وقيل: ما يؤكل ميتته كالسمك والجراد- فدمه، وبوله، وروثه طاهر؛ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
وليس بصحيح، بل الصحيح أنه نجسٌ.
وكان شيخي القاضي الحسين المروزي- رحمه الله- يجعل في الدم يتحلبُ من الكبد والطحال وجهين؛ كدم السمك؛ لأنه يسيل من طاهرٍ.
وقال أحمد: "بول ما يؤكل لحمه، وروثه طاهر".
وقال أبو حنيفة: "ذرق الطيور طاهرٌ إلا من الدجاج؛ فإنه نجس؛ فنقول: طعام أحالته الطبيعة، فأشبه روث سائر الحيوانات.
والمذي والودي نجسان؛ كالبول، وكذلك القيح، والماء الذي يسيل من القروح [إن كانت له رائحة؛ فهو نجس، وإن لم يكن له رائحة؛ فهو طاهر؛ لرطوبة البدن.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: طاهر؛ كالعرق.
والثاني: نجس؛ لأنه يتحلل منه؛ فهو كالقيح].
وما يخرج من الجوف عند الولادة نجس.
وعين جميع الحيوانات، ولعابها، وعرقها- طاهر، إلا الكلب والخنزير، والمتولد منهما أو من أحدهما.
وميت جميع الحيوانات نجسٌ إلا ما يؤكل ميته؛ وهو السمك والجراد.
وفي الآدمي إذا مات قولان ظاهران:
أحدهما: نجس؛ لأنه ميتٌ لا يحل أكله؛ كسائر الميتات.
والثاني- وهو الأصح-: طاهر، ولو كان نجساً لم يغسل.
ومني الآدمي طاهر؛ وهو قول عبد الله بن عباس؛ وبه قال عطاء.
فإن بال أو أمذى، ثم أمنى قبل غسل ذكره، ينجس المني بملاقاة البول.
ومني المرأة طاهر في الأصل.
واختلفوا في بلل باطن فرج المرأة: فالصحيح أنه لا يحكم له بالنجاسة؛ كباطن قضيب الرجل.
وقيل: بلل باطن فرجها نجس، فعلى هذا إذا خرج منيها منها ينجس بملاقاته.
وقال مالك رحمه الله: "المني نجس يغسل: رطباً كان، أو يابساً.
وحكى صاحب "التلخيص" [بنقله] قولاً عن الشافعي - رحمه الله- مثله؛ وهو قول سعيد بن المسيب؛ والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: "هو نجس؛ يغسل رطبه، ويفرك يابسه" ولو كان نجساً، لكان لا يكتفي بالفرك، كسائر النجاسات.
ومني سائر الحيوانات نجسٌ، وإنما خص بطهارته بنو آدم؛ كرامة.
وقيل: مني ما سوى الكلب والخنزير- طاهر؛ كالعرق.
وقيل: مني ما يؤكل لحمه طاهر، وما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس؛ كاللبن.
وكل حيوانٍ يؤكل لحمه؛ فلبنه طاهر حلال، وما لا يؤكل لحمه؛ فلبنه نجس، إلا لبن الآدميات؛ فإنه طاهر؛ كرامة للآدمي.
وقال الاصطخري: "لبن ما لا يؤكل لحمه طاهر كعرقه.
ولو ماتت شاةٌ، وفي ضرعها لبنٌ- فهو نجسٌ، لأنه يلاقي بدنها النجس.
والإنفحة طاهرة إذا أُخرجت من السخلة بعد ذكاتها، فإن أخرجت بعد موتها فنجسةٌ.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: طاهر لبنها، والإنفحة كلاهما، وكل طائر يؤكل لحمه فبيضته طاهرة يحل أكلها، ويجب غسلها إن وقعت حالة الانفصال في مكان نجس، وإن وقعت في مكان طاهر، لا يجب على قول من يقول: "بلل باطن الفرح طاهرٌ".
وعلى قول من يقول: "بلل باطن الفرج نجس"- يجب غسله.
وكل طائرٍ لا يؤكل لحمه، فبيضته نجسة حرام.
ولو ماتت دجاجةٌ، فخرجت منها بيضةٌ؛ نظر: إن لم يكن قد تصلب قشرها؛ فهي نجسة لا تطهر بشيء، وإن تصلب قشرها؛ فوجهان:
أحدهما: أنها نجسة حرامٌ، ولا تطهر بشيءٍ؛ كما لو انفصل عضوٌ من أعضائها بعد الموت.
والثاني- وهو الأصح-: أنها حلالٌ؛ وبه قطع العراقيون؛ كما لو وقعت بيضة في شيء نجس تنجس بملاقاة النجاسة، فتطهر بالغسل.
وإذا مذرت البيضة، فهي طاهرة؛ كاللحم يخنذ.
وإذا أحضنت تحت الدجاجة، فصارت دماً فهو نجس، وإذا صارت علقةً، أو المني إذا صار علقةً- فوجهان:
أحدهما: أنه نجس؛ لأنه دمٌ يخرج من الرحم؛ كدم الحيض.
والثاني: طاهر؛ لأنه دمٌ غير مسفوحٍ؛ فهو كالطحال، والكبد.
والمشيمة نجسة، وهي الغشاء الذي يكون فيه الولد؛ فهي بمنزلة عضوٍ من الحي، والمدة نجسة.
وفي البلغم وجهان:
أصحهما: طاهر؛ كالنخامة؛ وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
والثاني: نجس كالمدة؛ وبه قال أبو يوسف.
والمسك طاهر؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يستعمله.
وفي فأرته وجهان:
أحدهما: نجسة؛ كعضو منفصلٍ عن الحيوان.
والثاني- وهو المذهب-: أنها طاهرة؛ كبيضة ما يؤكل لحمه، والعسل ينفصل من النحل.
ولو أكلت الدابة شعيراً؛ فراثته كذلك - فهو نجس- وهل يطهر بالغسل؟.
نظر: إن وصلت النداوة إلى باطنه؛ بحيث لو زرع لم ينبت لا يطهر، وإلا فيطهر؛ كما لو ابتلع نواةً؛ فخرجت منه؛ تطهر بالغسل، وكذلك لو خرج من فرجه دودٌ حيٌّ؛ فهو نجس للرطوبة التي عليه، فإذا غسل طهر.
ولو نبت زرعٌ من سرقينٍ، أو ماء نجس- فهو نجس، فإن شقق، وخرج منه الحبةُ، يكون طاهراً.
وكل شرابٍ أسكر كثيره، فهو نجس؛ كالخمر.
ولا يطهر شيء من الأعيان النجسة بالانقلاب، إلا جلد الميتة إذا دُبغ، والخمر إذا تخللت بنفسها؛ يُحكم بطهارتها؛ سواء اتخذ العصير بنية الخل، أو بنية الخمر؛ فتخمر فتخلل، إلا أنه إذا اتخذه بنية الخمر كان عاصياً؛ لقصده إلى المعصية.
وإذا اتخذه بنية الخل، فإذا تخمر، جاز له إمساكها إلى أن تتخلل.
فإذا اتخذه بنية الخمر، فإذا تخمر، يجب إراقتها، فلو لم تُرق؛ فتخللت حلت.
ولو عالج الخمر؛ بأن طرح فيها شيئاً من خلٍّ أو ملح، أو شيء آخر؛ حتى تخللت فهي على نجاستها؛ كما لو كانت [كما لو خللها] بالعلاج كان حراماً، ولا تطهر بعده بشيء.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "يجوز تخليل الخمر بالعلاج، وإذا خللت، حلت.
دليلنا: ما روي عن أنسٍ قال: "سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: أيتخذ الخمر خلاً؟ قال: "لا".
والنهي يدل على التحريم، ولتحريمه معنيان:
أحدهما: دخول صنعة الآدمي فيه بالاستعجال؛ كما لو استعجل موت قريبه؛ فقتله- لم يرثه.
والثاني: أن ما طرح فيه صار نجساً بملاقاة الخمر؛ فهو فيها بعد التحلل ولا ضرورة بنا إلى تطهيره؛ بخلاف أجزاء الدن يحكم بطهارتها، إذا صارت الخمر خلاً؛ لأجل الضرورة؛ إذ لو لم يحكم بطهارتها، لم يوجد خل طاهر.
وفرع عليه القاضي شيخنا- رحمه الله- قال: "لو غلت الخمر؛ فعلت إلى رأس الدن، ثم عادت إلى أسفلها؛ فتخللت- كان طاهراً.
ولو نقل الخمر من الظل إلى الشمس، أو فتح رأس الدن حتى تخللت، فوجهان:
أحدهما: لا تحل؛ لدخول صنعة الآدمي فيه.
والثاني: قال شيخنا إمام الأئمة- وهو الأصح-: "يحل؛ لأنه لم يخالطه شيءٌ.
ولو ألقى بصلاً أو ملحاً في عصيرٍ؛ فتخمر، ثم تخلل- هل يكون طاهراً؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو الأصح-: لا؛ لأن ما ألقاه فيه نجس بملاقاة الخمر، ولا ضرورة إلى تطهيره.
والثاني: يطهر؛ لأنه حصل فيه قبل أن كان خمراً؛ كأجزاء الدن.
وإذا وقعت في الملاحة نجاسةٌ، فصارت ملحاً- فهو نجس، وكذلك رماد السرقين.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: طاهر.
ودخان الزيت النجس نجس، والسرقين نجس؛ على ظاهر المذهب؛ لأنها أجزاء تحللت منه؛ كالرماد.
وقيل: ليس بنجس؛ كالبخار الخارج من الكنيف والإصطبل.
ويجوز الاصطلاء بنار السرقين.
وإذا طالت المدة على النجاسة؛ فصارت بطبع التراب- فهو نجس.
فصلٌ في إزالة النجاسات
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مراتٍ؛ أولاهن بالتراب، وأخراهن بالتراب".
النجاسات قسمان:
نجاسة الكلب والخنزير، ونجاسة غيرهما.
أما الكلب: إذا ولغ في إناءٍ فيه ماءٌ قليل، أو مائعٌ آخر؛ وإن كان كثيراً- ينجس الإناء وما فيه؛ فعليه أن يريقه، ويغسل الإناء سبع مراتٍ؛ إحداهن [مكدرةً] بالتراب؛ [لأن مسح] الإناء بالتراب؛ سواء كان قد صُبَّ الماء على التراب، أو ألقي التراب في الماء، فكدره- فجائز.
وكذلك لو أصاب شيءٌ، من بدن الكلب موضعاً رطباً- يجب غسله سبعاً؛ إحداهن بالتراب.
والمتولد بين الكلب وغيره كالكلب.
وقال أبو حنيفة: "لا فرق بين الكلب، وسائر السباع، يغسل الإناء من ولوغه؛ كما يغسل من سائر النجاسات".
وقال مالك رحمه الله: "لا ينجس الماء بولوغ الكلب، ولكن يجب غسل الإناء سبعاً؛ تعبداً.
أما الخنزير أو المتولد من الخنزير وغيره، إذا ولغ في ماءٍ قليل، أو أصاب شيءٌ من بدنه موضعاً رطباً ينجس.
وكم يغسل فيه؟ قولان:
أظهرهما- وهو القول الجديد-: يجب غسله سبعاً؛ إحداهن مع التراب؛ لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ لأن تحريمه بالنص، وتحريم الكلب بالاجتهاد؛ ولأنه لا يجوز اقتناؤه بحالٍ، ويجوز اقتناء الكلب عند الحاجة.
وقال في القديم- وهو قول عامة أهل العلم-: "لا يجب غسله إلا مرة واحدة، ولا يجب التعفير؛ كسائر النجاسات؛ بخلاف الكلب؛ لأنهم كانوا يقربون الكلاب من أنفسهم، وألفوها؛ فغلظ الأمر فيه؛ قطعاً لهم عن عادتهم، ولم يوجد هذا في الخنزير؛ فهو كالخمر لما كانت نجاسة مألوفة، غلظ الأمر في شربها؛ بإيجاب الحد، ولم يغلظ في شرب الدم والبول.
ولو أصاب دم الكلب، أو روثه موضعاً، فلم تزل العين [إلا] بعد غسلتين أو ثلاث غسلات- هل تحتسب تلك الغسلات من السبع؟
فيه وجهان:
أحدهما: تحسب حتى لو زالت العين في الغسلة السابعة؛ فقد طهر؛ كما في الاستنجاء، لو حصل النقاء بالحجر الثالث، لا يجب استعمال غيره.
والثاني: تحسب الغسلات التي زالت بها العين غسلة واحدة؛ فتجب بعد زوال العين ست غ سلات؛ كما أن أثر الولوغ يزول بغسلة واحدة، ويجب بعدها ست غسلات.
ولا يحصل التعفير بالتراب النجس، أما الأشنان والصابون والنخالة والجص؛ هل يقوم مقام التراب، سواء كان التراب موجوداً، أو لم يكن؟ فيه قولان [واختلفوا على وجهين:
أحدهما: أن القولين في حال عدم التراب، وأما عند وجود التراب؛ فلا يجوز بغيره؛ قولاً واحداً.
والثاني: أن القولين في الأحوال كلها؛ لأنه جعلها في أحد القولين؛ كالتيمم، وفي الآخر جعل كالاستنجاء والدباغ.
وفي الأصلين جميعاً لا فرق بين وجود المنصوص عليه، وبين عدمه].
أحدهما: لا؛ لأنه طهارةٌ أُمر فيها بالتراب، فغيره لا يقوم مقامه كالتيمم.
والثاني: تقوم مقامه؛ لأنه طهارةٌ عن خبث بالجامد، كالاستنجاء يقوم غير الحجر مقامهُ؛ وكالدباغ القرظ، والشب فيه يقوم مقامه.
فإن قلنا: غير التراب يقوم مقامه، فلو غسله ثماني مرات بلا تراب فالغسلة الثامنة؛ هل تقوم مقام التراب؟
فيه وجهان:
أحدهما: تقوم مقامه، لأن الماء أبلغ في التنظيف.
والثاني - وهو الأصح -[عند المراوزة]: لا تقوم مقامه لأنه غلظ الأمر فيه بالجمع بين اثنين فلا يجوز الاختصار على أحدهما؛ كزنا البكر أمر فيه بالجمع بين الجلد والتغريب؛ فلا يجوز الاقتصار على أحدهما.
ولو طرح التراب في خلٍّ، أو ماء وردٍ؛ فعقر به الإناء [ثم غسله بالماء] هل يطهر؟ وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن الخل لا يطهر.
وقيل: يطهر؛ لأن المقصود من هذه الغسلة التراب لا الماء؛ ولو ولغ كلب في إناءٍ وقعت فيه نجاسةٌ أخرى، لا يجب إلا سبع مرات؛ إحداهن بالتراب؛ لأن غسل النجاسات تتداخل حتى لو غسل الإناء من الولوغ ثلاث مرات، ثم وقعت فيه نجاسة، لا يجب غسله بعد ذلك إلا أربعاً.
ولو ولغ كلبان في إناء، أو كلبٌ واحد مراراً، لا يجب غسله أكثر من سبع مئات؛ لأن النجاسة لا تتضاعف بزيادة الولوغ.
ولو ولغ كلب [في إناء] ووضع ذلك الإناء في ماء كثير لا يطهر، إلا بأن يجري عليه سبع جرياتٍ، أو تحركه فيه سبع مرات، ويكرره.
وقيل: يطهر؛ لأن الإناء لو كان في هذا الماء حين ولغ الكلب فيه، لم يؤثر فيه الولوغ، فإذا وضع فيه يطهر، وليس بصحيح.
وفرع ابن الحداد على الأول قال: "لو ولغ الكلب في إناءٍ فيه ماء قليل، ثم كُوثِرَ ذلك الماء حتى بلغ قلتين؛ - فالماء طاهر، والإناء نجس.
أما نجاسة غير الكلب والخنزير، فليس في غسلها عددٌ، ولا تعفيرٌ، بل إن كانت حكمية فصب عليها ماءً واحداً؛ أي على جميعها، وعصر المحل- طهر، ويستحب أن يغسلها ثلاثاً.
وإن كانت [عيينة]؛ كالدم والروث- يحثها، ويقرضها، ثم يدلكها بالماء؛ فتطهر، وإن بقي أثرٌ لها؛ لما روي عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: حثيه، ثم اقرضيه [بالماء]، [ثم اغسليه بالماء]، ثم رشيه، وصلي فيه".
وسئلت عائشة- رضي الله عنها- عن الحائض؛ يصيب ثوبها الدم؟ قالت: "تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرةٍ.
وإن كانت النجاسة لها رائحة، فغسلها؛ فزال الأثر، وبقيت الرائحة، فهو نجسٌ، إن لم يكن لتلك النجاسة رائحةٌ ذكيةٌ، وإن كانت لها رائحة ذكيةٌ؛ مثل: [بول المبرسم] والخمر العتيق؛ ففيه قولان:
أحدهما: لا يطهر؛ حتى تزول الرائحة؛ لأن الرائحة صفتها لا تنفك عنها؛ كالطعم إذا بقي لا يحكم بطهارته.
والثاني- وهو الأصح عند المراوزة-: يطهر؛ لأن الرائحة لا تدل على النجاسة؛ كمن دخل بيت الخمور فعبقت الرائحة بثوبه لا يكون نجساً بخلاف الطعم؛ فإنه لا يبقى إلا ببقاء العين، فإن كان اللون باقياً مع الرائحة، فهو نجس على الصحيح من المذهب.
ولو صبغ ثوباً [بصبغ] نجس، وخضب يده بحناءٍ نجس، فغسله، فزالت العين، وبقي اللون- فهو طاهر، وإذا أراد غسل النجاسة، يجب أن يورد الماء على المحل النجس؛ حتى يطهر، فإذا أورد المحل النجس على ماءٍ أقل من قلتين، ينجس الماء، ولا يطهر المحل؛ لأن الماء إذا ورد على المحل تكون القوة للوارد؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم؛ "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء؛ حتى يغسلها ثلاثاً".
فالنبي - صلى الله عليه وسلم- منعه من إدخال اليد في الإناء، وأمره بصب الماء عليها، ثم إذا صب الماء على المحل النجس، فما دام الماء يتردد على المحل لا يحكم بنجاسته؛ لأنا لو حكمنا بنجاسته لم تكن إزالة النجاسة بماء أقل من قلتين.
فإذا انفصل عن المحل، نظر: إن انفصل متغيراً فالماء والمحل نجسان، وإن انفصل غير متغير؛ نظر: إن كانت النجاسة باقية على المحل، فالمنفصل نجس، وغن كانت زائلة فالمنفصل طاهر غير مطهر؛ كالماء المستعمل في الوضوء؛ لأن البلل الباقي في المحل من بقية المنفصل، فلولا أن المنفصل طاهرٌ، لم يكن المحل طاهراً.
وقال أبو القاسم الأنماطي: "المنفصل نجسٌ؛ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله؛ فحكم الماء المنفصل عن المحل حكم المحل بعد انفصال ذلك الماء عنه؛ على المذهب الصحيح.
وعلى قول أبي القاسم الأنماطي حكم الماء بعد الانفصال حكم المحل بعد ورود ذلك الماء عليه، وفائدته تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب موضعاً، كم يجب غسل ذلك الموضع؟
فعلى المذهب الصحيح: أنه إذا أصاب من الغسلة الأولى، يجب غسل ذلك الموضع ست مرات، وإن أصاب من الثانية فخمس مرات، ومن الثالثة أربع مرات، ومن الرابعة ثلاث مرات، ومن الخامسة مرتين، ومن السادسة مرة واحدة.
وإن أصاب من السابعة، لا يجب غسل ذلك الموضع، وإن أصاب من غسلة التعفير، أو من غسله بعد التعفير- لا يجب تعفير ذلك الموضع.
وإن أصاب من غسله قبل التعفير، يجب تعفير ذلك الموضع؛ لأن تعفير محل الولوغ عليه باقٍ، وعلى قول الأنماطي حكم المنفصل حكم المحل قبل ورود ذلك الماء.
وإن أصاب من الغسلة الأولى، يجب [عليه] غسله سبع مرات، ومن الثانية ست
مرات، ومن الثالثة خمس مرات، ومن الرابعة أربع مرات، ومن الخامسة ثلاث مرات، ومن السادسة مرتين، ومن السابعة مرة واحدة.
وإن أصاب من غسلة التعفير، أو من غسله قبل التعفير- يجب تعفير ذلك الموضع.
وإن أصاب من غسله بعد التعفير، لا يجب تعفيره، ولو جمعت غسلات الولوغ، فإن بلغ قلتين، فهو طاهر على أصح الوجهين؛ كالمستعمل في الوضوء، وإن لم يبلغ [قلتين] فهو نجس وإذا أصاب موضعاً، فهو كما لو أصاب من الغسلة الأولى؛ لأن تلك الغسالة فيها.
وقيل: هي طاهرة؛ لأنها بمجموعها طهرت المحل؛ فكان كغسالةٍ انفصلت، ولا تعفير فيها؛ وليس بصحيح.
ولو صب على محل رطبٍ بالبول قدر منوين من الماء، فانفصل أكثر من منوين في الوزن غير متغير، أو كان في إناء قليل بول؛ فصب فيه من الماء ما غمره فيه وجهان:
أحدهما: هو نجس [وبه قطع القاضي في طريقته]؛ لأن زيادة الوزن أبلغ من تغير اللون.
وقيل؛ هو طاهر [وهو الأصح]؛ لأن الوارد عليه من الماء قد غلبه، فجعله كالمستهلك ولكن لا يكون مطهراً لغسالةِ النجاسة، وكالماء الكثير إذا صُب منه كوب بولٍ، ولم يتغير، كان طاهراً.
وإن حصل زيادة الوزن.
قال الإمام إمام الأئمة: "والأول أصح، بخلاف الماء الكثير؛ لأن قوته قوة الغلبة، وقوة الغلبة تغلب زيادة الوزن، والقليل ليس له قوة الغلبة؛ بدليل أنه لو وقع فيه نجاسة يسيرةٌ، ولم يتغير ينجس، فلما لم يغلب قليل نجاسة لا أثر له، فأولى ألا يغلب ما له أثرٌ بزيادة الوزن.
ولو صب الماء على الثوب النجس فعصره، أو علقه حتى سال الماء منه، أو صُبَّ الماء في الإناء النجس فقلبه يطهر.
ولو لم يعصره، بل تركه في الماء، ثم الهواء حتى جفَّ،
أو صب الماء في الإناء النجس، فلم يقلبه، وتركه حتى جف- هل يحكم بطهارته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته؛ وهو الأصح عند العراقيين؛ كالأرض النجسة إذا صُبَّ [الماء] عليها، وتركت حتى جفت، حكم بطهارتها.
والثاني- وهو الأصح عند الإمام إمام أئمة-: لا يحكم بطهارته؛ حتى يدلك ويعصر؛ لأن عصر الثوب وقلب الإناء ممكن، بخلاف الأرض.
قال الإمام: "وهذا أصح؛ لأنا لو لم نشرط ذلك لم يكن بين بول الصبي الذي لم يطعم، وبين بول غيره فرقٌ؛ وقد فرق الشرع بينهما.
ولو بعّض محل النجاسة في الغسل، فغسل بعضه في دفعة، والبعض في دفعة- هل يطهر؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التلخيص": "لا يطهر؛ لأن الجزء المغسول الذي يلي غير المغسول ينجس؛ لمجاورته، ثم ينجس ما وراءه؛ لاتصاله به.
والوجه الثاني - وهو الأصح-: يطهر؛ لأن الثوب جامدٌ لا تتعدى فيه.
النجاسة [إلى] الجزء [الذي] يلي النجاسة؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- في الفأرة تموت في السمن إن كان جامداً: "ألقوها وما حولها" فلم يحكم إلا بنجاسة ما حولها.
وقيل: قول صاحب "التلخيص" فيما إذا كان يغسل الثوب في جفنةٍ فغسل نصفه، ثم أورد النصف الثاني على ذلك الماء - فلا يطهر؛ لأنه نجس بورود المحل النجس عليه.
ولو أصاب الأرض بولٌ، أو خمرٌ، أو نجاسة مائعة، فصب عليها من الماء [ما يغمرها؛ فيطهر.
وهل يحكم بطهارته قبل أن تنشف الأرض من الماء؟] فيه وجهان:
ولا يشترط حفر الأرض.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: لا يطهر حتى تحفر الأرض إلى الموضع الذي وصلت النداوة إليه، وينقل التراب.
دليلنا: ما روي عن أبي هريرة؛ أن أعرابياً بال في ناحية المسجد.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "صبوا عليه ذنوباً من ماء".
ولم يأمر بنقل التراب، ولا تقدير لما يصب عليه من الماء إلا المكاثرة؛ وهي أن يكون الماء أكثر من البول حتى يغمره.
وقيل: يصب عليه سبعة أمثاله.
ولو اختلط بالتراب مائعٌ نجسٌ، أو ضرب لبنٌ ببول؛ فصب عليه الماء حتى تخلل
أجزاءه، طهر ظاهره وباطنه، ولا يطهر بالطبخ.
ولو صب الماء عليه بعد الطبخ، فإن كان رخواً تخلل الماء أجزاءه، وطهر ظاهره وباطنه معه.
وإن كان متحجراً، لم يتخلل الماء أجزاءه، طهر ظاهره دون باطنه، [و] تجوز الصلاة عليه، ولا تجوز معه.
ولو اختلط بالتراب نجاسةٌ جامدة، فلا يطهر بصب الماء، ولو طبخ فلا تطهره نارٌ، ولا غسلٌ بعد الطبخ؛ [وقال أبو الحسن المرزبان: إذا صب عليه ماء، يطهر ظاهره؛ لأن ما فيه من النجاسة يحترق؛ ولهذا يتبعه موضعه.
قالوا والأول هو المذهب]؛ لأن رماد السزقين متفرقٌ في أجزائه.
وإذا نجس الدهن، فلا يمكن تطهيره بحالٍ؛ لأنه ينجس كله بملاقاة النجاسة، ولا يتخلل الماء تضاعيفه؛ حتى يستخرج النجاسة.
وقيل: يمكن تطهيره بأن تجعل في إناء، ويصب عليها الماء، ويحرك بخشب، ثم يترك حتى تعلو الدهن، ويفتح أسفله حتى يخرج الماء.
وليس بصحيح.
أما الزئبق إذا أصابته نجاسةٌ، ولم تنقطع؛ حتى صب عليها الماء يطهر؛ لأن النجاسة لم تدخل أجزاءه.
وإن تقطع فهو بمنزلة الدهن، لا يمكن تطهيره؛ على ظاهر المذهب.
وبول جميع الحيوانات سواء في أنه لا يطهر منها إذا أصاب موضعاً إلا بالغسل، كسائر النجاسات، إلا بول الصبي الذي لم يطعم؛ فإنه يكتفي فيه بالرش، ولا نعني بالرش أن يرش عليه الماء حتى يبتل، ولا يسيل، بل ينضحه بالماء حتى يصل إلى جميعه فيغمره؛ بحيث لو عصر ينعصر؛ فيطهر، وإن لم يدلك ولم يعصر؛ لما روي عن أم قيس بنت محصن؛ أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام.
فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في حجره، فبال على ثوبه؛ فدعا بماءٍ؛ فنضحه ولم يغسله.
وفي بول الصبية التي لم تطعم قولان:
أحدهما: يكتفي فيه برش الماء، كبول الصبي.
والثاني- وهو الأصح؛ وبه قطع العراقيون-: يجب غسله؛ لما روي عن لبابة بنت الحارث قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".
والفرق: أن طبع الأنثى أحر، فبولها ألصق بالمحل.
وقال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة: "يجب غسله؛ كبول غيره؛ وهو الاحتياط".
وبول الخنثى المشكل كبول الأنثى من أي آلةٍ خرج.
وكل نجاسة تطهر بالغسل، فلا يطهرها غير الماء.
هذا هو المذهب.
وقال في "الإملاء" في الرضيع: "إذا أشرقت عليه
الشمس فانمحقت [آخر] النجاسة عنه، جاز الاستنجاء به، فحكم بطهارة ظاهره وباطنه.
وقال في القديم: "إذا أصاب الأرض بولٌ، فجفت بالشمس، جازت الصلاة عليه.
ولا يجوز التيمم به".
وهذا يدل على أنه يطهر بالشمس ظاهره، ولا يطهر باطنه.
وخرج من هذا أن في الجديد: غير الماء لا يطهر؛ وهو المذهب.
وفي القديم: الشمس تطهر.
ثم هل تطهر الظاهر والباطن، أم لا تطهر إلا الظاهر؟.
[فيه قولان]:
قال أبو عبد الله الخضري: "إذا قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى؛ لأنها أقوى".
ولو ضرب لبن بماء نجس، وطبخ، يطهر على هذا التخريج.
إن كانت الأرض رطبة لم يجز الصلاة عليها، ولا التيمم منها، وإن كانت يابسة، فقولان.
ولو أصاب أسفل خفه أو نعله نجاسةٌ جامدة؛ فدلكه بالأرض حتى ذهبت.
قال في القديم: "تجوز الصلاة فيه".
ولم يرد به أن الأرض تطهره، ولكنه [يكون] عضواً كمحل الاستنجاء إذا مسحه بالحجر، والمذهب: هو قوله الجديد: إنه لا تجوز الصلاة في ذلك الخف ما لم يغسله بالماء؛ كما لو أصابته نجاسةٌ مائعةٌ، وكالثوب تصيبه النجاسة.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: يطهر بالمسح.
فصلٌ فيما يحرم من الأواني
وما لا يحرم
روي عن حذيفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم-[أنه] قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها ولا تلبسوا الحرير والديباج؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة".
الأواني المتخذة من الجلود الطاهرة، والأشياء الخسيسة؛ كالخشب، والخزف، والحديد، والرصاص، والنحاس، والصفر، والزجاج- يجوز استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها، وإن كثرت قيمتها بالصنعة؛ لأن جوهرها غير نفيسٍ.
وأما المتخذة من الجواهر النفيسة؛ نظر: إن كانت من ذهبٍ أو فضةٍ، يحرم استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها.
وقال في القديم: "تكره" والأول أصح؛ لما روي عن أم سلمة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
فلولا تحريمه لكان لا توعد عليه بالنار.
ولو توضأ منها، يعصي الله تعالى، ويصح وضوؤه؛ لأن الطهارة تحصل بالماء، وهو طهورٌ.
وكذلك يحرم الأكل بملعقة الفضة، واستعمال ماء الورد من قارورة الفضة، والتبخر بمجمرة الفضة إذا قعد عليه.
أما إذا أتته الرائحة من بُعدٍ فلا حرج عليه.
ويستوي في تحريمه الرجال والنساء، وإن كان يجوز للنساء لُبس حلي الذهب والفضة، ولا يجوز للرجال؛ كما أن افتراش الحرير والديباج حرام على الفريقين، وإن كان يجوز للنساء لبسها دون الرجال؛ لأن الجلوس عليها للخيلاء؛ وهو حرام، واللبس للزينة؛ وهي مباحة للنساء.
وهل يحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يحرم؛ لأنه ليس فيه إلا حفظ المال وإحرازه؛ حتى لا يتفرق.
والثاني - وهو الأصح-: أنه يحرم؛ لأن ما لا يجوز استعماله يحرم اتخاذه؛ كالطنبور والمزمار.
وفائدته: تظهر فيما لو استأجر أجيراً لاتخاذه؛ هل يستحق الأجرة؟ ولو كسره [كاسر] هل يغرم الصنعة؟ إن قلنا: "يحرم اتخاذه"، لا أجرة للأجير، ولا غرم على
الكاسر، وإن قلنا: "لا يحرم"؛ فالأجير يستحق الأجرة، والكاسر يغرم الصنعة.
أما الأواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة؛ مثل: الفيروزج والبلور، والمها ونحوها- هل يحرم استعمالها؟
فيه قولان؛ بناء على أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما، أو لمعنى فيهما؛ وهو الفخر والخيلاء؟ وفيه جوابان:
إن قلنا: "لعينهما"، فهاهنا لا يحرم.
وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم.
والأصح: أنه لا يحرم، ويكره.
وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟
إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم.
وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم.
وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم.
والأصح: أنه لا يحرم، ويكره.
وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهبٍ أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟
إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم.
وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم.
وعلى عكسه: لو اتخذ إناءً من حديدٍ، أو نحاسٍ، وموهه بذهبٍ أو فضةٍ.
إن قلنا: التحريم لعين الذهب [والفضة]- لا يحرم استعماله.
وإن قلنا: "للخيلاء"، يحرم.
أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة؛ نظر: إن كانت الضبة على فم الإناء؛ بحيث تمس فم الشارب- يحرم الشرب منه.
وإن كان على موضعٍ آخر، أو أراد استعماله في غير الشرب، على أي موضع كانت الضبة؛ نظر: إن كان قليلاً للحاجة؛ بأن كان قد تصدع فضببه لم تكره.
وإن كان كثيراً للزينة، يحرم استعماله.
وإن كان كثيراً للحاجة، أو قليلاً للزينة- يكره، ولا يحرم.
وقيل: يحرم.
وحد الكثرة: أن يكون جزءٌ كامل منه من ذهبٍ أو فضة؛ عروته، أو شفته، أو أسفله.
قال الإمام: "وبه قطع العراقيون".
يحتمل أن يقال عن الذهب: لا يجوز؛ كما أن لُبس الخاتم من الفضة يجوز للرجال، وإن كان عليه شيءٌ من ذهبٍ لا يجوز.
ولو اتخذ لإنائه حلقةً أو سلسلةً من فضة أو رأساً- يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: لا بأس بالمضبب بالذهب والفضة، إذا لم يضع فاه عليه.
ويجوز الوضوء من أواني الكفار، والصلاة في ثيابهم ما لم [تعلم] نجاسته؛ سواء كان من الكفار الذين يتدينون استعمال النجاسات؛ كالمجوس، أو لا يتدينونه؛ لما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- توضأ في مزاده مشركةٍ، وتوضأ عمر - رضي الله عنه- من ماء في جرة نصرانية.
ويكره إذا كانوا من الكفار الذين يتدينون استعمال النجاسات، إلا بعد الغسل.
والصلاة في سراويلاتهم أشد كراهيةً؛ لأنها تجاور محل النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: "إن كانوا من الذين يستعملون النجاسات [ديانة]، هل يجوز الوضوء من أوانيهم، والصلاة في ثيابهم؟ فيه قولان؛ لتعارض الأصل والظاهر:
أحدهما: يجوز؛ لأن أصل الماء والثوب على الطهارة.
والثاني: [لا] يجوز؛ لأن الظاهر من حالهم استعمال النجاسة.
وقال أحمد وإسحاق: "لا يجوز؛ لأن الظاهر من بعد الغسل على الإطلاق".
ويستحب تغطية الأواني، ولو أن يعرض عليه عوداً؛ لما روي عن جابرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الآنية، وأطفئوا السراج؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقاً، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً.
وإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم".
"باب السواك"
روي عن عائشة- رضي الله عنها-، وعن أبيها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "السواك
مطهرة للفم، مرضاة للرب".
والسواك سنة مستحبة؛ وهي في حالتين أشد استحباباً: عند القيام إلى الصلاة، وإن لم يكن الفم متغيراً.
وعند تغير الفم بنومٍ، أو سكوتٍ، أو جوعٍ، أو أكل شيء مما يغير الفم، وإن لم يرد الصلاة.
وذكر العراقيون حالة ثالثة؛ وهي عند اصفرار الأسنان.
والسواك غير واجب؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا [أن]
أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال الشافعي- رضي الله عنه-: "ولو كان واجباً لأمرهم به؛ شق أو لم يشق".
ويستحب للصائم قبل الزوال، ويكره بعد الزوال؛ لأن تغير الفم بعد الزوال من أثر الصوم؛ فيكره إزالته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: يستحب في جميع النهار، ويستحب أن يستاك بخشب [حريف] له رائحة ذكية، ويكون وسطاً؛ لا يكون خشباً يجرح اللثة، ولا ليناً لا يقلع الصفرة.
ولو لقت على أصبعه خرقةً خشنة [أو كانت خشنةً] فأمرها على أسنانه قام مقام السواك.
ويستحب: أن يستاك عرضاً [ولا يقوم]، ويمره على لثته وأسنانه، ولا بأس أن يستاك بسواك غيره.
ويستحب: قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة.
روي عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "خمسٌ من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار".
وهذه الخصال سنة، والختان واجب في حق الرجاء والنساء جميعاً.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "سنة".
فنقول: أجمعنا على أن ستر العورة واجب، [و] يجوز كشف عورة المختون؛ لأجل الختان، ولولا وجوبه، لما جاز ترك الواجب لأجله.
وروي عن أنس قال: "وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة".
ويستحب ترجيل الشعر وتذهينه، ويرجل غباً.
ويكره نتف الشيب؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم".
ويستحب خضاب الشعر بالحناء، أو بالصفرة، ويكره السواد.
روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم".
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أحسن ما غير به الشيب: الحناء والكتم".
ويستحب أن يكتحل وتراً؛ لما روي عن ابن عباس قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثاً في كل عين".
وروي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "من اكتحل فليوتر، ومن لا فلا حرج".
والله أعلم بالصواب.
"باب نية الوضوء"
روي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما الأعمال
بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى".
لا تصح الطهارة عند الحدث إلا بالنية، [و] يستوي فيه: الوضوء، والغسل، والتيمم.
وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: "يصح الوضوء والغسل بلا نية" دليلنا بعد الخبر فنقول: طهارة عن حدثٍ؛ فتفتقر إلى النية؛ كالتيمم.
أما إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية؛ لأن سبيلها سبيل ترك المهجور؛ كترك المعاصي لا يحتاج إلى النية.
والوضوء عبادة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان".
والعبادة تفتقر إلى النية؛ كالصلاة، والصوم، والحج.
قالوا: "النية في التيمم منصوصٌ عليها؛ وهي قوله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43].
والتيمم القصد؛ بخلاف الوضوء.
قلنا: "النية غيرُ منصوص عليها في التيمم، وليس المراد من القصد ما ذكروا، بل المراد منه: القصد إلى الصعيد؛ لنقل التراب إلى الوجه واليدين؛ بدليل أنه أضاف القصد إلى الصعيد، والقصد إلى الصعيد يكون بالبدن، لا بالقلب.
وإن سلمنا: ففي الوضوء أيضاً منصوصٌ عليها، لأنه تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6].
علق وجوب غسل الأعضاء بالقيام إلى الصلاة؛ فوجب أن يكون ذلك الغسل للصلاة؛ كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: 2، 4]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: 28].
ثم الواجب أن يجلد للزنا، ويقطع للسرقة.
فإن جلد وقطع لغيرهما، لم يجز عنهما.
والنية تكون بالقلب في الطهارة، وجميع العبادات من الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج وغيرها، فلو لم يتلفظ بلسانه جاز، ولو تلفظ بلسانه، ولم ينو بقلبه- لم يجز.
وينوي المحدث رفع الحدث، واستباحة الصلاة، وينوي الجنب رفع الجنابة، أو استباحة الصلاة.
فلو نوى بوضوئه، أو غسله: أن يفعل فعلاً تجب له الطهارة؛ مثل: صلاة النافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر، أو الطواف، أو مس المصحف- صح وضوؤه، وغسله لجميع الصلوات؛ لأن هذه الأفعال لا تباح مع الحدث؛ فتتضمن نيتها رفع الحدث.
وكذلك لو نوى الجنب بغسله الاعتكاف في المسجد، أو قراءة القرآن- يصح غسله.
ولو نوى فعلاً لا تندب له الطهارة؛ مثل: عيادة المريض، وزيارة الصديق، والأكل، والنوم أو التبرد والتنظف ونحوها- لا تصح طهارته.
ولو نوى فعلاً يستحب له الطهارة؛ مثل: الأذان، والتدريس أو المحدث نوى
الاعتكاف في المسجد، أو قراءة القرآن، أو الجنب نوى بغسله العبور في المسجد- فيه وجهان:
أصحهما: لا تصح طهارته؛ لأن هذه الأعمال لا تباح مع الحدث، فنية فعلها لا ترفع الحدث.
والثاني: يصح؛ لأنه نوى ما يستحب له الطهارة، ولا يحصل الاستحباب إلا بارتفاع الحدث.
ولو نوى تجديد الوضوء، أو الجنب نوى غسل الجمعة والعيد- فقد قيل: فيه وجهان؛ كما لو نوى الأذان.
وليس بصحيح بل لا تصح طهارته، بخلاف ما لو نوى الأذان والتدريس؛ لأن استحباب الطهارة هناك لأجل الحدث؛ فجاز أن تتضمن نيته رفع الحدث، وتجديد الوضوء.
والغسل من الجمعة والعيد مستحب [لا] لأجل الحدث والجنابة، فلا تتضمن نيته الخروج عن الحدث.
ولو نوت الحائض بغسلها تمكين الزوج من الوطء جاز للزوج وطؤها.
وهل يصح غسلها للصلاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنها نوت فعلاً يجب لها الغسل.
والثاني، وهو الأصح: لا يصح؛ لأن اغتسالها وقع لما ينقض الغسل؛ وهو الجماع؛ فلا يتضمن رفع الحدث.
وصحته في حق الوطء لا يدل على جواز أداء الصلاة به؛ كالذمية اغتسلت من الحيض، جاز لزوجها غشيانها، وإذا أسلمت لا يجوز لها أن تصلي به.
ولو توضأ ثلاثاً ثلاثاً؛ فترك لُمعة في الغسلة الأولى، وانغسلت في الثانية أو الثالثة؛ وهو غير عالمٍ بها، ثم علم.
فقد قيل: هو كتجديد الوضوء؛ لأن اعتقاده أن الحدث قد ارتفع عن العضو بالغسلة الأولى؛ فالثانية لا تتضمن رفع الحدث.
وقيل: يصح؛ لأن الغسلة الثانية والثالثة يأتي بهما على حكم النية الأولى، وتلك النية نية صحيحة، مشتملة على الغسلات كلها؛ فجاز إكمال الفرض بكل غسلةٍ منها.
ولو توضأ رجل، فنسي مسح الرأس فيه، ثم جدد وضوءه فمسح فيه رأسه، أو اغتسل
للجنابة؛ فترك لمعة، ثم اغتسل للجمعة، فغسلت تلك اللمعة- لا يتم به وضوؤه وغسله؛ لأنه لم يمسح، ولم يغسل اللمعة عن الفرض.
هذا هو المذهب.
ولو نسي وضوءه الأول، أو غسله الأول؛ فأعادهما على أنه محدثٌ أو جنبٌ، ثم تذكر- تم وضوؤه وغسله؛ لأنه أتى به على اعتقاد الوجوب.
ولو نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها؛ نظر: إن لم ينف غيرها صح وضوؤه لجميع الصلوات، وإن نفى غيرها؛ بأن قال: أصلي به الظهر، ولا أصلي [به] غيره ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: تصح طهارته لجميع الصلوات؛ لأن الحدث إذا ارتفع في حق صلاة واحدة، يرتفع في حق جميعها.
والثاني: لا يصح أصلاً؛ لأنه غير مقتضاه؛ فصار كما لو لم ينو؛ وكما لو شرع في صلاة الظهر بنية أن يصلي ركعة واحدة لا يصح.
والثالث: يصح وضوؤه للصلاة التي عينها دون غيرها.
وهذا ضعيف.
ولو أحدث أحداثاً كثيرة؛ فنوى رفع واحدٍ بعينه؛ نظر: إن لم ينف [رفع] غيره، يخرج عن جميعها، وإن نفى غيره؛ فقال: نويت رفع حدث البول دون غيره- فوجهان:
أحدهما: [لم] يرتفع جميعها.
والثاني: لا يصح وضوؤه أصلاً.
وتنوي المستحاضة وسلس البول بوضوئهما استباحة فرض الصلاة، فلا تصح طهارتهما بنية رفع الحدث؛ لأن الحدث متصل بهما لا يرتفع، وطهارتهما للنافلة كالتيمم للنافلة:
وينوي المتيمم استباحة فرض الصلاة، ولا يصح تيممه بنية رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ بدليل أن تيممه يبطل برؤية الماء.
وقال ابن شريجٍ: "يصح تيممه بنية رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق صلاة واحدة".
والأول المذهب: أنه لا يصح إلا بنية استباحة الصلاة فإذا تيمم لاستباحة فرض الصلاة، لا يجب تعيين الفريضة؛ حتى لو تيمم لفريضةٍ بعينها، جاز له أن يصلي فريضة أخرى، دون ما عينها.
وإذا تيمم لفريضة، جاز له أن يصلي بذلك التيمم السنن، وما شاء من النوافل قبل الفريضة وبعدها.
ولو تيمم لنافلةٍ، أو لحمل مصحفٍ، أو سجود تلاوةٍ، أو سجود شكرٍ، أو تيمم الجنب للاعتكاف، وقراءة القرآن- صح تيممه لما نوى.
وقيل: لا يصح.
وهل يجوز أداء الفريضة به؟
فيه قولان:
قال في الجديد - وهو المذهب-: "لا يجوز؛ لأن الفرض لا يكون تبعاً للنفل".
وقال في "الإملاء" وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله-: "يجوز؛ كما لو توضأ لنافلة، جاز أداء الفرض به".
ولو تيمم لاستباحة الصلاة مطلقاً، فهو كالتيمم للنفل.
ولو تيمم لصلاة جنازةٍ، يصح؛ وهو كالتيمم للفريضة؛ على أحد الوجهين؛ لأن صلاة الجنازة فريضةٌ.
وقيل: [هو] كالتيمم للنافلة؛ لأن صلاة الجنازة ليست بفرض عينٍ.
ولو تيمم لأداء صلاةٍ منذورةٍ، فهو كالتيمم للفريضة؛ لأن أداء المنذورة فريضة.
ولو تيممت الحائض، ونوت التمكين للزوج- ففي صحته وجهان: كما لو توضأت لهذه النية.
قال الإمام إمام الأئمة: "فإن جوزنا، فهو كالتيمم لصلاة النفل.
ولو نوى المتيمم فرض التيمم، أو فرض الطهارة.
قيل: يصح؛ كما لو نوى المتوضئ فرض الوضوء.
والأصح: أنه لا يصح؛ لأن التيمم لا يستقل بنفسه، إنما هو لاستباحة الصلاة، ولم توجد هذه النية.