التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 315-354

وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخَّر المغرب حتى تنزل العشاء، ثم جمع بينهما، وروى ابن عباس مثله.
وإذا جمع بينهما في وقت الثانية يجب أن يؤخّر الأولى بنيَّة الجمع حتى لو أخَّر لا بنية الجمع حتى خرج وقت الأولى عصى الله- تعالى- وصارت صلاته قضاءً لا يجوز له قصرها على قول من لا يجوز قصر القضاء.
وإذا جمع في وقت الأولى، لا يجوز إلا بثلاث شرائط: أحدها: نية الجمع.
والثاني: مراعاة الترتيب.
والثالث: الموالاة.
أما النيَّة يجب أن ينوي حالة الشروع في الأولى الجمع، فلو نوى بعد الفراغ من الأولى لم يجُز الجمع.
وعند المزني يجوز إذا نوى على قرب الفصل، وإن نوى في خلال الصلاة الأولى أو مع التسليم عنها، نص في "الجمع بعذر السفر" أنه يجوز.
وقال في "الجمع بعذر المطر".. ينوي عند افتتاح الأولى، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين: أحدهما: لا يجوز حتى ينوي الجمع عند افتتاح الأولى كنيَّة القصر.
والثاني: يجوز؛ لأن الجمع هو ضمُّ الثانية إلى الأولى، وقد نوى قبل هذه الحالة.
ومنهم من فرق بينهما على ظاهر النص، فقال في المطر: يجب أن ينوي مع افتتاح الأولى لأن استدامة المطر في خلال الصلاة الأولى- غير شرط لجواز الجمع فلم يكن محلاً للنية، وفي السفر يجوز؛ لأن استدامة السفر الذي هو سبب الرُّخصة شرط في خلال الصلاة الأولى، فكان محلاً للنية.
والترتيب بين الصلاتين شرط، حتى لا يجوز تقديم العصر على الظهر، ولا تقديم العشاء على المغرب في الأداء، فإن قدم لا يصح عصره ولا عشاؤه ويعيدهما بعد الظهر وبعد المغرب.
والمُوالاة شرط، حتى لا يجوز أن يتنفل بين الصلاتين، وألا يطيل [المقام] بينهما،

فإن أطال بطل الجمع، وعليه أن يؤدي الثانية في وقتها، والإقامة للصلاة الثانية سُنَّة لا تقطع الجمع.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز الجمع بالتيمُّم؛ لأنه إذا اشتغل بطلب الماء للصلاة الثانية يطول الفصل بينهما، والمذهب جوازه، ويطلب للثانية طلباً خفيفاً، ولا ينقطع به الجمع؛ لأنه من مصلحة الصلاة كالإقامة.
ويتفرع على هذا لو جمع بين الظُّهر والعصر في وقت الظهر، وبعد الفراغ منها تذكَّر أنه نسي سجدة من إحدى الصلاتين نظر إن علم أنه تركها من الظهر لم تصح الصلاتان، فعليه أن يعيدها، وله أن يجمع بينهما، وكذلك لو بان فسادُ الظهر بسبب آخر، وإن علم أنه تركها من العصر، فإن كان الفصلُ قريباً سجد، وصحَّت الصلاتان، وإن طال الفصلُ بطل الجمع، وعليه إعادة العصر في وقته، وإن شك لم يدر من أيهما ترك، فعليه إعادة الصلاتين جميعاً لاحتمال أنه تركها من الأولى ولا يجوز الجمع لاحتمال أنه تركها من الثانية، وإذا جمع بين الصلاتين في وقت الثَّانية وهل يجوز تقديم العصر على الظهر في الأداء وتقديم العشاء على المغرب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ بل عليه مراعاة الترتيب، كما لو جمع بينهما في وقت الأولى.
والثاني: وهو الأصح يجوز؛ لأن الوقت لها [والأولى] تبع، وكذلك هل يجب الموالاة بينهما؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجب الترتيب، ولا الموالاة، فإن قلنا: الترتيب شرط، فلو قدم العصر صح عصره؛ لأن الوقت له، ولكن يصير الظهر قضاء، وكذلك إذا ترك الموالاة، وقلنا: هي [شرط] يصير الظهر قضاء ولا يجوز قصرها على قول من لا يُجوِّز قصر القضاء.
أما قصر العصر يجوز بكلِّ حال، وإذا جمع بين الصلاتين، ثم بعد الفراغ منهما صار مقيماً قبل دخول وقت الثانية، هل يجب عليه إعادة الصلاة الثانية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن وقت الأولى صار وقتاً للثانية، فقد أدَّاها في وقتها، كما لو قصر الصلاة، ثم صار مقيماً لا تجب الإعادة.
والثاني: يجب إعادتها في وقتها؛ لأن السفر قد زال، والوقت بين يديه، وإن صار مقيماً قبل الشروع في الثانية يجب عليه أن يصلي الثانية في وقتها.
وإن صار مقيماً في خلال الثانية ترتب على ما لو صار مقيماً بعد الفراغ منها إن قلنا: يعيدها، فها هنا بطل عصره، وإلا فوجهان:

أحدهما: يعيد، كما لو نوى الإقامة في خلال صلاة العصر يجب إتمامها.
والثاني: لا يعيد، بخلاف العصر؛ لأن هناك إذا ألزمناه حكم الإقامة لا يؤدي إلى إبطال ما مضى من الصلاة، وها هنا يؤدي إلى ذلك، فإن قلنا: تبطل عصره، هل يبقى نفلاً؟ فيه قولان.
وإن صار مقيماً بعد ما مضى في وقت الثانية قدر إمكان الصلاة لا يجب الإعادة وجهاً واحداً، وإذا جمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، فيصلي سُنَّة المغرب بعد الفراغ من فرض العشاء، ثم يصلي سنة العشاء ثمَّ يصلي الوتر.
فصلٌ: في الجمع بعذر المطر روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.

قال مالك: أرى ذلك في مطر.
يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر المطر في السفر والحضر جميعاً في وقت الأولى، وهل يجوز في وقت الثانية؟ فيه قولان: في القديم: يجوز كما في السفر.
وفي الجديد: لا يجوز، بخلاف السفر؛ لأن استدامة السفر إليه، واستدامة المطر ليس إليه، فربما تمسك السماء قبل دخول وقت الثانية.
فإن قلنا: يجوز التأخير فلو أمسكت السماء قبل وقت العصر، لا يجوز الجمع فيصلي الظهر في آخر وقته كالمسافر إذا أخَّر بنية الجمع، ثم أقام قبل دخول وقت العصر، ويشترط وجود المطر عن افتتاح الصلاة الأولى، وعند الفراغ منها وفي افتتاح الثانية، فلو انقطع في خلال إحدى الصلاتين، وبعد الفراغ من الثانية لم يضر، ولو كان منقطعاً حالة التسليم من الأولى، أو انقطع بعد الفراغ من الأولى قبل الشروع في الثانية لم يجز الجمع.
وفرَّع القاضي الإمام على هذا فقال: لو قال الرجل بعد الفراغ من الصلاة الأولى: أنظر هل أمسكت السماء؟ بطل الجمع؛ لأنه شك في سبب الجمع، وإنما يجوز هذا الجمع في مساجد الجماعات التي ينتابها الناس من بعد، فيشق عليهم المشي في المطر، ويشترط أن يكون المطر، بحيث يبُلّ الثياب، فإن كان لا يبُلّ الثياب، فلا يجوز.
وإن كان المسجد في كنٍّ لا يتأذى بالمطر إذا حضره، أو صلى في بيته منفرداً أو جماعة، أو صلَّت النساء في بيوتهن، هل يجوز الجمع؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن الرخصة بسبب المطر، وهو موجود.
والثاني: وهو الأصح- لا يجوز؛ لأنهم لم يلحقهم الأذى، ولا يجوز الجمع بغير المطر من الوحل، والريح، والظلمة، والبرد، [والمرض] ونحوها، والسفان مطر وزيادة، ولا يجوز بعذر الثلج؛ لأنه يبل الثياب إلا أن يكون رخواً ذائباً فهو كالمطر.
وجوز الجمع بعُذر المطر جماعة من السلف يروى ذلك عن ابن عمر، وفعله عروة وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك، وأحمد.

وجوز الحسن وعطاء الجمع بعُذر المرض.
وجوز ابن سيرين الجمع إذا كانت له حاجة ما لم يتخذه عادة، وذهب إليه؛ لما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر جميعاً بـ "المدينة" من غير خوف ولا سفر قيل لسعيد بن جبير: لم فعله؟ قال سألت ابن عباس فقال: لئلا يخرج أحدٌ من أمته والله أعلم بالصواب.
باب وجوب الجمعة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].

وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فُرض عليهم، يعني يوم الجمعة، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبعٌ اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ".

روي عن أبي الجعد الضمري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من ترك ثلاث جُمع تهاوُناً بها طبع الله على قلبه".
صلاة الجمعة فريضة، ولوجوبها خمس شرائط: العقل، والبلوغ، والحُرية، والذُكورة، والاستيطان، فلا يجب على الصبي، ولا المجنون، كما لا تجب سائر الصلوات، ولا على المرأة ولا على العبد.
روي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلاً من بني وائل يقول: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-:

"تجبُ الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبياً أو مملوكاً، ولا تجب على المسافر".

روى جابر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة أو مسافراً أو عبداً أو مريضاً".
ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت، وهو بعد الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، والعدد، والجماعة، والخطبة، ودار الإقامة، فلو خرج الوقت قبل أن يسلم يجب أن يكملها أربعاً.
أما العدد فأربعون رجلاً من أهل الكمال، وهو قول عُبيد الله بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أحمد، وهل يشترط أن يكون الإمام زائداً على الأربعين؟ فيه وجهان: الأصح: لا يشترط.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بأربع مع الإمام.

وقال الأوزاعي: تنعقد بثلاث.
وقال ربيعة: باثني عشر.
ودار الإقامة شرط، فكل قرية اجتمع فيها أربعون من أهل الكمال، وهو أن يكونوا أحراراً، عاقلين، بالغين، ذكوراً، مستطونين لا يظعنون عنها شتاءً ولا صيفاً إلا ظعنَ حاجةٍ، يجب عليهم إقامة الجمعة كما تجب على أهل المصر الجامع ثم إن كانوا لا يسمعون نداء البلد يجب عليهم إقامة الجمعة فيها، وإن كانوا يسمعونه فهم بالخيار بين أن يحضروا البلد للجمعة، وبين أن يقيموها في قريتهم، وإذا حضروا البلد لا يكمل بهم العدد؛ لأنهم في حُكم المسافرين.
وإن كانوا أهل خيام وأخبية اجتمعوا في موضع لا يجوز لهم إقامة الجمعة هناك؛ لأنهم غير مستوطنين، فإن الشتاء إذا جاء أحوجهم إلى الظعن، وحكمهم حكم جماعة من المسافرين نزلوا على طرف بلد، ونووا إقامة أربع.
وكذلك أهل البلد لا يجوز لهم أن يخرجوا إلى الصحراء، فيجتمعوا، وإذا انهدم أبنية البلد، وأقام أهله على عمارته، فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها؛ لأنهم في موضع الاستيطان.
وإن كانوا أهل خيام وخباء لزموا عين ماء لا يظعنون عنها في صيف ولا شتاء، هل عليهم إقامة الجمعة هناك؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنهم مستوطنون.
والثاني: لا يجوز وهم كالقسم الأول؛ لأن أبنيتهم ليست أبنية المقيمين.
أما أهل الدواليب والأسراب الذين توطَّنوا، فكأهل القرى، وكل قرية لم يكن فيها أربعون من أهل الكمال، وإن كانوا أكثر عدداً ممن ليس من أهل الكمال لا يجوز لهم إقامة الجمعة فيها، وهل يجب على أهل الكمال منهم حضور البلد، أو حضور موضع الجمعة؟ وكذلك أهل الخيام والمسافرون الذين نزلوا على طرف بلد، ونووا إقامة أربع؟ نظر إن كان لا يبلغهم نداء البلد لا يجب عليهم حضورها، ولكنهم لو حضروها، وصلوا الجمعة سقط الفرض عنهم، وإن كان يبلغهم نداءُ البلد يجب عليهم حضور البلد للجمعة، ولكن لا يكمل بهم عدد الأربعين.
روي عن عبد الله بن عمرو أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "الجمعة على من سمع النداء".

وقال أبو حنيفة: لا جمعة على أهل القرى، إنما يجب على أهل مصر جامع، والمصرُ الجامع عنده أن يوجد فيه [أربعة]: سلطان قاهر، وطبيب حاذق، ونهر جارٍ، وسوق قائم.
وفي سماع النداء يشترط سماع من ليس بأصم نداء مؤذّن جهوريّ الصوت في وقت تكون الرياح ساكنة، والأصوات هادئة، ولا يشترط سماع جمع القرية، ومن أي موضع يكون يعتبر سماع النداء؟.
منهم من قال: من وسط البلد على نشزٍ.
ومنهم من قال: يشترط سماع كل القرية من طرف البلد الذي يليهم في موضع تجوز إقامة الجمعة فيه، فإن كانت قريتان إحداهما قريبة من البلد، لكنها لا تسمع النداء لكونهم في هبوط، والأخرى أبعد منها، لكنها تسمع النداء لكونها على صعود، فعلى أهل القرية البعيدة حضور الجمعة، وهل يجب على أهل القرية القريبة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأن النداء لا يبلغهم.

والثاني: يجب؛ لأن الصوت يمرُّ عليهم، غير أنهم لا يسمعون النداء؛ لأنهم في وهدةٍ، كما لو دخل بيتاً فلم يسمع النداء.
أما البلد إذا كان كبيراً يجب على من بعُد داره من الجامع حضور الجمعة، وإن لم يسمع النداء؛ لأن خطة البلد يجمع الكل، فلو اجتمع أربعون رجلاً للجمعة، ثم انفضوا، لا يخلو إما أن انفضوا قبل افتتاح الخطبة، أو في خلالها، أو بعد الفراغ منها، أو في خلال الصلاة، فإن انفضوا قبل افتتاح الخطبة، سواء انفض الكل، أو انفض واحد من الأربعين، فلا يبتدئ الخطبة حتى يجتمع أربعون؛ لأن الوقت شرط في الخطبة حتى لو ابتدأ الخطبة قبل الوقت لا يجوز، كذلك العدد شرط فيها، كما هو شرط في الصلاة.
وإن انفضوا في خلال الخُطبة، نظر إن عادوا والفصل قريب بنى على خطبته، فإن أتى بشيء من أركان الخطبة في غيبتهم أعاده؛ لأن سماع الأربعين للخطبة شرط، وإن عادوا بعد طول الفصل، عليهم استئناف الخطبة على قوله الجديد، وهو المذهب.
وفي القديم: المُوالاة ليس بشرط، فله أن يبني على خطبته، وإن لم يعد الأولون، بل جاء مكانهم آخرون يستأنف بهم الخطبة، سواء جاءوا بعد طول الفصل أو قبله.
وإن انفضوا بعد الفراغ من الخُطبة قبل الشروع في الصلاة، نظر إن رجعوا والفصل قريب صلى بهم الجمعة بتلك الخطبة، وإن رجعوا بعد طول الفصل، أو جاء آخرون لم يسمعوا الخطبة لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة بتلك الخطبة.
قال الشافعي- رحمه الله-: "أحببت أن يبتدئ خطبته، فإن لم يفعل صلاها بهم ظهراً.
اختلف أصحابنا في أنه هل يجب أن يعيد الخُطبة ليصلي بهم الجمعة، أم يجوز أن يصلي بهم الظهر؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سُريج يجب إعادة الخُطبة؛ لأن إقامة الجمعة ممكن، فلا يجوز تركها، والمراد من قوله: أحببت الإيجاب؛ لأن كل واحد مستحب.
والوجه الثاني قاله أبو إسحاق: لا يجب، بل يستحب؛ لأنه لا يأمن من انفضاضهم ثانياً فيصير ذلك عذراً في ترك الجمعة، وكذلك لو انفض واحد من الأربعين الذين سمعوا الخُطبة وحضر أربعون آخرون؛ لأن شرط الجمعة أن يعقدوا الصلاة بالأربعين الذين سمعوا الخطبة.
أما إذا انفضوا في خلال الصلاة، نظر إن حضر أربعون آخرون، وشرعوا في الصلاة، ثم انفض الأولون الذين افتتح بهم الصلاة، يجوز أن يكمل بهم الجمعة؛ لأنه لم ينتقص

العدد في شيء من الصلاة وإن انفضوا ولم يحضر آخرون، ففيه أقوال: ذكر في الجديد قولين: أصحهما: بقاء الأربعين [من أهل الكمال شرطٌ إلى آخر الصلاة كالوقت] فإن انتقص واحد قبل أن يسلم يجب عليه إكمال الظهر.
والثاني: إن بقي معه اثنان حتى تكون صلاته جماعة جاز أن يُتِمّ بهما الجمعة؛ لأن مطلق الجمع ثلاثة.
وقال في القديم: إن بقي معه واحد، له أن يتمّ الجمعة؛ لأن أقل الجمع اثنان وخرج قول أنه يتم الجمعة، وإن بقي وحده، وهو قول أبي يوسف أن العدد شرط حالة الإحرام، وذلك لأنه يمكنه ألا يفتتح بأقل من أربعين، ولا يمكنه حفظهم في خلال الصلاة.
وقال المزني- رحمه الله-: إن انفضوا بعد ما صلى بهم ركعة، له أن يتم الجمعة، وإن بقي واحد، وإن كان في الركعة الأولى أتمها ظهراً، وإن انتقص واحد، وهو قول أبي حنيفة- رحمه الله- في العدد الذي يشترطه، غير أن عند أبي حنيفة أن قيد ركعة بسجدة واحدة أتمها جمعة.
وعند المزني لابدّ من ركعة كاملة، واحتج المزني بأن المسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة أتمها جمعة، فكذلك الإمام إذا صلى مع القوم ركعة أتمها جمعة.
قلنا: لأن جمعة المسبوق تبنى على جمعة كاملة مفروغ عنها، بخلاف جمعة الإمام، وهذا بخلاف ما لو أحدث الإمام في الركعة الثانية، فالقوم يكملون الجمعة وحداناً؛ لأن القوم تبع للإمام، فبعد ذهاب المتبوع جاز للتابع أن يبني صلاته على صلاة المتبوع، والمتبوع لا يبني على صلاة التابع.
قال الشيخ: وهو صاحب الكتاب رحمه الله: والصحيح من هذه الأقوال هو الأول، وهو أن العدد شرط من أول الصلاة إلى آخرها لولا ما قاله المزني.
فصلٌ: في الزحام إذا ركع المأموم في الجمعة، أو في صلاة أخرى، ثم زحم عن السجود، نظر إن أمكنه أن يسجد على ظهر رجل فعل، وإن لم يفعل حتى رفع الإمام رأسه بطلت صلاته.
روي عن عمر أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه، ولو لم

يمكنه، فهذا عذر للخروج عن متابعته، فإن كان في الجمعة فخرج عن متابعته، فصلى الظهر، فهو كمن صلى الظهر قبل فوات الجمعة، وإن لم يخرج عن متابعته، فلما قام الإمام إلى الركعة الثانية أمكنه السجود سجد، وإن سبقه الإمام بركنين؛ لأنه معذور؛ فإذا سجد وقام إلى الركعة الثانية، ولم يدرك قراءة جميع الفاتحة مع الإمام هل يسقط عنه القراءة؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط كالمسبوق ويركع مع الإمام.
والثاني: وهو الأصح لا تسقط عنه؛ لأنه أدرك ما قبل الركوع، بخلاف المسبوق، فيقرأ الفاتحة، ويجري على أثر الإمام، وهو كالمتخلف بالعُذر، وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام في الركعة الثانية، ثم قدر عليه ماذا يفعل؟ قال في الجديد وهو الأصح: يتابع الإمام في الركوع؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أدركتم فصلوا" وهذا مدرك للركوع.
وفي "الإملاء" قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يشتغل بالسجود، ويجري على أثر الإمام، وبه قال أبو حنيفة لقوله عليه السلام: "وما فاتكم فأتموا".
والتفريع على القولين، فإن قلنا: يتابع الإمام، فلا يخلو إما أن يتابعه، كما أمرناه، أو يشتغل بالسجود، فإن تابعه فأي الركوعين يحسب له؟ فيه وجهان: أحدهما: الأول؛ لأنه وقع صواباً، والركوع الثاني لموافقة الإمام.
والوجه الثاني: الركوع الثاني يكون محسوباً له؛ لأن السجود من هذه الركعة يكون محسوباً له، كذلك الركوع.
وفائدته إذا قلنا: يحسب له الثاني، فإذا صلى هذه الركعة مع الإمام حصلت له ركعة من الجمعة.
وإذا قلنا: يحسب الأول حصلت له ركعة ملفقة من الركعتين الركوع من الركعة الأولى والسجود من الثانية، فمثل هذا هل تحسب له من الجمعة؟ ففيه وجهان: أصحهما: وهو قول أبي إسحاق يحسب من الجمعة؛ لأنه صلى ركعة مع الإمام.

وقال ابن أبي هريرة: تحسب من الظهر، ولا تحسب من الجمعة حتى يكون إدراك الكل من ركعة واحدة، ولا تفريع عليه، بل نقول على الوجهين: إذا صلى هذه الركعة مع الإمام حصلت له ركعة من الجمعة.
أما إذا خالف أمرنا، واشتغل بالسجود، نظر إن نوى الخروج عن متابعة الإمام، فهو كمن خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، إن قلنا: لا تبطل صلاته بالخروج عن المتابعة لا تصح جمعته، وهل يصح ظهره؟ فعلى قولين كغير المعذور إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة، هل يصح ظهره؟ قولان: الأصح: لا يصح، فإن قلنا: لا يصح ظهره، هل تبطل صلاته، أم تكون نفلاً؟ فيه قولان.
وإن سجد ولم ينو الخروج عن متابعة الإمام، نظر إن كان عالماً بأن عليه المتابعة، بطلت صلاته، ففي الحال يكبر، ويركع مع الإمام ليدرك ركعة من الجمعة، وإن كان جاهلاً ظن أن فرضه السجود لا تبطل صلاته، ولا يحسب له سجود، فإذا فرغ من السجود، وأدرك الركوع مع الإمام كان مدركاً لركعة، وأي الركوعين يكون محسوباً فعلى الوجهين، كما ذكرنا، وإذا فرغ من السجود، والإمام قد سجد في الثانية سجد معه، وحصلت له ركعة ملفقة من ركعتين، فالأصح أن يكون محسوباً من الجمعة، وإن كان الإمام في السجود الثاني سجد معه هذه السجدة، ثم إذا سلم الإمام يسجد سجدة أخرى، وتمت له ركعة من الظهر، فيقوم ويصلي ثلاث ركعات؛ لأنه لم يصلِّ مع الإمام ركعة كاملة، وكذلك إذا فرغ من السجود، وقد سلم الإمام سجد سجدتين، ويضم إليها ثلاث ركعات.
فأما إذا قلنا: يجب عليه أن يشتغل بالسجود، فلا يخلو إما إن كان يسجد، كما أمرناه، أو تابع الإمام، فإن سجد كما أمرناه، فإذا فرغ من السجود، وأدرك الإمام في الركوع من الركعة الثانية، هل يسقط عنه قراءة الفاتحة؟ فعلى وجهين: الأصح: لا تسقط، وإن كان قد سجد الإمام في الثانية، أو قعد للتشهد، فإنه يقرأ ويشتغل بقضاء ما فاته، ويجري على أثره، وهو مدرك للجمعة يسلم مع الإمام، وإن لم يمكنه السجود في الركعة الأولى حتى يسلم الإمام، أو سجد واحدة قبل تسليمه، وسجد بعده حصلت له ركعة من الظهر؛ لأنه لم يحصل له ركعة كاملة على متابعة الإمام.
وقيل: تحسب من الجمعة؛ لأن هذا السجود يبنى على ركوع أتى به مع الإمام.

أما إذا خالف أمرنا، واشتغل بالركوع مع الإمام، نظر إن كان عالماً بطلت صلاته وإن كان جاهلاً لا تبطل صلاته، ولا يحسب ركوعه، فإذا سجد معه حسب سجوده، وحصلت له ركعة من الجمعة، وإذا قعد الإمام للتشهد، هل يقعد معه أم يقوم، ويشتغل بالركعة الثانية؟ فيه وجهان: أحدهما: يقوم، ولا يخرج عن متابعته؛ لأنه تفريع على قولنا: إنه يشتغل بما فاته، ويجري على أثر الإمام.
والثاني: يقعد معه، فإذا سلم الإمام قام، وصلى ركعة وتمَّت جمعته كالمسبوق، أما إذا لم يمكنه السجود حتى سجد الإمام في الركعة الثانية سجد معه على القولين جميعاً.
ثم إن قلنا: يجب عليه متابعة الإمام حصلت له ركعة ملفقة وإن قلنا: يجب عليه الاشتغال بما فاته حصلت له ركعة من الجمعة، هذا إذا زحم في الركعة الأولى.
أما إذا زحم عن السجود في الركعة الثانية، فلم يمكنه السجود حتى سلم الإمام سجد سجدتين بعد تسليم الإمام، وتشهد وتمت جمعته كالمسبوق إذا لم يمكنه السجود.
وإن كان مسبوقاً أدرك الإمام في الركعة الثانية، فركع معه، ثم زحم عن السجود، نظر إن أمكنه أن يسجد سجدتين قبل تسليم الإمام سجدهما، وحصلت له ركعة من الجمعة.
وإن لم يمكنه حتى سلم الإمام، أو سجد سجدة واحدة قبل تسليمه، ثم سلم الإمام سجد الثانية، ثم يقوم، ويتم الظهر؛ لأنه لم يصل مع الإمام ركعة كاملة.
وقيل: يحسب له ركعة من الجمعة؛ لأن هذا السجود ينبني على ركوع أتى به مع الإمام، هذا كله فيما إذا زحم.
أما إذا ركع مع الإمام في الركعة الأولى، وسها حتى ركع الإمام في الركعة الثانية من أصحابنا من قال: هو كالزحام على القولين.
ومنهم من قال: ها هنا يتبعه في الركوع قولاً واحداً؛ لأنه مفرط في السهو، فلم يعذر في الانفراد عن الإمام.
قال الشيخ: والأول أصح أنه كالزحام، وكل موضع قلنا: يتم الظهر، فهو صحيح على قولنا: إن الجمعة ظُهرٌ مقصور.

أما إذا قلنا: الجمعة فرض آخر، وهو شرع فيه بنية الجمعة، من أصحابنا من قال: يستأنف الظهر.
ومنهم من قال: [يجوز أن] يُتم الظهر، وإن جعلناه فرضاً آخر؛ لأنهما فرض وقت واحد، كما لو خرج الوقت في خلال الصلاة، نصَّ على أنه يتمها ظهراً.
فصلٌ: في الاستخلاف في الجمعة إذا أحدث الإمام في صلاة الجمعة، هل يجوز أن يستخلف رجلاً؟.
فيه قولان كسائر الصلوات: أصحهما: وهو قوله الجديد- يجوز، فإن قلنا: لا يجوز الاستخلاف، أو جوزنا، ولكن لم يتقدم أحد، نظر إن أحدث الإمام في الركعة الأولى أتموها ظهراً؛ لأنهم لم يصلوا مع الإمام ركعة، فإن أحدث في الركعة الثانية أتموها جمعة إلا أن يكون مسبوقاً أدركه في الثانية، فإنه يتم الظهر.
وإن قلنا: يجوز الاستخلاف، فإنما يجوز أن يستخلف من اقتدى بالإمام قبل حدثه، فأما من لم يقتد به، فلا يجوز استخلافه، وهل يشترط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة فيه وجهان: الأصح: لا يشترط، كما لو لم يحدث الإمام صحَّت جمعة المأموم، وإن لم يسمع الخطبة.
فإن قلنا: لا يشترط، فإن تقدم رجل أدرك الإمام في الركعة الأولى قبل أن يركع، أو في الركوع من الركعة الأولى جاز، ويتم بهم الجمعة، سواء أحدث الإمام في الركعة الأولى، أو في الثانية، حتى لو اقتدى به رجل قبل أن يركع في الأولى، فلما اقتدى به أحدث الإمام، وتقدم هو جاز أن يصلي بهم الجمعة.
وإن تقدم رجل لم يدرك مع الإمام الركعة الأولى، فإن أدركه بعد ما رفع رأسه من الركوع الأولى، أو أدركه في الركوع من الركعة الثانية، فهذا المسبوق يتم لنفسه الظهر؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، والقوم خلفه يتمون لأنفسهم الجمعة، فإذا أتمَّ الخليفة ركعة جلس مراعاة لنظم صلاة الإمام، فإذا بلغ موضع السلام أشار إلى القوم، وقام، فالقوم إن شاءوا وخرجوا عن متابعته وسلموا، وإن شاءوا ثبتوا جالسين حتى يتم الخليفة الظهر، فيسلم بهم، وهذا الخلاف فيما لو أدرك الإمام في الركعة الأولى، وتقدم رجل أدركه في الركوع أتمها جمعة، وإن لم يصل مع الإمام ركعة؛ لأن هناك تأكد إدراكه، حيث أدرك الإمام في وقت كانت جمعة القوم موقوفة على الإمام، وكان الإمام ركناً في جمعتهم، فحصلت الجمعة للخليفة، وفي الركعة الثانية لم يتأكد إدراكه؛ لأنه أدرك الإمام في وقت لم

تكن جمعة القوم موقوفة على الإمام، فإنهم لو أتموا الجمعة فرادى جاز، فلم تحصل له الجمعة.
ثم هذا المسبوق الخليفة تحصل له ركعة من الظهر، ولا يجعل كمن صلى الظهر، قبل فوات الجمعة؛ لأنه لما تقدم صارت الجمعة فائتة في حقه.
فإذا تقدم هذا المسبوق، فأدركه مسبوق، واقتدى به، ونوى الجمعة، فصلى معه ركعة من آخر صلاته كان مدركاً للجمعة على الوجه الذي يقول: يجوز أداء الجمعة خلف من يصلي الظهر؛ لأنه صلى ركعة خلف من يراعي نظم صلاة إمام الجمعة، بخلاف الخليفة يصلي الظهر؛ لأنه لم يصلِّ ركعة مع إمام الجمعة، ولا خلف من يراعي نظم صلاته.
قال الشيخ: وعندي إنما يصلي المسبوق الجمعة إذا أدرك الخليفة في الركعة الأولى التي هي صلاة الإمام.
أما إذا أدرك في الركعة الثانية، أو الثالثة، فلا يصلي الجمعة؛ لأن الجمعة قد فاتت حين تمت صلاة الإمام.
قال الشيخ: ولو أدرك المسبوق في الركوع من الركعة الثانية، فركع وسجد مع الإمام، فلما قعد للتشهد أحدث الإمام، وتقدم المسبوق، له أن يُتمَّ الجمعة؛ لأنه صلى مع الإمام ركعة، ولو أحدث الإمام بعد الخُطبة قبل أن يُحرِم بالصلاة، إن قلنا: لا يجوز الاستخلاف في الصلاة، فها هنا لا يجوز أن يؤمَّ غيره، بل يصلون الظهر؛ لأن الخطبة في الجمعة بمنزلة ركعتين في الصلاة، فلما لم يجز أن يصلي ركعتين خلف إمام آخر، كذلك لا يجوز أن يخطب واحد ويؤم آخر.
وإن جوزنا الاستخلاف في الصلاة، فإن استخلف من سمع الخطبة يجوز، وإن استخلف من لم يسمع لا يجوز، كما في الصلاة لا يجوز استخلاف من لم يدرك الإمام في الصلاة.
وكذلك لو خطب رجل، فبادر أربعون ممن سمع الخُطبة، وعقدوا الجمعة قبل الإمام جاز، وإذا فعله من لم يسمع الخطبة لم يجز، فإن لم نجوز وحدث بالخطيب عُذر، وأرادوا الجمعة استأنف الخطبة.
وإذا صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ثم خرج عن متابعته بعذر أو بغير عذر، وقلنا: لا تبطل صلاته يجوز أن يتمها جمعة، كما لو أحدث الإمام، أو أبطل صلاته بعد ما صلى بهم ركعة، جاز لهم أن يتموها جمعة.
فصلٌ يجوز ترك الجمعة بالعذر، والعذر ما ذكرنا في باب الجماعة.

ولو مرض له قريب أو صِهرٌ، وكان منزولاً به، أو لم يكن منزولاً به، ولكن ليس له متعهد، جاز له ترك الجمعة.
روي عن ابن عمر- رضي الله عنه- يستجمر للجمعة فدعى لسعيد بن زيد وهو يموت، فأتاه وترك الجمعة، وكذلك الأجنبي إذا كان منزولاً به، أو لا متعهد له، جاز ترك الجمعة له؛ لأنه لا يجوز تضييعه.
فأما إذا لم يكن منزولاً به، وله متعهد غيره، لكن المريض يستأنس به، فإن كان أجنبياً لا يجوز ترك الجمعة به، وإن كان قريباً جاز.
والناس في الجمعة على أربعة أقسام: قسم يجب عليهم حضور الجمعة، ويكمل بهم العدد، وهم الأحرار، العاقلون، البالغون، الذكور، المستوطنون، الذين لا عذر لهم، ولو لم يحضروا عصوا.
وقسم لا يجب عليهم حضورها، ولو حضروها وصلوا الجمعة، سقط الفرض عنهم، ولكن لا يكمل بهم العدد، وهم العبيد، والنسوان، والصبيان، والمسافرون، والخنثى المشكل [كالمرأة] ومن بعضه حر كالعبد.
وقسم يجب عليهم حضورها، ولا يكمل بهم العدد، وهم غير المستوطنين مثل المسافر الذي نوى إقامة أربع وأهل الخيام الذي يبلغهم نداء أهل البلد وأهل القرى الذين انتقصوا عن الأربعين، ويبلغهم نداء البلد.
فأما الغريب الذي طال مقامه في بلد، وفي عزمه الرجوع إلى بلده كالمتفقِّه والبحَّار، عليهم حضور الجمعة، وهل يكمل بهم العدد؟ فيه وجهان: قال ابن أبي هريرة: يكمل بهم العدد؛ لأنهم مقيمون.
والثاني: وهو الأصح قاله أبو إسحاق- لا يكمل بهم؛ لأنهم غير متوطِّنين.
وقسم لا يجب عليهم حضورها، ولو حضروا تمّ بهم العدد، وهم المريض، والممرض، ومن له عذر، وكل هؤلاء لو حضروا الجامع، وصلوا الجمعة، سقط الفرض عنهم.
وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر لا يفترض عليه الجمعة، بل له أن يصلي الظهر إلا المريض، والممرض، والمعذور، فإنه إذا حضرها تجب عليه الجمعة؛ لأن المانع من وجوبها عليه لخوف المشقة بحضورها، فإذا تحمل المشقة، وحضرها زالت

العلة، بخلاف العبد، والمسافر، والمرأة، فإن المانع من وجوبها عليهم صفة فيهم، وذلك لا يزول بحضور الجامع، حتى لو كان المريض، أو الزَّمِن بيته قريباً من المسجد يمكنه حضورها، يجب عليه حضورها، والزَّمِنُ إذا وجد مركباً ملكاً، أو إجارة، أو عارية، أو الأعمى إذا وجد قائداً بأجرة، وله مال أو مجاناً يلزمه حضورها.
وقال أبو حنيفة: لا جمعة على الأعمى، ومن لا يجب عليه حضور الجمعة يجوز له أداء الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، وإن كانوا جماعة يجوز أن يصلوا جماعة وفرادى، غير أن المستحب أن يؤخروا حتى يصلي الإمام الجمعة، وإذا صلوا جماعة، قال الشافعي: أحب إخفاء الجماعة لئلا يتهموا.
قال أصحابنا: فإن كان عذرهم ظاهراً لم يكره لهم إظهار الجماعة؛ لأنهم لا يتهمون مع ظهور العذر.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي جماعة في المصر إلا الجمعة، فأما من يجب عليه حضور الجمعة إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة، هل يصح؟ فيه قولان.
قال في الجديد وهو الأصح: لا يصح؛ لأن فرضه الجمعة.
وقال في القديم: يصح؛ لأنه أدى وظيفة وقته.
وقال أبو حنيفة: ظهره موقوف، فإن خرج إلى الجمعة أو عزم على الخروج إليها بطل ظهره، فإن لم يدرك الجمعة أعاد الظهر.
ومن وجب عليه حضور الجمعة لا يجوز له أن يسافر بعد الزوال يوم الجمعة قبل أن يصلي الجمعة، فإن فعل كان عاصياً، ولا يجوز له الترخُّص ما لم تفُت الجمعة، ثم من حيث بلغ يكون ابتداء سفره، ولو سافر قبل طلوع الفجر الصادق، فلا حرج عليه.
ولو خرج بعد طلوع الفجر، نظر إن كان سفراً واجباً، أو سفر طاعة؛ كالحج والغزو، جاز؛ لما روي عن ابن عباس قال: بعث النبي- صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن رواحة في سريَّة، فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه، وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم ألحقهم فلما

صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم".
وإن كان سفراً مباحاً، فيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأن وقت الصلاة لم يدخل قبل طلوع الفجر.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الرَّواح قد يجب في هذا الوقت على من بعُد داره عن المسجد، كما بعد الزوال؛ لأن وجوب السبب كوجوب الفعل، فلما لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجُز بعد وجوب السبب.
وعند أبي حنيفة يجوز الخروج بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت، فإذا كان لا يفارقه إلا بعد خروج الوقت لم يجُز حتى يصلي الجمعة؛ لأن الصلاة عنده تجب في آخر الوقت.
ولا يكره البيع يوم الجمعة قبل الزوال، أما بعد الزوال، فإن كان قبل ظهور الإمام على المنبر يكره، وإن كان بعد ظهور الإمام يحرم لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
وأما إذا تبايع رجلان، وأحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر أثِما جميعاً؛ لأن أحدهما توجه عليه الفرض، والآخر يشغله عن الفرض، أما البيع فلا يبطل؛ لأن النهي غير مختص بالعقد، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة.
وإذا اتفق يوم عيد ويوم جمعة، فحضر أهل السواد فصلوا العيد، فهل عليهم الجمعة؟ اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من قال: تجب لأن من لزمته الجمعة في غير يوم العيد لزمته في يوم العيد كأهل البلد.
ومنهم من قال: نص الشافعي عليه [في "الأم"] أنه لا يجب عليهم الجمعة، ولهم أن ينصرفوا، ويدعوا الجمعة؛ لما روي عن عثمان أنه قال في خطبته: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم، فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليفعل، من أراد أن ينصرف فلينصرف، ولم ينكر عليه أحد.

وذلك لأنهم إذا قعدوا لم يتهتّوا بالعيد، وإذا انصرفوا ثم رجعوا للجمعة شق عليهم، والجمعة تسقط بالمشقة.
والله أعلم.

باب الخطبة وما يجب في صلاة الجمعة روي عن أبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها".
روي عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي حين تميل الشمس.
وعن ابن عمر قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.
الخُطبة واجبة لصلاة الجمعة، ولا تحسب قبل الزوال، فإذا زالت الشمس صعد الإمام

المنبر، فإن لم يكن منبرٌ فيقف على مكان مرتفع ليبلغ صوته جميع الناس، فإذا بلغ الدرجة التي تلي المستراح أقبل بوجهه على الناس، وسلَّم عليهم، والقوم يردون السلام، ثم قعد وأذّن المؤذن.
روي عن السائب بن يزيد أن الآذان كان أوله للجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- فلما كان خلافة عثمان- رضي الله عنه- كثر الناس فأمر عثمان بأذان ثان، فأذن به فثبت الأمر على ذلك.
قال الزهري: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وهذا كما قال، وهو أن بعد ما خرج الإمام، وصعد المنبر ليس لأحد ممن هو في المسجد أن يبتدئ الصلاة، سواء صلى السنة، أو لم يصل.
ولا بأس أن يتكلم في حال الأذان ما لم يبتدئ الإمام الخطبة، وكذلك بعد الفراغ من الخطبة، ولا يكره الكلام قبل أن يشرع في الصلاة.
والفرق أن قطع الكلام ممكن متى ما ابتدأ الإمام الخطبة، وقطع الصلاة لا يمكن فربما يفوته سماع أول الخطبة، والفرق بين الخطبة حيث لا يتكلم المستمع في خلالها، ويتكلم في خلال الأذان- أن الأذان كلمات معلومة، والمقصود منه الإعلام بالصلاة، وهم حضور، والخطبة موعظة لابد من تفهمها، غير أن الأولى ألا يتكلم في خلال الأذان، ويشتغل بإجابة

المؤذن، وإذا فرغ المؤذن قام الإمام وابتدأ الخطبة، ولا يجوز لأحد بعده أن يبتدئ الصلاة، فإن دخل داخل لا يجلس حتى يصلي ركعتين عند أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة، والثوري يجلس ولا يصلي، والدليل على ما قلنا ما روي عن جابر بن عبد الله قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يخطب فجلس، فقال له: "يا سُليك قم فاركع ركعتين، وتجوَّز، فيهما" ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما.
ثم إن كان الداخل قد صلى السُّنة يصلي ركعتين تحية المسجد، وإن لم يصلِّ في بيته السُّنة يصلي بنيَّة السُّنة، ويحصل به تحية المسجد.

وإن دخل الإمام في آخر الخطبة لا يصلي حتى لا تفوته أول الصلاة مع الإمام، وعلى القوم أن يقبلوا بوجوههم إلى الإمام، وينصتوا ويستمعوا الخطبة؛ لقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]. والأمر في الخطبة بالإنصات هو السكوت، والاستماع أن يشغل سمعه بسماع الخطبة، والإنصات فرض أم سُنَّة؟ فيه قولان.
قال في الجديد: سُنة فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- أمر سليكاً بالصلاة، ولو كان واجباً لأمره بالإنصات.
وقال في القديم: الإنصات فرض؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: إذا قلت لصاحبك: "أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
فإن قلنا: فرض، فإن كان بعيداً عن الإمام لا يسمع الخُطبة، هل يجب عليه الإنصات، أم له أن يشتغل بصلاة أو ذكر؟ فيه وجهان.
فلو دخل رجل والإمام يخطب، فسلم أو عطس رجل.

فإن قلنا: الإنصات واجب لا يجوز رد السلام باللسان، ولا تشميت العاطس.
ويستحب أن يرد السلام بالإشارة.
وإن قلنا: الإنصات سُنة يجوز رد السلام، وتشميت العاطس، وهل يجب رد السلام؟ فيه وجهان: أصحهما: يجب؛ لأنه فرض، والإنصات سُنَّة.
والثاني: لا يجب؛ لأن المسلم ضيَّع حظَّ نفسه، حيث سلم في غير موضعه، كما لو سلم على من يقضي حاجته.
وهل يستحب تشميت العاطس؟ فعلى هذين الوجهين.
ولو رأى رجلاً يقع في بئر أو عقرباً يذب عنه لم يحرم كلامه قولاً واحداً؛ لأن الإنذار يجب لحقّ الآدمي، والإنصات لحقِّ الله تعالى، ومبناه على المُساهلة.
ويجب على الإمام أن يخطب قائماً خطبتين، مستقبل الناس يجلس بينهما جلسة خفيفة قدر قراءة "قل: هو الله أحدٌ، والقيام فيهما فرض، إلا أن يعجز، فيخطب قاعداً، كما في الصلاة، والقعود بينهما فرض إذا خطب قائماً، وإذا خطب قاعداً لعجز لا يجب أن ينام بين الخطبتين، بل يسكت قليلاً، وإذا عجز عن القعود خطب مضطجعاً.
وعند أبي حنيفة يجوز أن يخطب قاعداً مع القدرة على القيام، وكان القاضي- رحمه الله- يقول: يجب أن ينوي الخُطبة وفرضيتها؛ لأنها فريضة كالصلاة.
ولو خطب مستقبل القِبلة تحسب قبلته، وهل يشترط الطهارة عن الحدث في الخطبة، وطهارة البدن والثوب والمكان عن النجاسة وسترُ العورة؟ فيه قولان: أصحهما: وهو قوله الجديد يشترط؛ لأنها بدل عن ركعتين كالصلاة.
وقال في القديم: لا يشترط، كما لا يشترط فيها استقبال القِبلة.
ولو خطب جُنُباً لا تحسب قولاً واحداً؛ لأن قراءة القرآن فيها شرط، ولا تحسب قراءة الجُنُب، وهل يحرم الكلام فيها؟ فيها وجهان: الأصح لا يحرم؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كلَّم سُليكاً الغطفاني.
وهل يشترط التتابع؟ فيه قولان.
في الجديد، وهو المذهب: يشترط حتى لو طال فيه الكلام، واشتغل بشيء آخر

يستأنف، ولا يستحب الدعاء للوالي على التخصيص في الخطبة.
سئل عطاءٌ عن ذلك فقال: إنه محدث، وإنما كانت الخطبة تذكيراً.
ويستحب للخطيب أن يأخذ بيده اليسرى عصاً أو سيفاً أو قوساً، يعتمد عليه، فإنه روي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا خطب يعتمد على عتيرة اعتماداً، فإن لم يأخذ شيئاً يسكن جسده ويديه، إما بأن يجعل اليمنى على اليسرى، أو يقرَّهما في موضعهما ليكون أقرب إلى الخشوع.
ويقوم على يمين المنبر ويرفع صوته بالخُطبة، ولا يلتفت يميناً وشمالاً، فإن خطب سرّاً لم تحسب كالأذان، ولابد من أن يسمع الخُطبة أربعون، فلو خطب بأربعين كلهم صمٌّ، أو بعضهم ذكر القاضي وجهين: أصحهما: لم يجز، كما لو لم يسمعوا لبعدهم عن الإمام.
والثاني: يجوز، كما لو سمعوا ولم يعرفوا معناها.
ويجب أن يخطب بالعربية، ويستحب أن يخطب مترسلاً مبيناً معرباً لا يأتي بكلمات مبتذلة لا تنجح في القلوب، ولا يستغرب، بحيث لا يفهم، ولا بما ينكره العوامّ لقصور فهمهم، ولا يمد الكلمات مداً يجاوز الحد ولا يعجل عن الأفهام، ويحترز عن التغني وتقطيع الكلام، ولا يطوّل فيملَّ الناس، بل تكون خطبته قصداً بليغاً جامعاً.
روي عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً.

وفرائض الخطبة خمسة: التحميد، وأقله أن يقول: الحمد لله، والصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم-، والوصية بتقوى الله، ولفظ الوصية غير شرط على الأصح، وقراءة آية من القرآن، والدعاء للمؤمنين.
وعند أبي حنيفة: إذا قال: سبحان الله، والحمد لله جاز، وهذا ضعيف من حيث إنه مأمور بالخُطبة، والخطبة اسم لكلمات من وجوه ضم بعضها إلى بعض، وما ذكر لا يسمى خُطبة، ولا قائله يسمى خطيباً، فثلاث من هذه الخمس شرط في الخُطبتين: التحميد، والصلاة، والوصية بتقوى الله.
أما الدعاء للمؤمنين فرض في الثانية، فلو دعا في الأولى تحسب.
وقراءة القرآن واجبة في إحداهما، ففي أيهما قرأ جاز، ويستحب أن يقرأ فيهما، وترتيبها أن يبتدئ بالتحميد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ومحل القراءة غير معين، ففي أي موضع قرأ جاز، بخلاف الصلاة، فإن أذكارها متعيَّنة، كذلك محلها.
وإذا حصل الخطيب يُلقَّنُ إن كانت الخُطبة معهودة يعرفونها، كما يفتح على الإمام القراءة، ولا يلقن ما دام يتردد، فإذا سكت لُقِّن، وإن لم تكن الخطبة معروفة لا يلقن.
وإذا قرأ في الخُطبة آية سجدة، نزل وسجد على الأرض، وسجد الناس معه، كذلك فعل النبي- صلى الله عليه وسلم-، ثم يصعد ويتم الخُطبة.
فإن كان المنبر عالياً يطول الفصل إذا نزل فلا ينزل، فإن كان في أعلى المنبر مكان السجود سجد عليه، وإلا ترك، فإن نزل وطال الفصلُ استأنف الخُطبة على قوله الجديد.
وفي القديم بنى، ويستحب أن يختم خطبته بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
وإذا أغمي على الخطيب هل يبني غيره على خطبته؟ فعلى قولي الاستخلاف في الصلاة: إن لم ينجوز يستأنف الخطبة، وإن جوزنا يشترط أن يكون الذي يبني ممن يسمع أول الخطبة.
فإذا فرغ من الخطبة أخذ في النُّزول، وأخذ المؤذن في الإقامة، ثم يتقدم فيصلي بهم

ركعتين، يقرأ في الأولى بأم القرآن، وسورة "الجمعة"، وفي الثانية بأم القرآن، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، ويجهر بالقراءة.
روي عن عبد الله بن أبي رافع قال: صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرأ بهما في الجمعة.
وروي عن النُّعمان بن بشير قال: كان رسول الله- يقرأ في العيدين، وفي الجمعة ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وإذا اجتمع العيد، والجمعة في يوم واحد، قرأ بهما في الصلاتين، ولو أدرك مسبوقٌ في الركوع من الركعة الثانية، فقد أدرك الجمعة، فإذا سلّم الإمام قام وصلى ركعة أخرى، وتمت جمعته؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة، وإن أدرك بعد ما اعتدل من الركوع الثاني يصليها أربعاً" هذا قول أكثر أهل العلم.

وقال أبو حنيفة: إن أدركه في التشهد يجوز أن يصليها جمعة، والحديث حُجة عليه، فإذا قام المسبوق بركعة لقضاء ما فاته، فخرج الوقت، فالمذهب أنه يتمها ظهراً، كما لو خرج الوقت قبل أن يسلِّم الإمام يجب على الإمام إكمال الظهر.
وقيل: يتمها المسبوق جمعة؛ لأن جمعته تنبني على جمعة كاملة، وهي جمعة الإمام، فلو صلى مع الإمام ركعة، وقضى ما فاته، ثم تذكر في التشهد أنه نسي سجدة من إحدى الركعتين نظر إن تركها من الثانية سجدها، وأعاد التشهد وسجد للسهو، ويسلم، وإن تركها من الأولى أو شك لم يدر من أيهما ترك، يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنه تركها من الأولى حصلت له ركعة من الظهر، فيتمها أربعاً؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة.
ولو صلى الإمام الجمعة ثلاث ركعات ساهياً، فأدركه مسبوق في الثالثة، فاقتدى به، وصلى معه تلك الركعة، وهو جاهل، يحصل له ركعة من الظهر؛ لأن تلك الركعة غير محسوبة للإمام.
ولو أدركه المسبوق في الثانية ظنها أولاه، فصلى معه الركعتين تمَّت جمعته، ويسلم مع الإمام، فحصلت له الركعة الأولى على متابعة الإمام، والثانية على حكم الانفراد.
وإن كان الإمام نسي سجدة من إحدى الأوليين فقد تمت جمعته إذا صلى ثلاثاً؛ لأنه إذا تركها من الأولى تمَّت الأولى بالثانية، وصارت الثالثة ثانية، وإن كانت من الثانية تمت الثانية بالثالثة أما في حق المسبوق لا يخلو إما إن ترك من الأولى، أو من الثانية، فإن ترك من الأولى، نظر إن أدرك المسبوق في الثانية، فاقتدى به وهو جاهل، فصلى الركعتين معه اختلفوا فيه.
قال الشيخ القفال: تمَّت جمعته، فيسلم مع الإمام، ويكون كالمسبوق يصلي مع الإمام ركعة منفرداً، غير أن ها هنا الركعة الأولى في حكم الانفراد، حتى لو كان أدرك الركوع من الركعة الثانية لا تحسب هذه الركعة، والثانية محسوبة له من الجمعة، فإذ سلم الإمام قام وصلى ركعة.
ومن أصحابنا من قال: إذا أدرك الثانية معه، وصلى الركعتين معه جاهلاً بأن كان الإمام ترك سجدة من الأولى لا يتم جمعته حتى يضيف إليها ركعة أخرى؛ لأن الثانية غير محسوبة للإمام، فلم يجز أن تقع جائزة للمأموم عن الجمعة فإدراك ركعة من الجمعة بعدها لا تصير جائزة من الجمعة؛ لأن انفراد المأموم بركعة إنما يصحُّ إذا كان قد أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، فتكون الثانية تبعاً للأولى، فهو كما لو صلى ركعة منفرداً، ثم وصل

صلاته بصلاة الإمام، وإن أدرك المسبوق في الثالثة إما في القيام، أو في الركوع كان مدركاً لركعة من الجمعة؛ لأن الثالثة محسوبة للإمام، وإذا سلم الإمام قام وصلى ركعة.
وإن كان الإمام ترك السجدة الثانية، فينظر في المسبوق إن أدركه في الثانية، وصلى الأخرتين معه، كما فعل الإمام حصلت له ركعة من الجمعة، وإذا سلم الإمام قام [وصلى]، وقضى ركعة، ولا يجعل مدركاً ركعة ملفقة؛ لأن أفعال الإمام في الثالثة لاغيةٌ إلا سجدة، وتجعل تلك السجدة كأنه سجدها في الثانية، والركعة الملفقة أن تكون أفعال الإمام كلها محسوبة، غير أن المأموم أتى ببعض الركعة معه في الأولى، وبالبعض في الثانية، وإن أدركه المسبوق في الثالثة، فاقتدى به جاهلاً حصلت له ركعة من الظهر؛ لأن أفعال الإمام في هذه الركعة غير محسوبة إلا سجدة.
أما إذا لم يدرِ الإمام أنه نسي السجدة من الأولى، أو من الثانية، فيأخذ في حق المسبوق بأسوأ الأحوال، وهو أنه ترك من الثانية حتى أنه إن أدرك في الثانية يحصل له الركعة من الجمعة، وإن أدرك في الثالثة فركعة من الظهر.
فصلٌ: [في خروج الوقت في الجمعة] إذا خرج الوقت في خلال صلاة الجمعة، يجب أن يتمَّها ظهراً.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته.
وعند مالك: إن صلى ركعة في الوقت أتمَّها جمعة كالمسبوق إذا صلى ركعة مع الإمام أتمها جمعة.
قلنا: لأن جمعة المسبوق تنبني على جمعة كاملة، وهي جمعة الإمام.
وإذا شك في خروج الوقت، نظر إن شك قبل الشروع في الصلاة، يجب أن يصليها ظهراً.
وإن شك في خلالها فقد قيل: يتمها جمعة؛ لأن الأصل بقاء الوقت، وصحة الفرض.
وقيل: يتمها ظهراً، كما لو شك قبل الشروع في الصلاة يصليها ظهراً، ولو وقع له هذا الشك

بعد الفراغ من الصلاة، فلا إعادة عليه؛ لأن الأصل بقاء الوقت ومضى الصلاة على الصحة، وإن ضاق الوقت ورأى أنه خطب خُطبتين خفيفتين يصلي ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة، وإن رأى أنه لا يمكن ذلك صلى الظهر.
والله أعلم.
فصل: [فيمن تصح خلفه الجمعة] تصح الجمعة خلف المسافر والعبد، إذا كان القوم أربعون من أهل الكمال، ولو صلى خلف صبي أو متنفل فيه قولان: أحدهما: يجوز كسائر الصلوات.
والثاني: لا يجوز، بخلاف سائر الصلوات، فإن آداها منفرداً يجوز، ولو صلى خلف من يصلي صبحاً أو عصراً، هل يجوز قيل: فيه قولان، كما لو صلى خلف متنفل.
وقيل: يجوز؛ لأن الإمام يصلي الفرض.
ولو صلى خلف مسافر يصلي الظهر مقصوراً إن قلنا: الجمعة ظهرٌ مقصور جاز.
وإن قلنا: فرض آخر، فهو كما لو صلى خلف من يصلي الصبح.
ولو صلى خلف رجل فبان الإمام محدثاً أو جنباً لم تصح جمعة القوم، بخلاف سائل الصلوات، لأن أداءها منفرداً يجوز، وأداء الجمعة منفرداً لا يجوز، وإذا كان الإمام محدثاً، فصلاة القوم في حكم الانفراد.
وذكر صاحب "التلخيص" قولاً أنه يصح جمعة القوم، كسائر الصلوات، وليس بصحيح والسلطان ليس بشرط لانعقاد الجمعة، لأن علياً- رضي الله عنه- صلى الجمعة، وعثمان- رضي الله عنه- محصور.
وعند أبي حنيفة: لا تصح الجمعة إلا خلف سلطان، أو مأذون من جهته.
فصلٌ: [في إقامة جمعة واحد أو أكثر في بلد] لا يجوز إقامة الجمعة في بلد واحد، وإن عظم وكثر أهله، إلا في موضع واحد، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- والخلفاء من بعده لم يجمعوا إلا في موضع واحد.
وجوز أبو يوسف في موضعين، ولم يجوز في ثلاث، ولو جاز في موضعين لجاز في مساجد العشائر، كسائر الصلوات.
واختلفوا في "بغداد" فقال ابن سريج، وإسحاق؛ إذا كان البلد كبيراً لا يضبطهم

المكان الواحد، جاز إقامتها في موضعين فأكثر على حسب الحاجة، وعلى هذا أمر "بغداد"؛ لأنا لو لم نجوِّز لزم إذا كان البلد كبيراً بعيد الأطراف، لا يمكن قطعها في يوم أن يكلفوا الخروج للجمعة يوم الخميس، ويطول الزَّمان بانتظار إلى أن ينتهي التكبير إلى آخرهم.
ومن لم يجوز حمل أهل "بغداد" على أنها كانت قرىً متفرقة فاتصلت أبنيتها، وفي مثل هذا يجوز.
وكذلك جاز لمن خرج من "الكرخ" مسافراً، وبلغ مدينة "منصور" أن يقصر الصلاة؛ لأنها بلد آخر.
وإذا أقيمت جمعتان في بلد، ففيه خمس مسائل: إحداها: إذا سبقت إحدى الجمعتين، وعرف السابق فهي صحيحة، وعلى الآخرين إعادة الظهر والسبق يقع بتحريمة الصلاة على الصحيح من المذهب، فمن سبق بها فجمعتهم صحيحة، وإن سبقت الأخرى بالخُطبة، أو بالتسليم.
وقيل: الاعتبار بسبق الخطبة.
الثانية: إذا وقعتا معاً فهما باطلتان، ويعيدون جميعاً الجمعة.
الثالثة: إذا احتمل وقوعهما معاً، واحتمل السبق، فهكذا يعيدون الجمعة.
الرابعة: إذا سبقت إحداهما، وعلمت السابقة، ثم اشتبهت، فعلى الطائفتين جميعاً إعادة الظهر، ولا يجوز إعادة الجمعة لعلمنا بصحة الجمعة التي سبقت.
الخامسة: إذا سبقت إحداهما يقيناً، ولم يعلم السابقة، نص الشافعي- رضي الله عنه- على أنهم يعيدون الجمعة؛ لأنه إذا لم تعلم السابقة كان كما لو احتمل وقوعهما معاً، واحتمل السبق.
وقال الربيع: فيه قول آخر، وهو القياس- أنهم جميعاً يعيدون الظهر، لأنا تيقنَّا

صحة إحدى الجمعتين، فلا معنى لإعادة جمعة أخرى، هذا إذا لم يكن في واحدة سلطان، أو كان مع كل واحدة مأمور من جهة السلطان، فإن كان في إحداهما سلطان دون الأخرى، وسبقت الأخرى، ففيه قولان: أحدهما: السابقة هي الجمعة؛ لأن السلطان وإن لم يكن شرطاً لصحتها، فليس لأحد أن يتقدم عليه.
ولو أن طائفة شرعت في صلاة الجمعة فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم قال الشافعي: أحببت أن يستأنفوا ظهراً، ولو أتموها ظهراً لم يبن لي أن عليهم الإعادة، مثل القول في جواز إكمال الظهر مع شروعهم فيها بنيَّة الجمعة، فخرَّجوا من هذا قولين أن الجمعة ظهر مقصور، أو فرض آخر.
إن قلنا: ظهر مقصور أتمُّوها ظهراً.
وإن قلنا: فرض آخر يستأنفون.
ونص في أن الوقت إذا خرج في خلال الجمعة أتمها ظهراً.
وخرج قول آخر أن الجمعة تبطل بخروج الوقت، وهل تبقى نفلاً؟ فيه قولان.
ولو أن الإمام لم يمكنه إقامة الجمعة لخوف يصلي الظهر بالناس، ثم زال الخوف، والوقت باقٍ لا يجب عليهم الجمعة، كالمسافر إذا صلى الظهر، ثم صار مقيماً، والإمام لم يصل الجمعة لا تجب عليه الجمعة.
ولو صلى الظهر بطائفة في الخوف فزال الخوف، والوقت باقٍ، نص على أنه إن بقي أربعون لم يصلوا الظهر، أمر من يخطب ويصلي بهم الجمعة، وأكره أن يفعل هو بنفسه فإن فعل جاز وفيه دليل على جواز الجمعة خلف المتنفل؛ لأن صلاة الإمام نافلة، وفيه قول آخر لا يجوز إمامته، والله أعلم.

باب التبكير إلى الجمعة والهيئة لها روي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنةً ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة".
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر.
قوله: غُسل الجنابة، أي: غسل كغسل الجنابة، واختلفوا في هذه الساعات.
قيل: هي ساعاتٌ لطيفة بعد الزوال؛ لأن الرواح اسم للخروج بعد الزوال.
وقيل: أراد ساعات النهار من وقت طلوع الفجر، وذلك بلفظ الرَّواح؛ لأنه خروج لأمر يكون بعد الزوال، وهذا القائل يقول: ساعات الليل والنهار لا تنتقص عدداً صيفاً ولا شتاءً عن اثني عشر، لكنها تطول وتقصر.
وقيل: تنتقص، فيعود في الشتاء ساعات النهار إلى تسعٍ، وليس المراد من الحديث حقيقة الساعات، بل المراد منه بيان فضل السابق على من جاء بعده.
التبكير إلى صلاة الجمعة سنَّة مستحبة، والسُّنة أن يغتسل ويتنظف ويأخذ الشعر والظفر والسِّواك، وما يقطع تغير الرائحة من جميع جسده حتى لا يتأذى به جاره، ويتطيب ويلبس أحسن ما يجد من الثياب، وأفضل الثياب البيض.

وإن لبس مصبوغاً فيلبس ما صبغ غزله ثم نسج، ولا يلبس المصبوغ للزينة، فإنه لباس النساء.
ويستحب للإمام من حُسن الهيئة أكثر مما للناس؛ لأنه منظور القوم، ويستحب أن يعتمَّ ويرتدي، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعتمُّ ويرتدي ببردٍ.
ويستحب أن يأتيها ماشياً، وكذلك إلى العيد، والجنازة، وعيادة المريض، فإنه روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه ما ركب في عيد ولا جنازة، ولم يذكر الجمعة؛ لأن باب حجرته كان في المسجد، ولأنه إذا مشى تكتب خطواته، فيكثر ثوابه، ولا يسعى لقوله عليه السلام: "إذا أقيمت الصلاة فأتوها تمشون، ولا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون وعليكم السَّكينة".
وإن كان به عذرٌ لا بأس أن يركب وتسير دابته على هيئته، ولا يشبِّك بين أصابعه، ولا يفرقع في الطريق، ولا في المسجد، كما لا يفعل في الصلاة؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة".
وإذا حضر المسجد لا يتخطى رقاب الناس لما روينا في الحديث.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: فإن لم يكن للإمام طريق لم يكره له أن يتخطَّى رقاب الناس، وإن دخل وليس له موضعٌ وبين يديه فرجةٌ لا يصل إليها إلا بأن يتخطى الرقاب لم يكره أن يتخطى ليصل إلى الفرجة، ولا يجوز أن يقيم رجلاً من مجلسه ليجلس فيه.
روي عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: لا يقمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه لكن يقول: أفسحوا.
وإن فرش الرجل ثوباً، فجاء آخر لم يجلس عليه، فإن نحَّاه وجلس مكانه جاز، وإذا قام من موضعه لحاجةٍ، فجلس آخر مكانه، ثم عاد الأول، فالمستحبُّ أن يرد مكانه إليه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع فهو أحق به".

قال الشافعي: وأحب إذا نعس ووجد مجلساً لا يتخطى فيه غيره أن يتحوَّل؛ لما روي عن ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا نعِس أحدكم، فليتحول من مجلسه ذلك".
ويستحب أن يختار الدُّنُوَّ من الإمام؛ لماروي عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "م غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغُ، كان له بكُلِّ خطوةٌ عملُ سنةٍ، أجرُ صيامها وقيامها".

وإذا حضر قبل الخُطبة يشتغل بذكر الله- عز وجل- ويكثر الصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم- لما روي عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ فيه" ويستحب أن يكثر فيه من الدعاء؛ لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء.
روي عن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلمٌ يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه".
قال: وهي ساعة خفيفة.
وقال أبو موسى: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة".

وروي عن أنس عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "التمسوا الساعة التي يُرجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس".
وروي عن جابر عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "التمسوا الساعة التي تُرجى في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر" والله أعلم.
بابُ صلاة الخوفِ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ...﴾ [النساء: 102] كان المسلمون إذا حل بهم خوف يؤخرون الصلاة عن وقتها، ثم يقضونها كما فعلوا يوم "الخندق" إلى أن نزل صلاة الخوف، ولها حالتان: إحداهما: أن يكون العدو قارين في معسكرهم.
الحالة الثانية: أن يكون في حال التحام القتال.
أما الحالة الأولى، فلا يخلو إما أن يكون العدو في غير ناحية القِبلة، أو كانوا في ناحية القِبلة يراهم المسلمون إذا حملوا، فإن كانوا قارين في معسكرهم في غير ناحية القِبلة، أو كانوا في ناحية القِبلة، ولكن بينهم وبين المسلمين حجابٌ لا يرونهم، فالإمام يجعل القوم طائفتين، فتقف طائفة وجاه العدو، وتحرسهم، ويتنحَّى الإمام بطائفة عن العدو إلى حيث لا يبلغهم سهام العدو، فيشرع معهم في الصلاة مستقبل القِبلة، فإذا صلى بهم ركعة، وقام إلى الثانية منتصباً خرجت تلك الطائفة عن متابعته.
ولو خرجت بعد ما رفع رأسه من السجود الثاني جاز، والأول أولى، فإذا خرجت عن متابعته صلت الركعة الثانية، وسلَّمت، ثم ذهبت إلى وجاه العدو، وأتت الطائفة الثانية،

جارٍ التحميل