التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 3-43

إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70 - 71]. أما بعد: فيحسن بنا ونحن نقدم هذا الكتاب المبارك لهذه الأمة المرحومة أن تضع بين يديه مقدمة تجمع طرفاً من محاسن الشريعة يتمثل في العناوين الآتية: 1 - الحاجة إلى التشريع.
2 - أقسامه.
3 - مميزاته.
4 - المصلحة العامة في التشريع.
5 - منابع التشريع الإسلامي.
6 - تطور التشريع الإسلامي.
7 - اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
إلى غير ذلك مما نراه منشوراً بين يدي صفحات المقدمة.

الحاجة إلى الشريعة لعلنا لا نعدو الحقيقة، إذا قلنا: إن الشرائع أمر ضروري للبشرية جمعاء؛ لما جبلت عليه النفوس البشرية من التَّنَافس والتَّسَابق في أمور كثيرة، قد يؤدي التعارض فيها إلى كثير من الآلام والمصاعب.
إن النفس البشرية مبنية على إدراك اللذائذ ودفع الآلام، وقد تتعارض اللذائذ والآلام، فما فيه لَذَة قوم قد يكون فيه إيلام لغيرهم، ولو قام شخص ما ليحكم في استيفاء لذائذه وإزاحة آلامه، لاستأثر باللذائذ الأقوياء، وأدى ذلك إلى الاختلال وعدم التوازن بين مصالح الناس.
لذا وضعت الشرائع قوانين للمعاملات والجنايات؛ لكي تمكن الناس من استيفاء حقوقهم.
وليس كل ما فيه ألم يستحق أن يُدْفع، ولا كل ما فيه لذة يجب أن يُجْلَب؛ فقد يجد الشخص في المشقة سعادة ما ويلتذ بالراحة؛ كالمريذ تلذْ له بعض المطعومات، ولكنها تسوق إلى منيته، ويشمئز من بعض الأطعمة وفيها غنيمة شفائه.
يقول الحقُ تبارك وتعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]. فالمعتبر إذاً لواضع الشريعة إنما هو اللذة التي نطلق عليها اسم المنفعة أو المصلحة، والألم الذي نطلق عليه اسم المضرة أو المفسدة.
وتتفاوت هذه المنافع بحسب شدتها وضعفها، وطول بقائها وقصره، وبحسب ما تنتجه من نتائج.
والشريعة الإسْلاَمية العادلة هي مِيزَانُ المنافع والمضار، وهي التي تلاحظ ما يتفرع عنها من النتائج، ثم تفرض لها من الأحكام ما يطابقها ويلائمها.

أَقْسَامُ الشَّرائِعِ تنقسم الشرائع بصفة عامة إلى قسمين: سماوية، ووضعية، والشرائع السماوية هي ما نزل بها وحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشرائع الوضعية هي ما استقر عليه الأمر من التقاليد البشرية التي وضعها البشر من تلقاء عقولهم.
ومن الملاحظ أن أصول جميع الشرائع السماوية واحدة؛ فهي تدعو كلها إلى توحيد الله - تعالى - وإفراده - سبحانه - بالعبودية والطاعات؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وتدعو الشرائع السماوية جميعها إلى أصول عامة وقواعد أساسية، يقوم عليها نظام الحياةح كالعدل، والمساواة، والحرية الصحيحة؛ كما تنهى عن الظلم والعدوان.
وقد نسخ الله - تعالى - من تعاليم الشرائع السابقة "الجزئيات" التي اقتضتها الظروف وطبيعة المكلفين، وأبقى منها ما يبقى به نظام المجتمع الإنساني، مستقراً على الأصل الذي دعت إليه تلك الشرائع.
بينما تختلف الشرائع الوضعية باختلاف الأمم؛ فكل أمة أو دولة لها جنسيتها وقوانينها الخاصة التي تختلف عن قوانين ونظم الدول الأخرى؛ وبهذا يظهر الفرق واضحاً بين الشرائع السماوية والوضعية؛ فالشرائع السماوية- كالإسلامية مثلاً- ترى أن المسلمين جنسية واحدة وأمة منفردة، مهما تفرقوا في شعاب الأرض ونواحيها؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
المقارنة بين نوعي التشريع السماوي والوضعي 1 - من حيث العقل والنظر: لو تأملنا إلى حقيقة النفس البشرية، بما ركب فيها من النزعات النفسية والأهواء

البشرية والإرادات الشخصية، لوجدناها كلها تتجه تلقاء ما يحقق أطماعها ويساير أهواءها بدافع الحرص على اللذائذ، والاستئثار بها، وهم أمام هذه الإرادات والنزعات، لا يرى المرء ما يراه لغيره؛ لأن العقل البشري قاصر الإدراك مهما بَعُد مرماه.
والمشرع يجب ألا يكون لهذه الاعتبارات كلها أو لبعضها، بقية من أثر في نفسه، وليس للهوى سلطان عليه، عالماً بما تقتضيه روح التشريع، متنبئاً بما يمليه الغيب وما ستظهره الحقائق.
ومعلوم أنه ليس في البشر من تكون له هذه المزايا، وتتحقق عنده هذه الصفات؛ ليقود البشر ويشرع لهم ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة.
ومن هنا، نعلم أن التشريع الذي يصنعه العالم بهم والمطلع على ضمائرهم يكون أحفظ لمصالحهم، وأحكم نظاماً لهم.
2 - من حيث المُشَاهدة والواقع: يشهد الواقع - في كل زمان ومكان - بما جاءت به الشريعة الإسلامية، وبما اقتضته من حماية الإنسان من المفاسد والمضار التي تلحق بدينه، وعرضه، ونفسه، وماله، وكل ما يعكر صفوه وهناءه، وبالغت في الحفظ والحرص؛ حتى لقد يكون الشيء في نفسه خالياً من المفسدة.
وهذا ما يدل عليه معنى التشريع المحكم الذي لا يتطرق إليه الفساد أو التناقض من أي وجه، فهل توجد في الشريعة الوضعية مثل هذه الأحكام؟ إننا لو نظرنا في الجرائم المتعلقة بالعرض والنفس والمال، وإلى جزاءات هذه الجرائم في كل من الشرائع الوضعية والسماوية - لوجدنا اختلافاً وبوناً شاسعاً بينهما.
فها هي مواد قانون العقوبات الوضعية تبين لنا الجزاء الواجب إيقاعه على كل سارق أو غاصب بأية كيفية، وبأي نوع من أنواع الاختلاس والاغتصاب، وذلك إما بالأشغال الشاقة المؤبدة، أو المؤقتة، أو الحبس مع الشغل في الأعمال الشاقة، أو الغرامة.
كما تقع هذه الجزاءات نفسها - عدا الغرامة - على كل من هتك العرض، وأفسد الأخلاق.
ومن الملاحظ أن هذه الجزاءات لا تنفذ إلا إذا وقعت هذه الجرائم على وجه الإكراه.
وبالتأمل في هذه الأحكام- ومدى تأثيره في النفوس- نرى أنها كفاح مخفف ودواء، يحد من ثورة هذه الجرائم من بقاء أصل الداء في الجسم؛ لذا نرى السارق- وقد تلقى جزاءه الذي قرره له القانون الوضعي- يعود إلى السرقة مرة أخرى؛ وهكذا بقية الجرائم.
أما إذا قطعت يد السارق، أو أُخذ بالقود من القاتل- كما قررت الشريعة الإسلامية- لكان ذلك زاجراً لكل أفراد المجتمع.
إن الشريعة الإسلامية الغراء اعتبرت هؤلاء المجرمين من زناة، وسُرّاق، وقتلة عضواً أشل في المجتمع البشري، بل جرثومة فساد؛ فوضعت لهذه

الأمراض أنجع الوسائل لمكافحتها واتقاء شرها، وعدم انتشار ضررها، ولا يكون ذلك إلا باستئصال شأفتها، واجتثاث أصلها من جذوره.
ولقد فتحت القوانين الوضعية - بدعوى الحرية والمدنية - أبواب الشر والفجور، فالزنا وهو ما تمجُّه النفوس وتأباه الكرامات تبيحه الأنظمة الوضعية؛ كذلك الخمور وبقية الآفات.
مميزاتُ التَّشْريع الإسلامي يتميز التشريع الإسلامي بثلاث خصائص أساسية هي: 1 - رفع الحرج والمشقة: يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "بعثت بالحنيفية السمحة" وصح أنه - صلى الله عليه وسلم - ما خُير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً.
وإذا تتبعنا أحكام الإسلام، وجدنا أن جميع التكاليف روى فيها التخفيف واليسر على العباد، وقد استقرأ الفقهاء ذلك، فوجدوه على سبعة أنواع: 1 - إسقاط العبادة في حالة قيام العذر؛ كالحج عند عدم الأمن، والصوم عند العجز.
2 - النقص من المفروض؛ كالقصر في السفر.
3 - الإبدال؛ كإبدال التيمم عن الوضوء.
4 - التقديم؛ كالجمع بعرفات.
5 - التأخير؛ كالجمع بمزدلفة.
6 - التغيير؛ كتغيير نظام الصلاة في وقت الخوف.
7 - الترخيص؛ كأكل الميتة عند المخمصة، وشرب الخمر لإزالة الغُصَّة مقدّراً بقدرها.

2 - قِلَّةُ التَّكَالِيفِ: تمتاز الشريعة الإسلامية بقلة التكاليف؛ حيث سلكت طريقاً وسطاً لا مشقة فيه بكثرة التكاليف ولا إرهاق؛ ويؤيد هذا أن السلف كانوا يكرهون السؤال عن النوازل قبل حدوثها، وكانوا يكرهون الاستفتاء في المسائل المقدرة.
قال - صلى الله عليه وسلم - للأقرع بن حابس- حين سأل عن الحج أفي كل عام يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلت: نعم، لوجبت.
ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم".
وقال - صلى الله عليه وسلم: "إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء؛ رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها".
3 - التدرُّجُ في التَّشْرِيعِ: من حسن تدبير الشرع وحكمته، أنه أخذ الناس في تقرير أحكامه على مهل، وعرض لهم أوامره قضية بعد قضية، متدرجاً بهم بما يلائم طباعهم وعاداتهم.
لقد جاء الشرع الحنيف، والعرب يرزحون تحت وطأة شهواتهم التي تمكنت من نفوسهم، ووقعوا تحت تأثير غرائز كثيرة، لا يستطيعون الفكاك منها دفعة واحدة؛ فاقتضت الحكمة الإلهية ألاَّ يفاجَؤُوا بالأحكام جملة؛ فتثقل كواهلهم، وتنفر منها نفوسهم؛ فلذلك نزل القرآن منجماً، ووردت التكاليف متدرجة؛ لإعداد النفوس وتهيئتها لقبول كل هذه

التكاليف والأحكام.
ومن ذلك أمر تحريم الخمر التي تمكنت من نفوس العرب إلى حدٍ بعيد؛ الأمر الذي جعل الحكمة الإلهية تتدرج في تشريع الأحكام التي تحرمها، فقال سبحانه في أول الأمر: ﴿قُلْ: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. ثم تدرج خطوة أخرى حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43].
ثم صرح بالنهي: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
هل لا بُدّ لكل تَشْريعٍ من حِكْمَةٍ؟ نعم، لا بد لكل تشريع من حكمة، تُطمئن القلوب حنى تمتثله وتقبل عليه، وهذه الحكمة قد تكون واضحة ظاهرة؛ كقول الرسول - صلى الله عليه وسلم- في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" وقد تكون الحكمة خفية يعجز البشر عن إدراكها، ولس ذلك مبرراً لترك العمل بما خفي فيه موضع الحكمة، وقصر عنه إدراكه؛ فذلك تشريع الحكيم الخبير.
فوائد حكمة التشربع: 1 - الإرشاد إلى استنباط الأحكام التي تقتضيها مصالح الناس، فحيثما وجدت المصلحة، وُجِدَ حكم الله.
2 - الإثارة الى أن الشارع ينبغي له أن يبين لهم ما في تشريعه من مصالحهم، وجلب النفع لهم، ودفع الضرر عنهم.
يقول تعالى في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. وفي الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28].
وفي القتل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]. وفي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
ولما كان التشريع الإسلامي مبنياً على جلب المصالح ودفع المفاسد، فإنه لم يضع إلا قواعد عامة وأموراً كلية، يدور عليها نظام الحياة في كل زمان ومكان، تاركاً التفصيلات الجزئية المختلفة يستنبطها المجتهدون والعلماء في ظل القواعد الكلية المقررة.

كما أن المصالح والمفاسد تترتب على الأفعال ترتب المسببات العادية على أسبابها؛ مثل ترتب منافع الأدوية ومضارها عليها؛ فإنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فالعمل قد يكون مُنشئاً لمصلحة في حال أو زمان في حق أشخاص، فيستدعي الإقبال عليه، وقد ينتقل فعله إلى أن يتصل بمفسدة، فيستحق البعد عنه، ومن هنا، يجب أن يكون في نص القانون سعة ومرونة، بحيث يمكن تطبيقه على ما يجد من الحاجات والجزئيات؛ لأنه قانون عام، وضع للناس كافة في كل زمان ومكان.
المصلحةُ العامَّةُ في التَّشْرِيع الإسْلامِيّ لم يقف المجتهدون من الصحابة والتابعين عند ظواهر النصوص، بل استنبطوا منها أحكاماً تلائم حالة العصر، بحيث لا تخرج عن دائرة الشرع الحكيم، واعتبروا المصلحة العامة وفقاً للشرع الحنيف.
كما أن الصحابة عملوا أموراً لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار؛ ككتابة المصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر وتدوين الدواوين... إلخ مما لم يتقدم له أمر أو نظر، وإنما فعل لمطلق المصلحة.
هَلِ العُرْفُ قَانُونٌ شَرْعيٌّ مُطَاعٌ؟ من الأحكام التشريعية ما بينه الشارع على رعاية أحوال تتغير وعوائد تتجدد، وهذا النوع من الأحكام هو ما يعبر عنه بما يحتمل التفيير والتبديل ولا يلزم طرده في كل عصر، ولا إجراؤه في كل مكان بل يجري العمل فيه على ما يقتضيه العرف السائد بين الناس، ما دام الدين لا يحرم ذلك.
يقول عمر بن العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" وعلى ذلك فالعادة قانون شرعي مطاع؛ لما لها في الشريعة الإسلامية بمقتضى المصلحة من هذا الأثر البيِّن، كذلك نرى لها هذا الأثر الفعال في بعض الشرائع الوضعية.
التَّشْرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ لقد استمد العرب تشريعاتهم من العرف والعادات الجارية فيهم، وآراء حكامهم في النوازل التي كانت تعرض لهم.
وإذا قرأنا تاريخ العرب وتاريخ حكامهم المشهورين، وجدنا هذه الأمثلة الواضحة لكثير من الحكام؛ مثل قصي بن عبد مناف، وعبد المطلب بن هاشم، وغيرهما من الذين

أدلوا بآرائهم في كثير من المشكلات، وكان يدفعهم إلى وجه الصواب من الخصومات ما غرس في طباع الناس من حب العدل والميل إليه، بالإضافة إلى ما اقتبسوه من النصرانية واليهودية آنذاك.
ومما ينكر أن العرب كانوا على جانب عظيم من الفوضى والاضطراب، حتى جاء الإسلام بنوره ومهّد لإقامة الوحدة القومية، فانهدم سلطان العادات، وقام الدين ينظم العلاقات البشرية، ويكمل ما قصرت العادات دونه، ويفي بحاجات المدينة الناشئة المتجددة؛ لذلك كان العهد الذي ظهر فيه الإسلام عهد انقلاب للحياة العربية الأخلاقية والاجتماعية، وعهد إصلاح للتقاليد والقوانين، فأبطل وأد البنات، وحرّم الربا، وبيع الغرر، وحرم زواج المقت والمتعة وطلاق الظهار... إلخ.
وامتدت حركة الإصلاح؛ لتضع للمجتمع الجديد الحدود والجزاءات للجرائم الخطيرة الني تهدد المجتمع بالفناء؛ كالزنا، والسرقة والقتل... إلخ.
وقد أقر الإسلام بعض التقاليد الجاهلية التي لا تتعارض معه؛ كإقرار نظام القسامة، وميراث الولاء؛ كذلك إكرام الضيف، ونصر المظلوم وصلة الرحم.
منابعُ التَّشْرِيع الإِسْلاَمِيّ رسمت الشريعة الإسلامية لبعض أحكامها العملية بالدلائل الصريحة، ورسمت لبقيتها مناهج يهتدي بها المجتهد، وينحصر ما يتمسك به المستدل للحكم في نوعين: 1 - ما يدل بنفسه، وهو القرآن الكريم، والحديث الشريف، والقياس.
2 - ما يتضمنه الدليل ويستلزمه، وهو الإجماع.
وإنما كان كذلك؛ لأنه لا ينعقد على حكم حادثة إلا إذا قام له دليل ثابت ومستند صحيح.
قال في "كشف الأسرار" للبزدوي: "اعلم أن أصول الشرائع ثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والأصل الرابع: القياس بمعنى الاستنباط من هذ 5 الأصول".
سبب انحصار المصادر على هذ 5 الأربعة: إن الحكم إما أن يثبت بالوحي، أو بغيره، والأوّل إما أن يكون متلواً وهو الذي تعلق بنظمه الإعجاز، وجواز الصلاة، وحرمة القراءة على الحائض والجنب، أو لم يكن، والأول هو الكتاب، والثاني هو السُّنة، وإن ثبت بغيره فهو إما أن يثبت بالرأي الصحيح أو بغيره، والأول إن كان رأى الجمع فهو الإجماع، وإن لم يكن فهو القياس، والثاني الاستدلالات الفاسدة.

الأدلَّةُ على هذه المَصَادِرِ الأَرْبَعَةِ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وقد اختلفت آراء المفسرين في المراد بأولي الأمر في الآية؛ فذهب بعضهم إلى أنهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية، وذهب بعضهم إلى أنهم الخلفاء الراشدون، وذهب البعض الآخر إلى أنهم أمراء السرايا.
ولا شك أن المراد بطاعة الله العمل بما جاء في كتابه، وبطاعة الرسول العمل بما صح عنه من الأخبار والآثار.
أما وجه الاستدلال بالآية على حجية الإجماع، فهو - كما يرى الفخر الرازي - أن المراد من "أولي الأمر" "أهل الحل والعقدة" فالله - تعالى - ذكر ثلاثة طاعتهم واجبة، وهم: الله، ورسوله، وأولو الأمر، والله ورسوله مقطوع بعصمتهما؛ فوجب أن يكون أولو الأمر كذلك.
أما وجه الاستدلال بالآية على حجية القياس، فقوله فيها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
حيث نرى أن موضع الآية الثانية غير موضع الآية الأولى؛ إذ لو كان الموضع واحدا، وهو السائل المنصوص على حكمها في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع - كما يفهم من الآية الأخيرة لكان قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ....﴾ تكراراً محضاً؛ إذ يؤول الكلام إلى: أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا الله... إلخ.
وذلك لغو ينزه القرآن عن مثله.
وحيث اختلف الموضوع، فكان محل الآية الأولى الأحكام المنصوص عليها، ويكون محل الثانية الأحكام الغير منصوص عليها أو على حكمها، وهذه يمكن تعرُّفها من النصوص الشرعية بعد معرفة العلة التي يناط بها الحكم في محل النص، وبعد معرفة تحققها في الحادثة التي لم ينص عليها، فكأن الله - تعالى - يقول: فإن تنازعتم في شيء، لا تجدون له نصًا - فردوه إلى المنصوص في الكتاب أو السنة، بإعطائه حكمه بعد الاشتراك في المناط المعتبر.
وبذلك تكون الآية قد دلت على حُجية الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس.
وأما مأخذ هذه الأصول من السُّنة، فالأمر ظاهر بالنسبة للكتاب الكريم الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وكان ذلك دليلاً على حُجية السُّنة من وجه آخر.

وأما الإجماع فسنده قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وأما القياس، فدليله من السنة حديث معاذ بن جبل، حينما بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، وقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " فقال له معاذ: أقضي بكتاب الله.
قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ ". قال معاذ: أقضي بسنة نبي الله.
قال: "فإن لم تجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله؟ ". قال معاذ: أجتهد رأيي ولا آلوا، فضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله".
وإذا دققنا النظر، وجدنا أن الأصل في هذه الأحكام كلها واحد، وهو قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40].
ومن هذه الأحكام، ما وصلنا بين دفتي المصحف، ومنه ما وصل على لسان رسول الله، ومنها مما لم يكن قرآناً ولا سنة، ولكنه مستنبط من ذلك وهو القياس، أو مستند إلى أحدها وهو الإجماع.
وهناك أدلة أخرى أخذ بها البعض، وتركها البعض الآخر؛ مثل: الاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة... إلخ.
والكلام فيها مبسوط في كتب علماء الأصول.
بَعْضُ الدَّعَاوَى المُفْتَرَاةِ يدعي بعض الباحثين في الشرائع والقوانين الذين هبطت عقولهم دون مستوى العقول - أن الشريعة الإسلامية أخذت بعض أصولها من الشرائع والقوانين الرومانية، ويستدلون على هذا الزعم الباطل باتحاد بعض القواعد والأصول في القانونين "الإسلامي والروماني" وبأن بلاد الشام كانت تابعة للدولة الرومانية قبل ظهور الإسلام، وقد كان القانون الروماني يحكمها، فهيأ ذلك لأولي الأمر من المسلمين أن يقتبسوا بعضاً من أصول هذا القانون.
وللرد على هذه الدعوى نقول:

1 - لقد جمعت الشريعة الإسلامية بنظمها وقوانينها في مدة قصيرة، ولم ينتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الدار الآخرة حتى كانت أصولها تامّة، ولم يمض على الأمة قرن ونصف حتى ألفت تآليف هامة في فروعها وبسط أحكامها، وهذا ما لم يكن للأمم قبلنا، مع العلم أن النظم الرومانية لم تنضج إلا على عهد القيصر "جوستنيان" عام 565، أي بعد مضي ثلاثة عشر قرناً من حياة الرومان؛ وذلك يدل دلالة قاطعة على مكانة الشريعة الإسلامية وأنها بوحي سماوي.
2 - من الناحية التاريخية يتضح لنا أنه لم يكن ثَمَّ اتصال بين العرب في شبه الجزيرة العربية، وبين أهل تلك البلاد "الشام" إلا في أحوال قليلة جداً، كالتجارة مثلاً، فلا يعقل أن يكون المسلمون قبل اتساع فتوحاتهم قد أخذوا من فقه هؤلاء الرومان، على أن هذه القاعدة قد تقررت في الدين الإسلامي قبل أن تمتد الفتوحات الإسلامية إلى الشام، ويتهيأ للمسلمين أن يطلعوا على النظم الرومانية.
3 - الاتفاق في بعض الأحكام واتحاد بعض النصوص في كلا القانونين لا ينهض دليلاً للحكم بأن القانون الإسلامي اقتبس من الروماني، فالعقل كثيراً ما يهتدي إلى أحكام تتفق مع ما ينزل من السماء من شريعة وقانون، فمثلاً قد اهتدى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أحكام في بعض ما عرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - من حوادث، وقد نزل القرآن موافقاً لما حكم به ابن الخطاب، فهل يقال - من أجل هذا التوافق -: إن الإسلام قلد عمر في رأيه؟ أقْسَامُ المَشْرُوعَاتِ الإِسْلاَمِيّة يلاحظ الناظر إلى المشروعات الإسلامية أنها تنقسم إلى قسمين: 1 - أحكام أصلية، وبكون المقصود منها الاعتقاد.
2 - أحكام فرعية، ويكون المقصود منها العمل.
ومعلوم أن الأحكام الاعتقادية متعلقة بذات الله - تعالى - وأسمائه وصفاته، وبالرسل، والكتب، واليوم الآخر؛ وهذا ما يطلق عليه "علم التوحيد".
والأحكام العملية هي ما تتعلق بأفعال المكلفين، من وجوب، وحرمة، وندب، وكراهة... إلخ.
والأحكام الأصلية ثلاثة أقسام: 1 - ما لا يمكن إثباته إلا بالدليل العقلي القاطع كوجود الله تعالى، وصدق الرسل في دعوى الرسالة؛ لأنه لا طريق إلى إثبات ذلك بالدليل النقلي وحده، ولا يؤثر ذلك في كونه

شرعياً؛ لأن الشارع أرشد إلى النظر والاستدلال في كثير من نصوصه.
2 - ما لا سبيل إلى إثباته إلا بالنقل؛ وذلك كالأحكام المتعلقة بتفاصيل الدار الآخرة.
3 - ما يثبت بكل من الدليلين النقلي والعقلي؛ كالحكم بأن الله عالم مريد، وبأن الأنبياء تجوز عليهم الأعراض البشرية.
تطوُّر التَّشْرِيع الإسْلاَمِيّ وسوف نتكلم في ذلك عن عهدين متمايزين: 1 - العهد الأول: عهد التأسيس، وهو زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بعثته إلى موته.
2 - العهد الثاني: من بعد موته - صلى الله عليه وسلم - إلى وقتنا هذا.
1 - التَّشْرِيعُ في عَهْدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: يلاحظ الناظر لنصوص الشرع في العهد المكي، أنها لا تكاد تتعرض لشيء من التشريع؛ وإنما كانت تدعو إلى أصول الدين وقواعده؛ فالإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر، والأمر بمكارم الأخلاق وتجنب مساويها.
وما نزل بمكة من الآيات التي تشتمل على تشريع، لم يكن الغرض منه إلا حماية العقيدة.
أما المرحلة الثانية للتشريع في عهد الرسول، فكان بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة؛ حيث انتظم التشريع جميع أمور الدولة ونواحيها، ونظمها.
وفي هذا العهد كان التشريع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- وحده مستقلاً به، وما كان لأحد من المسلمين أن يشترك معه في سلطة التشريع، وكان المسلمون إذا عرض لهم حادث أو شجر بينهم خلاف، وأرادوا معرفة حكم الإسلام - رجعوا إلى الرسول، ليعرفوا ما أرادوا.
اجتهاد الرسُول صلى الله عليه وسلم قد اجتهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في وقائع عدة، وأقر الاجتهاد كمصدر للشريعة الإسلامية.
وقال العلماء: إن ما فيه نص إلهي، لا يجوز للنبي أن يجتهد فيه؛ لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الأنعام: 106]. أما ما لا نص فيه، فيجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبداً بالاجتهاد فيه؛ لأن له سلطة التشريع عن الله تعالى باعتباره مبلغاً معصوماً.

والظاهر من استقراء كلام أهل العلم، جواز الخطأ عليه - صلى الله عليه وسلم - في اجتهاده؛ لأنه لو لم يكن احتمال الخطأ في اجتهاده، لكان مثل الوحي في عدم احتماله.
جوانبُ من اجْتِهَادِهِ صلى الله عليه وسلم 1 - في الأحكام الدينية: قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ لما سقت الهدى"، ويريد النبي به ما ظهر عنده من المشقة عليه ومن تبعه في سوقه الملزم دوام الإحرام إلى قضاء مناسك الحج لما سقته، بل كنت أحرمت بالعمرة ثم أحللت بعد أدائها، كما هو دأب المتمتع؛ فثبت بذلك اجتهاده في الأحكام الدينية.
2 - في الحروب: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] عاتبه الله على إذنه للمنافقين بالتخلف عن غزوة "تبوك".
3 - في الأمور الدينية: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ....﴾ [الأنفال: 68] عاتبه على أخذه برأي أبي بكر الصديق في أخذه الفداء من أسارى بدر، وتركه رأي عمر في التقتيل، وكانت المصلحة الإسلامية تقتضيه.
4 - في المصلحة العامة: لما قال - صلى الله عليه وسلم- في مكة: "لا يُخْتَلَى خلاها ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" قال له العباس - رضي الله عنه: "إلا الإذْخر - يا رسول الله - لبيوتنا وقبورنا" فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إلا الإذخر".
وهذا منه - صلى الله عليه وسلم- استثناء باجتهاده؛ إجابة للعباس؛ للمصلحة العامة.
اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ في عَصْرِهِ صلى الله عليه وسلم تروي لنا الآثار وقوع الاجتهاد من الصحابة - رضوان الله عليهم - وقد أقرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم- على ذلك وسُرّ بهذا.
وقد مَرَّ بنا إقرار الرسول لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى "اليمن" ويروى أيضاً أن صحابيين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء

فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر، فصوبهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال للذي لم يُعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين".
ولقد كان اجتهاد الصحابة في الحالات التي تعذر الرجوع فيها إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- واستفتاؤه في الأمر؛ وعلى هذا فلا يظن أن الاجتهاد مصدر ثالث للشريعة في عهده - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن اجتهاد النبي مرجعه الوحي، فإن كان صواباً أقر عليه، وإن كان خطأ نبه إلى وجه الخطأ فيه.
وعلى هذا، لا يصح -نظرياً- اعتبار الاجتهاد في عصره- صلى الله عليه وسلم- مصدراً مستقلاً للشريعة؛ إذ كان مرجعه إلى السنة.
القرآنُ الكريمُ مَصْدَرُ التَّشْرِيعِ الأَوَّلُ عرف العلماء القرآن الكريم بأنه اللفظ العربي المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - المنقول بالتواتر، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
وهو أيضاً حبل الله المتين من تمسك به نجا، ومن حاد عنه ضل؛ يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 157]. يقول الإمام المازني: "القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الأحكام، ومفزع أهل الملة ووزرهم، وآية رسولهم، ودليل صدق نبيهم".
ومعظم آيات القرآن تتعلق بالتوحيد، والأدلة الدالة عليه، ورد عقائد المضللين والملحدين، وإثبات الثواب والمعاد، ووصف يوم القيامة وأهواله، وما أعده للطائعين وللعاصين، وتضمن أيضاً أخبار الأمم الماضية والتنكير، وذكر أسماء الله وآلائه وبيان صفاته.
وتعلقت بقية الآيات بالأحكام الفقهية وهي قليلة بالنسبة للأغراض السابقة.
كيفيَّةُ نُزُولِ القُرْآنِ الكَرِيمِ يقول تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 106].

معنى هذا، أن القرآن الكريم لم ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة، بل كان ينزل بحسب الوقائع والمناسبات، أو جواباً لأسئلة واستفتاءات.
مثال على الحالة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: 221] حيث نزلت في شأن "مرثد الغنوي" وقد بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى "مكة" ليحمل من المستضعفين من المسلمين، فعرضت امرأة مشركة أن يبيت عندها، وكانت ذات جمال ومال، فأعرض عنها خوفاً من الله، ثم أرادت أن يتزوجها، فقبل على شرط أن يرجع بالأمر إلى النبي، فلما رجع إليه سأله أن يأذن له في التزوج بها فنزلت الآية.
مثال على الحالة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: 220]. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 215]. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. وتلك الوقائع والاستفتاءات التي كان ينزل بحسبها القرآن هي ما يعرف بأسباب النزول، وللعلم بها أهمية كبرى في تفسير القرآن الكريم، ولتكون هذه الأسئلة والوقائع قرائن معنوية، يستعان بها على أن يفهم القرآن حق الفهم، وأن تعرف أسراره ولطائفه ومراميه أحسن معرفة.
وقد أفرد العلماء لأسباب النزول كتباً ومصنفات كثيرة، كـ"أسباب النزول" للواحدي النيسابوري.
ما حِكْمَةُ نُزُولِ القُرْآن مُنَجَّماً؟ قلنا فيما سبق: إن القرآن نزل منجماً حسب الوقائع والمناسبات، وما زال كذلك حتى كملت الشريعة بتمام نزول القرآن، وقد ذكر العلماء الحكمة في نزوله منجماً فيما يلي: 1 - ليقوي به قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم- فيعيه ويحفظه؛ يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32].
2 - اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون في القرآن ما هو ناسخ، وما هو منسوخ، وهذا لا يتأتى إلا فيما ينزل مفرقاً.

3 - في نزول القرآن منجماً رحمة بالعبادة؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام في إباحية مطلقة وحرية لا حدود لها، فلو نزل عليهم القرآن دفعة واحدة لثقلت عليهم التكاليف، ونفرت قلوبهم عن اتباع الحق والإذعان له.
أخرج البخاري عن السيدة عائشة أنها قالت: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء لا تشربوا الخمر، لقوال: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا".
الآيَاتُ المكّيَّةُ والمَدَنِيَّةُ يقال للآيات التي نزلت بمكة: آيات مكية، وما نزل بالمدينة يقال لها: مدنية.
واختلف العلماء في ذلك؛ فيرى البعض منهم أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، معنى هذا أن ما نزل في الأسفار لا يطلق عليه مكّي ولا مَدَنيّ، فهو قسم مستقل.
ويرى بعضهم أن المكي ما كان خطاباً لأهل مكة، والمدني ما كان خطاباً لأهل المدينة.
ويرى البعض الآخر - وهو أشهر المذاهب- أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها ولو في "مكة".
مميزات كل منهما: 1 - يرجع معظم الآيات المكية إلى توحيد الله، وإقامة البراهين على وجوده، وهدم افتراءات الملحدين؛ بينما تعرضت الآيات المدنية للأحكام الفقهية والفرائض والحدود.
2 - الآيات المكية غالباً قصيرة؛ ليتمكن الرسول والمؤمنون من حفظها؛ بخلاف المدني.
3 - كانت صيغة الخطاب المكي تارة تكون بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وتارة تكون بـ ﴿يَا بَنِي آَدَمَ﴾، أما الخطاب المدني فيغلب عليه أن يكون بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، ولم يرد في الخطاب المدني بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلا في سبع آيات معلومة.
4 - كل سورة فيها سجدة فهي مكية إلا الحج؛ فالراجح أنها مدنية.

5 - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية، إلا "العنكبوت"؛ لأنهم لم يكونوا بمكة غالباً.
اسْتِنْبَاطُ الفُقَهَاء للأحْكَام من القُرْآنِ الكَرِيمِ تنحصر أحكام الشريعة الإسلامية في خمسة أنواع: الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والجواز، وهو ما اصطلح أئمة الفقه والأصول عليه.
ولا يخفى على كل بصير أن القرآن جاء في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة والإعجاز، وأن الله ساقه على سبيل الإنذار والبشارة؛ ليكون مؤثراً في النفس البشرية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر وطبيعته التي تمل من تكرار عبارة واحدة.
فلو جاءت الأحكام الإسلامية على سبيل: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام... إلخ.
لم تكن هناك الفصاحة المؤثرة.
وفي الواقع، نجد القرآن الكريم يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها كالحرمة والحل؛ كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
وتارة يعبر في الوجوب بمادة "فرض": ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: 50].
أو يعبر عنه بـ"قضى"؛ مثل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23].
أو يعبر عنه بـ"كتب"؛ مثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]. ويعبر القرآن بـ"ينهى" عن حرَّم ويعبر عنه بـ"لا يحل"؛ مثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19].
ويعبر عن الوجوب بـ"على"؛ مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97].
ومن الصيغ المفيدة للوجوب ظاهراً وصفه بأنه بر؛ مثل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 189] أو وصفه بالخير؛ مثل: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220]. ومن الصيغ الدالة على التحريم "لا تفعل"؛ مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 34].
ومن ذلك فعل الأمر الدال على طلب الكف؛ نحو: ﴿ذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120].

ومن ذلك ذكر الفعل متوعداً عليه، إما بالإثم، أو بالفسق؛ مثل: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68] وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3].
وما ذكرناه سابقاً، إنما هو أمثلة فقط لهذه الأحكام الخمسة.
وبالجملة، فإن الأحكام الخمسة السابقة لم ينص في الكتاب والسنة عليها.
كما هي في كتب الفقه بهذه الألفاظ المعروفة في كل مسألة مسألة؛ وإنما وردت في الكتاب والسنة تلك الصيغ الدالة على السخط، أو الرضا، أو عدمهما، منطوقاً أو مفهوماً، ثم إن الصحابة ومن بعدهم من العلماء أدركوا بحسب القرآن ما دلهم على تلك الأحكام، فاصطلحوا عليها ورأوا أن الأوامر والنواهي لا تخرج عنها، فبذلوا وسعهم في الاستنباط بحسب القرآن وموارد كلام العرب وكتاباتهم.
وقُوعُ النَّسْخِ فِي القُرْآنِ وقع النسخ في الكتاب والسُّنة على السواء، وهو جائز عقلاً بلا خلاف.
وحكمة النسخ أن شرع الأحكام كثيراً ما يكون لمقتضيات وقتية، فإذا تغيرت هذه المقتضيات اقتضى ذلك تغير الحكم؛ رحمة من الحق- تعالى - بعباده.
أما حكمة بقاء تلاوة المنسوخ، فهو التذكير بحكمة التخفيف واستحضار تلك الحالة السابقة، وثواب التلاوة، والتعبد، وغير ذلك.
والنسخ في القرآن معناه: رفع حكم آية عن جميع محالها.
أمثلة على ذلك: 1 - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184]. نسخها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. 2 - قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] نسخها قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. 3 - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33].
نسخها قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6].
وقد وقع النسخ في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم- قال العلاء بن الشخير: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينسخ حديثه بعضه بعضاً كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً.

والنسخ أنواع: فمنه ما نسخ لفظه وحكمه؛ كـ"عشر رضعات معلومات يحرمن" ومنه ما نسخ لفظه وبقي حكمه؛ نحو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله".
ومنه ما نسخ حكمه وبقي لفظه كالأمثلة السابقة.
وقد ينسخ قرآن بقرآن أو سُنَّة بسُنَّة أو سُنَّة بقرآن أو قرآن بسُنّة متواترة لا بخبر واحد، ولا نسخ بالعقل ولا بالإجماع؛ لأنه لا يتصور إلا بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا نسخ بعده.
المَصْدَرُ الثَّاني للتَّشريع السُّنّة النبويّة المطهّرة السُّنة في اللغة هي الطريقة الحسنة أو السيئة.
والمقصود بها شرعاً ما أثر عنه - صلى الله عليه وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير.
ويستثنى من ذلك نوعان هما غير داخلين فيما يطلب فيه الاقتداء أو التأسي: أحدهما: ما سار فيه على مقتضى العادة أو الجبلّة؛ كما ترك أكل لحم الضب، وقال: "لم يكن بأرض قومي أجدني أعافه".
وثانيهما: ما قام الدليل على اختصاصه به؛ كحرمة أكل ذي الرائحة الكريهة.
وقد دل القرآن دلالة واضحة على العمل بما جاء في السُّنة المطهرة؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].
ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير- إلا صادراً عن وحي، إلا أن الوحي قسمان: متلو وهو القرآن، وغير متلو وهو السُّنة.
وقد نرى أقواماً ضلوا الطريق فنبذوا سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقالوا: في كتاب الله تبيان كل شيء، فما حاجتنا للسُنّة؟ ونسي هؤلاء قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: 92] وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
فقد دلت هذه الآيات وغيرها على حُجية السُّنة ووجوب الرجوع إليها والعمل بها.
مَرْتَبَةُ السُّنّةِ في الاحْتِجَاجِ بها تقع السُنة في المقام الثاني بعد كتاب الله تعالى في درجة الاحتجاج؛ وذلك لأن ثبوت الكتاب قطعي، أما ثبوت السنة في الجملة فهو ظني.

ويدلنا على ذلك ما ورد في حديث معاذ - رضي الله عنه- عندما قال له الرسول: "بم تحكم؟ " قال: "بكتاب الله".
قال: "فإن لم تجد؟ " قال: فبسنة رسول الله.
وأما منزلتها من الكتاب من حيث الأحكام الثابتة بهما، فعلى ثلاثة منازل: المنزلة الأولى: سُنة موافقة لما نزل في الكتاب.
المنزلة الثانية: سُنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه.
المنزلة الثالثة: سُنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب.
أمثلة لهذه المراتب الثلاث: بالنسبة للمنزلة الأولى: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه"، فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. ومثال المنزلة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم- الوارد في تفسير الخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. ومثال ما هو من المنزلة الثالثة: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، والتحريم بالرضاع كل ما يحرم بالنسب، وإعطاء الجدة السدس، وغير ذلك.
وهناك مرتبة رابعة للسُنة وهي أنها ترد ناسخة لحكم ثبت بالكتاب؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم-: "لا وَصِيّةَ لِوَارِثٍ" فإنه نسخ آية الوصية في سورة البقرة.

وقوعُ النَّسْخ في السُّنَّةِ وقع النسخ في السُّنة مثلما وقع في القرآن، ودليلنا على ذلك تشريع حد الخمر؛ فإنه لم يكن شُرِع للخمر أولاً حد، ثم شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - الحد، لكن كان أولاً خفيفًا وهو الضرب بأطراف أثوابهم والنعال والأيدي وجريد النخيل، ثم شرع الحد بالجلد، وثبت ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإذا شرب الثانية فاجلدوه، وإذا شرب الثالثة فاجلدوه، وإذا شرب الرابعة فاقتلوه".
لكنه روى أنه لم يقتل أحداً حيث ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بمن شرب الرابعة فلم يكن قتل.
تخفيفاً من الله تعالى، فالقتل شرع بالسُّنة ونسخ بها.
شُروطُ العَمَلِ بالسُّنَّةِ السُّنة التي يعمل بها يجب أن تتوافر فيها عدّة شروط مهمة؛ مثل: أن تكون متواترة، أو صحيحة، أو حسنة، وليس هناك قادح؛ كما إذا خالف الراوي من هو أحفظ منه، أو أتقن، أو أكثر؛ فتكون حينئذٍ شاذة، والشاذ من قبيل الضعيف الذي لا يُحتج به.
والجمهور على وجوب قبول خبر الواحد الثقة الضابط عن مثله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكى الإجماع عليه في كتاب "جمع الجوامع"، وقد كان العمل بخبر الواحد شائعاً ومستفيضاً في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يرسل رسله إلى الآفاق يبلغون أحكام الشريعة وهم فرادى.
بينما اشترط الإمام أبو حنيفة للعمل بخبر الواحد شروطاً ثلاثة: 1 - ألا يكون عمل الراوي مخالفاً لروايته، فالعمل بما رأى لا بما روى؛ لأنه لا يخالفه إلا عن دليل ناسخ.
2 - ألا يكون فيما تعم به البلوى؛ فإن ما يكون كذلك تتوافر الدواعي على نقله متواتراً؛ ولذلك رد حديث "من مسّ ذكره فليتوضأ".

3 - ألا يكون مخالفاً للقياس على تفصيل عنده، ينبغي الرجوع إليه.
واشترط الشافعي للعمل بخبر الآحاد الصحة والاتصال، وطعن في المراسيل، إلا مراسيل ابن المسيب التي وقع الاتفاق على صحتها.
كذلك لم يقدم الإمام أحمد على الخبر المرفوع الصحيح عملاً، ور أياً، ولا قياساً، ولا قول صحابي.
ولم يعمل المالكية بما خالف عمل أهل المدينة من أخبار الآحاد.
كِتَابَةُ السُّنَّةِ من المعلوم أن السنة الشريفة لم تدون في عهد صاحبها - صلى الله عليه وسلم - بصفة مطلقة؛ وذلك لسببين: 1 - أن الأمة العربية كانت أمية، والأمي أقوى على الحفظ من الكتابة، وعلى الحفظ اعتمد جلّ الصحابة الكرام.
2 - نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابتها؛ مخافة أن يختلط القرآن بالحديث.
ويجب ألا يفهم هذا النهي على إطلاقه؛ لأنه ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - إجازته لبعض الصحابة في كتابتها؛ وعلى هذا يحمل النهي على طائفة مخصوصة وهم كتاب القرآن والوحي دون غيرهم؛ مخافة الخلط بينهما.
ودليل إباحة كتابتها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله حتى يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مِنّي إلا حق".
ومهما يكن من أمر، فإن الذي كتب من السُّنة في عهد الرسول قليل جدًّا، وظل الأمر

كذلك حتى أوائل المائة الثانية؛ حيث قيض الله من قام بتدوين السُّنة الشريفة من العلماء والفقهاء، رحمهم الله ورضي عنهم جميعاً.
التَّشْريعُ الإسلامِيّ في عَهْدِهِ الذَّهبيِّ ويبدأ هذا العهد من عهد الخلفاء الراشدين حتى ظهور المذاهب الفقهية، وتدوين مبادئ الشريعة من الكتب والمصنفات.
والملاحظ أن التشريع في هذه الفترة قد مر بمرحلتين متمايزتين: 1 - المرحلة الأولى مرحلة الخلفاء الراشدين وأوائل التابعين إلى آخر القرن الثاني الهجري.
2 - المرحلة الثانية من وقت ظهور المذاهب الفقهية وتدوين الفقه إلى آخر القرن الرابع ممتدة إلى وقتنا هذا.
أولاً: المرحلة الأولى: لقد امتدت الفتوحات ألإسلامية، واتسعت الممالك الجديدة في عهد الخلفاء الراشدين من الهند إلى الأندلس إلى غرب إفريقية، ودخل في دين الله أمم شتى؛ كفارس، والروم، والعراق، ومصر، والشام، وتفاعلت الحضارة العربية بحضارات الشرق والغرب، وتشعبت الأمور، وكثرت النوازل، وواجه المسلمون آنذاك وقائع لا عهد لهم بها، ولم يرد بها نص في كتاب أو سنة؛ لذا ظهر الفقهاء المفتون والقضاة المجتهدون في كل الأمصار، فأسسوا المبادئ وقعدوا القواعد، وقاسوا النظير على النظير والشبيه على الشبيه، وتنوعت أفكارهم ومشاربهم في كيفية الوصول إلى الضالة المنشودة، وقد تميزت هذه المرحلة بسمات أساسية منها: 1 - ظهور مواهب وأسرار الشريعة الإسلامية، وزادت سيطرة الأمة ورقابتها على متابعة الخلفاء لنصوص الشريعة وتحري اتباع الحق الواضح؛ وذلك تلبيةً لمبدأ الشورى الذي أقره الإسلام.
2 - حيث كثرت النوازل والوقائع التي لم يكن للمسلمين بها عهد- بدأ التوسع في التفريع والاستنباط، ولقد اقتصر آنذاك على ما جدّ من الحوادث، وترك ما لم يحدث؛ حرصاً على الوقت الثمين الذي صرف في تدبير أمور الدولة وإدارة شؤونها؛ كما أن هذا الاستنباط والتفريع إنما صدر منهم عن حزم وتبصُّر على أساس الشورى فيما بينهم.

3 - امتزج الفقه بالقضاء في هذه المرحلة أيما امتزاج؛ وآية ذلك أن القاضي كان من المجتهدين فيما يعرض له من الوقائع التي لا نص فيها، فتأثر الفقه والتشريع بقضائه؛ كما وجد الفقيه المستقل بالإفتاء، وقد تأثر القضاء بفقهه وفتواه، فكان من الصعب تميز الفقه "التشريع" عن القضاء في ذلك العهد؛ إذ كان الفقيه قاضياً، والقاضي فقيهاً.
مَصَادرُ التَّشْريع الإسْلاَمِيّ في هذه المرحلةِ كانت مصادر الشريعة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما علمنا الكتاب والسُّنة، وفي هذه المرحلة زاد مصدران آخران وهما: الإجماع، والقياس، وبدخول هذين المصدرين تكفل لأحكام الشريعة الإسلامية المرونة والخصوبة على مر الزمن.
وسوف نتكلم ها هنا عن هذين المصدرين اللذين استجدا في هذه الفترة، وهما: الإجماع والقياس، أما المصدران الآخران، أعني: القرآن والسنة، فقد سبق تفصيل القول عنهما في الكلام عن المرحلة السابقة.
أولاً: الإجماع: وجد الإجماع منذ أن وجدت فكرة تنظيم الرأي من طريق الاستشارة؛ إذ كان الخلفاء والقضاة يستشيرون أهل الفقه، فإذا اجتمع رؤوس الناس وأئمتهم على أمر، قضوا به، وقد كان الإجماع مقصورًا على الصحابة، ثم امتد إلى التابعين، ثم صار أخيراً يطلق عليها إجماع المجتهدين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. ودليل الإجماع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
ثانياً: القياس: وهو يتضمن الرأي والاجتهاد، وقد أقر الرسول الكريم الرأي والعاملين به عند الحاجة، وقد استدللنا سابقًا بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ كذلك أقر عمر الرأي في كتابه لشريح القاضي.
أما ما جرى من ذم الرأي وأهله فلم يكن القصد منه إلا أن يبعدوا عن ساحة الرأي من لم يتأهل له؛ حتى لا يجترئ الناس على الفتوى والقول في الدين بغير علم، فالرأي المذموم هو اتباع الهوى في الإفتاء من غير استناد إلى دليل أو أصل من الدين.
وينبغي أن تراعى في القياس الأمور الآتية: 1 - أخذ الحكم من ظواهر النصوص إذا كان محل الحادثة مما تتناوله تلك النصوص،

وذلك بعد النظر في عامها.
وخاصها، ومطلقها ومقيدها، وناسخها ومنسوخها، وغير ذلك مما يتوقف عليه الاستنتاج من الألفاظ.
2 - أخذ الحكم من معقول النص؛ بأن كان للحكم علة مصرح بها أو مستنبطة ومحل الحادثة مشتمل على تلك العلة، والنص لا يشمله؛ وذلك طريق القياس.
3 - أن تنزل الوقائع على القواعد العامة المأخوذة من الأدلة المتفرقة في القرآن والسنة، وهذا ما يقع تحت اسم الاستحسان، أو المصالح المرسلة وسد الذرائع.
وهكذا كان اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - بهذا المعنى الشامل؛ حيث نظروا في دلالة النصوص، وقاسوا، واستحسنوا إلى غير ذلك، وكان اعتمادهم في فتاواهم على أربعة أشياء في هذه المرحلة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أمثلةٌ من اجْتَهادَات الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أجمعين 1 - مثال من اجتهاد الصِّديق أبي بكر: عندما واجه أبو بكر - رضي الله عنه - مسألة الردة، وجد أقواماً رفضوا أداء الزكاة رغم إقرارهم بالإسلام وأدائهم الصلاة، ولم يحدث هذا زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم- فكيف يتصرف إزاء هذه النازلة؟ رأى أبو بكر - رضي الله عنه - أنه يقاتلهم، ورغم هذا لجأ إلى الرأي والمشورة، فقال له عمر بن الخطاب: كيف نقاتلهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها" فقال له سيدنا أبو بكر: "ألم يقل: إلا بحقها؟ فمن حقها إيتاء الزكاة، كما أن من حقها إقام الصلاة، والله، لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه.

وهكذا اجتهد الصديق، حتى وصل إلى الصواب، وهداه الله إلى الحق فقاتل المرتدين، وانتصر عليهم وظهرت كلمة الله.
2 - مثال من اجتهاد عمر رضي الله عنه: اختلف الصحابة في المسألة المشتركة، وهي التي توفيت فيها امرأة عن زوج، وأم، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء، فكان عمر يعطي للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، فلا يبقى للأخوة الأشقاء نصيب، فقيل له: هب أن أبانا حجر في اليم، ألسنا من أم واحدة؟ فعدل عن رأيه وأشرك بينهم.
ولعل في ذلك دلالة واضحة على مدى إنصاف عمر وعدله ورجوعه إلى الحق، حتى وصفه الإفرنج بأنه أكبر حاكم ديمقراطي في الإسلام.
واجتهادات سيدنا عمر - رضي الله عنه - كثيرة؛ فمنها ميراث الجدة، وضرب الجزية على أهل السواد، وتدوين الدواوين، وغير ذلك.
3 - مثال من اجتهاد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه: رأى عثمان - رضي الله عنه - جمع الناس على مصحف واحد بحرف واحد وترتيب واحد، وترك بقية الحروف السبعة؛ سداً للذرائع، وتوحيداً للصف الإسلامي وكلمته، وقطعًا للاختلاف والنزاع في القرآن الكريم، فوقع إجماعهم على ذلك، ثم جعل من هذا المصحف نسخًا كثيرة فرقها في عواصم البلاد الإسلامية، وحرق ما سواها إلا مصحف ابن مسعود.
كما أمر بزكاة الدين، وانعقد الإجماع على ذلك، ورأى توريث المبتوتة في مرض الموت؛ معاملة لزوجها بنقيض قصده، فوافقه الصحابة على ذلك.
4 - مثال من اجتهاد علي كرم الله وجهه: وفتاواه وأقضيته - رضي الله عنه - كثيرة جداً ويكفيه فخراً أن الرسول قال في حقه: "أقضاكم علي".
وقال عمر بن الخطاب: "لولا علي لهلك عمر" وذلك حينما أمر عمر برجم المجنونة التي وضعت لستة أشهر، فرد عليه علي وقال: إن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15].

وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] فيستنبط منهما معاً أن أقل الحمل ستة أشهر، وقال أيضاً: إن الله رفع القلم عن المجنون.
وقد وقعت اجتهادات كثيرة لأولي الرأي وأصحاب العقل السليم من خيرة الصحابة؛ كابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت.
واجتهاداتهم كثيرة ومتنوعة وهي مبسوطة في كتب الفقه لمن أرادها.
المرحَلَةُ الثَّانيةِ من هذا العَهْد الثَّاني وتبدأ هذه المرحلة من وقت ظهور المذاهب الفقهية وتدوين الفقه إلى آخر القرن الرابع، ممتدة إلى وقتنا هذا.
وفي هذه المرحلة نضج الفقه الإسلامي واتضحت معالمه، واتسع باب الاجتهاد المطلق والاستنباط، ونشطت الروح المعنوية للتشريع الإسلامي.
ولقد كان هذا التطور والنضج مرتبطاً برقي الحياة السياسية واتساع الدولة الإسلامية في ذلك العصر، أي في عصر الدولة العباسية إبَّان تقدمها وزهوها، كما اجتمع مع ذلك السبب سببان آخران هما: 1 - اعتناق كثير من الأمم المختلفة والديانات الأخرى، كاليهود، والنصارى، ومجوس فارس، والروم، والهند - الإسلام لسماحته وسهولة مبادئه وتعاليمه، وقد وحد الإسلام بين هذا الشتات وجمع كلمته وشمله.
2 - اهتمام الخلفاء والأمراء برجال العلم والفقه؛ فقربوهم في مجالسهم، وأفسحوا لهم، وأغدقوا عليهم العطايا؛ مما نتج عنه ظهور الحوار والبحث الجدّي العميق، ونشأت حركة علمية واسعة في جميع الفروع عامة وفي الفقه أو التشريع خاصة، ودونت أحكام السنة وأصبحت علمًا مستقلاً بأصوله وأبحاثه.
وفي هذا الوقت أيضاً وضع "علم أصول الفقه"، وصنفت المؤلفات العلمية واتسع النزاع العلمي بين أهل الرأي وأهل الحديث، وتكونت المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة في الكوفة، ومذهب مالك في المدينة، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد.
كذلك ظهرت مذاهب أخرى في هذا العصر، وهي أقل شهرة وذيوعاً من المذاهب الأربعة المشهورة، وهذه المذاهب الأخرى مثل مذهب الأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري.
ولما انتصف القرن الرابع وبدأت عوامل الضعف تتسلل إلى أركان الدولة العباسية -

في هذه الآونة فترت الهمم، وتقاعست عن طرق باب الاجتهاد، وماتت في الناس روح الاستقلال الفكري، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أتباعاً لغيرهم، وأصبح العلماء عالة على فقه أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأضرابهم مما كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك، والتزم كل منهم لنفسه مذهباً لا يتعداه.
وصار مريد الفقه يتلقى كتاب إمام معين ويدرس طريقته التي استنبط بها ما دَوَّنه من الأحكام، فإذا تم له ذلك صار من الفقهاء.
لذا قصر الاجتهاد عن مسايرة التطورات في المعاملات والوقائع، وكان ذلك نتيجة طبيعية للعوامل التي طرأت على الدولة الإسلامية فأصبحت دويلات يتناحر من أجلها ملوكها وولاتها.
والصحيح الذي لا ينكره أحد أنه كان لعلماء هذه المرحلة رغم تحجر الأفكار وسيطرة التقليد، وضعف روحا الابتكار والاستنباط، كانت لهم أعمال جليلة، تتضمن جمع الآثار، والترجيح بين الروايات، وتخريج علل الأحكام، كما استخرجوا من شتى المسائل والفروع أصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاويهم وقد أفتى هؤلاء العلماء في مسائل كثيرة لم يكن لأئمتهم فيها نص ولكن حسب أصولهم، وبالقياس على فروعهم، كما قاموا بالترجيح بين أقوال أئمتهم والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الأدلة، وبيان تنزيل الفروع على الأصول.
ويمكن أن نقسم المرحلة التي تلت هذا العهد إلى مرحلتين: 1 - مرحلة تبدأ من عصر التقليد هذا إلى نهاية القرن العاشر، ونلمح في هذه المرحلة ظهور عدد من الفقهاء الأعلام؛ كالسبكي، والرملي، والكمال بن الهمام، وابن الرفعة، والسيوطي وغيرهم وكان لهؤلاء الأعلام ملكات استنباطية وجّهوها للتأليف والتحرير، ونحا أغلبهم منحى الاختصار وجمع الفروع الكثيرة في عبارات تشبه الألغاز، مما احتاجت إلى شروح لإيضاح مبهمها، وغلبت روح الاختصار على تلك الشروح، فمست الحاجة إلى التعليق عليها، وهكذا اشتغل الناس في حل العبارات والألفاظ مما أبعدهم عن لب العلم وجوهره، ففسدت الاستعدادات وماتت المواهب.
2 - المرحلة الثانية تبدأ من القرن العاشر إلى الآن، وفيه ساءت حال الفقه كثيراً؛ لأن العلماء صرفوا جهودهم إلى دراسة الكتب السابقة وقطعوا صلتهم بتلك الكتب النفيسة القيمة التي خلفها المتقدمون.
وقد انقطعت الصلة في هذا العهد بين علماء الأمصار الإسلامية، وقلت الرحلات العلمية لملاقاة العلماء في مختلف البلدان، كما أن كثرة التآليف والتصانيف أدى إلى الاشتباه والاختلاط، وعاق طلاب العلم عن الاجتهاد، وادعاه من هو ليس بأهله، وتصدى له جهال، عبثوا بنصوص الشريعة ومصالحهم.
وبالجملة، فقد أقفل باب الاجتهاد، وطغى التقليد والجمود، حتى ضجَّ الناس من

التزام مذهب معين في التقاضي؛ مما أدى إلى ظهور حركة علمية جديدة في "مصر" على الخصوص تطالب باتخاذ تشريع جديد مصادره الكتاب والسنة غير مقيد بمذهب معين.
هذا، ونسأل الله - تعالى - أن يأذن لشرعه أن يسود، وأن يهيئ حكام العالم الإسلامي إلى تطبيقه روحاً ونصاً.
وإذ قد فرغنا من بيان حاجة الناس إلى الشريعة، نذكر المذاهب الفقهية التي اعتنت بدراسة شريعة الإسلام، وانتشرت في العالم الإسلامي مكاناً وزماناً، وسوف تُعْنَى في آخر دراستنا هذه بالمذاهب الفقهية الأربعة التي انتهت إليه المدرسة الفقهية الإسلامية إلى يوم الناس هذا!

المذاهب الفقهية تعددت المذاهب الفقهية، وانتشرت في كل مصر من الأمصار، وكتب لبعضها البقاء والاستمرار، وتزايد أتباعها عبر الزمن، وقد كان ذلك لمثل هذه المذاهب؛ لما توفر لها من بيئة علمية صالحة، استطاعت أن تحتضن هذه المذاهب، وتنشرها؛ وأن يصبح لكل مذهب مريدون وأتباع في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وينطبق كلامنا هذا على المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي.
وهناك مذاهب فقهية ارتبط وجودها بالسِّيَاسَةِ، أي أنها مذاهب فقهية سياسية، وقد وجدت هذه المذاهب أتباعاً لها جيلاً بعد جيل، وقد كان ذلك من عوامل بقائها مع الزمن، ومن هذه المذاهب الفقهية السياسية: مذهب الشيعة، ومذهب الخوارج.
غير أنَّ هناك بعض المذاهب الفقهية التي لم يكتب لها البقاء، ولم يوجد لها أتباع، وإنما ظل فقهها حبيس الكتب والمصنفات فحسب؛ ومن أمثلة هذه المذاهب: مذهب الحسن البصري، وابن شَرَاحِيل الشعبي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبي داود الظاهري، والليث بن سعد، وهناك مذاهب غيرها لم يكتب لها البقاء والاستمرار، غير أن كلامنا سيقتصر على هذه الأمثلة التي أوردناها؛ لشهرتها أكثر من غيرها: أولاً: مذهب الحسن البصري: التعريف به: هو الإمام الفقيه الحسن بن يسار مولى زيد بن ثابت، كان مولده سنة إحدى وعشرين

هجرية، وذلك قبل عامين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-.
وقد تولى الحسن البصري - رضي الله عنه - قضاء البصرة في أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثم تركه، ونصَّب نفسه للإفتاء.
وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة مجلدات ضخمة، كما قال ابن قيِّم الجوزية.
وقال ابن قتيبة: "إنه تولى الكتابة لربيع بن زياد الحارثي بـ"خراسان".
مكانته العلمية: لقد كان الحسن البصري - رضي الله عنه - فقيهاً ومحدثاً ثقةً عظيماً؛ حيث روى عن كثير من الصحابة والتابعين أحاديث كثيرة، وكان - رحمه الله - كما تحدثنا كتب التراجم- يميل إلى الرأي في فقهه.
يقول عنه أبو قتادة: "والله! ما رأيت رجلاً أشبه رأياً بعمر بن الخطاب منه".
ويقول عنه أيوب: "ما رأت عيناي رجلاً قط كان أفقه من الحسن".
وقد خالف الحسن البصري رأي واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد في حكم مرتكب الكبيرة، مما أدى إلى اعتزالهما مجلس الحسن، حينما اختلفا معه، وقد كانا قبلُ قد رسا عليه.
وكان الحسن البصري - رحمه الله - قد ابتعد بنفسه عن الخوض في الأحداث والمشاكل السياسية التي انقسم إزاءها المسلمون إلى فرق وأحزاب، وكان يجيب - إذا سئل عن ذلك - بقوله: "تلك دماء طهَّر الله منها أسيافنا، فلا نلطخ بها ألسنتنا".
بيد أنه - رحمه الله - كان جريئاً شجاعاً في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم؛ يروى أنه ذات مرة سئل عن الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد، فأجاب: لا تكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء.
فقال له رجل من أنصار يزيد بن معاوية الخليفة: ولا مع أمير المؤمنين؟ فأطرق، ثم دق بيده، وقال؛ ولا مع أمير المؤمنين.
تصوفه، ومواعظه: اشتهر الحسن البصري بميله إلى التصوف والزهد، ورويت عنه كثير من المواعظ

والخطب الجليلة، حتى عده المتصوفة واحداً منهم.
وكانت خطبه - رحمه الله - تشتمل على التذكير بالآخرة، والتنفير من الدنيا، والتخويف من النار، والتشويق إلى الجنة، وترقيق القلوب، وتهذيب النفوس، إلى غير ذلك من أهداف المواعظ وأغراضها.
ومن مواعظه رحمه الله: "يا ابن "يا ابن آدم لا تُرْض أحداً في معصية الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تلومن أحداً فيما لم يؤتك الله، إن الله خَلَق الخلق، فمضوا على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه، فليزدد بحرصه في عمره، أو يغير لونه، أو يزد في أركانه أو بنانه".
وفاته: مات - رحمه الله - سنة عشر ومائة للهجرة بـ"البصرة"، وتبع جنازته خلق كثير.
ثانياً: مذهب ابن شراحيل الشعبي: التعريف به: الإمام الفقيه هو عامر بن شَرَاحِيل بن عبدٍ الشعبي، وأبوه عربي، وأمه من سبي "حَلُولا"، وكنيته: أبو عمرو، ومولده: سنة سبع عشرة هجرية.
مكانته العلمية: اشتهر الشعبي بالفقه، حتى أطلق عليه علامة التابعين، وقد حفظ - رحمه الله - الكثير من الأحاديث؛ لِمَا حباه الله من قوة الذاكرة، وسعة الوجدان، وممن روى عنهم الحديث: أبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وعبادة بن الصامت، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
يقول عنه مكحول: "ما رأيت أفقه منه".
واشتهر الشعبي بوقوفه على النصوص، والتمسك بها، وكان - رحمه الله - يكره القول بالرأي، وإذا سئل عن رأي لم يعلم فيه نصاً، قال: لا أدري، ويروى عنه أنه قال: "ما كلمة أبغض إليّ من (أرأيت) ".

وقد تولى - رحمه الله - قضاء "الكوفة".
وفاته: مات سنة 104 هـ، وقيل: سنة 105 هـ، وقيل غير ذلك.
ثالثاً: مذهب الإمام الأوزاعي: التعريف به: هو الإمام الجليل: عبد الرحمن بن عمرو من "الأوزاع" قرية بـ"دمشق"، ولد سنة ثمان وثمانين هجرية بـ"دمشق"، وقد نشأ - رحمه الله- في "دمشق"، ثم رحل إلى "بيروت"، وأقام به حتى وافته المنية هناك.
مكانته العلمية: وكان الأوزاعي عالماً فقيهاً محدثاً، يحفظ كثيراً من الأحاديث، وممن روى عنهم: عطاء بن أبي رباح، والزاهدي، وابن سيرين، وخلق كثير.
وكان - رحمه الله - معاصراً للإمامِ مَالِكٍ بن أنس؛ وهما يرجعان إلى مدرسة واحدة هي مدرسة الحديث.
اشتهر عنه بغضه القول بالرأي؛ يقول: "إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث، فإياك أن تقول بغيره".
وقد اشتهر مذهب الأوزاعي، وكان له أتباع كثيرون، وبخاصة في "الشام"، و"الأندلس" من أوائل القرن الثاني حتى منتصف القرن الثالث الهجري، غير أنه بعد ذلك اندثر أتباع هذا المذهب، وظلت أفكار الأوزاعي قاصرة على أمهات الكتب فحسب؛ وكان السبب في ذلك هو طغيان مذهب الإمام مالك في "الأندلس"، ومذهبِ الإمام الشافعي في "الشام".
يقول ابن سعد عن الإمام الأوزاعي: "كان ثقة مأموناً فاضلاً خيراً، كثير الحديث والعلم والفقه".
وكان - رحمه الله - جريئاً شجاعاً لا يهاب أحداً ما دام يتكلم بالحق، ولا يخشى

سلطاناً ما دام الصواب معه، وسِجِلُّ حياته وتاريخه حافل بمواقف الرجولة والشجاعة مع الخلفاء والأمراء.
وفاته: مات الأوزاعي - رحمه الله - بـ"بيروت"، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائة هجرية.
رابعاً: مذهب الإمام الليث: التعريف به: هو الإمام العلامة الفقيه: أبو الحارث الليث بن سعد، ولد بـ"مصر" بناحية "قلقشندة" عام أربعة وتسعين للهجرة، وأصله من "أصفهان" في "فارس".
مكانته: رحل - رضي الله عنه - كثيراً، وطوّف على مشايخ العلم، وفقهاء المعرفة، فرحل إلى "مكة"، و"بيت المقدس"، و"بغداد"، وسمع على فقهاء ومشايخ هذه البلدان، والتقى بكثير من التابعين، وحدث عن تسعة وخمسين منهم.
واشتهر عنه أنه كان زاهداً ورعاً لا يسعى إلى المناصب، بل كانت المناصب تسعى إليه، غير أنه كان يرفضها تعففاً، وانشغالاً بأمور الآخرة عن أمور الدنيا؛ يروى أن المنصور عرض عليه أن يكون والي مصر، غير أن الليث رفض ذلك، وزهد في السلطان والجاه.
وتحدثنا الكتب التي ترجمت للإمام الليث أنه دارت بينه وبين الإمام مالك بن أنس مجادلات علمية، ومسائل فقهية كثيرة، كل يوضح رأيه، ويرد على الآخر، ومما كان يأخذه الليث على الإمام مالك هو تركه لخبر الآحاد إذا خالف عمل أهل "المدينة"؛ وذلك مبالغة من الإمام مالك في الأخذ بعمل أهل "المدينة".
وخلاصة القول أن الإمام الليث كان فقيهاً حافظاً حُجَّةً ثبتاً ثقة؛ في علمه وأخلاقه، ومبادئه.

يقول عنه الإمام الشافعي: "الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به".
وفاته: مات - رحمه الله - بـ"مصر" سنة خمس وسبعين ومائة هجرية.
خامساً: مذهب سفيان الثوري: التعريف به: هو الإمام المحدث الفقيه الثقة: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.
مولده: ولده - رحمه الله - بـ"الكوفة" سنة سبع وتسعين للهجرة.
وكان معاصراً للإمام أبي حنيفة النعمان بـ"الكوفة"، غير أنهما من مدرستين متباينتين جداً؛ فأبو حنيفة من زعماء مدرسة الرأي والأخذ به، والثوري من زعماء عدم الأخذ بالرأي.
والإمام الثوري إمام حُجَّة طَبَّقَتْ شهرته الآفاق، فقيه محدث؛ سمع كثيراً من الأحاديث، وحفظ كثيراً منها، وكان له مذهب خاص به، غير أنه لم يكتب له الذيوع وكثرة الأتباع، فاندثر وظلت أفكاره مقصورة على بطون الكتب والتصانيف.
وكان - رحمه الله - كما روت الأخبار شجاعاً مع السلاطين والأمراء؛ كما هو حال الأتقياء من العلماء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم.
وكان - رحمه الله - أيضاً يبغض المناصب العليا، ويكره أن يكون من ذوي الجاه والسلطان؛ عَرَض عليه المهدي قضاء "الكوفة" بشرط ألا يعترض عليه في الأحكام، فما كان من الثوري إلا أن ألقى بكتاب المهدي في نهر دجلة.
يقول عنه الإمام مالك: "كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بالعلم؛ منذ جاء سفيان".

وفاته: توفي - رحمه الله - بـ"البصرة" سنة إحدى وستين ومائة هجرية.
سادساً: مذهب داود الظاهري: التعريف به: هو الإمام أبو سليمان داود بن علي الأصفهاني المشهور بـ"داود الظاهري".
مولده: ولد - رضي الله عنه- سنة مائتين بـ"الكوفة".
مكانته: يعتبر الإمام داود الظاهري من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، ورعاً، حافظاً، ثقة.
اشتهر مذهبه في "بغداد"، و"الأندلس"، وكان له أتباع كثيرون، غير أنهم انقرضوا بعد القرن الخامس الهجري.
وكان داود الظاهري متعصباً للمذهب الشافعي، غير أنه كان يرى أن القياس لا يعتبر مصدراً تشريعياً مطلقاً؛ كما اشتهر عنه الأخذ بظاهر الكتاب والسنة، وأن عمومات الكتاب والسنة تفي بكل أحكام الشريعة، وتكون له بمجموع هذه الآراء وغيرها ما يعرف بمذهب أهل الظاهر.
وفاته: توفي داود الظاهري - رحمه الله - بـ"بغداد" سنة سبعين ومائتين هجرية.
تبلور المذاهب الفقهية ونكتفي بذكر الأقطاب الأربعة أركان الإسلام: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
أولاً: المذهب الحنفي: ومصادر المذهب الحنفي وموطنه يتمهد في أن عبد الله بن مسعود، والإمام عليا قدما

إلى الكوفة واستقرا فيها، وأخذا يعلمان الناس أمر دينهم، ويلقنانهم مبادءهم، وقد كان ابن مسعود متأثراً بطريقة عمر بن الخطاب في الاستنباط والبحث، وشدة ميله للرأي، واحتياطه الزائد في الأخذ بالحديث؛ كما أن علياً كان واسع الأفق قوي الحجة.
برز في مدرستها فطاحل الفقهاء؛ فهذا شريح الكندي الذي مارس القضاء حقبة من الزمن، مع ميله الشديد للأخذ بالرأي، وكان بعده الفقيه إبراهيم النخعي فقيه الرأي، وعامر بن شراحيل الشعبي، غير أنه كان رغم أنه درس في مدرسة الرأي- يكره الأخذ بالرأي، ويقف عند الآثار؛ ولذا فإنه غذى هذه المدرسة بما جمع وحفظ من أحاديث، ثم جاء من بعدهما حماد بن سليمان، فأخذ عنهما، ومزج فقه النخعي بفقه الشعبي، ولقن هذا المزيج لتلاميذه بالكوفة، وكان فيهم أبو حنيفة النعمان الذي فاق جميع أقرانه، وتلقى زعامة هذه المدرسة من بعد شيخه حماد، والتفَّ حوله الراغبون في التفقه، وبرز منهم أبو يوسف ومحمد وزفر، وعملوا معه على تكوين المذهب الحنفي في القرن الثاني الهجري، في أواخر العهد الأموي.
وأخيراً أطلق الفقهاء على أبي يوسف ومحمد كلمة الصاحبين، وعلى أبي يوسف وأبي حنيفة كلمة الشيخين، وعلى أبي حنيفة ومحمد كلمة الطرفين، أما زفر فيسمى باسمي لقصر مدته.
وفي العهد العباسي ازداد نفوذ هذا المذهب، وتغلغل في أنحاء الدولة العباسية، ووصل جميع أطرافها، وبقي حتى الآن يعتبر المذهب الرئيسي في باكستان، وبعض بلاد العراق، وتركيا، ومصر.
ولقد كان لاتصال أبي يوسف بالخلفاء العباسيين، وشدة نفوذه عندهم، وتعيينه على ولاية القضاء الفضل في الانتشار السريع الذي لاقاه هذا المذهب، وفي هذا يقول ابن حزم: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان؛ الحنفي بالمشرق، والمالكي بالمغرب... " وهذه سنة الله في كونه إذا أقبل الحاكم على شيء تسابق الناس عليه.
أما أصول هذا المذهب التي كان يرجع إليها في استنباط الأحكام- فهي أولاً القرآن، وهو المصدر الذي يرجع إليه فقهاء جميع المذاهب أو لا يختلفون عليه، وإن اختلفوا في فهم مدلوله وإشارته، وطرق الاستنباط منه، ثم يرجعون إلى السنة، وقد تشدد الفقه الحنفي في قبول الحديث، والتحري عنه وعن رواته؛ فلا يأخذون بالحديث إلا إذا كان متواتراً ترويه جماعة عن جماعة، أو كان مشهوراً اتفق فقهاء الأمصار على العمل به، أو رواه صحابي واحد أمام جمع منهم، ولم يخالف فيه أحدهم؛ إذ يعتبر سكوتهم إقراراً له، ثم بعد ذلك يرجعون إلى ما كان في عهد الصحابة هل أجمعوا على حكم في مثل هذه المسألة المعروضة

عليهم، وليس لها حكم ظاهر في كتاب الله، وما صح من سنة رسوله؛ فإن كان اتبعوه وإلا أخذوا بالرأي عن طريق القياس والاستحسان، وقد كان تشددهم في الحديث، وعدم أخذهم بخبر الآحاد الذي لم يرو أمام جمع من الصحابة - سبباً في توسيعهم في الاجتهاد والرأي، وسنقدم لك أئمة هذا المذهب.
الإمام أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة، وقيل: إنه من أبناء فارس الأحرار، ولد بالكوفة سنة 80 هـ. وتفقه فيها، وهو من أتباع التابعين، جلس في مسجد الكوفة إلى حلقات درس علم الكلام.
ويروى عن زفر بن الهذيل؛ أنه قال؛ سمعت أبا حنيفة يقول: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغاً؛ ليشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يوماً فقالت: رجل له امرأة يريد أن يطلقها للسنة، كما يطلقها؟ فأمرتها أن تسأل حماداً فترجع فتخبرني، فرجعت وأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، فأخذت نعلي فجلست إلى حماد... ويروى أنه لازمه نحو ثماني عشرة سنة، جالسه نحو عشر سنوات، ثم حدثته نفسه أن يستقل عنه، ويكون له حلقة خاصة، ولكنه خجل من شيخه، ولما غاب حماد فترة بالبصرة جلس مكانه، وعرضت عليه نحو ستين مسألة جديدة فأفتى فيها برأيه، ولما عاد شيخه عرضها عليه فأقره على أربعين منها، فلزمه أبو حنيفة حتى مات حماد، فاختار الطلاب ابنه إسماعيل، ليجلس مكانه، غير أنه تنحى، لأنه كان متجهاً إلى الأدب والشعر لا إلى الفقه، فترأس الدرس موسى بن أبي كثير؛ لكبر سنه ومجالسته الشيوخ الكبار، ولما خرج للحج جلس مكانه أبو حنيفة، فملأ مكان حماد واستمر حتى مات.
كان أبو حنيفة أعلم أهل عصره إماماً محققاً، قال فيه الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"، وكان فقيهاً أميناً ثبتاً في رواية الحديث، لا يروي إلا الصحيح، واسع المال ميسور الحال، مصدر ماله تجارته، فقد كان خزازاً يبيع الخز، أزهد الناس في الجاه والسلطان.
منهجه في استنباط الأحكام: بيَّنا لك من قبل أنه من مدرسة عبد الله بن مسعود؛ ولذا كان من أهل الرأي، إماماً في القياس بارعاً في الاستحسان، وقد نقل عنه أنه قال في طريق استنباطه للأحكام: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد لا في كتاب الله أو سنة رسوله أخذت بقول أصحابه من

شئت، وأدع قول من شئت، ثم أخرج من قولهم على قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن بن سيرين، وسعيد بن المسيب - فلي أن أجتهد كما اجتهدوا.
كان رحمه الله يتشدد في الأخذ بالحديث، على طريقة مدرسة الرأي، فيتحرى عنه وعن سنده، لا يأخذ بالحديث إلا إذا كان متواتراً أو مشهوراً عمل به فقهاء الأمصار، وهذا يضطره إلى التوسع في القياس والاستحسان، وقد رأيت مما نسب إليه أنه كان يوازن بين ما يروى عن الصحابة في المسألة الواحدة من أحكام مختلفة، ويختار أعدلها وأقربها إلى الأصول العامة، ولا يأخذ برأي التابعي إلا إذا وافق اجتهاده، وعرف بالمهارة في فقه الحديث؛ فسرعان ما يفرع من الحديث ويستخرج الأحكام بعد أن تصح روايته، وقال الأعمش لما سمع أحكاماً فقهية خرَّجها أبو حنيفة مما رواه له من أحاديث: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.
خلقه ومريدوه: كان - رضي الله عنه - ورعاً تقياً محباً لأهل بيت رسول الله، كثير الصمت لا يتكلم إلا إذا سئل في مسألة فقهية فيتدفق علمه، تتلمذ عليه الكثير وأتى له الراغبون في فقه من كل جهة، برز منهم البعض فاصطفاهم وآخاهم، واستمروا معه يعاونونه في وضع المسائل والإجابة عنها، ولا يرى بأساً في مناقشتهم لرأيه، ومعارضتهم له ومخالفته إن تبينوا أن الصواب في غير دليله؛ ولذا فهم بحق قد شاركوه في تأسيس المذهب وسأقدمهم لك.
القاضي أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الأنصاري أحد أصحاب رسول الله - عليه السلام - عربي الأصل، ولد سنة 113 هـ بالكوفة.
محمد بن الشيباني: متفق على أنه من الموالي فهو شيباني، ولد سنة 132 هـ نشأ بـ"الكوفة"، ثم أقام بـ"بغداد"، أدرك الإمام أبا حنيفة، وتتلمذ عليه فترة قصيرة لوفاة الإمام ومحمد لم يتمم العشرين، ثم درس على أبي يوسف، ثم رحل إلى الحجاز، وحفظ الحديث، والتقى بالإمام مالك في المدينة، فدرس عليه الفقه والحديث، ومكث في المدينة في طلب العلم أكثر من ثلاث سنين؛ كما أخذ الفقه أيضاً عن الأوزاعي جمع كصاحبه من قبله بين مدرستي الرأي والحديث وعمل على التقريب بينهما، وقد كان ميسور الحال وفي بحبوحة من العيش.
ثانياً: مذهب مالك: مدرسة الحديث: كانت المدينة المنورة مصدر الإشعاع العلمي فهي المقر الأصلي لأصحاب الرسول من الأنصار والمهاجرين، وبينا من قبل أنه من الطبيعي جداً أن تكون المدينة المنورة هي مقر

جارٍ التحميل