ولو كانت له امرأتان: زينب وعمرة، فقال: إذا حلفت بطلاقكما-: فعمرة طالق، قاله مراراً-: فلا طلاق؛ لأنه علق طلاق عمرة باليمين بطلاقهما، وهو التكرار يحلف بطلاق عمرة وحدها، فإذا حلف بعدها بطلاقهما متفرقاً أو مجتمعاً-: طلقت عمرة.
وكذلك لو قال: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق، ثم قال: إن دخلتما الدار فعمرة طالق-: لم تطلق عمرة؛ لأنه لم يحلف بطلاقهما.
ولو قال: إن دخلتما الدار فأنتما طالقان-: طلقت عمرة؛ لأنه حلف بطلاقهما جميعاً، وكذلك لو قال: إن حلفت بطلاقكما فإحداكما طالق، فكرر-: لم تطلق واحدة منهما، حتى يقول: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان؛ حينئذ: تطلق إحداهما لا بعينها.
ولو قال: إن حلفت بطلاق إحداكما فأنتما طالقان، فكرره ثانياً-: طلقت كل واحدة طلقة؛ لأنه علق طلاقها بالحلف بطلاق إحداهما، فإذا حلف بطلاقهما-: فقد حلف بطلاق إحداهما.
ولو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً، فطلقها اختلف أصحابنا فيه:
فذهب جماعة: إلى أنه لا يقع الطلاق، وبه قال ابن سريج، وابن الحداد؛ لأنا لو أوقعنا هذه الطلقة لزمنا أن نوقع قبله ثلاثاً؛ لأن الجزاء لا يتخلف عن الشرط، فإذا وقع الثلاث قبله امتنع وقوع هذه الطلقة، وإذا لم تقع هذه الطلقة-: لا يقع ما قبله.
وذهب جماعة: أنه يقع [هذا الموقع]، [وبه قال صاحب "التلخيص"، والشيخ أبو زيد- رحمهما الله- وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لا استحالة في وقوع هذه الطلقة] إنما الاستحالة في ترتيب الجزاء عليه، فيسقط الجزاء.
ومن أصحابنا من قال: إذا طلقها-: يقع ثلاث طلقات؛ وهو قول أبي بكر الإسماعيلي، يقع هذا الموقع، وترتب عليه من الجزاء طلقتان، لأنه بعد وقوع الأولى يبقى عليه طلقتان؛ فيمكن ترتيبهما على الأولى.
ولو قال: إذا طلقتك ثلاثاً فأنت طالق قبلها طلقة أو طلقتين-: يقع، ولو طلقها ثلاثاً-: فعلى الوجه الأول: لا يقع، وعلى الثاني: يقع ثلاث.
ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله طلقة، أو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله طلقتين، فطلقها-: يقع الثلاث، إن كانت مدخولاً بها وإن لم يكن مدخولاً بها-: فعلى الوجه الأول: لا يقع، وعلى الثاني: يقع الموقع.
ولو قال للمدخول بها: إذا طلقتك طلقة أملك رجعتك، فأنت طالق قبلها طلقتين، فطلقها-: لا يقع على الوجه الأول؛ لأنا إذا أوقعنا قبلها طلقتين-: لا تكون هذه الطلقة رجعية، وعلى الوجه الآخر: يقع الموقع.
ولو قال [لامرأته]: أنت طالق قبل موتي بشهر، فمات قبل مضي شهر-: لا يقع الطلاق، وإن مات بعد مضي شهر-: طلقت قبل موته بشهر.
ولو قال: أنت طالق مع موتي، أو مع موتك-: لا يقع؛ لأن النكاح يرتفع في تلك الحالة، فالطلاق لا يصادف النكاح؛ بخلاف ما لو قال لعبده: أنت حر بعد موتي-: يعتق مع موته؛ لأنه إذا قال: أنت حر بعد موتي-: يعتق بعد الموت، والطلاق لا يقع بعد الموت.
ولو تزوج رجل أمة مورثه، ثم قال: إذا مات مورثي فأنت طالق، فمات-: لا تطلق؛ لأن النكاح ينفسخ بالملك؛ فالطلاق لا يصادف النكاح، وإن كان على الميت دين؛ لأن الدين لا يمنع الميراث، وإن كان المورث قد قال لها: إذا مت فأنت حرة، فمات، وهي تخرج من الثلث-: عتقت وطلقت؛ لأن الزوج لم يملكها، حتى ينفسخ النكاح.
ولو قال الزوج لها: إذا اشتريتك فأنت- طالق، فاشتراها: إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع-: طلقت.
وإن قلنا: للمشتري-: لم تطلق، ولو قال: إذا ملكتك-: لم تطلق.
فصل
الألفاظ التي تستعمل في التعليق سبعة: من، وإن وإذ، ومتى، ومهما، وأي،
وكلما؛ مثل: أن نقول: من دخل من نسائي الدار فهي طالق، أو قال لواحدة: إن، أو: إذا دخلت الدار، أو: متى، أو: متى ما، أو: مهما دخلت الدار، أو: أي وقت، أو: أي حين، أو أي زمان دخلت، أو: كلما دخلت فأنت طالق: فإذا دخلت: طلقت، وكلها على التراخي في الإثبات إلا "إذا" و"إن"؛ فإنهما عند ذكر المآل إذا خاطب بهما المرأة يكونان على الفور.
فإن قال: إن أعطيتني، أو: إذا أعطيتني ألفاً، أو إن ضمنت لي ألفاً، فأنت طالق-: يشترط الإعطاء والضمان في المجلس.
وكذلك في المشيئة، إذا خاطبها بها، فقال: إن شئت فأنت طالق-: يشترط مشيئتها في المجلس.
أما في النفي: فجميع هذه الألفاظ على الفور، إلا "إن" فإنه على التراخي، حتى لو قال: إذا لم أطلقك، أو: متى، أو متى ما، أو: أي حين لم أطلقك فأنت طالق، فمضى زمان أمكنه أن يطلقها، فلم يفعل-: طلقت.
ولو قال: متى لم تكلمي فلاناً فأنت طالق، فمضى زمان إمكان الكلام، فلم تكلم-: طلقت، معناه: إذا فاتني زمان أمكنني فيه تطليقك، أو فاتك زمان أمكنك الكلام-: فأنت طالق.
ولو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق: فلا يقع حتى يموت أحدهما قبل التطليق، فيحكم بوقوع الطلاق في آخر جزء من أجزاء الحياة؛ لأن معناه: إن فاتني طلاقك، ولا يتحقق الفوات إلا بالموت.
ولو جن الزوج جنوناً اتصل بالموت-: يحكم بالوقوع قبيل الجنون.
ولو قيد بزمان، وقال: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق، فإذا مضى اليوم، ولم يطلق-: يحكم بالوقوع قبيل غروب الشمس.
ولو قال: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم، فمضى اليوم، ولم يطلقها-: هل يقطع الطلاق أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن مضي اليوم شرط في وقوع الطلاق في اليوم، ولا يوجد الشرط إلا بعد فوات المحل.
والثاني: وهو قول أبي حامد: يقع؛ لأن معناه: إن فاتني طلاقك اليوم: فإذا بقي من اليوم لا يمكنه أن يقول فيه: أنت طالق؛ فقد فاته، فوقع الطلاق.
وجميع هذه الألفاظ: لا تقتضي التكرار، حتى لو أتى بالمحلوف عليه مرة وحنث، ووقع الطلاق-: ارتفع اليمين، وإذا أتى به مرة أخرى-: لا طلاق يقع آخر إلا كلمة "كلما" فإنها للتكرار، وهي في النفي على الفور، حتى لو قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فمضت ساعة أمكنه تطليقها فيه، ولم يفعل-: وقعت طلقة.
ثم إن كانت المرأة مدخولاً بها، فمضى ثلاث ساعات، تقع ثلاث طلقات، وإن لم يكن مدخولاً بها-: بانت منه بالطلقة الأولى، فإذا نكحها بعده، وقلنا: يعود اليمين، فيمضي ساعة-: تقع طلقة أخرى.
فإذا قال للمدخول بها عقيب هذه الكلمة: طلقتك على ألف، فقبلت-: بانت منه، ولا تطلق بعده، ما لم ينكحها، فإذا نكحها-: فعلى قولي عود اليمين.
وإذا قال لامرأته: أن دخلت الدار فأنت طالق، بفتح الألف، أو: أنت طالق أن دخلت الدار، وهو ممن يعرف النحو-: يحكم بوقوع الطلاق في الحال، وإن لم تكن دخلت الدار؛ لأنه تعليل، وليس بتعليق، كأنه قال: أنت طالق؛ لأنك قد دخلت الدار، أو قال: أنت طالق إن طلقتك، أو إذا طلقتك-: يحكم بوقوع طلقتين في الحال: طلقة بإقراره، وأخرى بإيقاعه؛ كأنه قال: أنت طالق؛ لأني طلقتك.
ولو قال: إن دخلت الدار أنت طالق بحذف الفاء-: كان تعليقاً، ولا تطلق إلا بعد الدخول، كما لو قال: أنت طالق، إن دخلت الدار.
ولو قال: إن دخلت الدار، وأنت طالق: فإن قال: أردت الإيقاع في الحال-: قبل بلا يمين؛ لأنه يقر على نفسه، وإن قال: أردت الشرط والجزاء، فأقمت الواو مكان الفاء-: قبل قوله؛ لأنه محتمل.
ولو قال: أردت أن أجعل دخول الدار وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق آخر، ثم سكت عن الجزاء-: قبل قوله.
ولو قال: أنت طالق، إن دخلت الدار، طالقاً، أو قال: أنت، إن دخلت الدار، طالقاً
طالق: فإن طلقها رجعياً، ودخلت الدار في العدة-: طلقت، وإن دخلت قبل الطلاق-: لم تطلق؛ لأنه شرط أن تدخلها، وهي طالق.
ولو قال: إن دخلت الدار طالقاً، واقتصر عليه - نظر: إن أراد بالنصب ما يراد بالرفع فلحن، عائداً أو مخطئاً-: وقع الطلاق، إذا دخلت الدار.
ولو قال: نصبت على الحال، ثم لم أتم الكلام-: قبل قوله، ولا يقع شيء.
ولو قال لها: إن تركت طلاقك فأنت طالق، فمضى زمان أمكنه أن يطلقها، فلم يطلق-: طلقت، وإن طلقها في الحال واحدة، ثم سكت-: لا يقع أخرى للحنث؛ لأنه لم يترك طلاقها.
وبمثله لو قال: إن سكت عن طلاقك فأنت طالق، فلم يطلقها في الحال-: طلقت.
ولو طلقها في الحال، ثم سكت-: طلقت طلقة أخرى بالسكوت، ولا تقع الثالثة؛ لأن اليمين قد انحلت، والله أعلم.
فصل
إذا قال: إذا قدم فلان فأنت طالق، فقدم راكباً أو ماشياً، أو قال: إن دخل فلان الدار فأنت طالق، فدخل راكباً أو ماشياً-: وقع الطلاق.
وإن قدم به ميتاً-: لم يقع.
وإن قدم به محمولاً- نظر: إن كان بأمره-: وقع كما لو قدم راكباً، وإن كان بغير أمره-: لم يقع، سواء إن كان زمناً أو سوياً، تراخى أو لم يتراخ.
وإن أكره حتى دخل بنفسه-: فعلى قولين.
وكذلك إذا قدم جاهلاً بيمين الحالف، أو ناسياً-: فيه قولان.
أحدهما: لا يقع؛ لأن الإكراه والنسيان مرفوع عن الأمة؛ كما لو أكره على الطلاق: لا يعق.
والثاني: يقع، لأنه كان مختاراً في اليمين.
هذا إذا علق بقدوم من يقصد الزوج منعه من القدوم بيمينه، وهو ممن يمتنع من القدوم لو علم بيمينه.
أما إذا علق بقدوم الحجيج أو السلطان-: فهذا مجرد تعليق ليس بيمين، فإذا قدم وقع، ولو قال: إذا رأيت فلاناً فأنت طالق، فرأى جزءاً من بشرته، حياً أو ميتاً، طلقت، ولو رآه ملفوفاً في ثوب-: لم تطلق، ولو رآه في مرآة-: لم تطلق؛ لأنه رأى خياله؛ كما لو رآه في المنام، أو رأى صورته على الجدار، أو ظله على الأرض، أو رآه من وراء زجاج شفاف-: يقع؛ لأنه رآه حقيقة.
ولو قال: إن مسست فلاناً فأنت طالق، فمس شيئاً من بدنه بلا حائل، حياً أو ميتاً-: طلقت، وإن كان وراء حائل-: لم تطلق.
ولو قال: إن ضربت فلاناً، فضربه ضرباً مؤلماً-: وقع، وإن كان وراء ثوب، سواء إن ضربه بسوط أو وكزه بيده، وإن ضربه ميتاً-: لم يقع؛ لأن الضرب: ما يؤلم، والميت لا يتألم.
[ولو قال: إن قذفت فلاناً فأنت طالق، فقذفه حياً أو ميتاً-: يقع؛ لأن قذف الميت كقذف الحي].
ولو قال: إن قذفت فلاناً في المسجد فأنت طالق-: يشترط أن يكون القاذف في المسجد، ومثله لو قال: إن قتلت فلاناً في المسجدح: يشترط أن يكون المقتول في المسجد؛ لأن مقصوده الامتناع عن هتك حرمة المسجد، وهتك الحرمة في القتل بكون المقتول فيه، وفي القذف بكون القاذف فيه.
ولو قال من عليه الدين لمن له الدين: إن أخذت مالك علي فامرأتي طالق، فأخذه مختاراً-: طلقت امرأة الحالف، سواء كان المعطي مختاراً في الإعطاء أو مكرهاً، وسواء أعطى بنفسه أو بوكيله.
ولو أخذ السلطان من ماله، فدفعه إليه، أو استلبه رب [الدين]، لأنه حلف على الأخذ، وقد وجد الآخذ مختاراً.
وإذا قال: إذا أخذت مني-: فلا يحنث بإعطاء الوكيل بإذنه، ولا بإعطاء السلطان من ماله، فإن أكرهه السلطان على الإعطاء، أو استلب منه رب [المال]-: فعلى قولين؛ بخلاف الصورة الأولى، حيث لم يعتبر فعله؛ لأنه لم يضف الأخذ إلى نفسه فيها.
ولو قال: إن أعطيتك حقك، فأعطاه مختاراً-: حنث، سواء كان الآخذ مختاراً في الأخذ أو مكرهاً.
ولو وكل بالإعطاء، أخذ السلطان من ماله، فأعطاه-: لم يحنث، ولو أكرهه حتى أعطاه بنفسه-: فعلى قولين:
ولو قال لها: إن كلمت فلاناً فأنت طالق- ينظر: إن كلمته بصوت يسمع في تلك المسافة-: يقع الطلاق، سواء سمعه أو لم يسمعه، وإن خفضت صوتها بحيث لا يسمع فاتفق أنه سمع-: لم يقع، ولو كلمته بصوت يسمع في تلك المسافة، غير أنه لم يسمع لعارض لغط أو ريح، أو كان به صمم-: فعلى وجهين:
قال الشيخ- رحمه الله-: الأصح عندي أنه لا يقع حتى ترفع صوتها بحيث يسمع في تلك المسافة مع ذلك العارض؛ فحينئذ: يقع، وإن لم يتفق السماع.
وإن كلمته، وهو نائم، أو مغمىً عليه-: لا يحنث؛ كما لو كلمته ميتاً، وإن كلمته، وهو سكران، أو مجنون-: يقع، وإن كلمته وهي مجنونة أو مكرهة-: فعلى قولين؛ بناءً على حنث الناسي والمجنون والمكره.
وإن كانت [سكرانة] يقع.
ولو قال لها: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تكلمي فلاناً، فكلمته-: لم تطلق؛ لأنها خالفت نهيه.
ولو قال لها: إن كلمتك فأنت طالق، فاعلمي ذلك-: طلقت؛ لأنه كلمها بقوله: "فاعلمي ذلك".
وقيل: إن وصله باليمين-: لم تطلق؛ لأنه من صلة الأول.
أما إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق-: طلقت؛ لأن قوله: "إن دخلت الدار" كلام آخر معها.
ولو كان في فمها ثمرة، فقال: إن ابتلعتها فأنت طالق، وإن لفظتها فأنت طالق، وإن أمسكتها فأنت طالق فالمخلص منه أن تبلع البعض في الحال، وتلفظ البعض، ولو قال: إن أمسكتها فأنت طالق-: فأنت طالق طلقت؛ لأنها ممسكة إلى الفراغ من الألفاظ.
ولو اتهمها بسرقة، فقال: أنت طالق، إن لم تصدقي أنك سرقت أو ما سرقت، فقالت: سرقت وما سرقت-: لم تطلق؛ لأنها صدقت في إحدى الخبرين.
ولو قال: إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق، فدفع إليها كيساً، فأخذت منه شيئاً-: لم تطلق؛ لأنه خيانة ليس بسرقة.
ولو علق طلاقها بصفات مختلفة، فوجدت متفرقة أو مجتمعة-: يحنث في الكل؛ مثل أن قال لها: إن كلمت رجلاً فأنت طالق، وإن كلمت فقيهاً فأنت طالق، وإن كلمت زيداً فأنت طالق، فكلمت رجلاً فقيهاً اسمه زيد-: طلقت ثلاثاً؛ لوجود الصفات كلها فيه.
ولو قال: إن دخلت الدار أو كلمت فلاناً فأنت طالق، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أو كلمت فلاناً: فإذا وجدت إحدى الصفتين-: طلقت أيهما كانت، وترتفع اليمين حتى لا يقع بوجود الآخر شيء [آخر].
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار وإن كلمت فلاناً، أو قال: إن دخلت الدار وإن كلمت فلاناً فأنت طالق-: طلقت بكل واحدة طلقة؛ لأنه كرر حرف الشرط؛ فوجب لكل واحد جزاء، وإن وجدتا وقعت الطلقتان.
ولو قال: إن دخلت الدار وكلمت فلاناً فأنت طالق-: لم تطلق إلا بوجودهما جميعاً، وإذا وجدتا طلقت واحدة، سواء تقدم الكلام أو الدخول؛ لأن الواو للجمع.
ولو قال: إن دخلت الدار فكلمت فلاناً فأنت طالق، أو قال: إن دخلت الدار ثم كلمت فلاناً:- فلا تطلق إلا بوجودهما جميعاً، ويشترط تقديم الدخول على الكلام؛ لأن "الفاء" "وثم" للتعقيب.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت فلاناً-: لا تطلق إلا بوجودهما، ويشترط تقدم الكلام على الدخول؛ لأنه جعل الكلام شرطاً لوقوع الطلاق بالدخول.
وكذلك لو قال: أنت طالق إذا قمت [إذا] قعدت لم تطلق حتى يوجد القيام والقعود، ويتقدم القعود على القيام؛ لأنه جعل القعود شرطاً في القيام.
ولو قال: إن أعطيتك [إن] وعدتك إن سألتني فأنت طالق-: لم تطلق، حتى يوجد السؤال ثم الوعد، ثم العطية؛ لأنه شرط في العطية الوعد، ويشترط في الوعد السؤال، وكان معناه: إن سألتني فوعدتك وأعطيتك فأنت طالق.
ولو قال: إن دخلت الدار [فأنت طالق إن كلمت فلاناً-: فهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أنها إن دخلت الدار-:] اتصتف بأن طلاقها تعلق بالكلام، فيشترط تقديم الدخول.
والآخر: أنها إن كلمت-: اتصفت بأن طلاقها تعلق بالدخول؛ فيشترط تقديم [الكلام] فيرجع إليه.
فصل في تعليق الطلاق بالحيض
إذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق: فكما رأت الدم-: يحكم بوقوع الطلاق، ويكون بدعياً؛ لأن الظاهر أنه حيض، بدليل أنها تؤمر بترك الصوم والصلاة.
ثم إذا انقطع على أقل من يوم وليلة-: بان أنه لم يكن حيضاً؛ فلم يقع الطلاق، وإن كانت حائضاً حالة اليمين-: لا يقع الطلاق بتلك الحيضة، حتى تطهر ثم تحيض؛ لأنه يقتضي حيضة مستأنفة.
ولو قال: عن حضت حيضة فأنت طالق-: فلا يقع حتى تحيض وتطهر، ويكون سنياً، لأنه يقع في الطهر.
ولو قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، وإن حضت حيضتين فأنت طالق، فإذا حاضت وطهرت-: يقع طلقة، ثم إذا حاضت حيضة أخرى وطهرت-: تقع أخرى؛ لأن هذه الحيضة مع الأولى حيضتان.
ولو قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، ثم إن حضت حيضتين فانت طالق: فإذا حاضت وطهرت-: وقعت طلقة، ثم لا تقع أخرى حتى تحيض [بعدها] حيضتين أخريين.
ولو قال: كلما حضت حيضة فأنت طالق طلقة، وكلما حضت حيضتين فأنت طالق: فإذا حاضت وطهرت-: وقعت طلقة، ثم إذا حاضت أخرى وطهرت-: كمل الثلاث؛ لأن "كلما" للتكرار، والحيضة الثانية في نفسها حيضة؛ فيقع بها طلقة، وهي مع الأولى حيضتان؛ فتقع أخرىز
ولو علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت، وأنكر الزوج-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعرف بحيضها، فيقبل قولها في حقها؛ بخلاف ما لو علق بصفة أخرى، واختلفا في
وجودها-: كان القول قول الرجل مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
ولو علق طلاقها بحيض امرأة أخرى، فقالت تلك المرأة: حضت، وأنكر الزوج-: فالقول قول الرجل مع يمينه.
ولو كانت له امرأتان، فقال: إن حضتما فأنتما طالقان؛ فما لم تحيضا لا يقع لاطلاق، وإذا حاضتا طلقتا، سواء حاضتا معاً أو على الترتيب.
ولو قالتا: حضنا، وكذبهما الزوج-: فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف لا تطلق واحدة منهما.
ولو صدق الزوج إحداهما-: طلقت المكذبة دون الأخرى؛ لأن قول المكذبة في حقها مقبول، وقد صدق الزوج صاحبتها، فقد وجدت الحيضتان في حقها، ولا تطلق المصدقة؛ لأن حيض صاحبتها شرط في طلاقها، والزوج قد كذبها، فلا يقبل قولها في حق هذه.
ولو قال لهما: إن حضتما حيضة فأنتما طالقان-: ففيه وجهان:
أحدهما: هو لغو لا يحكم به؛ لأنه لا يتصور اجتماعهما على حيضة واحدة.
الثاني- وبه قال أبو حنيفة-: يصح، وينصرف إلى ما يتصور، وهو رؤية الدم منها، ويلغو قوله: "حيضة"؛ لأنه المستحيل من كلامه؛ كما لو قال لامرأته: أنت طالق للسنة والبدعة-: يقع في الحال، ويلغو الوصف.
ولو كن أربعاً، فقال الزوج: إن حضتن فأنتن طوالق-: فلا يقع الطلاق على واحدة منهن إلا أن يحيض الكل، فإذا حضن جميعاً-: طلقت كل واحدة طلقة.
وإن قلن: حضنا، فكذبهن الزوج، أو كذب ثلاثاً أو اثنتين-ح: فلا يقع شيء وإن صدق ثلاثاً، وكذب واحدة-: يقع على المكذبة طلقة؛ لأن قولها في حق نفسها مقبول، وقد صدق الزوج صواحباتها، فقد كمل الشرط في حقها، ولا يقع على المصدقات شيء.
ولو قال لهن: كلما حاضت واحدة منكن فأنتن طوالق: فإذا حضن أو حاضت ثلاث منهن-: طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأن كلمة "كلما" للتكرار.
وقد قلن: حضنا، وكذبهن الزوج-: يقع على كل واحدة طلقة؛ لأن قولها في حقها مقبول دون صواحباتها.
ولو صدق واحدة وكذب ثلاثاً-: وقع على المصدقة طلقة لحيضتها، وعلى كل واحدة من المكذبات طلقتان: طلقة لحيضتها، وطلقة لحيض المصدقة.
ولو صدق اثنتين، وكذب اثنتين-: وقع على كل مصدقة طلقتان، وعلى كل مكذبة ثلاث؛ فإن صدق ثلاثاً-: وقع على الكل ثلاث.
ولو قال: كلما حاضت واحدة منكن فصواحباتها طوالق: فإذا حضن وصدقهن الزوج-: وقع على كل واحدة ثلاث طلقات، وإن كذبهن لا يقع شيء.
ولو صدق واحدة-: لا يقع على المصدقة شيء، ويقع على كل مكذبة طلقة؛ لأن لكل واحدة صاحبة واحدة صدقها الزوج.
وإن صدق اثنتين-: وقع على كل مصدقة طلقة، وعلى كل مكذبة طلقتان؛ لأن لكل مصدقة صاحبة واحدة صدقها الزوج، ولكل مكذبة صاحبتان صدقهما الزوج وإن صدق ثلاثاً وقعت على كل مصدقة طلقتان، وعلى الكذبة ثلاث طلقات؛ لأن لها ثلاث صواحب صدقهن الزوج.
فصل
إذا قال لنسائه الأربع: إن لم أطأ واحدة منكن اليوم فصواحباتها طوالق: فإذا وطئ واحدة-: انحلت اليمين، ولو مضى اليوم، ولم يطأ واحدة منهن-: وقعت على كل واحدة منهن-: وقعت على كل واحدة منهن ثلاث طلقات؛ [لأن لكل واحدة ثلاث صواحب لم يطأهن الزوج، ولو وطئ واحدة-: يقع عليها ثلاث طلقات].
وعلى كل واحدة ممن لم يطأ طلقتان؛ لأن لكل واحدة صاحبتين لم يطأهما الزوج.
ولو وطئ اثنتين-: وقعت على كل موطوءة طلقتان، وعلى كل واحدة ممن لم يطأها طلقة.
ولو وطئ ثلاثاً-: وقعت على كل موطوءة طلقة؛ لأن لكل واحدة صاحبة واحدة لم يطأها الزوج، ولا يقع على غير الموطوءة شيء؛ لأنه لا صاحبة لها لم يطأها الزوج، هذا إذا قيد باليوم، فإن أطلق ولم يقيد-: وقع على العمر، فإن مات الزوج أو متن جميعاً قبل الوطء-: بان أنه وقعت على واحدة ثلاث طلقات قبل الموت.
ولو ماتت واحدة قبل الوطء، والزوج حي-: لا يقع على الميتة شيء؛ لأن الزوج ربما يطأ الحيات، ويقع على كل واحدة من الحيات طلقة طلقة.
ولو مات أخرى قبل الوطء-: بان أنه وقعت على الأولى قبل موتها طلقة، ووقع [بموتها] على كل واحدة من الحيتين طلقة أخرى.
فإن ماتت ثالثة قبل الوطء-: بان أنه وقعت على الأوليين قبل موتهما طلقتان، ثم على الرابعة ثلاث طلقات.
فإذا ماتت الرابعة قبل الوطء-: بان وقوع الثلاث على كل واحدة قبل موتها، والله أعلم.
فصل في التعليق بالولادة.
إذا قال لامرأته: إن ولدت ولداً فأنت طالق، فأتت بولد حي أو ميت، ذكراً أو أنثى-: يقع الطلاق، فلو قالت المرأة: ولدت، وأنكر الزوج-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح؛ كما لو علق طلاقها بدخول الدار وبصفة أخرى، فاختلفا في وجودهما-: كان القول قوله.
وقيل في الولادة: القول قولها؛ كما يقبل قولها في انقضاء العدة بالولادة، وكما لو علق الطلاق بحيضها، فقال: إن حضت، فقالت: حضت-: يقبل قولها.
والأول أصح؛ لأن إقامة البينة على الولادة ممكن، بخلاف الحيض؛ كما لو علق طلاقها بولادة غيرها، فقالت تلك المرأة: ولدت-: لا يقبل قولها في وقوع الطلاق.
ولو قال: إذا ولدت فأنت طالق، فأتت بولدين: وقعت بالأول طلقة، وانقضت عدتها بالثاني، سواء كان الوالدان حيين أو ميتين.
ولو قال: كلما ولدت ولداً ذكراً فأنت طالق، فأتت بأربعة أولاد-: وقعت بكل واحد طلقة، وانقضت عدتها بالرابع.
وإن أتت بثلاثة أولاد-: وقعت بالأوليين طلقتان؛ وانقضت عدتها بالثالث، ولا يقع به الطلاق؛ لأن الطلاق إنما يقع إذا صادف العدة، ههنا صادف انقضاء العدة.
وكذلك: إذا أتت بولدين-: يقع بالأول طلقة، وبالثاني تنقضي عدتها.
هذا هو المذهب، وهو قوله الجديد.
وقال في "الإملاء": يقع بالآخر طلقة، وتعتد بالأقراء حتى لو قال للرجعية: أنت طالق مع انقضاء العدة يقع-:
والأول المذهب؛ أن الطلاق إذا صادف انقضاء العدة-: لا يقع، وعليه يفرع.
وإن كان تحته امرأتان، فقال: كلما ولدت واحدة منكما فأنتما طالقتان، فأتت كل واحدة بولد-: فبولادة الأولى: يقع عليها طلقة، وعلى صاحبتها طلقة، وبولادة الثانية: يقع على الأولى: طلقة أخرى؛ لكونها في العدة، ولا يقع على هذه؛ على قوله الجديد؛ لأن
عدتها [تنقضي] بالاولادة.
ولو أتت كل واحدة بولدين، مثل: أن ولدت زينب يوم الخميس، وعمرة يوم الجمعة، ثم ولدت زينب يوم السبت ولداً آخر، ثم عمرة يوم الأحد-: وقع على كل واحدة طلقتان بولادة الأوليين.
فإذا ولدت زينب يوم السبت-: لم يقع عليها شيء؛ لانقضاء عدتها، وتم على العمرة ثلاث طلقات، فإذا ولدت يوم الأحد انقضت عدتها.
ولو كن أربعاً فقال كلما ولدت واحدة منكن فأنتن طوالق: فإذا ولدت واحدة منهن-: وقع عليها وعلى كل واحدة من صواحباتها طلقة، فإذا ولدت الثانية تنقضي عدتها عن طلقة؛ على قوله الجديد ووقع على كل واحد من صواحباتها طلقة أخرى.
فإذا ولدت الثالثة-: تنقضي عدتها عن طلقتين، وتم على الأولى والرابعة ثلاث طلقات، ولا يقع على الثانية؛ لأنها بانت بانقضاء العدة.
فإذا ولدت الرابعة-: انقضت عدتها عن ثلاث طلقات، ولا يقع على صواحباتها بولادتها شيء؛ لأنهن بائنات.
ولو قال: كلما ولدت واحدة منكن فصواحباتها طوالق: فإذا ولدت واحدة لا يقع عليها شيء؛ لأن طلاقها غير معلق بولادتها، ووقعت على كل واحدة من صواحباتها طلقة.
فإذا ولدت الثانية-: تنقضي عدتها عن طلقة، ووقعت على الأولى طلقة، ثم على الثالثة والرابعة طلقتان.
فإذا ولدت الثالثة-: انقضت عدتها عن طلقتين، وتم على الأولى طلقتان، وعلى الرابعة الثلاث، ولم يقع على الثانية شيء؛ لأنها بانت بانقضاء العدة.
فإذا ولدت الرابعة-: انقضت عدتها عن ثلاثة، وتم على الأولى ثلاث طلقات.
ولو ولدت في هذه الصورة اثنتان معاً، ثم اثنتان معاً، فبولادة الأوليين: يقع على كل واحدة منهما طلقة، وعلى كل واحدة من الأخريين طلقتان، ثم بولادة الأخريين: تنقضي عدتها عن طلقتين، ولا يقع عليهما شيء آخر، وتم على كل واحدة من الأوليين ثلاث طلقات.
ولو قال لامرأته: إذا ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة، وإذا ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فأتت بذكر وأنثى- نظر: إن وضعتهما معاً-: يقع بولادتهما ثلاث طلقات، وتعتد
بالإقراء وإن وضعتهما على الترتيب- نظر: إن وضعت الذكر أولاً-: وقعت عليها طلقة [للذكر]، فإذا وضعت الأنثى-: تنقضي عدتها عن طلقة، ولا يقع بولادتها شيء آخر على قوله الجديد.
فإن وضعت الأنثى أولاً-: وقعت عليها طلقتان، ثم بولادة الذكر تنقضي عدتها عن طلقتين.
وإن أشكل الأمر، فلم يدر أيهما وضعت معاً، أو على الترتيب، أو سبق الذكر أو الأنثى-: نأخذ باليقين، وهو الأقل؛ نجعل كأنها وضعت الذكر أولاً، وانقضت عدتها بالأنثى عن طلقة.
ولو قال: إن ولدت ولداً فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأتت طالق طلقة، فأتت بأنثى يقع طلقتان؛ لأنه علق بولادة الولد وبولادة الأنثى، وقد وجدت الصفتان.
ولو قال: إن ولدت ولداً فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت انثى-: يقع ثلاث طلقات.
ولو قال: إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقة، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين، فإن أتت بذكر-: تنقضي عدتها عن طلقة، وإن أتت بأنثى تنقضي عدتها عن طلقتين، وإن وضعت ذكراً وأنثى-: تنقضي عدتها عن ثلاث طلقات؛ لأن الطلاق وقع حالة التلفظ، فلم يقارن انقضاء العدة.
ولو قال: إن كان حملك ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين، فأتت بذكر وأنثى-: لا يقع شيء؛ لأنه يقتضي أن يكون جميع الحمل ذكراً أو أنثى، ولم يكن، وكذلك لو قال: إن كان ما في بطنك ذكراً يقتضي أن يكون الكل ذكراً.
ولو قال: إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين فإن ولدت ذكراً انقضت عدتها عن طلقة، وإن ولدت أنثى-: يقع عليها حالة الولادة طلقتان، وتعتد بالأقراء.
وإن وضعت ذكراً وأنثى- نظر: إن وضعت الأنثى أولاً، ثم الذكر-: يقع بولادة الأنثى طلقتان، وتبين وقوع طلقة حالة التلفظ بسبب الذكر، وانقضت به عدتها عن ثلاث طلقات.
وإن وضعت الذكر أولاً، ثم الأنثى-: فقد وقع بالذكر عليها طلقة حالة التلفظ، ثم بولادة الأنثى تنقضي عدتها عن طلقة، ولا يقع شيء آخر على قوله الجديد؛ لأنه يصادف
انقضاء العدة، وكذلك إن وضعتهما معاً-: تنقضي عدتها عن طلقة.
ولو علق طلاقها بالولادة، فقالت: ولدت، فأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ كما في سائر الصفات، والله أعلم.
فصل
إذا قال لامرأته: إن خرجت بغير إذني، أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، أو إلى أن آذن لك، أو مهما، أو أي وقت خرجت [بغير إذني] فإنت طالق، فإذا خرجت بغير إذنه-: طلقت، وانحلت اليمين، وإن خرجت مرة بإذنه-: لم تطلق، وتنحل اليمين، حتى لو خرجت بعد ذلك-: لا تطلق.
وعند أبي حنيفة: لا تنحل اليمين في قوله: بغير إذني، أو إلا بإذني، وتنحل في قوله: حتى آذن لك، أو إلى أن آذن لك؛ وقال: لأن المحلوف عليه خروج بغير إذن.
فإذا خرجت بالإذن-: لم يوجد المحلوف عليه؛ فلا تنحل اليمين؛ كما إذا قال: إن دخلت الدار لابسة للحرير فأنت طالق، فدخلت غير لابسة للحرير-: لا تنحل اليمين حتى لو دخلت بعده لابسة للحرير-: طلقت.
قلنا: ليمينه ههنا جهتان: جهة بر، وهي الخروج بالإذن، وجهة حنث، وهي الخروج بغير الإذن، فإذا وجدت إحدى الجهتين-: تنحل اليمين؛ كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار اليوم، أو لآكلن هذا الرغيف، فإذا أكل الرغيف-: بر، وانحلت اليمين، حتى لو دخل بعده الدار-: لم يحنث.
ولو لم يدخل الدار، حتى مضى اليوم-: بر، وإن لم يأكل الرغيف، وليس كقوله: إن دخلت الدار لابسة للحرير، فدخلت غير لابسة: لا تنحل اليمين؛ لأن إحدى الجهتين-: لم توجد؛ إذ لم يصرح بالنفي والإثبات.
قال [الشيخ- رحمه الله]-: على قياس هذا إذا قال: إن دخلت الدار غير لابسة للحرير إلا لابسة للحرير فأنت طالق: فإذا دخلت غير لابسة-: طلقت واحدة، وإذا دخلت لابسة لا تطلق ووجب أن تنحل اليمين.
ولو أذن لها الزوج، ولم تعلم، فخرجت-: لم تطلق، إلا أنها إذا أنكرت الإذن-: كان القول قولها مع يمينها، وعلى الزوج إقامة البينة.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: والورع أن يحنث نفسه، إذا لم يعلمها بالإذن؛ لم يرد به أن يجعلها مطلقة فيتركها؛ بل أراد: أنه يراجعها، ثم بعده إذا طلقها طلقتين: فالورع ألا ينكحها إلا بعد زوج آخر، فإذا نكحها بعد زوج، فتكون عنده بطلقة، في الورع وفي الحكم جميعاً.
ولو أذن لها في الخروج، ثم رجع عن الإذن قبل الخروج، فخرجت بعده-: لا تطلق؛ لأن الإذن قد سبق، فلا يرتفع برجوعه.
قال- رحمه الله-: عندي هذا صحيح في قوله: "حتى آذن لك"؛ لأنه جعل الإذن غاية اليمين، فإذا وجد ارتفع.
أما إذا قال: بغير إذني، أو إلا بإذني: فإذا رجع، ثم خرجت-: فهو خروج بغير إذن، وهو أول خروج وجد بعد اليمين-: فوجب أن تطلق، وذكره الأصحاب.
ولو قال: إن خرجت بغير إذني لغير عبادة فأنت طالق: فإن خرجت للعبادة، ولقضاء حاجة أخرى-: لم تطلق على الأصح، ولو خرجت للعبادة فقضت في الطريق حاجة أخرى-: لم تطلق، والله أعلم.
فصل
إذا قال لامرأته: إذا تزوجت عليك فأنت طالق: فإذا تزوج عليها في النكاح، أو في عدة الرجعة-: طلقت، ولو أبانها، ثم تزوج امرأة-: لا يقع عليها الطلاق، ولا تنحل اليمين؛ لأنه حلف ألا يتزوج عليها، وهو لم يتزوج عليها.
فإن كان قال: إذا تزوجت فأنت طالق، فإذا أبانها، ثم تزوج-: تنحل اليمين، حتى لو نكحها بعده، ثم تزوج أخرى-: لا يقع الطلاق عليها.
ولو قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق-: فلا يقع الطلاق بترك التزوج، ما لم يقع اليأس من التزوج بموت أحدهما، أو بجنون من الزوج متصل بالموت؛ فيحكم بوقوع الطلاق قبل الموت والجنون.
وإذا تزوج عليها-: انحلت اليمين، سواء تزوج عليها امرأة تشبهها أو لا تشبهها.
وعند مالك: إن تزوج عليها امرأة دونها-: لا تنحل بها اليمين حتى يدخل بها.
ولو قال: إذا أو متى لم أتزوج عليك فأنت طالق: فإذا مضى زمان أمكنه أن يتزوج عليها، فلم يفعل-: طلقت.
إذا قال لنسائه: من بشرتني منكن بقدوم فلان فهي طالق، فبشرته إحداهن صادقة، ثم بشرته أخرى-: طلقت الأولى دون الثانية.
ولو بشرتاه معاً، أو بشرنه جميعاً، أو بشرته إحداهما بعد ما رآه الزوج-: لم تطلق؛ لأن البشارة قد سبقت برؤية الزوج.
ولو كتبت واحدة منهن بالبشارة-: طلقت، ولو أرسلت رسولاً-: لم تطلق؛ لأن المبشر هو الرسول.
ولو قال: من أخبرني بقدوم زيد، فأخبرته واحدة بعد الأخرى-: طلقتا، ولو أخبرته كاذبة-: طلقت؛ لأن الخبر يدخله الصدق والكذب؛ بخلاف البشارة فإنها خبر صدق يقرع سمع سامع أول مرة.
ولو قال لامراته: إن زوجت ابنتي فأنت طالق، فزوجها تزويجاً فاسداً، أو قال: إن بعت مالي، فباع بيعاً فاسداً-: لا يقع الطلاق، حتى يزوج أو يبيع تزويجاً أو بيعاً صحيحاً تاماً بالإيجاب والقبول.
ولو قال لامرأته: إن بعت مالي بغير إذني، أو قال: إن بعت الخمر فأنت طالق، فباعت ماله بغير إذنه أو باعت الخمر-: لا يقع الطلاق إلا أن يريد صورة البيع.
وقال المزني: يقع، ويحمل على صورة البيع، وكذلك لو قال: إن بعت بيعاً فاسداً، فباع-: لم تطلق إلا أن يريد صورة البيع.
وعند المزني: يقع.
قال الشيخ- رحمه الله-: وهو الاختيار عندي فيما إذا قيد بالفاسد، أو علق بما لا يقبل البيع؛ لأن الظاهر أنه يريد صورة البيع.
ولو قال: إن تسربت فأنت طالق، فإذا وطئ جاريته، وأنزل-: طلقت.
وقد يحصل بالوطء والإنزال والتحصين عن العيوب؛ لأن التسري في العرف إيجاد الجارية لابتغاء الولد، ويكون ذلك بهذه الأشياء.
فَصْلُ [فِيمَنْ يَقَعُ طَلاَقُهُ وَمَنْ لاَ يَقَعُ
لا يقع] طلاق الصبي والمجنون وكل من زال عقله بعلة أو مرض.
أما السكران من الخمر، إذا تعمد شربه-: يقع طلاقه؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لما كان عاصياً بسكره-: كان كالصاحي في جميع أحكامه، وكذلك هو كالصاحي في جميع أفعاله وأقواله كالصحيح.
وفيه قول: أنه كالمجنون في أقواله وأفعاله؛ لأنه لا يعقل؛ وهو قول المزني ومذهب مالك.
وقيل: قول السكران صحيح فيما عليه دون ماله؛ لأن مؤاخذته بأقواله مع زوال عقله معاقبة له على صنيعه لينزجر؛ كما عوقب بالحد، وأوجب عليه قضاء الصلوات.
وكذلك رددنا قوله فيما له دون ما عليه؛ عقوبة له، فعلى هذا الطريق: تصح أقاريره، ولا يصح بيعه؛ لأنه يجمع ماله وعليه، فيغلب جانب ماله.
وكذلك: لا يصح نكاحه ولا إنكاحه؛ لأن نكاحه له، وإنكاحه يكون بولاية له؛ وعلى هذا: يصح ضمانه؛ لأنه عليه.
ولو شرب دواء يزيل العقل عمداً-: فهو كالسكران على الصحيح من المذهب: في وقوع طلاقه، والمؤاخذة بأفعاله وأقواله.
ولو أوجر الخمر فسكر، أو شرب شراباً لم يعرفه مسكراً فسكر-: فهو كالمجنون، ولو علم أنه مسكر، ولكن ظن أن [ذلك القَدْرَ] لا يسكر لقلته فسكر-: فهو كما لو علمه قدراً يسكر.
ويقع طلاق الهازل، والناسي، والجاهل، مثل: أن نسي أن له زوجة فطلقها، أو وكل رجلاً بقبول نكاح امرأة له، فطلقها، ولم يعلم قبول الوكيل، فبان أنه قد قبل-: وقع الطلاق، وكذلك: العتق.
وطلاق المكره لا يقع؛ وكذلك كل حكم لا يلزمه في حال الطواعية، وإذا حمل عليه بإكراه باطل-: لا يصح، سواء فيه النكاح والطلاق والعتاق وسائر العقود.
ومن أصحابنا من قال: إنما لا يقع طلاق المكره، إذا ورى بغيره، فإذا ترك التورية-:
يقع، والأصح: أنه لا يصح إلا أن ينوي الوقوع.
وعند أبي حنيفة: يصح طلاق المكره وعتقه ونكاحه.
فنقول: قول لو صدر منه مختاراً بانت منه امرأته، وإذا حمل عليه بإكراه باطل-: لا يعمل؛ قياساً على كلمة الردة.
أما ما يلزمه في حال الطواعية: فإذا أكره عليه: يعد كالحربي أو المرتد؛ يكره على الإسلام، فأسلم والمولى بعد مضي المدة: يكره على الطلاق فطلق-: يقع؛ لأنه إكراه بحق.
وحد الإكراه أن يخوفه بعقوبة تنال من بدنه عاجلاً لا طاقة له بها؛ مثل: أن يقول: إن فعلت كذا، وإلا قتلتك، أو لأقطعن عضواً منك، أو لأضربنك ضرباً مبرحاً، أو لأدخلنك السجن، وكان القائل ممن يمكنه تحقيق ما يخوفه به من وال أو قاهر، حيث لا يلحقه الغوث.
وإن كان يخوفه، ولا يمكنه تحقيقه-: فلا يكون إكراهاً، وأمر السلطان إكراه؛ على أحد القولين.
فإن خوفه بعقوبة آجلة؛ بأن قال: لأضربنك غداً، أو بضرب غير مبرح، بأن قال: لأضربنك سوطاً، أو سوطين، أو مما لا ينال من بدنه بأن قال: لأقتلن ولدك أو زوجتك-: فلا يكون إكراهاً.
أما النفي عن البلد-: هل يكون إكراهاً؟ نظر: إن كان بينه وبين أهله فهو إكراه؛ كالتخليد في السجن، وإن لم يكن [فيه تفريق بينه وبين أهله]- فيه وجهان.
أحدهما: ليس بإكراه؛ لأن البلاد في حقه سواء.
والثاني: هو إكراه؛ لأن مفارقة الوطن شديدة، ولذلك عوقب الزاني بالتغريب.
أما ما يؤول إلى ذهاب الجاه؛ مثل: أن قال: لأسودن وجهك، ولأطوفن بك في البلد، ولأصفعنك في السوق، أو نحو ذلك، أو لأتلفن مالك-: فلا يكون ذلك الكل إكراهاً إذا كان يكرهه على قتل، أو قطع.
وإن كان يكرهه على إتلاف مال، أو على طلاق، أو عتاق-: فهو إكراه؛ على قول بعض أصحابنا، وعند بعضهم: ليس بإكراه؛ لأنه لا يصيب بدنه بما لا يطيقه.
وقيل: إذا قال: لأقتلن ولدك فهكذا.
فمن جعل الاستحقاق بإذهاب الجاه من الصفع والضرب الخفيف وتسويد الوجه إكراهاً-: فذلك في حق المحتشم الوجيه.
فأما المتبدل الذي لا يبالي به-: فلا يكون إكراهاً في حقه، فكذلك أخذ القليل من المال ممن لا يضن عليه.
ولو أكرهه على أمر، ففعل بخلافه-: يقع؛ مثل: أن يكرهه على أن يطلق واحدة فطلق ثلاثاً، أو على ثلاث فطلق واحدة، أو على تنجيز الطلاق فعلى أو على التعليق فنجز، أو على أن يطلق بلفظ الكناية فصرح-: يقع؛ لأنه صار مختاراً بالمخالفة.
ولو أكرهه على أن يطلق امرأته زينب، فطلقها وضرتها- نظر: إن [طلقهما معاً] وقع عليهما، فإن فرق بينهما، فقال: زينب طالق، وعمرة طالق-: لم تطلق زينب للإكراه، وطلقت عمرة.
ولو أكرهه على أن يطلق إحدى امرأتيه لا بعينها، فطلق إحداهما بعينها-: يقع؛ لأنه بالتعيين صار مختاراً.
ولو أكرهه على أن يطلق زوجة المكره، فطلق-: وقع؛ لأن الإكراه أبلغ من الإذن، ولو أذن له به، فطلق-: وقع، فبالإكراه أولى.
بَابُ الطَّلَاقِ بِالحِسَابِ
إذا قال: أنت طالق واحدة في اثنتين- نظر: إن أراد "مع اثنتين" وقع الثلاث؛ لأنه يذكر ويراد به "مع"؛ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أممٍ.
وإن أراد الحساب-: يقع طلقتان.
وإن أراد الظرف يقع طلقة واحدة.
وإن أطلق ففيه قولان:
أحدهما: يحمل على الحساب، فيقع طلقتان، لأنه الظاهر من هذا اللفظ.
والثاني- وهو الأصح-: يقع طلقة واحدة؛ لأنه اليقين.
ولو قال: أنت طالق ما بين الواحدة والثلاث-: فتقع طلقة واحدة، ولو قال: من الواحدة إلى الثلاث: قيل: تقع الثلاث، ويدخل الطرفان فيه؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وقيل: تقع طلقتان، يدخل فيه الطرف الأول، ولا يدخل الثاني؛ لأنه حد لا يدخل في المحدود، وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: تقع واحدة، ولا يدخل فيه الطرفان؛ وهو قول زفر.
ولو قال أنت طالق قبل طلقة أو بعدها طلقة، أو بعد طلقة أو قبلها طلقة: فإن كان مدخولاً بها: فطلقة واحدة؛ كما لو قال لها: أنت طالق وطالق.
وقيل: في قوله: قبلها طلقة أو بعدها طلقة-: يصير دوراً، فمن أعمل الدور-: قال: لا يقع شيء.
والأول أصح.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، أو بعدها طلقة-: يقع طلقتان؛ لأنه أوقع طلقة، وأقر بطلاق وقع من قبل.
ولو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، وبعدها طلقة-: طلقت ثلاثاً.
وكذلك لو قال: أنت طالق [ثلاثاً] طلقة قبلها وبعدها طلقة-: طلقت ثلاثاً؛ لأنه يقع قبلها نصف طلقة، وبعدها نصف [طلقة]؛ فيكملان.
ولو قال: طلقة بعدها طلقة، ثم قال عنيت بعدها طلقة أوقعها: لا يقبل في الحكم، ويقبل في الباطن.
ولو قال لها: أنت طالق طلقة معها طلقة، أو طلقة مع طلقة-: يقع طلقتان، سواء كانت مدخولاً بها أو لم يكن، ويقعان معاً.
وقيل يقع أحداهما، ثم الأخرى عقيبها في المدخول بها، وفي غير المدخول بها: لا يقع إلا واحدة؛ كما لو قال لها: أنت طالق طلقة وطلقة.
فَصْلُ
الطلاق له كلية وجزئية يحصل فيه ذكر بعض المحل، وذكر بعض الزمان، وذكر بعض اللفظ كذكر الكل؛ وكذلك العتق.
أما المحل: إذا قال لها: جزء منك طالق، أو نصفك طالق، أو ربعك طالق-: يقع الطلاق على جميعها.
وكذلك: إذا أضاف إلى عضو معين متصل بها اتصال خلقة؛ كالرأس واليد والرجل والشعر والسن [والظفر] والحشوة والقلب أو إلى إصبع زائدة عليها، فقال: إصبعك طالق-: يقع.
وكذلك إذا أضاف إلى روحها أو سمنها أو عرقها-: يقع عليها؛ كما لو قال: نفسك أو جسمك أو بدنك أو جنبك أو شخصك أو ذاتك طالق-: يقع.
ولو قال: حياتك، وأراد بها الروح-: يقع.
وعند أبي حنيفة: إذا أضاف إلى جزء تابع، أو إلى عضو يعبر عن جميع البدن؛ كالوجه والرقبة والرأس [والظهر]-: يقع.
فإن أضاف إلى ما يعبر عنه عن جميع البدن-: لا يقع.
وإن أضاف إلى المعاني القائمة بالذات؛ كالحسن والقبح واللون والسمع والبصر
والحركة والسكون والصوت والكلام والضحك والبكاء والنفس-: لا يقع.
وكذلك لو قال اسمك طالق-: لا يقع، ولو أضاف ما ينحلب منها كالبراق والمخاط والدمع والبول-: لا يقع، وإن أضاف إلى دمها-: يقع؛ على الأصح؛ لأنه خلقة فيها وبه بقاؤها.
وإن أضاف إلى لبنها ومنيها-: ففيه وجهان.
أحدهما: هو كالدمع.
والثاني: هو كالدم.
ولو أضاف إلى جنينها-: لا يقع؛ لأنه شخص آخر، ولو أضاف إلى عضو أبين منها-: لا يقع.
واختلفوا في كيفية وقوعه، إذا أضيف إلى عضو منها:
منهم من قال: يقع على ذلك العضو، ثم يسري.
ومنهم من قال يجعل ذلك عبارة عن جميع البدن.
وفائدته تبين فيما إذا قال لها: إن دخلت الدار قيدك طالق، فقطعت يدها، ثم دخلها الدار-: هل يقع أم لا؟
إن قلنا: يقع على العضو، ثم يسري-: لا يقع؛ لفقد المحل حالة الدخول.
وإن جعلناه عبارة عن جميع البدن-: يقع.
أما ذكر بعض الزمان، إذا قال: أنت طالق ساعة [أو يوماً] أو شهراً-: يقع دائماً.
وأما ذكر بعض اللفظ إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو سدس طلقة، أو بعض طلقة- يقع طلقة كاملة.
ولو قال: أنت طالق نصف وثلث طلقة، أو نصف وسدس طلقة-: [لا يقع إلا واحدة] لأنه ذكر الجزء الثاني قبل تمام الكلام؛ ولو قال: نصف ثلث سدس طلقة، أو قال: نصفي طلقة-: يقع طلقة، ولو قال نصف وثلثي طلقة، أو ثلاثة أنصاف طلقة-:
فعلى وجهين:
أصحهما: يقع طلقتان؛ لأن النصف والثلثين يزيد على الواحد، وكذلك: ثلاثة
أنصاف، فتكمل الطلقة الثانية، وكذل مهما زادت الأجزاء على الجملة.
والثاني: لا تقع إلا واحدة؛ لأنه أضافها إلى طلقة، وليس للطلقة الواحدة إلا نصفان؛ فتلغو الزيادة.
ولو قال: نصف طلقتين، أو ثلث طلقتين- يقع واحدة.
وقال أبو إسحاق تقع طلقتان.
ولو قال: نصفي طلقتين، أو ثلثي طلقتين-: يقع طلقتان.
ولو قال: ثلاثة أنصاف طلقتين-: ففيه وجهان.
أحدهما يقع طلقتان؛ لأنه أضاف إلى طلقتين، ويكون للطلقتين ثلاثة أنصاف.
والثاني: يقع ثلاث طلقات؛ لأن نصفي طلقتين طلقتان، فثلاثة أنصافها تكون ثلاثاً.
وكذلك لو قال: خمسة أنصاف طلقتين.
ولو قال: أنت طالق نصف طلقة ونصف طلقة ونصف طلقة، أو قال سدس طلقة وسدس طلقة وسدس طلقة-: فهو كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق يقع طلقتان، ويستفسر في الثالثة.
ولو قال: نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة-: يقع الثلاث؛ للمغايرة بين الألفاظ.
ولو قال: نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة-: يقع واحدة؛ لأنها أجزاء طلقة واحدة؛ بخلاف ما لو عطف بـ"الواو".
ولو قال لنسائه الأربع: أوقعت عليكن طلقة، أو بينكن طلقة يقع على كل واحدة طلقة.
ولو قال: أردت بعضهن-: لم يقبل في الحكم.
وقيل: يقبل في "بينكن"، ولا يقبل في "عليكن"؛ لأن حرف "بين" يذكر، ولا يراد به التشريك، كما يقال: [المسروق] لا يخرج من بين هؤلاء: لا يريد أنهم شركاء فيه.
والأول أصح.
وكذلك لو قال أوقعت عليكن أو بينكن طلقتين أو ثلاث طلقات أو أربع طلقات-: لا يقع على كل واحدة إلا طلقة، إلا أن يريد التقسيم، ففي طلقتين: يقع على كل واحدة
طلقتان، وفي الثلاث والأربع: يقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
فإن قال: أردت بعضهن بأن عين اثنتين، فقال: أوقعت على كل واحدة منهما اثنتين الأربع دون الأخريات-: فلا يقبل في الحكم، ويقع على المعينتين على كل واحدة طلقتان بحكم إقراره، وعلى الأخريين على كل واحدة طلقة.
ولو قال: أوقعت الثلاث على واحدة-: يقع عليها ثلاث طلقات، وعلى كل واحدة من الأخريات طلقة.
ولو قال: أوقعت عليكن أو بينكن خمس طلقات، أو ست طلقات، أو سبع طلقات، أو ثمان طلقات-: يقع على كل واحدة طلقتان.
ولو قال تسع طلقات-: يقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
ولو قال: أوقعت بينكن خمس طلقات لبعضكن أكثر ما لبعض، ثم قال: أردت [اثنتين] لفلانة عينها، ولكل واحدة من الباقيات واحدة واحدة-: يصدق؛ لأنه لم يخر واحدة من الطلاق.
ولو قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة-: طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه لما عطف وغاير بين الألفاظ-: وجب أن يقسم كل جزء بينهن ويكمل.
فَصْلُ [في الاسْتِثْنَاءِ وَتَعْلِيقِ الطََّلاَقِ بِالمَشِيئَةِ]
إذا ذكر عدداً من الطلاق، واستثنى بعضه-: يجوز مثل: أن يقول: أنت طالق ثلاثاً
إلا اثنتين-: يقع واحدة، وإذا قال: ثلاثاً إلا واحدة-: تقع طلقتان، وشرطه أن يبقي شيئاً من المستثنى منه.
ولو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً-: لا يصح الاستثناء، ويقع الثلاث.
والاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فإن قال: ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة- يقع طلقتان؛ كأنه قال: ثلاثاً يقعن إلا اثنتين لا تقعان إلا واحدة تقع.
ولو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يقع الثلاث؛ لأن الأول لغو لرفعه اللف، والثاني- أيضاً- يكون لغواً.
والثاني: يصح الاستثناء؛ لأن الاستثناء الثلاث من الثلاث إنما لا يجوز إذا وقف [عليه]، فإذا تداركه بما يرد شيئاً من الأصل-: يصح؛ فيقع طلقتان؛ كأنه قال: ثلاثاً [لا يقعن إلا اثنتين يقعان].
والثالث- وهو الأضعف-: يلغو الأول، ويصح الثاني من الأصل؛ كأنه قال: ثلاث إلا اثنتين تقع واحدة.
ولو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة-: فعلى الوجه الأول: يقع الثلاث، وعلى الثاني: واحدة وعلى الثالث: طلقتان.
ولو قال: ثلاثاً إلا اثنتين إلا اثنتين-: يقع واحدة، ولا يصح الاستثناء الثاني.
ولو ذكر عدداً أكثر من المملوك، واستثنى منه شيئاً-: فالاستثناء ينصرف إلى الملفوظ أم المملوك فيه وجهان:
أصحهما- وهو قول ابن الحداد، وصاحب "التلخيص"-: ينصرف إلى الملفوظ؛ لأنه منه يستثنى.
والثاني: ينصرف إلى المملوك؛ لأن ما عدا المملوك لغو.
بيانه: إذا قال: أنت طالق أربعاً إلا واحدة: إن قلنا: ينصرف الاستثناء إلى الملفوظ-: تقع الثلاث.
وإن قلنا: ينصرف إلى المملوك-: يقع طلقتان، كأنه قال: ثلاثاً إلا واحدة.
ولو قال: أربعاً إلا اثنتين: إن صرفنا إلى الملفوظ-: يقع طلقتان، وإن صرفنا إلى المملوك-: فواحدة.
ولو قال: أربعاً إلا ثلاثاً: إن صرفنا إلى الملفوظ- يقع واحدة، وإن صرفنا إلى المملوك يقع ثلاثاً، كأنه قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً.
وإن قال ستاً أو ثلاثاً-: يقع الثلاث على الوجهين جميعاً؛ لأنا إن صرفنا إلى المملوك يقع ثلاثاً؛ كأنه قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً؛ فأنه قد استثنى الثلاث من الثلاث؛ فلا يصح، وإن صرفنا إلى الملفوظ-: فقد استثنينا الثلاث من الست؛ فبقي ثلاث طلقات.
ولو قال: أربعاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين، إن قلنا: ينصرف إلى الملفوظ: يقع ثلاث طلقات، وإن قلنا: إلى المملوك: فهو كما لو قال ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين.
ولو ذكر في الاستثناء أو في المستثنى منه عدداً عطف البعض على البعض-: هل يجمع فيه وجهان:
أحدهما: يجمع؛ فإنه لو قال: لفلان علي درهم ودرهم-: يكون كما لو قال: له علي درهمان.
والثاني-: وهو المذهب-: لا يجمع، بدليل أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق
وطالق لا يقع إلا واحدة ولا يجعل كأنه قال: أنت طالق طلقتين.
بيانه: إذا قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة، أو قال: أنت طالق طلقة وطلقة وطلقة إلا طلقة.
إن قلنا: يجمع-: يقع طلقتان؛ كأنه قال: ثلاثاً إلا واحدة.
وإن قلنا: لا يجمع-: يقع الثلاث كأنه استثنى الواحد من الواحد.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة وواحدة: إن قلنا: يجمع: يقع الثلاث، كأنه استثنى الثلاث من الثلاث.
وإن قلنا: لا يجمع-: يقع طلقتان؛ فيصح استثناء الثنتين، ولا يصح استثناء الثالثة.
وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين وواحدة، أو قال: إلا اثنتين وإلا واحدة.
فإن قلنا: [يجمع] تقع الثلاث.
وإن قلنا: لا يجمع: فطلقة.
ولو قال: ثلاثاً إلا واحدة واثنتين: إن قلنا: يجمع-: يقع الثلاث.
وإن قلنا: لا يجمع-: يصح استثناء الواحدة، وتقع طلقتان.
ولو قال: اثنتين وواحدة إلا واحدة: إن جمعنا-: تقع طلقتان؛ [كأنه قال: ثلاثاً إلا واحدة وإن لم نجمع-: فثلاث.
أما إذا قال: واحدة واثنتين إلا واحدة-: يقع طلقتان] وجهاً واحداً، ويصح الاستثناء.
ولو قال: طلقتين ونصفاً إلا نصف طلقة-: فهو كقوله: طلقتين وواحدة إلا واحدة.
ولو قال: أنت طالق واحدة ثم واحدة بل واحدة إلا واحدة يقع الثلاث، ولا يجمع، لتغاير الألفاظ.
ولو علق الطلاق بالمشيئة- لا يخلو: إما أن علق الوقوع بالمشيئة، أو منع الوقوع:
فإن علق الوقوع بالمشيئة- لا يخلو: إما أن علق بمشيئة الله عز وجل، أو بمشيئة آدمي:
فإن علق [بمشيئة الله- عز وجل-] فقال أنت طالق إن شاء الله، أو إذا شاء الله، أو متى شاء الله-: لا يقع؛ لأنه لا وقوف على مشيئة الله، وإنما تعرف مشيئته في الموجودات بحصولها وكذلك: كل قول له حكم: من عتق أو نذر أو يمين أو بيع أو نكاح أو إقرار: لا يصح شيء منها مع الاستثناء.
ولو قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله-: لا تطلق واحدة منهما.
ولو قال: حفصة طالق، وعمرة طالق، إن شاء الله-: تطلق حفصة، ولا تطلق عمرة؛
لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه.
وقيل: يرجع إليهما.
والأول أصح.
وإنما يصح الاستثناء إذا غرم عليه حالة التلفظ، ووصله باللفظ نطقاً، فإن تخلل بينهما فصل-: لا يصح الاستثناء، وإن كان بينهما سكتة أو تنفس-: فلا تمنع صحة الاستثناء، وإن نواه بقلبه، ولم يتلف بلسانه-: لا يصح، وإنما يصح إذا كان مقصوده رفع الطلاق، أو رفع اليمين، إن كان الاستثناء في اليمين: فإن لم يقصده، بل قصد بقوله: إن شاء الله: أن الأمور كلها بمشيئة الله وإرادته-: فلا يصح الاستثناء.
وكذلك: إن سبق إلى لسانه "إن شاء الله" [وكان الاستثناء غلب إلى لسانه "إن شاء الله" [وكان الاستثناء غلب على لسانه، وكانت عادته ألا يقول شيئاً إلا أن قال: "إن شاء الله] "، فقاله على العادة-: لم يكن استثناء؛ لأنه لم يقصده.
أما إذا علق بمشيئة آدمي؛ فقال: أنت طالق إن شاء فلان- فلا يقع ما لم يشأ فلان طلاقها، ولا تشترط مشيئته في المجلس؛ لأنه محض تعليق حتى لو كان غائباً، فبلغه الخبر، فشاء بعد مدة-: يقع ولا يحال ببينه وبينها قبل المشيئة.
فإن شاء فلان تطلق، أو لم يشأ شيئاً، أو مات، أو غاب، فلم يعد، [أو غبي غباوة، فلم يدر] بمشيئته: لا يقع الطلاق.
ولو علق بمشيئة المرأة، فقال: أنت طالق إن شئت-: تشترط مشيئتها في المجلس؛ لأنه يتضمن تملي بضع، بخلاف ما لو قال لها: إن كلمت فلاناً فأنت طالق-: لا يشترط الكلام في المجلس؛ لأنه محض تعليق، والمشيئة استطلاع رأي، فأشبه القبول في البيع.
وإن قال متى شئت- لا تشترط المشيئة في المجلس، ولو خاطب الأجنبي، فقال: امرأتي طالق إن شئت، هل تشترط المشيئة في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما: تشترط؛ كما لو خاطب زوجته.
والثاني: لا تشترط؛ لأنه لا يتضمن التمليك؛ كما لو علق بمشيئته لا على وجه الخطاب.
ولو علق بمشيئة زوجته، فلم يخاطب، فقال: امرأتي طالق إن شاءت، فبلغ الخبر إليها-: هل تشترط مشيئتها في المجلس؟ فعلى وجهين.
ولو قال: أنت طالق إن شئت أنا، أو إن رضيت-: فهو تعليق، فإذا شاء في المجلس أو بعده-: يقع.
ولو قال لها: أنت طالق إن شئت وفلان، أو إن شئت وشاء أبوك-: فلا يقع حتى توجد مشيئتهما جميعاً، ثم تشترط مشيئة المرأة في المجلس، ومشيئة الأب والأجنبي، متى وجدت.
ولو قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت إن شئت، أو: شئت إن شاء فلان-: فلا يقع، وإن قال الزوج أو فلان: شئت؛ لأنه تشترط من جهتها مشيئة مجزومة؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك، فعلقت طلاقها-: لم يصح.
وكذلك لو قال: إن شئت غداً-: لا يقع، ولو علق بمشيئتها أو بمشيئة فلان، فشاءت أو شاء فلان-: فلا يقع، وإن قال الزوج أو فلان: شئت؛ لأنه تشترط من جهتها مشيئة مجزومة؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك، فعلقت طلاقها-: لم يصح.
وكذلك لو قال: إن شئت غداً-: لا يقع، ولو علق بمشيئتها أو بمشيئة فلان، فشاءت أو شاء فلان سكران-: يقع، وإن شاءت نائمة أو مجنونة-: لم يقع، وإن شاءت باللسان، ولم تشأ بالقلب-: يقع ظاهراً وباطناً.
وقيل: لا يقع باطناً؛ كما لو علق بحيضها، فقالت: حضت، وكانت كاذبة- لا يقع في الباطن.
والأول المذهب؛ لأنه علق بقولها-: شئت وقد وجدت؛ بدليل أنه لو علق بمشيئة فلان، فقال فلان: شئت لا تسمع دعواه أنه لم يشأ.
ولو علق طلاقها بحيض غيرها، فقالت حضت، وكذبها الزوج قبل قوله.
وإن قال لصبية لا تعقل أو لمجنونة: أنت طالق إن شئت، [فقالت: شئت]-: لا يقع؛ لأنه لا حكم لقولها.
وإن كانت مراهقة-: فوجهان: وكذلك لو علق بمشيئة صبي أجنبي:
أحدهما: لا يقع لأنه لا حكم لمشيئته في التصرفات.
والثاني: يقع؛ لأن له مشيئة، بدليل أنه يخير بين الأبوين.
وإن كان أخرس، فشاء بالإشارة-: يقع، وإن علق بمشيئة ناطق، فخرس، ثم شاء بالإشارة-: فيه وجهان:
أصحهما: يقع؛ لأنه لا تطلق له حالة المشيئة.
وقيل: لا يقع؛ اعتباراً بحالة التعليق.
وإن قال: أنت طالق أن شاء الله بفتح الألف، أو: إذ شاء الله.
أو قال أن شاء زيد، أو: إذ شاء زيد-: يقع في الحال؛ لأنه تعليل؛ كأنه قال: قد شاء الله؛ حيث أجراه على لساني.
قال الشيخ - رحمه الله-: إذا قال: أنت طالق إن شاءت الملائكة-: لا يقع؛ كما لو قال: إن شاء الله تعالى؛ لأن لهم مشيئة، ولا تعرف.
ولو قال: إن شاء الحمار-: فهو كقوله: إن طرت أو صعدت السماء.
وإن قال لها: إذا رضيت الطلاق أو أحببت الطلاق فأنت طالق، فقالت: رضيت أو أحببت-: يقع.
ولو قال لها: أحبي الطلاق، أو أهوي، [أو أريدي]، أو أرضي، وأراد تمليكها الطلاق-: فهو كقوله: [شائي أو] اختاري، فإذا أرادت، أو أحبت، أو رضيت: يقع.
وعند أبي حنيفة: [لا يقع إلا قوله] شائي أو اختاري، ولا يتبين الفرق.
أما إذا علق منع الوقوع بالمشيئة؛ مثل: أن قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، فإن شاء زيد ألا تطلق-: لم تطلق، فإن شاء زيد الوقوع أو مات زيد أو غبي غباوة، فلم تعرف مشيئته-: يحكم بالوقوع.
ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله-: فالمذهب: أنه يقع الطلاق في الحال لوقوع اليأس من ظهور مشيئته؛ كما لو علق بمشيئة زيد: يقع اليأس منه من مشيئة.
وقيل: لا يقع؛ لأنه في الحقيقة تعليق بعدم المشيئة؛ بدليل أنه إذا علق بمشيئة زيد، وعلم أنه لم يشأ-: وقع، ولا يتصور الوقوع، مع عدم مشيئة الله تعالى.
قال الشيخ- رحمه الله-: يحكم بالوقوع قبل اليأس من مشيئته، ولا يستند إلى حالة التلفظ، حتى لا يحال بينه وبينها قبل اليأس.
قال الشيخ: وجب أن يحال، ويستند.
ولو قال: أنت طالق إن لم يشأ الله تعالى، أو إذا لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله، أو أن لو لم يشأ الله-: لا يقع؛ لاستحالة الوقوع دون مشيئة الله، عز وجل.
وذكر صاحب "التلخيص" قولاً: أنه إذا قال: إن لم يشأ الله، أو إذا لم يشأ الله، أو متى لم يشأ الله: أنه يقع، وهذا قول لا يعرف، ولعله على قول من يجعله صفة مستحيلة؛ فيلغو.
ولو قال: أنت طالق إن شاء الله، أو لم يشأ الله-: يقع في الحال، كما لو قال شاء زيد أو لم يشأ.
قال الشيخ- رحمه الله-: ولو قال أنت طالق إلا أن أشاء، أو إلا أن يبدو لي-: يقع في الال؛ لأنه ليس بتعليق، بل أوقع الطلاق، ثم أراد رفعه إذا بدا له.
ولو قال لها: أنت طالق كيف شئت: قال أبو حنيفة: يقع الطلاق شاءت أو لم تشأ.
قال الشيخ القفال، والشيخ أبو زيد كذلك: يقع.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع، حتى توجد مشيئته في المجلس، واختاره الشيخ أبو علي.
فإن شاءت أن تطلق أو شاءت ألا تطلق-: طلقت لوجود المشيئة.
قال الشيخ - رحمه الله-: وكذلك لو قال: أنت طالق على أي وجه شئت.
فلو قال لها: أنت طالق ثلاثاً، إلا أن يشاء أبوك واحدة، فشاء أبوها واحدة- لم يقع؛ كما لو قال إلا أن يدخل أبوك الدار، فدخل-: لا يقع، وإن شاء أبوها اثنتين أو ثلاثاً-: لا يقع؛ لوجود الصفة وزيادة.
ولو قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك-: لا يقع؛ لأنه لم يرد الإيقاع، بل أخبر أنه لولا حرمة الأب لطلقها؛ كما لو قال: لولا أبوك لطلقتك.
إذا قال لامرأته يا زانية، أنت طالق ثلاثاً، إن شاء الله، أو قال: أنت طالق ثلاثاً، يا زانية، إن شاء الله-: يرجع الاستثناء إلى الطلاق لا إلى الزنا، حتى يجب عليه الحد؛ لأن الاستثناء لا يعمل في الأسامي، حتى لو قال: يا زانية؛ إن شاء الله-: يجب الحد، وتخلل قوله: "يا زانية" بين لفظ الطلاق والاستثناء-: لا يقطع الاستثناء؛ كما لو قال: أنت طالق، يا فاطمة، إن شاء الله-: لا يقع.
ولو قال لها: يا طالق، أنت طالق ثلاثاً، إن شاء الله-: رجع الاستثناء إلى قوله: أنت طالق، وتقع طلقة بقوله: "يا طالق، والله أعلم بالصواب.
بَابُ طَلاَقِ الْمَرِيضِ
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: "طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الأَصْبَغِ الكَلْبِيَّةَ، فَبَتَّهَا، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ، رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْر وَأَمَّا أَنَا فَلاَ أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةُ".
طلاق المريض يقع كطلاق الصحيح، ثم إن كان الطلاق رجعياً-: لا ينقطع الميراث بينهما، فأيهما مات، وهي في العدة، يرثه صاحبه.
وأما الطلاق البائن في مرض موت الزوج- نظر: إن كان بمسألة المرأة أو باختلاعها نفسها-: فلا يجعل الرجل فاراً وينقطع الميراث من الجانبين.
وإن كان بغير مسألتها بأن طلقها ثلاثاً في مرض موته، أو خالعها مع أجنبي: فإن ماتت المرأة-: [لا يرثها] الزوج، وإن مات الزوج هل ترثه المرأة؟ فيه قولان:
أظهرهما- وهو قوله الجديد، وبه قال عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن الزبير [لامرأته]-: لا ترثه؛ كما لا يرثها الزوج، لأن المثبت للتوارث هو الزوجية، وقد ارتفعت؛ كما لو نفى نسب الولد باللعان [في المرض]-: ينقطع التوارث بينهما.
وقال في القديم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة: ترثه؛ لأن قصده بهذا الطلاق الفرار عن الميراث، فيرد عليه قصده، كما لو قتل مورثه لا يرثه لأن قصده استعجال الميراث؛ فعوقب بحرمانه.
فإن قلنا: ترثه-: إلى متى ترثه؟ فيه أقوال:
أحدها: ما لم تنقض عدتها، فإن مات بعد عدتها-: لم ترثه؛ وهو قول أبي حنيفة، حتى لو كان الطلاق قبل الدخول-: لا ترثه؛ لأنه لا عدة عليها.
والثاني: ترثه؛ ما لم تنكح زوجاً آخر، وهو قول ابن أبي ليلى.
والثالث- وهو قول مالك-: أبداً، وإن نكحت زوجاً آخر؛ لأن توريثها بالفرار، وذلك لا يزول بالتزويج، سواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده.
ولو سألت طلاقها، فلم يجبها في الحال، ثم طلقها بعده-: فهو فاز، وكذلك لو سألت طلاقاً رجعياً، فطلقها ثلاثاً-: كان فاراً.
ولو طلقها رجعياً في مرضهن فانقضت عدتها-: لم ترثه؛ لأنه لم يكن فاراً بالطلاق الرجعي.
ولو علق في مرضه طلاقها بصفة، فوجدت- نظر: إن علق بفعل نفسه، أو بفعل أجنبي، أو بمضي زمان-: فهو فار، ترث في القديم.
وإن علق بفعل- من جهتها- نظر: إن لم يكن لها منه بد: إما طبعاً؛ كالأكل والشرب