عبدٍ، ثم جاء آخر، وقطع يده الأخرى.
نظر:
إن كان قطع الثاني بعد الاندمال الأول - فعلى الأول نصفُ قيمته صحيحاً، وعلى الثاني نصف قيمته مقطوعاً مندملا مثلث إن كانت قيمته ألفاً، فعادت - يقطع الأول إلى ثمانمائة؛ فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني أربعمائة، وإن عادت قيمته يقطع الأول إلى مائتين - فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني مائة، ولو قطع [الثاني] قبل اندمال الأول - فعلى الثاني نصف ما أوجبنا على الأول، وهو مائتان وخمسون؛ لأنه لم تستقر قيمته بعد قطع الأول بالاندمال حتى يوقف على النقصان.
ولو قطع رجلان يديه معاً - فالقيمة عليهما نصفان.
ولو قتل عبداً، أو قطع طرفاً من أطرافه خطأ - هل تحمل بدله العاقلة؟ فيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح-: تحمله العاقلة مؤجلاً؛ لأنه بدل آدمي مقتولٍ؛ كدية الحر.
والثاني: - وبه قال مالك رحمه الله-: لا تحمله العاقلة؛ بل يكون في مال الجاني حالاً؛ لأنه حيوانٌ مضمونٌ بالقيمة، ولا تحمل بدله العاقلة؛ كالبهائم.
وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: تحمل العاقلة بدل نفس العبد، ولاتحمل بدل طرقه؛ فنقيس الطرف على النفس؛ كما في [حق] الحر.
فإن قلنا: تحمله العاقلة، فاختلفا في قيمته فقالت العاقلة: ألفٌ، وقال السيد: ألفانٍ - فالقول قول العاقلة مع اليمين.
[فلو] صدق الجاني السيد - لا يقبل قوله على العاقلة، حتى تجب الزيادة على ما تُقر به العاقلة في مال الجاني.
وإن كان الجاني عبداً، فصدق سيد المقتول - لا يقبل تصديقه في حق سيده.
فصلٌ في جناية الرقيق
إذا جنى العبد جناية موجبة للقود - يقتص منه، فإن عفا على مالٍ أو كانت الجناية موجبة للمال، خطأ كان أو عمداً - يتعلق الأرش برقبته، وكذلك: لو أتلف ما لا تباع رقبته [فيه] إلا
أن يختار السيد الفداء-: فإذا بيع في الجناية، ولم يف ثمنه بأرش الجناية - لا يجب على السيد إتمامه، وهل يبيع به العبد إذا أعتق؟ فيه قولان
في الجديد - وهو الأصح لا يتبع؛ لأن محله الرقبة، وقد بيعت فيه.
وفي القديم: يتبع؛ لأنه تعلق برقبته، وذمته جميعاً.
وإذا اختار السيد الفداء - بماذا يفدى؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد -: عليه أقل الأمرين: من ضمان الجناية، أو قيمة الرقبة؛ لأن ضمان الجناية: إن كان اقل - فلم يجب بجنايته إلا ذلك، وإن كانت قيمة الرقبة أقل - فليس على السيد إلا تسليم رقبته.
وقال في القديم: يجب عليه ضمان الجناية بالغاً ما بلغ؛ لأنه لو سلمه للبيع ربما يشتريه راغبٌ بأكثر من قيمته.
فلو مات العبد الجاني، أو هرب - نُظر:
إن كان قبل أن يطالب السيد بتسليمه للبيع، أو طولب، فلم يمنع - فلا شيء على السيد؛ لأن حق المجني عليه كان متعلقاً برقبة العبدِ، وقد فاتت؛ سواءٌ علم السيد بجنايته، أو لم يعلم.
وإن طولب، فمنع - صار مختاراً للفداء:
ولو اختار الفداء، ثم رجع - نظر:
إن كان العبد باقياً - فله الرجوع، ويباع العبد [الجاني] في الجناية.
وإن مات بعد اختيار الفداء - فلا رجوع له.
وإذا اختار السيد الفداء - نص على أنه يعتبر قيمته بيوم الجناية.
قال الشيخ القفال - رحمه الله-: وجب أن تعتبر قيمته بيوم الفداء؛ لأن نقصان قيمته لا تؤخذ على المولى قبل اختيار الفداء؛ بدليل أنه لو هل - لا شيء عليه؛ والنص محمول على ما إذا سبق من المولى منعٌ من البيع حالة الجناية، ويؤخذ نقصان القيمة على المولى بعده، ولو قتل العبد الجاني - فللمولى أن يقتص، إن كان القتل موجباً للقصاص، وعليه الفداء للمجني عليه.
وإن كان القتل موجباً للمال - تؤخذ القيمة من القاتل، ويُقضى منها حق المجني عليه، وللسيد أن يمسك تلك القيمة، ويفدى من سائر أمواله.
وإذا أوجبنا الفداء على المولى فيما إذا قتل العبد بماذا يفدى؟ قيل: فيه قولان؛ كما لو اختار الفداء في حياته، وقيل: يفدى بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته قولاً واحداً؛ لأنه وقع اليأس [من أن] يشتري بأكثر من قيمته.
ولو جنى العبدُ جناياتٍ معاً، أو على الترتيب قبل فداء السيد - تُباع رقبته فيها، ونقص القيمة على الكل على قدر جناياتهم.
وإن اختار السيد الفداء، ففي الجديد - وهو الأصح: عليه الأقل من [أروش الجنايات كلها أو قيمته مرةً واحدةً.
وفي القديم: عليه أروش] الجناياتِ بالغةً ما بلغت.
أما إذا جنى العبدُ جنايةً، و [فدى] السيد، ثم [رجع] جنى مرة أخرى، واختار الفداء - عليه للأخرى فديةٌ جديدةٌ، كالأولى.
أما أم الولدِ: إذا جنت على نفسٍ أو مالٍ - فيجب على السيد الفداءُ؛ لأنه امتنع بيعها باستيلاده؛ فصار به مختاراً للفداء، في جناياتها، وبماذا [يُفدى] فيه قولان؛ كما في العبد القن؛ وقيل - وهو الأصج-: يُفدى بأقل الأمرين من قيمتها، أو أرش الجناية قولاً واحداً؛ بخلاف العبد القن؛ لأن الرقبة هناك قابلةٌ للبيع، فلو سلمها للبيع ربما يرغب راغبٌ في شرائها بأكثر من قيمتها، وفي أم الولد الرقبة، وغير قابلة للبيع فلا يتصور أن يضمن بأكثر من قيمتها.
ولو جنت أم الولد جناياتٍ، ولم يفد السيد شيئاً منها، علم بها أولم يعلم - فماذا يلزمه؟
ففي القديم: يلزمه أروش الجنايات.
[وفي الجديد قولان:
أصحهما: عليه الأقل من أروش الجنايات] كلها أو قيمتها مرةً واحدةً؛ كما في العبد القن لأنه لم يوجد منه إلا منع واحد بالاستيلاد كالعبد القن إذا جنى جنايات كثيرة، ثم قتله المولى، أو أعتقه - لا يلزمه إلا قيمةٌ واحدةٌ.
والقول الثاني: عليه أن يفدى لكل جنايةٍ بالأقل من أرشها أو قيمتها؛ فيجعل كأن السيد أحدث عيب كل جنايةٍ منعاً؛ بخلاف القن؛ [فن ثم لم يوجد منه إلا منع واحد بعد الجنايات باختيار الفداء؛ لأنه عقيب كل جناية يمكن أن يباع نظير هذا من القن؛ أن يجني، فيطالب السيد بالبيع، فيمنع، ثم يجني ثانياً، فيمنع - فعليه أن يفدى لكل جناية بالأقل من أرشها أو قيمتها فأما إذا جنت أم الولد، وفداها السيد، ثم جنت مرة أخرى.
ففي القديم: عليه أرش الجناية الأخرى.
وفي الجديد: يبنى على ما إذا لم يكن قد فدى.
إن قلنا: هناك يُفدى بالأقل من أرش كل جناية أو قيمتها، [وكذلك الثالثة والرابعة.
وإن قلنا: هناك يفدى بالأقل من أرش (كل جناية) أو قيمتها]، فههنا: عليه أن يفدى للجناية الثانية بالأقل [من أرشها أو قيمتها، وكذلك الثالثة والرابعة.
وإن قلنا: هناك يفدى بالأقل] من أروش الجنايات كلها أو قيمتها مرة واحدة - فههنا قولان:
أصحهما: - وهو اختيار المُزني - رحمه الله-: يجب عليه أن يفدى الجناية الثانية بالأقل من أرشها أو قيمتها؛ كما في العبد إذا فداه السيد، ثم جنى ثانياً - عليه أن يفدى ثانياً، إذا اختار الفداء.
والقول الثاني: ليس على السيد إلا قيمةٌ واحدةٌ، وبه قال أبو حنيفة - رحمة الله عليه- فالمجني عليه الثاني يشارك المجني عليه الأول فيما أخذ؛ - فيقتسمان على قدر أرش جنايتيهما؛ مثلُ: إن كانت قيمتها ألفاًن وأرشُ كل جناية ألفٌ - فالثاني يرجع على الأول بخمسمائة.
[فإن] كان أرش الجناية الأولى ألفاً، وأرش الجناية الثانية يأخذ ذلك الفضل [ألفاً، وأرش
الثانية خمسمائة يؤخذ من الأول ثلث الألف] وإن كان أرش جناية الأول لم تستغرق قيمتها - فالثاني يأخذ ذلك الفضل] فإن وفى بحقه - فليس له إلا ذلك على الأقوال كلها، وإن لم يف ذلك [بحقه] يُحاص الأول في قدر ما بقي؛ مثل: إن كانت قيمتها ألفاً، وأرش الجناية الأولى خمسمائة، وأرش الجناية الثانية ألفٌ - أخذ الثاني من السيد الخمسمائة الثانية، ويرجع على الأول بثلث الخمسمائة المأخوذة؛ لتصير القيمة بينهما أثلاثاً: الثلث للأول، والثلثان للثاني.
وكذلك في كل جناية تجنى من بعدُ؛ كمن مات، وقسمت تركته بين الورثة والغرماء، وكان قد حفر بئر عدوات في حياته، فهلك بها مال إنسان - فصاحبه يزاحم الغرماء والورثة فيما أخذوا.
ولو جنت جاريةٌ، ولها ولدٌ - لا يتعلق الأرش برقبة ولدها وإن ولدت بعد الجناية؛ سواء كان الحمل موجوداً يوم الجناية أو حدث من بعد.
ولو جنت، وهي حامل أو حبلت بعده - هل تُباع حاملاً أم لا؟
إن قلنا الحمل يعرف - لا تباع حتى تضع.
وإن قلنا: لا يعرف - تباع؛ كما لو زادت زيادةً متصلة.
إذا ثبت أن حق الجناية لا يتعلق برقبة الولد: [فإن] كان الولد صغيراً، ولم يجُز - التفريق بين الأم والولد - فتباع من الولد، ثم ما يقابل الأم - يصرف في الجناية، وما يقابل الولد - فللسيد.
فصلٌ
فالصبي الذي لا يعقل، والمجنون الذي لا تمييز له: إذا قتلا إنساناً - فهو خطأٌ؛ تجب الدية مخففة على عاقلتهما.
أما المراهق والمجنون الذي لاتمييز له؛ إذا تعمدا قتلاً - ففيه قولان:
أصحهما: [ان] عمدهما عمدٌ؛ لأن القصد منهما حاصلٌ، كالبالغ؛ فعلى هذا:
تجب الدية مغلظة في مالهما حالةً، وإن لم يتعلق به القصاص؛ لونهما غير مكلفين.
والثاني: - وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله - عمدهما خطأٌ؛ لعدم التكليف؛ بدليل أنه لا يجب [به] القود، فعلى هذا: تجب الدية مخففة على عاقلتهما مؤجلة، والله أعلم بالصواب.
[باب] التقاء الفارسين
إذا اصطدم رجلان، ماشيان، وماتا - فنصف دية كل واحدٍ منهما هدرٌ، والنصف على عاقلة الآخر؛ لأن كل واحدٍ منهما مات لصدمته، وصدمة صاحبه، ففعله في نفسه [هدرٌ] وفي حق صاحبه مضمونٌ؛ كما لو جرح نفسه، وجرحه غيره، فمات منهما - يجب على الغير نصف الدية، ولا تتقاص الديتان في الاصطدام؛ لأن المستحق غير الغارم؛ فإن المستحق هو الوارث، والغارم العاقلة، ويجب في مال كل [واحد] كفارةٌ بقتل صاحبه، وهل تجب الكفارة بقتل نفسه؟ فيه وجهان:
[وإن] كانا راكبين، واصدما، وماتا، وماتت دابتهما فنصف دم كل واحد منهما، ونصف قيمة دابته هدرٌ، ونصف ديته على عاقلة الآخر، ونصف قيمة دابته في مال الآخر؛ لأن قيمة الدابة لا تحملها العاقلة، سواءٌ استوت الدابتان في القوة والضعف، [أو اختلفتا] بأن يكون أحدهما راكب حمارٍ، والآخر راكب فرسٍ، أو قيل: حتى لو كان أحدهما راكب بغلٍ، والآخر على كبش - فالحكم كذلك؛ وسواء كانا أعميين أو بصيرين، أو كانا أحدهما أعمى؛ وسواءٌ كان ذلك بالليل أو بالنهار؛ ولا فرق بين أن يكونا مقبلين أو مدبرين، أو يكون أحدهما مقبلاً، والآخر مدبراً، وبين أن يكون سير أحدهما - أشد من الآخر؛ وسواءٌ وقعا منكبين أو مستلقيين أو أحدهما منكباً والآخر مستلقياً.
ثم إن تعمدا الصدم] فهو شبه عمدٍ فنصف الدية مغلظة على العاقلة.
وإن لم يتعمدا - فنصف الدية مخففة.
وإن تعمد أحدهما دون الآخر - فنصف دية الآخر مغلة على عاقلة المتعمد، ونصف
دية المتعمد مخففة على عاقلة الآخر، ولا يكون في الاصطدام العمد المحض.
وقال أبو حنيفة: إن كانا راكبين - فعلى عاقلة كل واحد منهما تمام دية الآخر، [و] في ماله تمام قيمة دابة الآخر.
وإن كانا ماشيين - قال: إن وقعا مستلقيين - فهكذا.
وإن وقعا منكبين - فدمهما هدرٌ؛ لأنه لا ينكب بفعل صاحبه.
وإن وقع أحدهما منكباً والآخر مستلقياً - فدم المنكب هدر، وجميع دية المستلقي على عاقلة المنكب.
وكذلك قال المزني؛ فيما إذا وقع أحدهما منكباً وقال، فيما إذا وقعا منكبين أو مستلقيين، كما قال الشافعي - رضي الله عنه - ونحن قد سوينا بين الحالين؛ لأنه قد يستلقي بشدة صدمته؛ إذا لقي صلابةً، كالسهم يصيب صلابة أو حجراً - يرجع إلى الرامي.
ولو اصطدم صبيان، وماتا فكالبالغين، وسواء كانا ماشيين أو راكبين؛ إذا ركبا بأنفسهما -فنصف دية كل واحد [منهما]، ونصف قيمة دابته هدرٌ، ونصف ديته على عاقلة الآخر، ونصف قيمة دابته في ماله غير أن في كل موضع أوجبنا الدية مغلظة في البالغ - ففي الصبي إن قلنا: عمده عمدٌ- تكون مغلظة، وإن قلنا: خطأ - فمخففة.
وإن أركبها من لا ولاية له عليهما - فلا تكون شيء من دمهما ولا من قيمة دابتهما هدراً، ولا شيء على الصبيين، بل على عاقلة كل واحد من المركبين [ديةٌ كاملةٌ: نصفٌ على الذي أركبهن ونصف على الآخر، وفي مال كل واحد من المركبين] نصف قيمة [دابة] كل واحد منهما.
وكذلك [كل] ما أتلفت الدابة بيدها أو رجلها - فضمانه على المركب.
وإن أركبهما من له عليهما ولايةٌ - نُظر:
إن لم يكن لمصلحة الصبيين - فهو كإركاب من لا ولاية [عليهما] له.
وإن كان لمصلحتهما: من ضعف الصبيين عن المشي، أو تعليم فروسية ونحوه
- فهو ما لو ركبا بأنفسهما - فنصف دم كل واحد منهما، ونصف قيمة دابته - هدرٌ، والنصف من الدية على عاقلة الصبي الآخر، ونصف قيمة الدابة، في ماله، ولا شيء على المركب.
وقال الشيخ القفال: هو كإركاب من لا ولاية له؛ فيون ضمان الكل على عاقلة المركبين، وضمان الدابتين في مالهما.
ولو اصطدم عبدان، وماتا - فدمهما هدرٌ؛ سواء اتفقت قيمتهما، أو اختلفت؛ لأن نصف قيمة كل واحدٍ يتعلق برقبة الآخر؛ فسقط [بفوات المحل].
وإن مات أحدهما - فنصف قيمته في رقبة الحي.
ولو اصطدم حر وعبدٌ، وماتا: إن قلنا: قيمة العبد لا تحملها العاقلة - وجب نصف قيمة العبد في مال الحر، وتعلق به نصف دية الحر؛ فيتقاصان.
فإن كان نصف دية الحر أكثر -[فالفضل هدرٌ، وإن كان نصف القيمة أكثر] يأخذ السيد الفضل من تركة الحر، وإن قلنا: قيمة العبد تحمله العاقلة - يجب على عاقلة الحر نصف قيمة العبد، وتعلق بها نصف دية الحر لورثته، فإن كانت العاقلة هم الورثة - فيتقاصان، وإن مات أحدهما - نظر: إن مات الحر - فنصف ديته تتعلق لجميع رقبة العبد، وإن مات العبد - فنصف قيمته على عاقلة الحر، أو في ماله؟ على اختلاف القولين.
ولو اصطدم امرأتان حاملان، فماتتا، وألقتا جنينهما - فحكم ديتهما حكم الرجلين، أما ضمان الجنين - فعلى عاقلة كل واحدةٍ غرةٌ كاملةٌ نصفها عن جنينها، ونصفها عن جنين صاحبتها؛ لأن المرأة إذا جنت على نفسها، فألقت جنينها - يجب على عاقلتها الغرة لورثة الجنين، وفي مال ل واحدةٍ منهما ثلاث كفارات: كفارة عن صاحبتها، وعن كل جنين كفارةٌ.
وإن أوجبنا الكفارة، بقتل نفسها - فأربع كفاراتٍ.
ولو اصطدم أما ولدٍ لرجلين، وماتتا - فنصف قيمة كل اوحد هدر، وعلى السيدين الفداء للنصف الآخر؛ لأن ضمان جناية أم الولد يكون على السيد؛ فيفدى كل واحد من اسيدين بالأقل من نصف قيمة أم ولد صاحبه، أو كمال قيمة أم ولده فإن استويا - تقاصا،
وإلا - رجع صاحب الفضل بالفضل.
وإن كانتا حاملين، فألقتا الجنينين - فنصف ضمان الجنين هدرٌ؛ لأن أم الولد: إذا جنت على نفسها، فألقت جنينها - يكون هدراً، ولكل واحد من السيدين على الآخر - نصف الغرة، فيتقاصان.
فإن كان لكل واحد من الجنينين وارثٌ يسوى الأب، ولا يتصور إلا الجدة أم الأم - فلا يسقط شيءٌ من حقها؛ فلكل جدة سدس الغرة نصف على هذا السيد، ونصف على ذاك؛ لأن أم الولد إذا ألقت جنينها، ولها أم حرةٌ -يغرم سيدها سدس الغرة، لأمها التي هي جدة الجنين، ثم يقع التقاص في الباقي.
وإن كانت لأحدٍ الجنينين جدةٌ فكلٌ وحدٍ من السيدين يغرم للجدة نصف سدس الغرة [ثم سيد من ليس لجنينها جدةٌ [له] نصف غرة] [سدس] على سيد من لجنينها جدة] لأنه ليس لجنينها وارث سواه وسيد من لجنينها جدة - له نصف غرة على الآخر ناقصةً بنصف السدس؛ لأن لجنينها سواه وارث، وهي الجدة، وقد أخذت نصيبها - فسيد من ليس لجنينها جدة - يأخذ نصف سدس الغرة من الآخر، والباقي يتقاصان.
وإن كانت إحداهما حاملاً دون الأخرى، فألقت الحامل جنينها- فنصف الغرة هدرٌ، ونصفها على سيد [الحامل].
وإن كان للجنين جدةٌ - فمن نصف الغرة الذي وجب على سيد الحامل نصف سدسه للجدة، والباقي لسيد الحامل.
وعلى سيد الحامل نصف سدس الغرة للجدة؛ حتى يكمل لها السدس.
ولو أن راكبين غلبتهما دابتاهما، فاصطدما، [وماتا]، وماتت دابتهما، أو راكب الدابة، أو سابقها غلبته [دابته]، فأتلفت نفساً أو مالاً - هل يجب الضمان؟ اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: فيه قولان؛ كالسفينتين إذا اصطدمتا بغلبة الريح أو الموج.
أحدهما: لا ضمان على راكب الدابة، ولا صاحب السفينة؛ لأنه مغلوبٌ.
والثاني: يجب؛ كما لو لم يكن مغلوباً.
ومنهم من قال: ههنا يجب الضمان قولاً واحداً، بخلاف السفينتين، وهو الأصح.
والفرقُ: أن جري السفينة تكون بالريح، وليست الريح تحت تصرفه حتى ينسب التفريط إليه، والدابة عنانها وذمامها بيد صاحبها، يصرفها كيف شاء: فإن غلبته - فلسوء فروسيته وسياسته وعمله؛ فكان مفرطاً؛ فضمن - فعلى هذا: إذا اصطدمت دابتان بالغلبة - يجب نصف قيمة الدابة في ماله، ونصف الدية مخففة على العاقلة.
قال الشيخ - رحمه الله-: ولو غلبته دابته، فاستقبلها رجلٌ، فردها عن وجهها، فانصرفت، وأتلفت شيئاً - يجب الضمان على الرادِّ.
ولو نخس رجلٌ دابةً، فأسقطت الراكب، وأتلفت شيئاً من نخسه - ضمن الناخس ما كان مالاً، وعاقلته إن كان نفساً.
وإن نخس بأمر المالك - فالضمان على المالك.
[وإن غلبته دابته، فأتلفت مالاً - يجب ضمان كله لغير المغلوب].
وإن كان رجلٌ واقفٌ في موضع، فصدمه ماشٍ، وماتا - نص أندم الصادم هدرٌ، ودية المصدوم على عاقلة الصادم.
وقال أصحابنا [هذا] يُنظر فيه: فإن كان واقفاً في ملكه، فدخل رجلٌ بغير إذنه، فصدمه، فماتا، فديةُ الصادم هدرٌ، ودية المصدوم على عاقلة الصادم.
وكذلك: لو كان واقفاً في صحراء، أو في طريقٍ واسعٍ، لا يستضر الناس بوقوفه، فصدمه ماشٍ، وماتا.
وكذلك [لو قعد] أو قام في ملكه، أو في طريق واسعٍ.
فأما إذا كان واقفاً في طريق ضيقٍ، فصدمه ماشٍ، وماتا - نص [على] أن دم الصادم
هدرٌ، ودية المصدوم على عاقلة الصادم، وقال فيما إذا كان قاعداً أو نائماً في طريق، فعثر به ماشٍ، وماتا: إن دم النائم والقاعد هدرٌ، ودية الماشي على عاقلة النائم والقاعد، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين.
أحدهما: دم الصادمين هدر، ودم المصدومين على عاقلة الصادمين، لأن المشي مباح له في الطريق، بشرط السلامة؛ كالأعمى إذا خرج بلا قائد، فوقع على مال إنسان، فأتلف - يجب عليه الضمان.
والثاني: دم المصدومين هدرٌ، ودية الصادمين على عاقلة المصدومين؛ لأن الطريق للمشي فيه، وليس للوقوف والقعود والنوم، فمن فعل شيئاً منها - يكون بشرط السلامة.
ومنهم من فرق بينهما، وقال في الوقوف: دم الصادم هدرٌ، وفي النوم والقعود: دم المصدوم هدرٌ؛ وهو الأصح، والفرق: أن الطريق كما هو محل للمشي - فهو محل للوقوف؛ فإن الماشي قد يحتاج إلى الوقوف؛ لانتظار رفيق أو إجابة داعٍ أو متكلم يتكلم معه - فلم يكن بالوقوف مفرطاً؛ فضمن الصادم ديته، وليس محل الجلوس والنوم؛ فجعل نفسه به عرضة للهلاك، وصار جانياً على أخيه؛ فضمن دية الصادم.
هذا، إذا لم يوجد من جهة الواقف فعلٌ، فإن وجد من فعلٌ؛ بأن انحرف إليه كما بلغه الماشي، فصدمه في حال انحرافه، فماتا - فهو بمنزلة ماشيين اصطدما؛ سواءٌ كان في ملكه أو في طريق واسع أو ضيقٍ - فنصف دية كل واحدٍ هدرٌ، ونصفها على عاقلة الآخر.
وإن لم يكن تحرفه إليهن بل تحرف مولياً عنه - فالصادم هو الماشي، وهو كما لو كان قائماً - لم ينحرف.
والعراقيون من أصحابنا قالوا: إذا كان واقفاً أو نائماً في طريق ضيق، فصدمه أو عثر به ماش، وماتا - يجب على عاقلة كل واحد منهما كمال دية الآخر؛ لأن الواقف والنائم في الطريق الضيق مفرط؛ فكان سبباً لقتل صاحبه، والماشي باشر قتله بالصدم؛ فضمن كل واحد دية الآخر.
وما ذكر في "المختصر": أن دم الصادم هدرٌن وعلى عاقلة دم المصدوم: أراد به [إذا] كان واقفاً في ملكه أو في طريق واسعٍ.
قال الشيخ رحمه الله:
ولو جلس في مسجد، فصدمه إنسان، وماتا - تضمن عاقلة الصادم دية المصدوم، ولا يضمن المصدوم دية الصادم.
وكذلك: لو نام [فيه] وهو معتكف؛ كما لو جلس في ملكه.
ولو جلس لأمرٍ ينزه عنه المسجد، أو استوطن المسجد لا لقربةٍ - فهو الجاني لا الصادم، فإن مات به الصادم - فيجب الضمان على عاقلته.
وقد رأيت لأصحاب أبي حنيفة أنه إن جلس لغير صلاةٍ - ضمن الجالس دية الصادم.
فصلٌ
ولو أن جماعة رموا بالمنجنيق، وعينوا شخصاً أو جماعة، والغالب: أنه يصيبهم فأصابهم، وماتوا - يجب القود على الجاذبين، أو كمال ديتهم في مالهم؛ كما لو رمى سهماً إلى رجل، فأصابه - فلا ضمان على من نصب المنجنيق، أو وضع الحجر فيه، أو أمسك الخشبة، إنما الضمان على الجاذبين.
وقال العراقيون من أصحابنا: لا يجب القود في رمي المنجنيق؛ لأنه لا يمكن أن يُقصد به رجلٌ بعينه في الغالب، ثم إن كان قصد رجلاً بعينه، فأصابه - فتجب الدية مغلظة على العاقلة، وإن لم يقصد أحداً بعينه، بل رمى مطلقاً، أو عين شخصاً، فأصاب غيره، أو كر الحجر على واحدٍ من النظارة - فتجب الدية مخففة على العاقلة.
ولو رمى إلى جماعة، يعلم أنه يصيب بعضهم، [ولم يعين، فأصاب واحداً - وإلى حصن فيه قومٌ، يعرف أنه يصيب بعضهم]، فأصاب فلا قود، وتجب الدية مغلة على العاقلة.
وكذلك: لو رمى سهماً إلى جماعةٍ، ولم يعين واحداً؛ بخلاف [ما لو رمى سهما]، إلى جماعة من الظبي، ولم يعين واحداً، فأصاب واحداً - حل أكله؛ لأن حقيقة القصد إلى شخص - شرطٌ في القصاص غير شرط في حل الأكل؛ بدليل أنه لو رمى على صيدٍ، فنفذ منه إلى غيره - يحل الثاني على الأصح، وفي مثله لا يجب القود.
ولو عاد حجر المنجنيق على الجاذبين فقتل واحداً منهم - مات هذا بفعله، وفعل
شركائه؛ مثل إن كانوا عشرة - فعُشرُ دمه هدرٌ، وعلى عاقلة كل واحدٍ من التسعة عشر ديته.
وإن عاد على جميعهم، فقتلهم - فعشر [دية] كل واحد هدر، وعلى عاقلة كل واحد منهم - تسعة أعشار الدية، لكل واحد عشرها.
ولو أن رجلين جرا حبلاً بينهما فانقطع الحبل، فسقطا، وماتا - فنصف دية كل واحد منهما هدرٌ، ونصفها على عاقلة الآخر؛ سواء وقعا منكبين أو مستلقيين، أو وقع أحدهما منكباً، والآخر مستلقياً، غير أن نصف دية المنكب مغلظة على عاقل المستلقي، ونصف دية المستلقي مخففة [عُذراً].
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إن وقعا منكبين -فعلى عاقلة كل واحد منهما تمام دية الآخر، وإن وقعا مستلقيين - فدمهما هدرٌ، وإن وقع أحدهما منكباً والآخر مستلقياً - فدم المستلقي هدرٌ، وعلى عاقلته جميع دية المنكب؛ لأنه ينكب بفعل صاحبه، ويستلقي بفعل نفسه.
وإن كان أحد الجاذبين غاصباً - فدم الغاصب هدرٌ، ونصف دية الآخر على عاقلة الغاصب.
ولو جرا حبلاً، فقطع رجلٌ الحبل بنيهما، فسقطا، وماتا - فجميع ديتهما على عاقلة القاطع.
ولو أرخى أحدهما، فسقط الآخر، ومات - فنصف ديته على عاقلة المُرخي، ونصفها هدرٌ؛ لأنه لولا قوة جره- لما سقط بالإرخاء فقد مات من فعله وفعل الآخر.
فصلٌ
إذا اصطدمت سفينتان في البحر، فتكسرتا، وغرق ما فيهما، وهلك - نظر:
إن كان ما فيهما مال القائمين بالسفينتين والسفينتان ملكهما - فعلى كل واحدٍ منهما نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها من الأموال، والنصف هدرٌ؛ لأن الهلاك حصل بفعلهما.
وإن مات القائمان - فكالفارسين اصطدما، وإن حمل المالكان للسفينة الأموال والنفوس بأجرة أو متبرعين، فاصطدمتا، وهلك ما فيهما - نُظر:
إن قصد الصدم بما يقول أهل الخبرة؛ انه يحصل به التلف - فعليهما القود بسبب الأحرار الذين هلكوا؛ فيُقرع بين الهالكين؛ فمن خرجت قرعته - يقتل القائمان به، وديات الباقين في أموالهما؛ وعلى كل واحد منهما نصف قيمة ما في سفينته، ونصف قيمة ما في سفينة صاحبه من الأموال والعبيد لا يهدر شيء منها، وعلى كل واحد كفارةٌ بعدد كل حر وعبدٍ في السفينتين، وعلى كل واحد نصف قيمة سفينة صاحبه ونصفها هدرٌ.
وإن مات القائمان فنصف [دية] كل واحدٍ هدرٌ، ونصف ديته في مال الآخر مغلظة.
وإن قصدا الصدم بما لا ينكسر غالباً، فانكسرتا - فحكم الضمان على ما ذكرنا، غير أنه لا يجب القود ههنا، وتكون الدية مغلظة على العاقلة.
وإن لم يقصد الصدم، ولكن توانيا في الضبط، أو سيرا السفينة في ريح شديدةٍ، لا تسير السفن في مثلها، أو أخطأ بأن قصد كل واحد جانباً، فاصطدمتا -فالدية مخففة على العاقلة.
وإن كان القائمان بالسفينة أجيرين للمالكين، أو أمينين لهما - فالضمان عليهما، ولا يسقط شيءٌ من ضمان السفينتين، فعلى كل واحد نصف قيمة كل واحد من السفينتين لمالكها، وكل واحد من المالكين بالخيار بين أن يرجع بجميع قيمة سفينته على أمينه، ثم الأمين يرجع بالنصف على الآخر، وبين أن يرجع بالنصف على أمينه، وبالنصف على الآخر.
وإن كان القائمان بالسفينتين عبدين - فكالحرين إلا أن الضمان يتعلق برقبتهما.
وإن حصل الاصطدام بغلبة الرياح وهيجان الأمواج - لا بصنع وتفريط من القائمين، ولم يمكنهما حفظهما - ففي وجوب الضمان قولان
أحدهما: لا يجب الضمان عليهما؛ لأنهما مغلوبان؛ كما لو نزلت صاعقة من السماء فأحرقتهما، وهذا أصح.
والثاني: يجب كالفارسين غلبتهما دابتاهما؛ لأن عهدة ركوبهما عليهما.
واختلف أصحابنا في محل القولين، منهم من قال: محل القولين فيما إذا لم يكن من جهة القائمين فعلٌ بأن كانت السفينتان واقفتين على الشط، أو أرسياهما في موضع، فجاءت ريح، فسيرتهما، وصدمتهما، فأما إذا سير السفينة بأنفسهما، ثم هبت ريح، فغلبتهما - فعليهما الضمان؛ لأن ابتداء السير كان بفعلهما.
وقال أبو إسحاق والإصطخري: لا فرق بين الحالتين، وفيهما قولان؛ بخلاف الفارسين؛ لان ضبط الدابة باللجام ممكن، ولا يمكن ضبط السفينة إذا غلبت الريح، فإن قلنا: يجب الضمان - فهو كما لو كان الاصطدام بتفريطهما إلا أن القصاص لا يجب، والدية [تكون] مخففة على العاقلة، فإن قلنا: لا يجب الضمان- فلا يجب ضمان الأحرار، ولا ضمان ما فيها من الودائع والأمانات.
وأما ما حملوا من الأموال بالأجرة - نظر
إن كان مالكها معها- فلا: يجب ضمانها؛ وإن لم يكن - ففي وجوب ضمانها قولان؛ كالمال في يد الأجير المشترك.
وإن كان فيها عبيدٌ- نظر:
إن كانوا أعواناً أو حُفاظاً للمال - فلا يجب ضمانهم، وإن كانوا حفاظاً للمال - فلا يجب ضمان المال أيضاً؛ كما لو كان المالك معها؛ وألا - فهم كسائر الأموال؛ فعلى هذا القول: لو اختلف صاحب المال مع القائم بالسفينة، فقال صاحب المال: حصل الاصطدام بفعلك وتفريطك، وقال القائم بل بغلبة الرياح - فالقول قول القائم بالسفينة؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وإن كان أحد القائمين مفرطاً دون الآخر - ضمن المفرط على ما كرنا فيما لو كانا مفرطين، وحكم الآخر حكم ما لو لم يكونا مفرطين.
ولو كانت السفينة مربوطة في الشط، فجاءت سفينة [أخرى]، فصدمتها، وكسرتها - فلا ضمان على قيم السفينة المربوطة، وإنما الضمان على صاحب السفينة الصادمة أهـ.
فصلٌ
إذا كانوا في سفينةٍ، فثقلت، وخافوا الغرق فألقى رجلٌ متاع نفسه أو متاع غيره بإذنه في البحر؛ لتخف السفينةُ، فيسلم من الغرق - لا يجب الضمان على أحد، ولو ألقى متاع غيره بغير إذنه - يجب الضمان.
ولو قال رجلٌ لآخر: ألق متاعك في البحر؛ على أني ضامنٌ، فألقى - يجب الضمان على القائل، سواءٌ كان القائلُ معه في السفينة، أو لم يكن، وسواءٌ سلم أو لم يسلم، فإن لم يسلم، وغرق - يكون في تركته، وتعتبر قيمة المال لما قبل هيجان الأمواج؛ لأنه لا قيمة له في تلك الحالة، ولا تجعل قيمته في البحر كقيمته في البر؛ لأن المال في البحر يعرض للهلاك.
وقال أبو ثور: لا يجب الضمان على القائل؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
قلنا: ليس هذا بحقيقة ضمان؛ لأن الضمان يستدعي مضموناً عنه؛ وليس ههنا مضموناً [عنه] ولكنه بذل مال [لنا] لتخليص جماعةٍ من الهلاك؛ كما لو قال: أطلق هذا الأسير، ولك علي ألفٌ، فأطلقه - يستحق الألف، وكذلك قال شيخي - رحمه الله-: لو قال لمن له القصاص: أعفُ ولك عليَّ ألفٌ، فعفا - يستحق الألف، ولا دية له، وكذلك لو قال أطعم هذا الائع، ولك عليَّ كذا، فأطعم يستحق ما سمي، فأما إذا قال: ألق متاعك في البحر، ولم يقل على أني ضامنٌ - ففعل: لا شيء عليه؛ سواءٌ كان القائل معهم في السفينة أو لم يكن؛ كما لو قال: أعتق عبدك، أو طلق زوجتك، ولم يشترط عليه عوضاً، ففعل - لا شيء على القائل، ولو قال واحدٌ من ركبان السفينة لآخر: ألق متاعك في البحر؛ على أني ضامن، وركبان السفينة، ففعل - يجب على كل واحدٍ حصته؛ إن قال ذلك بأمر أصحابه؛ مثل: إن كانوا عشرة - فعلى كل واحدٍ عشر الضمان، وإن قال دون أمرهم - فعلى القائل حصته، ولا شيء على الآخرين، وإن رضوا بعده، وقول الشافعي - رضي الله عنه-: "ضمنه دونهم" أراد به حصته، لا الجميع؛ كما توهمه المُزني.
وإن قال: على أني ضامن، وركبان السفينة، أو قال: أنا وهم ضمناء، وأنا ضامن عنهم أو أنا أضمن من مالهم - فعليه ضمان الكل، ثم إن قال بإذنهم - رجع عليهم بحصتهم، وإن أنكر أصحابه الإذن - فالقول قولهم، ولا رجوع له عليهم.
ولو قال واحدٌ منهم لآخر: أنا ألقي متاعك في البحر؛ على أني وهم ضامنون ففيه وجهان
أحدهما: لا يلزمه إلا حصته؛ كما لو قال لصاحبه: ألقه على أني وهم ضمناء.
والثاني: عليه ضمان الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف، ولو قال لآخر: ألق متاع فلانٍ، وعليَّ ضمانه؛ إن طالبك فلان، فألقي - فالضمان على الملقي ولا شيء على القائل.
أما في غير حال الخوف إذا قال رجلٌ لآخر: ألق متاعك في البحر، فألقي - لا ضمان على القائل؛ سواءٌ قال: على أني ضامنٌ، أو لم يقل؛ لأنه لا غرض له فيه؛ كما لو قال: اهدم ذلك، وأنا ضامنٌ، ففعل - لا شيء عليه.
ولو كان رجلٌ وحده في سفينة مع ماله، وخيف الغرق، فقال له رجلٌ: ألق مالك في البحر؛ على أني ضامنٌ، ففعل - لا يجب الضمان - ذكره شيخي - رحمه الله؛ لأن عليه تخليص نسه؛ كما لو قال للمضطر: كل طعامك؛ ولك علي درهمٌ، فأكل - لا يستحق شيئاًن فإن كان القائل معه في السفينة - ضمن؛ لأن له غرضاً في تخليص نفسه بإتلاف مال غيره.
ولا يجوز إلقاء المال في البحر عند عدم خوف الغرق؛ لأنه إسرافٌ وإضاعةٌ للمال.
وعند خوف الغرق: يجب إلقاء غير ذي الروح؛ لتخليص ذي الروح، فلو لم يفعل، فغرقت - لا ضمان عليه؛ [كصاجب الطعام، إذا لم يطعم الجائع، حتى هلك - يعصي الله تعالى، ولا ضمان عليه.
ولا يجوز إلقاء الدواب ما دام في السفينة غير الحيوان، فإن لم يكن إلا الدواب - جاز إلقاؤها؛ لتخليص الآدميين؛ كالجائع يعقر حماره للأكل، ولا يجوز إلقاء العبيد؛ كالأحرار.
فصلٌ
لو أن رجلاً خرق سفينةً، فغرق ما فيها - يجب عليه ضمان ما فيها: من مال ونفسٍ؛ سواءٌ تعمد أو أخطأ.
فإن كان فيه أحرارٌ، فغرقوا - نظر:
إن تعمد خرقها بما يحصل به الهلاك غالباً؛ بأن خرقها خرقاً واسعاً - فعليه القود أو الدية
مغلظة في ماله، وإن فعل ما لا يحصل به الهلاك غالباً - فهو شبه عمدٍ تجب به الدية مغلظة على العاقلة.
وكذلك: إن قصد إصلاح السفينة؛ فتخرق موضع إصلاحه، فغرقت - فهو شبه عمدٍ.
وإن أصاب فأسه من غير موضع إصلاحه فتخرق - فهو خطأٌ.
وكذلك: إن قصد إصلاح شيء آخر في السفينة: من قطع شيء، أو نجرٍ خشبٍ، فأخطأ، أو سقط من يده حجرٌ، أو شيء فانثقبت السفينة، فغرقت - فهو خطأ تكون الدية مخففة على العاقلة.
وعلى الأحوال كلها: يجب ضمان سائر الأموال في ماله وعليه بكل حر وعبدٍ هلك كفارةً.
ولو وضع رجلٌ متاعه في سفينة، فيها مالٌ، فغرقت؛ مثل: عن كان فيها تسعة أعدال، فوضع رجلٌ فيها عدلاً، فغرقت لا يجب ضمان هذا العدل، ويجب ضمان [الأعدال] التسعة، وكم يجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب ضمان الكل؛ لأن الهلاك حصل بفعله.
والثاني: لا يجب ضمانُ الكل؛ لأن الهلاك حصل بثقل الكل؛ فعلى هذا: كم يجب عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليه ضمان النصف؛ كما لو جرح رجلان رجلاً احدهما جراحةً، والآخر تسعاً، فمات المجروح - فالدية عليهما نصفان.
والثاني: عليه عشر الضمان؛ لأن الهلاك حصل بعدله، وتسعة أمثاله.
وهذا بناء على ما لو ضرب الجلاد في حد القذف أحداً وثمانين، فمات المضروب - كم يجب عليه من الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: نصف الدية.
والثاني: جزءٌ من أحدٍ وثمانين جزءاً من الدية؛ لأنه لم يتعد إلا بضرب سوط [واحد]، والله أعلم.
باب: من العاقلة التي تُغرم؟
ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين".
وقد ذكرنا: أن الدية في الخطإ وشبه العمد - تكون على العاقلة، وليس ذلك يقاس؛ لما فيه من مؤاخذة غير الجاني بجناية الجاني، ولكن أهل القبائل كانوا يقومون بنصرة من جنى من قبيلتهم، ويمنعون أولياء المجني عليه من طلب حقه؛ فجعل الشرع تلك النصرة ببذل المال، واختص التحمل بالخطأ، وشبه العمد؛ لأنه مما لا يمكن الاحتراز عنه، ويكثر [ذلك] من الإنسان - ففي إيجاب ضمانه في ماله إجحاف به؛ فأوجبه على العاقلة؛ على طريق المواساة؛ لكون الجاني معذوراً فيه، وجعله مؤجلاً عليهم؛ نظراً لهم في تلك المواساة، ولا يجب [شيء منه] على الجاني، ولا على أحد من بنيه، ولا من أولاد بنيه، ولا على أبيه، ولا على احد من أجداده، لأنه لما لم يجب على الجاني - لا يجب على من بينه وبين الجاني بعصبةٍ، حتى لو كان ابن القاتل ابن عمه أو معتقه أو أبوه معتقه - فلا يتحمل؛ لوجود البعضية.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله - يجب على أبيه وابنه، ويجب في ماله إذا كان عاقلاً بالغاً ذكراً ما يجب على واحدٍ من العاقلة، والسنة حجة لمن لم يوجب.
ثم الوجوب يلاقي الجاني، ثم تتحمل عنه العاقلة أم يلاقي العاقلة ابتداء
لأصحابنا فيه جوابان:
أصحهما: يلاقي الجاني، ثم تتحمل عنه العاقلة، [بدليل أن الجاني لو] لم تكن من أهل أن تتحمل عنه؛ بأن كان مرتداً- تؤخذ الدية من ماله، وإن كان ذمياً، وعاقلته أهل حرب - تؤخذ من ماله.
ولو أقر على نفسه بقتل خطإ، وكذبته العاقلة - تكون الدية في ماله.
والثاني: تجب على العاقلة ابتداء؛ بدليل أنه لا يطالب [به] الجاني.
وفائدته تتبين فيما إذا لم يكن للقاتل عاقلة، أو كانوا معسرين، ولم يكن في بيت
المال مالٌ أو كان، ولم يدفع - هل تؤخذ من مال الجاني؟ فيه قولان:
إن قلنا: الوجوب يلاقي الجاني - تؤخذ من ماله، وهو الأصح؛ كالذمي إذا جنى، ولا عاقلة له - تؤخذ الدية من ماله.
والثاني: لا تؤخذ؛ لأن محل جنايته بيت المال؛ [فينظر] حتى يحصل فيه مالٌ، وتؤخذ منهن فإن قلنا: تجب على الجاني عند عدم العاقلة وبيت المال فهل تجب على أبيه أو ابنه؟ فيه وجهان
أصحهما: تجب، وتبدأ بأبي القاتل وابنه، ثم بالقاتل، لأنا لم نحملهما لبعضية القاتل، فإذا أوجبنا على القاتل - فعليهما أولى.
والثاني: لا تجب عليهما؛ لأن الإيجاب على القاتل؛ لما أن الوجوب لاقاه، والأب والابن لم يجب عليهما حتى يقال: تبقى عليهما؛ إذا لم يكن من يتحمل.
قال الشيخ رحمه الله-: وهذا عندي أولى؛ بدليل [أنه] إذا أمر على نسه بقتل خطإ، وكذبته العاقلة، وصدقه أبوه وابنه - تكون الدية في ماله، ولايجب على أبيه وابنه شيء.
فصلٌ
والعاقلة الذين يحملون العقل هم رجال العصبة سوى الآباء والبنين، وترتيبهم فيه كترتيب الميراث.
فإن قل العقل - وفي الأقرب منهم وفاء لاتؤخذ من الأبعد، وإن كثروا، ولم يكن في الأقربين وفاءٌ - شارك الأبعد الأقرب؛ بخلاف الميراث؛ حيث لا يشارك فيه الأبعد الأقرب؛ لان ما يتحمل كل واحد من العاقلة مقدرٌ بتقديرٍ، لا يجاوز وما يرثه غير مقدرٍ.
فيبدأ بالإخوة للأب والأم، ثم بالإخوة للأب، وفيه قولٌ آخر يسوى بين الأخ للأب والأم والأخ للأب؛ كما قيل في التزويج، والأول أصح.
ثم بعد الإخوة بنو الإخوة للأب والأم، وللأب؛ يقدم الأقرب فالأقرب؛ سواء كان الأقرب [لأب] وأم، أو لأب: فإن استويا في الدرجة - يقدم من هو لأب وأم على من هو لأبٍ؛ على أصح القولين:
فإن لم يكن أحدٌ من بني الإخوة، وإن سفلوا أو لم يكن منهم وفاءٌ - فالعم للأب والأم،
ثم العم للأب، وقيل: يسوى بينهما، ثم بنوا العم، وإن سفلوا، ثم عم الأب ثم بنوه، ثم عم الجد، وإن علوا؛ على هذا الترتيب.
فإن لم يكن أحدٌ من عصبات النسب - فالمعتق؛ ثم عصباته، ولا يجب على ابن المعتق، ولا على أبيه؛ كما لا يجب على ابن الجاني وأبيه، وقيل: يجب على ابن المعتق وأبيه؛ لأنه لا بعضية بينه وبين الجاني؛ كما يجب على المعتق، والأول هو المذهب.
فإن كان المعتق امرأة - فلا يجب عليها، والمذهب: أنه لا يجب- أيضاً - على أبيها، ولا ابنها، ويجب على سائر عصباتها، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى على عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه- بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب، وقضى للزبير بميراثهم؛ لأنه ابنها؛ فأوجب العقل على عليِّ - رضي الله عنه- لأنه ابن أخيها، ولم يوجب على ابنها الزبير.
فإن لم يكن أحدٌ من عصبات المعتق - فعلى معتق المعتق، ثم عصباته، سوى الأب والابن.
فإن كان الرجل [حر] الأصل - فعلى أبيه، ولا يجب على موالي الأب، وكذلك: على موالي أب الأب قال الشيخ - رحمه الله -: إن لم يكن على أبيه ولاء للغير -غرم معتق الأم والجدات.
قال - رحمه الله-: إذا كان الأب مملوكاًن فتجب على موالي الأم، وهل يتحمل مولى الأسفل؟ فيه قولان:
أصحهما: - وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله-: لا [يتحمل]؛ كما لا يرث.
والثاني: يتحمل بعد المولى الأعلى؛ إن لم يكن في عصبات النسب والولاء وفاءٌ؛ بخلاف الميراث؛ لأنه بمقابلة النعمة التي للمعتق؛ بسبب الإعتاق، وليست تلك النعمة للمعتق، ويتحمل العاقلة للنصرة، فإذا نصر المعتق مولاه - فالمعتق أولى بنصرة معتقه: فإن قلنا: تؤخذ من المولى الأعلى، والأسفل لا تؤخذ من عصباته، ويتقدم على بيت المال: فإن لم يكن [أحدٌ من عصبات النسب، ولا من عصبات الولاء، أو لم يكن] فيهم وفاءٌ - تؤخذ
من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال [مالٌ]- هل تؤخذ من الجاني، أم ينتظر حتى يظهر في بيت المال مالٌ؟ فيه قولان:
ولا يتحمل أهل الديوان بعضهم عن بعض، ولا الحليف ولا العديد الذي يعد نفسه من قوم، ولم يكن منهم.
وعند أبي حنيفة: أهل الديوان يتحملون، ويتقدمون على الأقارب، وكذلك: يتحمل الحليف [عنده].
فنقول: قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدية على العاقلة ولم يكن في عهده ديوان، وإنما أحدث في زمن عمر، فلا ينزل حكم استقر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- ويبني على أمرٍ حدث من بعدُ.
وإنما يتحمل العقل من كان حراً بالغاً عاقلاً ذكراً؛ فلا يتحمل العبدُ، ولا الصبي، ولا المجنون، ولا المرأة؛ لأن التحمل للنصرة، وهؤلاء ليسوا من أهل النصرة.
وكذلك الكافر لا يتحمل عن المسلم، لأنه لا ينصر المسلم، وقد قطع الله الموالاة بينهما.
ويتحمل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة، والشيخ الكبير إذا لم يبلغ حد الهرم؛ فإن بلغ المريض حد الزمانة، والشيخ حد الهرم ففيه وجهان؛ بناء على القولين في جواز قتلهما من الكفار عند الأسر.
ولا يؤخذ من الخنثى؛ لاحتمال أنه أنثى، فإن بان ذكراً، أو اختار الذكورية قبل انقضاء النجوم - فيتحمل في الباقين وهل يغرم مااداه غيره من حصته قبل بيان حاله؟ فيه وجهان:
ولا يجب على الفقير أن يحتمل العقل؛ لأن تحمل العقل للمواساة، وليس هو من أهل المواساة؛ كما لا تجب عليه الزكاة؛ بخلاف الجزية؛ لأنها أجرة سُكنى الدار، والفقير ساكنها.
وتؤخذ الدية من العاقلة في ثلاث سنين في ل سنة ثلثها؛ روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر.
وعند ربيعة: تؤخذ خمس سنين.
أما دية الطرف: إن كانت قدر ثلث دية النفس أو أقل - فتؤخذ في سنة واحدةٍ؛ لأنه لا يجب على العاقلة شيء في أقل من سنة وإن قل الواجب، مقدراً كان أو حكومة.
وإن كان الواجب أكثر من الثلث، ولم يزد على الثلثين؛ بأن قطع إحدى يديه - يؤخذ الثلثان منهما، وهو ثلث دية النفس في سنةٍ، والباقي، وإن قل في سنة.
إن كان أكثر من الثلثين، ولم يزد على دية النفس - تؤخذ في ثلاث سنين الثلث: في السنة الأولى وفي الثانية: الثلث، والباقي في السنة الثالثة.
وإن زاد على دية النفس، بأن قطع يديه ورجليه- فعليه ديتان، وتؤخذ في ست سنين في ل سنة ثلث دية على الأصح.
وقيل: يؤخذ الكل في ثلاث سنين؛ لأن الأطراف تابعةٌ للنفس، ولا تزاد مدتها على مدة بدل النفس.
والأول المذهب، كما يزاد بدلها على بدل النفس.
وإن وجب بالجناية دية نفسٍ ناقصةٍ؛ كدية المرأة والذمي والجنين - ففيه وجهان:
أحدهما: يجب في ثلاث سنين: في كل ستةٍ ثلثها؛ لأنها دية نفس كدية الحر المسلم.
والثاني: أنه كأرش الأطراف، إذا انتقص [عن الدية]؛ لأنه أقل من الدية الكاملة.
فعلى هذا: دية المرأة تؤخذ في سنتين: الثلثان منها في سنةٍ، والثلث في سنةٍ.
ودية الذمي في سنةٍ، كتابياً كان أو مجوسياً؛ لأن دية الكتابي ثلث دية المسلم، والمجوسي - وإن كانت ديته أقل - فلا تؤخذ في اقل من سنة وكذلك دية الجنين.
ولو قتل عبداً خطأ، أو شبه عمدٍ، وقلنا: تحمل بدله العاقلة: فإن كانت قيمته مثل دية حر - تؤخذ في ثلاث سنين، وإن كانت أقل - فعلى وجهين؛ كالدية الناقصة.
أحدهما: تؤخذ في ثلاث سنين، وإن قلت.
والثاني: إن كانت قدر ثلث الدية - ففي سنة، وإن كانت أكثر من الثلث، ودون الثلثين - ففي سنتين، وإن كانت أكثر من الثلثين - ففي ثلاث سنين، وإن كانت قيمته مثل دية حر - ففيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ في ثلاث سنين، وإن كانت كدية الحر.
والثاني: في ست سنين؛ لأنها قدر ديتين إذا زاد يزاد في المدة.
وابتداء المدة في القتل يكون من وقت زهوق الروح؛ سواء كان القتل موجباً، [أو قطع عضواً منه، أو جرحه؛ فسرى إلى النفس بعد مدة].
وإن قطع عضواً.
منه - نظر:
إن وق؛ فيكون ابتداؤها من وقت القطع، وإن سرى إلى عضو آخر؛ مثل: عن قطع إصبعه، فسرى إلى الكف - يكون من وقت سقوط الكف؛ لأن تلك الحالة حالة استقرار الجناية.
وإن قتل رجلين خطأ، فيكون ابتداء مدة كل واحد - من وقت قتله، وإن قتلهما معاً - فمن ذلك الوقت على عاقلته ديتان في ثلاث سنين: لكل واحد في كل سنةٍ ثلث الدية.
وعند أبي حنيفة-: [يكون] ابتداء المدة من وقت حكم الحاكم؛ لوجوب الدية على العاقلة، والاعتبار فيما يؤخذ من العاقلة بآخر الحول؛ كالزكاة.
فإن تم الحول، ولهم إبلٌ - فعليهم، وإن لم يكن لهم إبلٌ - فتؤخذ قيمتها؛ على القول الجديد، وفي القديم: يؤخذ بدلٌ مقدر من التقدير، فإن وجدت الإبل بعد الحول قبل أخذ القيمة؛ بأن تأخر بعسر أو مطل فعليهم الإبل، وإن وجدت بعد أخذ البدل - ليس له أن يعود إلى الإبل؛ لأن باءة الذمة قد حصلت بدفع البدل.
وكذلك يعتبر يسار المؤدي وإعساره، وتوسطه بآخر الحول.
فإن كان موسراً في أول الحول، معسراً في آخره - لا شيء عليه لذلك الحول.
وإن كان متوسطاً في آخره - فعليه ما على المتوسط.
وإن كان معسراً في أول الحول، موسراً في آخره - أخذه منه.
وإن كان في أول الحول كافراً أو عبداً أو صبياً أو مجنوناً، وكان مسلماً حراً بالغاً عاقلاً في آخره - هل تؤخذ تلكل السنة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما لو كان معسراً في أول الحول، موسراً في آخره.
والثاني: -وهو الأصح-: لا تؤخذ؛ لأنهم لم يكونوا في ابتدائه من أهل النصرة؛ بخلاف المعسر؛ ولا خلاف: أنه لو وجد تغير الحال في الحول الثاني لا يؤخذ للأول، ويؤخذ للحول الثالث.
ولو غُرم النجم الأول، فأعسر في الحول الثاني، أو جن - فلا شيء عليه للحول الثاني.
ومن صار من أهل التحمل من العاقلة بعد مضي الأحوال الثلاثة-[لا تؤخذ منه.
وكذلك من صار من أهله بعد مضي حول - لا تؤخذ لما مضى، وقد مضى الأحوال الثلاثة]، إذا لم يكن في العاقلة وفاءٌ - تؤخذ الباقي من بيت المال، وكذلك لك حول يمضي، ولم يحصل منه الثلث يكمل من بيت المال، ولا يوزع على المسلمين.
ولو مات واحدٌ من العاقلة في خلال الحول - لا شيء عليه لذلك الحول؛ كما في الزكاة ذا مات رب المال في خلال الحول - لا زكاة عليه؛ بخلاف الجزية، إذا مات الذمي في أثناء الحول - تؤخذ منه بقدر ما مضى من الحول؛ لأن الجزية بدل السكنى؛ كالأجرة، ولو مات بعد مضي الحول - تؤخذ حصة ذلك الحول من تركته.
وعند أبي حنيفة - تسقط.
وإن لم يكن للقاتل عاقلةٌ، أو كانوا معسرين - فالدية في بيت المال في ثلاث سنين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يترك في الإسلام مفرج".
ولا يجوز الإجحاف بالعاقلة فيما يؤخذ منهم؛ لا يؤخذ من كل موسرٍ في كل سنة إلا نصف دينار، ومن كل متوسط إلا ربع دينار، حتى يشترك جماعةٌ في بعير؛ فحمله كما ما يؤخذ من الموسر دينار ونصف، ومن المتوسط نصف دينار وربع، واليسار على العادة، ويختلف باختلاف الأزمان والبلدان.
وإنما قدرنا الأول بربع دينارٍ؛ لخروجه عن حد الفاقة، وما دونه تافه؛ بدليل أنه لا يقطع فيه يد السارق، ولا تحصل المواساة بالشيء التافه.
وأوجبنا على الغني نصف دينار؛ لأنه أقل قدر يؤخذ من الغني في الزكاة التي فُرضت للمواساة.
وعند أبي حنيفة: يؤخذ من كل واحد من ثلاثة دراهم على أربعة، غنياً كان أو فقيراً، أو متوسطاً.
ولو كان الجاني عتيق رجلين- فالمعتقان كشخص واحد، إن كانا موسرين - فعلى كل واحد ربع دينارٍ.
وإن كانا متوسطين - فعلى كل واحد ثمن دينار؛ لأن كل واحد لم يعتق إلا نصفه، فإن كان لمعتق واحداً، وله أخوان - فعلى كل واحد نصف دينار، إن كان موسراً.
وإن كان متوسطاً - فربع دينار، كما لو كان للجاني أخوان، وكما تحمل العاقلة بدل النفس تحمل بدل الطرف والحكومات كلها.
قلت: أم ثرت، حتى لو جرحه جراحة خطأ، أرشها درهم فأقل يكون على العاقلة.
وقال مالك: ما دون ثلث الدية يكون في ماله.
وعند أبي حنيفة: ما دون أرش الموضحة لا تحمله العاقلة.
ثم ناقضوا؛ فقالوا: قيمة العبد تحمله العاقلة، وإن كانت قليلة.
وكذلك قالوا: لو اشترك جماعة في قتل نفس - تحمل عواقلهم [الدية] وإن خص كل واحد أقل من أرش موضحة، ومن قتل نفسه، أو جنى على طرفه، عمداً أو خطأ - فهو هدرٌ.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق -رحمة الله عليهم- من قتل نفسه خطأ - تجب ديته على عاقلته ولورثته.
وهذا لا يصح؛ لأن الدية لو وجبت، لوجبت له؛ بدليل أن غيره لو قتله - كانت الدية مصروفة إلى ديونه ووصاياه، ولا يجوز أن يجب له بجنايته غرمٌ؛ كما لو أتلف مال نفسه -لا يجب له شيء.
ولو أقر رجلٌ على نفسه بقتل خطإ أو شبه عمدٍ - نظر:
إن صدقته العاقلة - فعلهم الدية.
وإن كذبته - فللمقر تحليفهم على أنهم لا يعلمون قتله؛ فإذا حلفوا - تكون الدية في مال المُقر مؤجلة إلى ثلاث سنين؛ بخلاف ما لو أقر لإنسان بدين مؤجل - لا يقبل قوله في الأجل؛ على أحد القولين؛ لأن دية الخطأ لا توجب إلا مؤجلة؛ بدليل ثبوت الأجل فيها من غير ذكر، وسائر الديون تكون مؤجلة وحالة، ولا يثبت الأجل فيها إلا بالذكر، ثم إذا مات المقر - هل يحل الأجل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ كسائر الديون المؤجلة تحل بموت من عليه.
والثاني: لا يحل؛ لأن الأجل ثبت في الدية شرعاً؛ كما لو مات واحد من العاقلة في خلال الحول - لا يحل عليه.
والأول عندي أصح؛ لأنه بعد موته يتعلق بالتركة، ولا أجل في الأعيان؛ بخلاف العاقلة؛ لأن الوجوب على العاقلة بطريق المواساة؛ فسقط [بموته] قبل الأجل، والوجوب على الجاني نظرٌ للمستحق؛ حتى لا يضيع حقه، فإذا مات من عليه - أخذ من تركته، وإن مات المقر معسراً - هل تؤخذ الدية من بيت المال؟ قال الشيخ رحمه الله: يحتمل ألا تؤخذ؛ كما لو كان معسراً في الحياة؛ لأن ما ثبت بالاعتراف لا يري فيه التحمل؛ كما لا تحملها العاقلة؛ ويحتمل أن تؤخذ كمن لا عاقلة له.
وقال أبو ثور، والمزني - رحمة الله عليهما -: إذا أقر على نفسه بقتل الخطإ - لا تجب الدية على أحدٍ؛ لأن وجوب دية الخطإ على [عاقلته] ولا يقبل إقراره على غيره.
ولو ادعى على رجل قتل خطإ أو شبه عمد، فأنكر: فإن أقام المدعي بينة [أو أقام شاهداً وحلف معه - تجب الدية على العاقلة، وإن لم تقم بينة - فالقول قول المدعى عليه مع يمينه] فإن نكل، وحلف المدعى - هل تجب الدية على العاقلة، وإن لم يقم بينةً - فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
فإن نكل، وحلف المدعي - هل تجب الدية على العاقلة من غير تصديقهم أم يكون في مال المدعى عليه؟ يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار من المدعى عليه أو بمنزلة البينة من المدعى
إن قلنا: بمنزلة الإقرار - يكون في مال المدعى عليه.
وإن قلنا: بمنزلة البينة - فعلى العاقلة؛ كما لو أقام بينة.
وقيل في ماله؛ لأنه كالبينة في حق المتداعيين دون غيرهما.
قال الشيخ رحمه الله: إذا أقر على نفسه بجناية خطإ، ولا عاقلة له: فإن صدقة السلطان - كانت الدية في بيت المال؛ وغلا - ففي ماله، وإن كانت له عاقلةٌ كذبته، وهو معسرٌ أو مات معسراً - يحتمل ألا يؤخذ من بيت المال؛ لأن المتحمل هو العاقلة؛ إذا كانوا موجودين؛
فإن كذبوا - لا تجب في بيت المال، فن ماتت العاقلة، ثم صدقه السلطان - تؤخذ من بيت المال.
باب أين تكون العاقلة
إذا جنى رجلٌ خطأٌ، ووجبت الدية على عاقلته: فإن كانت العاقلة كلهم حضوراً وزع الإمام الدية عليهم، وقدم الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن في الأقربين وفاءٌ - شارك الأبعد الأقرب، وإذا وزعنا عليهم، وأخذنا من كل موسرٍ نصف دينارٍ، ومن كل متوسط ربع دينارٍ، فلم يحصل منهم جميعاص -يؤخذ الباقي من بيت المال، وإن كانوا في درجة واحدة، وكثروا بحيث لو وزعنا على جميعهم - خص كل واحد منهم أقل من نصف دينار أو ربع دينار- هل للإمام أن يختار منهم جماعة تأخذ نم كل موسرٍ نصف دينارٍ، ومن كل متوسط ربع دينار، ويدع الباقين؟ فيه قولان:
أقيسهما: لايجوز؛ لأنه حق وجب على جميعهم؛ فلا تؤخذ من بعضهم؛ فعلى هذا: يوزع على جميعهم، وينقص عن النصف والربع.
والثاني: يجوز أن يخص [به] بعضهم على اجتهاده؛ لأن في توزيعه على جماعتهم مشقة وزيادة مؤنة.
وإن كانت العاقلة غيباً؛ مثل: إن جنى بمكة، وعاقلته بالشام - فحاكم مكة لا ينتصر حضور العاقلة؛ بل يتب إلى حاكم الشام؛ حتى يأخذ العقل منهم.
وإن كان بعض عاقلته بمكة، وبعضهم بالشام- نظر:
إن كان من بمكة أرب ممن بالشام- وزع عليهم: فإن لم يكن فيهم وفاءٌ - كتب إلى حاكم الشام؛ ليأخذ الباقي ممن ببلده.
وإن كان من بمكة أبعد ممن بالشام - هل للحاكم أن يأخذ من الأباعد الحضور، أم يكتب إلى حاكم الشام؛ ليأخذ من الأقارب؟ فيه قولان:
وكذلك: إذا استوى الحضور والغيب في الدرجة، وفي الحضور وفاء- هل يأخذ من الحضور [أم يسوى بين الكل؟ فيه قولان:
أصحهما: يسوى بين الكل.
والثاني: يأخذ من الحضور لأنه أسهل في وصول المجني عليه إلى حقه، والله أعلم.
باب عقل من لا يعرف نسبه
من لا يعرف نسبه: إذا قتل شخصاً خطأ؛ كواحد من الأعاجم أو الترك أو النوبة أولقيطٍ لا تعرف له قبيلة قتل شخصاً - لا تجب ديته على أهل بلده؛ بل يكون في بيت المال.
فإن ادعي نسبه رجلٌ، أو انتسب على ميت، فأقر به ورثته - ثبت نسبه، وأخذت الدية من عصباته، وإن قامت بينة على أنه من قبيلة أخرى كان الحكم للبينة [وكذلك من اشتهر نسبه من قبيلة - فعلى عصبته فيهم الدية، فإن قامت بينة على أنه من قبيلة أخرى - كان الحكم للبينة].
فإن قال قوم: إنه ليس من تلك القبيلة - فلا يدفع النسب بالسماع.
والذمي إذا جنى خطأ - فالدية على عاقلته الذميين، وإن اختلفت مللهم حتى أن اليهودي يتحمل من النصراني والمجوسي بالعصوبة، وكذلك الذمي مع المستأمن - يتحمل كل واحد عن صاحبه بسبب القرابة، ولا يتحمل المسلم عن قريبه الذمي؛ كما لايتحمل الذمي عن المسلم؛ لانهما لا يتوارثان.
[وإن كانت عاقلة الذمي أهل حرب، أو لم تكن له عاقلة أو كانوا معسرين - فالدية في مال الجاني، ولا تجب في بيت المال؛ بخلاف المسلم إذا جنى خطأن ولا عاقلة له، تؤخذ من بيت المال؛ لأن المسلم إذا مات، ولا وارث له - يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين [إرثاً لعامة المسلمين]، فلما ورث منه بيت المال - تحمل ديته، ومال الذمي والمستأمن يموت؛ يوضع في بيت المال فيئاً لا إرثاً؛ فلا يتحمل عقله.
وإذا أوجبناه في مال الذمي عند عدم العاقلة - هل يتحمل أبوه وابنه- اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: يتحمل؛ لأن الأرش يسقط عن أب الجاني وابنه بالمعنى الذي يسقط عن الجاني؛ فلما وجب - ههنا - على الجاني - وجب على أبيه وابنه.
والثاني: لا يتحمل؛ لأنه ليس بجانٍ، ولا عاقلة، وهذا هو الأصح عندي؛ لأنه ليس من أهل التحمل بحال.
وأما المرتد إذا قتل إنساناً خطأ - فالدية في ماله مؤجلة إلى ثلاث سنين؛ لأنه لا عاقلة له؛ فن مات يسقط الأجل، وأخذت من تركته عاجلاً، والله أعلم.
بابُ: وضع الحجر
إذا وضع حجراً في موضع، فعثر به إنسان، فهل، أو تلف عضو من أعضائه، اونصب شبكة [في موضع] فتعلق بها، فهلك - نُظر:
إن فعل في ملكه، أو في موات، أو في صحراء - لا ضمان عليه.
وإن فعل في طريق الناس - تجب الدية على عاقلته.
وإن هلكت به دابةٌ - تجب القيمة في ماله.
وكذلك: لو رش الطريق - عند باب داره، أو أبعد، ورمى فيه قشور البطيخ أو الرمان، فزلق به رجل إنسان أودابة - يجب الضمان.
وإن رمى القشور في صحراء، أو موات - فلا يجب به الضمان.
ولو حفر بئراً في ملكه، أو في موات للتملك أو للارتفاق - فلا يضمن ما يقع فيها.
ولو حفر في طريق الناس - نظر:
إن كان الطريق ضيقاً يستضر به الناس - فيجب ضمان ما يقع فيه؛ سواء فعل بإذن الإمام أو دون إذنه.
وإن كان الطريق واسعاً لا يستضر به الناس- نظر:
إن حفر لمصلحة
-[نفسه]-
يلزمه الضمان؛ وإن فعل بإذن الإمام؛ لأنه لا يختص بشيء من طريق المسلمين.
وإن حفر لمصلحة المسلمين: فإن حفر بإذن الإمام - فلا ضمان عليه.
وإن حفر بغير إذن الإمام - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يضمن؛ لأنه حفرها لمصلحة المسلمين؛ كما لو كان بإذن الإمام [فلا ضمان].
الثاني: يضمن؛ لأن الناظر للمسلمين هو الإمام، فما يتعلق بمصالحهم - يختص به.
وكذلك لو بنى مسجداً في طريق لا ضرر فيه على الناس، فسقط على إنسان: إن فعل بإذن الإمام - فلا ضمان عليه؛ وإلا فوجهان:
ولو علق قنديلاً في مسجد، أو بنى سقفاً، أو نصب عماداً أوطينه، فسقط على إنسان أو حفر فيه بئراً، لمصلحة المسجد، أو فرش فيه حصيراً، فزلقت به رجل إنسان، أو رش به حشيشاً، فقذيت به عين إنسان ساجد.
فإن فعل بإذن القيم - لا ضمان عليه؛ كما لو فعله القيم، وإن فعل بغير إذنه- فعلى قولين:
وعند أبي حنيفة - رحمه الله: إن لم يكن من أهل المحلة - ضمن، وهو قول أبي إسحاق.
وكذلك: لو وضع دنا على بابه؛ ليشرب الناس، فإن فعلها بإذن الإمام - لا يضمن كل ما تلف به.
وإن فعل دون إذنه - فعلى وجهين؛ بخلاف ما لو بنى دكةً على بابه، فهل بها شيء ضمن؛ لأنه فعل لمصلحة نفسه.
وكذلك السوقي، إذا وضع متاعه في الطريق؛ فعثر به إنسانٌ أو بهيمةٌ - يضمن ما هلك بسببه.
ولو حفر بئراً في ملك نفسه، أو وضع حباله أو حجراً أو سكيناً، فدخله رجلٌ، فتردى في البئر، أو وقع في الحبالة أو على السكين، فهلك - نظر:
إن دخل بغير إذنه - لا ضمان (على أحدٍ)، وإن دخل بإذنه: إن أعلمه به - فلا ضمان، وإن لم يعلمه - فعلى قولين.
وبعضنا فصلوا؛ فقالوا: ننظر: إن كان المدخل متعدداً، أمكنه الدخول من باب آخر - فلا ضمان، وإن كان المدخل واحداً - نظر: إن كان الداخل بصيراً وكان بالنهار، والبئر مكشوفة الرأس - فلا ضمان، وإن كان الداخل أعمى، أو كان ليلاًن أو كانت البئر مغطاة - ففي ووب الضمان قولان؛ كما لو قدم إليه طعاماً مسموماً، وأكله، فمات -هل يجب الضمان؟ فيه قولان:
وكذلك: لو كان في داره دابة رموحٌ، أو كلب عقور، فعقر أو رمح الداخل - قال الشيخ
رحمه الله-: الصحيح: أنه على قولين، إذا لم نعلمه من غير تفصيل؛ كما لو حفر بئراً في الطريق - لا فرق بين أن يقع فيه بصيرٌ أو أعمى بالليل أو بالنهار.
ولو حفر بئراً في ملك الغير بغير إذن المالك، أو وضع حجراً، فهلك به شيءٌ لمالك الدار - يجب الضمان على الحافر.
ولو دخله رجلٌ، فهلك به- نُظر:
إن دخل بغير إذن المالك - فهل يجب الضمان على الحافر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لتعديه بالحفر.
والثاني: لا يجب؛ لأن الداخل متعد بالدخول.
ولو دخل بإذن المالك.
فإن أعلمه المالك به - فلا ضمان على أحد.
وإن لم يعلمه - يجب الضمان على الحافر وقيل: إن كان المالك عالماً به، فلم يعلم الداخل - فالضمان عليه، ون كان جاهلاً - فعلى الحافر.
ولو وضع حجراً في شارع.
ووضع آخر [بجنبه] سكيناً، أو حفر بئراً، [فتعقل رجل بالحجر، فوقع على السكين، أو في البئر]، فن مات - فالدية على عاقلة واضع الحجر؛ لأنه بمنزلة الدافع له في البئر؛ كما لو كان في يده سكين، فألقى رجل عليه إنساناً- يجب القصاص على الملقي، فلو أن صاحب السكين أنحى السكين نحوه، حين ألقاه الملقي - فالقصاص على صاحب السكين.
أما إذا وضع حجراً في ملكه، ونصب أجنبي سكيناً بقربه، أو وضع الأجنبي حجراً، ونصب المالك سكيناً، فعثر إنسانٌ بالحجر، ووقع على السكين، فمات [به] فالدية على عاقلة الأجنبي دون المالك، سواء كان الأجنبي واضع الحجر، أو ناصب السكين؛ لأنه المتعدي فيما فعل.
ولو حفر [بئر عدوان] أو وضع سكيناً، فألقى السيل أو الريح، او سبع أو حربي إنساناً في البئر أو على السكين، فهلك - لا ضمان على أحدٍ.
ولو حفر بئر عدوان، فوضع آخر في أسلفها سيناًن فسقط رجلٌ في البئر على
السكين، فهلك - فالدية على عاقلة الحافر.
ولو وضع حجراً في الطريق فتعقل به رجلٌ، فدحرجه، ثم تعقل به رجلٌ آخر، فهلك - فالضمان على عاقلة المدحرج، ويجعل كأنه وضعه.
ولو وضع رجلٌ حجراً في الطريق، ووضع رجلان حجراً آخر بجنبه، فتعقل بالحجري، رجل، ومات - فوجهان:
أصحهما: الدية على عواقل الثلاثة أثلاثاً؛ كما لو مات من جرح ثلاثةٍ.
والثاني: على المنفرد نصفه، وعلى الآخر) نصفه.
ولو بالت دابته أو راثت، فزلقت به رجل إنسان، أو دابة فهلك أو طار شيء من بوله إلى طعام إنسان، فنجسه نظر:
إن كانت الدابة في ملكه - لا ضمان عليه.
وإن كانت في الطريق - نظر:
إن كان المالك معها - يجب الضمان، سواءٌ كانت الدابة واقفة أو في اليسر.
وإن لم يكن المالك معها - فلا ضمان عليه؛ إن كانت مرسلة، وإن كان قد أوقفها أو ربطها في الطريق -يجب الضمان؛ إن كان الطريق ضيقاً، وإن كان واسعاً - لا يجب.
قال الشيخ رحمه الله-: وجب أن يجب الضمان؛ سواء كان الطريق ضيقاً أو واسعاً؛ لأنه لمصلحة نفسه.
وإن وُجد من صاحب الطعام [تعد]؛ بأن وضع الطعام على متن الطريق، فأصابه البول - لا يجب الضمان: وإن كان المال مع الدابة.
وكذلك: إذا تعمد المشي على البول أو على قشور البطيخ، أو صعد الحجر، أو نزل البئر، فسقط- فلا ضمان.
ولو وقع رجلٌ في بئر، ووقع آخر خلفه عليه من غير جذب: فإن مات الأول وجبت ديته على عاقلة الثاني؛ سواء كان الثاني بصيراً أو أعمى؛ لأنه مات بوقوعه عليه؛ رُوي عن علي بن أبي رباح اللخمي: أن بصيراً كان يقود أعمى؛ فوقعا في بئر، ووقع الأعمى فوق
البصير، فقتله، فقضى عمر - رضي الله عنه بعقل البصير على الأعمى.
وإن مات الثاني كان دمه هدراً؛ لأن البئر ليست بئر عدوان؛ فلا صنع لأحدٍ في هلاكه.
وإن ماتا جميعاً - فدية الأول على عاقلة الثاني، ودم الثاني هدرٌ، ولو أن الثاني ألقى نفسه على الأول عمداً، فقتله - عليه القود، إن جذب الأول الثاني: فإن مات الأول - فدمه هدرٌح لأنه مات بفعل نفسه، وإن مات الثاني - فديته على الأول، وإن كانوا ثلاثةً: وقع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وماتوا - نُظر: إن كان وقوعهم من غير جذبٍ - وجبت دية الأول على عاقلة الثاني والثالث: لأنه مات بوقوعهما عليهن وتجب دية الثاني على عاقلة الثالث، ودم الثالث هدرٌ.
وإن جذب بعضهم بعضاً: فالأول جذب الثاني، والثاني جذب الثالث، وماتوا - فنصف دية الأول هدرٌ؛ لأنه جنى على نفسه بجذب الثاني إليه، ونصفها على عاقلة الثاني بجذبه الثالث، ودية الثاني نصفها هدرٌ؛ لجذبه الثالث، إليه ونصفها على عاقله الأول لجذبه إياه، ودية الثالث كلها على عاقلة الثاني، لجذبه إياه.
ولو حفر رجلٌ بئر عدوان، فتردى فيها رجلٌن فجب آخر، والآخر تعلق بثالثٍ، فجذبه، والثالث جذب رابعاً، وماتوا - نظر:
إن وقع كل واحدٍ في جانب من البئر - فدية الأول على عاقلة الحافر، ودية الثاني على عاقلة الأول، ودية الثالث على عاقلة الثاني، ودية الرابع على عاقلة الثالث.
ولو وقع كل واحد على صاحبه، فماتوا - ففيه وجهان:
أصحهما: دية الأول أرباعٌ، ربعها هدرٌ؛ لجذبه الثاني إليه، وربعها على عاقلة الحافر، وربعها على عاقلة الثاني؛ لجبه الثالث، وربعها على عاقلة الثالث؛ لجبه الرابع، ودية الثاني أثلاث: ثلثها هدرٌ؛ لجذبه الثالث إليه، وثلثها على عاقلة الأول، لجذبه إياه، وثلثها على عاقلة الثالث، لجذبه الرابع.
ودية الثاني نصفان: نصفها هدرٌ؛ لجذبه الرابع إليه، ونصفها على عاقلة الثاني؛ لجذبه إياه، ودية الرابع كلها على عاقلة الثالث.
والوجه الثاني: دية الأول كلها هدرٌ؛ لأنه باشر قتل نفسه بجذب الثاني إليه، والحافر متسبب، ولا ضمان على المتسبب مع وجود المباشر، ودية الثاني نصفها هدرٌ؛ لجذبه الثالث إليه، ونصفها على عاقلة الأول؛ لجذبه إياه، ودية الثالث كذلك نصفها هدرٌ؛ لجذبه
الرابع إليه، ونصفها على عاقلة الثاني، ودية الرابع كلها على عاقلة الثالث.
وكل من أوجبنا عليه شيئاً من الدية - يجب في ماله كفارةٌ - فعلى الوجه الأول: يجب بقتل الأول ثلاث كفارات: كفارة على الحافر، وأخرى على الثاني، وكفارة على الثالث.
وإن قلنا يجب على من قتل نفسه كفارة فأربع كفارات: أحدها في ماله، ويجب بقتل الثاني كفارتان، كفارة على الأول، وأخرى على الثالث، ويجب بقتل الثالث كفارة على الثاني، وبقتل الرابع كفارة الثالث.
فصل فيما لو تصرف في ملكه وتضرر به غيره
إذا تصرف في ملكه، فتضرر به غيره - لا ضمان عليه؛ مثل: إن وضع حجراً على طرف سطحه، فوقع على إنسان، أو وضع جرة ماء، فتندى تحتها فسقطت أو ألقتها الريح على إنسان.
فهل لا ضمان عليه؛ كما لو أضاف إنساناً، فانهدم عليه البيت وكذلك: لو أوقف دابةً في ملكه، فرمحت إنساناً، أو بالت، فأفسدت بالرشاش طعام إنسان خارج الملك - لا ضمان عليه.
وكذلك لو كان يكسر الحطب في ملكه، أو في موات، فأصاب شيءٌ منه عين إنسانٍ - لا ضمان عليه.
ولو أخرج جناحاً إلى الطريق، أو ساباطاً أو ميزاباً - يجوز إذا كان عالياً لا يتضرر به الناس، فلو وقع على غنسان، ومات تجب الدية على عاقلته، فإذا وقع على مال، فهلك - يجب الضمان في ماله؛ لأن الارتفاق بالطرق مباحٌ؛ بشرط السلامة، ثم ننظر: إن كان كل الجناح خارجاً إلى الطريق - يجب عليه [جميع] ضمان ما هلك به، وإن كان بعضه في الملك، وبعضه خارجاً إلى الطريق - نُظر: إن لم يسقط إلا ما هو خارج، فيجب جميع الضمان، وإن سقط [الكل] فيجب بعض الضمان؛ لأن التلف حصل من مباح مطلقاًن ومن مباح بشرط السلامة، ثم في كيفية الضمان وجهان:
أحدهما: يضمن النصف؛ سواء كان الخارج أقل من النصف أو أكثر؛ كما لو مات بجراحة رجلين يجب على كل واحد نصف الدية، وإن كانت إحدى الجراحتين أصغر.
والثاني: يوزع، فيضمن بقدر ما كان خارجاً، فإن كان ثلث ما سقط خارجاً - يجب ثلث الضمان، وإن كان أكثر - فأكثر.
كذلك الميزابُ؛ إذا وقع على شيء، فهلك: فإن كان له في ملكه - فلا ضمان، وإن كان بعضه خارجاً عن مله-: فإن انكسرن فسقط ما هو خارج - يجب جميع ضمان ما هلك به، وإن سقط كله - فيجب بعض الضمان بسبب ما هو خارجٌ عن ملكه؛ سواء أصابه الطرف الذي كان خارجاً أو الطرف الآخر، وسواءٌ سقط نصفين أو صحيحاً.
وفي كيفيته وجهان؛ كما ذكرنا في الجناح.
ومن أصحابنا من قال: لا ضمان في سقوط الميزاب [له] أصلاً؛ لأنه مضطر إلى نصبه؛ حتى لا يسقط بناؤه؛ بخلاف الجناح والساباط.
والأول أصح؛ لأن فعله لمصلحة نفسه، وكان يمكنه أن يحفر بئراً في ملكه، فيرسل فيها الماء، فأشبه ما لو طرح التراب على الطريق، ليتخذ طيناً لسطح فعثر به إنسانٌ، فمات - يجب الضمان؛ حتى لو رش الماء من الميزاب على ثوب إنسانٍ - يضمن.
ولو أخرج الجناح عن ملكه إلى سكة غير نافذةٍ - نظر: فإن فعل بإذن أهل السكة - لا يضمن ما هلك به، وإن فعل بغير إذنهم يضمن.
ولو أخرج الجناح عن ملكه إلى سكة غير نافذة - نظر: فإن فعل بإذن أهل السكة - لا يضمن ما هلك به، وإن فعل بغير إذنهم يضمن.
ولو بنى جداراً مائلاً، فسقط على إنسان، وهلك - نظر:
إن بناه مائلاً إلى ملكه، فسقط وترامى منه شيءٌ إلى إنسانٍ - فلا ضمان، وإن بناه مائلاً إلى الطريق - يضمن؛ كالساباط يسقط، وإن بناه مستوياً، فمال إلى الطريق - نظر:
إن لم يتمكن من هدمه، وإصلاحه- لم يضمن، وإن تمكن، فلم يفعل- فعلى وجهين:
أظهرهما: لا يضمن، وعليه يدل النص؛ لأنه لم يوجد الميل بفعله.
والثاني: قاله أبو إسحاق-: يضمن؛ لتعديه بترك الإصلاح.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله: إن وزع وأشهد عليه، فلم يهدم- ضمن، وإن لم يُشهد - فلا.
ولو كانت في ملكه شجرةٌ، فانتشرت أغصانها [إلى الطريق] [أو] إلى ملك الغير، فسقط منه غصنٌ، فأتلف شيئاً - لايضمن؛ لأنه لم يكن يصنعه، ولو نصب ميزاباً من داره إلى
الطريق، أو بنى جداراً مائلاً، ثم باع الدار لا يبرأ من التعدي؛ حتى لو سقط على إنسان، فهلك - تجب الدية على عاقلة البائع.
ولو حفر في ملكه بئراً، أو نهراً، فتجمع فيه الماء، فتندى جدارُ الجار، فانهدم، أو غار الماء في بئر الجار، أو حفر بالوعة، فتغير ماء بئر جاره - لا شيء عليه.
ولو نصب في ملكه رحاً، أو كان حداداً أو قصاراً يضرب بالمطرقة أو الميجنة، فتنزلزل جدارُ الجار، أو انهدم - لا ضمان عليه، وقيل: إن انهدم في حالة الضرب - ضمن.
ولو طرح في أصل حائطه سرقينا - مُنع منه.
ولو أوقد ناراً في ملكه، فأطارت الريح الشرار إلى غير ملكه، فأحرقت مالاً - لا ضمان عليه، إذا فعل ما جرت به العادة، فإن لم تجر العادة به: بأن أوقد في وقت لا تقف النار على حدها - يضمن.
وكذلك لو سقى أرضه، فخرج الماء من جُحر فأرة، أو شق إلى ارض غيره، فأتلف زرعه - لا شيء عليه.
وكذلك: لو نقب الماء، فإن كان عالماً بالجُحر والشق، أو زاد الماء عن العادة، فخرج من الجدر - يضمن.
ولو أسند خشبة إلى جدارٍ، فسقط الجدار على شيء، فأتلفه - نظر:
إن كان الجدار بغير حمال الخشبة - يجب عليه ضمان الجدار وما سقط عليه؛ سواءٌ سقط الجدار عقيب الإسناد أو بعده بسببه، بخلاف ما لو فتح قفصاً عن طائر، فطار بعد ساعة لا يضمن؛ لأن للطائر اختياراً في الطيران، فن لم يطر في الحال، وطار بعد ساعة - فقد طار اختياره، والجدار لا اختيار له، فمتى سقط - كان منسوباً غليه.
وإن كان الجدار للحمال أو لغيره، ولكن أسند إليه بإذن ماله - فلايجب ضمان الجدار، وهل يجب [ضمان] ما سقط عليه؟ قال صاحب "التلخيص" وبه قال الشيخ أبو زيد: إن سقط من ساعته - يجب، وإن سقط بعد ساعة - لا يجب؛ لأنه عن سقط في الحال - فكأنه أسقط جدار نفسه على مال الغير؛ فيضمن، وإن كان بعد ساعةٍ [لا] يضمن؛ كمن حفر بئراً في ملك نفسه - لا يضمن ما سقط فيها.
وقال الشيخ القفال: لا يضمن في الحالين لأنه غير متعد بالاستناد، ولكنه سبب لتلف الشيء، وما تلف بسبب فعله - لا بفعله - لا يجب به الضمان؛ إذا كان في ملكه؛ كحفر البئر؛ إذا كان في ملكه - لا يجب ضمان ما وقع فيها؛ سواء كان عقيب الحفر أو بعده بزمان؛ لأنه غير متعد في السبب.
ومن قال بالأول- أجاب بأنه [إن] سقط الدار عقيب الإسناد- فقد باشر إتلافه؛ كما لو [دفع] إنساناً في البئر التي حفر في ملكه - يجب الضمان.
وإن قلنا: يضمن إذا سقط في الحال، [فلو لم] يسقط في الحال، ولكنه مال في الحال إلى الشارع، أو إلى ملك غيره، ثم سقط بعده بمدة - يضمن؛ ما لو بنى جداراً ابتداء مائلاً؛ بخلاف ما لو مال بنفسه - لم يضمن؛ لأن الميل هناك ليس بسبب فعله، والله أعلم.
باب دية الجنين
رُوي عن أبي هريرة- رضي الله عنه -أن امرأتين من هذيل رمت أحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بغرة عبدٍ أو وليدةٍ.
إذا ضرب إنسان امرأة أو أوجرها دواء، فألقت جنينها - نظر:
إن ألقته حياً، ثم مات في ساعته، أو بعده بسببه: بأن لم يزل وجعاً حتى مات - تجب على عاقلته ديةٌ كاملة؛ سواء استهل أو لم يستهل، لكن وُجد منه ما يدل على جنايته من تنفس أو حركة قوية.
وإن كان يتحقق أنه لا يعيش، ثم تعمد الضرب - فالدية مغلظة؛ لأنه شبه عمد، وإن لم يقصدها بالضرب، فأصابها- فالدية محققة.
ولا يتصور في قتل الجنين العمد المحض؛ لأنه غيرُ ظاهر يمكن قصده وإن خرج ميتاً، وإن كان به اختلاجٌ - فلا عبرة به؛ لأنه ليس بحياة، بل انتشار لخروجه من المضيق - فتجب على عاقلته غرة عبدٍ أو أمةٍ، إذا كان الجنين حراً مسلماً؛ سواءٌ عمد الضرب أو اخطأ؛ لأن الغرة لا تتغلظ، وتجب الكفارة في ماله.
وكان القياس ألا يضمن الميت؛ لكن الشرع أوجب غرة؛ قطعاً لماة الخصومة بين الجاني والمجني عليه؛ سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى أو لم يعرف أنه ذكر أو أنثى وبين أن يكون ثابت النسب أو كان من زنى وسواءٌ كان تام الخلق أو ناقص الخلق بعد أن ظهر فيه شيء من خلق الآدميين: إصبع أو ظفر أو غيرهما، أو ظهر فيه التخطيط.
فإن ألقت مضغة، ولم يظهر فيها تحطيطٌ: فإن قالت أربع نسوة: قد ظهر فيها تحطيطٌ باطنٌ، لايعرفه إلا القوابلُ- ففيه الغُرة، وإن [قلن] لم يظهر، أو شككن - فلا تجب الغرة، وإن قلن: هذا مبتدأ خلق الآدمي؛ كما لو ألقت علقة.
وإن خرج الجنين حياً بعد الضرب، وبقي زماناً سالماً غير متألم، ثم مات - فلا ضمان على الضارب؛ لأن الظاهر أنه مات بسببٍ آخر.
ولو ضرب بطن امرأة منتفخة البطن، فزال الانتفاخ، أو بطن من تجد في بطنها حركة فسكتت الحركة - لا ضمان عليه؛ لاحتمال أنها كانت ريحاً، فانفشت.
ولو ضربها، فألقت جنينين ميتين - تجب على عاقلته غرتان.
وإن ألقت حياً وميتاً، ومات الحي - فتجب ديةٌ كاملةٌ وغرةٌ، ويجب في ماله كفارتان.
وإن أشرك رجلان في ضربها، فألقت جنيناً ميتاً - فتجب غرة واحدة على عاقلتهما، وتجب في مال كل واحد منهما كفارةٌ كاملةٌ.
ولو ضرب بطن امرأة ميتةٍ، فانفصل منها جنين ميت - لا تجب الغرة؛ لأن الظاهر أن هلاكه [كان] بهلاك الأم؛ كما [لو] قطع عضواً من الأم بعد موتها - لا ضمان عليه.
فأما إذا ضرب بطن امرأة، فماتت، ثم ألقت الجنين - ضمن [الجنين والأم] جميعاً: يضمن الأم بكمال الدية، ويضمن الجنين؛ إن خرج صبياً، فمات - بدية كاملة؛ وإن خرج ميتاً - فبغرة.
وعند أبي حنيفة: إذا خرج الجنين ميتاً - لا تجب ضمانه، وبالاتفاق، لو خرج الجنين حياً ومات مع الأم عليه ديتان، [و] كذلك: إذا خرج ميتاً.
ولو قطع طرفاً منها، أو جنى عليها جناية، فألقت جنينها - يجب عليه ضمان الجنين مع ضمان الجناية؛ سواءٌ كانت الجناية موجبة لبدل مقدرٍ، أو حكومةٍ.
أما إذا ضربها، فتألمت، فألقت الجنين - ضُمن الجنين، ولا يجب للام شيءٌ، وإن كان للضرب شينٌ - هل تجب الحكومة مع الغرة؟ فيه وجهان:
أصحهما: تجب؛ كما يجب ضمان الجراحة.
والثاني: [لا] تجب؛ كما لا يجب للأم شيءٌ.
فصلٌ
والغرة تورث من الجنين؛ فالثلث منها للأم، والباقي للأب إن كان حياً؛ وألا