعبد الرحمن بن عوف، وهو يترنم فقال: أسمعتني يا عبد الرحمن؟ قال: نعم.
قال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس.
وروي عن أبي الدرداء، وكان من زهاد الصحابة، وفقهائها أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل؛ لأستعين به على الحق.
وأما الآلات المطربة، كالعود والطنبور، والصنج، والطبل، والمزمار- فيحرم

استعمالها، والاستماع إلى أصواتها.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] قال ابن عباس: هي الملاهي.
وفي اليراع وجهان: أصحهما: حرام؛ كالمزمار.
والثاني: مباح؛ لأنه ينشط على السير في الأسفار.
وقيل: كان داود عليه السلام يضربه في أغنامه.
وضرب الدف مباح في الإملاكات والختان، وحرام في غيرهما، جاء في الحديث: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف".
وضرب القضيب على الوسائد حرام.
وقال العراقيون: مكروه غير حرام؛ لأنه لا يطرد إذا انفرد عن الغناء، بخلاف سائر الآلات؛ فهو تابع للغناء؛ فكان مكروهاً، كالغناء.
فما حكمنا بتحريمه من هذه الأشياء، فهو من الصغائر لا ترد الشهادة بما قل منه، فإن كثر من رجل ردت شهادته، وما حكمنا بإباحته فهو كالشطرنج.
وسماع الحداء ونشيد الأعراب مباح؛ لأنه ينشط الإبل على السير، ويوقظ النوام.
قال النبي- صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن رواحة: "حرك بالقوم" فاندفع يرتجز.
فإذا جاز تحسين الصوت بالحداء والرجز، فبالقرآن أولى.
قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "ما أذن الله لشيء إذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن".
وسمع

رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن قيس يقرأ فقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود" وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وحمله الشافعي على تحسين الصوت.
وقال لو كان المراد منه: الاستغناء: لقال: لم يتغانى بالقرآن.
أما القرآن بالألحان: قال في موضع: أكرهه، وقال في موضع: لا أكرهه؛ وهي على حالين؛ حيث قال: أكرهه، أراد به: إذا جاوز الحد في التطويل والمد، وحيث قال: لا أكرهه، أراد به: إذا لم يجاوز الحد.
قال: وأحب ما يقرأ إلي حدراً، أو تحزيناً.
والشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، ويجوز قول الشعر، وكان للنبي- صلى الله عليه وسلم شعراء: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الشعر.
وقال للشريد: "أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء"؟ قلت: نعمفأنشدته بيتاً فقال: "هيه"، فأنشدته بيتاً آخر، فقال: "هيه" حتى أنشدته مائة بيت.
وشهادة الشاعر مقبولة، إذا كان لا يهجو المسلمين، ولا يبالغ في المدح والذم، ولا يشبب بامرأة ولا بغلام بعينه، ولا يبتهر، ولا يبتار.

فالابتهار: أن يقول فعلت بامرأة كذا من الفساد؛ وهو فيه كاذب.
والابتيار: أن يكون فيه صادقاً؛ قال الكميت: [من المتقارب].
قبيح لمثلي نعت الفتاة فإما ابتهاراً وإما ابتياراً تقبل شهادة أهل الأهواء والبدع؛ كالمعتزلة والرافضة، وغيرهم؛ لأن منهم من يرى الكذب كفراً؛ فيعرف أنه لا يقصد الكذب، إلا الخطابية؛ وهم قوم يرون الكذب كفراً؛ فربما يسمع ممن يوافقه في الاعتباد: أن لي على فلان كذا فيشهد على موافقة قوله؛ لما يرى أنه لا يجيز الكذب، إلا أن يقول: أقر فلان لفلان بكذا، أو رأيت فلاناً أقرض فلاناً، أو قتل فلاناً فيقبل.
هذا إذا كان لا يقول في بدعته ما يكون كفراً، ولا يرتكب ما يكون فسقاً.
ومذهب أكثر الفقهاء: أنهم لا يكفرون أحداً من أهل البدعة.
قال الشافعي رضي الله عنه: إلا الذين ينفون علم الله بالمعدوم؛ وهم يقولون: لم يعلم الله الأشياء؛ حتى خلقها؛ فهم كفار، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] مخبراً عن أمر لم يكن أنه يكون.
ومن سب الصحابة والسلف، ترد شهادته، لفسقه.

قال الشيخ: وإن استحله، كفر.
وتقبل شهادة المخالفين في الفروع؛ لأن مسائل الفروع مبنية على أدلة غير مقطوع بها، والمخالف فيها غير مقطوع بخطئه؛ فلا ترد شهادته.
وكل من تأول حراماً عندنا فيه حد أو لا حد فيه، لا ترد شهادته؛ فإن من الصحابة من كان يجيز بيع الدرهم بالدرهمين نقداً، وكان ابن عباس يجيز نكاح المتعة.
ولا ترد شهادة من اعتقده؛ وتقبل شهادة أهل البغي، مع أنهم يسفكون دماءنا متأولين.

والحنفي إذا شرب القليل من النبيذ، لا يفسق، ولا ترد شهادته، لأنه يعتقد إباحته، إلا أن يسكر فترد شهادته؛ لأن السكر حرام بالاتفاق، ولكنه يحد بشرب قليله.
وإذا شربه من يعتقد تحريمه: اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: ترد شهادته؛ لأنه ارتكب محظور عقيدته.
ومن أصحابنا من قال: لا ترد شهادته؛ وهو ظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه فإنه لم يفصل بين من يعتقد تحريمه وإباحته؛ في أن شهادته لا تر؛ هذا لأن استحلال الشيء أعظم من فعله، بدليل أن من استحل الزنايكفر، وبفعله لا يكفر؛ فإذا لم ترد شهادة مستحل القليل من النبيذ، فلأن لا ترد شهادة من شربه أولى.
وقال المزني- رحمه الله-: وجب أن ترد شهادة من شربه؛ كما يحد، وإن لم ترد شهادته وجب ألا يحد.
قلنا: إقامة الحد إلى الإمام؛ فيجري فيه على اعتقاده.
ورد الشهادة بارتكاب محظور العقيدة، ولم يوجد، بخلاف الكافر ترد شهادته، وإن لم يرتكب محظور عقيدته؛ لأن بطلان عقيدته مقطوع به، وهذا مجتهد فيه.
وهذا؛ لأن الحد للزجر عما يميل الطبع إليه، والحاجة إلى الزجر عن النبيذ كالحاجة إليه في الخمر.
ورد الشهادة لارتكاب محرم يجرئه على فعل مثله، ولم يوجد في شرب النبيذ؛ لأنه لم يرتكب محرماً؛ فيظن أنه يجرئه على شهادة الزور.
أما من شرب الخمر قصادً وإن كان قطرة- ترد شهادته، ويحد.
ولا تقبل شهادة المغفل الذي لا يحفظ شيئاً، وكذلك شهادة من يكثر [منه] الغلط؛ لأنه لا يؤمن أن يغلط فيما يشهد.
وتقبل شهادة من يقل منه الغلط؛ لأن أحداً لا ينفك عنه، وإن شهد من يكثر منه الغلط مفسراً؛ بأن بين الوقت والمكان الذي يحمل فيه الشهادة؛ بحيث زالت فيه الريبة عن شهادته- تقبل.
وتقبل شهادة ولد الزنا.
[وقال مالك: لا تقبل]، وكذلك يجوز أن يكون [ولد الزنا] قاضياً ولا يكون إماماً؛ لأن النسب في الإمامة شرط.

وتقبل شهادة القروي على البدوي، وشهادة البدوي على القروي.
وقال مالك: لا تقبل شهادة البدوي على القروي؛ لأن البدوي يحضر القرية للإشهاد، والقروي لا يخرج إلى البادية للإشهاد.
قلنا: قد يدخل البدوي القرية؛ فيشهد القروي.
فصل في أن انتفاء التهمة شرط في الشهادة انتفاء التهمة شرط في الشهادة؛ حتى تقبل؛ فلا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعاً بشادته، أو يدفع عن نفسه ضرراً؛ كما ذكرنا في "باب الشهادة على الجناية".
ولا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا لأحد من نوافله وإن سفلوا، وكذلك لا تقبل

شهادة الولد لواحد من آبائه وأجداده وإن علوا؛ لما روي عن ابن عمر؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ضنين ولا ذي جنة".
وأراد بالضنين: المتهم، والولد مع الوالد كل واحد منهما متهم في شهادته بالميل إلى من يشهد له؛ لأنه بعضه.
وقال أبو ثور: تقبل [شهادة الولد للوالد، والوالد للولد.
وقال مالك: تقبل] شهادة الولد لوالده، ولا تقبل شهادة الوالد لولده؛ وكذلك عندنا: لا تقبل شهادة الرجل لمكاتب ولده، ولا لمكاتب والده.
أما شهادته على ولده، وعلى والده تقبل؛ لأنه لا تهمة فيه.
وقيل: لا تقبل شهادة الولد على الوالد بالقصاص، وحد القذف، لأنه لا يلزمه القصاص بقتله، ولا حد القذف بقذفه؛ والأول المذهب.
وتقبل شهادة الأخ، وابن الأخ، والعم، والخال.
وتقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه، وعليه، إلا الزوج لا تقبل شهادته بالزنا على زوجته.
وقيل: في قبول شهادة أحدهما لصاحبه قولان: أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: لا تقبل.
والمذهب: قبولها قولاً واحداً؛ لأنه ليس بينهما إلا معاقدة؛ وذلك لا يورث تهمة في

الشهادة؛ كالأجير إذا شهد للمستأجر بشيء، تقبل.
وتقبل شهادة الصديق لصديقه.
وعند مالك: لا تقبل.
ولا تقبل شهادة العدو على عدوه؛ لأنه متهم في الشهادة عليه، وتقبل شهادته له؛ لأنه لا تهمة فيه؛ كما تقبل في حق كافة الناس لهم وعليهم.
هذا إذا كانت الخصمة بينهما ظاهرة، ولا يرتكب كل واحد منهما في عداوته ما يفسق به فإن فعل في عداوته ما يفسق به، فيكون مردود الشهادة له وعليه في حق كافة الناس.
ولو خاصمه رجل وسبه، وهو ساكت، فشهد الساكت عليه- تقبل [شهادته] لأن الشهادة لو ردت بمثله، لم يعجز أحد عن فعله بمن شهد عليه، فينسد باب الشهادة عليه.
وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة العدو على العدو، إذا لم يظهر في عداوته ما يفسق به.
والعصبية لا توجب رد الشهادة؛ وهو أن يبغض رجلاً؛ لأنه من بني فلان، إلا أن يظهره ويدعو له؛ فيفسق به، وترد شهادته؛ وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه وعشيرته؛ فتقبل شهادته لهم وعليهم، ومن أبغض رجلاً لفسقه فهو دين، لا ترد شهادته له ولا عليه.
وتقبل شهادة المستخفي؛ وهو أن يكون لرجل على آخر حق يقر به إذا خلا مع خصمه، ويجحد في الظاهر؛ فأجلس المدعي شاهدين في خفية، وجلس مع خصمه؛ حتى أقر، وسمعه الشاهدان فشهدا عليه- تسمع عند كثير من أهل العلم.
وقال ابن سريج والشعبي والنخعي: لا تسمع.
وهذا لا يصح؛ لأنه حصل لهم العلم بالمشهود به؛ فتقبل شهادتهم؛ كما لو أقر ظاهراً؛ فسمعه رجل وشهد، تسمع وإن لم يشهده.
فصل قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ....﴾

إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 4].
كل من لا تقبل شهادته بسبب معصية؛ فإذا تاب، تقبل شهادته.
والتوبة توبتان: توبة في الباطن فيما بينه وبين الله [تعالى].
وتوبة في الظاهر التي يتعلق بها قبول الشهادة، وعود الولاية.
وأما التوبة في الباطن: فينظر: إن كانت المعصية مما لا يتعلق بها حق الآدمي، ولا حد لله- تعالى- فيه؛ كتقبيل الأجنبية، ولمسها بالشهوة ووطؤها مما دون الفرج، فالتوبة منها: أن يندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود إلى مثلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 135]. وإن تعلق بها حق لآدمي: فالتوبة منه: أن يندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود، ويتبرأ من حق الآدمي.
وإن كان مالاً رده إن كان قائماً، أو بدله إن كان تالفاً، أو يبرئه صاحب الحق.
وإن كان قصاصاً، أو حد قذف، فيخبره؛ حتى يستوفي، أو يعفو.
وإن تعلق بالمعصية حد لله- تعالى- كحد الزنا، والشرب؛ فإن لم يظهر ذلك منه، فيندم عليه، ويتوب في السر.
والأولى: أن يستر على نفسه؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من أتى من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله تعالى؛ فإن من أبدى لنا صفحته؛ أقمنا عليه حد الله".
فإن أظهره حتى أقيم عليه الحد، جاز؛ كما فعل ماعز والغامدية، أقرا على أنفسهما بالزنا؛ حتى أقام النبي- صلى الله عليه وسلم- عليهما الحد.
وإن كان قد ظهر ذلك منه؛ فيحتاج إلى أن يذهب إلى الإمام؛ حتى يقيم عليه الحد؛ لأنه إذا ظهر، فلا معنى للستر.
فأما التوبة في الظاهر: فهي التي يتعلق بها قبول الشهادة، وعود الولاية؛ فينظر في المعصية: فإن كانت فعلاً؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر- فالتوبة عنها تكون بالفعل؛ وهو أن يصلح عمله مدة، وينتقل من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة؛ لقوله تعالى: {إِلاَّ

الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89].
ولا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال؛ حتى تقبل شهادته، وتعود ولايته وقدر أصحابنا تلك المدة بسنة؛ حتى تمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الأحوال والطباع؛ كما يضرب للعنين أجل سنة.
وقد علق الشرع أحكاماً بالسنة من الزكاة، والجزية، والعقل.
وإن كانت المعصية بالقول: فإن كانت ردة، فالتوبة عنها أن يظهر الشهادتين، وإن كان قذفاً: قال الشافعي رضي الله عنه: فالتوبة منه إكذابه نفسه؛ فاختلف أصحابنا فيه.
قال الإصطخري: يقول: كذبت فيما قلت: ولا أعود إلى مثله.
وقال أبو إسحاق: لا يقول: كذبت؛ لأنه ربما يكون صادقاً، بل يقول: القذف باطل، ندمت على ما قلت، رجعت عنه؛ فلا أعود إليه.
فلا بد من إصلاح العمل من بعد، ومضي المدة؛ كما ذكرنا في الفسق بسبب الزنا والسرقة.
فأما شهود الزنا إذا لم يتموا أربعة: فإن قلنا: لا حد عليهم، فلا حاجة إلى التوبة.
وإن قلنا: يجب عليهم الحد، فالتوبة أن يقول: ندمت على ما قلت، ولا أعود إلى مثله، ولا يشترط فيه مضي المدة لإصلاح العمل، لأن عمر- رضي الله عنه- كان يقول لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك.
ولم يذكر إصلاح العمل؛ بخلاف القذف الصريح؛ فإن هناك سقطت شهادته بالنص؛ فلزم إصلاح العمل بالنص.
والشاهد على الزنا إن لم يتب، فخبره مقبول وإن لم تقبل شهادته؛ فإن أبا بكرة مقبول الرواية بالاتفاق.
والقاذف ترد شهادته بمجرد القذف؛ سواء قذف محصناً، أو غير محصن؛ حراً أو

عبداً؛ حتى لو قذف عبداً لنفسه ترد شهادته، وإن لم يجب الحد، وإذا تاب، وحسنت حالته، تقبل شهادته؛ سواء كان بعد إقامة الحد عليه، أو قبله.
وقال أبو حنيفة: لا ترد شهادته بنفس القذف؛ حتى يحد، وإذا حد فلا تقبل شهادته بعده أبداً، وإن تاب والآية حجة عليه، لأن الله- تعالى- رتب على القذف ثلاثة أحكام: الحد ورد الشهادة، والتفسيق.
ثم وجوب الحد يتعقب القذف، فكذلك رد الشهادة، والتفسيق.
ثم بعد ما حكم برد الشهادة، استثنى التائب؛ فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] دل على أن شهادته بعد التوبة مقبولة.
وتقبل شهادة المحدود بعد التوبة في جنس ما حد فيه.
وعند مالك: لا تقبل.

ومن شهد بالزور فسق، وردت شهادته؛ لأنها من جملة الكبائر.

روي عن خريم بن فاتك قال: صلى بنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح فلما انصرف قام فقال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله" ثلاث مرات، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 3.]، وإنما يثبت كونه شاهد زور بإقراره، أو ببينة تشهد أنه شاهد زور، أو شهد بما يقطع بكذبه.
فإن كان شهد على رجل؛ أنه قتل فلاناً، أو زنا بامرأة في موضع كذا، في وقت معين؛ فثبت أن المشهود عليه كان في ذلك الوقت ببلد آخر.
أما إذا شهد بشيء أخطأ فيه لم يكن شاهد زور، أو شهد لرجل بشيء، وشهد به آخر لغيره- لم يكن شاهد زور؛ لأنه ليس أحدهما بأولى بالتكذيب من الآخر.
وإذا ثبت أنه شاهد زور: فإن رأى الإمام تعزيره بالضرب، والحبس فعل، وإن رأى أن يشهر أمره في سوقه ومصلاه وقبيلته، نادى عليه أنه شاهد زور؛ فاعرفوه؛ حتى ينزجر، ويعتبر به غيره- فعل.

قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "اذكروا الفاسق بما فيه؛ يحذره الناس".
وإذا تاب شاهد الزور، يخبر حاله؛ كسائر الفسقة إذا تابوا؛ فبعد مضي سنة على الصلاح، تقبل شهادته في غير هذا الحكم، ولا تقبل في هذا الحكم، وإن كانوا غالطين في الشهادة، فلا حاجة إلى الاختبار وتقبل شهادته في غير هذا الحكم ولا تقبل في هذا الحكم.
ولو شهدوا عند القاضي؛ فقبل القضاء جاءوا، وقالوا: توقف في القضاء؛ حتى نتثبت في شهادتنا؛ فتوقف القاضي، ثم عادوا فقالوا: تثبتنا؛ فاحكم- هل يحكم القاضي؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم؛ لأنهم لم يرجعوا عن الشهادة.
والثاني: لا يحكم؛ لأنه وقع ريبة في شهادتهم.
فصل في شهادة من ليس أهلاً للشهادة إذا صار أهلاً لها إذا شهد عند القاضي عبد، أو مكاتب، أو صبي، أو كافر- لا يصغي إلى شهادته.
فإذا لم يعلم حالهم؛ فسمع شهادتهم، ثم علم؛ فردها، ثم عتق العبد والمكاتب، وبلغ الصبي، وأسلم الكافر وأعادوا تلك الشهادة- تقبل.
أما إذا شهد فاسق؛ فردت شهادته؛ لفسقه ثم تاب، وحسنت حالته، فأعاد تلك الشهادة- لا تقبل.
وقال المزني وأبو ثور- رحمهما الله-: تقبل؛ كما تقبل من الصبي إذا بلغ، ومن الكافر إذا أسلم.
قلنا: فرق بينهما من حيث إن الفاسق يستنكف من فسقه، ويلحقه عار برد شهادته؛ فهو في إعادة تلك الشهادة متهم بدفع ذلك العار عن نفسه، والشهادة ترد للتهمة.
أما الصبي والعبد لا عار عليهما في رد شهادتهما، والكافر يفتخر بكفره؛ فلا يلحقه عار برد شهادته؛ فلا يكون متهماً في الإعادة.

ولو شهد السيد لمكاتبه بمال، أو لعبده بنكاح؛ فردت شهادته، ثم أعادها بعد العتق- هل تقبل؟ فيه وجهان: أصحهما: لا تقبل؛ لأن رد شهادته للتهمة؛ فلا تقبل إذا أعاد بعد زوال التهمة؛ كالفاسق إذا تاب.
والثاني: تقبل؛ لأنه لم يكن عليه في رده عار، فلا يكون متهماً في الإعادة.
أما المكاتب إذا شهد لسيده؛ فردت شهادته، ثم عتق؛ فأعاد- تقبل؛ ولو ردت شهادته؛ لعداوة بينه وبين المشهود عليه، ثم حسن الحال بينهما؛ فأعادها- هل تقبل؟ فعلى وجهين: الأصح: لا تقبل.
وكذلك لو بيع شقص له ثلاث شفعاء؛ فشهد اثنان على عفو الثالث قبل أن يعفوا- لا تقبل شهادتهما.
فلو عفوا، وأعاداها، هل تقبل؟ فيه وجهان: الأصح: لا تقبل.
ولو شهد رجل قبل الاستشهاد؛ حيث لا تقبل شهادة الحسبة- لا تقبل، وهل يصير مجروحاً؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يصير مجروحاً؛ فلا يشترط استبراء الحال؛ حتى لو شهد في حادثة أخرى يسمع؛ فلو أعاد تلك الشهادة في غير ذلك المجلس، تقبل؛ لأنه لا يلحقه بعدم القبول عار يكون متهماً في الإعادة.
وإن قلنا: لا يصير مجروحاً؛ فلو أعاد في ذلك المجلس، تقبل.
ولو شهد لأبيه، ولأجنبي بشيء، لا تقبل لأبيه، وهل تقبل للأجنبي؟ فيه قولان.
فصل إذا مات رجل عن ابنين: أقر أحدهما بدين على الميت، وأنكر الآخر- يجب على المقر نصف ذلك الدين إذا لم يكن النصف أكثر من نصيبه؛ لأنه أقر به في جميع التركة، وليس في يده إلا نصف التركة؛ فيلزمه بنسبة نصيبه نصيبه؛ [لأنه أقر في جميع نصيبه].

وإن كانوا ثلاثة، وأقر واحد، يلزمه الثلث.
وحكى بعض أصحابنا قولاً عن القديم؛ وهو قول أبي حنيفة: يلزمه جميع المقر به، إلا أن يكون أكثر من حصته من التركة فلا يلزمه الزيادة؛ لأن الدين مقدم على الميراث؛ وهو مقر أنه لا يحل له شيء من التركة ما دام على الميت دين.
ولو شهد واحد من الورثة بدين على الميت، هل يقبل أم لا؟ سواء شهد بعد الإقرار أو قبله؟ فإن قلنا: لا يلزمه بالإقرار إلا بقدر حصته من التركة يقبل؛ لأنه لم يجر إلى نفسه نفعاً بهذه الشهادة.
ثم إن شهد اثنان من الورثة، يثت الدين كله.
وإن شهد واحد، حلف المقر له معه، ويثبت الكل.
وإن قلنا: يلزمه بالإقرار جميع الدين، لا تقبل شهادته؛ لأنه متهم في شهادته بإسقاط بعض الدين عن نفسه، وإن شهد واحد منهم وهو فاسق، فهو كالإقرار عند أبي حنيفة.
إن شهد واحد منهم بعد الإقرار، لا يقبل، لأجل التهمة، وإن شهد قبله يقبل.
فإن قلنا: لا يلزمه إلا بقدر حصته، فلو مات الابن المنكر، وهذا المقر وارثه، وعاد جميع التركة إليه- هل يلزمه جميع المقر به؟ فيه وجهان: الأصح- وهو المذهب-: يلزمه؛ لأن جميع التركة في يده.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه ورث بعض التركة من منكر.
والأول المذهب؛ كما لو ادعى على رجل ديناً فأنكر، ثم مات فأقر به وارثه- يلزمه؛ لأن التركة في يده، وقد أقر بها.
ولو أقر أحد الابنين؛ أن أبانا أوصى لفلان بكذا، وأنكر الآخر- لا يخلو؛ إما إن كانت الوصية مرسلة أو بجزء شائع، أو بمتاع بعينه: فإن كانت الوصية مرسلة، فهو كالدين لا يلزمه إلا نصف المقر به، إذا لم يكن أكثر من ثلث نصيبه؛ على القول الجديد؛ وهو المذهب.
وما حكي عن القديم: يلزمه جميع الموصى به إذا لم يكن أكثر من ثلث نصيبه.
ففي الجديد وهو المذهب، وعلى ما حكي عن القديم: يتعلق نصف المقر به بثلث نصيبه.

وفي القديم: يتعلق كل المقر به بثلث نصيبه، مثل: إن كانت التركة ثلاثة آلاف، أخذ كل واحد ألفاً وخمسمائة، أقر أحدهما أنه أوصى لإنسان بخمسمائة: ففي الجديد: يلزمه مائتان وخمسون.
وفي القديم: يلزمه خمسمائة، وإن أقر أنه أوصى بألف، يلزمه خمسمائة، على القولين جميعاً.
وإن أقر أحدهما أنه أوصى لفلان بجزء شائع: فإن قال: أوصى له بثلث ماله، أو بربع ماله، وأنكر الآخر- يجب على المقر أن يدفع إليه ثلث حصته، أو ربع حصته.
فإن شهد أحد الاثنين، أن الأب أوصى له بثلث ماله، حلف معه الموصى له، وأخذ ثلث جميع التركة.
ولو أقر أحدهما أن الأب أوصى له بعين أشار إليها، وكذبه الآخر- نظر: إن كان قبل قسمة التركة، يسلم إلى المقر له حصة المقر من تلك العين، والباقي للمنكر، ثم للمقر له أن يدعي على المنكر، ويحلفه.
وإن كان بعد القسمة؛ نظر: إن كانت العين كلها في يد المقر، عليه تسليمها إلى المقر له ولا شيء له على الآخر، وإن كانت في يد المنكر، فعلى المقر نصف قيمة العين للمقر له.
ولو شهد أحدهما؛ بأن العين التي في يد أخي ملك لفلان، وحلف الموصى له معه- سلمت العين إليه، ورجع المشهود عليه على الذي شهد بنصف قيمتها؛ حتى يستويا في التركة.
باب الشهادة على الشهادة يجوز الشهادة على الشهادة في غير العقوبات؛ لأن الحق يثبت تارة بالإقرار، وتارة بالشهادة، ثم الشهادة على الإقرار مقبولة، وكذلك على الشهادة؛ وسواء فيه الحقوق المالية وغير المالية؛ كالنكاح وغيره وسواء فيه حقوق الله- تعالى- كالزكوات، ووقف المسجد، أو حقوق العباد.

أما العقوبات: فإن كانت من حدود الله- تعالى- كحد الزنا، والشرب، وقطع السرقة، وحد قاطع الطريق- هل تثبت بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان: أحدهما: تثبت؛ لأن ما يثبت بالشهادة يثبت بالشهادة على الشهادة؛ كالأموال.
والثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: لا يثبت؛ لأن الشهادة على الشهادة لتأكيد الوثيقة؛ ليتوصل بها إلى إثبات الحق، والعقوبات يحتاط لدرئها، وإسقاطها.
وإن كانت من حقوق العباد؛ كالقصاص وحد القذف- فالمذهب: أنه يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق والشدة.
وخرج [ابن الحداد] قولاً من حدود الله- تعالى- أنه لا يثبت؛ لأنه مما يندرئ بالشبهة، وما يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي، وما لا يثبت بالشهادة على الشهادة لا يثبت بكتاب القاضي، لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي؛ كما يتحمل شاهد الفرع من شاهد الأصل، وإنما تقبل شهادة شهود الفرع عند تعذر الوصول إلى شهود الأصل بموت، أو مرض، أو غيبة إلى مسافة القصر.

فإن كان شاهد الأصل على مسافة دون مسافة القصر- نظر: إن كان على مسافة لو خرج بكرة وأدى الشهادة يمكنه أن يرجع إلى أهله بالليل؛ فلا تقبل شهادة شهود الفرع.
وإن كان لا يمكنه أن يرجع إلى أهله بالليل، فعلى وجهين: ولا يصح تحمل الشهادة على الشهادة؛ حتى يشهد شاهد الأصل عنده، ويشهد على شهادته ويسترعيه فيقول: اشهد على شهادتي؛ فلو سمع رجلاً يقول: لفلان على [فلان] كذا، لا يجوز أن يشهد على قوله؛ لأنه قد يقول ذلك عن عدة وعدها لفلان؛ خلاف ما لو سمع رجلاً يقر على نفسه، فيقول: لفلان على كذا، يجوز أن يشهد على إقراره؛ لأن المقر يوجب الحق على نفسه، فالظاهر أنه لا يقر على نفسه إلا عن صدق.
وقد يحكي عن الغير لا عن يقين، ولأن الشهادة آكد من الإقرار؛ لأنه يعتبر فيها العدالة، ولا يشترط في الإقرار العدالة؛ فيجب أن يقول شاهد الأصل: أشهد أن لفلان على فلان كذا، ويبين سببه فيقول: له على فلان ألف درهم من قرض، أو بدل إتلاف، أو ثمن متاع، فاشهد أنت على شهادتي، أو اشهد بما شهدت؛ حتى لو لم يقل: فاشهد أنت به، لا يجوز أن يشهد.
ولو قال: اشهد به، ولم يقل: على شهادتي، أو بما شهدت به- لا يجوز أن يشهد؛ لأنه ما لم يسترعه لا يتحقق الوجوب.
فلو أشهد على شهادته رجلاً على هذا الشرط؛ فسمعه رجل، جاز أن يشهد على شهادته؛ لأن الإشهاد إذا صح في حق واحد تحقق الوجوب؛ فجاز لكل من سمع أن يشهد.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز ما لم يشهده بعينه وكذلك عندنا: لو شهد رجل عند القاضي أن لفلان على فلان كذا، فسمعه [القاضي] وجماعة، لم يقض به؛ حتى عزل- جاز لتلك الجماعة أن يشهدوا على شهادته، وإن لم يقل لهم: اشهدوا على شهادتي.
وكذلك يجوز للقاضي أن يشهد عند قاض آخر، لأن وجوب الحق قد تحقق بأداء الشهادة عند القاضي.
وكذلك لو شهد عند المحكم؛ سواء جوزنا التحكيم، أو لم نجوز- فيجوز لمن سمع أن يشهد على شهادته.
وقال الإصطخري: عندي المحكم إنما يجوز على قول جواز التحكيم؛ فأما [على]

القول الآخر فلا يجوز.
وقال الشيخ القفال- رحمه الله-: إذا قال شاهد الأصل: أشهدتك على شهادتي أن فلاناً أقر لفلان بكذا، أو قال: اشهد على شهادتي؛ أن لفلان على فلان كذا- يكفي هذا القدر للتحمل.
وإذا أراد شاهد الفرع أداء الشهادة، أداها على الصفة التي تحمل، فإن أشهده شاهد الأصل، واسترعاه.
قال: اشهد أن فلاناً شهد أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته، وإن سمعه [شهد] عند الحاكم يقول: اشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا.
ويستحب للقاضي أن يسأل شاهد الفرع؛ بأي سبب ثبت هذا المال هل أخبرك به شاهد الأصل؟ ولو لم يسأل جاز.
ولا تقبل في الشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي وشهادة النساء.
وإن كان شاهد الأصل امرأة، وكانت شهادتها على مال أو رضاع؛ لأن شاهد الفرع يثبت بشهادة شاهد الأصل، وليس ذلك بمال، ولا المقصود منه المال؛ وهو مما يطلع عليه الرجال.
ويجوز تحمل الشهادة على الشهادة من الفاسق، والصبي، والعبد، والأخرس؛ كتحمل شهادة الأصل؛ ثم الأداء لا يصح إلا بعد البلوغ، والتوبة، والعتق، وزوال الخرس.
أما إذا كان الأصل يوم يشهدهم فاسقاً، أو صبياً، أو عبداً، أو كافراً- لا يصح التحمل؛ لأنهم ليسوا من أهل الشهادة بأن تقبل شهادتهم.
ولو كان عدلاً يوم التحمل؛ ففسق، أو ارتد أو صار عدواً.
نظر: إن أدى شاهد الفرع شهادته في حال فسق الأصل، أو ردته- لم يقبل، وإن أدى بعد توبته تقبل، وإن حدثت هذه المعاني بعد أداء الشهادة قبل القضاء، لا يقضي.
قال شيخنا الإمام- رحمه الله-: وإن أدى في حال جنون الأصل، أو بعد ما عمي تقبل، كما لو أدى بعد موت الأصل؛ وكما يجوز القضاء بعد جنون الشهود.
ولو شهد شهود الفرع ي حال غيبة شهود الأصل، ثم حضر شهود الأصل؛ فإن كان بعد القضاء لا ينقض، وإن كان قبل القضاء لا يقضي إلا بشهادة شاهد الأصل؛ لأن شهادة

شاهد الفرع بدل له لا حكم له بعد وجود الأصل؛ كالمتيمم يجد الماء قبل الشروع في الصلاة، لا يجوز أن يصلي بالتيمم.
وكذلك لو كذب شهود الأصل شهود الفرع، أو رجع بعد القضاء- لا تنقض، وإن كان قبل القضاء لا يقضي؛ ولا تقبل الشهادة على الشهادة؛ حتى يسمي شاهد الفرع شاهد الأصل بما يعرف به؛ لأن عدالته شرط، فإذا لم يعرف لم يعلم عدالته.
فإن قال شهود الفرع: تشهد على شهادة عدلين، ولم يسموهما، لم يحكم؛ لأنه يجوز أن يكونوا عدولاً عندهم غير عدول عند الحاكم.
ولا يحتاج شاهد الفرع في أداء الشهادة إلى تعديل شاهد الأصل، بل يطلق الشهادة، ثم القاضي يبحث عن عدالته.
وعند أبي حنيفة: يشترط أن يعدل شاهد الفرع شاهد الأصل.
وعندنا: لو عدله جاز، ولو كان شهود الفرع مزكين صح تعديلهم، ولا يحتاج إلى إعادة التعديل؛ على ظاهر المذهب؛ وإن لم يكونوا مزكين لا يعتبر تعديلهم، ويعاد.
فإن قيل: إذا شهد شاهدان على حكم، وكان أحدهما مزكياً فزكى الآخر قلتم: لا يجوز، وهاهنا جوزتم تعديل شاهد الفرع شاهد الأصل؟ قلنا: قد قيل: فيهما وجهان، والصحيح هو الفرع بينهما؛ وذلك أن أحد الشاهدين قام بأحد شطري الشهادة؛ فيزكيه الشاهد الآخر قياماً بالشطر الثاني؛ فلم يجز؛ ولذلك لا يجوز إلا أنيكون على شهادة كل أصل شاهدان آخران.
أما تزكية شاهد الفرع شاهد الأصل من تتمة شهادته؛ حتى قال بعض أصحابنا: لا تقبل شهادة شاهد الفرع؛ حتى يزكي شاهد الأصل في شهادته.
فصل في عدد شهود الفرع العدد شرط في شهود الفرع؛ فإن كان شهود الأصل اثنين، وشهد على شهادة كل واحد منهما رجلان عدلان سوى من شهد على الآخر- جاز.
وإن شهد واح على شهادة أحدهما، وشهد آخر على شهادة الآخر، لم تثبت؛ لأنه لم يشهد على شهادة كل واحد إلا واحد.
وإن شهد عدلان على شهادة أحدهما، ثم هما شهدا على شهادة الآخر- ففيه قولان: أصحهما- وهو اختيار المزني، وقوله الجديد-: لا يجوز؛ حتى يشهد على شهادة كل أصلي شادان آخران؛ لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين كانا كشاهد واحد، يثبت بشهادته أحد الشطرين، فلا يثبت به شيء من الشطر الآخر؛ كمن شهد على شيء، ثم أعاد

الشهادة، لا تجعل كما لو شهد اثنان.
وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يجوز؛ لأ، هـ إثبات قول اثنين، فيجوز بشاهدين؛ مكا لو شهد على إقرار رجلين.
والأول أصح؛ لأنه يشترط أن يكون على شهادة كل واحد شاهدان؛ فعلى هذا: لو شهد أربعة على شهادة أحدهما، ثم هؤلاء الأربعة شهدوا على شهادة الآخر- هل يثبت؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت؛ لأنه وجد بعدد كل أصلي رجلان.
والثاني: لا يثبت؛ لأن جميع هؤلاء الأربعة قاموا بأحد شطري الشهادة؛ فلا يثبت بهم الشطر الثاني.
ولو أقام شاهدين على شهادة شاهدين، وقلنا: لا تثبت، فله أن يحسب عن أيهما شاء؛ فيكون كما لو أقام شاهداً، وحلف معه؛ فيثبت المال.
ولو كان شهود الأصل رجل وامرأتان، فلا تثبت شهاتهم إلا بستة على شهادة كل واحد منهم عدلان؛ على القول الأصح.
والثاني: يكتفي باثنين على شهادة الكل.
وإإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الولادة، والرضاع- فعلى القول الجديد: لا يثبت إلا بشهادة ثمانية، يشهد كل اثنين على شهادة واحدة منهن.
وعلى القول الآخر: يثبت بشهادة عدلين، يشهدان على شهادة الكل.
أما الزنا: إذا قلنا: يجوز إثباته بالشهادة على الشهادة، فإن كان شهود الأصل أربعة، فلم يشترط عدد شهود الفرع؟ إن قلنا- بقوله القديم-: إنه يقبل على شهادة الألين شاهدين- فهذا يبنى على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين؟ وفيه قولان.
ووجه الشبه بينهما: أن هذه شهادة على قول يثبت به الزنا، ليست على فعل الزنا.
فإن قلنا: يثبت الإقرار بشهادة رجلين، فهاهنا يكتفي برجلين يشهدان على شهادة الكل.
وإن قلنا: لا يثبت الإقرار بالزنا إلا بأربعة، فهاهنا لا يكتفي إلا بأربعة يشهدون على شهادة الكل.
وإن قلنا بقوله الجديد: إنه يشترط على شهادة كل أصل شاهدان- فهذا يبنى على ما ذكرنا.
إن قلنا: يثبت الإقرار بالزنا بشهادة رجلين، فيشترط هاهنا ثمانية رجال على شهادة كل أصلي شاهدان.

وإن قلنا: لا يثبت الإقرار بالزنا إلا بأربعة، فيشترط ستة عشر رجلاً على شهادة كل أصلي أربعة.
ولو شهد أحد الأصلين، ثم جاء هو مع فرعين، وشهدا على شهادة الأصلي الآخر- لا يثبت بالاتفاق، ويجوز لشهود الفرع أن يشهدوا على شهادتهم، ولشهود فرع الفرع كذلك، وإن بعدوا وكل واحد يشهد غير من أشهده الآخرز ولا تثبت شهادة كل واحد من شهود فرع الفرع إلا برجلين؛ على القول الأصح؛ حتى لا يثبت الأصليان إلا بأربعة، ولا يثبت الأربعة الفرعيون إلا بمثمانية، ولا يثبت الثمانية إلا بستة عشر.
والله أعلم.
باب الشهادة على الحدود قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
لا يثبت الزنا إلا بأربعة من الشهود ذكور، ويجب أن يصفوا الزنا؛ فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة.
ولو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت؛ لأنهم ربما يرون المفاخذة، والاستمناء زناً، وإذا لم يفسروا عليهم حد القذف.
وإذا أقر على نفسه بالزنا، هل يشترط أن يفسر؛ حتى يقبل إقراره؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط؛ كالبينة.
والثاني: لا يشترط؛ كما لو قذف إنساناً يحد، ولا يطلب التفسير.
ويجب أن يتبينوا أنه زنى بامرأة أجنبية؛ لأنهم قد يرون إتيان البهيمة زنا، وقد يكون المفعول بها جارية مشتركة بينه وبين غيره، وجارية ابنه، ويجب أن يتفقوا على مكان واحد.
ولو شهدوا أنه زنى بها في بيت واحد وعين كل واحد زاوية في البيت غير ما عينها الآخر، لا يثبت الزنا على المشهود عليه؛ وهل يجب على الشهود حد القذف؟ فيه قولان.
[وكذلك إذا شهد أقل من أربعة، فهل عليهم حد القذف؟ فيه قولان:].

أصحهما- وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليهم الحد.
وكذلك لو شهد اثنان أنه زنى بـ"البصرة"، وآخران أنه زنا بـ"الكوفة"-لا يجب الحد على المشهود عليه؛ وهل يجب حد القذف على الشهود؟ فيه قولان: وعند أبي حنيفة هاهنا: لا يحد الشهود مع قوله: إن الشهود إذا انتقص عددهم يحدون.
وقال في شهود الزوايا: القياس أنهم قذفة يحدون، لكن استحسن؛ فأرجمهما.
قال الشافعي: وأي استحسان في سفك دم امرأين مسلمين.
فلو شهد ثلاثة بالزنا وفسروه، وشهد الرابع ولم يذكر الزنا، بل فسره بما لا يكون زنا؛ كقوله: رأيت نفساً يعلو وإستا [ينبو]- فلا حد على المشهود عليه، ولا يجب حد القذف على الرابع، وفي الثلاثة قولان: ولو شهد أربعة على الزنا، ثم فسره ثلاثة بالزنا، وفسره الرابع بما ليس بزنا- لا يجب الحد على المشهود عليه، ويجب حد القذف على الرابع قولاً واحداً، لأنه قذفه بالزنا؛ وهل يجب حد القذف على الثلاثة؟ فيه قولان: ولو شهد أربعة بالزنا، ومات واحد منهم قبل أن يفسر، وفسره الآخرون بالزنا- لا يجب الحد على المشهود عليه؛ لجواز أن يكون الرابع يفسر بما ليس بزنا، ولا يجب حد القذف على الثلاثة؛ لجواز أن يكون الرابع يفسره بالزنا؛ فيسقط الحدان بالشبهة.
ومن أقر بين يدي الحاكم بما يوجب عقوبة لله تعالى، أو ادعى عليه العقوبة- يجوز للحاكم أن يعرض له بالرجوع، ويلقنه ما يوجب سقوط [العقوبة] فيقول في الزنا: لعلك فاخذت أو لمست؛ فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لماعز: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت"، ويقول في شرب الخمر: لعل ما شربته لم يكن مسكراً، أو لعلك لم تعلم كونه مسكراً.
وفي السرقة يقول: لعلك غصبت، أو أخذت من غير حرز أو أخذت بإذن المالك؛ كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم- للسارق: "لا إخالك سرقت".
فإن قيل: إذا ثبت هذا التعريض بالحديث، فهلا قلتم: إنه يستحب؟ وقال الشافعي- رحمه الله-: لا بأس به.
فجعله مباحاً.
قلنا: بل هو مباح، والإمام فيه مخير؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد فعله، وتركه كان أكثر،

ولو كان مستحباً ما تركه.
وقيل: يستحب، وجعله مباحاً؛ لأن كل مستحب مباح.
وأما في حقوق العباد: فلا يجوز أن يلقنه ما يسقط، سواء كان مالاً، أو عقوبة؛ مثل: القصاص، وحد القذف، وفي السرقة لا يعرض له بما يسقط المال، إنما يلقنه ما يسقط القطع، لأن حقوق الله مبناها على المساهلة، ولذلك يستحب فيه الستر، وفي حقوق العباد يجب الإظهار.
قال النبي- صلى الله عليه وسلم- لرجل من أسلم يقال له: هزال: "يا هزال لو سترته بردائك؛ لكان خيراً لك".
وهل يجوز للحاكم أن يعرض للشهود بالتوق في حدود الله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه يورث قدحاً في الشهود.
والثاني: يجوز، فإن عمر- رضي الله عنه- عرض لزياد في الشهادة على المغيرة، فقال: إني لأرجو ألا يفضح الله على لسانك أحداً من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- وكما يجوز أن يعرض للمقر بالتوقف.
فصل فيما يطرأ على الشهود بعد الشهادة إذا شهد الشهود على إنسان بحق من: حد أو غيره، ثم مات الشهود قبل القضاء- يجوز للقاضي أن يقضي بشهادتهم، وإن كان قبل التعديل يعدلهم بعد الموت؛ فإن عدلوا، حكم بشهادتهم.
وكذلك لو غاب الشهود، أو عموا، أو خرسوا، أو جنوا قبل القضاء- يجوز للقاضي أن يقضي بشهادتهم إذا ثبت عندهم عدالتهم حالة الشهادة، وإن كان التعديل بعد حدوث هذه المعاني.
أما إذا فسق الشهود بعد الشهادة قبل الحكم، أو ارتدوا، لا يجوز أن يحكم بشهادتهم؛ لأن الفسق يوقع ريبة في شهادتهم المتقدمة؛ من حيث إن الناس يستبطنون الفسق، فإذا ظهر ذلك الفسق، لا يؤمن أن ذلك فيهم حالة الشهادة، فلم يجز ذلك الحكم؛ بخلاف الموت، والعمى.

وكذلك لو قذف المشهود عليه الشاهدين بعد الشهادة قب الحكم لا تسقط شهادتهما، ويحكم بها؛ لأن العداوة أمر حدث بعد الشهادة؛ فلا يورث ريبة فيما مضى؛ لأن العداوة لا تستبطن؛ فلم تمنع الحكم.
أما إذا فسقوا بعد القضاء، أو ارتدوا، فلا ينقض القضاء؛ كما لو تغير- اجتهاد القاضي قبل الحكم لا يحكم، ولو تغير بعد القضاء لا ينقض.
وكذلك لو رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم، لا يجوز أن يحكم بشهادتهم، ولو رجعوا بعد الحكم والاستيفاء، لا ينقض الحكم.
ويأتي الكلام في الغرم.
وإن رجعوا بعد الحكم قبل الاستيفاء؛ نظر: إن كان حداً لله- تعالى- فلا يجوز الاستيفاء؛ لأنه يسقط بالشبهة رجوعهم عن الشهادة؛ فوقع شبهة فيه.
وإن كان مالاً أو عقداً، ففيه وجهان: أصحهما- وهو المنصوص-: أنه يستوفى؛ لأن الشبهة لا تؤثر فيه، وقد نفذ الحكم به؛ فلا يرد.
والثاني: لا يستوفي؛ لأن الرجوع حصل قبل استقرار الحكم.
وإن كان عقوبة للعباد؛ مثل: القصاص، وحد القذف: فمن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: لا يستوفي؛ لأنه يدرأ بالشبهة؛ كحدود الله تعالى.
والثاني: حكمه حكم المال؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق.
وقيل في النكاح: هل يسلم حكمه حكم القذف والقصاص، ولو فسق الشهود أو ارتدوا بعد الحكم قبل الاستيفاء، حكمه حكم الرجوع.
فصل في اختلاف الشهود لا تثبت السرقة إلا بشاهدين.
ويجب بيان قدر المال في الشهادة، ووصف الحرز وتسمية المسروق منه.
ويشترط اتفاق الشادين في الشهادة، فلو شهد أحد الشاهدين؛ أنه سرق من فلان كذا، ووصفه غدوة، وشهد الآخر؛ أنه سرق ذلك الشيء بعينه عشية- لا يثبت به القطع، ويحلف المدعي مع أحد الشاهدين، ويأخذ الغرم؛ لأن المال يثبت بشاهد ويمين.
أما إذا شهد الشاهدان أنه سرق ثوباً أو كبشاً؛ صفته كذا غدوة، وشهد آخر؛ أنه شهد ذلك الثوب، أو الكبش بعينه عشية- فقد تعارضت البينتان؛ فلا يحكم بواحد منهما؛ بخلاف

جارٍ التحميل