التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 561-1

كان بالعقوبة، والمال يثبت أو يتعين بالعفو؛ وهو لم يكن على يقين من العفو، فلم يكن متهماً.
وقيل: إذا قلنا: موجب العمد أحد الأمرين، فهل يتعلق المال برقبته فيه قولان؛ كما في الإقرار بالسرقة، والأول أصح.
وكل ما يقبل إقرار العبد فيه مثل: القصاص، وحد القذف؛ فالدعوى فيه تكون على العبد.
وما لا يقبل إقراره فيه من مال، يتعلق برقبته عند تصديق المولى- فالدعوى تكون على المولى.
فلو ادعى على العبد؛ نظر: إن كانت له بينة، تسمع؛ وإن لم يكن له بينة، فهذا يُبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار، أم بمنزلة البينةظ وفيه قولان: إن قلنا: بمنزلة البينة تسمع؛ رجاء أن ينكل؛ فيحلف المدعي؛ فتكون كالبينة.
وإن قلنا: بمنزلة الإقرار؛ فلا تسمع.
ولو ادعى على العبد دين معاملة، وله بينة، هل تسمع فيه وجهان؛ كما لو ادعى ديناً مؤجلاً.
أحدهما: لا تسمع؛ لأنه لا يلزمه في الحال شيء؛ كما لو لم تكن بينة.
والثاني: تسمع؛ لأنه يخاف موت الشهود؛ فيتعر عليه إثبات حقه.
والله أعلم.
باب: بيع الكلاب رُوي عن أبي مسعود الأنصاري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن ثمن الكلبن ومهر البغين وحلوان الكاهن".

ولا يجوز بيع الكلب، معلماً كان أو غير معلم.
ومن قتله لا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع المعلم منه، وتجب القيمة على من قتله.
والخبر حجة عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- جمع بين ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن؛ ثم مهر البغي وحلوان الكاهن حرامان، كذلك ثمن الكلب.

ولا يجوز اقتناء الكلب إلا لصاحب صيد يصيد، أو صاحب ماشية أو حرث يحرسهما؛ لما روي عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو ضار، نقص من عمله كل يوم قيراطان".
ويجوز اقتناؤه؛ لحراسة الدور؛ على الأصح؛ كما يجوز للحرث.

وهل يجوز اقتناء الجرو للتعليم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لا [يُنتفع به].
والثاني: يجوز؛ لأنه يصير منتفعاً به؛ كبيع الجحش، يجوز، وإن لم يكن فيه منفعة في الحال؛ لأنه يصير منتفعاً به.
فإن جوزنا، إنما يجوز إذا كان من نسل المعلم، وهل يجوز لغير الصياد اقتناء كلب الصيد للإعارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لعدم الضرورة.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز للرجل حفظ حُلَيِّ النساء؛ للإعارة من النساء.
وكل كلب جاز اقتناؤه، تجوز الوصية به على طريق نقل اليد، لا على طريق نقل الملك؛ كالسرقين.
وكذلك يورث؛ كجلد الميتة.

وتجوز إعارته.
وفي هبته وجهان: الأصح: جوازه؛ كالوصية به، وهل تجوز إجارته؟ وجهان: أحدهما: لايجوز كالبيع.
والثاني: يجوز؛ لأن عقد الإجارة يرد على المنفعة، والانتفاع به مباح.
ولو غصب كَلباً؛ فأمسكه مدة، هل يجب أجر المثل؟ فعلى هذين الوجهين.
فصلٌ: فيما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه رُوي عن جابر بن عبد الله؛ أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام".
كل عين طاهرة منتفع بها لم يحلها حرمة إبطال الملك - يجوز بيعها.

حتى يجوز بيع الدور، والعقارات، والخشب، والثياب، والجواهر، والأطعمة، والحيوانات؛ مأكولة كانت؛ كالنعم، أو غير مأكول؛ كالحمار والبغل والجوارح التي تُصاد

بها من السباع والطيور.
ويجوز بيع السنور.
ويجوز بيع ما يُستأنس بصوته من الطيور؛ كالعندليب والبلبل، والببغاء، أو بلونه؛ كالطاووس.
ويجوز بيع نحل العسل، ودود القز، والفراش الذي يخرج من الفيلج والعلقة لأن كلها منتفع بها.
ولا يجوز بيع ما كان نجس العين؛ كالكلب، والخنزير، والخمر، وجلد الميتة قبل الدباغ، والبول، والدم، والسرقين.
وعند أبي حنيفة: يجوز بيع السرقين، وجلد الميتة قبل الدباغ.
ولا يجوز بيع بزر دود القز؛ لأنه نجس.
ويجوز بيع الفيلج وإن كان في باطنه دود ميت؛ لأنه من مصلحته؛ كالحيوان يجوز بيعه مع نجاسة باطنه.
وفأرة المسك طاهرة؛ على الأصح؛ فيجوز بيعها.
فأما ما نجس لعارض؛ نظر: إن كان مما يطهر؛ كالثوب ينجس، يجوز بيعه، وإن كان لا يطهر؛ كالخل النجس، والدبس النجس والصبغ [النجس]، والدهن والماء النجس - لا يجوز بيعه.
وكذلك لا يجوز بيع ما لا ينتفع به؛ مثل: حشرات الأرض من: الحيات، والعقارب، والخنافس، والنمل، والفأرة.
ومن السباع: الأسد والذئب، ونحوهما.

والحدأة والرخمة، والبعاث لا يجوز بيع شيء منها.
وكذلك لا يجز بيع الحمار الزمن؛ لأنه لا منفعة فيه؛ بخلاف العبد الزمن؛ فإنه يتقرب إلى الله - تعالى- بإعتاقه.
ولا يجوز بيع ما حله حرمة إبطال الملك، كالوقف، وأم الولد، والمكاتب.
وكذلك لا يجوز بيع الأصنام، وبيع كل صورة متخذة من طين، أو خشب، أو ذهب، أو فضة.
وكذلك ما يقصد به اللهو؛ كالملاهي، والمزامير، وإن كان محلولها يصلح لمباح؛ لأنها على هيئتها آلة الفسقن فإذا غُيرت بحيث تصلح لمباح يجوز بيعها.
ويكره بيع الشطرنج؛ كاللعب به، ولا يجوز بيع النرد.
ويجوز بيع لبن الآدميات؛ لأنه لبن طاهر؛ كلبن البقر.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز.
والله أعلم بالصواب.
باب: السلف رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ "المدينة"، وهم يُسلفون في الثمر

السنة والسنتين، وربما قال: والثلاث.
قال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
السلم هو: عقد على موصوف في الذمة يبدل بعطية عاجلاً.

ولصحة السلم سبع شرائط: شرطان في رأس مال السلم.
أحدهما: تسليمه في مجلس العقد.
والثاني: أن يكون معلوم المقدار في أحد القولين.
وخمس شرائط في المسلم فيه.
أحدها: أن يكون ديناً.
والثاني: أن يون معلوم المقدار.
الثالث: أن يكون موصوفاً بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها.
الرابع: أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط.
الخامس: أن يعين مكان التسليم؛ في قول.
وهل يشترط لفظ السلم؟ وجهان: أصحهما: يشترط؛ فإن عقد بلف البيع، فقال: اشتريت منك ثوباً موصوفاً في ذمتك بهذه الدراهم.
فإن قلنا: لفظ السلم غير شرط، فهذا سلم يجب تسليم الدراهم في المجلس، ولا يجوز الاستبدال عن الثوب.
وإن شرطنا لفظ السلم؛ فهذا بيع لا يجب تسليم الدراهم في المجلس، ولا يجوز الاستبدال عن الثوب، على أصح القولين؛ كالأثمان.
ولو قال: اشتريت ثوباً موصوفاً، أو [كُرَّ] حنطة في ذمتك بدينار في ذمتي - يجوز.
ثم إن جعلناه سلماً، يجب تعيين الدينار والتسليم في المجلس، ويجوز شرط الرهن والكفيل في السلم.
ويجوز السلم حالاً ومؤجلاً، وعند أبي حنيفة: لا يجوز حالاً.
قلنا: الأجل فيه نوع غرر من حيث نه قد يكون قادراً عليه في الحال، ويعجز عن المحل؛ فلما جاز مؤجلاً فحالاً أولى.
ولو أسلم مطلقاً، ولم يتعرض للحلول والتأجيل، يجوز، على أصح الوجهين.

ويكون حالاً؛ كالثمن في البيع.
وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأن مطلق العقود تحمل على العادة، والعادة في السلم التأجيل، فإذا أطلق، فكأنه شرط أجلاً مجهولاً، ولو لم يذكر في العقد أجلاً، وذكر في مجلس العقد - يلزم؛ على الصحيح من المذهب.
وإذا أسلم مؤجلاً يشترط بيان الأجل بالأيام، أو بالشهور، أو بالسنين؛ فإن قال: إلى يوم كذا، حل الأجل إذا انتهت ليلة ذلك اليوم، ولو قال: إلى شهر كذا؛ أو إلى أول شهر كذا حل بانتهاء الشهر الذي قبله.
ولو قال إلى عشرة أيام، يكمل اليوم الأول بالحادي عشر؛ فإذا انتهى على الوقت الذي عقد فيه، حل الأجل.
ولو قال: إلى شهرين، فالشهر الذي عقد فيه ينكسر - لا محالة - فيكمل ذلك الشهر بالشهر بالثلث يوماً، والشهر الثاني يكون بالهلال؛ سواء خرج كاملاً، أو ناقصاً.
ولو قال: إلى سنة، يحمل على السنة الهلالية.
ولو قال إلى سنة شمسية، يجوز؛ لأنها معروفة؛ كالنيروز.
والمهرجان.
ولو قال: بالعدد، فيكون ثلاثمائة وستين يوماً.
فإن قال إلى سنة فارسية أو رومية، يتقيد به.
ولو قال: إلى آخر شهر كذا، لا يصح؛ حتى يبين؛ لأن اسم الآخر يقع على جميع النصف الآخر.
ولو قال: إلى آخر شهر ربيع أو جمادي، صح، وحمل على الأول منهما.
وقيل: لا يصح؛ حتى يبين.
والأول أصح؛ لأنه نص على انه لو جعل الأجل إلى النفر حمل على النفر الأول.
قلت: على قياس هذا إذا قال: إلى آخر شهر كذا، وجب أن يقع بدخول النصف الآخر.
ولو قال: محله في يوم كذا، أو في شهر كذا، فيه وجهان: قال ابن أبي هريرة: يجوز الحمل، ويحمل على أوله؛ كما لو قال لامرأته: أنت طالق في يوم كذا، أو في شهر كذا.
والثاني- وهو الأصح -: لا يصح؛ لأنه يقع على جميع أجزاء اليوم والشهر؛ فلابد من البيان؛ بخلاف الطلاق؛ فإنه يجوز إلى أجل مهول.
فإذا أعلم زماناً، تعلق بأوله.

ولو قال: إلى السذج والمهرجان والنيروز، يجوز؛ لأنه صار معلوماً؛ ما لو قال: إلى عيد الأضحى.
ولو قال: إلى فصيح النصارى؛ نظر: إن لم يكن معلوماً عندهما، لا يجوز، وإن كان معلوماً عندهما يجوز.
وقيل: إنما يجوز مع علمهما إذا كان في المسلمين عدلان يعرفان.
فإن لم يكن، لم يجز؛ لأنهما ربما يختلفان.
ولا يقبل قول النصارى فيه.
ولو قال: إلى الربيع أو إلى الخريف، لا يجوز؛ لأنه يختلف؛ كما لو قال: إلى الحصاد.
ولو قال: إلى العطاء؛ فإن أراد وصوله، لم يجز، وإن أراد خروجه وقد ضرب الإمام له وقتاً معلوماً جاز.
ولو اسلم في شيء واحد إلى أجلين؛ كأن أسلم في وقري حنطة؛ أحدهما يوفي بعد شهر، والثاني بعد شهرين - ففيه قولان: أصحهما: يجوز.
وكذلك لو أسلم في شيئين على أجل واحد، فيه قولان.
والمذهب جوازه، وهل يشترط بيان موضع التسليم؟ نظر: إن كان موضع العقد لا يصلح للتسليم؛ بأن كان عقداً في مفازة، أو سفينة - يجب بيانه.
وإن كان صالحاً للتسليم، فيه قولان: أحدهما: يجب بيانه؛ قطعاً للنزاع؛ كما لو باع بدراهم، وفي البلد نقود - يجب تعيين واحد منهما.
والثاني: لا يجب، ويتعين مكان العقد للتسليم.
ومن أصحابنا من قال: القولان، فيما إذا لم يكن لنقله مؤنة.
فإذا كان لنقله مؤنة، يجب بيان التسليم قولاً واحداً - وبه قال أبو حنيفة - أنه يجب بيانه إذا كان لنقله مؤنة.
فإن قلنا: يتعين مكان العقد، لا نعني به عين ذلك الموضع، بل تلك المحلة.
فإن عين مكان التسليم، أو قلنا: يتعين مكان العقد، فأتى به في غير ذلك الموضع - لا يجب قبوله إن كان لنقله مؤنة.

أو كان الموضع مخوفاً، وإن لم يكن، ففيه وجهان؛ بناء على ميقات الزمان إذا أتى به قبل محله.
فلو رضي وأخذه في موضع آخر - ليس له أن يكلفه مؤنة النقل.
ولو طالبه المستحق في بلد آخر، إن لم يكن - لنقله مؤنة - يجب الأداء، وإلا فلا، كالقرض، وبدل الإتلاف، إلا أن في القرض وبدل الإتلاف يأخذ القيمة.
وفي السلم لا يأخذ.
ثم تفصيل تلك الشرائط: تسليم رأس المال في المجلس شرط، ولا يشترط تعينه في وقت العقد.
حتى لو قال: أسلمت إليك ديناراً في ذمتي في كذا، ثم عين وسلم - يجوز، وإن كان في الذمة يشترط بيان المقدار.
وإن كان معيناً ففيه قولان: أصحهما: لا يشترط، والمشاهدة كافية؛ كما في بيع العين، إذا قال: بعتك هذا بهذه الدراهم، وهو لا يعرف وزنها - يجوز.
والثاني: يشترط بيان المقدار، إن كان مكيلاً بالكيل وإن كان موزوناً بالوزن، أو مذروعاً بالذرع.
وبيان صفاته؛ لأنه ربما ينقطع المسلم فيه، بعد تلف رأس المال فلا يدري بماذا يرجع.
ولا فرق بين أن يكون السلم حالاً أو مؤجلاً.
ولو تفرقا قبل قبض رأس مال السلم - ينفسخ العقد.
ولو جُعل رأس مال السلم منفعة دار، أو عبد مدة معلومة - جاز، وتسليمه بتسليم العين.
فلو أحال برأس مال السلم على إنسان - لا يجوز، وإن قبض في المجلس؛ لأن بالحوالة، يتحول الدين إلى غيره، فالمحال عليه يؤديه من جهة نسه، لا من جهة المسلم.
ولو كل المسلم إليه إنساناً بقبض رأس مال المسلم - يجوز، إذا قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل مجلس العقد.
ولو كان له في ذمة الغير دينارٌ، فقال: أسلمت إليك الدينار الذي في ذمتك بكذا- لم

يجز؛ لأنه بيع الدين بالدين.
ولو كان رأس مال السلم عبداً، فأعتقه المسلم إليه قبل القبض - ففيه وجهان: أحدهما: يعتق، وصار قابضاً كما في بيع العين.
والثاني: لا يعتق؛ لأنه قبض حكمي، ولا يكتفى بالقبض الحكمي في رأس مال السلم، كما لا تجوز الحوالة به.
ومن قال بالأول فن القبض قبض حكمي يتصل بعين ما وقع عليه العقد؛ فجاز، بخلاف الحوالة.
ولو وجد المسلم إليه برأس [مال السلم] عيباً، وكان معيناً - فهو بالخيار؛ إن شاء فسخ العقد.
وإن شاء أجاز.
وإن كان قد تلف عنده، أو كان عبداً قد أعتقه مثلاً - وكان العيب ينقص عُشر قيمته سقط عشر المسلم فيه.
فصل في بيان شرائط المسلم فيه يشترط أن يكون ديناً، ولو قال: أسلمت إليك في هذا العين؛ لا يصح.
وقيل: يكون بيعاً مراعاة للمعنى ولا يصح.
ويشترط بيان مقداره بالكيل والوزن، وإن كان مذروعاً فبالذراع أو معدوداً فبالعدد، فلو أسلم في الكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً - جاز؛ لأن بيان المقدار يحصل بكل واحد منهما.
وإذا سمي مكيالاً يجب أن يكون معروفاً.
فإن عين مكيالاً، نظر: إن كان له نظائر في البلد - جاز، وله أن يكيل بأيهما شاء.
وإن لم يكن له نظائر في البلد، أو قال: أسلمت غليك في مليء عشر غضارات من هذه نُظر: إن كان السلم مؤجلاً لم يجز؛ لأنه ربما يتلف ذلك المكيال، فيتعذر التسليم.

وإن كان حالاً، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، ويسلم في الحال.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يتعذر.
ولو بيَّن الكيل، وقال: كل كيل كذا وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك.
وكذلك لو أسلم في ثوب وصفه، وقال: وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك.
ويشترط أن يكون موصوفاً بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها؛ فإن أسلم في شيء يدق معرفتهن كالدبابيج المنقشة والأدوية ونحوها؛ إن لم يعرف المتعاقدان أو أحدهما صفته - لم يجز.
وإن عرفا جاز، إذا كان في البلد من يعرف ذل الوصف، من أهل تلك الصنعة وأقله عدلان.
حتى إذا تنازعا يرجعان إليه، نص عليه.
وقيل: لا يشترط ذلك، وذكره الشافعي احتياطاً.
ولو أخرج صاعاً من حنطة، فقال: أسلمت إليك مائة من مثل هذه الحنطة، أو ثوباً، وقال: أسلمت إليك في هذا- يجوز، وكان كما لو وصفه.
ويشترط أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط.
وإن كان قد أسلم حالاً ففي الحال، وإن أسلم مؤجلاً وهو في الحال منقطع، أو ينقطع قبل حلول الأجل، ويوجد عند المحل -يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز، حتى يكون عام الوجود من وقت العقد إلى المحل.
وحديث ابن عباس حجة عليه؛ لأنهم كانوا يسلفون في الثمار سنتين أو ثلاث، والثمر لا يبقى سنتين بل ينقطع، دل على أن الوجود عند المحل شرط.
فلو انقطع المسلم فيه عند المحل، هل ينفسخ العقد؟ فيه قولان: أحدهما: بلى، كالمبيع إذا تلف قبل القبض.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه لم يتعين ثمر هذا العام، والعقد لاقى الذمة، فأشبه المشتري إذا أفلس بالثمن، لا ينفسخ العقد، ولكن يثبت للبائع الخيار؛ كذلك هاهنا يثبت للمسلم الخيار.
فإن فسخ، وقلنا: ينفسخ، يسترد رأس المال إن كان قائماً.

وإن كان تالفاً فمثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان متقوماً، وإن أجاز العقد، ثم بدا له أن يفسخ قبل الوجود - له ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة.
ونعني بالانقطاع، أن لا يوجد في تلك البلدة ونواحيها.
فإن كان يوجد في نواحيها على أقل من مسافة القصر - يجب حملها من مسافة القصر.
وقيل: إنما يجب حملها من مسافة القصر لو خرج إليها بكرة يمكنه الرجوع إلى أهله ليلاً.
فإن كان فوق ذلك فهو منقطع، وإن كان موجوداً في البلد مع بعض الناس، ولكن لا يبيعه مالكه - فهو منقطع.
ولو أسلم في حنطة ضيعة بعينها، أو حنطة قرية صغيرة - لا يجوز؛ ما لو أسلم في ثمرة رجل بعينه؛ لأن الغالب فيه الانقطاع، فإن أسلم في حنطة قرية كبيرة، لا ينقطع غالباً - جاز.
فصل ويجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها.
وفي الدراهم والدنانير وجهان: أصحهما: يجوز السلم فيها؛ كسائر الأموال.
وقيل: لا يجوز؛ لأنهما ثمنان فلا يجعلان مثمنين.
ولا يجوز في العقار؛ لأن المكان فيه مقصود.
فلابد من بيانه، وإذا بين المكان يتعين، والسلم في المعين لا يجوز.
ويجوز السلم في الحيوان، آدمياً كان، أو دابة، أو طائراً.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان.
والدليل على جوازه ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن اشتري بعيراً ببعيرين إلى أجل".

ويجب بيان أوصافه، وإن كان عبداً أو جارية يبين نوعه أنه تركي أو هندي.
ويبين أي نوع من التركي، ويبين لونه إن أبيض أو أسود.
ويصف سواده بالصفا أو الكدورة.
ويصف شعرهن ويبين سنه، أنه ابن سبع، أو أصغر أو أكبر، وأنه محتلم أو غير محتلم.
ويصف قامته بالطول والوسط.
وإذا بين سنه، فأتى بما يقرب منه - يجب قبوله؛ لأنه لا يوقف على حقيقته، حتى لو شرط سبع سنين، لا يزيد عليه ولا ينقص - لا يصح العقد؛ لأنه يندر وجوده.
ويعتمد في معرفة سنه على قول بائعه، إن كان ولد في الإسلام، أو كان جليباً؛ فنرجع إلى النحاسين.
وقيل: لا يجوز في الجليب؛ لأنه لا يعرف سنه، ولا يقبل فيه قول الكفار.
ولو أسلم في عبد وجارية وصفها - جاز، ثم إذا أتى بها والغلام ولد الجارية - يجب القبول.
ولو شرط ذلك في العقد - لم يجز؛ لأنه يندر وجوده.
ولا يجوز السلم في نادر الوجود.
ولو أسلم في جارية حبلى أو دابة لبون أو حامل - لا يجوز؛ لأنه يندر وجودها حاملاً، أو لبوناً مع سائر الوصاف.
ويصف البعير بأنه من نعم بني فلان، ويبين نوعه ولونه وسنه، وكذلك سائر الدواب.
ويصف التمر بأنه برني أو صيحاني أو جعرور، ويصف الحنطة بأنها شامية أو (ميسانية) أو نجشية، ويصفها بالزالة والدقة.
وإن اختلفا حصاد عام أو عامين - يبين.
ولا يشترط ذكر الجيد؛ لأن مطلقه يقتضي الجيدة، ولو ذكر يجوز، ولو شرط الأجود لا يجوز؛ لأنه ما من جيد يأتي به إلا ويمكنه أن يقول: قد يكون أجود من هذا، فلا ينقطع (النزاع).
ولا يجوز في الرديء؛ لأنه ما من رديء يأتي إلا ويكون فوق هذا رديئاً.

وهل يجوز في الأرديء؟ نص على أنه لا يجوز، كالأجود، والأصح جوازه، ويجبر على قبول ما يأتي به من ذلك النوع.
ولا يجوز السلم في المعيب، ويجوز في العسل المصفى بالشمس، ويوصف بالبياض والصفرة، أو الخضرة، ويبين وزنه.
وهل يجوز في المصفى (في النار)؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن للنار فيه نهاية المصفى بالشمس، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن النار تعيبه.
ويجز في الشهد، وإن كان فيه شمع؛ لأنه خلقة، كالنوى في التمر، ويجوز في الشمع.
ويبين في اللحم أنه لحم بقر، أو إبل، أو غنم ضائن، أو ماعز ذكر أو أنثى، خصي أو غيره، رضيع ام فطيم، راعية أو معلوفة.
ويبين موضعه من يد أو رجل أو ظهر، أحمر أو أبيض، ويبين وزنه.
ولا يجوز في الأعجف؛ لأنه عيب.
ولا يجب أن يشترط بلا عظم؛ لأن العم خلقة فيه، فإن أتى به وفيه عظم على العادة - يجب قبوله.
ولو شرط بلا عظم يجوز، ولا يجب قبول العظم، ويجوز في لحم الصيد إذا كان عام الوجود ويبين موضعه وجنسه.
ويجوز في الطيور الصغار من الحمام والعصافير، ويبين نوعه ووزنه.
وكذلك في السمك، ولا يجوز عدداً، إلا أن يسلم في الحي منها؛ فيجوز عدداً.
ويجوز في اللحم المملح والقديد إذا لم يكن عين الملح عليه، ويجوز في الشحم والآلية.
ويجوز في اللبن، ويصفه كما يصف اللحم، أنه لبن أي نوع، راعية أو معلوفة.

وكذلك في السمن والزبد [الفائتة، الحلوب من يومين]، ومطلق ذكر اللبن يقتضي حلب يومه، فإن الفائتة لعيب لا يجوز السلم فيه.
ولا يجوز في كل ما هو مختلط بغيره كالأقط والجبن والحلواء؛ لأنه لا يمكن وصف ما فيه.
وقيل: يجوز فيما خالطه غيره للحاجة مثل: خل الثمر وفيه الماء، واللبن وفيه الإنفحة، والسمك المالح وفيه الملح؛ لأنه من مصلحته.
ولا يجوز السلم فيما مسته النار؛ كاللحم المطبوخ، والمشوي؛ لأنه لا نهاية للنار فيه.
ولا يجوز في الدبس والسكر والفانيذ والرانب واللبأ على أصح الوجهين؛ لتأثير النار فيها؛ كاللحم المشوي.
وفيه وجه آخر: يجوز؛ لأن للنار فيها نهاية السمن، ويجوز في الرقيٌ.
ويجوز في الثياب [والديباج النفيس] ن ويبين في الثوب أنه من قطن أو كتان، او أبريسم، وأنه نسج بلد كذا، ويبين طوله وعرضه بالذرعان، ودقته وصفاقته.
ولا يجوز في العتابي؛ لأنه قطن وأبريسم.
وما عمل عليه بالإبرة، فإن كان من أبريسم وعمل عليه بالأبريسم - جاز.
وإن كان من قطن عمل عليه بالأبريسم - لم يجز، وإن أسلم في ثوب مصبوغ: نظر؛ إن صبغ غزله ثم نسج- جاز، وإن صبغ بعد النسج لم يجز؛ لأنه لا توقف عليه.
ويجوز في الصوف والشعر والوبر، ويبين أنه ربيعي أو خريفي، فحل أو أنثى، ويبين لونه وقبائله ووزنه.
وفي الشعر يذكر أنه طويل أو قصير، ومطلقه يقتضي النقي من البعر.
ويجوز في المغسول إذا كان لا يعيبه الغسل.
وبين في القطن بلده، وأنه لين أو خشن، أبيض أو أسمر، حليج أو غير حليج.

ويجوز في حب القطن، وفي الجوزق المشقوق، وفي الأبريسم، ويذكر غلطه، ودقته، ولونه، ووزنه.
ويجوز في النحاس، ويبين وزنه ولونه.
وكذلك في الشبه.
ويجوز في الحديد، ويبين أنه ذكر، أو أنثى، ويذكر بلده، ومقصوده أنه يريد آلة الحرث، أو الحرب، ويذكر وزنه.
ويجوز في الخشب، ثم إن كان المقصود منه الوقود يذر نوعه، وأنه دقاق أو غلاظ من جثة الشجر ة أو أغصانه.
ويذكر وزنه، ومطلقه يقتضي الجاف، ويجب قبوله، وإن كان معوجاً.
وإن أراد للبناء كالجذوع، والإسطوانات، يبين طولها وغلظها ونوعها، ولا يجب بيان الوزن؛ لأن العادة لم تجر بوزنها.
ولا يجب في المخروط؛ لأنه يختلف أعلاه وأسفله.
ويجوز في الخشب التي يُعمل منها القسي والسهام ويبين طوله وغلظه، ولا يجوز في القسي المعمولة؛ لأنها تشتمل على أشياء مختلفة.
ولا في السهام؛ لاختلاف طرفيها ووسطها، في الدقة والغلظة، فلا يمكن ضبطها بالصفة، وإن كان عليها ريش أو عصب فهو أفسد.
ويجوز السلم في الأشجار الصغار للغراس عدداً، يبين نوعه، وطوله، وغلظه.
ويجزو في أغصان الخلاف للغرس وزناً، كالحطب.
ويجوز في حجار الأرحى، والأواني، والأبنية قبل النحت، ويذكر النوع، والطول، والعرض، والغلظ.
ولا يجب بيان الوزن، ولا يجوز في الحجارة المنحوتة للرحى.
ولا يجوز في البرام المعمولة، والطناجير والقماقم؛ لأنه قل ما يتفق وزنها

وسعتها على ما صفان من الصفات، إلا أن يكون لهم قالب يصوغون عليه، ولا يختلف؛ فيجوز.
ويجوز في الجص والنورة والطين والزجاج.
ويجوز في اللبن والآجر، ويبين الوزن والعدد، فيقول: كذا لبنة وزنها كذا، ثم ذل على التقريب، فإذا أتى بما يقرب منه يجب قبوله.
ويجوز فيما يعم ووده من أنواع العطر؛ كالمسك، والكافور، والعنبر.
ويذكر وزنه ونوعه، ويذكر في العنبر أنه أشهب أو أخضر فتات أو قطاع.
ولو شرط القطاع لا يجب قبول الفتات.
ولا يجوز في التد، والغالية والمعجونات؛ لأنها أشياء مختلطة.
ويجوز في الدهن والطيب؛ مثل دهن البنفسج، والورد، إن ربى السمسم فيه، ثم استخرج منه الدهن، فإن طرح الورد في الدهن - لم يجز.
ويجوز في متاع الصياد له، كالإهليلج والبليلج ونحوها.
ويجوز في الترياق إذا كان من نبات لم يخالطه شيء، فإن خالطه شيء لا يجوز السلم فيه.
وهل يجوز بيعه؟ نظر: إن خالطه شيء طاهر - يجوز، وإن خالطه شيء نجس من لحوم الحيات، ولبن ما لا يؤكل لحمه - فهو نجس، لا يجوز بيعه.
وأما السم: إن كان يقتل قليله وكثيره - فلا يجوز بيعه.
وإن كان ينفع قليله كالسقمونيا يجوز بيعه والسلم فيه.

فصل فيما لا يجوز السلم فيه لا يجوز في القسي المعمولة، ولا في السهام، ولا يجوز في اللآليء الكبار، واليواقيت والجواهر والمرجان؛ لأنه يحتاج أن يصف كل واحدة كونها لؤلؤة مدحرجة صافية وزنها كذا، فيندر وجودها.
فإن أسلم في اللآليء الصغار كيلاً أو وزناً، وكان عام الوجود - جاز.
ويجوز السلم في الثمار والفواكه من الجوز واللوز، والرانج، والبطيخ، والقثاء، والرمان، ونحوها وزناً، ولا يجوز عدداً.
وكذلك البيض.
ولو أسلم في بطيخة أو سفرجلة - لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن يصف جثتها ووزنها، وقلما توجد.
ولا يجوز في البقول حزماً حتى يبين وزن كل نوع، ويصفه بالصغر والكبر.
ولا يجوز في الرؤوس والأكارع؛ لأنها تشتمل على أباعض مختلفة، كلها مقصودة، ولا يمكن وصفها بخلاف الحيوان؛ لأن المقصود جملته.
وفيه قول آخر؛ أنه يجوز السلم فيها كالحيوان، فعلى هذا: إنما يجوز بعد التنقية وزناً.
ولا يجوز في الجلود على خلقها؛ لأن بعضها يكون أدق، وبعضها أغلظ؛ فلا يمكن ضبطها، والوقوف على عطفاتها.
ويجوز في قطع الجلود والأديم وزناً.
ويجوز في مربعات الصرم وزناً.
ولا يجوز في الخفاف والنعال لأنها طاقات تشتمل على أشياء مختلفة من الجبس، والغرى، والخيط، وغيرها.

ويجوز في النعال السبتية التي هي طاقة واحدة، ويجوز في البياض عدداً، ويبين طوله وعرضه.
والله أعلم.
باب التسعير روي عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: يا رسول الله: سعر لنا، فقال: "إن الله هو المسعر، القابض الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة دم ولا مال".

التسعير: أن يقول الإمام: بيعوا من طعام كذا كل من بكذا، فالأولى ألا يفعل ذلك، وهل يجوز؟ نظر: إن كان [في] وقت رخص الأسعار، وسون الأسواق - لا يجوز، وإن كان في وقت الغلاء واضطراب الأسواق: فعلى وجهين: أحدهما: وبه قال مالك: يجوز، نظراً للناس.
والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم، فلا يجوز الحجر عليهم فيها.
والدليل عليه ما رُوي عن عمر أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة وبين يديه غرارتان فيهما زبيباً، فسأله عن سعره، فأخبره، فقال عمر - رضي الله عنه -: إما أن ترفع في السعر، وإما أن تُدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر - رضي الله عنه - حاسب نفسه، ثم أتى حاطباً في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني، إنما هو [شيء] لسبب أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع.
فإذا جوزنا إنما يجوز في الأطعمة، ويحتمل في علف الدواب أيضاً، أما في غيرها فلا يجوز.
والاحتكار في الجملة حرام.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا يحتكر إلا خاطيء".

والاحتكار هو: أن يشتري صاحب المال الكثير الطعام في وقت الغلاءن والضيق، ولا يدعه للضعفاء، ثم يحبسه حتى يبيعه منهم بأغلى، إذا انتهت بهم الحاجة.
أما من اشترى في الرخص وكساد الأسواق، وحبسه ليبيع في وقت الغلاء بأغلى - فلا بأس به، وهو كالجالب، وقد جاء في الحديث: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون".
ولو اشترى شيئاً لنفقته ونفقة عياله في وقت الغلاء وفضل منه شيء فباعه بأغلى جاز، وكذلك لو حبس غلة ضيعة ليبيع بأغلى - لا يدخل تحت الوعيد، لكن الأولى أن يمسك نفقة سنة لنفسه وعياله ومؤناته، فإن خاف غلاء فنفقته سنتين، ويبيع الفضل.
وهذا الوعيد فيما هو قوت في الحبوب، وفي الثمر، والزبيب دون سائر الأطعمة.

باب امتناع ذي الحق من أخذه إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه بعد المحل؛ كما أسلم فيه جنساً ونوعاً ووصفاص - يجب على المسلم قبوله، ولا يجوز قبول غير جنسه؛ لأن الاستبدال عن المسلم فيه قبل القبض - لا يجوز.
ولو أتى بجنسه ونوعه، غير أنه رديء لا يجبر على القبول، ولو قبل جاز، ولو كان أجود أجبر على القبول.
ولو أتى بجنسه من نوع آخر؛ مثل إن أسلم في عنب أبيض فأتى بأسود، أو في زبيب طائفي، فأتى بنوع آخر، وفي ثوب هروي فأتى بمروي، أو في عبد تركي فأتى بهندي - لا يجبر على القبول.
وهل يجوز له قبوله؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه استبدال كما لو أتى بجنس آخر.
والثاني: يجوز، لأن الجنس واحد؛ كما لو رضي بالرديء عن الجيد.
ولا يجوز أخذ الدقيق عن الحنطة.
وإذا أسلم في شيء يوصف، فأتى بأقل مما يقع عليه اسم ذلك الوصف - يجبر على قبوله، ولا يشترط النهاية فيه.
ويجب أن يسلم الحنطة نقية من الفصل، والزوان، والترابن والمدر، إلا القليل الذي لا يؤثر في طعمه، ولا يؤثر في كيله، فيجب القبول معه؛ لأنه قل ما يخلو عنه.
ويجب أن يسلم الثمر جافاً، والرطب صحيحاً غير متشدخ.
ولو أسلم في لحم طير - ليس له أن يزن عليه الرأس، والرجل من دون الفخذين.
وفي لحم الحيتان لا يزن عليه الرأس، والذنب من حيث لا لحم عليه، وإن أسلم في الحيتان الصغار يجوز أن يزن عليه الرأس والذنب.
وفي الطيور الصغار، كالفراخ وكالعاصفير - يزن عليه الراس دون الرجلين؛ لأن رءوسهما تؤكل، ويجب تسليمها بعد تنقية الأجواف من الأحشاء.
ولو أسلم في شيء وزناً، لا يجوز أن يأخذه كيلاً، ولو أسلم كيلاً لا يجوز أن يأخذه وزناً.

وعند الكيل لا يزلزل الصاغ، ولا يضع الكف على جوانبه، بل يسوي مع رأس المكيال، ولو أتى بالمسلم فيه قبل محله، أو له على آخر دين مؤجل، فأتى به قبل محله - هل يجبر صاحب الحق على قبوله نُظر: إن كان له غرض في الامتناع، بأن كان أيام نهب، أو عند خوف غرقن أو كان حيواناً يحتاج إلى علفه، ويخاف هلاكه.
أو كانت ثمرة يريد أكلها عند المحل طرياً - لا يلزمه قبوله، وإن لم يكن له غرض، نظر: إن كان للدافع غرض صحيح؛ كالمكاتب يعجل نجومه ليعتق، أو كان بالدين رهن، وهو يريد - فكاكه، أو به ضامن يريد إبراره - يجبر على القبول.
فإن لم يكن لواحد منهما غرض ففيه قولان: أصحهما: يجبر على القبول؛ لأن فراغ ذمة المدين غرض ظاهر.
وإن كان الحق حالاً يجبر على القبول، ولا يراعي غرض صاحب الحق، فكل موضع أوجبنا القبول، فلم يقبل أخذه الحاكم.
وإن كان رب الدين غائباً، فأتى به الحاكم - هل يجب أن يقبله؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب كالبيع إذا أتى به؛ يجب على الحاكم قبضه.
والثاني: لا يجوز أن يقبل؛ لأنه لا نظر للغائب فيه، من حيث إن الدين في الذمة لا يخشى عليه الهلاك، وإذا صار عيناً يُخشى عليه الهلاك.
والله أعلم.
تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع وأوله: "كتاب الرهن"

التهذيب في فقه الإمام الشافعي

تأليف الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي المتوفي سنة 516 هـ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية الرهن - التفليس - الحجر- الصلح- الحوالة- الضمان- الشركة الوكالة - الأقرار- العارية- الغصب- الشفعة- القراض- المساقاة الأجازة- إحياء الموات- العطايا والحبس- اللقطة

منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

سم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل