التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 457-474

ثم لم يقع اليأس عن زوال العنة.
ولو سلت خصيتاه بعد الدخول، وقلنا: ثبت الخيار بسبب كونه خصياً - ففيه وجهان؛ كما لو جُبَّ ذكره بعد الدخول.
ولو جبتِ المرأة ذر الزوج فهل لها الفسخ؟ ففيه وجهان: أحدهما: لا، كالمشتري إذا عيب المبيع قبل القبض - لا خيار له.
والثاني- وهو الأصح: لها ذلك كالمستأجر إذا هدم الدار المستأجرة - يثبت له فسخ الإجارة.
فأما إذا حدث العيب بالمرأة بعد العقد من جنون، أو جُذام، أو برصٍ، أو رتقٍ محل الجماع، سواء كان قبل الدخول أو بعده - فهل للزوج فسخ النكاح؟ فيه قولان: قال في الجديد - وهو الأصح-: له حق الفسخ؛ كما يثبتُ لها إذا حدث العيبُ به؛ كما في العيب الموجود يوم العقد يثبت لكل واحدٍ منهما الخيار.
وقال في القديم: لا فسخ له؛ لأنه لا تدليس منها، والطلاق بيده يمكنه تخليص نفسه منها، فحيث أثبتنا الخيار لحدوث العيب بأحدهما بعد العقد، ففسخ قبل الدخول - لا مهر لها، وإن فسخ بعد الدخول يجب المهر.
وأي مهر يلزم؟ نظر إن حدث العيب بعد الدخول، فلها المسمى؛ لأن المانع من قرار النكاح وُجِدَ بعد استقرار المسمى.
وإن حدث قبل الدخول، فدخل بها قبل العلم- فهو كما لو كان موجوداً يوم العقدِ؛ فلها مهرُ المثل على الصحيح من المذهب.
وقيل: هو كما لو حدث بعد الدخول، فلها المسمى، والأول أصح.
ولا سُكنى لها، ولا نفقة إن كانت حائلاً.
وإن كانت حاملاً فقولان؛ كما لو كان العيب موجوداً يوم العقد.
وإذا حدث العيب بها فغرم الزوج المهر - لا يرجع على أحدٍ؛ لأنه لم يكن في العقد غرورٌ، فإذا أرتق منها محل الجماع بعارضٍ يزول عن قريبٍ بغير علاجٍ [أو بعلاج] يسير - لا خيار له.

فإذا وجدت المرأة زوجها مجنوناً فرضيت به- لأوليائها الفسخ، لأنهم يتعيرون به.
وإن وُجد مجبوباً أو عنيناً فرضيت به فلا فسخ لأوليائها؛ لأن فقد الاستمتاع ضررٌ يعودُ إليها، لا عار على أوليائها منه.
وإن وجدته مجذوماً، أو أبرصن ورضيت - هل لأوليائها الفسخ؟ فيه وجهان: وكذلك في الابتداء لو أراد الولي تزويج وليته من مجنون، أو أبرص، أو مجبوبٍ، أو عنينٍ - لها الامتناعُ.
ولو أرادت هي التزويج [من مجنونٍ]، فلوليها المنعُ.
وإن رغبت في مجبوبٍ، أو عنينٍ، فليس لوليها المنعُ.
وإن رغبت في مجذوم أو أبرص - فهل لوليها المنعُ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الضرر يختص بها، وهو العيافة.
والثاني: له ذل؛ لأنه قد يعدو إليها وإلى النسل، فيلحق العار النسب.
أما إذا حدث شيء من هذه العيوب الخمس بعد العقد، فرضيت به المرأة - فلا فسخ لأولائها؛ لأن حقهم في الكفاءة حالة العقد لاحق لهم في الدوام؛ كما [لو] رغبت المرأة في عبدٍ، لأوليائها المنعُ.
ولو عتقت أمةٌ تحت عبدٍ، فرضيت - لا فسخ لأوليائها.
قال [الشافعي - رضي الله عنه-] في "الأم": لو نكح امرأة، فأصاب بها عيباً، وري به -يسقط خياره، فإن حدث بها عيب آخر كان له الخيار، وإن ازداد الأول وعظم، لا خيار له؛ لأنه عيبٌ واحدٌ فرضاه به رضاً بما يحدث منه.
باب الأمة تغرُّ إذا تزوج رجلٌ امرأةً بشرط أنها حرة، فبانت أمةً، وإنما يتصور هذا إذا كان المزوج غير السيد؛ لأن السيد إذا زوج بهذا الشرط تعتق الأمة.
فإذا زوجها وكيل السيد بهذا الشرط - نظر إن كان الزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة بأن ان حراً موسراً، ولا يخاف العنت على نفسه - لا يصح النكاح.

وإن كان ممن تحل له الأمة، ففي صحة النكاح قولان؛ كما ذكرنا قبل هذا.
وإن قلنا: لا يصح النكاح؛ فإن كان قبل الدخول لا شيء للمرأة؛ لا نصف المهر ولا متعة، وإن كان بعد الدخول فلها مهر المثل، وعليها العدة.
وإن قلنا: يصح النكاح، فإن كان الزوج حراً، فله الخيار بين فسخ النكاح وإجازته، وإن كان عبداً فهل له الخيار؟ فيه قولان: فإن قلنا: له الخيار، فإن فسخ العقد، نظر إن كان قبل الدخول لا شيء لها لا نصف مهر ولا متعة، وإن كان بعد الدخول فلها مهر المثل على الصحيح من المذهب.
وفيه قول آخر: أن لها المسمى، وعليها العدة.
وإن أجاز العقد، فلها المسمى.
وإن كان الزوج عبداً فالمهر بماذا يتعلق؟ إن قلنا: العقد باطلٌ أو صحيحٌ، وفسخ -فيه [ثلاثة أقوال]: أحدهما: بكسبه.
[والثاني: برقبته.
والثالث: بذمته.
وإن أجاز العقد، فالمسمى يتعلق] بكسبه.
ومهما غرمُ الزوجُ المهر، هل يرجع به على الغار؟ - نظر إن أجاز العقد، فلا فسخ.
وإن قلنا: النكاح باطلٌ، ففيه قولان: أصحهما: لا يرجعُ به على الغار- كما ذكرنا في فصل الغرور من قبل - والأولاد الذين حصلوا قبل العلم أحرارٌ، سواءٌ فسخ العقد أو أجاز، وسواء كان الزوج حراً أو عبداً.
ويجب على الزوج قيمتهم؛ لأن امتناع الرق فيهم لاعتقاده حرية الأم، فيستوي فيه الحر والعبدُ، وتعتبر قيمتهم بيوم السقوط؛ لأنه أول حالة يمكن فيها تقويمهم.
وعند أبي حنيفة: تعتبر قيمتهم بيوم المرافعة إلى الحاكم، حتى لو ماتوا قبله [لا يرجع بشيء عليه]، ويرجع الزوج بقيمة الأولاد بعدما غرمها للسيد على الغار.
ثم إن كان الغرور من جهة وكيل السيد - يرجع عليه بعد ما غرم في الحال، وإن كان الغرور من جهة المرأة، فيغرم الزوج للسيد في الحال، ويرجع على الأمة بعد العتق.

وإن كان الزوج المغرور عبداً تتعلق قيمةُ الأولاد بذمته، فإذا عتق وغرم، ويرجعُ على الغار.
وعند أبي حنيفة: إذا كان الزوج المغرور عبداً فالأولاد أرقاء؛ لأن الأبوين رقيقان.
قلنا: وإن كانا رقيقين، ولكن الاعتبار في رق الولدين [للأم].
ثم لو كان الأب [حراً] كان الولد في الغرور حراً مع كون الأم رقيقةً، كذلك إذا كان عبداً فنقول: من تلد له الحرة حراً تلد الأمة عند الغرور حراً كالحر، وإنما قيمة الأولاد تتعلق بكسب العبد؛ لأن النكاح لا ينفك عن الغرور، فلم يرض به السيد، بخلاف المهر يتعلق بكسبه؛ لأن النكاح لا يخلو عن المهر، فقد رضي اليد بتعلقه بكسبه حين ري بالنكاح، والأولاد الذين يحصلون بعد العلم أرقاء لمالك الأمة.
وحيث أوجبنا قيمة الأولاد إنما تجب قيمة من خرج منهم حياً وإن مات في الحال.
فأما من خرج منهم ميتاً، فلا تجب قيمته، فلو ضرب ضاربٌ بطنها، فألقت جنيناً ميتاً - يجب على الضارب الغرة، ويجب على المستولد الغُرم لمالك الأمة؛ لأنه لما يقوم الجنين له على الضارب -: يقوم للمالك عليه؛ العبد الجاني إذا مات لا شيء على المولى.
وإن قيل: يتعلق حق المجني عليه بقيمته، ثم إن كانت قيمة الغرة وعشرُ قيمة الأم سواءٌ - فالغرة للأبِ المستولد، وعليه عُشرُ قيمة الأم للسيد.
فإن تفاوتا - ذكر العراقيون - أن على المستولد عُشر قيمة الأم، وإن زاد على الغُرة، ويكون للسيد، وليس على الضارب إلا الغرة.
وإن كانت الغرة أكثر من عشر قيمة الأم - فالفضل موروث من الجنين.
قال الشيخ: على هذا يغرم المستولد [للسيد] قبل أخذ الغرة، وهذا بخلاف عبد الجاني، إذا قيل: يغرمُ السيد للمجني عليه الأقل؛ لأن هناك لا جناية من المولى، وهاهنا المستولد جانٍ يمنع الرق، نظيره لو منع المولى العبد الجاني غرم الأرش بالغاً ما بلغ.
ومن أصحابنا من قال: على المستولد أقل الأمرين من قيمة الغرة، أو عشر قيمة الأم من الغرة؛ كالعبد الجاني إذا قيل: يغرم السيد للمجني عليه أقل الأمرين من قيمته، أو أرش جنايته.
فن كانت الغرة أكثر من عشر قيمة الأم - فالفضل موروث [لوارث] الجنين ولا

وارث له مع الأب إلا الجدة، فإن كانت له جدةٌ، فلها سدس ذلك الفضل، والباقي للأب، ولا يجب على المستولد شيء ما لم تصل إليه الغرة، وكذا العبد الجاني لا يغرم شيئاً ما لم تصل إليه قيمة العبد.
وإن كان الضارب هو المستولد تؤخذ الغرة من عاقلته، وقدر عشر قيمة الأم منها لمال الأمة، والفضل موروثٌ لغير الأب؛ لأنه قاتلٌ.
وإن كانت له جدةٌ، فلها سدس الفضل، والباقي لعصبته إن كان للجنين عصبةٌ، وإلا فلبيت المال.
وإن كان الضارب عبد المستولد، فالغرة تتعلق برقبته يؤدي منها عُشر قيمة الأم إلى مالك الأمة، ويقدر ما يرثه المستولد يسقط.
وإن كان الضارب هو المستولد، ولكنه عبد - فالغرة في رقبته للوارث فيؤدي منها عُشر قيمة الأم.
وإذا تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت مكاتبة، وقلنا: يصح النكاح - فله الخيار، فإن أجاز فعليه المسمى، ولا يرجع به على أحدٍ.
وإن فسخ [وكان] بعد الدخول، وغرم المهر - هل يرجع على الغار؟ فيه قولان: إن قلنا: يرجع، فإن كان الغرور من جهة الوكيل، غرم الزوج لها المهر، فيرجع بجميعه على الوكيل.
وإن كان الغرور من جهتها، فلا مهر لها، وهل يجب قدر ما يستباح به البضع؟ - فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه غارةٌ: والثاني: يجب، حتى لا يضاهي نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم-.
والأولاد الذين حصلوا قبل العلم أحرار، على الزوج قيمتهم.
وتلك القيمة لمن تكون؟ هذا ينبني على أن ولد المكاتبة هل يكون قناً للسيد، أم يكاتب عليها؟ فيه قولان: فإن قلنا: يكاتب عليها، فلو قتل ذلك الولد، فالقيمة لمن تكون؟ فيه قولان:

أحدهما: للسيد.
والثاني: تكون للمكاتبة تستعين بها في أداء النجوم.
فإن قلنا: الولد قِنٌّ للسيد، أو قلنا: إذا قتل، فالقيمة له، فهاهنا تكون القيمة للمولى، ثم هو بعدما غرم يرجع على الغار، فإن كان الغارُّ هو الوكيل، رجع عليه، وإن كانت هي الغارة أخذ من كسبها، فإن عجزت فحتى تعتق.
وإن قلنا: القيمة لها، فإن كانت هي الغارة، فلا يغرم لها شيئاً، وإن كان الغار غيرها، فيغرم لها القيمة، ويرجع على الغارة.
ونقل المزني أنها كالجانية أراد في حال بقاء الكتابة يتعلق كل واحد بكسبه.
أما بعد العجز فيختلفان، فإن دين الجناية يتعلق برقبته، وهاهنا إن كان الغرور من جهتها، وجعلنا القيمة للمولى، فيرجع عليها بعد العتق.
باب الأمة تعتق وزوجها عبدٌ رُوي عن عائشة - رضي الله عنها-[أنا أعتقت بريرة] فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة، وابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهم-: كان زوج بريرة عبداً.
إذا أعتقت أمةٌ تحت زوج عبد، فلها الخيار في فسخ النكاح، وإن عتقت وزوجها حُرٌّ لا خيار لها؛ لاجتماعهما في الكمال؛ كما لو أسلمت كتابية تحت مسلمٍ - لا خيار لها.
وعند أبي حنيفة: يثبت لها الخيار؛ كما لو كان الزوج عبداً.
قلنا: إذا كان الزوج عبداً يلحقها أنواعٌ من الضرر من أن السيد يمنعه عنها، ولا نفقة عليه لولدها، ولا ولاية له على ولدها، ولا ميراث لها منه، وقبل العتق لا خيار لها مع وجود هذه المعاني؛ لأنها في مثل حاله.
ثم خيار العتق يكون على الفور بعد ما علمت بالعتق على الصحيح من المذهب؛ لأنه خيار نقيضه؛ كخيار الرد بالعيب في البيع.
وإن علمت ولم تفسخ مع الإمكان - بطل خيارها.
وفيه قولان آخران:

أحدهما: لها الخيارُ إلى ثلاثة أيام؛ لأنها ألفته فحتى تتفكر في أمرها، والثلاث نهاية القلة، فحددنا بها المدة.
والثاني: لها الخيار ما لم يوجد منها صريح الرضا، أو يصيبها زوجها طائعة، وهو قول حفصة.
وعند أبي حنيفة: لها الخيار ما دامت في المجلس كالمخيرة.
ولو أصابها الزوج بعد العتق، وهي جاهلة بالعتق - لا يبطل خيارها.
ولو ادعى الزوج علمها، وأنكرت - فالقول قولها مع يمنِها، فإن قالت: علمتُ العتق، ولم أعلم أن الخيار ثابتٌ لي - ففيه قولان: أحدهما: يبطل خيارها كالمشتري إذا علم بالعيب، ولم يرده، وقال: لم أعلم أن الرد ثابتٌ لي.
والثاني - وهو الأصح: يقبل قولها، ولا يبطل خيارها؛ لأنه مما يخفى على العوام، بخف الرد بالعيب، وحق الشفعة؛ لأنه مما يعرفه العوام الذين نشؤوا فيما بين المسلمين، ويجوز لها الفسخ بنفسها من غير حاكم؛ لأنه ثبت بالنص؛ كالأخذ بالشفعة.
وإذا فسخت العقد قبل الدخول لا مهر لها، ولم يكن لسيدها منعها من الفسخ، وإن كان يسقط به الصداق الذي هو حقه؛ لأنه فسخ ثبت لضررٍ يعود إليها.
وإن فسخ بعد الدخول يكون المهر لسيدها.
وأي مهر يجب؟ نظر إن وُجِدَ الدخول قبل العتق، يجب المسمى.
وإن وُجد بعد العتق - وهي جاهلة بالعتقِ - يجب مهر المثل على ظاهر المذهب - كما ذكرنا في حدوث العيب - إذا وُجد الدخول بعده على غير علم، ثم فسخ العقد - يجب مهر المثل على الصحيح من المذهب؛ لأن الفسخ يستند إلى سببه، وسببه وُجد قبل الدخول، فكان كالعيب الموجود يوم عقد النكاح.
أما إذا أقامت معه، يجب المسمى، سواء كان الدخول قبل العتق، أو بعده، ويكون للسيد، وإن كان العتق قبل الدخول؛ لأنه وجب بالعقد.
ولو طلقها الزوج رجعياً، فعتقت في العدة - فلها تأخير الفسخ إلى أن يُراجعها، حتى لو اختارت المقام معه في هذه الحالة - لا يبطل خيارها؛ لأنها جارية [إلى بينونة] فإذا راجعها الزوج لها الفسخ.

ولو أرادت الفسخ قبل المراجعة - لها ذلك؛ لأنها إذا أخرت حتى راجعها، ثم فسخت - تطول العدة عليها.
ولو عتقت الأمة، وطلقها الزوج قبل اختيار الفسخ - يقع الطلاق.
وفيه قولٌ آخر: أن الطلاق موقوفٌ، فإن فسخت بان أنه لم يقع، وإن أجازت وقع؛ لأن في إيقاع الطلاق إبطال حقها من الفسخ؛ كما لو طلق في حال الردة يكون موقوفاً، والأول أصح؛ لأن الفسخ بسبب العتق لا يستند على ما قبله حتى يمنع وقوع الطلاق، وارتفاع النكاح بسبب الردة يستند إلى الردة.
فإذا لم يعد إلى الإسلام بان أن الطلاق لم يصادف النكاح، ولم يقع؛ فلذلك جعلناه موقوفاً.
ولو عتقت صبية أو مجنونة تحت عبدٍ، فلها الخيار بعد البلوغ والإفاقة، ولا يقوم الولي مقامها في الفسخ؛ لأنه خيار تشهٍ كخيار العنة، وهي قبل البلوغ والإفاقة في حُكم الزوجات في جميع الأحكام.
ولو عتق بعضُ الأمة لا يثبت لها الخيار ما لم تعتق كلها؛ لأنه لم يثبت لها حكم الكمال؛ بدليل أنها لا ترث ولا تشهد.
ولو كُوتبت لا خيار لها؛ كما لو دُبرت.
ولو عتقت - وزوجُها مكاتب أو بعضه حر وبعضه رقيقٌ - لها الخيار.
ولو عتق الزوجان معاً لا خيار لها، ولو عتقت قبله ولم تعلم بالعتق حتى عتق الزوج، فهل لها الخيار؟ فيه قولان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه كان رقيقاً حالة عتقها.
والثاني - وهو الأظهرُ: لا خيار لها كالمشتري، إذا لم يعلم بالعيب حتى زال العيب، لا فسخ له.
ولو عتق عبد وتحته أمةٌ، لا خيار له؛ لأن الطلاق بيده، ولأنه لا ضرر عليه إلا من حيث إنه ليس تحته فراش كامل، ويمكنه استحداثه.
وفيه وجهٌ آخر: أنه له الخيارُ؛ كما يثبت لها إذا عتقت.
فرع: إذا زوج أمته من عبد رجلٍ، وقبض الصداق واستهلكهن ثم أعتقها في مرض موته، أو أوصى بعتقها، فمات وهي ثلث ماله، أو لم يستهلك الصداق، غير أنه إذا ضُمَّ إلى سائر ماله كانت الأمة ثلث الكل، وكان قبل الدخول بها- فلا خيار لها؛ لأنها لو فسخت النكاح وجب ردُّ المهر من تركة السيدِ، وإذا رد المهر لا يخرج كلها من الثلث، وعتق

البعض لا يثبت الخيار، فإثبات الخيار يجر إلى سقوطه، فإن خرج الثلث دون الصداق، أو كان بعد الدخول - فلها الخيار.
نظيره في المسألة الأولى: رجل أوصى بعتق عبدين هما ثلث ماله، فمات، وعتق العبدان، ثم شهد العبدان على الميت بدين - لا يقبل؛ لأنا لو قبلنا- لم يخرج العتق من الثلث، فإذا بقي فيهما شيءٌ من الرق - امتنع قبول شهادتهما.
ولو أعتق الوارث الأمة بعد موت السيد قبل الدخول، فإن كان الوارث معسراً - لا خيار لها؛ لأنها إذا فسخت النكاح، يجب رد المهر من تركة الميت.
وإذا كان على الميت دينٌ لا ينفذ إعتاق الوارث المعسر، فإن كان الوارث موسراً، يجب رد المهر من تركة الميت، وإذا كان على الميت دينٌ لا ينفذ إعتاق الوارث المعسر، فإن كان الوارث موسراً - فلها الخيار.
وإذا فسخت النكاح، فالوارث يغرم لسيد الزوج الأقل من الصداق، أو قيمة الأمة.
وإن كان على الميت دينٌ، فعلى المعتق قيمةُ الجارية.
وإذا فسخت النكاح، فسيد الزوج يضارب الغرماء بحقه [من] قيمتها.
باب أجل العنين رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أجل العنين سنةً.
وإذا وجدت المرأة [الزوج] عنيناً - وهو الذي لا يقدر على الجماع - ترفعه إلى الحاكم، وتدعي عليه العنة.
ولا تثبت [عليه العُنة] إلا بإقرار من جهته، أو ببينةٍ تقوم على إقراره؛ لأنها ليست مما يمكن الوقوف عليها من غيره.
فإن أنكر العُنة، وقال: تركت جِماعها؛ لأنِّي لا أشتهي-، حلف على ذلك، فإن نكل، حلفت، وثبتت العُنة.
وقال أبو إسحاق: لا تخلف المرأة؛ لأنها لا تقف عليها، فإنه يمتنع من جِماعها

للعجز [وغيره].
والأول أصح؛ لأنها تعرفُ ذلك بالممارسة، خصوصاً إذا طال مقامه معها؛ كما في كنايات الطلاق - إذا ادعت نيته، فأنكر، ونكل عن اليمين - لها أن تحلف على إرادته الطلاق.
فإذا ثبت عجزه إما بإقراره، أو بيمينها بعد نكوله، ضرب الحاكم له مدة سنةٍ يطلبها؛ لأنه قد يكون لعارضٍ من حرارةٍ، أو برودةٍ، أو رطوبةٍ، أو يبوسةٍ.
فإن كان من الحرارة تزول في الشتاءِ، أو من البرودة، تزول في الصيف، أو من الرطوبة تزول في الخريف، أو من اليبوسة تزول في الربيع.
فإذا مضت السنة - ولم تزل - ظهر أنه عجز خلقةٍ، يثبت لها حق الخروج عن النكاح.
وابتداءُ المدة من وقت قضاء القاضي بالأجل، لا من حين العجز والإقرار؛ لأنه مجتهدٌ فيهن بخلاف مدة الإيلاء تكون من وقت اليمين؛ لأنها منصوص عليها؛ [كحجر] السفيه والمفلس يكون من وقت قضاء القاضي، [وحجر] الصبي والمجنون لا يحتاج إلى قضاء القاضي.
ثم بعد مضي المدة لا فسخ لها، حتى يحكم الحاكم بالعنة.
ثم المرأة تفسخ النكاح من دون الحاكم على أحد الوجهين.
والثاني: الحاكم يفسخ بعد طلبها؛ لأنه مجتهدٌ فيه، فيكون إلى الحاكم.
وفرقةُ العنة فرقة فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق.
وعند أبي حنيفة: يفرق القاضي بينهما بطلقةٍ.
ويستوي في مدة العُنة الحر والعبد لأنه لمعنى يرجع إلى الجبلة؛ كمدة الإيلاء والرضاع.
وعند مالك: يُضرب للعبد نصف سنةٍ.
وإذا جامعها الزوج قبل ضرب المدة، أو في خلالها، أو بعدها في قُبلِها -، خرج عن العُنة.
وأقل ما يزول به حكم العنة - إن كانت بكراً - أن يقتضيها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيباً أن يغيب الحشفة.

وإن كان مقطوع بعض الذكر، فإن كان الباقي [أقل] من الحشفة-، فلها حق الفسخ على الفور، بسبب الجَبِّ.
وإن كان الباقي قدر الحشفة، أو أكثر، - فلا خيار لها بسبب الجَبَّ.
فإن عجز عن الإيلاج تُضرب مدة العنة، وإذا غيب من الباقي قدر الحشفة، زال حكم العنة [حتى يغيب الكل؛ لأنه ليس هناك حد يمكن اعتباره].
قد ظهر ضعفٌ في بنية الذكر بقطع بعضه فيشترط زيادة الإيلاج.
وإن كان الرجل خصيًّا أو خنثى، وقلنا: لا خيار لها بسبب هذا النقص، أو قلنا: لها الخيار، فرضيت به، فعجز عن الإيلاج - يضرب مُدة العنة.
وإذا كان الرجل يُصيبها دون فرجها [ولا يقدر على الإيلاج، أو في دُبرها]، فلا تزول به العنة.
ولو كانت له امرأتان يصيب أحديهما، ويعجز عن الأخرى -، تُضرب له مدة العُنة في حق الأخرى.
وإن كانت التي يُصيبها بكراً والأخرى ثيباً، فإذا رضيت المرأة بعنة الزوج بعد مضي المدة - يبطل حقها من الفسخ، بخلاف ما لو تركت المطالبة بالوطء في الإيلاء، ثم بدا له؛ فلها الطلب؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة؛ كما لو رضيت بإعسار الزوج بالنفقة، فلها أن تسخ بعده، والعُنة عيبٌ واحدٌ، وإذا رضيت لا فسخ لها بعده كالجب.
ولو رضيت به قبل ضرب المدة، أو في خلالها، فقد قيل: لا فسخ لها بعده؛ كما لو رضيت بعد مُضي المدة.
والصحيح من المذهب: أن خيارها لا يبطلُ؛ لأن حق الفسخ يثبت لها بعد مُضي المدة؛ فلا يبطل بالرضا قبله؛ كما لو أسقط الشفعة قبل البيع-: لا تسقط.
ولو فسخت النكاح بعيب العنة، أو رضيت بعنته، فأبانها الزوج، ثم نكحته ثانياً، هل يتجدد لها حق الفسخ؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنها نكحت عالمةً بالعيب؛ كما لو اختارت المقام معه لا فسخ لها بعده.

والثاني - وهو الأصح-: لها الخيارُ؛ لأنه نكاح جديدٌ، فيتجدد لها الحق فيه، لأنها قد تقدر زوال عنته في مدة الفراق، فتضرب المدة ثانياً.
أما إذا نكح امرأة ابتداء، وقد حُكم بعنته في حق امرأة أخرى، وهي عالمةٌ به-، فهل لها الخيار؟ قيل: فيه قولان كالأول.
والمذهب: أن لها الخيار قولاً واحداً؛ لأن الرجل [يتعنن] عن امرأة، ولا [يتعنن] عن أخرى، فعلمها بعنته في حق الغير لا يكون رضا بعنته في حقها.
ولو طلق امرأة طلاقاً رجعياً بعد ما رضيت بعنته، ثم راجعها - لا فسخ لها؛ لأنها رضيت بعنته في هذا النكاح.
اعترض عليه المزني، فقال: كيف تتصور هذه المسألة؛ لأن الرجعة إنما تثبت بعد الوطء، [وبالوطء] تزول العنة؟ قلنا: تتصور أن تستدخل ماءه، أو يأتيها في دبرها، ويستدخل ذلك منه فتجب به العدة، وتثبت الرجعة، ولا تزول العُنة.
وعلى قوله القديم: إذا خلا بها تجب العدة، وتثبت الرجعة في طريق، ولا تزول العُنة.
ولو نكح امرأة فأصابها، ثم أبانها ونكحها ثانياً، فأصابته عنيناً - لها الخيار قولاً واحداً؛ لأنها لم ترض [بعيبه ولا علمته].
فصل إذا اختلف الزوجان في الإصابة؛ فالقول قول من ينفيها إلا في ثلاثة مواضع: إحداها: إذا ادعت العنُة، فقال الزوج: أصبتها، فالقول قوله مع يمينه، سواء كان قبل مضي المدة أو بعده.
الثانية: إذا لاعن زوجته، وطالبته بالفيء أو الطلاق، فقال: قد أصبتها، وأنكرت المرأة - فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تدعي سبب الخروج عن النكاح، والأصل بقاؤه على السلامة.

الثالثة: إذا ادعت المرأة الإصابة، وأنكر الزوجُ، فجعلنا القول قوله، فظهر بها حملٌ؛ نلحقه به، ونحكم بالإصابة.
فإذا ادعت المرأة العنة، وادعى الرجل الإصابة، فقالت المرأةُ: أنا بكرٌ، ترى أربع نسوة عُدولٍ، فإن قلن: هي ثيبٌ، فالقول قوله، وإن ادعت زوال بكارتها بسببٍ آخر حلف الزوجُ، وإن قلن: هي بكرٌ يحكم بعدم الإصابة.
فإن قال الزوج: إني أصبتها، لكن لم أبالغ؛ فعادت العذرة - تُسمع دعواه وله تحليفها، فإذا حلفت ثبتت العنة، وإن نكلت حلف الزوج ولا خيار لها، ولا فرق في دعوى الإصابة بني أن يكون الزوج صحيح الذكر، أو مقطوع بعضه إذا بقي منه قدر الحشفة.
قال أبو إسحاق: إذا كان الزوج مقطوع بعض الذكر، فادعت المرأة عنته، وادعى هو الإصابة - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الضعف في بنية الذكر ظاهر، فيقوي جانبها.
أما إذا بقي من ذكره ما شككنا أنه يقع منه الجماعُ أم لا؟ - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها.
ولو ادعت امرأة الصبي والمجنون العنة على زوجها - لا تسمع، ولا تضرب المدة؛ لأنه لو بلغ أو أفاق ربما يدعي الإصابة، فقوله فيها مقبولٌ؛ لأن الصبي لا يُجامع في الغالب لصغره؛ فعجزه لا يكون عيباً.
ونقل المُزني - رحمه الله- فإن لم يُجامعها الصبي أُجل، وذلك خطأٌ في النقل؛ إنما قال الشافعي- رضي الله عنه - فإن لم يجامعها الخصي أجل، أجاب على قولنا: أن لا خيار لها بسبب كونه خصياً.
ولو قلنا: لها الخيار ورضيت به، فوجدته مع ذلك عنيناً - تُضرب المدة.
فرع: إذا نكح امرأة لا يجب أن يطأها أكثر من مرةٍ واحدةٍ، إلا أن يقصد المُضارة بالإيلاء، فيخبر بعد مُضي أربعةِ أشهرٍ على الوطءِ والطلاقِ، وهل يجب على الزوج وطئةٌ واحدةٌ - فيها وجهان: أحدهما: لا؛ ما لا يجب سائر الوطئات، والوطء حق الزوج: والثاني: يجب لمعنيين: أحدهما: لإيفاء حقها من الوطء.
والثاني: ليقرر لها المهر، فإن أبرأته عن الصداق، هل يجب على هذا الوجه أن يطأها - فيه وجهان بناء على المعنيين.

إن قلنا بالأول يجب، وإن قلنا بالثاني فلا يجب، وهل لها الدعوى عليه إن أوجبنا - فلها ذلك، وإلا فلا.
فصل في الخنثى رُوي عن الشعبي أن معاوية كتب إلى علي - رضي الله عنه - في خنثى ظهر بالشام، فكتب إليه أن يُورث من قبل مبالهِ.
الخنثى نوعان: أحدهما: من له آلة واحدةٌ - لا تشبه آلة الرجل ولا آلة النساء - يبول منها، فهو مشكل، يوقف أمره إلى أن يبلغ، فيختار لنفسه أحد الأمرين من الذكورة والأنوثة على ميل الطبع، فإن احتلم عليهن ومال طبعه إليهن فهو رجلٌ، وإن كان عكسه فامرأة.
النوع الثاني: أن يكون له آلة الرجال وآلة النساء فيحكم فيه بالبول، وإن كان يبول بآلة الرجال فهو رجل، وإن كان يبول بآلة النساء فهو امرأة، وإن كان يبول منهما يُحكم بأسبقهما خروجاً على الصحيح من المذهب، وبه قال ابن المسيب، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق - رحمه الله- وقيل: هو مشكلٌ، ولا يُحكم بالسبق، والأول أصح، فإن استويا في الخروج هل يحكم بآخرهما انقطاعاً؟ فيه وجهان: أصحهما: يُحكم، فعلى هذا لو كان أحدهما أسبق خروجاً، والآخر أبطأ انقطاعاً - فالحكم للأسبق خروجاً، وقيل: هو مشكل، فإن استويا في الخروج والانقطاع، فهل يعتبر بالكثرة - فيه وجهان: أصحهما: لا تعتبر؛ لأنه يسبق اعتباره فسقط، وهو قولُ الأوزاعي، وأبي حنيفة، وقيل: تعتبر، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وهل يحكم بالتزريق والترسيس - فيه وجهان: أصحهما: لا يحكم به، فإن تزرق بالفرجين فهو رجلٌ، وإن كان يرسس بهما فهو امرأة، وإن كان يزرق بأحدهما ويرسس بالآخر - فهو مشكلٌ، ولا يحكم بنزول اللبن قل أم كثر، وهل يحكم بُقدر الأضلاع؛ وذلك لأن أضلاع الجنب الأيسر من الرجال أنقص بواحد؛ لأن الله - تعالى - خلق حواء منها.
أصحهما: لا يحم، وقال ابن أبي هريرة: يحكم، وعند الحسن: يقدم ذلك على القول، ولا يحكم بنبات اللحية، ولا بنهود الثدي على ظاهر المذهب؛ لأن اللحية قد تنبت لبعض النساء، والثدي قد يون لبعض الرجال، ويحكم بالمني والحيض، فإن أمتي من آلة

الرجال فهو رجلٌ، وإن أمني من آلة النساء فهو امرأة، وإن أمنى منهما؛ فتعتبر صفة المنيِّ.
فإن أمنى منهما على صفة منيِّ الرجال فهو رجلٌ، وإن أمنى على صفة منيِّ النساء فهو امرأةٌ، وإن أمنى من آلة الرجال على صفة منيِّ الرجالِ، ومن آلة النساء على صفة منيِّ النساء؛ أو على عكسه - فهو مشكل على أي صفة كان المنيُّ.
وإن حاضت من الفرج في سن الحيض قدر أقل الحيض، ولم تمن من الذكر - فهي امرأة، وإن أمنى من آلة الرجال، وحاضت من آلة النساء في سن يحتمل فيه المنيُّ والحيضُ - ففيه [ثلاثة] أوجه.
قال أبو إسحاق: هو امرأةٌ؛ لأن الحيض مختص بالنساء، والمني يشترك فيه الرجال والنساءُ.
وقال أبو بكر الفارسي: هو رجلٌ؛ لأن المني حقيقة، وليس كل دمٍ حيضاً.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: هو مشكلٌ.
وهو أعدلُ الوجوه.
وعلى الوجوه كلها يحكم ببلوغه.
وإذا أمنى من الذكر بعد عشر سنين مرة أو مرتين - لا يحكم ببلوغه، ولا يزول إشكاله؛ لاحتمال أنه يحيض من الفرج، وكذلك لو رأى الدم من الفرج مرة أو مرتين؛ لاحتمال أنه أمنى من الذكر.
فإذا صار عادة حينئذ يُحكم به، حتى لو احتلم من الذكر، وأقر بمالٍ قبل استكمال خمس عشرة سنة يكون إقراره موقوفاً.
فإن حاض منا لفرج فهو مشكلٌ، سواء حاض بعد خمس عشرة سنة [أو قبله، وبان أن إقراره لم يكن صحيحاً؛ لأنه بالغٌ الآن بالحيض، أو باستكمال خمس عشرة].
فإن لم يحض بان أن الإقرار كان صحيحاً، وكذلك لو رأت الدم من الفرج بعد عشر سنين، فأقر قبل استكمال خمس عشرة - يوقف.
فإن أمنى من الذكر بعد استكمال خمس عشرة، أو قبلها - بان أن إقراره لم يكن صحيحاً، وإن لم يحتلم فصحيحٌ.
أما إذا أقر بعد وجود العلامتين، فإقراره صحيحٌ؛ كما بعد استكمال خمس عشرة سنة.
وكل موضع حكمنا بكونه مشكلاً، فلا يجوز تزويجه في الصغر؛ لأنه لا يُدرى حاله أنه رجل فيزوج امرأة، أو امرأة فينكح رجلاً، فيترك حتى يبلغ فيختار.

ولا حكم لاختياره مع وجود شيء من الدلائل الظاهرة؛ كالموجود إذا تنازع فيه رجلان، فألحقه القائف بأحدهما- فلا حم لانتسابه بعد قول القائف.
ولا يرجع في الاختيار إلى هواهن بل يرجع إلى ميل الطبع، فإن اختار معاشرة النساء فهو رجلٌ له أن يتزوج، وإن اختار معاشرة الرجال فامرأة لها أن تنكح.
فإن قال: أميل إليهما، فهو مشكلٌ، وإذا اختار أحدهما لا رجوع له عن ذلك؛ لما فيه من تضاد الأحكام، إلا أن يختار الرجولية، ثم يهر بها حمل تبين بطلان اختياره؛ لأنا لو حكمنا بكونه رجلاً بشيءٍ من الدلائل الظاهرة، ثم ظهر بها حملٌ يبطل ذلك، ويحكم بكونه امرأة.
ووقت اختياره بعد استكمال خمس عشرة سنة، بخلاف الحضانة يُخير فيها الصبي بين الأبوين بعد سبع أو ثمانٍ؛ لأنه ليس بلازم، حتى لو بدا للصبي بعد اختيار أحدهما، له أن يختار الآخر، واختيار الخنثى لازمٌ، فلا حكم له قبل البلوغ كالمولود إذا تداعاه رجلاً لا يصح انتسابه قبل البلوغ.
وإذا اختار الخنثى يقبل اختياره في جميع ما له وعليه من الأحكام، حتى لو قطع طرفه، فاختار الرجولية تجب له دية الرجال.
ولو مات له قريبٌ، فاختار الرجولية، وميراثه به أكثر - يُحكم به، وإذا أخر الاختيار بعد البلوغ، وميل الطبع - يعصي الله - تعالى - ويفسق به.
وإن قال: لا يميل طبعي إلى أحدهما لا يعصي.
فروع: في أحكام الخنثى المشكل.
يؤخذ في أمره باليقين، حتى لا وضوء عليه بمس أحد فرجيه حتى يمسهما.
فلو أولج رجلٌ ذكره في فرجه، فلا غُسل عليه، ولا وضوء، ولا حد عليه، ولا مهر، ولا عدة؛ لاحتمال أنه رجلٌ، وذلك شقٌ زائد.
وكذلك لو أولج هو في فرج امرأةٍ، فلا غُسل على واحدٍ منهما، ولا مهر، ولا عدة؛ لاحتمال أنه امرأة.

وينتقض وضوء المرأة بخروج الخارج من فرجها، وكل موضعٍ لا توجب الغسل لا نحم ببطلان صومه وحجه.
فإن أولج في فرج امرأةٍ أو دبرها، وأولج رجلٌ في فرجه - وجب الغسل على الخنثى؛ لأنه إن كان رجلاً فقد أولج في فرج امرأة، وإن كان امرأة فقد أولج في فرجها رجلٌ؛ وبطل صومه وحجه، ولا كفارة عليه في الصوم، وإن لم يوجب على المرأة إلا احتياطاً.
ولو أمنى الخنثى من آلة الرجال، ورأت الدم من آلة النساء، وحكمنا ببلوغه وإشكاله - فلا يجوز لها ترك الصلاة والصوم لذلك الدم؛ لجواز كونه رجلاً، ولا يمس المصحف، ولا يقرأ القرآن في غير الصلاة، وبعد انقطاع الدم تغتسل؛ لجواز كونه امرأة.
وكذلك في إمنائه من الذكر يمتنع قبل الغسل من قراءة القرآن [ومس المصحف، ويغتسل، ذكر ذلك ابن سريج.
قال الشيخ: القياس أنه لا يجب الغسل بانقطاع الدم، ولا يمتنع من مس المصحف وقراءة القرآن].
كما لا يجوز لها ترك الصلاة لذلك الدم، فإذا أمنى معه حينئذ يجب؛ ما لا يجب الوضوء بمس أحد الفرجين، حتى يمسهما جميعاً.
وما ذكر ابن سريج احتياطٌ، ولا أذان على الخنثى المشكل، ولا يحسب أذانه، ولا يكون إماماً للرجال.
ولو صلى مكشوف الرأس يجوز كالرجال، ولا يجهر في الصلاة كالنساء، ولا جمعة عليه ولا جهاد، فإن صلى الظهر قبل أن يُصلي الإمامُ الجمعة - فيجوز كالنساء.
وإذا مات مُحرماً لا يُخمر وجهه، ولا رأسه، وكل موضع أوجبنا في الزكاة من المواشي الأنثى -: لا يجوز الخنثى، لاحتمال أنه ذكر، وإن أوجبنا الذكر-: يجوز الخنثى.
وفي الحج: ليس له لبس المخيط، وستر الرأس، ويكشف الوجه احتياطاً، ثم الاحتياط أن يفدى عن ستر الرأس، وليس المخيط لجواز كونه رجلاً.
قال الشيخ: فإن ستر الرأس والوجه جميعاً وجبت الفدية، ولا رمل على الخنثى، ولا حلق، بل تقصر كالمرأة، ولا يرفع صوته بالتلبية.
ولو أولج البائع أو المشتري ذكره في فرج الجارية المبيعة في زمان الخيار، وهو خنثى، أو المبيع خنثى - فلا يون كالوطء في فسخ البيع وإجازته، فإن اختار الذكورة بعده تعلق به الحكم بالوطء السابق.

وكذلك الراهن والمرتهن إذا أولج في المرهون الخنثى لا يكون كالواطيء، إلا أن يختار الأنوثة، ولا يستحق سهم الغنيمة، إنما يرضخ له، إلا أن يختار الرجولية، ولا ثبت له ولاية التزويج، كالنساء، ويورث بالأقل من كونه رجلاً أو امرأة، ويوقف الفضل، وديته دية المرأة.
ولو ادعى وارثه أنه كان رجلاً، فالقول قول الجاني مع يمينه، إن كان قتله قبل الاختيار، وإن كان بعد اختيار الرجولية، فلا تُسمع دعوى الجاني.
ولا تحمل الخنثى العقل كالمرأة، ولا يختن؛ لأن الجرح على الإشكال لا يجوز.
فإن اختار ختن على اختياره.
ولو أسر حربي خنثى لا يقتل كالمرأة، فإن اختار كونه رجلاً قُتل، ولا تُؤخذ منه الجزية، ويجبر على الاختيار.
فإن اختار الذكورة بعد حول أخذ ما مضى.
ولا يكون قاضياً، ولا يثبت بشهادته إلا ما يثبت بشهادة النساء، وتقابل شهادة اثنين منهم بشهادة رجلٍ.
ولو كان لرجل مملوك خنثى، فقال: إن كنت ذكراً فأنت حرٌّ، فإن اختار الذكورة عتق، وإن اختار الأنوثة لم يعتق، وإن مات قبل الاختيار فكسبه تكون لسيده؛ لأن الأصل يفارقه.
وقيل: يقرعُ، فإن خرج سهم الحرية فهو موروث، وإن خرج سهم الرق فلسيده.

جارٍ التحميل