ولو أدخل جنبٌ يده في ماءٍ قليلٍ، ولا نجاسة عليها، ولم ينو لا يضر [الماء] إذا نوى.
ثم أدخل يده فيه أو محدث يتوضأ من إناءٍ صغيرٍ، فبعد غسل الوجه، أدخل يده فيه؛ نظر: إن أدخل بنية إزالة الحدث، صار الماء مستعملاً.
وإن قصد أخذ الماء، ولم ينو إزالة الحدث- لا يصير مستعملاً.
ولا يكره استعمال فضل الجنب والحائض للرجال والنساء جميعاً؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- من إناء واحدٍ، تختلف أيدينا فيه من الجنابة".
وإذا اغتسلا من إناء واحد، كان كل واحد مستعملاً فضل صاحبه.
وكره الشعبي والنخعي الوضوء بفضل الحائض والجنب.
والإسراف في الماء حرامٌ، وإن كان على شط البحر.
وماء الوضوء والغسل غير محصورٍ قدره، بل عليه غسل المغسول، ومسح الممسوح، وحد الغسل: أن يسيل الماء على العضو، وقد يرفق الرجل بالقليل؛ فيكفي، ويجرف بالكثير؛ فلا يكفي.
ويستحب ألا ينقص عما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم- روي عن عائشة- رضي الله عنها-: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بالصاع- ويتوضأ بالمد".
والله أعلم بالصواب.
باب التيمم قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6].
قال ابن عباس: الصعيد: التراب.
وروي عن حذيفة قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "ججُعلت لنا الأرض مسجداً، وجعلت
تربتها طهوراً، إذا لم نجد الماء".
والتيمم من خصائص هذه الأمة، فمن عجز عن استعمال الماء؛ لعدمٍ أو مرضٍ- تيمم
جنباً كان أو محدثاً؛ لما روي عن عمران- رضي الله عنه-: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لجنب: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك".
والتيمم ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين.
وهو قول: أكثر أهل العلم.
وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد- رحمة الله عليهم-: ويمسح اليدين إلى الكوعين؛ روي ذلك عن علي، وابن عباس رضي الله عنهما.
وقال الزهري: ويمسح إلى الإبطين؛ روي عن عمار؛ أنه مسح إلى الإبطين.
وكل ذلك مرويٌّ لكنه منسوخ.
بما روي عن ابن الصمة أنه قال: "مررت على النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد [عليَّ] حتى قام [إلى جدارٍ] يحثه بعصاً كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على السلام.
ومسح الوجه واليدين في التيمم يكون تارةً بدلاً عن غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والنفساء والميت، وتارة عن غسل الأعضاء الأربعة في حق المحدث، وتارة يكون بدلاً عن جزء يسير من بدنه، في حق من على عضو من أعضاء طهارته جراحةٌ لا يقدر على غسل محلها.
ولا يحصل التيمم إلا بالتراب، يعلق باليد منه غبارٌ؛ على أي لون كان ويجوز
بالسبخ والبطحاء إذا كان فيهما غبار ويجوز بالطين الأحمر والأصفر، وبالطين الأرمني والذي يؤكل، وطين الدواب إذا دق كالمدر الدقوق.
وأما الرمل قال في القديم: يجوز به التيمم.
وقال في "الأم": لا يجوز؛ فحيث جوز أراد به الرمل ألذي له غبارٌ يعلق باليد، وحيث لم يجوز، أراد به الأحمر الذي........ له يعلق باليد.
ولا يجوز الزرنيخ والنورة والجص والكحل، ولا بالذر والرماد، وما ليس بتراب.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه-: يجوز بما كان من طبقات الأرض؛ كالزرنيخ والنورة والجص ونحوها.
ولا يجوز بالطين المقلي ولا الآجر المدقوق، ولا الحجارة المسحوقة، ولا بالتراب المحترق فإن أصابته نار؛ فاسود ولم يحترق- جاز.
قال الشيخ- رحمه الله-: وسئل القاضي- رضي الله عنه- عن تراب الأرضة.
قال: إذا أخرجته من خشبٍ، لم يجز التيمم به؛ لأن أصله ليس بتراب؛ كالحنطة إذا عفنت صارت تراباً وإن أخرجته من مدرٍ جاز، وإن كان مختلطاً بلعابها؛ لأن لعاب الأرضة طاهر؛ كتارب مزج بخل أو ماء وردٍ، ثم جفف- يجوز التيمم به.
ولو ضرب بيده على ثوبٍ أو على ظهر حيوانٍ عليه غبار وعلق باليد؛ فتيمم به- جاز.
ولو ضرب على أرض صلبة، أو صخرةٍ لا غبار عليها- لم يجز؛ لأنه مأمور بالمسح؛ فيقتضي ممسوحاً [به].
وقال أبو حنيفة: يجوز.
وعند مالك: إذا ضرب يده على ما تصاعد من وجه الأرض من شجر، أو نبات لا غبار عليه- جاز.
وحمل الصعيد عليه.
والحديث حجةٌ عليه؛ [حيث جعل] التراب
طهوراً.
ولو طلى الطين على عضوٍ أو ضرب يده على تربةٍ نديةٍ- لم يجز؛ لأنه لا يعلق باليد منها غبارٌ.
ولو اختلط بالتراب نجاسةٌ، لا يجوز التيمم به، وإن كان التراب كثيراً، والنجاسة قليلة.
وكذلك لو تيمم بتراب مقبرةٍ منبوشةٍ، لم يجز؛ لاختلاط صديد الموتى به.
وكذلك لو اختلط بالتراب شيءٌ طاهر من دقيقٍ، أو زعفرانٍ، أو نورةٍ- لا يجوز التيمم به وإن لم يظهر عليه؛ لأنه قد تعلق بالعضو شيء منه؛ فيمنع وصول التراب إليه.
وقال الشيخ إمام الأئمة- رحمه الله-: لو كانت يده نجسةً؛ فضربها على تراب طاهر، ومسح به وجهه- جاز؛ لأن الممسوح به طاهر؛ كما لو أخذ بيد نجسة حجراً طاهراً؛ فاستنجى به- جاز.
قال الشيخ إمام الأئمة: ولا يصح مسح اليد النجسة عن التيمم قبل غسلها؛ كما لا يجوز غسلها عن الوضوء، ولا يجوز التيمم بالتراب المستعمل؛ وهو أن يأخذ من وجه متيمم أو يده أو ما تناثر منه بعد المسح.
وقيل: يجوز التيمم بما يتناثر منه، والمستعمل الغبار الباقي على الوجه.
والأول أصح.
ولو تيمم جماعةٌ بكثيب من ترابٍ جاز؛ لأن كل واحد يستعمل فضل صاحبه، والقصد إلى التراب شرطٌ لصحة التيمم، حتى لو سفت الريح التراب على وجهه، فأمر عليه يده، ونوى - لم تصح؛ بخلاف ما لو وقف في المطر، ونوى الوضوء؛ فسال الماء على أعضائه- صح وضوؤه؛ لأن ثمَّ هو مأمور بالغسل، وقد وجد.
وهاهنا [هو] مأمور ب التيمم، والتيمم القصد، ولم يوجد منه القصد إلى التراب.
ولو وقف في مهب الريح قصداً بنية التيمم؛ حتى أصاب التراب وجهه ويديه؛ فمسحه بيده- فوجهان:
أظهرهما: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد التراب حقيقة، بل التراب أتاه.
ولو اجتمع التراب على رأسه، أو على عضوٍ غير عضو التيمم؛ فأخذ ما عليه، ومسح به وجهه ويديه- جاز.
ولو أخذ من عضو التيمم؛ نظر: إن أخذ من وجهه، لا من تراب التيمم؛ فمسح به يده، أو أخذ من يده؛ فمسح به وجهه - جاز.
وكذلك لو أخذ من إحدى يديه؛ فمسح به الأخرى.
ولو أخذ من وجهه ورد إليه، أو من يده ورد إليها- فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لوجود النقل؛ كما لو أخذ من وجه غيره.
والثاني: لا يجوز؛ لأن أخذه منه، ورده إليه كمسح اليد عليه بلا نقلٍ.
وقيل: إذا أخذ من الوجه ورد إليه، أو من اليد ورد إليها- لم يجز.
وإن أخذ من الوجه ورد إلى اليد، أو أخذ من اليد ورد إلى الوجه فوجهان.
ولو يممه غيره بإذنه، أو معك وجهه ويديه في التراب- نظر: إن كان معذوراً لمرض، أو قطع يد- جاز.
نص عليه.
وإلا فوجهان:
قال "صاحب التلخيص": لا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يجوز؛ كما لو غسل غيره أعضاءه في الوضوء.
وكذلك لو صب غيره التراب على يديه؛ حتى مسح وجهه، أو كان على كمه أو يده تراب؛ فمسح به وجهه- فيه وجهان.
كيفية التيمم
[وكيفية التيمم]: [أن] يسمي الله، وينوي ويضرب كفيه على التراب.
ونص على أنه يفرق [بين] أصابعه؛ [موبه قال العراقيون].
وإن كان التراب ناعماً يعلق باليد من غير ضربٍ؛ ويستديم النية إلى مسح جزءٍ من الوجه، فلو ابتدأ النية بعد أخذ التراب، أو نوى مع الضرب، وعزبت نيته قبل مسح شيء من الوجه- لم يصح.
قال الشيخ- رحمه الله-: لأن القصد إلى التراب- وإن كان واجباً- فليس هو بركنٍ مقصود، إنما المقصود منه نقل التراب لمسح الوجه، وهو المقصود، فكان وجود النية عند الركن المقصود شرطاً.
ولو أحدث بعدما أخذ التراب، بطل قصده؛ فعليه أن يأخذ ثانياً؛ كما لو غسل بعض وجهه، ثم أحدث، عليه إعادة ما غسل، ثم بعد مسح الوجه يضرب ضربةً أخرى، ويفرق بين أصابعه، ويمسح يديه؛ فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى؛ [بحيث لا يجاوز طول أنامله اليمنى عرض أصابعه اليسرى، ثم يمر يده اليسرى على ظهر
كفه اليمنى.
فإذا بلغ الكوع، ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع؛ فيمسح ببطن كفه اليسرى بطن ذراعه اليمنى، وتكون إبهامه اليسرى منصوبةً؛ فيمسح ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع بطون أصابع يده اليمنى على ظهور أصابعه اليسرى، فيمسح يده اليسرى؛ كما وصفنا، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه؛ وذلك واجب؛ لأن الراحتين إ لى الآن كانتا ماسحتين؛ فلا يسقط] فرض الكف؛ لكونها ىلة لمسح عضوٍ آخر.
فإن قصد بإمرار الراحتين على الذراع مسح الراحتين حصل مسحهما؛ إذ لا فرق بين أن يمسح الراحة بذراعه، أو براحته الأخرى.
[وكيف] ما أوصل التراب إلى الوجه واليدين؛ بضربتين أو بأكثر؛ بيده، أو بخرقةٍ، أو
بخشبة - جاز.
ولو ضرب [يده] على التراب، ثم وضعها على وجهه، ولم يمرها- جاز على أصح الوجهين؛ كما ذكرنا في مسح الرأس في الوضوء، ولا يجب إيصال التراب إلى بواطن الشعور الخفيفة على الوجه والذراع؛ لأنه يشق عليه، بل يمسح ظاهرها، وكذلك المرأة إذا كانت لها لحيةٌ، لا يجب إيصال التراب إلى باطنها؛ بخلاف الوضوء يجب فيه إيصال الماء إلى مواطن الشعور الخفيفة؛ لأن الماء يتخللها من غير مشقةٍ.
وهل يجب إمرار التراب على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الوجه؟
فيه قولان:
أصحهما: يجب؛ كما في الوضوء.
وذكر الشافعي- رحمه الله- تفريق الأصابع في الضربتين: فذهب بعض أصحابنا [وهو طريقة قاضينا الحسين] إلى أنه لا يفرق في الأولى؛ حتى لو فرق في الأولى دون الثانية لم يصح مسح ما بين أصابعه؛ لأنه مسحها بتراب أخذ قبل مسح الوجه؛ فيكون كمن مسح يديه بتراب كان عليه من غير نقله.
وإن فرق بين الضربتين فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه أخذ لليد تراباً جديداً.
والثاني: لا يجوز؛ لأن بعض ما أخذ في الضربة الأولى باقٍ بين أصابعه؛ فيصير كما لو كان على وجهه تراب؛ فنقل إليه غيره؛ من غير أن ينفض الأول- لم يجز.
قال الشيخ
-[إمام الأئمة]-
: والمذهب عندي: أنه لو فرق أصابعه في الضربتين، يجوز؛ كما نص.
ولا بأس بأخذ تراب اليد قبل مسح الوجه؛ حتى لو ضرب يديه على التراب؛ فمسح بيمينه جميع وجهه، ومسح بشماله يده اليمنى- يجوز.
والترتيب واجبٌ في المسح، لا في أخذ التراب.
ولا يُسن التثليث في التيمم، ولا تجديد التيمم، ويستحب إمرارُ التراب على العضوين.
ولو بقي على وجهه أو يديه شيء لم يمسه التراب- لم تصح صلاته.
ولو أخذ التراب قبل دخول وقت الصلاة، ثم مسح بعد الوقت- لم يجز.
وفرائض التيمم خمسة: النية، والقصد إلى التراب لنقله، ومسح جميع الوجه،
ومسح اليدين إلى المرفقين، والترتيب، وهو أن يمسح الوجه قبل اليدين.
وبعض أصحابنا زادوا عليها طلب الماء؛ فجعلوها ستاً؛ وذلك شرط جواز التيمم في حق المسافر، دون المرض والجريح؛ فإن التيمم جائز له مع وجود الماء.
وسنن التيمم ثلاثٌ: التسمية وتقديم [اليد] اليمنى على اليسرى في المسح، والموالاة.
وفي القديم: الموالاة فرض.
فصلٌ في طلب الماء روي عن أبي ذر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن
لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته؛ فإن ذلك خيرٌ".
ويجوز للمسافر أن يصلي بالتيمم إذا عدم الماء، ولا يجب عليه الإعادة؛ سواء كان سفره طويلاً، أو قصيراً، ولا يصح تيممه إلا بعد طلب الماء؛ لأن الله - تعالى- قال: {فَلَمْ
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ولا يقال لمن [لم] يطلبوا شيئاً: لم يجدوا؛ كما قال الله - تعالى- في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92] ثم لا يجوز له المصير إلى الصوم، إلا أن يعجز عن الرقبة، بعد طلبها.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجب طلب الماء، إلا أن يرى علامةً من خضرةٍ أو طيراً يقع، أو قافلةً، ولا يجب تحمل المشقة العظيمة في طلب الماء، بل يطلب من رحله ورفقائه، ويسألهم عن موضعه.
وإن كان في قاع مستوٍ لا حائل دون نظره، نظر عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه، وإن كان دون نظره حائل قريب من شجر أو تل- عدل إليه؛ فنظر وراءه.
فإن كان يخاف لو عدل عن الحائل على نفسه، أو ماله من عدو أو سبعٍ، أو يخاف الوحدة أو الانقطاع، أو يخاف ضياع رحله، أو فوت الصلاة- تيمم وصلى ولا إعادة عليه؛ لأنهم لو دلوه على ماءٍ حقيقة، أو رأى الماء يقيناً، ويخاف شيئاً من هذه الأشياء، لو أتاه- لا يلزمه أن يأتيه، بل يصلي بالتيمم، ولا يعيد.
وإن كان في قافلة عظيمة، وقف ينادي: من يجود بالماء، من يبيع ماء، إن كان معه ثمنه؛ حتى تنقطع القافلة، أو يبقى من الوقت قدر إمكان الصلاة حينئذٍ يتيمم، ويصلي، ولا يعيد.
وإنما أمرناه بذلك؛ لأن كل ساعة تمر عليه، من يجب الطلب منه، ولو قل رفقاؤه- لا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه بل ينادي عليهم.
ولو بعثوا من يطلب لهم الماء، جاز.
فإن طلب دون أمرهم، لم يسقط عنهم الطلب؛ فهو كطلب الرقبة في الكفارة لو طلب له غيره بأمره، جاز؛ بخلاف القبلة ليجتهد له غيره؛ لأنه أمر خفي، وهذا ظاهر.
ويجب تجديد الطلب لكل تيمم، وإن طال مقامه في مكان واحد؛ لأنه قد يعثر على بئر خفيت عليه، أو يرى من يدله على الماء، حتى لو تيمم، فقبل أن صلى أحدث- يجب إعادة الطلب، غير أن الطلب الثاني يكون أخف من الأول.
ولو طلب الماء في أول الوقت، وتيمم في آخر الوقت- جاز إذا لم يبرح مكانه، وكذلك لو تيمم في أول الوقت، ولم يبرح مكانه؛ فصلى في آخر الوقت، أو بعد خروج الوقت- جاز.
وإن برح مكانه لم يجز، إلا بعد أن يجدد الطلب، ويتيمم ثانياً ولو كان معه
ماء، ولكنه محتاج إليه؛ لشربه، أو لسقي دوابه، أو يحتاج إليه رفيقه، ما لم يصل إلى ماء آخر- فهو كالمعدوم، وله أن يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه.
وكذلك لو كان على طرف بئرٍ، أو في سفينة في البحر غير قادرٍ على آلة الاستسقاء- يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه، ولو لم يكن معه ماء، ووجده يباع بثمن المثل في موضعه، ومعه ثمنه من أي نوع من المال، وكان فاضلاً عن نفقته، ونفقة من معه من العياب والدواب، ما دام في سفره، عليه أن يشتريه.
فإن لم يفضل ماله عن نفقته ونفقة عياله في سفره، أو فضل ولكن بيع الماء بأكثر من ثمن مثله، في مثل ذلك المكان- لا يجب أن يشتري، وإن قلت الزيادة، إلا أن يكون قدراً يتغابن الناس بمثله، وإن لم يكن معه ثمن الماء، ولكن صاحبه يبيعه بنسيئةٍ، أو أقرضه رجلٌ ثمن الماء- يجب عليه أن يشتري ويستقرض، إن كان له [في] بلده مالٌ يؤديه.
وإن لم يكن، لا يجب.
وقيل: لا يجب الاستقراض؛ لأنه اكتسابٌ، ولا يجب الاكتساب لتحصيل الماء؛ بخلاف ما لو بيع منه نسيئةً؛ لأنه [تحصيل الماء].
ولو وهب له الماء، يجب القبول.
ولو وهب له ثمن الماء، لا يجب [القبول]؛ لأن الماء يتسامح به من غير منةٍ، ولا يتسامح بالثمن إلا بمنةٍ ولا يلزمه قبول المنة.
ولو أقرضه الرجل الماء، [يجب قبوله على الأصح.
ولو وهبه الماء] ولم يقبل، وصلى بالتيمم فهل يجب الإعادة؟ وجهان: كما لو أراقه سفهاً.
قال الشيخ إمام الأئمة: هذا إذا تيمم بعدما هلك الماء في يد الواهب، أو رجع الواهب عن قوله، فإن كان الماء قائماً، والواهب على هبته لا يصح تيممه، وهل يجب أن يسأل الماء، ويستوهب إذا غلب على ظنه أن صاحبه يهبه؟
قيل: لا يجب؛ كالرقبة في الكفارة.
والأصح: أنه يجب، نص عليه في رواية البويطي؛ بخلاف الرقبة؛ لأن الرقبة لو وهبت له لا يلزمه القبول، وقبول الماء واجب عليه، لو وهب له؛ فيلزمه السؤال.
ولو كان على طرف بئرٍ، وليس معه ما يستقي به الماء؛ فأعار منه رجل آلة الاستسقاء- يجب عليه أن يقبل.
ولو وهب منه، لا يلزمه القبول، ولو باعه أو أجره- يجب أن يشتري، ويستأجر إن كان معه مال.
وكذلك العريان في الثوب، لو وجد ثوباً يباع أو يؤجر، ومعه الثمن والأجرة- يجب أن يشتري، ويستأجر.
ولو أعير منه، يجب القبول، ولو لم يفعل وصلى، يجب الإعادة، ولو وهب منه، لا يجب القبول.
ولو كان معه منديلٌ نفيسٌ تنقص قيمته لو استقى به، أو احتاج إلى شقه.
سئل عنه القاضي حسين- رحمه الله- فقال: إن كان النقصان الذي يدخله قدر أجر مثل الحبل- يلزمه أن يستقي به، وإن كان أكثر لا يجب.
ولو وجد العريان الذي لا ماء معه ماء وثوباً يباعان، ومعه ثمن أحدهما- يجب عليه شراء الثوب؛ لأنه لا بدل له، والوضوء بدلٌ؛ وهو التيمم.
وكذلك يجب على السيد أن يشتري لعبده ما يستر به عورته، ولا يجب أن يشتري له ماء الطهارة في السفر.
ولو كان معه ماء يحتاج إليه لوضوئه، ليس له أن يدفعه إلى صاحبه؛ ليتطهر به أو يغسل به ميتاً، ويختار لنفسه التيمم؛ لأن فرضه الوضوء، وفرض صاحبه التيمم.
فلو وهبه من صاحبه، أو باعه منه؛ وهو غير محتاج إلى ثمنه- نظر: إن باع، أو وهب قبل دخول وقت الصلاة- صح، ويصلي بالتيمم.
وإن فعل بعد دخول الوقت، ففيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن استعماله واجبٌ عليه.
والثاني يصح؛ لأن له فيه عوضاً؛ وهو جلب مودة صاحبه.
فإن قلنا: يصح، يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه.
وإن قلنا: لا يصح البيع والهبة، فلا يصح تيممه، ما دام الماء قائماً في يد صاحبه.
فإن تلف، فهو كما لو أراق الماء سفهاً.
فإن كان ماؤه يفضل عن فرض طهارته، يستحب أن يجود به على صاحبه، ولا يجب.
وليس للمسافر أن يتوضأ بمائه وثم من يموت عطشاً؛ مسلماً كان أو ذمياً، أو لصاحبه دابة، أو كلب غير عقور عطشان، [بل] يجب عليه أن يسقيه هبةً أو بيعاً، ويتيمم.
فإن لم يفعل، للمضطر أن يكابره، ويأخذ منه [الماء] قهراً وليس له أن يكابره على أخذ الماء للوضوء، ولا على أخذ الثوب منه؛ [ليستر عورته في الصلاة.
إذا لم يكن مالكه مضطراً مثله؛ كالماء.
ولو كان معه ماء؛ فأراقه قبل دخول الوقت، لغير غرضٍ، فإذا دخل الوقت
يتيمم، ويصلي، ولا إعادة عليه.
[ولو أراقه] بعد دخول الوقت، نظر: إن أراقه لغرض من تبردٍ، أو تنظفٍ أو نحوه- تيمم، وصلى، ولا إعادة عليه [وإن] أراقه سفهاً، يصلي بالتيمم.
وهل يجب عليه الإعادة؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه مفرطٌ في تضييع الماء.
والثاني: لا يجب؛ لأنه كان عادماً للماء حالة التيمم، والتفريط كان في إراقة الماء؛ كما لو قتل الرقبة في الكفارة، جاز له أن يكفر بالصوم.
فإن أوجبنا الإعادة، لا يجب إلا إعادة صلاة واحدة.
وقيل: يعيد ما صلى بالتيمم إلى أن أحدث.
ولو اجتاز بماء في أول الوقت، ولم يتوضأ؛ حتى بعد- صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه.
ولو دخل على المسافر وقت الصلاة- وهو عادم للماء- فله ثلاثة أحوال:
إحداها: إذا كان لا يرجو وجود الماء في آخر الوقت- فالأفضل أن يعجل الصلاة بالتيمم في أول الوقت.
[الحالة] الثانية: إذا كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت، ولا يتيقن- فإن شاء: عجل الصلاة بالتيمم، وإن شاء أخر؛ حتى يصل إلى الماء.
وأيهما أفضل؟
فيه قولان:
أصحهما: التعجيل بالتيمم أفضل؛ كما أن تعجيل الصلاة منفرداً في أول الوقت أفضل من تأخيرها إلى آخر الوقت؛ ليصلي بالجماعة.
والثاني- وبه قال مالك، وسفيان، وأبو حنيفة- رحمة الله عليهم-: التأخير أفضل؛ ليصل إلى الماء.
الحالة الثالثة: إذا كان الماء على طريقة يتيقن الوصول إليه قبل خروج الوقت- فالأفضل أن تؤخر الصلاة حتى يتوضأ؛ لأن الطهارة فريضة، والتعجيل فضيلة؛ فانتظار الفضيلة أولى.
فإن صلى بالتيمم في أول الوقت، جاز.
وقال في "الأم": لا يجوز، بل يؤخر؛ حتى يأتي الماء.
والأول المذهب؛ لما روي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه أقبل من "الجرف" حتى إذا كان بالمربد، تيمم؛ فصلى العصر، ثم دخل "المدينة" والشمس مرتفعة، ولم يُعد الصلاة.
أما إذا كان الماء على يمينه، أو يساره، أو ورائه، ويمكنه أن يأتيه في وقت الصلاة- لا يلزمه أن يأتيه؛ لأن فيه زيادة مشقة عليه؛ كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمنه، لا يلزمه الشراء.
قال الشيخ إمام الأئمة: إلا أن يكون [الماء] قريباً من موضع طلبه، ويمكنه أن يأتيه من غير خوفٍ، ولا تعب يلزمه؛ سواء كان على يمينه أو على يساره أو أمامه.
وقيل: إذا كان يمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوفٍ، فلا فرق بين أن يكون على يمينه أو يساره، أو أمامه.
وهل يجوز أن يصلي بالتيمم، أم يجب أن يأتي الماء فيتوضأ؟
فيه قولان:
فأما إذا كان معه ماء، ويخاف فوت وقت الصلاة لو اشتغل بالوضوء- يجب عليه أن يتوضأ، ولا يجوز أن يصلي بالتيمم.
وقيل: يصلي بالتيمم لحق الوقت، ثم يتوضأ ويعيد الصلاة.
والأول المذهب.
ولو اجتمع قومٌ على رأس بئرٍ، وآلة الاستسقاء واحدة، [وأخذوا] يتناوبون فيها، فمن [علم أن النوبة تصل إليه في الوقت- يصبر حتى يتوضأ، ومن] علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت، فلا نص للشافعي في هذه المسألة.
وذكر فيما لو اجتمع قوم في سفينة، وفيها مكان يتسع لقيام رجل واحد؛ فيتناوبون الصلاة فيه، فمن علم أن
النوبة تنتهي إليه في الوقت، يصبر حتى يصلي فيه قائماً، ومن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت قال: يصلي في الوقت قاعداً.
وقال في جماعة من العراة بينهم ثوبٌ واحد؛ يتناوبون الصلاة فيه: فمن علم أن النوبة تنتهي إليه في الوقت، يصبر حتى يصلي فيه، ومن علم أن النوبة لا تأتيه إلا بعد الوقت، ذكر فيه قولين:
أحدهما: يصلي في الوقت عارياً.
والثاني: ينتظر الثوب، وإن فات الوقت.
فمن أصحابنا من جعل الكل على قولين:
أحدهما: يراعي حق الوقت؛ كمن لا ماء معه يصلي بالتيمم.
وغن علم أن يجده بعد الوقت.
والثاني: يصبر؛ حتى يصلي بعد الوقت لابساً وقائماً؛ لأن الثوب موجود؛ وهو قادر على القيام.
ومنهم من قال في السفينة: يصلي قاعداً في الوقت، قولاً واحداً؛ لأن القيام بدلاً وهو القعود، وفي انتظار الثوب قولان؛ لأنه لا بدل للستر، فمسألة انتظار [آلة الاستسقاء] كمسألة السفينة؛ لأن للوضوء بدلاً وهو التيمم.
فإن قلنا: يصلي في الوقت بالتيمم، أو عارياً أو قاعداً، في السفينة- فهل تجب الإعادة إذا قدر على الثوب والماء [و] على القيام؟ فيه قولان أصحهما: أنه يجب الإعادة؛ كالعاجز الذي معه ماء، ولا يجد من يعينه على الوضوء ويصلي بالتيمم، ثم يعيد.
ولو اجتمع جنب وحائض وميت، وثمَّ ما يكفي لواحد منهم- فصاحب الماء أولى به من غيره، فإن فضل عن المالك، وأراد أن يجود به على واحدٍ منهم، أو هجموا على مباح- فالميت أولى به استحباباً؛ لأن الحي يصل إلى الماء، فإن كان الحي يحتاج إليه للشرب، أو لسقي الدواب، ما دام في سفره- فهو أولى به، ويتيمم الميت فيدفن؛ حتى لو كان الماء للميت، يجوز للحي أن يأخذه لشربه، وسقي دوابه، ويغرم ثمنه لورثة الميت، إذا وصل إليهم باعتبار قيمة المفازة، وليس له [أن] يأخذ ماء الميت للطهارة، وإن كان على بدن الحي نجاسةٌ فيه وجهان:
أصحهما: الميت أولى بالماء المباح؛ لأن غسله خاتمة أمره.
والثاني: الذي على بدنه النجاسة أولى به؛ لأنه لا بدل لغسل النجاسة، ولغسل الميت بدل، وهو التيمم؛ فإن كان على بدن الميت نجاسة، فهو أولى به وجهاً واحداً.
ولو اجتمع جنبٌ وحائضٌ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: الحائض أولى؛ لأن حدثها أغلظ؛ بدليل أنه يمنع الغشيان، والجنابة لا تمنع.
والثاني: الجنب أولى؛ لأن وجوب الغسل عليه بنص الكتاب.
والثالث: هما سواء، يقرع بينهما.
ولو اجتمع جنبٌ ومحدث؛ نظر: إن كان الماء يكفي للجنب، ويفضل عن المحدث- فالجنب أولى به؛ لأن حدثه أغلظ.
وإن كان لا يكفي للجنب، ويكفي للمحدث- فالمحدث أولى به؛ لأنه يستفيد به كمال الطهارة.
ولو اجتمع محدٌ، ورجل على بدنه نجاسة- فالذي على بدنه نجاسةٌ أولى، وكذلك ل كان على بدنه نجاسة؛ وهو محدث، ووجد من الماء ما يكفي لأحدهما يغسل به النجاسة؛ لأنه لا بدل له؛ ولأنه لو توضأ به، وصلى مع النجاسة- يجب عليه الإعادة، ولو غسل النجاسة، وتيمم للحدث- لا يجب الإعادة.
وكذلك لو كان محرماً، وعلى بدنه طيبٌ؛ وهو محدث- يبتدئ بغسل الطيب.
فلو تيمم المحدث قبل غسل النجاسة، لا يصح؛ لأنه لا يعقبه استباحة الصلاة.
ولو كان مع المسافر من الماء ما لا يكفي لأعضاء وضوئه، إن كان محدثاً، أو لغسل جميع بدنه إن كان جانباً؛ هل يلزمه استعمال؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو قوله الجديد، وبه قال عطاء-: يجب أن يغسل به بعض أعضائه؛ لأنه قادر عليه، ثم يتيمم للباقي على الوجه واليدين؛ كما لو كان بعض أعضائه جريحاً، يجب عليه غسل الصحيح منها.
وقال - في القديم- وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم-: لا يجب استعماله، بل يتيمم؛ كما لو وجد في الكفارة بعض رقبةٍ، لا يجب إعتاقه، بل ينتقل إلى
الصوم؛ بخلاف ما لو كان بعض أعضائه صحيحاً، يجب غسله؛ لأن العجز هناك في المؤدي؛ فيجب عليه أن يأتي بما قدر عليه؛ كمن عجز عن القيام في الصلاة يصلي قاعداً؛ وكما لو كان فقد بعض الأعضاء، يجب عليه غسل الباقي.
وهاهنا العجز في المؤدى به موجود بعضه، كفقد كله؛ كالرقبة للكفارة.
فإن قلنا: يلزمه استعماله، يجب أن يستعمله أولاً، ثم يتيمم.
فلو قدم التيمم، لا يصح، ثم إن كان محدثاً، يغسل به وجهه، ثم بدنه على الترتيب، إلى أن ينفذ الماء.
وإن كان جنباً، غسل أي عضو شاء، والأولى أن يغسل أعضاء وضوئه ورأسه.
ولو وجد المسافر الثلج، ولم يجد ما يذيبه، والهواء بارد، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه.
وهل يلزمه مسحُ الرأس به؟
قيل: قولان؛ كمن وجد من الماء ما لا يكفي لغسل أعضائه.
وقيل- وهو الأصح-: لا يجب؛ لأن الترتيب واجب في الوضوء، ومن أوجب استعمال بعض الماء، يوجب تقديمه على التيمم، وهاهنا لا يمكن تقديم مسح الرأس مع بقاء فرض الوجه واليد عليه.
ولو كان عادماً للماء، ووجد [من] التراب ما يمسح به عضواً، هل يلزمه مسحه.
قيل: فيه قولان.
وقيل: يلزمه قولاً واحداً.
وهو الأصح؛ لأنه لا بدل له؛ كالعريان إذا وجد ما يستر به بعض عورته، يلزمه ستره.
وكذلك إذا وجد من الماء ما يغسل به بعض أعضائه؛ وهو عادم للتراب، هل يلزمه استعماله؟ فعلى هذا لا خلاف.
فصلٌ في المتيمم يجد الماء
روي عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر؛
فحضرت الصلاة- وليس معهما ماء- فتيمما وصليا، ثم وجدا في الوقت؛ فأعاد أحدهما الصلاة، ولم يُعِد الآخر.
ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك.
فقال للذي لم يُعِدْ: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك".
وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين".
والصحيح: أن الحديث مرسلٌ عن عطاء، [وليس] فيه ذكر أبي سعيد.
إذا وجد المتيمم الماء، بطل تيممه، ولا يجب إعادة ما صلى بالتيمم، وإن كان وقت الصلاة باقياً.
وقال عطاء وطاوس والزهري: يجب إعادة الصلاة بالوضوء إن كان الوقت باقياً، ولو وجد الماء في خلال الصلاة، مضى في صلاته، ولا إعادة عليه، بخلاف المستحاضة
إذا انقطع دمها في خلال الصلاة، تبطل صلاتها؛ لأن المستحاضة قد أحدثت بعد الطهارة حدثاً، وجوزنا صلاتها معه؛ لأجل الضرورة، وقد زالت الضرورة، ولم يوجد من المتيمم بعد تيممه حدثٌ.
ورؤية الماء ليست بحدث؛ بدليل أنه لو كان معه ماء- وهو محتاج إليه لشربه- يجوز له أن يصلي بالتيمم، غير أن القدرة على استعمال الماء يعيد حكم حدثه السابق.
وإذا وجد الماء في خلال الصلاة فهو غير قادر على استعماله شرعاً؛ لأن حرمة الصلاة تمنعه؛ فصار كمن لا يقدر على استعماله لمانع حسي من لص أو سَبُعٍ يمنعه عن الماء، لا يبطل تيممه.
وجعل بعض أصحابنا في بطلان صلاة المتيمم يجد الماء، والمستحاضة ينقطع دمها جميعاً- قولين؛ بنقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم: تبطل صلاة المتيمم بوجود الماء؛ كالمعتدة بالأشهر ترى الدم في خلالها تنتقل إلى الأقراء.
قلنا: لأنها لم تتلبس بالمقصود.
نظيره فيما نحن فيه؛ أن يرى الماء في أثناء التيمم يبطل تيممه، ونظيره ما نحن فيه من المعتدة: أن ترى الدم بعدما اعتدت بالأشهر ونكحت، لا يجب عليها أن تعتد بالأقراء.
إذا ثبت أن صلاته لا تبطل بوجود الماء؛ فهل يستحب له الخروج عن الصلاة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يستحب، حتى يستأنفها بالوضوء للخروج عن الخلاف.
والثاني: لا يجوز أن يخرج؛ لما فيه من إبطال العمل، والله - عز وجل- يقول: {} [محمد: 33] فإذا [لم يخرج، فكما] فرغ من الصلاة والماء قائم، يبطل تيممه، وإن تلف الماء قبل فراغه من الصلاة؛ نظر: إن لم يعلم بتلفه حتى سلم [فلما سلم] بطل تيممه؛ لتوهم القدرة على الماء.
وإن علم بتلفه قبل الفراغ من الصلاة، فلا يبطل تيممه؛ على الصحيح من المذهب؛ حتى يجوز له أن يتنفل [بعده] بذلك التيمم.
وقال صاحب "التلخيص": قد بطل تيممه بوجود الماء، إلا في [حق] الصلاة
الواحدة؛ لاشتغاله بها، وإذا سلم لم يجز له أن يصلي إلا بتيمم جديد.
ولو وجد المتيمم الماء في خلال صلاة النفل، لا تبطل صلاته؛ كالفرض.
ثم ينظر إن شرع فيها بنية مطلقة، أو بنية أن يصلي ركعتين -[لا] يجوز أن يزيد على ركعتين، وإن نوى أربعاً وأكثر، له أن يتم ما نوى، ولا يزيد عليها؛ [وبه قطع العراقيون].
وقال الشيخ- رحمه الله-[وإن] نوى ركعتين، يجوز أن يزيد عليها؛ لأن حرمة التحريم قائمة، ما لم يسلم.
وإن كان تيممه للمعةٍ لم يقدر على غسلها؛ فوجد في خلال الصلاة [ماء] قريباً منه- لا يؤمر بغسلها في الصلاة؛ بخلاف العريان يجد الثوب قريباً منه في الصلاة، يجب عليه ستر العورة؛ لأنه لم يأت عن ستر [العورة] ببدلٍ، وقد أتى عن غسل اللمعة ببدلٍ؛ وهو التيمم.
ولو شرع المسافر في الصلاة بالتيمم، ثم نوى الإقامة- نظر: إن لم يجد الماء، مضى في صلاته؛ لأن نية الإقامة ليست بأكثر من وجود الماء، وكذلك لو اتصلت السفينة بدار الإقامة في خلال الصلاة بالتيمم- لا تبطل صلاته.
وهل يجب الإعادة؟ وجهان: أظهرهما: لا يعيد؛ كالمتيمم يجد الماء في خلال الصلاة.
وقيل [هاهنا]: يعيد؛ لأن الإقامة حصلت بصنعه، بخلاف ما لو وجد الماء.
والأول أصح.
أما إذا وجد الماء في خلال الصلاة، ثم نوى الإقامة تبطل صلاته؛ لأنه مقيم صحيح واجدٌ للماء؛ فلا تصح صلاته بالتيمم.
قال صاحب "التلخيص" تخريجاً.
وقيل: لا تبطل صلاته؛ لأنه افتتحها مسافراً عادماً للماء.
والأول أصح تغليباً لحكم الحضر.
فإن قلنا: لا تبطل صلاته، هل يجب الإعادة؟
حكمه حكم ما لو نوى الإقامة، ولا ماء معه.
ولو تيمم، ثم وجد من الماء ما لا يكفي
لأعضاء وضوئه.
إن قلنا: يجب استعماله، يبطل تيممه.
[(وإن قلنا: لا يجب استعماله، لا يبطل تيممه)].
ولو أن جنباً اغتسل؛ فنفذ الماء، وبقيت لمعةٌ من بدنه، ثم أحدث، يتيمم لها تيمماً واحداً.
ولو تيمم، ثم وجد من الماء ما يكفي لغسل اللمعة.
فإن قلنا: يلزمه استعمال القليل من الماء، بطل تيممه؛ لأن الماء لا يتعين لغسل اللمعة، ثم الأولى: أن يستعمله في اللمعة ثم يعيد التيمم للحدث.
وإن قلنا: لا يجب استعمال القليل من الماء، فلا يبطل تيممه في حق الحدث؛ فيغسل به اللمعة، ويصلي.
قال الشيخ- رضي الله عنه-: ولو تلف الماء، يجب [عليه] إعادة التيمم؛ لأن تيممه قد بطل في حق اللمعة.
ولو وجد ذلك القدر من الماء؛ فتيمم قبل استعماله- نظر: إن تلف الماء، يجب [عليه] إعادة التيمم؛ لأن تيممه لم يقع عن اللمعة.
وإن غسل به اللمعة، هل يجب إعادة التيمم للحدث؟
إن قلنا: يجب استعمال القليل من الماء يجب، وإلا فلا يجب، وله أن يصلي بذلك التيمم.
قال الشيخ: هذا إذا كان الماء يكفي للمعته، ولا يكفي لأعضاء وضوئه، فإن كان يكفي لوضوئه، ولكن لو غسل اللمعة لا يكفي له الفضل- بطل تيممه على القولين؛ لأنه كافٍ لكل واحد منهما، ولا يتعين عليه أحدهما؛ حتى يقال: يصح تيممه في حق الآخر.
ولو تيمم عند عدم الماء، ثم رأى قافلةً بطل تيممه؛ لأنه وجب عليه طلب الماء منهم.
ووجوب طلب الماء على المتيمم يُبطلُ تيممه؛ فإن طلب، ولم يجد؛ يعيد التيمم.
وكذلك توهم القدرة على الماء يبطل التيمم؛ مثل: أن رأى بعد التيمم سراباً ظنه ماء،
أو رأى ماء ظنه طاهراً؛ فبان نجساً، أو رأى بئراً ظن أن فيها ماء؛ فلم يكن، أو ظن أنه يمكنه نزولها؛ فلم يمكن- بطل تيممه، ويعيده بعد زوال التوهم.
أما إذا رأى رجلاً عادياً، فلما وقع بصره عليه؛ علم أن لا ماء معه، أو رأى بئراً.
علم أن لا ماء فيها أو لا يمكنه أن يستقي منها- لا يبطل تيممه.
ولو رأى المتيمم ماء، وثم سَبُع أو عدو يمنعه منه- نظر: إن رأى الماء أولاً، ثم رأى المانع- بطل تيممه.
وإن رأى المانع أولاً، أو رآهما معاً- لا يبطل تيممه.
ولو سمع بعد التيمم رجلاً يقول: أودعني فلان ماءً أو غصبت من فلان ماءً- لا يبطل تيممه.
ولو قدم ذكر الماء؛ فقال: معي ماء أودعنيه فلان، أو غصبته من فلان فقد قيل يبطل تيممه؛ لأنه أطعمه في الماء بتقديم ذكره، ثم أزال طعمه بذكر الوديعة والغصب.
وذكر القاضي- رحمه الله-[أنه] وإن قدم ذكر الماء، يحتمل ألا يبطل تيممه؛ على قول من لا يُبغض الأقارير.
قال شيخنا: هذا ضعيف.
ولو نسي المسافر الماء في رحله؛ فصلى بالتيمم- يجب عليه الإعادة؛ لأن الفرض لا يسقط بالنسيان؛ كما لو نسي غسل عضوٍ من أعضاء الوضوء؛ وصلى، أو نسي الرقبة في الكفارة؛ فصام- لا يحسب وحكى أبو ثور قولاً؛ وهو قول أبو حنيفة: أنه لا يجب الإعادة وكذلك لو نسي أن يكون له رجل، ولو ضل رحله في الرحال، أو ضلت راحلته وله عليها ماء، أو حال بينه وبينها عدو أو حريق؛ فصلى بالتيمم- لا إعادة عليه.
ولو ضل الماء في رحله، تيمم، وصلى وأعاد؛ [لأنه زاد] وقيل: لا يعيد؛ كما لو ضلت راحلته.
ولو طلب الماء في رحله، فلم يجد؛ فذهب ليطلبه من موضعٍ آخر، فوضع رجل ماء في رحله وصلى بالتيمم- لا إعادة عليه.
وإن لم يطلب الماء من رحله؛ لعلمه: أن لا ماء فيه وكان قد وضع فيه غيره الماء- يجب الإعادة على الأصح.
ولو عثر على بئر بعدما صلى بالتيمم؛ نظر: إن علم البئر، ثم نسيها، فهو كنسيان الماء؛ يجب الإعادة.
وإن لم يعلمها؛ نظر: إن كانت في موضع طلبه مكشوفةً، يجب الإعادة، وإن لم يكن في موضع طلبه أو كانت مغطاة؛ فظهرت لا يجب الإعادة.
ومن لم يجد الماء في الحضر، فإن كان محبوساً، أو كان لتلك القرية نهر انقطع ماؤها، أو بئر انحسر ماؤها- يجب عليه أن يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا وجد الماء؛ سواء كان الرجل مقيماً، أو مسافراً؛ لأن القرى تبنى على المياه؛ فعدم الماء فيها نادراً.
وقال مالك، والأوزاعي- رحمة الله عليهما-: لا يعيد الصلاة ولو لم يجد ماء، ولا تراباً، يجب أن يصلي لحق الوقت، ثم يعيد إذا وجد أحد الطهورين.
ولا يجوز له حملُ المصحف، وإن كان جنباً لا يجوز له قراءة القرآن إذا صلى، بل يذكر الله بدل القراءة؛ لأن الجنب ممنوع من قراءة القرآن، وسائر الأركان يأتي بها تشبهاً، وقراءة القرآن حقيقة.
وكذلك الحائض إذا انقطع دمها، ولم تجد أحد الطهورين- لا يجوز للزوج غشيانها.
وأما الجنب إذا لم يجد الماء في الحضر وصلى بالتيمم؛ هل له قراءة القرآن؟ فيه وجهان:
وكذلك: هل يجوز له حمل المصحف؛ محدثاً كان أو جنباً؟ فيه وجهان: والأصح: يجوز.
وكذلك إن كانت حائضاً؛ فتيممت، جاز للزوج غشيانها.
وقال في القديم: من لم يجد ماء ولا تراباً، يجوز له تأخير الصلاة إلى أن يجد أحد الطهورين.
ويستحب أن يصلي.
قال مالك، وأبو حنيفة، وكثير من أهل العلم: يؤخر الصلاة.
وإذا لم يجد ماء ولا تراباً؛ فشرع في الصلاة، ثم أ؛ دث- بطلت صلاته؛ كالمستحاضة إذا أحدثت في الصلاة حدثاً جديداً، تبطل صلاتها.
ولو وجد أحد الطهورين في خلال الصلاة، بطلت صلاته.
وكذلك من شرع في الصلاة في الحضر بالتيمم، ثم وجد الماء- بطلت صلاته؛ لأنه لم يشرع فيها ببدلٍ صحيح؛ ولهذا وجبت عليه الإعادة، ولا يجوز أداء صلاة العيد والجنازة للمقيم السليم مع وجود الماء بالتيمم.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا خاف قوتهما لو اشتغل بالوضوء.
وبالاتفاق لا يجوز أداء صلاة الجمعة بالتيمم مع وجود الماء، وإن خاف فوتها؛ مع أنها آكد، فما دونها أولى.
فصلٌ فيما يستباح بالتيمم
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.. إلى قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6].
ظاهر الآية يدل على وجوب الوضوء والتيمم لكل صلاة؛ غير أن الدليل قد قام في الوضوء: أنه يجوز أن يصلي به فرائض فيبقى التيمم على ظاهره.
قال ابن عباس: لا يصلي مكتوبة غلا بتيمم.
التيمم يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل، غير أن المتيمم لا يجوز له أن يجمع بين لاتي فرض بتيمم واحد، ولا بين طوافي فرض، ولا بين صلاة فرض، وطواف
فرض.
ولا بين منذورين، ولا بين منذورة ومكتوبة، بل يجب أن يحدث لكل صلاة تيمماً بعد طلب الماء؛ وهو قول جماعةٍ من الصحابة والفقهاء.
وقال سعيد بن المسيب، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة: يجوز أن يجمع بين فرائض بتيمم واحد، ما لم يحدث.
وبالاتفاق يجوز أن يجمع بين فريضةٍ وما شاء من النوافل قبلها وبعدها، وأن يسجد للتلاوة والشكر، ويحمل المصحف، وإن كان جنباً أن يقرأ القرآن، ويعتكف بعد الفريضة وقبلها.
ولو جمع بين فريضة وصلاة جنازة، نص على جوازه، ونص على أنه: لا يجوز أداء صلاة الجنازة على الراحلة؛ كالفريضة.
فمن أصحابنا من جعل فيها قولين:
أحدهما: لا يجوز في الموضعين؛ لأن صلاة الجنازة فريضة.
والثاني: يجوز؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان.
وقيل المسألة على حالين، إن كانت صلاة الجنازة متعينة عليه لا يجوز حتى يجدد لها تيمماً ولا يجوز على الراحلة ولا قاعداً مع القدرة على القيام فإن، لم تكن متعينة عليه يجوز.
وقيل: يجوز بعد الفريضة بتيمم واحد؛ لأنها ليست بفرض عينٍ، ولا يجوز على الراحلة، ولا قاعداً مع القدرة على القيام؛ لأنه معظم صلاة الجنازة؛ وهو القيام، وهو يخل به.
وكذلك لو تيمم وصلى على جنازة [ثم أراد] أن يصلي على جنازة أخرى- فعلى هذا الاختلاف.
والأصح جوازه.
ولو جمع بين طواف فرضٍ وركعتي الطواف، هذا يبنى على أن ركعتي الطواف فريضة أم نافلة؟
وفيه قولان: إن قلنا: نافلة، يجوز.
وإن قلنا: فريضة فوجهان: الأصح: لا يجوز؛ حتى يجدد التيمم لركعتي الطواف.
والثاني: يجوز؛ لأنها [تبع لركعتي الطواف] وكذلك الوجهان في الجمع بين [الخطبة] وصلاة الجمعة؛ بتيمم واحد.
ولو صلى بالتيمم فريضة، ثم أدرك جماعة؛ فصلاها معهم بذلك التيمم- يجوز؛ لأن الفريضة منهما واحدة.
ولو نسي صلاة من صلوات يوم وليلة، لا يدري عينها، [وأراد أن يصليها بالتيمم- يجب أن يزيد على عدد التيمم، على عدد ما فاته من الصلوات.
فإن لم يُزد في عدد التيمم]، يجب عليه قضاء خمس صلوات، ويجوز فعل الكل بتيمم واحد؛ لأن الفرض منهما واحد.
ولو نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة، ولا يدري عينهما وأراد أن يصلي بالتيمم- يجب أن يزيد عدد التيمم على عدد ما فاته من الصلوات، فإن لم يزد في عدد التيمم يزيد في عدد الصلوات، وأيهما فعل جاز؛ غير أن صاحب "التلخيص" يقول: [يصلي] خمس صلوات بخمس تيممات؛ فيزيد في عدد التيمم.
وقال ابن الحداد: يزيد في عدد الصلوات، ويصلي ثماني صلوات بتيممين؛ فيتيمم ويصلي الصبح والظهر والعصر والمغرب، ثم يتيمم ويصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
[ويجب أن يترك في المرة الثانية من الصلوات ما ابتدأ بها في الأول.
حتى لو صلى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء].
وبالثانية الصبح والظهر والعصر والمغرب- لا يسقط عنه إلا أحد الفرضين؛ لاحتمال أن [يكون] أحد فرضيه عشاء، والفرض الآخر إحدى الصلوات الثلاث.
أما الظهر أو العصر أو المغرب، فبالتيمم الأول صحت تلك الصلاة، ولم يصح العشاء.
وبالتيمم الثاني: تصح العشاء.
ولو نسي ثلاث صلواتٍ من صلوات يوم وليلة، أو أربع صلوات ولم يدر عينها- فعلى قول صاحب "التلخيص" يتيمم خمس تيممات، ويصلي خمس صلوات.
وعلى قول ابن الحداد: إذا نسي ثلاث صلواتٍ يتيمم ثلاث تيممات، ويصلي تسع صلوات؛ فبالتيمم الأول: يصلي الصبح والظهر والعصر، وبالثاني: الظهر والعصر والمغرب، وبالثالث: العصر والمغرب والعشاء.
وإذا نسي أربع صلوات، يتيمم أربع تيممات، ويصلي ثماني صلوات.
فبالتيمم الأول: يصلي الصبح والظهر، والثاني: الظهر والعصر، وبالثالث: العصر والمغرب، وبالرابع: المغرب والعشاء.
ولو نسي صلاتين من صلوات يومين؛ نظر: إن علم أنهما مختلفتان، فهو كما لو نسيهما من يوم وليلة.
وإن علم أنها متفقتان، [أو] شك لم يدر أنهما متفقتان، أو مختلفتان- يأخذ بأسوأ- الأحوال؛ وهو أنهما متفقتان؛ فيجب عليه أن يصلي عشر صلوات بتيممين، كل خمس منها بتيمم.
ولو تيممت الحائض، وصلت فريضة- جاز للزوج غشيانها بعده، ولا يجب تجديد التيمم بعده لكل وطأةٍ.
ولو وجد الماء في خلال الفعل، يجب قطعه.
ولو أن جنباً تيمم، ثم أحدث- بطل تيممه في حق الصلاة، ولا يجوز أن يصلي، ولكن يجوز له قراءة القرآن والاعتكاف في المسجد؛ لأن تيممه قام مقام الاغتسال؛ فارتفع به تحريم القرآن والاعتكاف، فلا يعود ذلك إلا بجنابةٍ جديدة، أو بوجود الماء؛ فإن وجود الماء يعيد حكم الحدث السابق، ولم يوجد من الجنب بعد التيمم شيءٌ منها، إنما وجد الحدث، والحدث لا يحرم الاعتكاف ولا القراءة؛ فهو كما لو اغتسل الجنب، ثم أحدث يحرم عليه الصلاة، ولا يحرم القراءة والاعتكاف، وكذلك الحائض إذا تيممت، ثم وطئها الزوج، بطل تيممها في حق الصلاة وقراءة القرآن والاعتكاف، لحدوث الجنابة ولا يبطل في حق الغشيان؛ لأن تحريم الغشيان قد ارتفع بالتيمم [الأول] فلا يعود إلا بحيضٍ جديد، أو بوجود الماء.
إذا ثبت أن الجنب إذا تيمم، ثم أحدث لا يبطل تيممه، في حق القراءة والاعتكاف؛ فلو أنه وجد من الماء ما لا يكفي لغسله، ويكفي لوضوئه؛ فإن قلنا: يجب استعمال القليل من الماء، بطل تيممه في الكل؛ فيستعمله، ثم يعيد التيمم.
وإن قلنا: لا يجب استعمال القليل منا لماء، فتيممه باقٍ في جواز القراءة والاعتكاف؛ كما كان، وبطل في حق الصلاة؛ لأنه وجد من الماء ما يكفي لحدثه الذي حدث، فإذا توضأ، جاز له أن يصلي.
والله أعلم.
باب جامع التيمم
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية [المائدة: 6].
لا يجوز أداء الصلاة بالتيمم، إلا بأحد العذرين: إما السفر، أو المرض.
ومجموعهما العجز عن استعمال الماء ولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت في العذرين جميعاً.
وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: يجوز.
وظاهر القرآن حجةٌ عليه؛ حيث أوجب الطهارة عند القيام إلى الصلاة، غير أن الدليل قام في الوضوء؛ أنه يجوز قبل الوقت؛ فبقي التيمم على ظاهره، ويشترط في عذر السفر طلب الماء بعد دخول الوقت، ولا يحسب الطلب قبل دخول الوقت، ولا يتيمم لصلاة [الخوف إلا بعد أن يبتدئ الخوف] ولا لصلاة الاستسقاء إلا بعد الخروج إلى الصلاة، ولا لصلاة الجنازة إلا بعد غسل الميت، ولا لتحية المسجد إلا بعد دخول المسجد، ولا للفائتة إلا بعد أن يذكرها؛ حتى لو تيمم لفائتةٍ يظنها عليه، ولا يتحقق ثم تيقن- لا يجوز فعلها به.
ولو تيمم لفائتةٍ هو ذاكرها قبل دخول وقت الفرض، ثم دخل الوقت؛ فأراد أن يصلي صلاة الوقت، دون الفائتة.
ولو تيمم لصلاة الوقت بعد دخول وقتها؛ وهو لا يذكر فائتةً، ثم تذكر فائتة، وأراد أن يصلي الفائتة، دون صلاة الوقت- يجوز على أصح الوجوه.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه يريد أداء صلاة لو تيمم لها، لم يصح.
وقال الشيخ أبو زيدٍ: إن تيمم للفائتة، ثم دخل وقت الصلاة- لا يصلي صلاة الوقت؛ لأنها لم تكن واجبةً عليه، حال التيمم.
وإن تيمم لصلاة الوقت، ثم تذكر فائتة، يجوز أن يصليها؛ لأن الفائتة كانت واجبةً عليه حالة التيمم، وإن كان لا يذكرها.
والأول أصح؛ لأن التيمم إذا صح لصلاة يجوز أداء غيرها به؛ كما لو كانت عليه فائتتان يذكرهما فتيمم لإحداهما- جاز له أن يصلي الأخرى، دون ما عينها، وكذلك لو دخل عليه وقت الصلاة، وتذكر فائتة؛ فتيمم لإحداهما- جاز له أن يصلي الأخرى دون التي تيمم لها.
ولو تيمم لفائتة هو ذاكرها، ثم تذكر فائتة أخرى؛ فأراد أن يصلي به الثانية دون الأولى- يجوز على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الثاني: لا يجوز.
فصلٌ في المرض المبيح للتيمم
روي عن جابرٍ بن عبد الله قال: "خرجنا في سفرٍ؛ فأصاب رجلاً منا حجرٌ؛ فشجه في رأسه؛ فاحتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصةً في التيمم قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل فمات.
فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم- أخبر بذلك.
فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إن لم يعملوا، فإنما شفاء العي السؤال؛ إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".